← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 11401

ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها

جمال بن محمد السيد

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وابن عباس؟ قال: "أما ابن عباس فنعم، وإن في سماعه من عائشة نظراً"١. وقال أبو حاتم: "أبو الزبير رأي ابن عباس رؤية، ولم يسمع من عائشة"٢. وقال ابن عيينة: "يقولون: أبو الزبير المكي لم يسمع من ابن عباس"٣ قال العلائي - عقب نقله كلام هؤلاء الأئمة -: "حديثه عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة في صحيح مسلم"٤. قلت: ولكنَّ هذا على قاعدة مسلم المعروفة، وهي: اكتفاؤه في السند المعنعن بإمكان اللقاء دون ثبوته، وهذا - على فرض قبوله - يكون في غير المدلسين، أما إذا كان المُعَنْعِنُ مُدَلِّسَاً، فإنهم لم يختلفوا في عدم قبول ما عنعنه، وإنما الخلاف في قبول عنعنة المدلس إذا كان ممن عُلِمَ لقاؤه بمن عنعن عنه. وأبو الزبير من المدلسين المشهورين بذلك، فتكون هذه علة أخرى في الحديث، وهي: ثانياً: عنعنة أبي الزبير وهو مُدَلِّسٌ: وقد أَعَلَّهُ بذلك جماعة، فقال ابن حزم ﵀ بعد أن ذكر تدليس أبي الزبير-: "ولسنا نحتجُّ من حديثه إلا بما فيه بيان أنه سمعه، وليس في هذا بيان سماعه منهما"٥. وقال ابن القطان: "عندي أن هذا الحديث ليس بصحيح، إنما طاف النبي ﷺ يومئذٍ نهاراً، وإنما اختلفوا: هل صلى الظهر بمكة أو

стр. 982

رجع إلى منىً فصلى الظهر بها بعد أن فرغ من طوافه؟ ... وجابر يقول: إنه صلى الظهر بمكة، وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية أبي الزبير هذه ... وهو شيء لم يرو إلا من هذا الطريق، وأبو الزبير مُدَلِّسٌ، ولم يذكر هاهنا سماعاً من عائشة"١. وتعقب الحافظ العراقي الترمذي في تحسينه إياه: بأنه معلول بعنعنة أبي الزبير٢. وأعله الشيخ الألباني - أيضاً - بعنعنة أبي الزبير وهو مدلس٣. ثالثاً: أن هذا الحديث قد عارضه ما هو أصح منه وأثبت: وذلك من حديث جابر، وابن عمر، ومن حديث عائشة نفسها، كما تقدم ذكر ذلك عن ابن القَيِّم ﵀. قال النووي ﵀: " ... إن روايات جابر، وابن عمر، وأم سلمة عن عائشة: أصحُّ وأشهرُ وأكثر رواة، فوجب تقديمها، ولهذا رواها مسلم في صحيحه دون حديث أبي الزبير وغيره"٤. وحديث ابن عمر المشار إليه: أخرجه مسلم في (صحيحه) ٥ من طريق: نافع، عن ابن عمر ﵄: "أَنَّ رسول الله ﷺ أَفَاضَ يوم النَّحْرِ، ثم رجع فصلى الظهر بمنى".

стр. 983

وأما حديث جابر: فهو ضمن حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ ، وفيه قوله: " ... ثم ركب رسول الله ﷺ ، فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر ... ". وهو في (صحيح مسلم) ١ أيضاً. وأما حديث عائشة: فقد أخرجه البخاري في (صحيحه) ٢ من طريق: أبي سلمة بن عبد الرحمن عنها ﵂، أنها قالت: حججنا مع النبي ﷺ ، فأفضنا يوم النحر ... ". فهذه الأحاديث الصحيحة عارضت حديث أبي الزبير المتقدم، وفي جميعها: أن النبي ﷺ أفاض نهاراً. وقد ذهب البعض إلى الجمع بين هذه الأحاديث، فقال الحافظ ابن حجر ﵀: " ... فَيُحْمَلُ حديث جابر وابن عمر على اليوم الأول، وحديث ابن عباس هذا على بقية الأيام"٣. وتعقبه الشيخ الألباني، فقال: "وهذا التأويل ممكن بناءً على اللفظ الذي عند البخاري: "أَخَّرَ الزيارة إلى الليل". وأما الألفاظ الأخرى فهي تأبى ذلك؛ لأنها صريحة في أنه طواف الإفاضة في اليوم الأول، يوم النحر"٤. وسبق ابن حجر إلى محاولة الجمع أيضاً: النوويُّ ﵀، فقال في جوابه عن هذه الأحاديث: " ... أن يُتَأَوَّلَ قوله: "أَخَّرَ طواف يوم

стр. 984

النحر إلى الليل". أي: طواف نسائه، ولابدَّ من التأويل للجمع بين الأحاديث"١. قلت: بل الجمع غير لازم هنا، ويَتَعَيَّنُ الترجيح؛ لأن المعارض لهذه الأحاديث الصحيحة ضعيف لا يقاومها، قال الشيخ الألباني ﵀: "ولذلك فلا بد من الترجيح، ومما لا شكَّ فيه أن حديث ابن عمر أصحُّ من هذا، مع ما له من الشاهدين من حديث جابر، وعائشة نفسها"٢. فَتَلَخَّص من ذلك: أن حديث أبي الزبير، عن عائشة وابن عباس: حديث ضعيف، ومع ضعفه فقد عارضته الأحاديث الصحيحة الصريحة في طوافه ﷺ طواف الزيارة نهاراً، فوجب تقديم هذه الأحاديث على هذا الضعيف، وهذا ما اختاره ابن القَيِّم ﵀، وهو الصواب، والله أعلم.

стр. 985

١١- باب الشرب من ماء زمزم ٥٩ - (١٤) عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَه ". قال ابن القَيِّم ﵀: "وقد ضَعَّفَ هذا الحديث طائفة بعبد الله بن المُؤَمَّل راويه عن محمد بن المنكدر، وقد روينا عن عبد الله بن المبارك: أنه لَمَّا حجَّ أتى زمزم، فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁، عن نَبَيِّكَ ﷺ أنه قال: "ماء زمزم لما شُرِبَ له " وإني أشربه لظمأ يوم القيامة، وابن أبي الموالي ثقة، فالحديث إذن حسن، وقد صححه بعضهم، وجعله بعضهم موضوعاً، وكلا القولين فيه مجازفة"١. قلت: هذا الحديث يُروى عن جابر ﵁ من طريقين: الطريق الأول: أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣ والطبراني في (الأوسط) ٤، والبيهقي في (سننه) ٥، والعقيلي

стр. 986

في (الضعفاء) ١، والخطيب في (تاريخ بغداد) ٢ من طرق، عن: عبد الله بن المُؤَمَّل٣، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ به. وهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف عبد الله بن المُؤَمَّل، وبه ضعفه ابن القطان٤، وضعفه - أيضاً - النووي في (المجموع) ٥. وقال العقيلي: "لا يُتابع عليه". وكذا قال ابن حبان في (المجروحين) ٦. وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا عبد الله بن المُؤَمَّل". وقال البيهقي عقب إخراجه: "تَفَرَّدَ به عبد الله بن المُؤَمَّل". قلت: أما تضعيفه بابن المُؤَمَّل: فنعم، وأما القول بأنه تَفَرَّدَ به: فلا؛ فقد تابعه إبراهيم بن طهمان٧، كما نَبَّهَ على ذلك صاحب (الجوهر النقي) ٨ فقال - متعقباً البيهقي -: "قلت: لم ينفرد به، بل

стр. 987

تابعه إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، كذا أورده البيهقي نفسه فيما بعد، في باب الرخصة في الخروج بماء زمزم". والحديث في (سنن البيهقي) ١ من طريق: أحمد بن إسحاق البغدادي، عن معاذ بن نجدة، عن خَلاَّد بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، وفيه قصة. وأعلَّ الحافظ ابن حجر ﵀ هذه المتابعة لابن المُؤَمَّل، فقال: "ولا يصحُّ عن إبراهيم ... إنما سمعه إبراهيم من ابن المُؤَمَّل"٢. وتعقبه الشيخ الألباني فقال: "ولا أدري من أين أخذ الحافظ هذا التعليل، فلو اقتصر على قوله: لا يصح عن إبراهيم. لكان مما لا غُبَارَ عليه"٣. وأَعَلَّهَا الشيخ الألباني ﵀ بجهالة أحمد بن إسحاق البغدادي٤. لكنه قال مرةً: "إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات"٥! وأعلَّ ابن القطان هذا الحديث بعنعنة أبي الزبير، فقال: "تدليس أبي الزبير معلوم"٦. فَتَعَقَّبَهُ ابن الملقن في (البدر المنير) ٧ بقوله: "قلت: قد

стр. 988

صَرَّحَ بالتحديث في رواية ابن ماجه، وكذا البيهقي في باب الرخصة في الخروج بماء زمزم". لكن تَعَقَّبَ ذلك الشيخ الألباني، فقال عن طريق ابن ماجه هذه: "لكنها رواية شاذة غير محفوظة، تَفَرَّدَ بها هشام بن عَمَّار ... وهشام فيه ضَعْفٌ ... والوليد بن مسلم مُدَلِّسٌ ولم يُصَرِّحْ بسماعه من ابن المُؤَمَّل١. وقد خالفه رواة الطرق الأخرى، وهم ستة، فقالوا: عن أبي الزبير، عن جابر. فروايتهم هي الصواب"٢. قلت: فإن سُلِّمَ تَعَقُّبُ الشيخ الألباني هذا، فتبقى عنعنة أبي الزبير علة أخرى في هذا الطريق كما قال ابن القطان. هذا ما يتعلق بالكلام عن الطريق الأول عن جابر، وقد ظهر ما فيه. الطريق الثاني: أخرجه الخطيب في (تاريخ بغداد) ٣ في ترجمة عبد الله بن المبارك بسنده إلى سويد بن سعيد٤ قال: رأيت عبد الله بن المبارك بمكة أتى زمزم فاستقى منه شَرْبَةً، ثم استقبل الكعبة، ثم قال:

стр. 989

اللهم إن ابن أبي الموالي١ حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "ماء زمزم لما شُرِبَ له". وهذا أَشْرَبُهُ لعطش القيامة. ثم شَرِبَه. وأخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) ٢ وقال: "غريب، تَفَرَّدَ به سويد" ونقل ذلك عنه ابن حجر في (التلخيص الحبير) ٣ ثم قال عن سويد: "وهو ضعيف جداً، وإن كان مسلمٌ قد أخرج له في المتابعات ... " إلى أن قال: "وقد خَلَّطَ في هذا الإسناد، وأخطأ فيه عن ابن المبارك، وإنما رواه ابن المبارك، عن ابن المُؤَمَّل، عن أبي الزبير، كذلك رويناه في (فوائد أبي بكر ابن المقري) من طريق صحيحة، فَجَعَلَه سويد: عن ابن أبي الموالي، عن ابن المنكدر. واغْتَرَّ الحافظ شرف الدين الدمياطي بظاهر هذا الإسناد، فحكم بأنه على رسم الصحيح؛ لأن ابن أبي الموالي انفرد به البخاريّ، وسويداً انفرد به مسلمٌ، وغفل عن أن مسلماً إنما أخرج لسويد ما توبع عليه، لا ما انفرد به، فضلاً عما خُولف فيه". وقد رُوِيَ هذا الحديث عن ابن عباس، لكنه شديد الضَّعْفِ، بل باطل، كما سيأتي بيانه، فقد أخرجه: الدارقطني في (سننه) ٤ عن:

стр. 990

عمر بن الحسن بن علي. والحاكم في (المستدرك) ١ عن: علي بن حمشاد العدل، كلاهما عن: محمد بن هشام بن عيسى المروزي، ثنا محمد بن الحبيب الجارودي، ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: قال سول الله ﷺ : "مَاءُ زَمْزَم لما شُرِبَ له، إن شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي به شفاكَ الله، وإن شربته لِشِبَعِكَ أشبعك الله به، وإن شربته ليقطع ظمأك قطعه الله. وهي هَزْمَة٢ جبريل، وسُقْيَا الله إسماعيل". هذا لفظ الدارقطني. وعند الحاكم: "وإن شربته مستعيذاً عاذك الله" بدل: "وإن شربته لشبعك ... ". وليس عنده: "وهي هزمة جبريل ... ". قال أبو عبد الله الحاكم - عقب إخراجه -: "هذا حديث صحيح الإسناد إن سَلِم من الجارودي، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وهذا الحديث له ثلاث علل - كما قال الشيخ الألباني٣رحمه الله -: العلة الأولى: أن محمد بن حبيب الجارودي أخطأ فيه عن ابن عيينة فجعله موصولاً مسنداً، وغيره جعله عن ابن عيينة عن مجاهد قوله،

стр. 991

قال ابن حجر: "والجارودي صدوق، إلا أن روايته شاذة، فقد رواه حُفَّاظُ أصحاب ابن عيينة: الحميدي، وابن أبي عمر، وغيرهما عن أبن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله"١. وقال الحافظ الذهبي في ترجمة الجارودي هذا: "أتى بخبر باطلٍ اتُّهِمَ بسنده"٢. العلة الثانية: جهالة محمد بن هشام المروزي راويه عن الجارودي، قال ابن القطان: "لا يُعرف حاله"٣. العلة الثالثة: ضعف عمر بن الحسن الأشناني، شيخ الدارقطني في هذا الخبر. قال الذهبي في ترجمته في (الميزان) ٤: "صاحب بلايا" ثم ساق هذا الحديث من طريق الدارقطني، ثم قال: "وابن حبيب - يعني الجارودي - صدوقٌ، فآفة هذا هو عمر، فلقد أَثِمَ الدارقطني بسكوته عنه، فإنه بهذا الإسناد باطلٌ، ما رواه ابن عيينة قطُّ، بل المعروف حديث عبد الله بن المُؤَمَّل، عن أبي الزبير، عن جابر مختصراً". قال الشيخ الألباني ﵀: "وجملة القول: أن الحديث بالزيادة التي عند الدارقطني موضوعٌ؛ لتفرد هذا الأشناني به، وهو بدونها باطلٌ؛ لخطأ الجارودي في رفعه، والصواب: وقفه على مجاهد. ولئن قيل: إنه لا

стр. 992

يُقَالُ من قِبَلِ الرأي فهو في حكم المرفوع؟ فإن سُلِّمَ هذا، فهو في حكم المرسل، وهو ضعيف"١. وقد جعله السخاوي شاهداً لحديث جابر المتقدم٢، فتعقبه الشيخ الألباني بقوله: "ولكنه عندي ضعيف جداً فلا يصلح شاهداً، بل قال فيه الذهبي: خبر باطل"٣. ولحديث جابر شاهدٌ آخر عن معاوية ﵁ موقوفٌ عليه، أشار إليه السخاوي في (المقاصد الحسنة) ٤ فقال - بعد أن ساق حديث جابر وابن عباس الماضيين -: "وأحسن من هذا كله عند شيخنا: ما أخرجه الفاكهي، من رواية ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: لما حجَّ معاوية فحججنا معه، فلما طافَ بالبيت ... " فذكره، وفيه أن معاوية أمر بدلوٍ من زمزم، فشربه، ثم قال: "زمزم شفاء، وهي لما شُرِبَ له". قال السخاوي: "بل قال شيخنا: إنه حسن مع كونه موقوفاً. وأفرد فيه جزءاً". قلت: ومما يشهد لمعناه: حديث أبي ذر ﵁ يرفعه: "إنها مباركة وهي طعام طُعْمٍ، وشفاء سُقْمٍ". واستشهد به ابن حجر للحديث المتقدم٥، وهو في (مسند الطيالسي) ٦.

стр. 993

فالحاصل: أن هذا الحديث يَتَقَوَّى بمجموع هذه الطرق، فيكون حسناً لغيره، لا لذاته كما يفهم من كلام ابن القَيِّم رحمه الله١؛ إذ إنَّ طُرُقَهُ كلها لم تَسْلَم من الضَّعْفِ. وحَسَّنَه الحافظ المنذري في (كلامه على أحاديث المهذب) ٢. وقال الحافظ ابن حجر: "ومرتبة هذا الحديث: أنه باجتماع هذه الطرق يصلح للاحتجاج به"٣. وقال مرة: "غريب، حسنٌ بشواهده"٤. بقي التنبيه على أمرٍ وقع لابن القَيِّم ﵀، وهو قوله في هذا الحديث: "وقد ضَعَّفَ هذا الحديث طائفة بعبد الله بن المُؤَمَّل راويه عن محمد بن المنكدر". كذا قال، وقد عُلِمَ مما سبق أنَّ ابن المُؤَمَّل إنما يرويه عن أبي الزبير، وأن الذي رواه عن ابن المنكدر هو ابن أبي الموالي.

стр. 994

١٢- باب فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ ذكر ابن القَيِّم ﵀ فضلَ مكة، والبيت الحرام، وأنه أَفْضَلُ بقاع الأرض على الإطلاق، فقال: "وَثَبَتَ عن النبي ﷺ أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، ففي (سنن النسائي) ، و (المسند) بإسناد صحيح، عن: ٦٠ - (١٥) عبد الله بن الزبير، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "صلاة في مَسْجِدي هذا أفضل من أَلف صلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إلا المسجدَ الحرامَ، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مَسْجِدي هذا بمائة صلاةٍ ". ورواه ابن حبان في صحيحه١. قلت: هذا الحديث أخرجه: أحمد في (مسنده) ٢، وابن حبان في (صحيحه) ٣، والبيهقي في (سننه) ٤، وابن عبد البر في (التمهيد) ٥، كلهم من طريق: حَمَّاد بن زيد، عن حبيب الْمُعَلَّم٦.

стр. 995

وأخرجه الطيالسي في (مسنده) ١ عن: الربيع بن صبيح٢. كلاهما - حبيب والربيع - عن: عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن الزبير، عن النبي ﷺ به، ووقع عند الطيالسي قول عطاء: "بينما ابن الزبير يخطبنا إذ قال: قال رسول الله ﷺ ... " الحديث، قال عطاء في آخره: "فكأنه مائة ألف". وعند ابن حبان: "وَصَلاةٌ في ذاكَ أَفْضَل من مائةِ صلاةٍ في هذا ". وعزاه الهيثمي في (مجمع الزوائد) ٣ لأحمد، والطبراني، والبزار، وأما ما قاله ابن القَيِّم ﵀ من أن هذا الحديث في (سنن النسائي) فإنني لم أقف عليه فيه بعد البحث، ولا هو في (السنن الكبرى) له فيما بحثت، ولم يذكره المزيُّ في (تحفة الأشراف) في مسند ابن الزبير، فلعله سبق قلم من ابن القَيِّم ﵀. وإسناد هؤلاء الجماعة - ما عدا الطيالسي - صحيح على شرط الشيخين، وإلى ذلك أشار الهيثمي ﵀، فقال: "ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح"٤. ولكن رُوِيَ هذا الحديث عن عطاء من وجهٍ آخر موقوفاً على

стр. 996

ابن الزبير، أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) ١ عن: ابن جريج. وابن عبد البر في (التمهيد) ٢ من طريق: حجاج بن أرطاة٣، كلاهما عن: عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن الزبير موقوفاً عليه. ولفظ عبد الرزاق: عن عطاء، أنه سمع ابن الزبير يقول على المنبر: "صلاة في المسجد الحرام خيرٌ من مائة صلاة فيما سواه من المساجد". قال: ولم يُسَمِّ مسجد المدينة، فَيُخَيَّلُ إليَّ أَنَّمَا يريد مسجد المدينة. ولفظ ابن عبد البر: "الصلاة في المسجد الحرام تفضل على مسجد النَّبيِّ ﷺ بمائة ضِعْفٍ". قال عطاء: فنظرنا في ذلك، فإذا هي تفضل على سائر المساجد بمائة ألف ضِعْفٍ. قال ابن عبد البر: "هكذا رواه عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن الزبير، واخْتُلِفَ في رفعه عن عطاء ... وَمَنْ رَفَعَهُ عنه، عن النبي ﷺ ، أحفظ وأثبت من جهة النقل. وهو أيضاً صحيح في النظر؛ لأنَّ مثله لا يُدْرَكُ بالرأي، ولا بد فيه من التوقيف، فلهذا قلنا: إن مَنْ رَفَعَهُ أولى، مع شهادة أئمة الحديث لِلَّذي رفعه بالحفظ والثقة"٤. وقال أيضاً: "ولكن الحديث لم يُقِمْهُ ولا جَوَّدَهُ إلا حبيب المعلم، عن عطاء، أقام إسناده، وجود لفظه"٥. وقال: "فأسند حبيب المعلم هذا الحديث وَجَوَّدَهُ،

стр. 997

ولم يُخَلِّطْ في لفظه ولا معناه، وكان ثقة"١. ثم أخذ في نقل أقوال الأئمة في توثيق حبيب. ثم قال: "ولم يُرو عن النبي ﷺ من وجهٍ قَوىٍّ ولا ضعيف، ما يعارض هذا الحديث، ولا عن أحد من أصحابه ﵃. وهو حديث ثابت لا مطعن فيه لأحدٍ، إلا لِمُتَعَسِّفٍ لا يُعَرَّجُ على قوله في حبيب المعلم ... وقد رواه الحجاح بن أرطاة، عن عطاء، مثل رواية حبيب المعلم سواء"٢. قلت: وقد تابعَ حبيباً على رفعه الربيع بن صبيح، كما تقدم عند الطيالسي، ومع ذلك، فإنه لا يمتنع أن يكون رُوِيَ عن ابن الزبير على الوجهين، فمع أنه كان عنده مرفوعاً عن النبي ﷺ ، إلا أنه كان ربما لا يرفعه، وبخاصة أنه قاله في خطبة له على المنبر، وإلا فإنه مما لا مجال فيه للرأي، ولابدَّ فيه من توقيف كما تقدم في كلام ابن عبد البر ﵀. ويؤكده: أن حجاج بن أرطاة قد روى المرفوع أيضاً، فدلَّ ذلك على أن الحديث عن ابن الزبير على الوجهين. فَتَلَخَّص من ذلك: أن الحديث صحيح الإسناد، كما قال ابن القَيِّم ﵀، ولا مطعن لأحدٍ فيه، وما رُوي من ذلك موقوفاً على ابن الزبير لا يُعَلُّ به المرفوع، فإما الجمع بينهما، أو ترجيح المرفوع، وهو ظاهرٌ، والله تعالى أعلم.

стр. 998

من كتاب الجهاد ١ ـ باب ما جاء في حلية السيف ... ١ - باب ما جاء فِي حلية السيف ٦١- (١) عن أنس ﵁، أنه قال: "كانت قَبِيعَةُ١ سيف رسول الله ﷺ من فضة". حَكَمَ جماعة من الحفاظ بعدم صحة هذا الحديث مسنداً، وأن الصواب فيه: عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن البصري، عن النبي ﷺ مرسلاً. وقد استعرض ابن القَيِّم ﵀ بعض أقوالهم، ثم قال: "والصواب أن حديث قتادة، عن أنس محفوظ من رواية الثقات الضابطين المتثبتين: جرير بن حازم وهمام، عن قتادة، عن أنس. والذي رواه عن: قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن مرسلاً: هو هشام الدستوائي، وهشام وإن كان مقدماً في أصحاب قتادة، فليس هَمَّام وجرير إذا اتَّفَقَا بدونه"٢. قلت: هذا الحديث أخرجه: أبو داود في (سننه) ٣ من طريق: مسلم بن إبراهيم. والترمذي في: (جامعه) ٤، وفي (الشمائل) ٥ من

стр. 999

طريق: وهب بن جرير. والدارمي في (مسنده) ١ من طريق: أبي النعمان. والبيهقي في (سننه) ٢ من طريق: سهل بن بَكَّار، كُلُّهم عن: جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس ﵁ به. قال أبو عيسى الترمذي: "حديث حسن غريب". وقد تابع جريراً على روايته هذه: هَمَّام بن يحيى، فأخرجه النسائي في (سننه) ٣ من طريق: عمرو بن عاصم٤، عن: همام وجرير، كلاهما عن: قتادة به، ولفظه: " كان نَعْلُ٥ سيف رسول الله ﷺ من فضة، وقبيعة سيفه فضة، وما بين ذلك حِلَقُ فضة". هكذا رواه جرير وهمام، عن قتادة، عن أنس مرفوعاً. ورواه هشام الدستوائي عن قتادة على خلاف ذلك: فأخرجه: أبو داود في (سننه) ٦ - ومن طريقه: البيهقي٧ - والترمذي في (الشمائل) ٨ من طريق: معاذ بن هشام. وأخرجه النسائي

стр. 1000

في (سننه) ١ من طريق: يزيد بن زريع٢، كلاهما عن: هشام الدستوائي، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن٣، عن النبي ﷺ مرسلاً. وقد حَكَمَ الأئمة للرواية الُمُرْسَلة على الأخرى، فقال أبو داود: "أقوى هذه الأحاديث: حديث سعيد بن أبي الحسن، والباقية ضعاف"٤. وقال النسائي: "هذا حديث منكر - يعني المتصل- والصواب: قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن"٥. وفي (علل أحمد) ٦: قال عبد الله: "حدثني أبي، عن عفان، قال: جاء أبو جُزَيّ٧ إلى جرير بن حازم يشفع لإنسان يُحَدِّثُه، فقال جرير: حدثنا قتادة، عن أنس قال: "كانت قبيعة ... "، قال أبو جُزَيّ: كَذَبَ والله، ما حدثناه قتادة إلا عن سعيد بن أبي الحسن. قال أبي: وهو قول أبي جُزَيّ". يعني أصاب، وأخطأ جرير. فهذه متابعة من أبي جُزَيّ لهشام الدستوائي، وأشار إلى روايته

стр. 1001

هذه: الدارقطني في (علله) ١، وأيد الإمام أحمد ﵀ رواية الإرسال، وصَدَّقَ أبا جُزَيّ في قوله. وقال الدارمي - عقب روايته -: "هشام الدستوائي خالفه ... وزعم الناس أنه هو المحفوظ". وقال أبو بكر البزار: "إنما يُرْوَى عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن مرسلاً، وهو الصواب"٢. وقال الدارقطني: "اخْتُلِفَ فيه على قتادة ... ورواه هشام الدستوائي، ونصر بن طريف: عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن مرسلاً، وهو الصواب"٣. وقال البيهقي: "تَفَرَّدَ به جرير بن حازم، عن قتادة ... والحديث معلول". ثم ذكر المرسل وقال: "وهو المحفوظ"٤. وقد تَقَدَّمَ أن جريراً لم ينفرد بذلك، وإنما تابعه: هَمَّامُ بن يحيى، كما عند النسائي ﵀، وَقَدَّمَ المرسل أيضاً: الحافظ المنذري، وقال: "إنه الصواب". كما نقله عنه صاحب (البدر المنير) ٥. وعند النظر، نجدُ أن الراجح ما رَجَّحَهُ هؤلاء الأئمة ﵏؛ فإن جريراً في حديثه عن قتادة ضعف، قال عبد الله بن الإمام أحمد: "سألت ابن معين عنه؟ فقال: ليس به بأس. فقلت: إنه يحدث عن قتادة، عن أنس أحاديث مناكير. فقال: ليس بشيء، هو عن

стр. 1002

قتادة ضعيف"١. وقال الميموني عن أحمد: "كان حديثه عن قتادة غير حديث الناس، يوقف أشياء، ويسند أشياء"٢. وقال الأثرم عن أحمد: "كان يُحَدِّثُ بالتوهم أشياء عن قتادة يُسْنِدُها، بواطيل"٣. وقال ابن عدي: " ... هو مستقيم الحديث صالحٌ فيه، إلا روايته عن قتادة، فإنه يروي عنه أشياء لا يرويها غيره"٤. وقال الذهبي: "وفي الجملة: لجرير، عن قتادة أحاديث منكرة"٥. فالغالب - والله أعلم - أن الخطأ في ذلك من جرير، وأنه أخطأ فيه عن قتادة، وقد تقدم أن أبا جُزَيّ كَذَّبَه لما حَدَّثَ به أمامه عن: قتادة، عن أنس، وَصَوَّبَ الإمام أحمد أبا جُزَيّ في ذلك كما مضى. فإن قِيْلَ: قد تَابَعَهُ همام بن يحيى، عن قتادة؟ قيل: همامٌ وإن كان ثقة، فإنه ربما وَهِمَ، وَتَكَلَّمَ بعضهم في حفظه. وهو وإن كان ثبتاً في قتادة، فليس هو مثل هشام الدستوائي فيه٦، حتى إن شعبة - على جلالته، وفضله، وحفظه لحديث قتادة - يقول: "هشام الدستوائي أعلم بقتادة، وأكثر مجالسة له مني"٧. ولما ذكر عليُّ بن المديني أصحاب قتادة، قال: "كان هشام أرواهم عنه ... "٨.

стр. 1003

ومع ذلك، فقد تَفَرَّدَ عن همام: عمرو بن عاصم القيسي، وفي حفظه شيء١، وسأل الآجريُّ أبا داود عنه؟ فقال: "لا أنشط لحديثه". ثم سأله عنه وعن الحوضي في هَمَّام؟ فقدم الحوضي٢. وما دام الرَّجل - أعني عمرو بن عاصم - بهذه المثابة، فلا يبعد أن يكون وَهِمَ فيه على همام بن يحيى، ولذلك قال الإمام النسائي: "وما رواه عن همام غير عمرو بن عاصم"٣. فالحاصل: أن هذا الحديث وَصَلَهُ عن قتادة، عن أنس: جرير ابن حازم، وتابعه عليه همام بن يحيى. وخالفهم في ذلك: هشام الدستوائي، فرواه عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن مرسلاً، وهو الراجح. فإذا تقرر ذلك، فإن ما قاله ابن القَيِّم ﵀ من تقوية الرواية الموصولة، غير مُسَلَّمٍ، لما تَقَدَّمَ. ومع ذلك، فقد روي هذا الحديث من طريق أبي أمامة بن سهل، ومزيدة العصري وغيرهما٤، مما يقوى حديث أنس المتصل، ويثبت أن له أصلاً، والله أعلم.

стр. 1004

٨ - من كتاب الجنائز ١- باب في الغسل من غسل الميت ٦٢- (١) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ غَسَّلَ الْمَيْتَ فَلَيَغْتَسلْ، ومن حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأ". ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث، ونقل عن الشافعي التوقف عن تصحيحه، وعن أبي داود إعلاله، ثم ذكر للحديث أَحَدَ عَشَرَ طَرِيقَاً، ثم قال: "وهذه الطُّرُقُ تدلُّ على أن الحديث محفوظ"١. قلت: هذا الحديث يُروى عن أبي هريرة من طرق: الطريق الأول: عن أبي صالح السَّمَّان، عن أبي هريرة. أخرجه البيهقي في (سننه) ٢ من طريق: القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح به. وأخرجه الترمذي في (جامعه) ٣، وابن ماجه في (سننه) ٤، والبيهقي٥ من طريق: سهيل بن أبي صالح٦، عن أبيه٧، عن أبي هريرة

стр. 1005

به، ولفظ الترمذي والبيهقي: "مِنْ غُسْلِهِ الغُسْلُ. ومن حَمْلِهِ الوضوءُ" يعني الميت، أما ابن ماجه فلفظه: "مَنْ غَسَّلَ مَيِتاً فليغتسل". رواه عن سهيل هكذا جماعة، منهم: حماد بن سلمة، ووهيب، وزهير بن محمد، وعبد العزيز بن المختار وغيرهم١، وخالفهم سفيان بن عيينة، فرواه عن: سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن إسحاق٢ مولى زائدة، عن أبي هريرة به. أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والبيهقي٤ كذلك. "وخالفهم إسماعيل بن جعفر فرواه عن سهيل عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة موقوفاً"٥، كما قال الدارقطني ﵀. وهذه الطريق أعلت بالانقطاع، والوقف، والاضطراب. أما الانقطاع: فقد أشار أبو داود إليه فقال: "أدخل أبو صالح بينه وبين أبي هريرة في هذا الحديث - يعني إسحاق مولى زائدة -". وقال الشافعي: "وإنما لم يقو عندي: أنه يروى عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. ويدخل بعض الحفاظ بين أبي صالح وبين أبي هريرة:

стр. 1006

إسحاق مولى زائدة، فيدل على أن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة"١. وأعله ابن دقيق العيد بذلك أيضاً٢. وقال ابن حجر: "وهو معلول، لأن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة"٣. وأما الوقف: فقد مضى أنه يُروى عن سهيل، عن أبيه، عن إسحاق، عن أبي هريرة موقوفاً عليه٤. وكأن البخاري ﵀ أعله بذلك، فقال لما سأله عنه الترمذي: "روى بعضهم عن سهيل بن أبي صالح، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة موقوفاً"٥. ورجح البيهقي وقفه كما سيأتي من كلامه. وأما اضطرابه: فقد قال به الدارقطني، فبعد أن حكى أوجه الاختلاف فيه قال: "ويشبه أن يكون سهيل كان يضطرب فيه"٦. وقد يُجاب عن هذه العلل، فيقال: أما انقطاعه: فإنه لا مانع أن يكون أبو صالح سمعه من أبي هريرة، ومن إسحاق عن أبي هريرة، فرواه على الوجهين جميعاً، وقد علق الشافعي ﵀ الحكم بصحته على معرفة حال إسحاق، فقال: "وإنما منعني عن إيجاب الغسل من غسل الميت: أن في إسناده رجلاً لم أقع

стр. 1007

من معرفة من ثَبَّتَ حديثه - إلى يومي - على ما يقنعني، فإن وجدت من يقنعني، فإن وجدت من يقنعني أوجبته ... "١. قال ابن حجر: "إسحاق مولى زائدة: أخرج له مسلم، فينبغي أن يصحح الحديث"٢. وأما الوقف: فيمكن أن يقال: إن الرفع زيادة من ثقة وهي مقبولة، ولا سيما أن الذين رفعوه أكثر عدداً. ولكن مع ذلك كله يخشى من احتمال كونه مضطرباً كما حكم به الدارقطني ﵀، فالله أعلم. الطريق الثاني: رواه بن أبي ذئب، عن صالح٣ مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁ به. أخرجه: أحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٤، والخطيب في (موضح أوهام الجمع والتفريق) ٥. والبيهقي في (سننه) ٦ من طريق الطيالسي. وقد أَعَلَّ البيهقي٧، ثم ابن الجوزي٨ هذا الطريق بـ"صالح

стр. 1008

مولى التوأمة"، فقال البيهقي: "صالح مولى التوأمة ليس بالقوي". قلت: وصالح هذا فيه ضعف، واختلاط، فقد ضعفه: يحيى القطان١، ومالك٢، وابن معين٣ في رواية، وأبو زرعة، وأبو حاتم٤، والنسائي٥. ووثقه أحمد٦، وابن معين٧ في رواية، والعجلي٨. فالرجل بهذه المثابة "صدوق" كما حكم به الذهبي٩ وابن حجر. وأما اختلاطه: فقد مَيَّزَ جماعة من الحفاظ حديثه القديم، وحكموا بصحة رواية من روى عنه قبل الاختلاط، منهم: علي بن المديني، وابن معين، والجوزجاني، وابن عدي١٠. وابن أبي ذئب ممن سمع منه قديماً، فيكون حديثه عنه صحيحاً، ولذلك ردَّ ابن التركماني على البيهقي تضعيفه١١.

стр. 1009

الطريق الثالث: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة به. أخرجه البيهقي في (سننه) ١ من طريق: ابن لهيعة، عن حنين بن أبي حكيم، عن صفوان بن أبي سليم، عن أبي سلمة به. ثم قال: "ابن لهيعة وحنين لا يحتج بهما". قلت: وهذا قد صَحَّحَ الأئِمَّةُ وَقْفَهُ، فقال أبو حاتم - وقد سئل عنه -: "هو موقوف عن أبي هريرة، لا يرفعه الثقات"٢. وقال ابن دقيق العيد: "وأما رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: فإسناد حسن، إلا أن الحفاظ من أصحاب محمد بن عمرو رووه عنه موقوفاً"٣. وأخرج البيهقي الرواية الموقوفة من طريق: عبد الوهاب بن عطاء، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة به، ثم قال: "هذا هو الصحيح: موقوفاً على أبي هريرة، كما أشار إليه البخاري"٤. الطريق الرابع: عن عمرو بن عمير٥، عن أبي هريرة. أخرجه أبو داود في (سننه) ٦ – ومن طريقه البيهقي في (سننه) ٧ - من طريق: القاسم بن عباس، عن عمرو بن عمير به. وهذا الطريق ضعيف؛ فإن عمرو بن عمير "مجهول" كما حكم

стр. 1010

بذلك ابن القطان وابن حجر١ رحمهما الله. وبهذا أعله البيهقي، فقال: "عمرو بن عمير إنما يعرف بهذا الحديث، وليس بالمشهور". قال ذلك في (سننه) . الطريق الخامس: عن أبي إسحاق، عن أبي هريرة به. أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) ٢ - ومن طريقه أحمد٣ - من طريق: يحيى بن أبي كثير، عن رجل يقال له: أبو إسحاق، عن أبي هريرة به، وليس فيه الوضوء من حمله. وأخرجه أحمد في (مسنده) ٤ من طريق: يحيى، عن رجل من بني ليث، عن أبي إسحاق به. ويروى هذا عن: أبي إسحاق، عن أبيه، عن حذيفة، أخرجه البيهقي في (سننه) ٥، وذكر اختلافاً فيه، ثم قال: "والمشهور: عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب الأسدي، عن علي ﵁". وقد روى هذا الحديث من طرق أخرى غير ما ذكرنا، واستوعبها البيهقي في (سننه) ٦، ثم قال: "الروايات المرفوعة في هذا الباب عن أبي هريرة غير قوية، لجهالة بعض رواتها وضعف بعضهم، والصحيح: عن أبي هريرة من قوله، موقوفاً غير مرفوع". وقد تقدم معنا ترجيح البخاري

стр. 1011

وأبي حاتم الوقف في بعض طرقه. وأكثر العلماء على ضَعْفِ هذا الحديث كما قال الزيلعي١، والمناوي٢ وغيرهما، وقال الإمام أحمد، وعلي بن المديني، ومحمد بن يحيى الذُّهَلي، وابن المنذر وغيرهم: إنه لا يثبت في هذا الباب شيء٣. وقد تقدم طرف من أقوال العلماء في تضعيف هذا الحديث، وضعفه أيضاً: ابن الجوزي٤، والنووي٥. لكن ذهب جماعةٌ إلى صِحَّتِهِ، وآخرون إلى حُسْنِهِ: فَحَسَّنَه الترمذي، وصححه ابن حبان، وابن حزم٦، وقال ابن دقيق العيد: "وفي الجملة: هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسناً"٧. وقال الذهبي في (مختصر البيهقي) ٨: "طرقُ هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء، ولم يُعِلُّوها بالوقف، بل قَدَّمُوا رواية الرفع". وجعله البغوي من قسم الحسن في (مصابيحه) وتبعه التبريزي في (المشكاة) ٩ ورجح ابن

стр. 1012

حجر تصحيح بعض طرقه١. وَحَسَّنَهُ الحافظ السيوطي٢. وصححه الشيخ الألباني٣. وقد ذهب ابن القَيِّم ﵀ إلى القول بأن الحديث بمجموع طرقه محفوظٌ، ولعلَّ هذا هو ما تطمئن إليه النفس، ولا سيما أن طرق هذا الحديث قد تعدَّدت، مما يجعل الحديث لا يقل عن درجة الحسن. وقد ذهب أبو داود ﵀ إلى أن هذا الحديث منسوخ، لكنه لم يذكر لنا ناسخه، ولا رأيت من قال بقوله. وقد ذهب الأكثرون - كما نقل ابن القَيِّم٤ - إلى عدم وجوب الغسل من غسل الميت، ونقل الإمام أبو داود عن الإمام أحمد أنه يجزئه الوضوء٥. وقال الخطابي: "ويشبه أن يكون الأمر في ذلك على الاستحباب"٦. وقال: "وقد يحتمل أن يكون المعني فيه: أن غاسل الميت لا يكاد يأمن أن يصيبه نَضْحٌ من رشاش الغسول، وربما كان على بدن الميت نجاسة. فإذا أصابه نَضْحُهُ - وهو لا يعلم مكانه - كان عليه غسل جميع البدن، ليكون الماء قد أتى على الموضع الذي أصابه النجس من بدنه"٧.

стр. 1013

٢- باب ما جاء في المشي خلف الجنازة ٦٣- (٢) حديث عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعاً: "الجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ، لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا". ذكر ابن القَيِّم هذا الحديث، وقال: "ضعيف"١. وقد أورده ﵀ دليلاً للقائلين بالمشي خلف الجنازة. قلتُ: الحديث بهذا اللفظ المختصر أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٢ ولفظه: "الجنازةُ متبوعة وليست بتابعة، ليس معها من تقدمها ". ولكن أخرجه بأطول من هذا: أبو داود في (سننه) ٣، والترمذي في (جامعه) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، والبيهقي في (سننه) ٦، كلهم من طريق: يحيى بن عبد الله٧ التيمي، عن أبي ماجد٨، عن عبد الله بن مسعودرضي الله عنه، أنه قال: سألنا نبينا ﷺ عن المشي مع الجنازة؟ فقال: "ما دُوْنَ

стр. 1014

الخبب١، إن يكن خيراً تعجل إليه، وإن يكن غير ذلك فَبُعْدَاً لأهل النار، والجنازة متبوعة ولا تُتْبَعُ، ليس معها من تَقَدَّمَهَا". هذا لفظ أبي داود، ولفظ الباقين نحو، إلا أن الترمذي عنده: "سألنا نبينا ﷺ عن السير خلف الجنازة" وفيه: "وليس منا من تقدمها". والعبارة الأخيرة كذا هي عند أحمد في موضعين٢. وأخرجه عبد الرزاق في (المصنف) ٣ مختصراً كلفظ ابن ماجه المتقدم، لكن فيه سؤال ابن مسعود النبي ﷺ . وهذا الحديث ضعيفٌ، ضَعَّفَهُ جماعة من العلماء، فقال الترمذي: "هذا حديث لا يُعْرَف من حديث عبد الله بن مسعود إلا من هذا الوجه. سمعت محمد بن إسماعيل يُضَعِّفُ حديث أبي ماجد لهذا. وقال محمد: قال الحميدي: قال ابن عيينة: قيل ليحيى: من أبو ماجد هذا؟ قال: طائر طار فحدثنا"٤. وفي (علله) ٥ أنه سأل البخاريَّ عنه؟ فقال: "أبو ماجد منكر الحديث" وضَعَّفَهُ جداً. وقال أبو داود: "وهو ضعيف، هو يحيى بن عبد الله، وهو يحيى الجابر ... أبو ماجدة هذا لا يُعْرف". وقال البيهقي: "أبو ماجد مجهولٌ، ويحيى الجابر: ضَعَّفَهُ جماعة من أهل النقل"٦. وَضَعَّفَهُ المنذري - أيضاً - في (مختصر السنن) ٧. وقال ابن

стр. 1015

الملقن: "هو حديث واهٍ لأجل يحيى الجابر، وأبي ماجدة"١ ثم نقل كلام أئمة الجرح والتعديل فيهما. وَضَعَّفَهُ الشيخ الألباني٢ أيضاً. فيتلخص: أن هذا الحديث ضعيفٌ كما قال ابن القَيِّم ﵀؛ لاتفاقهم على جهالة أبي ماجد، وضَعْفِ يحيى الجابر، والله أعلم.

стр. 1016

٣- باب ما جاء في القيام للجنازة ٦٤- (٣) حديث البراء بن عازب: "خَرَجْنَا مع رسول الله ﷺ في جنازةِ رجل من الأَنْصَارِ، فانتهينا إلى القبر، وَلَمَّا يُلْحَد بعدُ، فجلسَ النبي ﷺ ، وَجَلَسْنَا مَعَهُ". قال ابن القَيِّم: "وهو حديث صحيح"١. ثم تَعَرَّضَ له بعد ذلك، ودفع عنه بعض ما رُمِيَ به من علل٢. وقال مرة: "وهو صحيح، صححه جماعة من الحفاظ"٣. وقد استَدَلَّ ابن القَيِّم ﵀ بهذا الحديث على أن السُّنَّة لِمُتَّبِع الجنازة ألاَّ يجلس حتى توضع، وأن المراد: وضعها على الأرض، فقال: "ويدلُّ على أنَّ المراد بالوضع الوضع بالأرض عن الأعناق: حديث البراء ... " فساقه. قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٤، وأحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٥، والحاكم في (المستدرك) ٦، أربعتهم من طريق: الأعمش.

стр. 1017

وأخرجه النسائي وابن ماجه في (سننيهما) ١، والحاكم - أيضاً - في (مستدركه) ٢، ثلاثتهم من طريق: عمرو بن قيس٣. وأخرجه ابن ماجه والحاكم٤، من طريق: يونس بن خباب٥ كُلُّهم عن: المنهال بن عمرو٦، عن زاذان٧، عن البراء بن عازب ﵁ به. وألفاظهم متفاوتة، وعند بعضهم ما ليس عند الآخر. قال أبو عبد الله الحاكم عقبه: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعاً بالمنهال بن عمرو، وزاذان أبي عمر الكندي"٨.

стр. 1018

وليس كما قال ﵀؛ فإن المنهال احتجَّ به البخاري وحده، وزاذان احتجَّ به مسلم وحده، فكيف يكون على شرطهما؟! وقد أَعَلَّهُ ابن حبان ﵀ في (صحيحه) ١ فقال: " ... وزاذان لم يسمعه من البراء، فلذلك لم أخرجه". وقد نقل ابن القَيِّم ذلك عن ابن حبان، ثم قال: "وهذه العلة فاسدة؛ فإن زاذان قال: سمعت البراء بن عازب ... ذكره أبو عوانة في صحيحه". قلتُ: ورواية الحاكم - أيضاً - فيها التصريح بسماعه منه. وقد أَعَلَّهُ ابن حزم بعلة أخرى، وهي ضعف المنهال بن عمرو٢. ونقل ابن القَيِّم ذلك عنه، ثم قال: "وهي علة فاسدة؛ فإن المنهال ثقة صدوق"٣. قلتُ: قد وثقه جماعة، وغاية ما قيل فيه: أنهم سمعوا صوت طنبور من بيته، ولم يقبل العلماء جَرْحَهُ بذلك، واحتجَّ به البخاري في (صحيحه) ٤.

стр. 1019

وَدَفَعَ ابن القطان القول بتضعيف الحديث بالمنهال بن عمرو، ونقل عن بعض الأئمة توثيقه، ثم قال - رداً على من ضَعَّفَ المنهال بن عمرو بسماع صوت طنبور من بيته -: "فهذا - كما ترى - التعسف فيه ظاهرٌ، ولا أعلم لهذا الحديث عِلَّةً غير ما ذكرت، فاعلمه"١. وألزم عبد الحق بقبول هذا الحديث، فقال ﵀: "وسكت عنه، ولم يبين أنه من رواية المنهال، فكان هذا منه قبولاً له"٢. فثبت بذلك صحَّةُ هذا الحديث - كما حكم ابن القَيِّم ﵀ أو حُسْنُهُ على أقل تقدير، وأن ما ضُعِّفَ به لا ينهض، وحينئذ يَسْلَمُ لابن القَيِّم ﵀ الاستدلال به على جلوس مُتَّبَعِ الجنازة بمجرد وضعها على الأرض، واستدل به ابن حجر على ذلك أيضاً، بعد أن نقل عن أبي عوانة أنه صححه٣. ثم أورد ابن القَيِّم ﵀ بعد ذلك حديثاً للقائلين بأن المراد: الوضع في اللَّحْدِ، وهو: ٦٥- (٤) حديث عبادة بن الصامت ﵁، أنه قال: "كَانَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُومُ فِي الْجنازة حتى تُوضعَ في اللَّحْدِ ". قال ابن القَيِّم: "لكن في إسناده بشر بن رافع". ثم نقل أقوال الأئمة: الترمذي، والبخاري، وأحمد، وابن معين، والنسائي، وابن

стр. 1020

حبان في تضعيف بشر هذا١. قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه في (سننهم) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣، والحازمي في (الاعتبار) ٤، كلهم من طريق: بشر بن رافع٥، عن عبد الله بن سليمان بن جنادة بن أبي أمية٦، عن أبيه٧، عن جده٨، عن عبادة بن الصامت ﵁، أنه قال: "كان رسول الله ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمرَّ به حبر من اليهود، فقال: هكذا نفعل. فجلس النبي ﷺ ، وقال: "اجلسوا، خالفوهم". هذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي وابن ماجه مثله، إلا أنه ليس عندهما قوله: "اجلسوا"، ولفظ البيهقي كأبي داود.
следующие страницы →