← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 11401

ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها

جمال بن محمد السيد

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

المدرج في النقل) ١، كلاهما من طريق: يعقوب بن إبراهيم٢. وأخرجه الطبراني في (الكبير) ٣من طريق: أبي عبيد القاسم بن سلاَّم٤. كلاهما عن: هشيم بن بشير٥، عن: سَيَّار٦، وحصين٧، ومغيرة٨، وأشعث٩، وداود١٠، ومجالد، وإسماعيل بن أبي خالد١١، كُلُّهم عن:

стр. 1087

الشعبيِّ قال: دخلت على فاطمة بنت قيس، فسألتها عن قضاء رسول الله ﷺ ؟ فقالت: طَلَّقَهَا زوجها ألبتة، فأتت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وقال: "إِنَّمَا السّكْنَى والنَّفَقَة لِمَن يَمْلِكُ الرَّجعة". هذا سياق الدارقطني، ولفظ الباقين بنحوه. وقد ضَعَّفَ الأئمة هذه الزيادة، وَوَهَّمُوا فيها مجالد بن سعيد، وأنه انفرد بها دون هؤلاء الجماعة الذين رووه عن الشعبي، وإن شاركوا مجالداً في روايته للحديث كما مضى. قال الخطيب البغدادي: "أدرج يعقوب بن إبراهيم الدورقي رواية هذا الحديث، أو أدرجه هشيم له لما حَدَّثَ به، وذلك أن قوله: "إِنَّمَا السُّكْنَى والنَّفَقة لِمَن يَمْلِكُ الرَّجعة" لم يَذْكُرْهُ واحد من الجماعة الْمُسَمَّين عن الشعبي، إلا مجالد بن سعيد وحده"١ ومما استدلوا به على انفراد مجالد بذلك: أولاً: أنَّ هذا الحديث يُروى عن هشيم بالإسناد السابق بعينه، وليس فيه هذه الزيادة. أخرج ذلك: مسلم في (صحيحه) ٢: حدثني زهير ابن حرب، وأحمد في (مسنده) ٣، كلاهما عن: هشيم، عن الجماعة الْمُسَمَّين قبل، عن الشعبي، عن فاطمة بالحديث السابق.

стр. 1088

ثانياً: أنَّ الحسن بن عرفة١رواه عن هشيم، عن هؤلاء النفر، عن الشعبي، عن فاطمة به، فَمَيَّزَ هذه الكلمات، وبَيَّنَ أنها عن مجالد وحده دون باقي الجماعة، أخرج ذلك ونبه عليه: الدارقطني في (سننه) ٢، والخطيب في (الفصل) ٣. فقال الدارقطني - عقب إخراجه رواية يعقوب بن إبراهيم المتقدم ذكرها -: "خالفه الحسن بن عرفة، جَعَل آخر الحديث عن مجالد وحده، عن الشعبي". ثم ساقه بإسناده إلى الحسن بن عرفة، بالإسناد السابق، وفي آخره: "قال هشيم: قال مجالد في حديثه: إنما السكنى والنفقة لمن كان لها على زوجها الرجعة". ثالثاً: وُجدت هذه الرواية بهذه الزيادة عن مجالد وحده، غير مقرون مع الجماعة الماضي ذكرهم، وذلك من رواية جماعة عنه، منهم: شعبة، ويحيى القطان، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وعبدة بن سليمان، وسعيد بن يزيد البجلي، ثم هشيم نفسه. أخرج الحميدي في (مسنده) ٤ رواية ابن عيينة، وأخرج الإمام أحمد في (مسنده) ٥ رواية هشيم، وأخرج هو٦والخطيب في (الفصل)

стр. 1089

رواية عبدة بن سليمان، وأخرج الطبراني في (الكبير) ١ رواية حماد بن زيد، ورواية شعبة، وأخرج كذلك رواية سعيد البجلي٢، وأخرج الإمام أحمد رواية يحيى القطان٣، كلهم عن: مجالد بن سعيد، عن الشعبي، فذكر الحديث بطوله، وفي بعض ألفاظه قول النبي ﷺ : "انظري يا ابنة آل قيس: إنما النفقة السكنى ... " ٤. قال ابن القطان ﵀ بعد أن ساق روايتي سفيان بن عيينة، وعبدة بن سليمان -: "فهذه رواية مجالد، وإذا قُرِنَ بالجماعة تَوَّهم من يراه أن الزيادة المذكورة من رواية جميعهم، وقد تَبَيَّنَ أنهم لم يرووها، ولهشيم في التدليس صنعة محذورة في مثل هذا ... "٥. ثم قال ﵀: "وإذا قد تَبَيَّنَتْ رواية الجماعة دون الزيادة، ورواية مجالد دونهم بالزيادة: تَحَقَّقَ فيها الرَّيْب، ووجب لها الضَّعْفُ بضعفِ مجالد المنفرد بها"٦. ومع ذلك فقد وُجدت لمجالد متابعات على روايته الحديث بهذه الزيادة، فمن هذه المتابعات:

стр. 1090

١- ما أخرجه النسائي في (سننه) ١من طريق: سعيد بن يزيد٢الأحمسي، حدثنا الشعبي، حدثتني فاطمة بنت قيس به. وهذه الرواية هي التي أشار إليها ابن القَيِّم ﵀، وصحح إسنادها، وسبق نقل كلامه أول البحث. ورواه قاسم بن أصبغ بالإسناد نفسه، كما نقل ذلك عنه ابن القطان٣. وسعيد بن يزيد هذا: قال فيه أبو حاتم: "شيخ، يروى عنه"٤. وقال ابن معين: "ثقة"٥. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٦. وَضَعَّفَهُ ابن القطان، فقال: "لم تثبت عدالته"٧. وَأَقَرَّهُ الذهبي٨على ذلك، ولم ينقل فيه توثيق ابن معين، ونقل عن أبي حاتم كلمة "شيخ"فقط، فكأنه يختار ضعفه؟ وقال الحافظ ابن حجر: "وقد تابع بعض الرواة ... مجالداً، لكنه أضعف منه"٩. فلا أدري: هل يقصد سعيد بن يزيد هذا، أم غيره؟

стр. 1091

وعلى كل حال، فالذي يظهر من حال الرجل أنه إلى التوثيق أقرب منه إلى التضعيف، نعم ليس هو الدرجة العليا من التوثيق، كما يُشعر به كلام أبي حاتم، ولكنه - مع ذلك - لا يخرج عن كونه صدوقاً يُعتبر بحديثه ويستشهد به. لكن أشار الحافظ الذهبي إلى إعلال هذه المتابعة، فقال في ترجمته: " ... عن الشعبي بحديث فاطمة في المبتوتة ... أتى في الحديث بألفاظ قد اختلف في ثبوتها"١. وتقدم كلام ابن حجر قبل قليل في غَمْزِ هذه المتابعة - إن كان يعنيها -. ٢- ما أخرجه الطبراني في (الكبير) ٢من طريق: أبي نعيم، عن زكريا ابن أبي زائدة٣، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس بنحو ما تقدم. وزكريا هذا وإن كان ثقة، فإنه مدلس، وقد أكثر منه عن الشعبي خاصةً، كما قال أبو زرعة: "صويلح، يُدَلِّس كثيراً عن الشعبي"٤. وقال أبو حاتم: "لين الحديث، كان يُدَلِّس ... ويقال: إن المسائل التي يرويها زكريا لم يسمعها من عامر - يعني الشعبي - إنما أخذها من أبي حريز"٥.

стр. 1092

ورماه بالتدليس غير هؤلاء١. قلت: وقد عَنْعَنَ زكريا في هذا الإسناد، فاحتمال تدليسه قويٌّ، وبخاصة أن روايته هنا عن الشعبي. فهذا هو حال هذه المتابعة، ولكنها إذا ضُمَّتْ إلى طرق هذا الحديث، فإنها تصلح لتقويته. ٣- وثمة متابعة ثالثة، وهي من رواية: جابر الجعفي، عن الشعبي به، أخرجه الدارقطني في (سننه) ٢. وجابر مكشوف الحال، لا يحتجُّ بمثله. فيبقى من هذه المتابعات: رواية سعيد الأحمسي، ورواية زكريا ابن أبي زائدة، وهما وإن كانتا لا تخلوان من ضعف، فإنهما قد تصلحان لتقوية حديث مجالد في إثبات هذه الزيادة، فينتفي بذلك القول بتفرد مجالد برفع هذه الزيادة. ولعلَّ ذلك ما يوضح وجه تصحيح ابن القَيِّم ﵀ للحديث بهذه الزيادة، ولو جُعل من قبيل الحسنِ لكان أنسب، والله أعلم.

стр. 1093

٣- باب من قال: إن لها السكنى والنفقة ذكر ابن القَيِّم ﵀ حديث عمر ﵁ في الإنكار على فاطمة بنت قيس، وهو: ٧٧- (٤) عن عمر ﵁، أنه قال - لما ذُكِرَ له قول فاطمة -: "لا نترك كتاب الله، وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله عزوجل: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] . قال ابن القَيِّم: "قد أعَاذَ الله أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل، الذي لا يصحُّ عنه أبداً. قال الإمام أحمد: لا يصحُّ ذلك عن عمر"١. وقال مرة: "ولم يصح عن عمر أنه قال: لا ندعُ كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة؛ فإن أحمد أنكره، وقال: أما هذا فلا، ولكن قال: لا نقبل في ديننا قول امرأة"٢. قلت: هذا الحديث يُروى من حديث: الأسود بن يزيد٣، عن

стр. 1094

عمر ﵁، ورواه عن الأسود جماعة: فأخرجه مسلم في (صحيحه) ١، وأبو داود في (سننه) ٢، والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٣ من طريق: أبي أحمد الزبيري٤عن عَمَّار بن رُزَيق٥، عن أبي إسحاق٦، عن الأسود بن يزيد به. وفيه قول أبي إسحاق: كنت مع الأسود بن يزيد جالساً في المسجد الأعظم، فَحَدَّثَ الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس: أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة. ثم أخذ الأسود كَفّاً من حصى فحصبه به، فقال: ويلك! تُحَدِّثُ بمثل هذا؟! قال عمر ... فذكره. هذا سياق مسلم. وخالف أبا أحمد الزبيري: يحيى بن آدم، فرواه عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأسود به، فلم يذكر فيه: "وَسُنَّةَ نَبيِّنَا". أخرجه

стр. 1095

الدارقطني في (سننه) ١من طريق يحيى، وقال عقبه: " ... وهذا أصحُّ من الذي قبله؛ لأنَّ هذا الكلام لا يثبت، ويحيى بن آدم أحفظ من أبي أحمد الزبيري وأثبت منه، والله أعلم". وقال ﵀ في (العلل) ٢: "وكذلك رواه يحيى بن آدم - وهو أحفظ من أبي أحمد الزبيري وأثبت منه - عن عمار بن رزيق ... لم يقل فيه: "وَسُنَّةَ نَبيِّنَا". وهو الصواب". وذكر الدارقطني أيضاً: أَنَّ قبيصة٣ قد تابع يحيى بن آدم على روايته، ثم ساقه بإسناده إلى قبيصة بمثل قول يحيى بن آدم سواء. هذا ما يتعلق برواية أبي إسحاق السبيعي عن الأسود. وقد روى من حديث: الأعمش، عن إبراهيم٤، عن الأسود به. رواه عن الأعمش جماعة، منهم: أسباط بن محمد، ومحمد بن فضيل٥، وحفص بن غياث٦.

стр. 1096

فأخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) ١من طريق: حفص بن غياث، ومحمد بن فضيل، كلاهما عن: الأعمش به، ولفظه عن عمر: "لا نُجِيز قول المرأة في دين الله، المطلقة ثلاثاً لها السكنى والنفقة". وأخرجه الدارقطني في (سننه) ٢ - ومن طريقه البيهقي٣- من طريق: محمد بن فضيل، عن الأعمش به، ولفظه عن عمر ﵁: "لا نَدَعُ كتاب الله لقول امرأة لعلها نَسِيَتْ". وأخرجه الدارقطني - أيضاً - في (سننه) ٤من طريق: أسباط بن محمد ومحمد بن فضيل، كلاهما عن الأعمش به، ولفظه كالذي قبله. هكذا رواه هؤلاء عن الأعمش، عن إبراهيم بدون زيادة قوله: "وَسُنَّةَ نَبيِّنَا". وذكر الدارقطني ﵀ أنه اخْتُلِفَ فيه على حفص بن غياث عن الأعمش، فرواه طلق بن غنام عن حفص، عن الأعمش، فقال فيه: "وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا". فَوَهِمَ على حفص في ذلك؛ لأن الذين رووه عن حفص بدون هذه الزيادة أثبت منه وأحفظ٥.

стр. 1097

وقد رُوِيَ عن إبراهيم، عن الأسود من غير طريق الأعمش، فأخرجه الدارقطني في (سننه) ١ من طريق: أشعث بن سَوَّار، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر ﵁ به، وفيه الزيادة المذكورة. قال الدارقطني ﵀ عقبه: "أشعث بن سَوَّار ضعيف الحديث، ورواه الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، ولم يقل: "وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا" ... والأعمش أثبت من أشعث وأحفظ منه". وقال في (علله) ٢: "وليست هذه اللفظة التي ذكرت فيه محفوظة، وهي قوله: "وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا"؛ لأن جماعة من الثقات رووه عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، أن عمر قال: لا نجيز في ديننا قول امرأة. ولم يقولوا فيه: وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا". فهذه طرق هذا الحديث إلى الأسود بن يزيد، وقد بَيَّنَ الدارقطني ﵀ أن الصواب فيها عدم ذكر قوله "وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا"، وكذا لم يصححه الإمام أحمد ﵀، فقد سأله عنه أبو داود فقال: "قلت: يصحُّ هذا عن عمر ﵁؟ قال: لا"٣. وقد أشار ابن القَيِّم ﵀ إلى كلام الإمام أحمد هذا، كما تقدم نقله عنه أول البحث. فتلخص من ذلك: أن الصواب ما اختاره ابن القَيِّم ﵀

стр. 1098

من عدم صحَّة ذلك عن عمر ﵁، وأن الصواب في ذلك عن عمر قوله: "لا نجيز قول المرأة في دين الله". وعلى فرض ثبوت اللفظ الأول عن عمر ﵁، فإن الصواب فيه: "لا ندع كتاب ربنا" وأما قوله: "وسنة نَبيِّنَا" فلم يثبت ذلك عنه، والله أعلم.

стр. 1099

٤- باب في عدة أم الولد ٧٨- (٥) عن عمرو بن العاص ﵁، أنه قال: "لا تَلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّة نَبِيِّنَا، عِدَّةُ المتوفى عنها: أَرْبَعَة أَشْهُرٍ وَعَشْرَاً" يعني أم الولد. استدل بهذا الحديث من ذهب إلى أن عدة أم الولد هي عدة الحُرَّة، وقد استعرض ابن القَيِّم ﵀ الأقوال في المسألة، ثم بَيَّنَ أن الصواب من ذلك: أنها تعتد بحيضة واحدةٍ؛ فإن هذا إنما هو لمجرد الاستبراء لزوال الملك عن الرقبة، فلذلك كان كسائر استبراءات المعتقات، والمسبيات، والمملوكات، ثُمَّ أَخَذَ في بيان ضَعْفِ حديث عمرو بن العاص، فَذَكَرَ أن فيه عللاً: أحدها: انقطاعه بين قبيصة بن ذؤيب وعمرو بن العاص؛ فإنه لم يسمع منه. ثانيها: أن الصواب فيه الوقف على عمرو بن العاص. ثالثها: اضطرابه، فقد رُوِيَ عن عمرو بن العاص على ثلاثة أوجه١. قلت: هذا الحديث أخرجه: أبو داود، وابن ماجه في (سننيهما) ٢، وابن أبي شيبة في (مصنفه) ٣- ومن طريقه: ابن حبان في

стр. 1100

(صحيحه) ١، وابن الجارود في (المنتقى) ٢ - والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤، كلهم من طريق: سعيد بن أبي عروبة، عن مطر بن طهمان٥، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب٦، عن عمرو بن العاص ﵁ به. واللفظ المتقدم لفظ أبي داود، ولفظ ابن أبي شيبة، وابن حبان، وابن الجارود: "لا تلبسوا علينا سنة نبينا، عدة أم الولد عدة المتوفى عنها زوجها". وليس عند ابن الجارود كلمة: "زوجها". ووقع عند ابن ماجه: "لا تُفْسِدُوا علينا سنة نبينا، عدة أم الولد أربعة أشهر وعشراً". وقد ضُعِّفَ هذا الإسناد من أجل مطر بن طهمان، فقال المنذري: "وفي إسناده مطر بن طهمان أو رجاء الورَّاق، وقد ضعفه غير واحد"٧.

стр. 1101

ولم يوافق ابن القَيِّم ﵀ على تضعيف الحديث به، فإنه نقل أقوال بعض العلماء في تضعيفه، ثم قال: "وبعد، فهو ثقة، قال أبو حاتم الرازي: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في كتاب (الثقات) ، واحتجَّ به مسلم، فلا وجه لِضَعْفِ الحديثِ به"١. والحقُّ: أن مطراً هذا قد ضَعَّفَهُ الأكثرون، واحتمله بعضهم، ولا يصل بحالٍ إلى رتبة الثقة، كما قال ابن القَيِّم، فقد شَبَّهَهُ يحيى القطان بابن أبي ليلى في سوء الحفظ، ووافقه على ذلك الإمام أحمد٢. وضَعَّفَهُ غير واحد من الأئمة في عطاء خاصة٣. وقال ابن سعد: "كان فيه ضَعفٌ في الحديث"٤. وقال النسائي: "ليس بالقويّ"٥. وقال أبو داود: "ليس هو عندي بحجة، ولا يُقْطَعُ به في حديث إذا اختلف"٦. وسئل عنه أبو زرعة، فقال: "صالح". قال ابن أبي حاتم: "كأنه لَيَّنَ أمره"٧. وقال ابن حبان: "ربما أخطأ"٨.

стр. 1102

فهذه أقوال مُضَعِّفِيهِ، وقد وَثَّقَهُ آخرون: فقال ابن معين١، وأبو زرعة٢: "صالح". وقال أبو حاتم: "صالح الحديث"٣. وقال العجلي: "صدوق"٤. وقال مرة: "لا بأس به"٥. وقال البزار: "ليس به بأس ... ولا نعلم أحداً ترك حديثه"٦. وقال السَّاجي: "صدوق يهم"٧. وقال الذهبي: "ثقة تابعيّ"٨. وقال مرة: " ... من رجال مسلم، حسن الحديث"٩. فَتَبَيَّنَ من هذه الأقوال: أن الرَّجُل وإن ضَعَّفَهُ جماعة، إلا أن مثله تُحْتَمَلُ روايته، وبخاصة إذا تابعه غيره، ممن هو مثله أو أعلى رتبة، أما إذا خالف وانفرد: فالتوقف فيه أولى، كما ذهب أبو داود ﵀ إلى ذلك؛ فإنه كان كثير الخطأ والوهم، سيئ الحفظ، يَتَّضِحُ ذلك من وضع يحيى القطان، والإمام أحمد له في مرتبة ابن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ جداً. وأما كونه من رجال مسلم: فقد جعله الحاكم ممن أخرج لهم مسلم

стр. 1103

في المتابعات دون الأصول١. ولم ينفرد به مطرٌ هذا، وإنما تابعه قتادة، فأخرجه الإمام أحمد في (مسنده) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣ من طريق: سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن رجاء بن حيوة بالإسناد الماضي، ولفظه بنحو ما تقدم. وأخرجه الدارقطني في (سننه) ٤ من طريق: سعيد، عن قتادة ومطر بن طهمان، كلاهما عن رجاء به. قال ابن حبان: "سمع هذا الخبر ابن أبي عروبة، عن قتادة ومطر الوراق، عن رجاء بن حيوة، فمرةً يُحَدِّثُ عن هذا، وأخرى عن ذلك"٥. وهذه المتابعة - لاشك - تُقَوِّي روايته وتشدها؛ ولذلك فإن إعلال الحديث بمطر غير مقبول، من جهة عدم انفراده به، لا أنه ثقة كما ذهب ابن القَيِّم ﵀. لكن ماذا عن العلل الأخرى التي ذكرها ابن القَيِّم ﵀ لهذا الحديث، ورأى أنها المؤثرة دون الكلام في مطر؟ أما انقطاعه بين قبيصة بن ذؤيب، وعمرو بن العاص: فقد أَعَلَّهُ

стр. 1104

بذلك الدارقطني ﵀، فإنه قال: "وهو مرسل؛ لأنَّ قبيصة لم يسمع من عمرو"١ يعني أنه منقطع. ولم أر أحداً قال ذلك غير الدارقطني، - وتابعه ابن القَيِّم - بل روايته عن عمرو بن العاص مذكورة في (التهذيب) وغيره، وإنما تكلموا في روايته عن عمر بن الخطاب، ومع ذلك لم يجزموا بعدم سماعه منه، ففي (تهذيب الكمال) ٢: "روى عن عمر بن الخطاب، ويقال: مرسل". فإذا كان سماعه من عمر بن الخطاب محتملاً - وقد تأخرت وفاته عن عمرو بن العاص بنحو عشرين سنة - فإمكان سماعه من عمرو من باب أولى. ولكن على القول باشتراط ثبوت اللقاء - وهو الأحوط - فإنه قد يتوجه الحكم بالانقطاع. وأما القول بأن الصواب فيه الوقف: فقد قال به الدارقطني أيضاً، فإنه أخرجه في (سننه) ٣ من طريق: حفص بن غيلان٤، عن سليمان بن موسى، أن رجاء بن حيوة حَدّثه، أن قبيصة حدثه، أن عمرو بن العاص ﵁ قال: "عِدَّة أُمِّ الولد إذا تُوفي عنها سيدها: أربعة أشهر وعشراً، وإذا أُعْتِقَت: فعدتها ثلاثُ حِيَض". قال الدارقطني: "موقوف، وهو الصواب". وأخرجه مرة أخرى من طريق: الوليد بن مسلم، عن سعيد بن

стр. 1105

ساقطة

стр. 1106

فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث لا يصحُّ رفعه إلى النبي ﷺ وغايته أن يكون من كلام عمرو بن العاص ﵁، وقد اختار ابن القَيِّم ﵀ إعلاله فأصاب، والله أعلم.

стр. 1107

١١- من كتاب البيوع ١ - باب ما جاء في أداء الأمانة واجتناب الخيانة ٧٩- (١) قوله ﷺ : "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ". أورد ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث عند كلامه على مسألة الظَّفْر١، واستدل به على أنَّ من جُحِدَ له مالٌ، فَتَمَكَّنَ من مال الجاحد، فإنه لا يأخذ منه حقه إذا كان سبب الحق خفياً، بحيث يُتَّهَمُ بالأخذ، وينسب إلى الخيانة ظاهراً، وإن كان في الباطن آخذاً حَقَّه. وقد أورد هذا الحديث عن جماعة من الصحابة، وخلص إلى القول بأنه صحيح بشواهده٢. قلت: هذا الحديث يُروى عن جماعة من الصحابة، منهم: أبو هريرة، وأنس، ورجل سَمِعَ النبي ﷺ ، وغيرهم. وأذكرها فيما يلي حسب ترتيب ابن القَيِّم لها: عن يوسف بن ماهك قال: "كنت أكتب لفلان نفقة أيتام كان وليهم، فغالطوه بألف درهم، فَأَدَّاهَا إليهم، فأدركت له من أموالهم مثلها، فقلت: اقبض الألف الذي ذهبوا به منك، قال: لا. حدثني أبي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ".

стр. 1108

أخرجه أبو داود في (سننه) ١، وأحمد في (مسنده) ٢، والدولابي في (الكنى) ٣، والبيهقي في (سننه) ٤، كلهم من طريق: حميد الطويل، عن يوسف بن ماهك٥ به، كذا هو عند أبي داود والدولابي باللفظ السابق، وأما أحمد فعنده: "كنت أنا ورجل من قريش نلي مال أيتام، ... " الحديث. وقد أخرج الدارقطني٦ هذا الحديث، فقال فيه: عن حميد الطويل، عن يوسف بن يعقوب، عن رجل من قريش، عن أبي بن كعب ... بالمرفوع منه، دون ذكر القصة. فهل أبيُّ بن كعب ﵁ هو الصحابيُّ الذي سَقَطَ في الطريق السابق؟؟ قد يكون ذلك محتملاً، ولكن يبقى الراوي عنه مجهولاً. ولذلك فقد أُعِلَّ هذا الحديث، فقال البيهقي ﵀: " ... في حكم المنقطع؛ حيث لم يذكر يوسف بن ماهك اسم من حَدَّثَهُ،

стр. 1109

ولا اسم من حَدَّثَ عنه من حدثه"١. ولكن يقال: إن الجهل بحال الصحابي لا يضرُّ، فيبقى معلولاً بشيخ يوسف بن ماهك فقط. وأعلَّ ابن حجر طريق أبي بن كعب السالف، فقال: "وفي إسناده من لا يُعرف"٢. ومع هذا فقد صححه ابن السكن، كما نقل ذلك عنه ابن حجر٣، ولا يخفى ما فيه. وأشار ابن القَيِّم إلى عِلَّتِه هذه فقال: "وهذا وإن كان في حكم المنقطع، فإنه له شاهداً من وجه آخر"٤. ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁، وهو: ٨٠- (٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أَدِّ الأَمَانَةَ لِمَن ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ". وهذا أخرجه: أبو داود والترمذي في (سننيهما) ٥، والدارمي في (مسنده) ٦، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٧، والحاكم في

стр. 1110

(المستدرك) ١، والأصبهاني في (الترغيب والترهيب) ٢، وابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٣، كلهم من طريق: طلق بن غَنَّام، عن شريك وقيس بن الربيع٤، عن أبي حصين٥، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ به. وقد أَعَلَّ جماعةٌ هذا الحديث، فقال أبو حاتم في طلق بن غَنَّام: "روى حديثاً منكراً عن شريك وقيس، عن أبي حصين، عن أبي صالح ... ولم يرو هذا الحديث غيره"٦. وقال البيهقي: "وحديث أبي حصين: تَفَرَّدَ به عنه شريك القاضي وقيس بن الربيع، وقيس ضعيف، وشريك لم يحتج به أكثر أهل العلم بالحديث، وإنما ذكره مسلم بن الحجاج في الشواهد"٧. وقال ابن حزم: "هو من رواية: طلق بن غَنَّام، عن شريك وقيس بن الربيع، وكلهم ضعيف"٨. وقد انفرد ابن حزم وحده بتضعيف

стр. 1111

طلق بن غَنَّام، ولم يشاركه في ذلك أحد١. وقال الترمذي: "حسن غريب". قال ابن القطان: "والمانع من تصحيحه: أن شريكاً، وقيس بن الربيع مختلفٌ فيهما"٢. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. قال الشيخ الألباني: "فيه نظرٌ؛ فإن شريكاً ... إنما أَخْرَجَ له مسلم في المتابعات"٣. قلت: أما شريك وقيس بن الربيع، فقد تَكَلَّمَ الأئمة فيهما من جهة سوء حفظهما، ووجود الخطأ في حديثهما، ولكنَّ اقترانهما في هذا الإسناد يجعل كلَّ واحدٍ منهما يَتَقَوَّى بصاحبه، ولذلك قال ابن القَيِّم ﵀: "وشريك ثقة، وقد قَوِيَ بمتابعة قيسٍ له، وإن كان فيه ضعفٌ"٤. وقال ابن التركماني في قيس بن الربيع: "والقول فيه ما قال شعبة، وأنه لا بأس به، وأقلُّ أحواله: أن تكون روايته شاهدةً لرواية شريك"٥. وقال الشيخ الألباني: "فأحدهما يُقَوِّي الآخر"٦. وأما ما حكم به أبو حاتم من نكارة هذا الحديث، وأنَّ طلق بن غنام انفرد به، ولم يروه غيره: فلم يتبين لي ما وجه ذلك؛ فإن طلق

стр. 1112

ابن غنام ثقة، فلو سلمنا انفراده، برواية ذلك، لم يكن من قبيل الشاذِّ ولا المنكر، فكيف وقد رُوِيَ الحديث من أوجه أخرى كثيرة؟ وقال الشيخ الألباني معقباً على كلام أبي حاتم هذا: "لعلَّ وجهه: أن طلقاً لم يثبت عند أبي حاتم عدالته، فقد أورده ابنه في الجرح والتعديل ... ثم لم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذلك مما لا يضرهُ، فقد ثبتت عدالته بتوثيق من وثقه، لاسيما وقد احتجَّ به الإمام البخاري في صحيحه"١. فالذي يترجح في حديث أبي هريرة هذا: ما ذهب إليه ابن القَيِّم ﵀ من أنه وإن كان في إسناده ضعيفان، إلا أنه باقترانهما يُقَوِّي كلُّ منهما صاحبه، وينجبر الضعف الموسوم به كلٌّ منهما إذا انفرد. ثم ذكر ابن القَيِّم ﵀ شاهداً آخر لهذا الحديث، وهو: حديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ بنحو ما تقدم، ثمَّ أشار إلي ضَعْفٍ في إسناده، إلا أنه - مع ذلك - يَصْلُحُ للاستشهاد به٢. قلت: هذا الحديث أخرجه الطبراني في (المعجم الصغير) ٣، والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٤، والحاكم في (المستدرك) ٥ كلهم من طريق:

стр. 1113

أيوب بن سويد، عن ابن شوذب١، عن أبي التيَّاح٢، عن أنس ﵁ به. قال الطبراني عقبه: " ... تَفَرَّدَ به أيوب، ولا يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد". وقد ضَعَّفَهُ جماعة لأجل أيوب هذا، فقال البيهقي: "رواه أيوب بن سويد، وهو ضعيف"٣. وقال ابن الجوزي: "فيه أيوب ابن سويد، قال ابن المبارك: ارم به. وقال يحيى: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة"٤. وقال الحافظ ابن حجر: "وفيه أيوب بن سويد، مختلف فيه"٥. قلت: لم أر فيه اختلافاً كثيراً، بل إنَّ الأئمة كالمجمعين على ضَعْفِهِ٦، ولعلَّ أحسن ما قيل فيه هو قول ابن عديِّ ﵀، إذ قال: "له حديث صالح عن شيوخ معروفين، منهم: يونس بن يزيد بنسخة الزهري، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وابن جريج، والأوزاعي، والثوري، وغيرهم. ويقع في حديثه ما يوافقه الثقات عليه، ويقع فيه ما لا

стр. 1114

يوافقونه عليه، ويُكتب حديثه في جملة الضعفاء"١. وقال ابن حجر: "صدوق يخطئ". فمثله يُكْتَبُ حديثه للاعتبار، ويُسْتَشْهَدُ به إن وافقتْ روايته رواية غيره، كما قال ابن القَيِّم ﵀: "وأيوب بن سويد وإن كان فيه ضعف، فحديثه يَصْلُحُ للاستشهادِ به"٢. ثم وقفت على متابعة جيدة لأيوب بن سويد هذا، وذلك فيما أخرجه الطبراني في (الكبير) ٣ من طريق: ضمرة بن ربيعة٤، عن ابن شوذب، عن أبي التياح، عن أنس ﵁ به. فهذا "ضمرة بن ربيعة" - راوية ابن شوذب والمختص به٥ - قد رواه عن ابن شوذب، متابعاً بذلك أيوب بن سويد في روايته السالفة. وَضَمُرَةُ هذا وَثقَهُ غير واحد من الأئمة٦، وله أوهام قليلة - كما قال الحافظ ابن حجر: "يهم قليلاً" - لا تؤثر في ثقته وإتقانه،

стр. 1115

ومثله حديثه لا ينزل عن درجة الحسن، وانضمام رواية أيوب بن سويد السابقة إليه تزيده قوة، وقد صَحَّحَ الحافظ الهيثمي ﵀ إسناد رواية ضمرة هذه، فقال: "رواه الطبراني في الكبير، والصغير، ورجال الكبير ثقات"١. فيصحُّ بهذه المتابعات حديث أنس، أو يكون حسناً على أقل أحواله، ولم أر أحداً أشار إلى هذه المتابعة أو نَبَّهَ عليها، ممن وقفت على كلامهم على هذا الحديث. ثم ذكر ابن القَيِّم ﵀ شاهداً آخر لهذا الحديث، وهو: حديث أبي أمامة ﵁. بنحو ما تقدم. وهو حديث ضعيفٌ، وممن نصَّ على ضعفه: الإمام البيهقي ﵀، فقال: "وهذا ضعيف، لأن مكحولاً لم يسمع من أبي أمامة شيئاً، وأبو حفص الدمشقي هذا: مجهول"٢. وقال الحافظ ابن حجر: "رواه البيهقي ... بسند ضعيف"٣. وبعد، فهذه طرق هذا الحديث - أو أشهرها - وهي لا تخلو من ضَعْفٍ، وبعضها أحسن من بعض، وبخاصة حديث أنس وحديث أبي هريرة ﵄، ولاشكَّ أن اجتماع هذه الطرق يُقَوَِّي هذا

стр. 1116

الحديث، وهذا ما ذهب إليه ابن القَيِّم ﵀ في هذا البحث؛ إذ ساق هذه الشواهد كلها تَقْوِيةً لهذا الحديث. وقد أَيَّدَ ابنَ القَيِّم ﵀ في ذلك جماعةٌ، فقال السخاوي عن طرق هذا الحديث: "لكن بانضمامها يقوى الحديث"١. وقال الشوكاني: "ولا يخفى أن وروده بهذه الطرق المتعددة، مع تصحيح إمامين من الأئمة المعتبرين لبعضها، وتحسين إمام ثالثٍ منهم، مما يصير به الحديث منتهضاً للاحتجاج"٢. وقال الشيخ الألباني: "وجملة القول: أن الحديث بمجموع هذه الطرق ثابت"٣. وقال مرة أخرى: "فالحديث من الطريق الأول - يعني طريق أبي هريرة - حسنٌ، وهذه الشواهد والطرق تُرَقِّيهِ إلى درجة الصحة،، لاختلاف مخارجها، ولخلوها عن متهم"٤. وقد رمز له الحافظ السيوطي بالصحة في (الجامع الصغير) ٥. هذا مع ما تقدم من تحسين الترمذي، وتصحيح الحاكم وغيره له. وأما ما ذهب إليه بعض الأئمة من تضعيف هذا الحديث، كقول الشافعي: "ليس بثابت عند أهل الحديث"٦. وقول الإمام أحمد: "باطل،

стр. 1117

لا أعرفه من وجه يصح"١. وقول ابن ماجه: "وله طرقٌ ستة كلها ضعيفة"٢: فقد ظهر من هذه الدراسة أنَّ الأمر على خلاف ذلك، وأن هذا الحديث لا ينزل بحال من الأحوال عن درجة الحسن، إن لم يكن صحيحاً، ولذلك ردَّ الحافظ السَّخَاويُّ القول بضعف طرقه كلها قائلاً: "لكن بانضمامها يَقْوى الحديث". وقال الشيخ الألباني ردًّا على ذلك: "فما نُقِلَ عن بعض المتقدمين: أنه ليس بثابت، فذلك باعتبار ما وقع له من طرق، لا بمجموع ما وصل منها إلينا"٣. وهذا كلامٌ جيد منه ﵀، ومثله قوله: "وهذه الشواهد والطرق ترقيه إلى درجة الصحة، لاختلاف مخارجها، ولخلوها عن متهم". وهذا هو الصواب، والله أعلم.

стр. 1118

٢- باب ما جاء من الرخصة في ثمن الكلب ذكر ابن القَيِّم ﵀ الأحاديث الصحيحة الواردة في تحريم بيع الكلب، وأن ذلك يشمل كلَّ كلب: صغيراً كان أو كبيراً، للصيد أو للماشية أو لغير ذلك. ثم تناول أدلة القائلين باستثناء كلب الصيد من هذا النهي، وناقش هذه الأدلة مبيناً ضعفها، فمن أدلة هذا الفريق: ٨١- (٣) حديث أبي هريرة ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، إلاّ كَلْبَ صَيْدٍ". أورد ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث من طريقين عن أبي هريرة، ونقل عن الإمام أحمدَ تضعيف الأول منهما. وضَعَّفَ الثاني: بالمثنى بن الصباح، ويحيى بن أيوب١. أما الطريق الأول: فقد أخرجه الترمذي في (جامعه) ٢ من طريق: حَمَّاد بن سلمة، عن أبي الْمُهَزِّم، عن أبي هريرة به. وقد أَعَلَّهُ غير واحد بأبي الْمُهَزِّم، فقال الترمذي عقب إخراجه: "هذا الحديث لا يصحُّ من هذا الوجه، وأبو الْمُهَزِّم: اسمه يزيد بن سفيان٣، وتكلم فيه شعبة بن الحجاج وضعفه". وقال ابن حجر:

стр. 1119

" ... لكنه من رواية أبي المهزم عنه، وهو ضعيف"١. قلت: وأبو الْمُهَزِّم هذا ضعيفٌ بإجماعهم٢، بل قال فيه النسائي: "متروك الحديث"٣. وقال البخاريّ: "تركه شعبة"٤. وأما الطريق الثاني: فقد ساقه ابن القَيِّم٥ من حديث قاسم بن أصبغ بإسناده إلى يحيى بن أيوب، ثنا المثنى بن الصباح٦، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ثمن الكلب سُحْتٌ٧، إلا كلب صيد". وقد ضَعَّفَ ابن القَيِّم هذا الطريق، فقال: "وأما حديث الْمُثَنَّى ... فباطلٌ؛ لأنَّ فيه يحيى بن أيوب، وقد شَهِدَ مالكٌ عليه بالكذب، وجرحه الإمام أحمد. وفيه المثنى بن الصباح، وضَعْفُهُ عندهم مشهور"٨.

стр. 1120

قلت: أما المثنى بن الصباح: فهو ضعيف باتفاق، وأما يحيى بن أيوب فإنه مختلف فيه، فقد ضَعَّفَهُ جماعة وَوَثَّقَهُ آخرون، ولذلك قال ابن حجر: "صدوق ربما أخطأ". وأما اتهام مالك له بالكذب فلم أقف على قولته تلك، والظاهر أن ابن القَيِّم ﵀ قد تابع ابن حزم في ذلك؛ فقد ضعف الحدث بهذين الرجلين، ونقل مقالة مالك هذه في يحيى١. وقد أخرجه الدارقطني في (سننه) ٢ من طريق: محمد بن سلمة٣، عن المثنى بن الصباح، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث كلهنَّ سحت: كسب الحجام سُحْتٌ، ومهر الزانية سحتٌ، وثمن الكلب- إلا كلباً ضارياً- سحت". فهذه متابعة من محمد بن سلمة - وهو ثقة - ليحيى بن أيوب الماضي ذكره، ولكن يبقى الإسناد ضعيفاً بالمثنى بن الصباح، ولذلك قال الدارقطني - عقب إخراجه من هذا الطريق-: "المثنى ضعيف". وَثَمَّةَ متابعة أخرى للمثنى بن الصباح، أخرجها الدارقطني في (سننه) أيضاً٤ من طريق: الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، عن عمه

стр. 1121

عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة مرفوعاً، بمثل حديث محمد بن سلمة السابق. قال الدارقطني: "الوليد بن عبيد الله ضعيف". وإذا كانت هذه المتابعة ضعيفة أيضاً، فإن حديث أبي هريرة هذا يبقى على حاله من الضعف. وقد استدل ابن القَيِّم ﵀ على عدم صحة هذا المرفوع بما رُوِيَ عن أبي هريرة موقوفاً بدون هذا الاستثناء، فقال: "ويدل على بطلان الحديث: ما رواه النسائي١: حدثنا الحسن بن أحمد بن حبيب، حدثنا محمد بن عبيد الله بن نمير، حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش، عن عطاء ابن أبي رباح، عن أبي هريرة ﵁، قال: "أربعٌ من السُّحْتِ: ضِرَابُ الفحل، وثمنُ الكلب، ومهر البغيِّ، وكسبُ الحجَّام"٢. فتلخص من ذلك: أن استثناء ثمن كلب الصيد من النهي الوارد عن النبي ﷺ لا يصحُّ، قال البيهقي ﵀: "والأحاديث الصحاح عن النبي ﷺ في النهي عن ثمن الكلب خالية عن هذا الاستثناء، وإنما الاستثناء في الأحاديث الصِحَّاحِ في النهي عن الاقتناء"٣. وقال النووي ﵀: "وأما الجواب عمَّا احتجوا به من الأحاديث والآثار: فكلها ضعيفة باتِّفَاق

стр. 1122

الْمُحَدِّثِين"١. وقال السيوطي: "والجمهور على الْمَنْعِ، وأجابوا عن هذا: بأن الحديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث"٢. وبذلك يَتَرَجَّحُ ما ذهبَ إليه ابن القَيِّم ﵀، والله أعلم.

стр. 1123

٣- باب ما جاء في بيع الْمُغنيات ٨٢- (٤) عن أبي أمامة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَبِيعُوا القَيْنَاتِ١، ولا تَشْتَرُوهُنَّ، ولا تُعَلِّمُوهُنَّ، ولا خَيْرَ فِي تِجَارةٍ فِيهِنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حرامٌ. في مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] ". تَكَلَّمَ ابن القَيِّم ﵀ على هذا الحديث عند تفسيره لهو الحديث بأنه: الغناء، فقال: "وقد جاء تفسير لهو الحديث بالغناء مرفوعاً إلى النبيِّ ﷺ ، ففي مسند أحمد، ومسند عبد الله بن الزبير الحميدي، وجامع الترمذي من حديث أبي أمامة ... " فساق الحديث، ثم قال: "وهذا الحديث وإن كان مداره على: عبيد الله بن زَحْرٍ، عن علي بن يزيد الأَلْهَانِي، عن القاسم - فعبيد الله بن زَحْر: ثقةٌ، والقاسمُ: ثقة، وعليٌّ: ضعيفٌ - إلا أن للحديث شواهد ومتابعات، سنذكرها إن شاء الله، ويَكْفِي تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث: بأنه الغناء"٢. قلت: هذا الحديث أخرجه الترمذي في (جامعه) ٣، وأحمد في

стр. 1124

(مسنده) ١ كلاهما من طريق: بكر بن مُضَر٢. وأخرجه: الحميدي في (مسنده) ٣، والطبراني في (معجمه الكبير) ٤، والطبري في (تفسيره) ٥، ثلاثتهم من طريق: مُطَّرِح بن يزيد٦. وأخرجه: أحمد في (مسنده) ٧، والطبراني في (الكبير) ٨، والطبري في (تفسيره) ٩، كلهم من طريق: خَلاّد١٠ الصفَّار - ووقع عند أحمد: خالد، وهو خطأ-. وأخرجه الطبراني في (الكبير) ١١ من طريق: يحيى بن أيوب.

стр. 1125

وأخرجه الطبراني - أيضاً - في (الكبير) ١ من طريق: ليث بن أبي سليم٢. كلهم عن: عبيد الله بن زَحْر٣، عن عليِّ بن يزيد٤، عن القاسم بن عبد الرحمن٥، عن أبي أمامة ﵁ به، وألفاظهم متقاربة. وقد أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٦ من طريق: مُطَّرِح أبي المهلب، عن عبيد الله بن زحر، عن أبي أمامة: نهى رسول الله ﷺ ... الحديث. هكذا بإسقاط علي بن يزيد، والقاسم بن عبد الرحمن من الإسناد، فيكون هذا الإسناد معضلاً، وقد صَرَّحَ الحافظ ابن حجر بأن عبيد الله بن زحر يُرْسِلُ عن أبي أمامة٧، فيكون هذا من مراسليه عنه. وهذا الحديث ضَعَّفَهُ بعض الأئمة، وَطَعَنُوا في إسناده، فقال الترمذي: "هذا حديث غريب، إنما يُروى من حديث القاسم، عن أبي أمامة.
следующие страницы →