← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 11401

ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها

جمال بن محمد السيد

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة مرفوعاً، بمثل حديث محمد بن سلمة السابق. قال الدارقطني: "الوليد بن عبيد الله ضعيف". وإذا كانت هذه المتابعة ضعيفة أيضاً، فإن حديث أبي هريرة هذا يبقى على حاله من الضعف. وقد استدل ابن القَيِّم ﵀ على عدم صحة هذا المرفوع بما رُوِيَ عن أبي هريرة موقوفاً بدون هذا الاستثناء، فقال: "ويدل على بطلان الحديث: ما رواه النسائي١: حدثنا الحسن بن أحمد بن حبيب، حدثنا محمد بن عبيد الله بن نمير، حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش، عن عطاء ابن أبي رباح، عن أبي هريرة ﵁، قال: "أربعٌ من السُّحْتِ: ضِرَابُ الفحل، وثمنُ الكلب، ومهر البغيِّ، وكسبُ الحجَّام"٢. فتلخص من ذلك: أن استثناء ثمن كلب الصيد من النهي الوارد عن النبي ﷺ لا يصحُّ، قال البيهقي ﵀: "والأحاديث الصحاح عن النبي ﷺ في النهي عن ثمن الكلب خالية عن هذا الاستثناء، وإنما الاستثناء في الأحاديث الصِحَّاحِ في النهي عن الاقتناء"٣. وقال النووي ﵀: "وأما الجواب عمَّا احتجوا به من الأحاديث والآثار: فكلها ضعيفة باتِّفَاق

стр. 1122

الْمُحَدِّثِين"١. وقال السيوطي: "والجمهور على الْمَنْعِ، وأجابوا عن هذا: بأن الحديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث"٢. وبذلك يَتَرَجَّحُ ما ذهبَ إليه ابن القَيِّم ﵀، والله أعلم.

стр. 1123

٣- باب ما جاء في بيع الْمُغنيات ٨٢- (٤) عن أبي أمامة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَبِيعُوا القَيْنَاتِ١، ولا تَشْتَرُوهُنَّ، ولا تُعَلِّمُوهُنَّ، ولا خَيْرَ فِي تِجَارةٍ فِيهِنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حرامٌ. في مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] ". تَكَلَّمَ ابن القَيِّم ﵀ على هذا الحديث عند تفسيره لهو الحديث بأنه: الغناء، فقال: "وقد جاء تفسير لهو الحديث بالغناء مرفوعاً إلى النبيِّ ﷺ ، ففي مسند أحمد، ومسند عبد الله بن الزبير الحميدي، وجامع الترمذي من حديث أبي أمامة ... " فساق الحديث، ثم قال: "وهذا الحديث وإن كان مداره على: عبيد الله بن زَحْرٍ، عن علي بن يزيد الأَلْهَانِي، عن القاسم - فعبيد الله بن زَحْر: ثقةٌ، والقاسمُ: ثقة، وعليٌّ: ضعيفٌ - إلا أن للحديث شواهد ومتابعات، سنذكرها إن شاء الله، ويَكْفِي تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث: بأنه الغناء"٢. قلت: هذا الحديث أخرجه الترمذي في (جامعه) ٣، وأحمد في

стр. 1124

(مسنده) ١ كلاهما من طريق: بكر بن مُضَر٢. وأخرجه: الحميدي في (مسنده) ٣، والطبراني في (معجمه الكبير) ٤، والطبري في (تفسيره) ٥، ثلاثتهم من طريق: مُطَّرِح بن يزيد٦. وأخرجه: أحمد في (مسنده) ٧، والطبراني في (الكبير) ٨، والطبري في (تفسيره) ٩، كلهم من طريق: خَلاّد١٠ الصفَّار - ووقع عند أحمد: خالد، وهو خطأ-. وأخرجه الطبراني في (الكبير) ١١ من طريق: يحيى بن أيوب.

стр. 1125

وأخرجه الطبراني - أيضاً - في (الكبير) ١ من طريق: ليث بن أبي سليم٢. كلهم عن: عبيد الله بن زَحْر٣، عن عليِّ بن يزيد٤، عن القاسم بن عبد الرحمن٥، عن أبي أمامة ﵁ به، وألفاظهم متقاربة. وقد أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٦ من طريق: مُطَّرِح أبي المهلب، عن عبيد الله بن زحر، عن أبي أمامة: نهى رسول الله ﷺ ... الحديث. هكذا بإسقاط علي بن يزيد، والقاسم بن عبد الرحمن من الإسناد، فيكون هذا الإسناد معضلاً، وقد صَرَّحَ الحافظ ابن حجر بأن عبيد الله بن زحر يُرْسِلُ عن أبي أمامة٧، فيكون هذا من مراسليه عنه. وهذا الحديث ضَعَّفَهُ بعض الأئمة، وَطَعَنُوا في إسناده، فقال الترمذي: "هذا حديث غريب، إنما يُروى من حديث القاسم، عن أبي أمامة.

стр. 1126

والقاسم ثقةٌ، وعلى بن يزيد يُضَعَّفُ في الحديث"١. وسأل البخاريَّ عن إسناده؟ فقال: "عبيد الله بن زحر ثقة، وعليُّ بن يزيد ذاهب الحديث، والقاسم بن عبد الرحمن مولى ثقة"٢. وأورده ابن حزم في (المحلى) ٣ من طريق: مُطَّرِح أبي المهلب، عن عبيد الله بن زحر ... ثم قال: "مطرح مجهولٌ، وعبيد الله بن زحر ضعيف، والقاسم ضعيف، وعليُّ بن يزيد دمشقي مطرح، متروك الحديث". كذا قال أبو محمد ﵀. قلت: وإسناد هذا الحديث مداره - كما قال ابن القَيِّم - على هؤلاء الثلاثة: عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم. أما عبيد الله بن زَحْر: فقد اختلفت فيه أقوال الأئمة، فجرحه جماعةٌ، واحتمله آخرون، فَضَعَّفَهُ الإمام أحمد في رواية حرب٤. وقال عليُّ بن المديني: "منكر الحديث"٥. وقال ابن معين: "ليس بشيء"٦. وقال مرة: "كلٌّ حديثه عندي ضعيف"٧. وقال مرة: "ضعيف"٨. وقال

стр. 1127

أبو حاتم: "لَيِّنُ الحديث"١. وقال الدارقطني: "ضعيف"٢. وقال ابن حبان: "منكر الحديث جدًّا، يَروي الموضوعات عن الأثبات ... "٣. وضعفه غير هؤلاء٤. وَضَعَّفَ ابن حبان والدارقطني روايته عن عليِّ بن يزيد خاصة، قال ابن حبان: "وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبرٍ: عبيد الله بن زحر، وعلي بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن، لا يكون متن ذلك الخبر إلاّ مما عملته أيديهم، فلا يَحِلُّ الاحتجاج بهذه الصحيفة، بل التَّنَكُّبُ عن رواية عبيد الله بن زحر - على الأحوال - أولى"٥. وقال الدارقطني: "عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد: نسخة باطلة"٦. ومع ذلك فقد وَثقَهُ جماعةٌ، قال النسائي: "ليس به بأس"٧. وقال البخاريُّ: "ثقة"٨. وقال أبو زرعة: "لا بأس به، صدوق"٩. وقال

стр. 1128

أحمدُ بن صالح: "ثقة"١. وذكره العِجْلِي في (الثقات) ٢ وقال: "يُكْتَبُ حديثه، وليس بالقويِّ". والذي يظهر - والله أعلم - أنه "إلى الضَّعْفِ أقرب"٣ كما قال الذهبي ﵀. وأما عليُّ بن يزيد الألهاني، شيخ عبيد الله السابق: فقد "اتفق أهل العلم على ضعفه". كما قال السَّاجي٤ ﵀. وأما القاسم بن عبد الرحمن: فقد اختلفت فيه أقوال الأئمة أيضاً٥، وقال أبو حاتم: "حديث الثقات عنه مستقيم لا بأس به، وإِنَّمَا يُنْكَرُ عنه الضعفاء"٦. قلت: وهذا الحديث من رواية ضعيف عنه، وهو: علي بن يزيد. فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الإسناد ضعيفٌ لا تقوم بمثله حُجَّةٌ، ولكن وُجدَت متابعات لعبيد الله بن زحر، وعلى بن يزيد، وربما تَصْلُحُ لتقوية هذا الحديث.

стр. 1129

فقد تابع عبيد الله بن زحر: الفرجُ بنُ فَضَالَة، فساقه ابن حزم في (المحلى) ١ من طريق: سعيد بن منصور، نا الفرج بن فضالة، عن علي بن يزيد به، ثم ضَعَّفَهُ بالقاسم. وأشار البيهقي في (سننه) ٢ إلى هذه الرواية. قلت: وتضعيفه بالفرج بن فضالة أولى من تضعيفه بالقاسم. وأما عليُّ بن يزيد الألهاني: فقد تابعه يحيى بن الحارث٣، أخرجه الطبراني في (معجمه الكبير) ٤ من طريق: الوليد بن الوليد٥، ثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان٦، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة ﵁ عنه، وزاد في آخره: حتى فَرَغَ من الآية ثم أتبعها: "والذي بعثني بالحقِّ، ما رفَعَ رجلٌ عَقِيرَتَهُ٧ بالغناء، إلا بَعَثَ الله عند ذلك شيطانين يرتقدان على عاتقيه، ثم لا يزالان يضربان بأرجلهما على صدره - وأشار إلى صدر نفسه - حتى يكون هو الذي يسكت".

стр. 1130

والوليد بن الوليد: قال فيه أبو حاتم: "صدوقٌ، ما بحديثه بأس، حديثه صحيح"١: وضعفه غيره. وعبد الرحمن بن ثوبان وإن ضَعَّفَهُ جماعة، فقد وثقه آخرون، وهو ممن يكتب حديثه على ضعفه، كما قال ابن معين، وابن عدي٢. فهاتان المتابعتان - لعبيد الله بن زَحْر، ثم لعليِّ بن يزيد - تصلحان لتقوية هذا الحديث، وإخراجه من حيز الضعف إلى حيز القبول، ويكون - إن شاء الله - حَسَناً لغيره. ثم إنه قد وُجدَ لهذا الحديث شاهدٌ من حديث عائشة ﵂، ذكره ابن القَيِّم ﵀ في (الكلام على مسألة السماع) ٣ فقال: "وَرُوِيَ في ذلك حديث مرفوع من حديث عائشة ﵂" فذكره. وأشار البيهقي ﵀ إلى هذا الحديث، فقال: "وروي عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عائشة، وليس بمحفوظ. وروي عن ليث راجعاً إلى الإسناد الأول - يعني: رواية ليث عن عبيد الله ابن زحر - خَلَّطَ فيه ليث"٤. وعزاه الهيثمي إلى الطبراني، فقال: "ورواه الطبراني في الأوسط،

стр. 1131

وفيه اثنان لم أجد من ذكرهما، وليث بن أبي سليم: وهو مُدَلِّسٌ"١. وهذا مع ضعفه، فإنه يُستأنس به، ويصلح لتقوية حديث أبي أمامة السابق، هذا مع ما ذكره ابن القَيِّم ﵀ من تفسير كثير من الصحابة للهو الحديث بأنه الغناء، قال: "فقد صحَّ ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود ... وصحَّ عن ابن عمر ﵄ أيضاً -: أنه الغناء"٢. فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن حديث أبي أمامة ﵁ يَتَقَوَّى بمتابعات، وشاهد من حديث عائشة ﵂، مع ما جاء من أقوال الصحابة المؤيدة لهذا المرفوع، كما قَرَّرَهُ ابن القَيِّم ﵀، والله أعلم.

стр. 1132

٤- باب ما جاء في النهي عن العينة ٨٣- (٥) عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: "إِذَا ضَنَّ النَّاسُ بالدِّينَارِ والدِّرْهَمِ، وتَبَايَعُوا بِالعِيْنَةِ١، واتَّبَعُوا أَذْنَابَ البَقَرِ، وتركوا الجهادَ في سبيل الله: أنزلَ الله بهم بلاءً، فلا يَرْفَعُهُ عنهم حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُم ". ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث في عدد من كتبه٢، مستدلاً به على تحريم العينة. وقد ساقه من طريقين، وَبَيَّنَ أن كلاً منهما يَشُدُّ الآخرَ، ويُثْبتُ أن للحديث أصلاً محفوظاً، هذا مع قوله بأن في الإسنادين كلاماً يسيرًا٣. وقد حَكَمَ بحسن هذين الإسنادين، فقال: "وهذان إسنادان حَسَنَان يشدُّ أحدهما الآخر"٤. قلت: هذا الحديث يُروى عن ابن عمر ﵄ من طريقين:

стр. 1133

الطريق الأول: أخرجه أبو داود في (سننه) ١، والبيهقي كذلك في (سننه) ٢، وأبو بشر الدولابي في (الكنى) ٣، ثلاثتهم من طريق: حيوة بن شريح٤، عن إسحاق٥ أبي عبد الرحمن الخراساني، أن عطاء الخراساني حَدَّثَهُ، أن نافعاً حَدَّثَهُ، عن ابن عمر ﵄، مرفوعاً بنحو ما تَقَدَّمَ، إلا أن فيه: "سلط الله عليكم ذلاً ... ". وقد ضَعَّفَ جماعةٌ إسناد هذا الحديث بأبي عبد الرحمن الخُراساني، فقال ابن القطان: "الحديث من أجله - يعني إسحاق بن أَسِيد - لا يصحُّ"٦. وقال المنذريُّ: "في إسناده إسحاق بن أسيد، أبو عبد الرحمن الخراساني،.. لا يُحْتَجُّ بحديثه"٧. وجعل الذهبي هذا الحديث من مناكير إسحاق هذا، فقال: "ومن مناكيره في سنن أبي داود: حدثنا عطاء الخراساني ... "٨. وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده

стр. 1134

ضعيف"١. وقال أيضاً: "في إسناده مقال"٢. فقال الصنعاني مُبَيِّنَاً ذلك: "لأن في إسناده أبا عبد الرحمن الخراساني"٣. وأَعَلَّهُ المنذريُّ - فوق ذلك - بعطاء الخراساني، فقال: "وفيه أيضاً: عطاء الخراساني، وفيه مقال"٤. وخالف هؤلاء جميعاً: ابن تيمية ﵀، فقال: "إسنادٌ جيدٌ"٥. وابن القَيِّم ﵀، فقال: "إسنادٌ حسن"٦! قلت: أما إسحاق بن أسيد هذا: فقد ضَعَّفَهُ غير واحدٍ، فقال أبو حاتم: "ليس بالمشهور، ولا يُشتغل بحديثه"٧. وقال أبو أحمد الحاكم: "مجهول"٨. وقال الأزديُّ: "منكر الحديث، تركوه"٩. وقال ابن بكير: "لا أدري حاله"١٠. وذكره ابن حبان في (الثقات) ١١ لكن قال:

стр. 1135

"يخطئ". وقال المنذري: "لا يحتجُّ بحديثه"١. وَضَعَّفَهُ ابن القطان كما مرَّ. وقال الذهبي: "ضُعِّفَ"٢. وقال ابن حجر: "فيه ضعف"٣. والذي يظهر من أمرِ هذا الرَّجُل: أنه ضعيفٌ، لكنه ليس شديد الضَّعْفِ، ولذلك لم يجزم فيه الذهبي ولا ابن حجر بالضعف - وقد تقدم قولهما - بل قال الذهبي مرة: "وهو جائز الحديث"٤. وهذا يدلُّ على أن ضعفه محتمل عندهما. وقد وُجدَتْ متابعةٌ لإسحاق هذا في شيخ شيخه، أشار إليها أبو نعيم في (الحلية) ٥، فقال: "ورواه فضالة بن حصين، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر". وذكر الشيخ الألباني أنَّ هذه المتابعة أخرجها ابن شاهين في (الأفراد) ، وقال: "تفرد به فضالة"٦. ولكن فضالة هذا متكلم فيه أيضاً، قال عنه أبو حاتم: "مضطرب الحديث"٧. وقال ابن حبان: "شيخ يَروي عن محمد بن عمر الذي لم يتابع عليه، وعن غيره من الثقات ما ليس من أحاديثهم"٨.

стр. 1136

فَتَبَيَّنَ من ذلك: أن هذا الإسناد ضعيفٌ بأبي عبد الرحمن الخراساني، وأنَّ المتابعة التي وُجدتْ له - مع كونها قاصرة - لا تُسْعِفُه، لضعف إسنادها بفضالة بن حصين، وقد يكون اختلط عليه إسناد هذا الحديث فجعله عن أيوب، فإنه مضطرب الحديث. ومن هذا يتبين أنَّ تحسين ابن القَيِّم إسناده غير جيد، إلا أن يريد بذلك: بمجموع طرقه، فقد يحتمل ذلك. الطريق الثاني: عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر. ويروى عن عطاء من وجهين: الوجه الأول: ما أخرجه أحمد في (مسنده) ١، والطبرانيُّ في (الكبير) ٢، من طريق: أبي بكر بن عَيَّاش، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر ﵄، مرفوعاً بنحو اللفظ المتقدم أول البحث. وقد صَحَّحَ هذا الإسناد جماعةٌ: فقال ابن القطان: "هذا حديث صحيحٌ، ورجاله ثقات"٣. وقال ابن تيمية: "إسناد جيد"٤. وقال ابن القَيِّم: "إسناد حسن"٥. وقال الحافظ ابن حجر: "رجاله ثقات،

стр. 1137

وصححه ابن القطان"١. ووصفَ إسنادَهُ بأنه أجودُ وأمثلُ من إسناد إسحاق بن أسيد، عن عطاء الخراساني الماضي٢. وقال مرة: "أصحُّ ما ورد في ذَمِّ بيع العِيْنَة: ما رواه أحمد والطبراني، من طريق أبي بكر بن عياش ... "٣. وحسَّنَ السيوطيُّ إسناده٤. وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح"٥. وَضَعَّفَهُ البيهقيُّ، فقال: "ورُوِيَ من وجهين ضعيفين: عن عطاء ابن أبي رباح، عن ابن عمر"٦. وقال المناويُّ: "أبو بكر بن عياش مختلفٌ فيه"٧. وَأَعَلَّهُ الحافظ ابن حجر بعنعنة الأعمش وهو مُدَلِّسُ، فقال: "وعندي أن إسناد الحديث الذي صححه ابن القطان معلولٌ؛ لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحاً؛ لأن الأعمش مُدَلِّس، ولم يذكر سماعه من عطاء، وعطاء يحتمل أن يكون هو عطاء الخراساني، فيكون فيه تدليس التسوية: بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر، فرجع الحديث إلى

стр. 1138

الإسناد الأول، وهو المشهور"١. يعني حديث إسحاق الخراساني. وقد أَبْدَى ابن القَيِّم ﵀ تَخَوُّفَهُ من احتمال وقوع ذلك، فقال: " ... وإِنَّمَا يُخَافُ ألا يكون الأعمش سمعه من عطاء، أو أنَّ عطاء لم يسمعه من ابن عمر"٢. فأضاف بذلك علة أخرى، وهي: احتمال إرسال عطاء له. وكلام ابن القَيِّم هذا كأنه أخذه من شيخه ابن تيمية رحمهما الله، فإنه نسبه إليه في موضع آخر٣. قلتُ: أما غَمْزُ هذا الإسناد بأبي بكر بن عَيَّاش فلا ينبغي؛ فإن الرجل ثقةٌ، فقد وثقه غير واحد من الأئمة، إلا أنه كان يخطئ، قال الذهبي ﵀: "أحدُ الأعلام، ثقة يغلط"٤. وقال ابن عديّ: "لم أجد له حديثاً منكراً إذا روى عنه ثقة، إلا أن يروي عنه ضعيف"٥. وقال ابن حبان: "والصواب في أمره: مجانبة ما عُلِمَ أنه أخطأ فيه، والاحتجاج بما يرويه، سواء وافق الثقات أو خالفهم؛ لأنه داخلٌ في جملة أهل العدالة، ومن صَحَّتْ عدالته لم يستحق القدح ولا الجرح إلا بعد زوال العدالة عنه بأحد أسباب الجرح، وهكذا حُكْمُ كلِّ مُحَدِّثٍ ثقةِ صَحَّت عدالته وتَبَيَّنَ خطؤه"٦. ومع ذلك: فقد روى هذا الحديث عنه ثقة، وهو الأسود بن

стр. 1139

عامر الشامي١، وذلك في إسناد الإمام أحمد. وأما ما قاله ابن حجر من تدليس الأعمش، فإنَّ كلامه قد تَضَمَّنَ أموراً: ١- أن الأعمش قد عنعنه، وهو مدلس. ٢- أن عطاء الذي عنعن عنه الأعمش، قد يكون عطاء الخراساني، فيكون قد حصل تدليس تسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر. ٣- وإذا كان كذلك، فإنَّ هذا الإسناد يرجع إلى الإسناد الأول، الذي رواه: أبو عبد الرحمن الخراساني، عن عطاء الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر. وأقول: أما عنعنة الأعمش، فإنها عِلَّةٌ ولا شكَّ في هذا الإسناد، ولكنه ممن احْتُمِلَ تدليسهم: لإمامتهم، وقلة تدليسهم في جنب ما رووه، ولذلك جعله الحافظ ابن حجر في "الطبقة الثانية" من طبقات المدلسين٢ الذين هذه صفتهم. ومع ذلك فإنه قد تُوبِعَ على هذه الرواية، كما سيأتي بيانه. وأما القول بأنَّ عطاءً يحتمل أن يكون ابن أبي مسلم الخراساني: فلا أَدْرِي ما الذي دعا الحافظ ابن حجر إلى إيراد هذا الاحتمال؟ فإنه قد جاء منسوباً في روايتي الطبرانيِّ وأحمد، إذ جاء عندهما: "عطاء بن أبي

стр. 1140

رباح". وإذا كان كذلك فإنه لا يلتبس بعطاء الخراساني، فلعلَّ الحافظ ابن حجر ﵀ لم يقف عليه منسوباًَ، فقال ما قال! وأما ما ذهب إليه من تدليس التسوية: فإنه بناه على الاحتمال السابق وقد عُرِفَ ما فيه، ومع ذلك فلو سُلِّمَ للحافظ القول به، فإنه لا يكونُ كما قال؛ فإنَّ المعروف في تدليس التسوية أنه يُلجأ إليه لإسقاط ضعيفٍ من الإسناد بين ثقتين، فهل نافع مولى ابن عمر الإمام الثبت ضعيفٌ حتى يسقطه الأعمش من الإسناد؟ هذا لازم قول الحافظ ابن حجر، ولكنه لا يلتزمه ولا يقول بضعف نافع أبداً. بَقِيَ الكلام في سماع عطاء من ابن عمر ﵄ وهو ما تَخَوَّفَ منه ابن القَيِّم ﵀: فقد قال الإمام أحمد وعليُّ بن المديني: إنه رأى ابن عمر ولم يسمع منه١. وقد ضَعَّفَ الأئمة مرسلات عطاء ولم يحمدوها، فقال علي بن المديني: "مرسلات مجاهد أحبُّ إليَّ من مرسلات عطاء بكثير؛ كان عطاء يأخذ عن كلِّ ضربٍ"٢. وقال الإمام أحمد: "ليس في المرسلات أضعفُ من مرسلات الحسن وعطاء؛ فإنَّهما كانا يأخذان عن كلِّ أحدٍ"٣.

стр. 1141

فإذا كان كذلك، فإنَّ هذه عِلَّةُ أخرى في هذا الإسناد تضاف إلى ما سبق، وهي: انقطاعه بين عطاء وابن عمر. الوجه الثاني١: ما أخرجه أبو يعلى في (مسنده) ٢، والطبراني في (الكبير) ٣، من طريق: ليث بن أبي سليم، عن عبد الملك بن أبي سليمان٤، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر ﵄ بنحو حديث الأعمش الماضي. وهذا الإسناد ضعيفٌ؛ لضعف ليث بن أبي سليم. وعبد الملك بن أبي سليمان فيه كلامٌ يسيرٌ لا يضره، وقد ضَعَّفَ البيهقي ﵀ هذا الإسناد. فقال عنه وعن طريق الأعمش السابق: "ورُوي ذلك من وجهين ضعيفين عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر"٥. ولكن، مع ما في هذا الإسناد من ضعفٍ، فإنه إذا ضُمَّ إلى إسناد الأعمش الماضي تَقَوَّى كلٌّ منهما بالآخر، وإذا ضُمَّ الاثنان إلى حديث عطاء الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر، فإنهما - كما قال ابن القيم ﵀: "يَشُدُّ أحدهما الآخر"٦، مع ما تَقَدَّمَ من تصحيح

стр. 1142

بعض الأئمة لبعض طرق حديث عطاء، وتحسين آخرين له، وبذلك يَتَبَيَّنُ: "أن للحديث أصلاً محفوظاً عن ابن عمر"١. فيكون هذا الحديث بمجموع طرقه حسناً، وقد صَحَّحَهُ الشيخ الألباني بمجموع طرقه٢، ولعل الأليق به أن يكون حسناً، والله أعلم.

стр. 1143

٥- باب في بيع أمهات الأولاد ٨٤- (٦) عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "مَنْ وَطِئَ أَمَتَهُ، فَوَلَدَتْ له، فهي مُعْتَقَةٌ عن دُبُرٍ١ منه". تناول ابن القَيِّم ﵀ قضية بيع أمهات الأولاد، فكان مما قال: "وقد احْتُجَّ على منع البيع بحجج كلها ضعيفة". ثمَّ ذكر منها حديث ابن عباس هذا، قال: "وفي لفظ: أيما امرأةٍ عَلِقَتْ٢ من سَيِّدِهَا، فهي معتقة عن دُبُرٍ منه - أو قال - من بعده". قال ﵀: "وهذا الحديث مداره على حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس، وهو ضعيف الحديث، ضَعَّفَهُ الأئمة"٣. قلت: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٤، وأحمد، والدارمي في (مسنديهما) ٥، والطبراني في (الكبير) ٦، والحاكم في

стр. 1144

(المستدرك) ١، والبيهقي في (سننه) ٢، كلهم من طريق: شريك. وأخرجه الدارقطني في (سننه) ٣ من طريق: أبي أُوَيْس. كلاهما عن: حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ بنحو اللفظ المتقدم. وهذا الإسناد ضَعِيفٌ جدَّاً؛ فإنَّ مداره على حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وقد أجمعوا على ضَعْفِهِ، بل قال النسائي: "متروك"٤. وقد ضُعِّفَ هذا الحديث لأجله، فقال البيهقي عقبه: "حسين ضَعَّفَهُ أكثر أصحاب الحديث". وقال البوصيري: "هذا إسناد ضعيف، حسين بن عبد الله ... تركه ابن المديني ... ، وَضَعَّفَهُ أبو حاتم وأبو زرعة، وقال البخاريُّ: يُقال إنه كان يُتَّهَمُ بالزندقة"٥. وقال الحافظ ابن حجر: "في إسناده الحسين بن عبد الله الهاشمي، وهو ضعيف جداً"٦. وخالف الحاكم ﵀، فقال: "حديث صحيح الإسناد، ولم

стр. 1145

يخرجاه". فَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ بقوله: "قلت: حسين متروك"١، وابن الملقن بقوله: "وفيه نظرٌ قويٌّ، سيما رواية الدارقطني"٢. وقد روي حديث ابن عباس هذا على وجهٍ آخر عنه ﵁ أنه قال: ذُكِرَتْ أُمُّ إبراهيم عند رسول الله ﷺ ، فقال: "أَعْتَقَهَا وَلَدهَا". وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٣ من طريق: أبي بكر النَّهْشَلِي، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وهو ضعيفٌ كالذي قبله؛ لأن "حسين بن عبد الله" في هذا الإسناد أيضاً، وقد تَقَدَّمَ بيان حاله، وقد أشار ابن القَيِّم ﵀ إلى تضعيفه بذلك، فقال: "وهو أيضاً من رواية حسين"٤. ولكن قد رُوِيَ بهذا اللفظ من غير طريق حسين هذا، وذلك فيما أورده ابن القَطَّان من طريق: قاسم بن أصبغ، عن محمد بن وَضَّاح، عن مصعب بن سعيد، ثنا عبيد الله بن عمرو الرَّقِّي، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، أنه قال: لما ولدت ماريةُ إبراهيم، قال رسول الله ﷺ : "أعتقها ولدها" ٥.

стр. 1146

وهذا الإسناد فيه مصعب بن سعيد، وهو المصيصي، أبو خيثمة، قال فيه صالح جزرة: "شيخ ضريرٌ لا يَدْرِي ما يقول"١. وقال ابن عديّ: "يُحَدِّثُ عن الثقات بالمناكير، ويُصَحِّفُ عليهم"٢ وقال ابن القطان: "يُضَعَّفُ"٣. ولكن سُئل عنه أبو حاتم؟ فَقَطَّبَ وجهه، وقال: "عبد الله بن جعفر أحبُّ إليَّ منه، وكان صدوقاً"٤. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٥، وقال: "ربما أخطأ، يُعْتَبَرُ حديثه إذا روى عن الثقات، وَبَيَّنَ السماع في خبره؛ لأنه كان مدلساً". وقال الذهبي: "صدوق"٦. وذكره ابن حجر في الطبقة الثالثة من طبقات المدلسين٧. وعل ما قاله ابن حبان ﵀: فإنَّ هذا الإسناد لا بأس به؛ لأنَّ شيخ مصعب في هذا الإسناد ثقةٌ، وقد صَرَّحَ مصعبٌ بالتحديث، فانتفت شبهة تدليسه. وقد صَحَّحَ رواية قاسم بن أصبغ هذه جماعة من الأئمة، فنقل

стр. 1147

الزيلعي عن ابن القطان أنه قال: "إسناد جيد"١. - ولم أقف عليه في كتاب ابن القطان٢ عند كلامه على هذا الحديث -، وقال ابن الملقن: "رواه ... ابن حزم بإسناد صحيح، وصححه"٣. وقال الحافظ ابن حجر: "له طريق عند قاسم بن أصبغ إسنادها جيد"٤. فتلخص من ذلك: أن الحديث ضعيف بالإسناد الذي أورده ابن القَيِّم ﵀ وهو ما حكم به عليه -، لكن الحديث وردَ من طريق أخرى صَحَّحَ جمعٌ من الأئمة إسنادها، مما يفيد أن لهذا الحديث أصلاً، والله أعلم.

стр. 1148

١٢- من كتاب الأطعمة والصيد والذبائح ١- باب في الطافي من صيد البحر ٨٥- (١) عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا أَلْقَى الْبَحْرُ أو جَزَرَ١ عنه فَكُلُوهُ، وَمَا مَاتَ فيه وَطَفَا فلا تَأْكُلُوهُ". ذكر ابن القَيِّم ﵀ تضعيف عبد الحق لرفع هذا الحديث، وأن الصواب وَقْفُهُ على جابر ﵁، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أُسْنِدَ من وجه ضعيفٍ: عن يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر. ومن حديث: عبد العزيز بن عبد الله بن حمزة بن صهيب، وهو ضعيفٌ. ثم نَقَلَ ابن القَيِّم اعتراض ابن القطَّان على عبد الحق، إذ قال: "فإنْ كان عبد الحق ضَعَّفَ المرفوع لكونه من رواية أبي الزبير: فقد تناقض، لتصحيحه الموقوف، وهو عنه. وإن عَنَى به ضعف يحيى بن سليم: تناقض أيضاً، فكم من حديث صححه من روايته، ولم يخالف يحيى بن سليم في رفعه عن إسماعيل بن أمية إلاّ من هو دونه، وهو إسماعيل بن عَيَّاش، وأما إسماعيل بن أميَّة: فلا يُسْأَلُ عن مثله". ثم تَعَقَّبَ ابن القَيِّم ابن القطان، فقال: "وهذا تَعَنُّتٌ من ابن القطان، والحديثُ إنما ضُعِّفَ لأن الناس رووه موقوفاً على جابر، وانفرد برفعه يحيى بن سليم، وهو مع سوء حفظه قد خَالَفَ الثقات، وانفرد عنهم، ومثل هذا لا يحتجُّ به أهل الحديث، فهذا هو الذي أراده

стр. 1149

أبو داود وغيره من تضعيف الحديث"١. ثم أَخَذَ في توجيه صنيع عبد الحق في كَوْنِهِ صَحَّحَ حديث يحيى بن سليم في غير هذا الموضع وَضَعَّفَهُ هنا، فَبَيَّنَ أن هذه هي "طريقةُ أئمةِ الحديث العارفين بعلله: يُصَحِّحُونَ حديثَ الرَّجُلِ في موضع، ويضعفون حديثه في موضع آخر إذا انفرد أو خالف الثقات ... "٢. قلت: هذا الحديث مداره على: أبي الزبير، ووهب بن كيسان٣، كلاهما عن جابر ﵁. أما حديث أبي الزبير: فقد رُوِيَ عنه من عِدَّة طرق: الطريق الأول: أخرجه أبو داود، وابن ماجه في (سننيهما) ٤، والطبراني في (الأوسط) ٥، ثلاثتهم من طريق: أحمد بن عبدة، عن يحيى بن سليم٦، عن إسماعيل بن أمية٧، عن

стр. 1150

أبي الزبير، عن جابر به، ولفظه هو المذكور أول البحث. ومن طريق أبي داود أخرجه: الدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ١، وابن عبد البر في (التمهيد) ٢. الطريق الثاني: أخرجه الدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٣ من طريق: أبي أحمد الزبيري٤، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير به. الطريق الثالث: أخرجه الترمذي في (علله) ٥ من طريق: الحسين ابن يزيد٦، عن حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير به، ولفظه: "ما اصطدتموه وهو حيٌّ فكلوه، وما وجدتموه ميتاً طافياً فلا تأكلوه". الطريق الرابع: من رواية يحيى بن أبي أنيسة٧، عن أبي الزبير به، أشار إليه البيهقي في (سننه) ٨.

стр. 1151

الطريق الخامس: من رواية الأوزاعي عن أبي الزبير به، أشار إليه البيهقي - أيضاً - في (سننه) ١. فهذه طرقُ حديث أبي الزبير، عن جابر، ولا يخلو واحدٍ منها من عِلَّةٍ، وقد بين الأئمة ما فيها: أما رواية يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية: فقال أبو داود عقب إخراجها: "روى هذا الحديث: سفيان الثوري، وأيوب، وحماد، عن أبي الزبير، أوقفوه على جابر". وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل إلا يحيى". وقال الدارقطني: "لا يصحُّ رفعه، رَفَعَهُ يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، وَوَقَفَهُ غيره"٢. وقال البيهقي: "يحيى بن سليم كثير الوهم، سيئ الحفظ، وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أمية موقوفاً"٣. والرواية التي أشار إليها البيهقي ﵀، أَخْرَجَهَا الدارقطني في (سننه) ٤ من طريق: إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ موقوفاً من قوله، قال الدارقطني: " ... موقوف، هو الصحيح". فقد خالف إسماعيل بن عياش يحيى بن سليم، فجاء به عن

стр. 1152

إسماعيل بن أمية موقوفاً، ورواية ابن عياش هذه عن غير الشاميين، فهي ضعيفةٌ عند العلماء، وقد قال ابن القطان - في رَدِّهِ على عبد الحق -: "ولم يخالف يحيى بن سليم في رفعه عن إسماعيل بن أمية إلا من هو دونه، وهو إسماعيل بن عياش"١. وَأَعَلَّه كذلك صاحب (الجوهر النقي) ٢ بأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين. قلت: فلذلك لا تُعَلُّ رواية يحيى بن سليم بمخالفة إسماعيل بن عياش له عن إسماعيل بن أمية، ولكن تعلُّ رواية إسماعيل بن أمية بمخالفة الأئمة الجهابذة له: الثوري، وأيوب السختياني، وحماد بن سلمة، وعبيد الله بن عمر وغيرهم؛ إذ جاءوا به عن أبي الزبير، عن جابر موقوفاً، وهذا الذي سَلَكَه أبو داود ﵀ في إعلال رواية يحيى بن سليم الطائفي. وحينئذٍ يمكن لنا أن نقول: إن رواية هؤلاء الأثبات لهذا الحديث عن أبي الزبير موقوفاً، تُقَوِّي رواية ابن عياش له عن إسماعيل بن أمية موقوفاً، لموافقتها رواية هؤلاء الحفاظ، وعند ذلك ينسب الوهم ليحيى ابن سليم في رفعه عن إسماعيل بن أمية؛ فإنه كان سيئ الحفظ، كما قال غيرُ واحدٍ من أهل العلم٣. وأما رواية أبي أحمد الزبيري، عن الثوري، عن أبي الزبير: فقد

стр. 1153

ضَعَّفَهَا العلماءُ أيضاً، فقال الدارقطني: "لم يُسْنِده عن الثوري غير أبي أحمد، وخالفه وكيعٌ، والعَدَنِيَّان١، وعبد الرزاق، ومؤمل، وأبو عاصم وغيرهم: عن الثوري رووه موقوفاً، وهو الصواب"٢. ونقل البيهقي عن سليمان بن أحمد اللَّخْمي- شيخ شيخ البيهقيِّ في هذا الحديث - قوله: "لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلا أبو أحمد"٣. وقد كان أبو أحمد الزبيري هذا يخطئ في حديث الثوري٤، وقد خالف - مع ذلك - الأثبات من أصحاب الثوري - وعلى رأسهم وكيع - لذا وجب تقديم رواية الجماعة، والحكم على روايته بالخطأ، وهذا ما سَلَكَهُ الدارقطني ﵀. وأما روايةُ ابن أبي ذئب عن أبي الزبير: فقد ضَعَّفَهُا الإمام البخاري، فقال: "ليس هو بمحفوظ، ويروي عن جابر خلاف هذا، ولا أعرفُ لابن أبي ذئب عن أبي الزبير شيئاً"٥. قلت: وفي الإسناد "الحسين بن يزيد الطحان" لَيَّنَهُ أبو حاتم٦، وتبعه الحافظ ابن حجر٧.

стр. 1154

وأما رواية ابن أبي أنيسة، عن أبي الزبير: فقد ضَعَّفَها البيهقي قائلاً: "ويحيى ابن أبي أنيسة متروكٌ لا يحتجُّ به"١. وضعف أيضاً رواية الأوزاعي، فقال: "رواه بقية بن الوليد، عن الأوزاعي، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً، ولا يحتجُّ بما ينفرد به بقية، فكيف بما يخالف فيه"٢. فهذا مجملُ القولِ في طرق هذا الحديث عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً، وقد تَبَيَّنَ عدمُ انتهاض أيٍّ منها للحجة، وبخاصة إذا عورضت برواية الثقات الأثبات - الذين تقدم ذكرهم - له عن جابر موقوفاً. وأما الطريق الثاني: من طرق هذا الحديث عن جابر ﵁، وهي رواية وهب بن كيسان: فقد أخرجها الدارقطني في (سننه) ٣، والطحاويُّ في (أحكام القرآن) ٤، وابن عدي في (الكامل) ٥، من طريق: إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة٦، عن وهب، عن جابر مرفوعاً. وهو عند ابن عديّ: عن وهب، ونعيم بن عبد الله.

стр. 1155

وقد ضُعِّفَ هذا الطريق أيضاً، قال ابن أبي حاتم: "سألت أبا زرعة عن حديث رواه إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب بن كيسان ونعيم بن عبد الله ... ؟ قال أبو زرعة: هذا خطأٌ، إنما هو موقوفٌ عن جابر فقط، وعبد العزيز بن عبيد الله: واهي الحديث"١. وقال ابن عدي: "هذا إنما يرفعه عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب بن كيسان ونعيم بن عبد الله"٢. ثم قال - بعد أن سرد له أحاديث -: "وهذه الأحاديث التي ذكرتها لعبد العزيز: مناكير كلها، وما رأيت أحداً يحدث عنه غير إسماعيل بن عياش"٣. وقال الدارقطني: "تفرد به عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب، وعبد العزيز ضعيفٌ، لا يحتجُّ به"٤. وضعفه كذلك البيهقي٥ بعبد العزيز هذا، وكذا ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٦. فهذا كلام الأئمة ﵏: أبو داود، والبخاريُّ، وأبو زرعة، وابن عدي، والدارقطني، والبيهقي في تضعيف هذا الحديث مرفوعاً، وتصحيح رواية الوقف، مع ما تقدم من كلام عبد الحق ﵀، وكأن البغوي مال إليه ترجيح الوقف أيضاً، فقال: "ورواه سفيان

стр. 1156

الثوري، وأيوب، وحماد: عن أبي الزبير، وأوقفوه على جابر"١. وضعفه مرفوعاً أيضاً: الشيخ الألباني٢ ﵀. قال البيهقي ﵀ بعد أن رَجَّحَ وقفه -: "وقول الجماعة من الصحابة على خلاف قول جابر، مع ما روينا عن النبي ﷺ أنه قال في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" ٣. وقال الحافظ ابن حجر: "وإذا لم يصحّ إلا موقوفاً، فقد عارضه قول أبي بكر وغيره، والقياس يقتضي حله؛ لأنه سمك، لو مات في البر لأكل بغير تذكية، ولو نضب عنه الماء، أو قتلته سمكة أخرى فمات لأكل، فكذلك إذا مات وهو في البحر"٤. فتحصَّلَ من ذلك: أن ابن القَيِّم ﵀ قد أصاب في إعلاله الرواية المرفوعة، وتقديم الموقوفة عليها، وأن ابن القطان لم يُصب حين ذهب إلى تقوية المرفوع، وبالله التوفيق.

стр. 1157

٢- باب الفأرة تقع في السمن فتموت فيه ٨٦- (٢) عن ميمونة ﵂: "أن فأرةً وقعت في سَمْنٍ فماتت، فَسُئِلَ النبي ﷺ ؟ فقال: "أَلْقُوهَا وَمَا حَولَهَا، وَكُلُوهُ". قال ابن القَيِّم ﵀: "اخْتُلِفَ فيه إسناداً ومتناً، والحديث من حديث: الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنه سمع ابن عباس يُحَدِّثُ عن ميمونة، ولفظه: "أن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي ﷺ عنها؟ فقال: "ألقوها وما حولها، وكلوه". رواه الناسُ عن الزهري بهذا المتن والإسناد، ومتنه خرجه البخاريُّ في (صحيحه) ، والترمذي، والنسائي. وأصحاب الزهري كالمجمعين على ذلك. وخالفهم معمرٌ في إسناده ومتنه، فرواه عن: الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وقال فيه: "إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه". ولما كان ظاهر هذا الإسناد في غاية الصحة، صَحَّحَ الحديث جماعةٌ، وقالوا: هو على شرط الشيخين، وحكي عن محمد بن يحيى الذُّهَلِي تصحيحه. ولكن أئمة الحديث طعنوا فيه، ولم يروه صحيحاً، بل رأوه خطأ محضاً"١. ثم نقل كلام الأئمة: البخاري، والترمذي في إعلاله، وردَّ على ابن حبان في تصحيحه إياه.

стр. 1158

وقال مرة: "ولم يصح فيه التفصيل بين الجامد والمائع"١. قلت: هذا الحديث مداره على الزهري، ويُروى عنه على أوجه مختلفة: الوجه الأول: عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود٢، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ . رواه عن الزهري هكذا: مالكٌ، وابن عيينة، والأوزاعي، وعبد الرحمن بن إسحاق، ومعمر في رواية، وغيرهم. أما مالك، فقد اختلف عنه: فرُوي عنه: عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة مرفوعاً. وروي عنه: عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بدون ذكر "ميمونة". وروي عنه: عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن النبي ﷺ ، مقطوعاً، أسقطوا منه ابن عباس، وميمونة. ورواه يحيى القطان، وجويرية: عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس: أن ميمونة استفتت النبي ﷺ . فهذه أوجه الاختلاف على مالك في رواية هذا الحديث، ذكرها

стр. 1159

الدارقطني في (علله) ١، ثم قال: "والصحيحُ: عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة". وقال ابن عبد البر: "وهذا اضطرب شديد عن مالك في إسناد هذا الحديث.... والصواب فيه: ما قاله يحيى ومن تابعه"٢. وأما رواية ابن عيينة، عن الزهري: فأخرجها الحميدي في (مسنده) ٣ - ومن طريقه: البخاريّ في (صحيحه) ٤، والطبراني في (الكبير) ٥ - قال: ثنا سفيان، ثنا الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة ﵂ به. وأخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) ٦ - ومن طريقه الطبراني في (الكبير) ٧ - قال: حدثنا سفيان به، بنحو ما تقدم. وسقط من الطبراني لفظة "فماتت"، وهي في المصنف. وأخرجه أحمد في (المسند) ٨: حدثني سفيان به.

стр. 1160

وأخرجه أبو داود في (سننه) ١: حدثنا مسدد، والترمذي في (جامعه) ٢: حدثنا سعيد المخزومي وأبو عمار، والنسائي في (سننه) ٣: أخبرنا قتيبة، كلهم عن: سفيان، عن الزهري به، بنحو ما تقدم، غير أن أبا داود سقطت من عنده لفظة: "فماتت". وأخرجه الطيالسي في (مسنده) ٤: حدثنا سفيان ... فذكره، لكنه قال فيه: "أن فأرة وقعت في سمن جامد لآل ميمونة". فزاد فيه كلمة "جامد"، لكن قال الحافظ ابن حجر: "ورواه الحميدي والحفاظ أصحاب ابن عيينة بدونها"٥. وسيأتي أن حجاج بن منهال تابع الطيالسي على هذه اللفظة عن سفيان. وأخرجه ابن حبان في (صحيحه) ٦ من طريق إسحاق بن راهويه، قال: أخبرنا سفيان ... عن ميمونة ﵂: أن رسول الله ﷺ سئل عن الفأرة تموت في السمن؟ فقال: "إن كان جامداً فألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان ذائباً فلا تقربوه". قال ابن حجر عن رواية إسحاق، عن سفيان هذه: "تفرد بالتفصيل عن سفيان دون حفاظ أصحابه، مثل أحمد والحميدي ومسدد
следующие страницы →