← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 11401

ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها

جمال بن محمد السيد

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولكن شاء الله سبحانه أن يشاطر ابن القَيِّم شيخه محنته هذه، فَسُجن معه في القلعة، ولأجل التهمة نفسها، ولكنه كان (منفرداً عنه) ١. ولقد كان للحاقدين على شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة وتلميذه ابن القَيِّم دورٌ قبيح في حبسهما، وتدبير الشر ضدهما، ذلك أنهم حرَّفوا فتوى ابن تَيْمِيَّة: بأنه يُحَرِّمُ زيارة قبور الأنبياء مطلقاً، ويعتبر ذلك معصية، مع أن الشيخ - وكذا تلميذه - " لم يمنع الزيارة الخالية عن شد الرحل، بل يستحبها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك ... ولا قال إنها معصية ... ولا هو جاهل قول الرسول ﷺ :» زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة «. والله سبحانه لا يخفى عليه شيء ولا تخفى عليه خافية"٢. ويَحكي المقريزي ﵀ هذه الواقعة - مبيناً ملابساتها وظروفها - بأوسع من هذا، وأن ابن القَيِّم ﵀ قد ضُرب في هذه المرة قبل أن يُحبس، فيقول: (وفي يوم الاثنين سادس شعبان - يعني سنة ٧٢٦هـ - حُبِس تقي الدين أحمد بن تيمية، ومعه أخوه زين الدين عبد الرحمن بقلعة دمشق. وضُرِب شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قَيِّم الجوزية، وشُهِّرَ به على حمار بدمشق. وسبب ذلك: أن ابن قَيِّم الجوزية تكلم بالقدس في مسألة الشفاعة والتوسل بالأنبياء، وأنكر مجرد القصد للقبر الشريف دون قصد المسجد النبوي، فأنكر المقادسة عليه مسألة الزيارة، وكتبوا فيه إلى قاضي القضاة جلال الدين القزويني وغيره من قضاة دمشق.

стр. 107

وكان قد وقع من ابن تَيْمِيَّة كلام في مسألة الطلاق بالثلاث: (أنه لا يقع بلفظ واحد، فقام عليه فقهاء دمشق، فلما وصلت كتب الْمَقَادِسَة في ابن القَيِّم، كتبوا في ابن تَيْمِيَّة وصاحبه ابن القَيِّم إلى السلطان، فعرف شمس الدين الحريري - قاضي القضاة الحنفية بديار مصر- بذلك، فشَنَّع على ابن تَيْمِيَّة تشنيعاً فاحشاً، حتى كتب بحبسه، وضُرِبَ ابن القَيِّم) ١. وقد ظل ابن القَيِّم محبوساً مدة، ولم يُفْرَج عنه إلا بعد وفاة شيخه بشهر؛ ذلك أن ابن تَيْمِيَّة قد توفي في محبسه بالقلعة في العشرين من ذي القعدة سنة (٧٢٨هـ) ، (وفي يوم الثلاثاء عشرين ذي الحجة أُفرج عن الشيخ الإمام العالم العلامة أبي عبد الله شمس الدين بن قَيِّم الجوزية) ٢. وقد امتحن ابن القَيِّم ﵀ غير هذه المرة أيضاً: فتواه بجواز السباق بغير مُحَلِّل ومحنته بسبب ذلك: كان ابن القَيِّم ﵀ يُفتي بجواز إجراء السباق بين الخيل بغير مُحَلِّل، وَصَّنف في ذلك كتابه: (بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال) أو: (بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل) ٣. كما أنه تناول هذا الموضوع في بحث طويل مفيد ضمن كتابه (الفروسية) ٤.

стр. 108

وقد أشار ابن حجر ﵀ إلى محنته هذه، فقال: "وجرت له محن مع القضاة، منها: في ربيع الأول - يعني سنة ٧٤٦هـ - طلبه السبكي بسبب فتواه بجواز المسابقة بغير مُحَلِّل، فأنكر عليه وآل الأمر إلى أنه رجع عما كان يُفتي به من ذلك"١. وحكى ابن كثير هذه الحادثة، ولكنه ذكر ما يفيد أن ابن القَيِّم كان يفتي في ذلك برأي شيخه، وصَنَّف هذا المصنف لنصرة رأي الشيخ، ثم صار يفتي به دون نسبته إلى شيخه، فظنوه قوله، فحصل له ما حصل، ثم (انفصل الحالُ على أن أظهر الشيخ شمس الدين ... الموافقة للجمهور) ٢. قال الشيخ بكر أبو زيد: "وقضية الرجوع محل نظر، فلابد من تثبيت ذلك، وأرجو من الله تعالى أن يمنَّ عليَّ بما يدل على ذلك، نفياً أو إثباتاً"٣. قلت: أما كتبه التي بين أيدينا، فليس فيها ما يدل على رجوعه، وبخاصة كتاب (الفروسية) ، ولكن ابن كثير ﵀ يحكي ما شاهده بنفسه من إظهاره الموافقة للجمهور، فهل أظهر ابن القَيِّم ذلك دفعاً للشر عن نفسه دون أن يرجع حقيقة عن رأيه؟ الله أعلم. والذي يهمنا في هذه القضية: أن ابن القَيِّم ﵀ قد امتحن من القضاة بسببها، وأوذي في سبيل ذلك.

стр. 109

فتواه في مسألة الطلاق الثلاث ومحنته بسبب ذلك: وقد امتحن ابن القَيِّم مرة أخرى بسبب فتواه بأن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة يقع طلقة واحدة، وهو اختيار شيخه ابن تَيْمِيَّة أيضاً. ويشير ابن كثير ﵀ إلى ما وقع له بسبب ذلك، فيقول: "وقد كان متصدياً للإفتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وجرت بسببها فُصُولٌ يطول بسطها مع قاضي القضاة تقي الدين السبكي وغيره"١. ولم يبين لنا ابن كثير ما وقع له بسب ذلك، لكن الظاهر أنه لم يُحْبَس إلا في المرة التي كان فيها مع شيخه ابن تَيْمِيَّة، وذلك بسبب فتوى شد الرحل، وأما مسألة الطلاق، وكذا مسألة المحلل في السباق، فيظهر أنه جرت له بسببهما فتن ومحن مع القضاة فحسب، وأنه لم يُسجن بسبب ذلك، وقد ذكر الشيخ بكر أبو زيد أنه سُجن بسبب هذه الفتاوى كلها٢. ولم أر ما يدل على ذلك، ولعل كلام ابن رجب صريح في أنه لم يُحبس إلا في تلك المرة مع الشيخ، فقد قال: "وقد امتُحن وأُوذي مرات، وحُبس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة في القلعة ... "٣. ومما يؤكد - أيضاً - أن فتواه في مسألة الطلاق قد سببت له

стр. 110

مشكلات مع القضاة، ما حكاه الحافظ ابن كثير ﵀ من الصلح الذي تم بين السبكي وابن القَيِّم، فقد ذكر في أحداث سنة ٧٥٠هـ - قبل موت ابن القَيِّم بعام واحد - في السادس عشر من شهر جمادى الآخرة منها، أنه (حصل الصلح بين قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وبين الشيخ شمس الدين بن قَيِّم الجوزية، على يدي الأمير سيف الدين بن فضل ملك العرب، في بستان قاضي القضاة، وكان قد نقم عليه إكثاره من الفتيا بمسألة الطلاق) ١. فالمقصود أنه ﵀ ابتلي وأوذي وامتحن بسبب صدعه بالحق، وإعلانه رأيه وما يعتقده دون مجاملة أو خوف من أحد، فرحم الله ابن القَيِّم رحمة واسعة، وجزاه عما قَدَّم خير الجزاء. ٢- وفاتُه: وبعد هذه الحياة الحافلة بالجهاد المتصل لنشر منهج السلف، ومحاربة كثير من الانحرافات التي ابتدعها الخلف، وما لقيه من محن في سبيل ذلك، وبعد أن كَمُلَ له من العمر ستون سنة، توفي هذا الإمام العالم العلامة، وذلك في ليلة الخميس، ثالث عشر من شهر رجب، من سنة إحدى وخمسين وسبعمائة (٧٥١هـ) وقت أذان العشاء٢. ووقع عند ابن رجب: (ثالث عشرين رجب) ٣. ولعله تصحيف

стр. 111

طباعي، فتكون كلمة (من) تصحفت إلى (ين) ؟ وذلك لاتفاق المصادر على ما قدمناه من أنه كان في ثالث عشر؛ ولأن ابن رجب من تلاميذ ابن القَيِّم المقَرَّبين، فيبعد أن يخفى عليه يوم وفاته. ووقع في (البدر الطالع) ١ أنه كان في (ثالث شهر رجب) ، وهذا خطأ أيضاً. وقد صُلِّيَ عليه ﵀ من الغد عقب صلاة الظهر بالجامع الأموي٢، ثم بجامع جَرَّاح٣. ولأن ابن القَيِّم ﵀ كان قائماً لله بالحق، صادقاً في النصح للخلق فقد "كانت جنازته حافلة ﵀، شهدها القضاة والأعيان والصالحون، من الخاصة والعامة، وتزاحم الناس على حمل نعشه"٤. فقد "شَيَّعَه ﵀ خلق كثير"٥، "وكانت جنازته مشهودة"٦،"وحافلة جداً"٧. نعم لقد كانت جنازته حافلة عامرة، شهدها كثير من الخلق، كما

стр. 112

كانت جنازة شيخه ﵀، التي لم يتخلف عنها من أهل دمشق سوى ثلاثة نفر، وقد قال الإمام أحمد ﵀: "قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز"١. كانت هذه جنازته ﵀ مع ما كان له في قلوب الكثيرين من العداوات، ومع ما حِيَكَ ضده من المؤامرات. وَدُفِنَ ﵀ عند والدته بمقابر الباب الصغير٢. وقد رُؤِيَتْ له بعد موته "منامات كثيرة حسنة"٣. وكان هو ﵀ "قد رأى قبل موته بمدة الشيخ تقي الدين ﵀ في النوم، وسأله عن منزلته؟ فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر، ثم قال له: وأنت كدت تلحق بنا، ولكن أنت الآن في طبقة ابن خزيمة ﵀"٤. فَرَحِم الله ابن القَيِّم رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام وأهله خيراً، وأسكنه فسيح جناته، آمين.

стр. 113

الفصل الثالث: سيرته العلمية المبحث الأول: نبوغه وتقدمه في العلم، وشهادة الأئمة له، وثناؤهم عليه . ... المبحث الأول: نبوغه وتقدمه في العلم، وشهادة الأئمة له وثناؤهم عليه. تَقَدَّمَ - عند الكلام على أخلاقه وصفاته - ذكرُ طَرَفٍ من حاله في طلبه للعمل، وشدة محبته له، وجِدِّهِ واجتهاده في تحصيله ليلاً ونهاراً. ولقد أثمر هذا الجهد المتواصل، وتلك المحبة الصادقة للعلم ودرسه، أطيب الثمار، فَنَبَغَ ابنُ القَيِّم ﵀ في علوم عديدة، حَتَّى ذَاعَ صِيتُهُ، وفاق في ذلك أَقْرانَهُ وأهلَ عصره، ولم يُر في وَقْتِهِ مِثْلُهُ. ولقد شهد له تلاميذه ومعاصروه - بل وبعض شيوخه - بطول الباع، وعلو الشأن، وبلوغ الغاية في شتى العلوم وسائر الفنون، فلنذكر طرفاً من شهادات هؤلاء الأئمة وثنائهم عليه، ليعرف بذلك قدره، ومدى تقدمه وعلو شأنه، فمن ذلك: ١- قال القاضي برهان الدين الزُّرَعي١: "ما تحت أديم السماء أوسع علماً منه"٢. ٢- وقال شيخه المزي: "هو في هذا الزمان كابن خزيمة في زمانه"٣.

стр. 114

وهذا القول من المزي - على جلالته - يطابق بشارة شيخه ابن تَيْمِيَّة له - لَمَّا رآه في المنام - بأنه في طبقة ابن خزيمة، وقد تقدم ذكر ذلك١. ٣- وقال الحافظ الذهبي: "الفقيه، الإمام، المفتي، المتفنن، النحوي"٢. وقال أيضاً: "عُني بالحديث متونه ورجاله، وكان يشتغل في الفقه ويجيد تقريره، وفي النحو وَيَدْرِيه، وفي الأصلين"٣. ٤- وقال الصَّلاح الصَّفَدِي: "الإمام العلامة"٤. وقال أيضاً: "اشتغل كثيراً وناظر، واجتهد، وأكبَّ على الطلب، وصَنَّف، وصار من الأئمة الكبار في: علم التفسير، والحديث، والأصول: فقهاً وكلاماً، والفروع، والعربية، ولم يخلف الشيخ العلامة تقي الدين ابن تَيْمِيَّة مثله"٥. ٥- وقال أبو المحاسن الحسيني الدمشقي: "الشيخ، الإمام، العلامة، ذو الفنون ... أفتى، ودرَّس، وناظر، وصنف، وأفاد"٦. ٦- وقال الحافظ ابن كثير: "الإمام العلامة ... سمع الحديث، واشتغل بالعلم، وبرع في علوم متعددة، لاسيما: علم التفسير، والحديث، والأصلين. ولَمَّا عاد الشيخ تقي الدين ابن تَيْمِيَّة من الديار المصرية في سنة

стр. 115

(٧١٢هـ) ، لازَمَه إلى أن مات الشيخ، فأخذ عنه علماً جمَّاً، مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريداً في بابه في فنون كثيرة... وبالجملة: كان قليل النظير في مجموعه وأموره وأحواله"١. ٧- وقال ابن رجب: "الفقيه، الأصولي، المفسر، النحوي، العارف ... تفقه في المذهب، وبرع وأفتى ... وتفنن في علوم الإسلام، وكان عارفاً بالتفسير لا يُجارى فيه، وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى. والحديث ومعانيه، وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك. وبالفقه وأصوله، وبالعربية، وله فيها اليد الطولى، وبعلم الكلام، والنحو وغير ذلك، وكان عالماً بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم، له في كل فنٍّ من هذه الفنون اليد الطولى"٢. وقال أيضاً: " ... ولا رأيت أوسع منه علماً، ولا أعرفَ بمعاني القرآن والسنة، وحقائق الإيمان منه، وليس هو بالمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله"٣. ٨- وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: "أحد المحققين، عَلَمُ المصنفين، نادرة المفسرين"٤. وقال أيضاً: "كان ذا فنون من العلوم - وخاصة التفسير والأصول - من المنطوق والمفهوم"٥.

стр. 116

٩- وقال تقي الدين المقريزي: "برع في عدة علوم، ما بين: تفسير، وفقه، وعربية، وغير ذلك، ولزم شيخ الإسلام، وأخذ عنه علماً جَمًّا، فصار أحد أفراد الدنيا"١. ١٠- وقال الحافظ ابن حجر: "كان جرئ الجنان، واسع العلم، عارفاً بالخلاف ومذاهب السلف"٢. وقال أيضاً - في تقريظه لكتاب (الرد الوافر) -: "ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير: الشيخ شمس الدين ابن قَيِّم الجوزية، صاحب التصانيف النافعة السائرة، التي انتفع بها الموافق والمخالف، لكان غاية في الدلالة على عظم مَنْزلته"٣. ١١- وقال ابن تَغْرِي بَرْدِي: "كان بارعاً في عدة علوم، ما بين: تفسير، وفقه، وعربية، ونحو، وحديث، وأصول، وفروع، ولزم الشيخ تقي الدين بن تيمية ... وأخذ عنه علماً كثيراً، حتى صار أحد أفراد زمانه"٤. ١٢- وقال السخاوي: "العلامة، الحجة، المتقدم في: سعة العلم، ومعرفة الخلاف، وقوة الجنان ... "٥.

стр. 117

١٣- وقال السيوطي: "صنَّف، وناظر، واجتهد، وصار من الأئمة الكبار في التفسير، والحديث، والفروع، والأصلين، والعربية"١. ١٤- وقال ابن العماد: "الفقيه الحنبلي- بل المجتهد المطلق - المفسر، النحو، الأصولي، المتكلم"٢. ١٥- وقال الشوكاني: "العلامة الكبير، المجتهد المطلق، المصنف المشهور ... برع في جميع العلوم، وفاق الأقران، واشتهر في الآفاق، وتَبَحَّر في معرفة مذاهب السلف"٣. ١٦- وقال الشَطِّيُّ٤: "الفقيه، الأصولي، المفسر، المحدث ... ذو اليد الطولى، الآخذ من كل علم بالنصيب الأوفى ... تَفَنَّن في علوم الإسلام، فكان إليه المنتهى في: التفسير، وأصول الدين، وكان في الحديث والاستنباط منه لا يُجَارى، وله اليد العليا في الفقه وأصوله، والعربية، وغير ذلك"٥. تلك هي أقوال هؤلاء الجهابذة، أئمة المسلمين، وأعلام الدين في الشهادة لابن القَيِّم، والثناء عليه، وبيان منزلته ودرجته في العلم، وتأكيد تقدمه وإمامته في سائر العلوم، وشتى الفنون.

стр. 118

وكثير من هؤلاء الأئمة قد عايشه وعرفه عن قرب، ومنهم من تتلمذ عليه وأخذ عنه، ولذلك فإن هذه الشهادات لها قيمة خاصة. فإذا أضيف إلى ذلك: عِظَم مكانة هؤلاء الأئمة، وعلوِّ شأنهم، وذيوع صيتهم- كالذهبي، وابن كثير، وابن رجب، وابن حجر، والسيوطي، والشوكاني، وغيرهم - علمنا القيمة الحقيقية لهذه الأقوال، وتلك الشهادات، وأنها تُعَبِّر تعبيراً صادقاً عن المكانة الحقيقية التي تبوَّأها ابن القَيِّم ﵀ بين أهل العلم وأئمته. على أنه لو لم تكن أمامنا هذه الشهادت، وتلك الأقوال، فإننا - ومعنا كل منصف، متجرد من هوى التعصب على أئمة الهدى وبقية السلف - نستطيع أن نجزم بأن مكانة ابن القَيِّم ﵀ هي هذه التي وضعوه فيها وأعلى؛ وذلك عند النظر في آثاره، والاغتراف من غزير فوائده، والعيش بصدق مع علومه النافعة، وتوجيهاته المخلصة في كل مبحث من مباحثه. وعند التأمل في أقوال هؤلاء الأئمة نلاحظ: أنه يصعب على الباحث أن يجزم بتفوق ابن القَيِّم ﵀ في فن على حساب الفنون الأخرى، فقد اتفقت كلمتهم - أو كادت - على تفوقه في فنون كثيرة، وجمعه بين علوم عديدة، مع التقدم والمهارة وعلو الشأن في ذلك كله.

стр. 119

فلقد كان ابن القَيِّم ﵀: مُحَدِّثاً، فقيهاً، أصولياً، مفسراً، نحوياً، لغوياً، أديباً ... له في كل فن من هذه الفنون: القدح الْمُعلَّى، والرتبة الأعلى. وإن كان ابن كثير ﵀ يقدم من علومه: "التفسير، والحديث، والأصلين". ويوافقه ابن ناصر على "التفسير، والأصول". قال الشيخ بكر أبو زيد: "وأما علومه التي تلقاها وبرع فيها: فهي تكاد تعم علوم الشريعة وعلوم الآلة، فقد دَرَسَ التوحيد، وعلم الكلام، والتفسير، والحديث، والفقه وأصوله، والفرائض، واللغة، والنحو، وغيرها ... وبرع هو فيها وعلا كعبه وفاق الأقران، ويكفي في الدلالة على علو منزلته: أن يكون هو وشيخه - شيخ الإسلام - كفرسَي رِهَان. وهذه الجامعية المدهشة في البراعة والطلب نجدها محل اتفاق مسجل لدى تلاميذه الكبار، ومن بعدهم من ثقات النقلة الأبرار"١. وبعد، فهذه هي علوم ابن القَيِّم ﵀، وتلك هي فنونه، مع التقدم والتفوق وعلو الشأن في ذلك كله. ولم يكن ابن القَيِّم ﵀ لينال هذه الدرجة الرفيعة إلا بعون الله تعالى، ثم بِهِمَّة عالية، وجهد متواصل، وصبر وجلد، مع ما آتاه الله - عزوجل - من: فهم، وذكاء، وقوة حفظ، فأتاح له كل ذلك - بعد توفيق الله - الوصول إلى تلك الدرجة، واحتلال هذه الرتبة، فرحمه الله ونفع بعلومه، آمين.

стр. 120

وابنُ القَيِّم وإن كان بَارِعاً في هذه العلوم كُلِّها، مَتَقَدِّماً في هذه الفنون بأسرها، إلا أن الذي يعنينا من ذلك: هو نُبُوغُهُ في الحديثِ وعلومِهِ على وجه الخصوص، وهو ما عقدنا أبوابَ هذه الرسالة وفصولَها لأجله، وسيرى النَّاظرُ في هذا الكتاب ما يؤكد له هذه الإمامة، وذلك التقدم والنبوغ في الحديث وعلومه إن شاء الله.

стр. 121

المبحث الثاني: شيوخه إن من أهم العوامل التي تسهم بشكل كبير في التكوين العلمي للشخص: شيوخه الذين تلقى عنهم، واستفاد علومه منهم. وقد يكون بعضهم أشدَّ تأثيراً في الطالب من البعض الأخر، وذلك بحسب نوع العلاقة القائمة بين الطالب وشيخه، ومدى ارتباطه به، وصحبته له، وغير ذلك من العوامل التي تميز شخصية الشيخ، وتؤثر بالتالي في الطالب الْمُتَلَقِّي. وقد اعتنى أكثر الذين ترجموا لابن القَيِّم بسرد شيوخه على تفاوت بينهم في ذلك، فبينما حاول بعضهم استيعاب ذلك: كالصَّفَدِي مثلاً، نجد آخرين لم يذكروا له سوى شيخ واحد فقط، كابن كثير، واقتصر البعض على ذكر بعضهم. وفي هذا المبحث أذكر شيوخ ابن القَيِّم الذين أخذ عنهم علومه وثقافته، مع إبراز دور كل واحد من هؤلاء الشيوخ في التكوين العلمي لابن القَيِّم، وذلك بمعرفة الفنِّ الذي أخذه عنه، أو الكتب التي قرأها عليه، مع التعريف بأولئك الذين كان ارتباط ابن القَيِّم بهم أكثر، وأثرهم فيه أكبر. وأسوق هؤلاء الشيوخ على حسب الفنون التي تلقَّاها ابن القَيِّم ﵀ عنهم، فأذكر شيوخ كُلِّ فَنٍّ على حدة:

стр. 122

أولاً: شيوخه في الحديث: ١- الشِّهاب العابر: أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة، المقدسي، الحنبلي، شهاب الدين، أبو العباس، عابر الرؤيا. مولده: سنة (٦٢٨هـ) . سمع الكثير، وروى الحديث، وتَفَقَّه وحَصَّل المذهب، ثم أقبل على علم الرؤيا فبرع فيه، وكان له في اليد الطولى، بحيث فاق في ذلك أهل زمانه، وله فيه تصنيف١. توفي بدمشق في ذي القعدة، سنة: (٦٩٧هـ) ٢. وقد ذكرت أكثر مصادر ترجمة ابن القَيِّم سماعه منه٣. وهو من أوائل الشيوخ الذين سمع منهم ابن القَيِّم، وقد "حَدَّث عن شيخه: التعبير وغيره"٤. وقد حَدَّثَ ابن القَيِّم - رحمه لله - عنه بتفسير بعض الرؤى في كتابه (زاد المعاد) ٥، حيث قال - عند الكلام على تأويل لباس الحلي

стр. 123

للرجل، وأنه يدل على نكد وألمٍ يلحقه - قال: "وأنبأني أبو العباس، أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سرور المقدسي، المعروف بالشهاب العابر، قال: قال لي رجل: رأيت في رِجلي خَلْخَالاً، فقلتُ له: تتخلخل رجلك بألم. وكان كذلك". ثم ساق عنه جملة في هذا الباب، ثم قال: "وهذه كانت حال شيخنا هذا، ورسوخه في علم التعبير، وسمعت عليه عدة أجزاء، ولم يتفق لي قراءة هذا العلم عليه، لصغر السن، واخترام الْمَنَيَّة له"١. ويُؤخذ من هذا النص: ابتداء ابن القَيِّم ﵀ بالسماع والطلب في سنٍّ مبكرة؛ إذ إنه عند وفات هذا الشيخ كان قد تجاوز السادسة من عمره بأشهر قليلة. وفي ذلك دلالة ظاهرة على ذكاء ابن القَيِّم الخارق، وإدراكه الْمُبَكِّر، واستعداده العلمي منذ الطفولة، بحيث كان ضابطاً لمسموعه في هذا السن، حتى أَدَّاه من حفظه بعد سنين عديدة. كما أن في كلام ابن القَيِّم في مدح شيخه تأكيداً لما اتفقت عليه كلمة الأئمة: من براعة الشهاب وتمكنه في هذا العلم، فتضاف هذه الشهادة من ابن القَيِّم إلى شهادات أولئك الأئمة. بقي التنبيه على ما وقع من وهمٍ للأستاذ حسن الحَجَّاجِي في دراسته لابن القَيِّم٢، حيث ترجم الشهاب العابر بأنه: أيوب بن نعمة بن

стр. 124

محمد ... الكحال (ت٧٣٠هـ) ! والصحيح ما تقدم في اسمه، وهو الذي ترجمه به تلميذه ابن القَيِّم نفسه، وأما الكحال: فشيخ آخر لابن القَيِّم سيأتي ذكره. ٢- ابن مكتوم: إسماعيل بن يوسف بن مكتوم بن أحمد بن سليم، صدر الدين، أبو الفداء، السويدي، ثم الدمشقي، الشافعي، المقرئ، الْمُسْنِد، المعمر. مولده: سنة (٦٢٣هـ) . وكان له سماع في الحديث، وتفرد بسماع (الموطأ) من مكرم بن أبي الصقر بدمشق، وروى الكثير، وتفرد بأشياء. وتلا القرآن على السخاوي: لأبي عمرو، وعاصم، وابن كثير. فكان خاتمة أصحابه. وكان حسن الخلق، وحج في آخر عمره سنة (٧١١هـ) فَحَدَّثَ بالحرم. وكان له أملاك كثيرة وثروة. توفي ﵀ سنة (٧١٦هـ) ١. وقد نص على سماع ابن القَيِّم منه: الصَّفَدِي٢، وابن حجر٣. ٣- أيوب بن نعمة بن محمد، زين الدين أبو العلاء، المقدسي، ثم الدمشقي، الكَحَّال. مولده: سنة (٦٤٠هـ) .

стр. 125

حَدَّث عن: الرشد العراقي وغيره، وحَدَّث بالكثير، وتفرد في زمانه، وكان حَدَّث بمصر مدة، ثم تحول إلى دمشق بعد سنة ٧٢٠هـ. وأخذ صنعة الكُحْلِ عن طاهر الكحال، وبرع فيها، وتكسب بها سبعين سنة. توفي ﵀ في ذي الحجة سنة (٧٣٠هـ) ١. وقد ذكر سماع ابن القَيِّم منه: الصَّفَدِي٢. ٤- ابن عبد الدائم: أبو بكر بن أحمد بن عبد الدائم بن نعمة، المقدسي، المُعَمِّر، مُسْنِدِ الشام في وقته كأبيه. مولده: سنة (٦٢٥ أو ٦٢٦هـ) . سمع من: الناصح ابن الحنبلي، والحافظ الضياء المقدسي، وجماعة. وحَدَّث في حدود سنة ٦٦٠هـ. وكان مليح الإصغاء، صحيح الفهم، انقطع بموته جملة من المرويات. وكان ﵀ ذا هِمَّة وجلادة، وذِكْر وعبادة، وسَعْي في طلب الرزق. وقد ذهب بصره، وثقل سمعه في الآخر، فَضَعُفَ. توفي ﵀ في رمضان سنة (٧١٨هـ) وعاش مثل أبيه: ثلاثاً وتسعين سنة٣.

стр. 126

وقد ذكر سماع ابن القَيِّم منه جماعة من مترجميه١. ٥- الحاكم: سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن أبي عمر، تقي الدين، أبو الفضل وأبو الربيع، المقدسي، الحنبلي، القاضي بدمشق. مولده: في رجب سنة (٦٢٨هـ) . سَمِعَ الحديث الكثير، وقرأ بنفسه، وحضر جميع (البخاري) على ابن الزبيدي، ورواه عنه. وروى عن الحافظ الضياء نحواً من خمسمائة جزء أو أكثر، وكان محباً للرواية واسِعَهَا، وكان بصيراً خبيراً بالمذهب وشرحه، تَخَرَّجَ به الفقهاء. وكان ﵀ مُهَذَّب الأخلاق، كَيِّساً، متواضعاً، ذكي النفس، خيِّراً، متعبداً، متهجداً، عديم الشر. توفي ﵀ فجأة في ذي القعدة سنة (٧١٥هـ) ٢. وقد ذكر جماعة من مترجمي ابن القَيِّم سماعه منه٣. ٦- علاء الدين الكِنْدِي الوَدَاعي: علي بن مظفر بن إبراهيم بن عمر بن زيد بن هبة الله، أبو الحسن، الكندي، الإسكندراني، ثم

стр. 127

الدمشقي، الأديب، المحدِّث المفيد، المقري، كاتب ابن وَدَاعة، وكان يعرف بـ "الوَدَاعِي". مولده: على رأس سنة (٦٤٠هـ) . وكان كثير السماع، فسمع على أكثر من مائتي شيخ، وعني بالرواية، وقرأ "صحيح البخاري" عدة مرات، وأسمع الحديث. ثم تعانى الإنشاء، وَجَوَّدَ الخط، وتقدم في النظم والنثر، فنظم الشِّعْرَ الحسن الرائق الفائق. وجمع كتاباً في نحوٍ من خمسين مجلداً، فيه علوم جمة أكثرها أدبيات، سماه: (التذكرة الكندية) ، وكانت (الحماسة) من بعض محفوظاته. مات سنة (٧١٦هـ) ، ووقع عند ابن تغري بردي وحده: (٧١٠هـ) والصواب الأول١. وقد ذكر سماع ابن القَيِّم منه: الصَّفَدِي٢. ٧- عيسى الْمُطَعِّم: شرف الدين، عيسى بن عبد الرحمن بن معالي ابن أحمد بن إسماعيل بن عطاف بن مبارك، المقدسي، مُسْنِدُ الوقت، المطعِّم٣ في الأشجار، ثم السمسار في العقار، كما قال الذهبي. سمع الكثير من مشائخ عدة، منهم: الضياء المقدسي، وكريمة، وسمع (صحيح البخاري) بِفَوْتٍ٤ من ابن الزبيدي. وقد كان أُميّاً عاميّاً، كما قال الذهبي ﵀.

стр. 128

توفي في ذي الحجة سنة (٧١٩هـ) ١. وقد ذكر سماع ابن القَيِّم منه أكثر الذين ترجموه٢. ٨- البهاء بن عساكر: القاسم بن مُظَفَّر بن نجم الدين بن محمود ابن أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، بهاء الدين، أبو محمد، الدمشقي، المعبِّر، الطبيب. مولده: في صفر سنة (٦٢٩هـ) . أخذ عن كثير من المشايخ سماعاً وحضوراً، وأجاز له خلق كثيرون، وروى ما لا يُوصَف كثرةً. وخرَّج له الحافظ علم الدين البرزالي مشيخة، وكذا غيره. وكان حَسَنَ البِشْر، حلو المحاضرة، وكان قد اشتغل بالطبِّ، وكان يعالج الناس بغير أجرة، ثم لزم بيته بعدُ لإسماعِ الحديثِ، وتفرد بأشياء كثيرة. وَوَقَفَ على المحدثين أماكن، منها داره، وَقَفَهَا دار حديث. توفي ﵀ في شعبان سنة (٧٢٣هـ) ٣. وقد نص على سماع ابن القَيِّم منه: الصَّفَدِي٤.

стр. 129

٩- القاضي بدر الدين ابن جماعة: محمد بن إبراهيم بن سعد الله ابن جماعة بن حازم بن صخر بن عبد الله الكناني، الحموي الأصل، أبو عبد الله. مولده: في ربيع الآخر سنة (٦٣٩هـ) بحماة. سمع الحديث، واشتغل بالعلم، وحصَّل علوماً متعددة، وتَقَدَّم وساد أقرانه، وصنف التصانيف الفائقة النافعة. وقد وَلِيَ القضاء مرات في: القدس، ثم مصر، ثم دمشق - مع الديانة، والصيانة، والورع، وكف الأذى - حتى كَبِرَ وَضَعُف وَأُضِرَّ، فاستقال فَأُقِيل. توفي ﵀ سنة (٧٣٣هـ) بمصر١. وقد نص على سماع ابن القَيِّم منه: الصَّفَدِي٢. ١٠- الحافظ الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي، التركماني، ثم الدمشقي، أبو عبد الله، الحافظ، مؤرخ الإسلام، وشيخ المحدثين. مولده: سنة (٦٧٣هـ) . طلب الحديث وله ثماني عشرة سنة، فسمع الكثير، ورحل، وَعُني بهذا الشأن، وتعب فيه، وَخَدَمَهُ، إلى أن رسخت فيه قَدَمُهُ. وقد شَرِبَ الحافظُ ابن حجر ماء زمزم ليصل إلى مرتبته في الحفظ.

стр. 130

وشهرة هذا الإمام الجهبذ، والعلم النِحرير تُغْنِي عن الإطالة بذكر مناقبه١. وقد توفي ﵀ سنة (٧٤٨هـ) ٢. أما عن سماع ابن القَيِّم منه، وتتلمذه عليه: فإنه لم يذكر ذلك أحدٌ ممن ترجموا لابن القَيِّم، ولكن وصف ابن القَيِّم الذهبي بأنه شيخه، وذلك في رسالته في الأحاديث الموضوعة - التي سيأتي الكلام عليها مفصلاً عند ذكر مؤلفات ابن القيم إن شاء الله - حيث قال: "سمعت شيخنا أبا عبد الله محمد بن عثمان..."٣. وقال مرة في الرسالة نفسها: "وسمعت الحافظ أبا عبد الله محمد بن عثمان ... "٤. وقد ذكره في مواضع أخرى من كتب له: فقال مرة في كتابه (جلاء الأفهام) ٥ - ناقلاً كلام الذهبي في حديث -: "قال محمد بن عثمان الحافظ: هذا وَضَعَه العُمَرِي". ثم قال: "وهو كما قال؛ فإن هذا الإسناد لا يَحْتَمِلُ هذا الحديث". وقال مرة في كتابه (زاد المعاد) ٦ - متعقباً إيّاه في مسألة -:

стр. 131

"وممن غَلِطَ في هذا أيضاً: محمد بن عثمان الذهبي في كتابه (الضعفاء) فقال: مطرف بن مصعب المدني ... ". يعني: وأن الصواب فيه: مطرف أبو مصعب. فهكذا نجد ابن القَيِّم ﵀ في هاتين المرتين ينقل عن الذهبي: مرة مستفيداً منه، ومرة متعقباً إياه، بدون أن يصرح في أي من المرتين بأنه شيخه، أو أنه سمع منه. ثم إن الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله - لَمَّا وقف على نص (رسالة الموضوعات) وما جاء فيها من تصريح ابن القَيِّم بأن الذهبي شيخه، استبعد ذلك قائلاً: "والذهبِيُّ من تلامذة ابن القَيِّم، ولم أر ابن القَيِّم في شيء من كتبه المطبوعة يذكر الذهبي وينقل عنه"١. ثم حكم - بناء على ذلك - بغرابة أسلوب هذه الرسالة على مسلك ابن القَيِّم في التأليف، وَتَوَقَّفَ بالتالي في الحكم بنسبتها لابن القَيِّم٢. وأقول: إن كلام الشيخ بكر في نفي مشيخة الذهبي لابن القَيِّم فيه نظر؛ ويتضح ذلك بما يلي: - أما قوله بأن الذهبي من تلامذة ابن القَيِّم: فإنه مما لا دليل عليه، وسيأتي التنبيه على ذلك عند الكلام على تلاميذ ابن القَيِّم، وبيان ضعف الدليل الذي اعتمده الشيخ في الحكم بذلك٣.

стр. 132

- وأما كونه لم ير ابن القَيِّم في شيء من كتبه المطبوعة يذكر الذهبي وينقل عنه: فقد تقدم نقل نصين من كتابين مختلفين، ينقل فيهما ابن القَيِّم عن الذهبي. - فإذا ثبت لدينا عدم انتهاض ما استدل به الشيخ بكر - سلمه الله - على نفي كون الذهبي شيخاً لابن القَيِّم، فإن الواقع والقرائن يؤيدان الحكم بإثبات هذه المشيخة، ويؤكد هذا أمور: أولاً: ذلك النص من ابن القَيِّم في رسالته في الأحاديث الموضوعة، والذي يقول فيه: "سمعت شيخنا"؛ فإنه صريح لا يحتمل تأويلاً، إلا أن يقال: هذا الكتاب لا تصح نسبته لابن القَيِّم، فالكلام ليس كلامه؟ ولا سبيل إلى القول بذلك؛ فإن الكتاب صحيح النسبة لابن القَيِّم بأدلة قوية، كما سيأتي. وأما ما جاء في النصين الآخرين من نقله عن الذهبي دون تصريح بأنه شيخه: فإنه لا يلزم منه نفي كونه شيخه؛ إذ لا مانع من أن ينقل الإنسان عن شيخه دون وصفه بذلك، بل إن ذلك كثير في كلام الأئمة. ثانياً: أن وجود ابن القَيِّم مع الذهبي في بلد واحد - وهو دمشق– ومعاصرة كل منهما للآخر، مع شهرة الذهبي وإمامته، وطول باعه في العلم، وحرص ابن القَيِّم على التحصيل على كبار الأئمة، كل ذلك يجعل القول بتتلمذ ابن القَيِّم على الذهبي غير بعيد، بل عدم سماعه منه وأخذه عنه هو البعيد الغريب.

стр. 133

ثالثاً: أن فارق السنِّ بينهما يدعم القول بمشيخة الذهبي لابن القَيِّم؛ فإن الذهبي ﵀ ولد سنة (٦٧٣هـ) ، ومولد ابن القَيِّم سنة (٦٩١هـ) ، وبذلك فإن الذهبي يكبره بثماني عشرة سنة، ففي السنة التي وُلِدَ فيها ابن القَيِّم ﵀ شَرَعَ الذهبي في القراءة بالجمع الكبير على شيخين في آنٍ واحد، فما لبث "أن أصبح على معرفة جيدة بالقراءة وأصولها ومسائلها، وهو لم يزل فتىً لم يتعد العشرين من عمره"١. ولبراعَةِ الذهبي وتميزه في ذلك: تَنَازَلَ له شَيْخُهُ شمس الدين الدمياطي عن حلقته بالجامع الأموي أوائل سنة (٦٩٣هـ) ٢، كل ذلك وابن القَيِّم لم يزل بعد في الثانية من عمره، فهل يبعدُ - مع هذا السبق في السِّنِّ والتَّلقِّي - أن يكون الذهبي شيخاً لابن القَيِّم؟ رابعاً: ثم إنه ظهر لي - وأرجو أن أكون مخطئاً في ظني - أنه كانت هناك نفرةٌ بين ابن القَيِّم وشيخه الذهبي، ولعل ذلك يتضح من قول الذهبي في حق ابن القَيِّم: " ... ولَكِنَّهُ مُعْجَبٌ برأيه جرئ على الأمور، غفر الله له"٣. فهذه كلمة - ولا شك - تشير إلى عدم انسجام واتفاق، فربما ترتب على ذلك قلة الاتصال بينهما؟ ومن ثم عدم إكثار ابن القَيِّم عنه، بخلاف شيخه المزي مثلاً، كما سيأتي. وعلى كلِّ حال، فما دام ابن القَيِّم ﵀ قد صَرَّح بأن الذهبي شيخه، وذلك في كتاب ثابت النسبة إليه، فإنه لا مجال لنفي ذلك إلا بِبَيِّنَةٍ ودليل قويٍّ.

стр. 134

وبعدُ، فقد طال بنا الكلام - شيئاً ما - في إثبات تلمذة ابن القَيِّم للذهبي، والآن نعود مرة أخرى إلى ما كنا بصدده من سرد شيوخ ابن القَيِّم ﵀. ١١- محمد بن أبي الفتح بن أبي سهل البَعْلَبَكِّيِّ، الحنبلي، شمس الدين، أبو عبد الله، الإمام، العلامة، المحدث. مولده: سنة (٦٤٥هـ) . تحول إلى دمشق فاشتغل، وأتقَنَ الفقه، وسمع الكثير من: ابن عبد الدائم والكرماني وغيرهما، وعني بالرواية والأجزاء، وله اعتناء بالرجال، جيد الخبرة بألفاظ الحديث. وأتقن العربية، ولع معرفة تامة بالنحو، وأفاد ودَرَّسَ. وكان ﵀ حَسَنَ الْخُلُق، عابداً، متواضعاً، مع القناعة والاقتصاد، وكثرة المحاسن. مات بالقاهرة بعد دخولها بأيام في المحرم سنة (٧٠٩هـ) ١. وقد ذكر سماع ابن القَيِّم منه: الصَّفَدِي٢. ١٢- ابن الشِّيْرَازِي: محمد بن محمد بن محمد بن هبة الله بن محمد ابن يحيى بن بُنْدار بن مَمِيل، شمس الدين، أبو نصر، الفارسي، الشِّيرازي الأصل، ثم الدمشقي، الْمِزِّي، المُسْنِد، الْمُعَمِّر. مولده: سنة (٦٢٩هـ) .

стр. 135

سمع كثيراً، وأسمع، وأفاد، وتفرد في زمانه، وَرُحِلَ إليه. وكان ﵀ عاقلاً، ساكناً، وقوراً، متواضعاً، خَيِّراً، وكان أُستاذاً في إذهاب المصاحف١. توفي ﵀ ليلة عرفة سنة (٧٢٣هـ) ٢. وقد نص على سماع ابن القَيِّم منه: الصَّفَدِي٣، وابن حجر٤، والسيوطي٥. ١٣- المزي: يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، القُضَاعي، ثم الكَلْبِي، الدمشقي، الشافعي، أبو الحجاج، جمال الدين، الإمام، العلامة، الحافظ، محدث الشام. مولده: بحلب سنة (٦٥٤هـ) ونشأ بالْمِزَّة. سمع: (المسند) ، و (الكتب الستة) ، و (معجم الطبراني) ، و (الأجزاء الطبرزدية) ، و (الكندية) ، و (صحيح مسلم) . وَرَحَل فسمع: بالحرمين، وحلب، وحماة، وبعلبك وغيرها. وقد برع ومهر وتقدم في فنون كثيرة، ولاسيما في معرفة الرجال، فهو حامل لوائها، والقائم بأعبائها.

стр. 136

وكان ﵀ ثقة، حجة، كثير العلم، حسن الأخلاق، كثير السكوت، قليل الكلام جداً، صادق اللهجة، مع التواضع والاقتصاد في المأكل والملبس. وقد ترافق هو وابن تَيْمِيَّة كثيراً في سماع الحديث. توفي ﵀ في صفر: سنة (٧٤٢هـ) ولم يذكره أحد ممن ترجم لابن القَيِّم ضمن شيوخه، ولكن ابن القَيِّم ﵀ كثير النقل عنه في كتبه مع التصريح بأنه شيخه، وبخاصة فيما يتعلق بالرجال والأسانيد. ويظهر عليه حبه الشديد له، واحترامه وتقديره إيَّاه، حتى كان يطلق عليه "شيخ الإسلام"٢ كما كان يطلق ذلك على شيخه الأول: ابن تَيْمِيَّة. يقول مرة ناقلاً عنه فائدة حول راوٍ: "وهكذا هو في (تهذيب الكمال) لشيخنا أبي الحجاج المزي"٣. وأحياناً لا يسميه، فيقول: "وقال شيخنا في التهذيب"٤. أو: "وذكره شيخنا في التهذيب"٥.

стр. 137

ويعتمد رأيه كثيراً في الترجيح عند الاختلاف، فتراه يقول: "قال شيخنا أبو الحجاج المزي: والصواب رواية ... "١. وتارة يقول: "وكان شيخنا أبو الحجاج المزي يرجح هذا أيضاً"٢. وقد ينقل عنه في بعض المواضع مما سمعه منه، فيقول: "قال لي شيخنا أبو الحجاج الحافظ"٣. ويقول أيضاً: "وسمعت أبا الحجاج الحافظ يقول ... "٤. ويظهر واضحاً من هذه النقول: مدى حب ابن القَيِّم لشيخه المزي، واحترامه له، ونقل إفاداته وعلومه في كثير من كتبه. ثانياً: شيوخه في العربية: لقد برع ابن القَيِّم في علوم متعددة، وكان على رأسها: النحو والعربية، حتى وصفه غير واحد من مترجميه بـ "النحوي"٥، وأن له في العربية "اليد الطولى"٦. ولا عجب في ذلك؛ فقد أولى ابن القَيِّم ﵀ ذلك الجانب عناية فائقة، وتلقاه على أكابر شيوخ عصره، ومن هؤلاء الشيوخ: - محمد بن أبي الفتح البعلبكي الماضي ذكره.

стр. 138

قال الصَّفَدِي: "قرأ عليه (الْمُلَخَّص) لأبي البقاء، ثم قرأ (الْجُرْجَانِيَّة) ثم قرأ (ألفية ابن مالك) ، وأكثر (الكافية الشافية) ، وبعض (التسهيل") ١. ومن شيوخه في العربية أيضاً: ١٤- مجد الدين التونسي: أبو بكر بن القاسم، المرسي، ثم التونسي، نزيل دمشق، مجد الدين، شيخ القراءة والنحو. مولده: سنة (٦٥٦هـ) . سمع من الفخر علي، وجماعة، ويتصدر للقراءة زماناً، وكان من أذكياء وقته، مع الدين والنَّزَاهة والوقار. توفي ﵀ في ذي القعدة سنة (٧١٨هـ) ٢. ٠وقد ذكره ضمن شيوخ ابن القَيِّم جماعة٣، وذكر الصلاح الصَّفَدِي: أن ابن القَيِّم قرأ عليه قطعة من (المقرب) ، ونقل الشيخ بكر أبو زيد عن الصَّفَدِي: أنه (الْمُغْرب) ٤.

стр. 139

ثالثاً: شيوخه في الفقه: أما الفقه: فقد كان ابن القَيِّم ﵀ مشتغلاً به "ويجيد تقريره" كما مضى من كلام الذهبي ﵀. وقد أخذ الفقه عن جماعة من أَجِلَّة عصره، منهم: ١٥- شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة: تقي الدين، أبو العباس، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن محمد بن الخضر ... بن تيمية، الحرَّاني، ثم الدمشقي، الإمام، العالم، والفقيه، الحافظ، المفتي، شيخ الإسلام الذي أثنى عليه الموافق والمخالف. مولده: سنة (٦٦١هـ) . وشهرة الشيخ تغني عن الكلام عنه، وقد توفي ﵀ سنة (٧٢٨هـ) محبوساً بقلعة دمشق كما تقدم١. وقد سبقت الإشارة إلى العلاقة الوثيقة بين ابن القَيِّم وأستاذه ابن تَيْمِيَّة٢، فلقد توطدت العلاقة بين ابن القَيِّم وشيخه، حتى صار "من عيون أصحابه"٣. بل كان "رئيس أصحاب ابن تَيْمِيَّة"٤. حتى إنه لا يكاد يذكر ابن تَيْمِيَّة إلا ويذكر معه ابن القَيِّم رحمهما الله تعالى.

стр. 140

وقد نص على تفقه ابن القَيِّم بابن تَيْمِيَّة أكثر من ترجم له١. وابن القَيِّم ﵀ دائم الذكر لشيخه، كثير النقل عنه في كتبه، مع الإشادة به، وإظهار الحب والتقدير له٢. ١٦- المجد الحرَّاني: إسماعيل بن محمد بن إسماعيل، مجد الدين، أبو محمود، الحرَّاني، الفراء، الحنبلي. مولده بحران: سنة (٦٤٥هـ) ، ثم انتقل إلى دمشق سنة ٦٧٠ أو ٦٧١هـ. سمع الحديث بدمشق من الجمال ابن الصيرفي وغيره، فسمع (الكتب الستة) و (المسند) . وتفقه حتى برع في المذهب، وتَخَرَّج به عدة فقهاء وأئمة، ولم يُصَنِّف شيئاً. وكان متواضعاً، كثير الصمت عما لا يعنيه، لا يغتاب بشراً، ولا يؤذي أحداً، ومن أكفِّ الناس عن الفتيا، فيه خير ورقَّةٌ. توفي ﵀ في جمادى الأولى سنة (٧٢٩هـ) ٣.

стр. 141

وقد نص على تفقه ابن القَيِّم به: الصَّفَدِي١، وابن حجر٢. ونص الصَّفَدِي على أنه قرأ عليه: (مختصر أبي القاسم الخرقي) ، و (المقنع) لابن قدامة، وكلاهما في الفقه الحنبلي. ١٧- شرف الدين بن تيمية: عبد الله بن عبد الحليم ... بن تيمية، شرف الدين، أبو محمد، الحراني، الحنبلي، أخو شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة. مولده: سنة (٦٦٦هـ) . كان عارفاً بجمل نافعة من الحديث ورجاله، سمع (المسند) ، (والكتب الستة) وغيرهما، وكان عارفاً بالسيرة وأيام الناس، مُحْكِماً للفقه والعربية. وكان كثير المحاسن، كبير القدر، مقتصداً في مأكله وملبسه. وكان أخوه يكرمه ويعظمه. توفي ﵀ في جمادى الأولى سنة (٧٢٧هـ) ٣. وقد نص على تفقه ابن القَيِّم به: الصَّفَدِي٤، ونص ابن القَيِّم على أنه شيخه٥. وممن أخذ الفقه عنهم أيضاً: - محمد بن أبي الفتح البعلبكي المتقدم ذكره.

стр. 142

رابعاً: شيوخه في الفرائض: أما شيوخه في الفرائض فهم: ١٨- والده: أبو بكر بن أيوب، قَيِّم الجوزية. وقد تقدم أنه كان له في الفرائض اليد الطولى١، ولذلك فقد أخذها عنه ابن القَيِّم أولاً، نص على ذلك: الصَّفَدِي٢، وابن حجر٣، والشوكاني٤. ثم أخذها على: - إسماعيل بن محمد الحراني الماضي ذكره٥. ثم على: - شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة٦. خامساً: شيوخه في أصول الفقه. وقد أخذ أصول الفقه عن جماعة من العلماء، منهم: ١٩- صفي الدين الهندي: محمد بن عبد الرحيم بن محمد، أبو عبد الله، الأرموي، الشافعي، العَلاَّمة، الأصولي. مولده: سنة (٦٤٤هـ) بالهند.

стр. 143

خرج من دِهْلي سنة ٦٦٧هـ فحجَّ وجاور بمكة أشهراً، ثم دخل اليمن، ثم مصر، ثم سافر إلى الروم، ثم قدم دمشق سنة ٦٨٥هـ، فاستوطنها، واشتغل بالتدريس، وصنف في الأصول وعلم الكلام. وكان ذا برٍّ وصلة، وله حظ من صلاة وتعبد. توفي ﵀ في صفر سنة (٧١٥هـ) وقد استوفى سبعين سنة وأشهراً١. وقد ذكر أخذَ ابن القَيِّم الأصول عنه: الصَّفَدِي٢، وابن حجر٣، والسيوطي٤. وأخذ الأصول - أيضاً - عن: - شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة، فَقَرَأ عليه قطعةً من (المحصول) ٥، وقطعة من (الإحكام في أصول الأحكام) ٦، كما ذكر ذلك الصَّفَدِي٧. وأخذ الأصول - أيضاً - عن: - إسماعيل بن محمد الحراني المتقدم ذكره، فقرأ عليه أكثر

стр. 144

سادساً: شيوخه في التوحيد وأصول الدين: قرأ في التوحيد على: - شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة، قرأ عليه قطعة من (الأربعين) ٣ وقطعة من (المحصل) ٤. كما أفاد ذلك: الصَّفَدِي٥. وقرأ أصول الدين - أيضاً - على: - الشيخ صفي الدين الأرموي المتقدم، قرأ عليه أكثر الكتابين - الأربعين والمحصل - كما أفاده الصَّفَدِي٦. سابعاً: شيوخ آخرون: من هؤلاء الشيوخ: ٢٠- ابن سَيِّد الناس: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله ابن محمد بن يحيى ... أبو الفتح، فتح الدين، ابن سيد الناس، الأندلسي الأصل، المصري، الإمام، الحافظ.

стр. 145

مولده: في سنة (٦٧١هـ) بالقاهرة. سمع الكثير، وأخذ علم الحديث عن: والده، وابن جماعة، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي، وبرع في علوم شتى، وفاق أقرانه، ولم يكن بمصر في مجموعه١ مثله: في حفظ الأسانيد، والمتون، والعلل، وغير ذلك. توفي فجأة في شعبان سنة (٧٣٤هـ) ٢. ولم يذكره أحدٌ من مترجمي ابن القَيِّم ضمن شيوخه، لكن حَدَّث عنه ابن القَيِّم مرة، فقال - عند الكلام على سَرِيَّة الخبط -: "وكانت في رجب سنة ثمان، فيما أنبأنا به الحافظ أبو الفتح محمد بن سيد الناس في كتاب (عيون الأثر) ٣ له ..."٤. وقد كان دخول ابن سيد الناس إلى دمشق سنة (٦٩٠هـ) كما قال ابن كثير٥، ولم يكن ابن القَيِّم قد ولد بعد، والظاهر أنه لم يمكث في دمشق كثيراً. فلعل ابن القَيِّم يحدِّث بهذا الكتاب إجازة، أو يكون قد قرأه عليه في إحدى سفراته إلى القاهرة؟ فالله أعلم. ومن هؤلاء الشيوخ - أيضاً - ما ذكره الشيخ بكر أبو زيد:
следующие страницы →