← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 11401

ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها

جمال بن محمد السيد

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الثوري، وأيوب، وحماد: عن أبي الزبير، وأوقفوه على جابر"١. وضعفه مرفوعاً أيضاً: الشيخ الألباني٢ ﵀. قال البيهقي ﵀ بعد أن رَجَّحَ وقفه -: "وقول الجماعة من الصحابة على خلاف قول جابر، مع ما روينا عن النبي ﷺ أنه قال في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" ٣. وقال الحافظ ابن حجر: "وإذا لم يصحّ إلا موقوفاً، فقد عارضه قول أبي بكر وغيره، والقياس يقتضي حله؛ لأنه سمك، لو مات في البر لأكل بغير تذكية، ولو نضب عنه الماء، أو قتلته سمكة أخرى فمات لأكل، فكذلك إذا مات وهو في البحر"٤. فتحصَّلَ من ذلك: أن ابن القَيِّم ﵀ قد أصاب في إعلاله الرواية المرفوعة، وتقديم الموقوفة عليها، وأن ابن القطان لم يُصب حين ذهب إلى تقوية المرفوع، وبالله التوفيق.

стр. 1157

٢- باب الفأرة تقع في السمن فتموت فيه ٨٦- (٢) عن ميمونة ﵂: "أن فأرةً وقعت في سَمْنٍ فماتت، فَسُئِلَ النبي ﷺ ؟ فقال: "أَلْقُوهَا وَمَا حَولَهَا، وَكُلُوهُ". قال ابن القَيِّم ﵀: "اخْتُلِفَ فيه إسناداً ومتناً، والحديث من حديث: الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنه سمع ابن عباس يُحَدِّثُ عن ميمونة، ولفظه: "أن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي ﷺ عنها؟ فقال: "ألقوها وما حولها، وكلوه". رواه الناسُ عن الزهري بهذا المتن والإسناد، ومتنه خرجه البخاريُّ في (صحيحه) ، والترمذي، والنسائي. وأصحاب الزهري كالمجمعين على ذلك. وخالفهم معمرٌ في إسناده ومتنه، فرواه عن: الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وقال فيه: "إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه". ولما كان ظاهر هذا الإسناد في غاية الصحة، صَحَّحَ الحديث جماعةٌ، وقالوا: هو على شرط الشيخين، وحكي عن محمد بن يحيى الذُّهَلِي تصحيحه. ولكن أئمة الحديث طعنوا فيه، ولم يروه صحيحاً، بل رأوه خطأ محضاً"١. ثم نقل كلام الأئمة: البخاري، والترمذي في إعلاله، وردَّ على ابن حبان في تصحيحه إياه.

стр. 1158

وقال مرة: "ولم يصح فيه التفصيل بين الجامد والمائع"١. قلت: هذا الحديث مداره على الزهري، ويُروى عنه على أوجه مختلفة: الوجه الأول: عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود٢، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ . رواه عن الزهري هكذا: مالكٌ، وابن عيينة، والأوزاعي، وعبد الرحمن بن إسحاق، ومعمر في رواية، وغيرهم. أما مالك، فقد اختلف عنه: فرُوي عنه: عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة مرفوعاً. وروي عنه: عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بدون ذكر "ميمونة". وروي عنه: عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن النبي ﷺ ، مقطوعاً، أسقطوا منه ابن عباس، وميمونة. ورواه يحيى القطان، وجويرية: عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس: أن ميمونة استفتت النبي ﷺ . فهذه أوجه الاختلاف على مالك في رواية هذا الحديث، ذكرها

стр. 1159

الدارقطني في (علله) ١، ثم قال: "والصحيحُ: عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة". وقال ابن عبد البر: "وهذا اضطرب شديد عن مالك في إسناد هذا الحديث.... والصواب فيه: ما قاله يحيى ومن تابعه"٢. وأما رواية ابن عيينة، عن الزهري: فأخرجها الحميدي في (مسنده) ٣ - ومن طريقه: البخاريّ في (صحيحه) ٤، والطبراني في (الكبير) ٥ - قال: ثنا سفيان، ثنا الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة ﵂ به. وأخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) ٦ - ومن طريقه الطبراني في (الكبير) ٧ - قال: حدثنا سفيان به، بنحو ما تقدم. وسقط من الطبراني لفظة "فماتت"، وهي في المصنف. وأخرجه أحمد في (المسند) ٨: حدثني سفيان به.

стр. 1160

وأخرجه أبو داود في (سننه) ١: حدثنا مسدد، والترمذي في (جامعه) ٢: حدثنا سعيد المخزومي وأبو عمار، والنسائي في (سننه) ٣: أخبرنا قتيبة، كلهم عن: سفيان، عن الزهري به، بنحو ما تقدم، غير أن أبا داود سقطت من عنده لفظة: "فماتت". وأخرجه الطيالسي في (مسنده) ٤: حدثنا سفيان ... فذكره، لكنه قال فيه: "أن فأرة وقعت في سمن جامد لآل ميمونة". فزاد فيه كلمة "جامد"، لكن قال الحافظ ابن حجر: "ورواه الحميدي والحفاظ أصحاب ابن عيينة بدونها"٥. وسيأتي أن حجاج بن منهال تابع الطيالسي على هذه اللفظة عن سفيان. وأخرجه ابن حبان في (صحيحه) ٦ من طريق إسحاق بن راهويه، قال: أخبرنا سفيان ... عن ميمونة ﵂: أن رسول الله ﷺ سئل عن الفأرة تموت في السمن؟ فقال: "إن كان جامداً فألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان ذائباً فلا تقربوه". قال ابن حجر عن رواية إسحاق، عن سفيان هذه: "تفرد بالتفصيل عن سفيان دون حفاظ أصحابه، مثل أحمد والحميدي ومسدد

стр. 1161

وغيرهم"١. وقال مرة: "هذه الزيادة في رواية ابن عيينة غريبة"٢. هذا ما يتعلق برواية ابن عيينة. وأما رواية الأوزاعي، عن الزهري: فأخرجها الإمام أحمد في (مسنده) ٣ عن محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، عن الزهري ... بالإسناد السابق إلى ميمونة: أنها استفتتْ النبيَّ ﷺ في فأرة سقطت في سمن لهم جامد ... الحديث. فهؤلاء أشهر الرواة عن الزهري: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة ﵂ به. وخالف هؤلاء جميعاً - من بين أصحاب الزهري -: معمرُ بن راشد، فقال فيه: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً، وهو: الوجه الثاني عن الزهري: أخرجه من هذا الطريق: عبد الرزاق في (مصنفه) ٤ عنه، ولفظه: سئل النبي ﷺ عن الفأرة تقع في السمن، قال: "إذا كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه".

стр. 1162

ومن طريق عبد الرزاق أخرجه: أبو داود في (سننه) ١، وابن حبان في (صحيحه) ٢ والبيهقي في (سننه) ٣. وأخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) ٤: حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري بإسناد عبد الرزاق، لكن بدون تفصيل، ففيه: أنه سئل عن فأرة ماتت في السمن؟ فقال: "ألقوها وما حولها، وكلوه". فيكون هذا اختلافاً على معمر في متن هذا الحديث٥، وستأتي الإشارة إلى أنه اختلف عليه في إسناده أيضاً. وأهل العلم إزاء هذا الاختلاف في هذا الحديث فريقان: فطائفة منهم رجحوا رواية الجماعة من أصحاب الزهري: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة. وحكموا على رواية معمر بالوهم والغلط، قال الترمذي: "حديث غير محفوظ"٦. وسأل عنه البخاريَّ، فقال: "حديث معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة: وَهِمَ فيه معمر، ليس له أصل"٧. وقال

стр. 1163

أبو حاتم: "وهمٌ، والصحيح: الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ "١. وذهب إلى هذا: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال باضطراب معمر وخطئه في هذا الحديث٢. وذكر الحافظُ ابن حجر أن أبا زرعة الرازي، والدارقطني قالا بذلك أيضاً، ولم أجد قول واحد منهما، إلا أن الدارقطني قد صحح هذا الطريق بالنسبة للخلاف الحاصل فيه عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتيبة، لكنه لم يتعرض - فيما وقفت عليه من نسخة (العلل) - لرواية الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة٣. وطائفةٌ أخرى ذهبت إلى أن الطريقين محفوظان عن معمر، منهم: محمد بن يحيى الذهلي، فقال: "والطريقان عندنا محفوظان إن شاء الله، لكن المشهور: حديث ابن شهاب، عن عبيد الله"٤. وصححه أيضاً: الإمام أحمد٥، وابن حبان رحمهما الله، فإنه ترجم له بقوله: "ذكر الخبر الدال على أن الطريقين اللذين ذكرناهما لهذه السنة جميعاً محفوظان". ثم أخرج تحت هذه الترجمة رواية معمر للطريقين كليهما٦. واختار

стр. 1164

تصحيح الطريقين أيضاً: ابن رجب الحنبلي١ ﵀. وقد اختار ابن القَيِّم توهيمَ معمر، وتصويب رواية غيره عن الزهري، وقد مضى كلامه أول هذا البحث، وسيأتي مزيد كلام له في هذا. واستدلَّ الفريق الأول على ترجيح رواية من رواه: عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة بأدلة، منها: الأول: ما جاء في رواية الحميدي لهذا الحديث، عن سفيان - ومن طريقه البخاريُّ والطبراني - من أنه قيل لسفيان: فإن معمراً يحدِّثه٢: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؟ قال: ما سمعت الزهري يقول إلا: عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ . ولقد سمعته منه مراراً. فهذا سفيان بن عيينة ﵀ يجزم بأنه لم يسمعه من الزهري إلا من حديث ميمونة. الثاني: ما أخرجه البخاري في (صحيحه) ٣: حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري: عن الدابة٤ تموت في الزيت والسمن، وهو جامد أو غير جامد، الفأرة أو غيرها؟ قال: "بلغنا أن رسول الله ﷺ أمر بفأرة ماتت في سمن، فأمر بما قرب منها فطرح، ثم أكل" عن حديث عبيد الله بن عبد الله.

стр. 1165

قال ابن القَيِّم ﵀: "واحتجاجه - أي الزهري - بالحديث من غير تفصيل: دليلٌ على أن المحفوظ من رواية الزهري إنما هو الحديث المطلق الذي لا تفصيل فيه، وأنه مذهبه، فهو رأيه وروايته، ولو كان عنده حديث التفصيل بين الجامد والمائع لأفتى به واحتجَّ به، فحيثُ أفتى بحديث الإطلاق، واحتجَّ به: دلَّ على أن معمراً غلط عليه في الحديث إسناداً ومتناً"١. وقال الحافظ ابن حجر: "وهذا يقدح في صحة من زاد في هذا الحديث عن الزهري التفرقة بين الجامد والذائب ... لأنه لو كان عنده مرفوعاً، ما سوَّى في فتواه بين الجامد وغير الجامد"٢. الثالث: من أدلة هذا الفريق: أن معمراً قد اضطرب في هذا الحديث في الإسناد والمتن، فقد قال عبد الرزاق: "وقد كان معمر- أيضاً- يذكره عن الزهري، عن عبيد الله ... عن ابن عباس، عن ميمونة. وكذلك أخبرناه ابن عيينة"٣. فهذا اضطراب سنده. وأما اضطراب متنه: فقال ابن القَيِّم ﵀: " ... قد اضطرب حديث معمر، فقال عبد الرزاق عنه: فلا تقربوه. وقال عبد الواحد بن زياد عنه: وإن كان ذائباً أو مائعاً لم يؤكل. وقال البيهقي: وعبد الواحد بن زياد أحفظ منه. يعني: من عبد الرزاق. وفي بعض طرقه: فاستصبحوا به. وكل هذا غير محفوظ في حديث الزهري"٤.

стр. 1166

ثم ساق ابن القَيِّم ﵀ حديثاً آخر في معنى حديث أبي هريرة الْمُفَصَّل فقال: "وأما الحديث الذي رواه ابن وهب، عن عبد الجبار بن عمر، عن ابن شهاب، عن سالم، عن: ٨٧- (٣) ابن عمر، أن رسول الله ﷺ سُئِلَ عن فَأْرَةٍ وَقَعَتْ في سَمْنٍ؟ فقال: "أَلْقُوها وما حَولَهَا، وكُلُوا ما بَقِيَ" فقيل: يَا نبيَّ الله، أَرَأَيْتَ إن كان السَّمْنُ مَائِعَاً؟ قال: "انْتَفِعُوا به، ولا تَأْكُلُوهُ". قال ابن القَيِّم: "فعبد الجبار بن عمر: ضعيفٌ، لا يحتجُّ به. وَرُوِيَ من وجهٍ آخرَ ضعيف: عن ابن جريج، عن ابن شهاب. قال البيهقي: والصحيح عن ابن عمر من قوله في فأرة وقعت في زيت، قال: "استصبحوا به، وادهنوا به أدمكم""١. قلت: هذا هو: الوجه الثالث: من أوجه رواية هذا الحديث عن الزهري: وقد أخرجه: ابن وهب في (موطئه) كما ذكر ذلك ابن عبد البر في (التمهيد) ٢، ومن طريقه: أخرجه البيهقي في (سننه) ٣، من طريق: عبد الجبار بن عمر٤ به.

стр. 1167

وقد ضَعَّفَهُ جماعة من العلماء: قال أبو حاتم: " ... وَهْمٌ، والصحيح: الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة"١. وقال محمد بن يحيى الذهلي: "وهذا الإسناد عندنا غير محفوظ، وهو خطأ، ولا يُعرف هذا الحديث من حديث سالم، وعبد الجبار ضعيفٌ جداً"٢. وقال الدارقطني: "ورواه عبد الجبار بن عمر، عن الزهري ... ووهم فيه"٣. وقال البيهقي: "عبد الجبار بن عمر غير محتج به"٤. وأما الطريق الآخر الذي أشار إليه ابن القَيِّم: فأخرجه الدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٥، من طريق: يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن ابن شهاب ... بمثل إسناد عبد الجبار المتقدم. قال البيهقي: "والطريق إليه - يعني إلى ابن جريج - غيرُ قويٍّ، والصحيح عن ابن عمر: من قوله، موقوفاً عليه غير مرفوع". واختار الحافظ ابن حجر تصحيح الوقف٦. فتلخص من ذلك: أن الصحيح في هذا الحديث: عن الزهري،

стр. 1168

عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة ﵃. بدون ذكر التفصيل بين الجامد والمائع. وهو الذي اختاره ابن القَيِّم ﵀. ومع ذلك، فإن الجمهور على العمل برواية التفصيل والأخذ بمقتضاها١؛ قال ابن عبد البر ﵀: "في هذا الحديث معانٍ من الفقه، منها ما اجْتُمِعَ عليه، ومنها ما اخْتُلِفَ فيه، فأما ما اجتمع عليه العلماء من ذلك: أن الفأرة، ومثلها من الحيوان كله يموت في سمنٍ جامدٍ، أو ما كان مثله من الجامدات، أنها تُطْرَحُ وما حولها من ذلك الجامد، ويؤكل سائره إذا استيقن أنه لم تصل الميتة إليه، وكذا أجمعوا: أن السَّمْنَ - وما كان مثله - إذا كان مائعاً ذائباً، فماتتْ فيه فأرةٌ - أو وقعت وهي ميتة - أنه قد نجس كله، وسواء وقعت فيه ميتة، أو حية فماتت، يتنجس بذلك، قليلاً كان أو كثيراً. هذا قول جمهور الفقهاء، وجماعة العلماء"٢. والله أعلم.

стр. 1169

٣- باب في الأكل مع المجذوم ٨٨- (٤) عن جابر ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ، فَأَدْخَلَهَا مَعه في القَصْعَةِ". قال ابن القَيِّم ﵀: " ... حديثٌ لا يثبتُ ولا يصحُّ، وغايةُ ما قال فيه الترمذيُّ: إنه غريب، لم يصححه ولم يحسنه، وقد قال شعبة: اتَّقُوا هذه الغرائب. قال الترمذيُّ: ويُروى هذا من فِعْلِ عمر، وهو أثبتُ"١. قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه في (سننهم) ٢، وابن حبان في (صحيحه) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤، والعقيلي في (الضعفاء) ٥، وابن عدي في (الكامل) ٦، والبيهقي في (شعب الإيمان) ٧، كلهم من طريق:

стр. 1170

الْمُفَضَّل بن فضالة، عن حبيب بن الشَّهيد١، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ٢ فَوَضَعَهَا مَعَه في القَصْعَةِ، وقال: كُلْ ثقةً بالله، وتَوَكُّلاً عليه". هذا لفظ أبي داود، وابن ماجه. وعند الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والعقيلي، والبيهقي: "كُلْ بسم الله، ثقة بالله ... ". قال أبو عيسى الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يونس بن محمد٣، عن المفضل بن فضالة، والمفضل بن فضالة هذا شيخٌ بصريٌّ. والمفضل بن فضالة شيخ آخر مصري أوثقُ من هذا وأشهر. وقد روى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد عن ابن بريدة: أن عمر٤ أخذ بيد مجذوم. وحديث شعبة أثبت عندي وأصحّ". وهذا الكلام بحروفه - مع تقديم وتأخير - هو كلام الإمام البخاريِّ ﵀؛ فإنَّ الترمذي أخرجَ هذا الحديث في (علله) ٥ وقال: "سألتُ محمداً عن هذا الحديث ... " فذكره.

стр. 1171

وقال ابن عدي: "هذا لا أعلم يرويه غير حبيب، ولمفضل بن فضالة عن هشام، عن عروة نسخة ... غير أني لم أر في حديثه أنكر من هذا الحديث، والذي أمليته - يعني حديث الأكل مع المجذوم - وباقي حديثه مستقيم". وأخرجه ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ١ بإسناده إلى الحاكم، ثم قال: "قال الدارقطني: تفرد بن المفضل، قال يحيى: ليس المفضل بذاك". قلت: وقد تُوبع المفضل بن فضالة على روايته هذه، فأخرجه ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٢ من حديث: عبيد الله بن تمام، عن إسماعيل المكي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به، ولفظه: "كُلْ بسم الله، إيماناً بالله، وتوكلاً عليه". ولكن هذا الإسناد ضعيفٌ جداً؛ فإن عبيد الله بن تمام، أبا عاصم الواسطي: ضعفه الدارقطني، وأبو حاتم، وأبو زرعة٣. وإسماعيل المكي: هو ابن مسلم، قال ابن الجوزي عقب إخراجه: "قال أحمد: إسماعيل المكي منكر الحديث. قال يحيى: لم يزل مختلطاً، وليس بشيء ... وقال النسائي: متروك الحديث"٤. فلا تفيد هذه المتابعة الحديث شيئاً. وأما رواية شعبة، عن حبيب بن الشهيد، عن ابن بريدة، عن

стр. 1172

عمر ﵁ في أكله مع المجذوم - التي صَوَّبَهَا البخاريُّ والترمذي -: فلم أقف على من أخرجها، لكن أخرج العقيليُّ من طريق: عبد الرحمن بن زياد، عن شعبة، عن حبيب بن الشهيد، عن عبد الله بن بريدة قال: "كان سلمان يعملُ بيديه، ثم يشتري طعاماً، ثم يبعث إلى الْمُجَذَّمين فيأكلون معه"١ فجعل "سلمان" مكان "عمر" ثم قال العقيلي عقبه: "هذا أصلُ الحديث، وهذه الرواية أولى". قال الشيخ الألباني: "ولعله الصواب؛ فإن إسناده صحيحٌ، وعبد الرحمن بن زياد هذا: هو الرصاصي، قال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو زرعة: لا بأس به"٢. وأما قصة أكل عمر مع المجذوم: فقد أخرج عبد الرزاق في (المصنف) ٣ عن معمر، عن أبي الزناد: أن عمر قال لمعيقيب٤ الدَّوسي: "ادن مني، فلو كان غيرك ما قعد مني إلا كقيد رمح". وكان أجذم. وهذا مرسلٌ؛ فإنَّ أبا الزناد لم يدرك ابن عمر ولم يره كما قال أبو حاتم٥، فكيف بروايته عن عمر؟!

стр. 1173

فإذا تَقَرَّرَ عندنا ضعفُ حديث جابر هذا، علمنا أن قول الحاكم: "صحيح الإسناد". وموافقة الذهبي له، وقول ابن حجر: "حسن"١، وقول السيوطي: "صحيح"٢: ليس بصواب، وأنَّ الصواب: ما ذهب إليه ابن القَيِّم من ضَعْفِ هذا الحديث، والله أعلم.

стр. 1174

١٣- من كتاب الأيمان والنذور ١ - باب النذر في المعصية، ومن رأى أن عليه الكفارة ٨٩ - (١) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وكَفَّاَرُتُه كَفَّاَرُة يَمَيٍن" ١. استدل ابن القَيِّم ﵀ بهذا الحديث للقائلين بوجوب الكفارة في نذر المعصية، وذهب إلى صِحَّةِ الحديثِ بطرقهِ وشواهِدِهِ كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وذكر ﵀ عند كلامه على حكم طلاق الغضبان حديث: ٩٠- (٢) عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نَذْرَ في غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ". قال ابن القَيِّم: "وهو حديث صحيحٌ، وله طرقٌ"٢. وقد أورده ﵀ للاستدلال به على أنَّ طلاق الغضبان لا يقع، وذلك بطريق الأولى، فقال: "فإذا كان النذر – الذي أثنى الله على من أوفى به، وأمر رسوله بالوفاء بما كان منه طاعة – قد أَثَرَّ الغضب في انعقاده، لكون الغضبان لم يقصده ... فالطلاق بطريق الأولى والأحرى"٣.

стр. 1175

قلت: أما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه في (سننهم) ١، وأحمد في (مسنده) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣، من طرق: عن يونس بن يزيد٤، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة به. وهذا الإسناد رجاله ثقاتٌ، إلا أنه معلولٌ، كما قال الحافظ ابن حجر٥ ﵀. وقد بَيَّنَ الأئمة عِلَّتَهُ، فقال الترمذي عقبه: "هذا حديث لا يصحُّ؛ لأنَّ الزهريَّ لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة". وقال النسائيُّ: "وقد قيل: إنَّ الزهريَّ لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة" وقال البيهقي مثل ذلك. قلت: فيكون هذا الإسناد منقطعاً. ودليلهم على عدم سماع الزهري هذا الحديث من أبي سلمة: أنه قد روى عن الزهري على غير هذا الوجه.

стр. 1176

فرواه عبد الله بن أبي عتيق١، وموسى بن عقبة، كلاهما عن الزهري، عن سليمان بن أرقم٢، عن يحيى بن أبي كثير٣، عن أبي سلمة، عن عائشة به. أخرجه بهذا الإسناد: أبو داود، والترمذي، والنسائي، والبيهقي في (سننهم) ٤. قال البخاريُّ – بعد أن ساقه من طريق سليمان بن أرقم هذه-: "والحديث هو هذا"٥. وكذا صححه الدارقطني فقال – بعد أن ساق وجوه الاختلاف فيه -: "والصحيح: حديث ابن أبي عتيق، وموسى بن عقبة، عن الزهري"٦. فَتَبَيَّنَ من ذلك: أن الزهريَّ – ﵀ – إنما سمع الحديث من سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، "فَدَلَّسَهُ بإسقاط اثنين" - كما قال ابن حجر٧- ورواه عن أبي سلمة مباشرة. ونازع الشيخ الألباني في القول بتدليس الزهريِّ هنا، وأنه يحتمل

стр. 1177

أن يكون له فيه إسنادان، أحدهما: عن سليمان بن أرقم، عن يحيى، عن أبي سلمة، والآخر: عن أبي سلمة مباشرة قال: "ويؤيد هذا أنه قد صَرَّحَ بالتحديث في رواية له" فذكر رواية عند النسائي١ وفيها قول الزهري: "حدثنا أبو سلمة"٢. قلت: وما ذكره الشيخ الألباني – ﵀ – لو صحَّ لكانَ دليلاً على سماع الزهريَّ الحديث من أبي سلمة، لكن يبدو أنَ كلمة "حَدَّثَنا" مُصَحَّفَةٌ، وصوابها: "حَدَّثَ"، كذا نقله المزِّي في (تحفة الأشراف) ٣، ونقله الدارقطني في (علله) ٤ فقال: " ... وقال أبو ضمرة: عن يونس، عن ابن شهاب قال: حدث أبو سلمة". وحينئذٍ تكونُ هذه اللفظة من الزهري دليلاً على عدم سماعه منه لا العكس. وَيُؤَكِّدُ ذلك: أنَّ أبا داود قال عقب رواية الزهري عن أبي سلمة هذه: "وسمعت أحمد بن شبويه يقول: قال ابن المبارك - يعني في هذا الحديث -: حَدَّثَ أبو سلمة. فدلَّ على أن الزهريَّ لم يسمعه من أبي سلمة"٥. والله أعلم. على أن طريق سليمان بن أرقم المتصلة هذه معلولة - أيضاً - بأمور:

стр. 1178

أولها: اتِّفَاقُهم على ضعف "سليمان بن أرقم": قال البخاريُّ - عقب حكايته هذه الطريق -: "وسليمان بن أرقم متروكٌ، ذاهب الحديث"١. وكذا قال النسائي - عقب روايته الحديث -: "سليمان ابن أرقم متروك الحديث"، وقال ابن حجر: "ضعيف باتفاقهم"٢. ثانيها: أنَّ سليمان بن أرقم - مع ضعفه - قد وَهِمَ في هذا الحديث؛ فإنَّ غير واحدٍ من أصحاب يحيى بن أبي كثير خالفوه في إسناده، فرووه عن: محمد بن الزبير الحنظلي، عن أبيه، عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ . قال أبو داود – عقب إخراج حديث سليمان بن أرقم -: "قال أحمد بن محمد المروزي: إنما الحديث حديث على بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، عن عمران بن حصين" قال أبو داود: "أراد: أن سليمان بن أرقم وَهِمَ فيه، وحمله عنه الزهري، وأرسله عن أبي سلمة، عن عائشة"٣. ثم قال أبو داود: "روى بقية، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن الزبير، بإسناد علي بن المبارك مثله". قلت: والحديث من طريق علي بن المبارك، ومن طريق الأوزاعي

стр. 1179

أخرجه: النسائي في (سننه) ١، وأخرجه البيهقي من طريق الأوزاعي٢ فقط. وحديث يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن الزبير هذا: هو الذي ساقه ابن القَيِّم ﵀ بلفظ "لا نَذْرَ في غضبٍ ... ". وسيأتي بيان هذا اللفظ. فَرَجَعَ بذلك حديث أبي سلمة، عن عائشة ﵂، إلى حديث: محمد بن الزبير، عن أبيه، عن عمران بن حصين. إلا أنَّ حديث عمران هذا معلوٌلٌ - أيضاً - بثلاث علل، وهي: ١- ضعف إسناده. ٢- انقطاعه. ٣- اضطرابه سنداً ومتناً. وبيان ذلك: أولاً: ضعف إسناده: فإنَّ "محمدَ بن الزبير الحَنْظَلِيّ" ضَعَّفَهُ غيرُ واحدٍ من العلماء، حتى قال البخاريُّ: "منكر الحديث"، وقال أبو حاتم: "في حديثه إنكار"٣. وقال الحافظ ابن حجر: "متروك"٤. وكذلك أبوه الزبير: لم يرو عنه إلا ابنه محمد، وذكره أبو العرب

стр. 1180

في كتابه (الضعفاء) ١. وقال ابن حجر: "لَيِّنُ الحديث"٢. ثانياً: انقطاعه: فقال النسائي: "قيل: إن الزبير لم يسمع هذا الحديث من عمران بن حصين"٣. وقال البيهقي مثل ذلك، ثم ساق بإسناده إلى يحيى بن معين أنه قال: "قيل لمحمد بن الزبير الحنظلي: سمع أبوك من عمران بن حصين؟ قال: لا"٤. ومما يدلُّ على انقطاعه: ما أخرجه النسائي٥، والبيهقي٦ من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، عن رجل صَحِبَهُ، عن عمران به. هذا سياق البيهقي، وعند النسائي: "عن أبيه، عن رجل من أهل البصرة قال: صحبت عمران بن حصين، وفيه قصة، ولفظه: "لا نذر في غضب ... ". وأخرج النسائي٧ من حديث عبد الوارث بن سعيد، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، أن رجلاً حَدَّثَهُ: أنه سأل عمران. ولفظه: "لا نَذْرَ في غَضَبٍ ... ".

стр. 1181

قال أبو حاتم الرازي - بعد أن بَيَّنَ وجوهَ الاختلاف فيه على محمد بن الزبير-: "حديث عبد الوارث أشبه، لأنه قد بَيَّنَ عورة الحديث"١. ثالثاً: اضطرابه سَنَدَاً وَمَتْنَاً: أما اضطراب إسناده: فإنه رُوِيَ عن محمد بن الزبير على أوجه مختلفة، وقد ذكرنا بعضها فيما مضى، ونضيف إليها هنا: - أنه رواه سفيان الثوري، عن محمد بن الزبير، عن الحسن، عن عمران بن حصين به، أخرجه النسائي٢، وأحمد٣، والحاكم٤، والبيهقي٥. ولفظه: "لا نذر في معصية ولا غضب ... ". - وأخرجه النسائي٦ من طريق: منصور بن زاذان، عن الحسن، عن عمران بن حصين، لم يذكر محمد بن الزبير. قال البيهقي: "وهذا - أيضاً - منقطعٌ، ولا يصحُّ عن الحسن عن عمران سماع من وجه صحيح يثبت مثله"٧. ثم ساق بإسناده

стр. 1182

إلى علي بن المديني ﵀ القول بعدم صحة ذلك١. - وخالف هؤلاء - أيضاً - علي بن زيد بن جدعان، فجعله عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة، عن النبي ﷺ . أخرجه النسائي٢، ثم قال: "عليُّ بن زيد ضعيف، وهذا الحديثُ خطأ، والصواب: عمران بن حصين". وأما اضطراب متنه: فقد جاء لفظه مرةً: "لا نذر في معصية ... "، ومرة جاء: "لا نذر في غضب ... "، وجاء مرةً: "لا نذر في معصية ولا غضب ... ". وتقدمت كل هذه الألفاظ. وقد أشار الحافظ العراقيُّ إلى الاضطراب في حديث محمد بن الزبير هذا٣. وقال الشيخ الألباني - بعد أن ذكر بعض وجوه الاختلاف في إسناده -: "وهذا اضطراب شديد يسقط الحديث بمثله لو كان من رواية ثقة؛ لأنَّ الاضطراب في روايته يدل على أنه لم يحفظه، فكيف إذا كان الراوي واهياً، وهو محمد بن الزبير؟ "٤. ونعود الآن إلى موقف ابن القَيِّم ﵀ من هذين الحديثين، وما استند إليه في تصحيحهما:

стр. 1183

قال ابن القَيِّم ﵀: "هذه الآثار قد تَعَدَّدَتْ طرقها، ورواتها ثقاتٌ"١. كذا قال ﵀. قلت: أما تعدد طرقها: فقد تَبَيَّنَ مما مضى أن طرق هذه الأحاديث وإن تعددت، فإنها مختلفة مضطربة، فلم يزدد الحديث بها إلاّ اضطراباً، كما ظهر لنا أن الحديثين – بكل طرقهما – إنما يرجعان إلى طريق واحدٍ هو: محمد بن الزبير، عن أبيه، عن عمران بن حصين. وأما ثقة رواتها: فقد وُجِدَ الأمر على خلاف ذلك، ففي طريق عائشة: "سليمان بن أرقم" المتروكُ الذي لا تقوم به حجة، وفي طريق عمران بن حصين: "محمد بن الزبير" الضعيفُ، "وأبوه" المجهول. ثم قال ابن القَيِّم: "وإن كان الزهريُّ لم يسمعه من أبي سلمة، فإنَّ له شواهدَ تُقَوِّيِهِ"٢ وذكر من هذه الشواهد حديث عمران بن حصين. قلت: قد تقدم ضعف حديث عمران وشدة اضطرابه، وعلمنا أن حديث عائشة هو نفسه حديث عمران بن حصين، وإنما غَلِطَ فيه سليمان ابن أرقم، وخالفه غيره. فكيف يكون أحد الحديثين شاهداً للآخر؟! ثم أشار ابن القَيِّم ﵀ إلى شاهدٍ آخر، وهو: ما أخرجه

стр. 1184

ابن الجارود في (المنتقى) ١ من طريق: موسى بن أعين، ثنا خطاب٢، ثنا عبد الكريم، عن عطاء بن أبي رباح: ٩١- (٣) عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "النذرُ نَذْرَان: فما كان لله كفارته الوفاء، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه، وعليه كفارة يمين". قال الشيخ الألباني: "وهذا إسناد صحيحٌ، رجاله كلهم ثقات رجال البخاريِّ، غير خَطَّاب، وهو ابن القاسم الحراني، وهو ثقة كما قال ابن معين وأبو زرعة في رواية عنه، وقال البرذعي عنه: منكر الحديث، يقال: إنه اختلط قبل موته. وذكره ابن حبان في الثقات"٣. ثم اعترض على ابن حجر في جزمه باختلاط خطاب هذا حيث إنه لم يذكره به سوى أبي زرعة، ومع ذلك لم يجزم به. قلت: وأخرج هذا الحديث البيهقيُّ في (سننه) ٤ - من طريق ابن الجارود - وَضَعَّفَهُ! ثم ذكر ابن القَيِّم شاهداً آخر. وَصَحَّحَ إسناده، وهو ما رواه الطحاوي:

стр. 1185

٩٢- (٤) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ نَذَرَ أن يطيعَ الله فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَر أن يعصي الله فلا يعصه، ويُكَفِّر عن يمينه". قال ابن القَيِّم: "وهو عند البخاري إلا ذكر الكفارة"١. ثم نقل عن عبد الحق قوله: "وهذا أصحُ إسناداً، وأحسن من حديث أبي داود" يعني: حديث الزهري، عن أبي سلمة المتقدم. قلت: هذا الحديث أخرجه الطحاوي في (مشكل الآثار) ٢ من طريق: حفص بن غياث، قال: سمعت ابن مُجَبَّر٣، عن القاسم، عن عائشة ﵂ به. وأخرجه البخاري في (صحيحه) ٤ من طريق: طلحة بن عبد الملك٥، عن القاسم، عن عائشة به، بدون هذه الزيادة التي فيها ذكر الكفارة. وابن مجبر - راويه عن القاسم عند الطحاوي - هو: عبد الرحمن ابن مجبّر بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب، روى عن: سالم بن عبد الله،

стр. 1186

وروى عنه: مالك بن أنس، وثقه عمرو بن علي١، وكذا ابن حبان٢. وقد روى الحديث: طلحةُ بن عبد الملك الأيلي - كما عند البخاري - وتابعه عليه: أيوب السختياني٣، كلاهما عن القاسم به، ولم يذكرا هذه الزيادة، فإمَّا أن يُقال: ابن مجبر ثقة فزيادته مقبولة، وإما أن يقال: إنه قد خالف من هو أوثقُ منه وأكثر عدداً فتردُّ زيادته، ولعلَّ هذا الأخير هو ما تطمئن إليه النفس، وقد قال ابن القطان ﵀: "عندي شكُّ في رفع هذه الزيادة"٤. وبعد، فهذا ما انتهى إليه البحث، مع الإمام ابن القَيِّم ﵀ في هذه القضية، وخلاصة ذلك: أن حديث أبي سلمة عن عائشة ﵂ في كفارة النذر غير صحيح، بل فيه ضعفٌ واضطراب، ولا يصلح حديث عمران بن حصين شاهداً له؛ لأن حديث عائشة ﵂ قد رجع إلى حديث عمران. هذا مع ضعف حديث عمران أيضاً. أما الشواهد التي ساقها ابن القَيِّم: فلا يصلح أكثرها لتقوية هذا الحديث، وقد ثبت منها حديث ابن عباس ﵄ إذا ترجح

стр. 1187

توثيق خطاب بن القاسم. وكذلك حديث عائشة - عند الطحاوي - فقد يصلح شاهداً إذا قيل بقبول الزيادة فيه من الثقة. ثم إن مضمون هذا الحديث - وهو القول بالكفارة في نذر المعصية - قد ذهب إليه: الإمام أحمد، وإسحاق، وبعض أصحاب النبي ﷺ . والجمهور على خلاف ذلك، مع اتفاقهم على الشطر الأول من الحديث وهو: أنه لا يجب الوفاء بنذر المعصية١، والله أعلم.

стр. 1188

١٤- من كتاب العتق ١ - باب ما جاء فيمن ملك ذا رحم محرم ٩٣- (١) عن سمرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُو حُرُّ ". قال ابن القَيِّم ﵀: "هذا الحديث له خمسُ عللٍ: إحداها: تَفَرد حماد بن سلمة به، فإنه لم يحدث به غيره١. العلة الثانية: أنه اختلف فيه حماد وشعبة، عن قتادة، فشعبة أرسله، وحمادٌ وصله، وشعبةُ هو شعبةُ. العلة الثالثة: أن سعيد بن أبي عروبة خالفهما، فرواه: عن قتادة، عن عمر بن الخطاب ﵁ قوله. العلة الرابعة: أن محمدَ بن يسار رواه: عن معاذ، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن قوله. وقد ذكر أبو داود هذين الأثرين. العلة الخامسة: الاختلاف في سماع الحسن من سمرة"٢. قلت: هذا الحديث أخرجه: أبو داود في (سننه) ٣، والترمذي في: (جامعه) ٤، و (علله) ٥، والنسائي في (الكبرى) ٦، وأحمد، والطيالسي

стр. 1189

في (مسنديهما) ١، وابن الجارود في (المنتقى) ٢، والطبراني في (الكبير) ٣، والبيهقي في (سننه) ٤ - من طريق أبي داود - من طرق، عن: حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن٥، عن سمرة، عن النبي ﷺ به، ولفظه كما تقدم، لكن وقع في إحدى روايات الإمام أحمد: "فهو عتيقٌ" بدل: "فهو حر". ووقع عند أبي داود من طريق موسى بن إسماعيل - أحد رواته عن حماد -: "عن سمرة بن جندب فيما يحسب حماد، قال: قال رسول الله ﷺ ... ". قال أبو داود: "لم يُحَدِّث ذلك الحديث إلا حماد بن سلمة، وقد شكَّ فيه". وقال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه مسنداً إلا من حديث حماد بن سلمة". وسأل الترمذي البخاريَّ عنه؟ فلم يعرفه عن الحسن، عن سمرة إلا من حديث حماد بن سلمة"٦. ونقل المنذري عن علي بن المديني قوله: "هذا عندي منكرٌ"٧.

стр. 1190

وكلام هؤلاء الأئمة ﵏ ظاهرٌ في كون حماد تَفَرَّدَ بوصل هذا الحديث، وعبارة الترمذي صريحة في ذلك، فإن هذا الحديث يُروى من وجه آخر عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلاً، بدون ذكر "سمرة". وقد نقل المنذري وغيره عن أبي داود أنه قال: "شعبة أحفظ من حماد بن سلمة". قال المنذري: "يعني أنَّ شعبة رواه مرسلاً"١. وقال الخطابي: "أراد أبو داود من هذا: أنَّ الحديثَ ليس بمرفوع، أو ليس بمتصل، إنما هو: عن الحسن، عن النبي ﷺ "٢. قلت: وكلمة أبي داود هذه لم أرها هكذا، والذي في (السنن) قوله: "سعيد أحفظ من حماد". وذلك أن أبا داود – ﵀ – أخرجه من طريق: سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن موقوفاً عليه٣. وأخرجه مرة أخرى عن سعيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد والحسن مثله٤. وأخرجه - قبل هذين الأثرين - من حديث سعيد أيضاً، عن قتادة، عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: "من ملك ذا رحم ... " الحديث٥. وأشار إلى الموقوف على عمر: الترمذيُّ٦، والبخاريُّ٧،

стр. 1191

لكنهما قالا: عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن عمر ﵁، فلعلها رواية أخرى عن قتادة. فهذه الروايات من طريق سعيد هي التي قال أبو داود عقبها: "سعيد أحفظ من حماد". فَتَحَصَّلَ من ذلك أن هذا الحديث يُروى عن قتادة على عدة أوجه: ١- حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، مرفوعاً. ٢- شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلاً، ولم أقف على هذه الرواية، ولكن تَقَدَّمَ نقل المنذري لكلام أبي داود فيها، وكذا كلام الخطابي. ٣- سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن من قوله. مقطوعاً. ٤- سعيد، عن قتادة، عن الحسن وجابر بن زيد من قولهما. ٥- سعيد، عن قتادة، عن عمر بن الخطاب من قوله، وتقدم أن أبا داود أخرج هذه الروايات الثلاث الأخيرة، وأخرجها أيضاً: النسائي في (سننه الكبرى) ١. ٦- سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن عمر ﵁ موقوفاً عليه. ولم أقف على هذه الرواية أيضاً، لكن ذكرها البخاري والترمذي كما تقدم.

стр. 1192

فهذه وجوه رواية هذا الحديث عن قتادة، والخوف أن يكون ذلك اضطراباً في هذا الحديث، لكن الذي يهمنا في هذا المقام: أن هذا الحديث لا يصحُّ عن النبي ﷺ موصولاً، فهو ما بين: موقوف على عمر ﵁، أو مُرْسَل: عن الحسن عن النبي ﷺ وقد ضَعَّفَ مراسليه جماعة -١ أو مقطوع من كلام الحسن ﵀. وقد تَقَدَّمَ كلامُ أبي داود في ترجيح الرواية المرسلة، وكذا ترجيح الموقوف من طريق سعيد، وقال الحافظ ابن حجر: "وَرَجَّحَ جمعٌ من الحفاظ أنه موقوف"٢. وحتى لو حُكِمَ للرواية الموصولة، فإنها تبقى معلولةً – كما أشار ابن القَيِّم – بالخلاف في سماع الحسن من سمرة؛ فإنَّ كثيرين لا يثبتون له سماعاً منه، والحسن مدلس، وقد عنعن في هذا الحديث. وَثَمَّةَ شاهدٌ لحديث سمرة هذا، يُروى عن ابن عمر ﵄، ولم يتعرض له ابن القَيِّم ﵀: وهو ما أخرجه: النسائي في (الكبرى) ٣، وابن ماجه في (سننه) ٤، وابن الجارود في (المنتقى) ٥، والحاكم في (المستدرك) ٦،

стр. 1193

والبيهقي في (سننه) ١، وَعَلَّقَهُ الترمذي في (جامعه) ٢، كلهم من طريق: ضمرة بن ربيعة٣، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً بمثل حديث سمرة. ووقع عند ابن الجارود، والبيهقي: "فهو عتيق ". وقد ضَعَّفَ الأئمة هذا الحديث - عن ابن عمر ﵄ وأنكروه: فأنكره الإمام أحمد وردَّه ردّاً شديداً، وقال: "لو قال رجلٌ: إن هذا كذبٌ، لما كان مخطئاً"٤. وذُكِرَ له مرة، فقال: "ليس من ذا شيء، وَهِمَ ضمرة"٥. وقال الترمذي: "ولم يُتابع ضمرة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث"٦. وقال النسائي: "لا نعلم أن أحداً روى هذا الحديث عن سفيان غير ضمرة، وهو حديث منكر"٧. ونقل البيهقي عن الطبراني - وقد رواه من طريقه - قوله: "لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا ضمرة"٨. وقال البيهقي: "وهم فيه

стр. 1194

راويه ... المحفوظ بهذا الإسناد: حديث نهى عن بيع الولاء وهبته"١. وقال البوصيري: "هذا إسناد فيه مقال"٢. ومع ذلك، فقد صححه الحاكم! فقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي! وصححه كذلك: عبد الحق، وابن حزم٣، وابن القطان٤. والقول ما قاله هؤلاء الأئمة، من أنَّ هذا الحديث منكرٌ؛ فإنَّ ضمرة وإن كان صدوقاً، فإنه كان يَهِمُ، وعنده بعض المناكير٥، ولعل هذا من مناكيره، والله أعلم. فتلخص من ذلك: أنَّ حديث سمرة بن جندب هذا معلولٌ كما ذكر ابن القَيِّم ﵀، وأن ما وُجدَ له من شاهد عن ابن عمر: منكرٌ، فلا يصلح لتقويته، وبذلك يبقى الحديث على ضعفه، والله أعلم. ثم ذكر ابن القَيِّم ﵀ حديثاً آخر في هذا الباب، وَأَعَلَّهُ، فقال: "وقد روى البيهقيُّ وغيره، من حديث أبي صالح، عن: ٩٤- (٢) ابن عباس ﵄، أنه قال: جاء رجلٌ - يقال له: صالح - بأخيه فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أَعْتِقَ أخي هذا، فقال: "إِنَّ اللهَ أَعْتَقَهُ حِينَ مَلَكْتَهُ ".

стр. 1195

قال ابن القَيِّم: "ولكن في هذا الحديث بَلِيَّتَانِ عظيمتان: العرزمي - وهو عبد الرحمن بن محمد - عن الكلبيِّ: كُسَيْرٌ عن عُوَيْرٍ"١. قلت: هذا الحديث: أخرجه الدارقطني في (سننه) ٢ – ومن طريقه: البيهقي٣ – من طريق: عبد الرحمن بن محمد٤ العرزمي، عن أبي النضر٥، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ به. قال الدارقطني عقبه: "العرزميُّ تركه ابن المبارك، ويحيى القطان، وابن مهدي. وأبو النضر هو: محمد بن السائب الكلبي، المتروك أيضاً، وهو القائل: كل ما حَدَّثْتُ عن أبي صالح كذب". وَتَعَقَّبَ ابن القطان عبد الحق بأنه ذَكَرَ هذا الحديث ولم يُبَيِّنْ علته، ثم أَعَلَّهُ بنحو ما أعله به الدراقطني٦.
следующие страницы →