← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 11401

ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها

جمال بن محمد السيد

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

لكنهما قالا: عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن عمر ﵁، فلعلها رواية أخرى عن قتادة. فهذه الروايات من طريق سعيد هي التي قال أبو داود عقبها: "سعيد أحفظ من حماد". فَتَحَصَّلَ من ذلك أن هذا الحديث يُروى عن قتادة على عدة أوجه: ١- حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، مرفوعاً. ٢- شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلاً، ولم أقف على هذه الرواية، ولكن تَقَدَّمَ نقل المنذري لكلام أبي داود فيها، وكذا كلام الخطابي. ٣- سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن من قوله. مقطوعاً. ٤- سعيد، عن قتادة، عن الحسن وجابر بن زيد من قولهما. ٥- سعيد، عن قتادة، عن عمر بن الخطاب من قوله، وتقدم أن أبا داود أخرج هذه الروايات الثلاث الأخيرة، وأخرجها أيضاً: النسائي في (سننه الكبرى) ١. ٦- سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن عمر ﵁ موقوفاً عليه. ولم أقف على هذه الرواية أيضاً، لكن ذكرها البخاري والترمذي كما تقدم.

стр. 1192

فهذه وجوه رواية هذا الحديث عن قتادة، والخوف أن يكون ذلك اضطراباً في هذا الحديث، لكن الذي يهمنا في هذا المقام: أن هذا الحديث لا يصحُّ عن النبي ﷺ موصولاً، فهو ما بين: موقوف على عمر ﵁، أو مُرْسَل: عن الحسن عن النبي ﷺ وقد ضَعَّفَ مراسليه جماعة -١ أو مقطوع من كلام الحسن ﵀. وقد تَقَدَّمَ كلامُ أبي داود في ترجيح الرواية المرسلة، وكذا ترجيح الموقوف من طريق سعيد، وقال الحافظ ابن حجر: "وَرَجَّحَ جمعٌ من الحفاظ أنه موقوف"٢. وحتى لو حُكِمَ للرواية الموصولة، فإنها تبقى معلولةً – كما أشار ابن القَيِّم – بالخلاف في سماع الحسن من سمرة؛ فإنَّ كثيرين لا يثبتون له سماعاً منه، والحسن مدلس، وقد عنعن في هذا الحديث. وَثَمَّةَ شاهدٌ لحديث سمرة هذا، يُروى عن ابن عمر ﵄، ولم يتعرض له ابن القَيِّم ﵀: وهو ما أخرجه: النسائي في (الكبرى) ٣، وابن ماجه في (سننه) ٤، وابن الجارود في (المنتقى) ٥، والحاكم في (المستدرك) ٦،

стр. 1193

والبيهقي في (سننه) ١، وَعَلَّقَهُ الترمذي في (جامعه) ٢، كلهم من طريق: ضمرة بن ربيعة٣، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً بمثل حديث سمرة. ووقع عند ابن الجارود، والبيهقي: "فهو عتيق ". وقد ضَعَّفَ الأئمة هذا الحديث - عن ابن عمر ﵄ وأنكروه: فأنكره الإمام أحمد وردَّه ردّاً شديداً، وقال: "لو قال رجلٌ: إن هذا كذبٌ، لما كان مخطئاً"٤. وذُكِرَ له مرة، فقال: "ليس من ذا شيء، وَهِمَ ضمرة"٥. وقال الترمذي: "ولم يُتابع ضمرة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث"٦. وقال النسائي: "لا نعلم أن أحداً روى هذا الحديث عن سفيان غير ضمرة، وهو حديث منكر"٧. ونقل البيهقي عن الطبراني - وقد رواه من طريقه - قوله: "لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا ضمرة"٨. وقال البيهقي: "وهم فيه

стр. 1194

راويه ... المحفوظ بهذا الإسناد: حديث نهى عن بيع الولاء وهبته"١. وقال البوصيري: "هذا إسناد فيه مقال"٢. ومع ذلك، فقد صححه الحاكم! فقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي! وصححه كذلك: عبد الحق، وابن حزم٣، وابن القطان٤. والقول ما قاله هؤلاء الأئمة، من أنَّ هذا الحديث منكرٌ؛ فإنَّ ضمرة وإن كان صدوقاً، فإنه كان يَهِمُ، وعنده بعض المناكير٥، ولعل هذا من مناكيره، والله أعلم. فتلخص من ذلك: أنَّ حديث سمرة بن جندب هذا معلولٌ كما ذكر ابن القَيِّم ﵀، وأن ما وُجدَ له من شاهد عن ابن عمر: منكرٌ، فلا يصلح لتقويته، وبذلك يبقى الحديث على ضعفه، والله أعلم. ثم ذكر ابن القَيِّم ﵀ حديثاً آخر في هذا الباب، وَأَعَلَّهُ، فقال: "وقد روى البيهقيُّ وغيره، من حديث أبي صالح، عن: ٩٤- (٢) ابن عباس ﵄، أنه قال: جاء رجلٌ - يقال له: صالح - بأخيه فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أَعْتِقَ أخي هذا، فقال: "إِنَّ اللهَ أَعْتَقَهُ حِينَ مَلَكْتَهُ ".

стр. 1195

قال ابن القَيِّم: "ولكن في هذا الحديث بَلِيَّتَانِ عظيمتان: العرزمي - وهو عبد الرحمن بن محمد - عن الكلبيِّ: كُسَيْرٌ عن عُوَيْرٍ"١. قلت: هذا الحديث: أخرجه الدارقطني في (سننه) ٢ – ومن طريقه: البيهقي٣ – من طريق: عبد الرحمن بن محمد٤ العرزمي، عن أبي النضر٥، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ به. قال الدارقطني عقبه: "العرزميُّ تركه ابن المبارك، ويحيى القطان، وابن مهدي. وأبو النضر هو: محمد بن السائب الكلبي، المتروك أيضاً، وهو القائل: كل ما حَدَّثْتُ عن أبي صالح كذب". وَتَعَقَّبَ ابن القطان عبد الحق بأنه ذَكَرَ هذا الحديث ولم يُبَيِّنْ علته، ثم أَعَلَّهُ بنحو ما أعله به الدراقطني٦.

стр. 1196

فَتَحَصَّلَ من ذلك: أن الأمر على ما وصف ابن القَيِّم ﵀، وأن هذا الحديث لا يصحُّ؛ لأن في إسناده مَتْرُوكَيْن كما تقدم، والله أعلم.

стр. 1197

١٥- من كتاب الحدود والديات ١ - باب الشفاعة في الحدود ٩٥- (١) عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: "مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دون حَدٍّ من حُدُودِ الله، فَقَد ضَادَّ١ اللهَ في أَمْرِهِ". قال ابن القيم ﵀: "رواه أحمد وغيره بإسناد جيد"٢. قلت: الحديث بهذا اللفظ أخرجه: الطبراني في (الكبير) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤، كلاهما من طريق: عبد الله بن جعفر٥، عن مسلم بن أبي مريم٦، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن ابن عمر ﵄ به. وسكت عنه الحاكم والذهبي، وهو ضعيفٌ بهذا الإسناد؛ للاتفاق على ضعفِ عبد الله بن جعفر المديني. وقد رُوي عن ابن عمر من وجه آخر، من غير طريق عبد الله بن

стр. 1198

جعفر، فقد أخرجه: أبو داود في (سننه) ١ من طريق: المثنى بن يزيد٢، عن مطر الوراق، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ بمعنى الحديث المتقدم، وفيه زيادة، وهي: "وَمَنْ أَعَانَ عَلى خُصُومَةٍ بِظُلمٍ، فقد بَاء بغضب الله عزوجل". وهذا الإسناد ضعيف أيضاً؛ لضعف مطر الوراق، وجهالة المُثَنَّى بن يزيد. ولكنه جاء من طريق ثالث صحيحٍ، وهو ما أخرجه: أحمد في (مسنده) ٣، وأبو داود في (سننه) ٤والحاكم في (المستدرك) ٥،كلهم من طريق: زهير بن معاوية، عن عمارة بن غُزَيَّة٦، عن يحيى بن راشد٧، عن ابن عمر ﵄ به. ولفظه: "من حالتْ شفاعته دون حدٍّ

стр. 1199

من حدود الله، فقد ضادَّ الله في أمره، ومن مات وعليه دَيْنٌ، فليس ثمَّ دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطلٍ وهو يعلم لم يزل في سخط الله حَتَّى يَنْزِعَ، ومن قال في مؤمنٍ ما ليس فيه حبس في رَدْغَةِ الخَبَال١ حتى يأتي بالمخرج مما قال". قال أبو عبد الله الحاكم: "حديث صحيحُ الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي ﵀. وقال الحافظ المنذري: " ... إسناد جيدٌ"٢. وقال الشيخ الألباني: "إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم، غير يحيى بن راشد، وهو ثقةٌ"٣. وسبق أنَّ ابن القيم جَوَّدَ هذا الإسناد. فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث صحيحٌ، وأن الضَّعْفَ الواقعَ في بعض طرقه ينجبر بمجيئه من طريقٍ آخر صحيحٍ جَوَّدَهُ ابن القيم ﵀ فأصاب، والله أعلم.

стр. 1200

٢ - باب في قطع جاحد العارية ٩٦- (٢) عن عائشة ﵂، قالت: كانت امرأة مخزومية تَسْتَعِير الْمَتَاع وَتَجْحَدُهُ، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد فَكَلَّمُوه، فَكَلَّم أَسَامةُ النبيَّ ﷺ ، فقال له النبيُّ ﷺ : "يا أسامة! لا تَزَالُ تَكَلَّمُ في حَدٍّ من حدودِ الله" ثم قامَ النبيُّ ﷺ خطيباً، فقال: "إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بأنَّه إذا سَرَقَ فيهم الشَّريف تركوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضَّعيفَ قَطَعُوه، والذي نفسي بيدهِ، لو كانت فَاطِمَةُ ابنةُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعَ يَدَهَا". ذكر ابن القيم ﵀ أن طائفةً من الناس أعَلَّت هذا الحديث، فقالوا: إن معمراً تفرد من بين سائر الرواة بذكر "العارية"، وخالفه سائر أصحاب الزهري فقالوا: "سرقت"، ومعمر لا يقاوِمُ هؤلاء. قالوا: ثم إن الحديث لو ثبت، فإن وصف العارية إنما هو لمجرد التعريف بالمرأة، لا أنه سبب قطع يدها١. ثم أخذ ابن القيم ﵀ في الجواب عن ذلك، فقال: "فأما تعليله بما ذُكِرَ: فباطلٌ". ثم بَيَّنَ أن معمراً تُوبع على هذه اللفظة، وسيأتي الكلام على هذه المتابعات إن شاء الله.

стр. 1201

ثم ذكر ابن القيم ﵀ أن لحديث عائشة شاهداً من رواية ابن عمر ﵄، بمثل رواية معمر، وبَيَّنَ أنَّ هذا اللفظ روي أيضاً عن سعيد بن المسيب مرسلاً عند النسائي١، وبذلك تزول دعوى تفرد معمر بهذه الرواية. ثم أخذ في الجواب على بقية ما أُعِلَّ به هذا الحديث، وسيأتي كلامه أثناء البحث إن شاء الله. قلت: هذا الحديث معروفٌ من حديث عائشة ﵂، ومداره على: الزهري، عن عروة بن الزبير، عنها. وقد رُوِيَ - كما تقدم - على وجهين: "أَنَّ امرأةً سرقت"، و "أَنَّ امرأةً كانت تستعير المتاعَ فتجحده". أما رواية السَّرقة: فقد أخرجها أصحاب الكتب الستة٢، والدارمي في (مسنده) ٣ من طريق: الليث. وأخرجه البخاري، ومسلم

стр. 1202

في (صحيحيهما) ١، والنسائي في (سننه) ٢ من طريق: يونس بن يزيد. وأخرجه النسائي٣ من طريق: إسماعيل بن أمية، ومن طريق: إسحاق بن راشد. كلهم عن: الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂: أن قريشاً أَهَمَّهُم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فذكر الحديث بنحو ما تقدم، وزاد ابن ماجه وحده في آخر قول محمد بن رمح - راويه عن الليث -: "سمعت الليث بن سعد يقول: قد أعاذها الله - عزوجل - أن تسرق، وكل مسلم ينبغي له أن يقول هذا" يعني: فاطمة ﵂. كذا رواه هؤلاء الجماعة: الليث، ويونس، وإسماعيل بن أمية، وإسحاق بن راشد: عن الزهري بلفظ: "سرقت". وخالف هؤلاء جميعاً: معمر بن راشد، فقال فيه: "كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده". أخرجه: عبد الرزاق في (مصنفه) ٤: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به، ولفظه هو المذكور

стр. 1203

أول هذا البحث. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه: مسلم في (صحيحه) ١، وأبو داود في (سننه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣ - ومن طريقه البيهقي في (سننه) ٤ - من طرق، عن عبد الرزاق به. وقد ادُّعِيَ - كما مرَّ في كلام ابن القيم ﵀ أن معمراً قد تَفَرَّدَ عن الزهري بهذا اللفظ، فقال النوويُّ: " ... إن جماعةً من الأئمة قالوا: هذه الرواية شاذة؛ فإنها مخالفة لجماهير الرواة، والشاذة لا يُعْمَلُ بها"٥. ونقل ابن حجر مثل ذلك عن: ابن المنذر، والمحب الطبري، والقاضي عياض. وقال القرطبي: "رواية أنها سرقت أكثر وأشهر من رواية الجحد، فقد انفرد بها معمر وحده من بين الأئمة الحفاظ، وتابعه على ذلك من لا يُقْتَدى بحفظه: كابن أخي الزهري ونمطه. هذا قول المحدثين"٦. ودعوى انفراد معمر بهذا لا تصحُ؛ فإنه قد وافقه عليه جماعة كما بَيَّنَ ابن القيم ﵀، ومن هؤلاء الذين تابعوه:

стр. 1204

١- شعيب بن أبي حمزة١: أخرجه النسائي في (سننه) ٢ من حديث: بشر بن شعيب٣، عن أبيه، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: استعارت امرأةٌ على ألسنة أناسٍ يُعْرَفُون وهي لا تُعْرَف حُلِيّاً، فباعته وأخذت ثمنه، ... الحديث، وفي آخره: "ثم قطعت تلك المرأة". ٢- يونس بن يزيد٤: أخرج حديثه أبو داود في (سننه) ٥ من طريق: الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب ... فذكره بنحو حديث شعيب الذي قبله، وأخرجه البيهقي في (سننه) ٦ من طريق أبي داود. ولكن اختلف على يونس في هذا الحديث سنداً ومتناً: فرواه أبو داود عن الليث عن يونس هكذا، وخالف اللَّيْثَ: عبد الله بن وهب٧، وعبد الله بن المبارك٨، فروياه عن: يونس، عن الزهري، عن عروة، عن

стр. 1205

عائشة: أن امرأة سرقت في غزوة الفتح ... الحديث. قال البيهقي ﵀ عن رواية ابن وهب وابن المبارك هذه: "وروايتهما أولى بالصحة من رواية أبي صالح"١. ٣- أيوب بن موسى٢: وقد اختُلِفَ على أيوب في روايته - أيضاً - سنداً ومتناً، فأخرجه البخاري في (صحيحه) ٣ عن علي بن المديني، حدثنا ابن عيينة، قال: ذهبت أسأل الزهري عن حديث المخزومية فصاح بي. قلت لسفيان: فلم تحمله عن أحدٍ؟ قال: وجدته في كتاب كان كتبه أيوب بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: "أن امرأة من بني مخزوم سرقت ... " الحديث. وأخرجه النسائي في (سننه) ٤ من حديث إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان قال: "كانت مخزومية تستعير متاعاً وتجحده" ... قيل لسفيان: من ذكره؟ قال: أيوب بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة إن شاء الله تعالى. ثم أخرجه النسائي٥ من حديث: محمد بن منصور، عن سفيان، عن أيوب بن موسى هكذا متصلاً، وفيه: "أن امرأة سرقت".

стр. 1206

ثم أخرجه من طريق: رزق الله بن موسى، عن سفيان، عن أيوب بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: أتى النبي ﷺ بسارق فقطعه، قالوا: ما كنا نريد أن يبلغ منه هذا. قال: "لو كانت فاطمة لقطعتها"١. وأخرجه أحمد في (مسنده) ٢: ثنا سفيان فذكره بمثل حديث رزق الله بن موسى، وزاد في آخره: "ثم قال سفيان: لا أدري كيف هو". قال الحافظ العراقي: "وابن عيينة لم يسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، إنما وجده في كتاب أيوب بن موسى، ولم يصرح بسماعه من أيوب بن موسى، ولهذا قال في رواية أحمد: لا أدري كيف هو"٣. ٤- ابن أخي الزهري: وهذه المتابعة أخرجها ابن أيمن في (مصنفه) كما قال ابن حجر٤. فهؤلاء أربعةٌ تابعوا معمراً على روايته هذا الحديث بلفظ "العارية": يونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة، وأيوب بن موسى، وابن أخي الزهري. أما رواية يونس، وأيوب، فقد اختلف عليهما كما مضى، وسلمت رواية شعيب، وابن أخي الزهري. وشعيب من أثبت

стр. 1207

الناس في الزهري - كما قال ابن معين١ ﵀ فلو لم توجد إلا روايته لكانت كافيةً لدفع دعوى التفرد عن رواية معمر، فكيف وقد انضم إليها غيرها؟ وقد ذكر ابن القيم ﵀ من هذه المتابعات: رواية أيوب ابن موسى، وشعيب بن أبي حمزة، ردًّا على من أعلَّ الحديث بتفرد معمر، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك أول البحث. فثبت أن الحديثين محفوظان عن الزهري، لذا فإنه لا سبيل لإعلال أحدهما بالآخر، بل إن الجمع بينهما أولى، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "والذي اتَّضَحَ لي: أن الحديثين محفوظان عن الزهري، وأنه كان يُحَدِّثُ تارةً بهذا وتارةً بها، فَحَدَّثَ يونس عنه بالحديثين، واقتصرتْ كلُّ طائفة من أصحاب الزهري - غير يونس - على أحد الحديثين"٢. ثم نقل ابن حجر ﵀ عن بعض الْمُحَدِّثِين أنه عَكَسَ القضية على من طَعَنَ في رواية معمر، فقال: لم يختلف على معمر ولا على شعيب، وهما في غاية الجلالة في الزهري، وقد وافقهما ابن أخي الزهري. وأما الليث ويونس - وإن كانا في الزهري كذلك - فقد اختلف عليهما فيه. وأما إسماعيل بن أمية وإسحاق بن راشد٣: فدون معمر وشعيب في الحفظ. ثم قال ﵀: "وعلى هذا، فيتعادل الطريقان، ويتعين

стр. 1208

الجمعُ، فهو أولى من اطِّراح أحد الطريقين"١. قلت: ومعنى هذا الكلام: أنَّا إذا استثنينا رواية من اختلف عليه من الطرفين، فإنه يتحصل عندنا: أن معمراً، وشعيب بن أبي خالد روياه بلفظ "العارية"، وفي مقابلهما: إسماعيل بن أمية، وإسحاق بن راشد، وقد روياه بلفظ "السرقة"، وهما دون الأولين، وهذا إيراد متينٌ، وبه تزداد رواية معمر - ومن تابعه - قوةً، ويبعد أيُّ احتمال لإعلالها. هذا فيما يتعلق بالجواب عمَّا أُعِلَّتْ به رواية العارية. وأما ما ذهبوا إليه من تأويل رواية العارية - على فرض ثبوتها -: بأن القطع كان للسرقة لا للعارية، وأن ذكر العارية إنما هو للتعريف المجرد بالمرأة، فإنَّ هذه محاولة للجمع بين الروايتين بعد تسليم ثبوت رواية العارية، وقد قرر البيهقيُّ ﵀ ذلك بقوله: "ويحتمل أن يكون رواية من روى العارية على تعريفها، والقطع كان سبب سرقتها التي نُقلت في سائر الروايات، فلا تكون مختلفة، ويكون التقدير: أن امرأةً مخزومية كانت تستعير المتاعَ وتجحده - كما رواه معمر - سرقتْ - كما رواه غيره - فقطعت، يعني للسرقة"٢. وقد ردَّ ابن القيم ﵀ هذا التأويل ودفعه، فقال: "وأما قولهم: إن ذكر جحد العارية للتعريف، لا أنه الْمُؤَثِّرُ: فكلامٌ في غاية الفساد، لو صحَّ مثله - وحاشا وكلاَّ - لذهب من أيدينا عامة الأحكام

стр. 1209

المترتبة على الأوصاف، وهذه طريقة لا يرتضيها أئمة العلم، ولا يرُدُّونَ بمثلها السنن، وإنما يسلكها بعض الْمُقَلِّدين من الأتباع"١. ثم أَكَّدَ ابن القيم ﵀ كون جحد العارية سبب القطع بما جاء في رواية ابن عمر ﵄: أن امرأة كانت تستعير الحُلِيَّ للناس ثم تمسكه، فقال رسول الله ﷺ : "لتتب هذه المرأة إلى الله ورسوله، وتَرُدُّ ما تأخذ على القوم" ثم قال رسول الله ﷺ : "قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها" ٢. وفي رواية أخرى أنه قال: "لتتب هذه المرأة، ولتؤدي ما عندها". مراراً، فلم تفعل، فأمر بها فقطعت٣. فهذا الحديث صريح في أن النبي ﷺ أمر بقطعها من أجل جحدها العارية، قال ابن القيم ﵀: "وهذا يُبْطِلُ قول من قال: إن ذكر هذا الوصف للتعريف المجرد"٤. ولكن ذكر البيهقي أن حديث ابن عمر هذا قد اختلف عن نافع في إسناده٥. ثم ذهب ابن القيم ﵀ إلى أن الجمع بين الخبرين ممكنٌ، ذلك أنه لا تنافي بين جحد العارية وبين السرقة؛ فإن ذلك داخلٌ في اسم

стр. 1210

السرقة، قال: "فإن هؤلاء الذين قالوا: إنها جحدت العارية، وذكروا أن قطعها لهذا السبب، قالوا: إنها سرقت، فأطلقوا على ذلك اسم السرقة. فثبت لغةً: أن فاعل ذلك - يعني جحد العارية - سارقٌ، وثبت شرعاً أن حَدَّهُ قطع اليد"١. وَتَعَقَّبَهُ الحافظ ابن حجر ﵀، فقال: "كذا قال، ولا يخفى بُعْدُهُ"٢. فتلخص من ذلك: أن حديث المخزومية التي قطعت ثابتٌ، وأن ما ذُكِرَ فيه من أن هذه المرأة كانت تجحد العارية: صحيحٌ لا وجه لإعلاله، كما قَرَّرَه ابن القيم ﵀، وتأكد من خلال هذه الدراسة. ولكن مع ثبوت هذا الحديث، يبقى الخلاف في: هل قَطْعُ هذه المرأة كان للسرقة، أو لجحد العارية؟ الجمهور على أنها قطعت للسرقة، وأن ما ذكر من جحدها للعارية صفة لها، لا أنه سبب القطع. وأيضاً: فإن جاحد العارية لا يقطع قياساً على المختلس والمنتهب والخائن، الذين جاء النص بعدم قطعهم. وأيضاً: لو قيل بقطع جاحد العارية لقطع جاحد غير العارية، ولا يقولون به. فهذا مذهب جمهور العلماء: أنه لا قطع على جاحد العارية٣.

стр. 1211

وتمسك ابن القيم ﵀ بظاهر الحديث، ولم يرَ فرقاً بين السارق والجاحد في القطع، وهو مذهب الإمام أحمد والظاهرية، والله أعلم.

стр. 1212

٣ - باب ما جاء في الرجل يزني بجارية امرأته ٩٧- (٣) عن النعمان بن بشير ﵁ في رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، أَنَّهُ قَال: لأَقْضِيَنَّ فيكَ بِقَضِيَّةِ رَسُولِ الله ﷺ : "إِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَكَ جَلَدْتُكَ مِائَة، وإن لم تكن أحلتها لك رَجَمْتُكَ بِالْحِجَارِةِ"، فوجدوه قد أحلتها له، فَجَلَدَهُ مائة. ذكر ابن القيم هذا الحديث، وعزاه إلى (المسند) و (السنن الأربعة) ، ثم نقل كلام الأئمة في تضعيفه: فالترمذي والنسائي أعلاَّه بالاضطراب، والبخاري قال بانقطاعه، وأعله أبو حاتم بجهالة خالد بن عُرْفُطَة. ثم ذكر عن الإمام أحمد ﵀ أنه أخذ بهذا الحديث في ظاهر مذهبه. ثم أخذ ﵀ في الدفاع عن هذا الحديث والتوجه إلى تقويته، فقال: "فإن الحديث حسنٌ، وخالد بن عرفطة قد روى عنه ثِقَتَان: قتادة، أبو بشر، ولم يُعرفْ فيه قدحٌ، والجهالة ترتفع عنه برواية ثقتين"١. قلت: هذا الحديث مداره على حبيب بن سالم٢، عن النعمان بن بشير ﵁، ويرويه عن حبيب بن سالم جماعة:

стр. 1213

فأخرجه الترمذي في (جامعه) ١، والنسائي وابن ماجه في (سننيهما) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣، من طريق: قتادة، عن حبيب بن سالم، أنه قال: رُفِعَ إلى النعمان بن بشير رجلٌ وقع على جارية امرأته، فقال: لأقضين ... الحديث، ووقع في رواية أحمد: "رُفِعَ إلى النعمان رجلٌ أَحَلَّت له امرأته جاريتها". أما لفظ النسائي عن النعمان: "أن رسول الله ﷺ قال في رجل ... " بدون ذكر قصة الرجل الذي رُفع إليه. وهذا الإسناد منقطعٌ؛ فإنَّ قتادة لم يسمع هذا الحديث من حبيب ابن سالم، كما قال البخاري٤ ﵀، وقد سأله عنه الترمذي؟ فقال: "أنا أنفي هذا الحدث، إنما رواه قتادة، عن خالد بن عرفطة، عن حبيب ابن سالم"٥. وحديث قتادة، عن خالد بن عرفطة هذا: أخرجه أبو داود، والنسائي في (سننيهما) ٦، وأحمد، والدارمي في (مسنديهما) ٧، كلهم من طريق:

стр. 1214

أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عن خالد بن عرفطة١، عن حبيب ابن سالم: أن رجلاً يقال له عبد الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته، فرفع إلى النعمان ... الحديث، وفي آخره: قال قتادة: "كتبتُ إلى حبيب ابن سالم فكتب إليَّ بهذا". وخالد بن عرفطة: جَهَّلَهُ أبو حاتم، والبزار٢، قال أبو حاتم: "خالد بن عرفطة مجهولٌ، لا نعرف أحداً يقال له خالد بن عرفطة إلا واحد، الذي له صحبة"٣. وقال الذهبي: "لا يُعرف"٤. وأما ما قاله ابن القيم ﵀، من أن خالداً هذا روى عنه ثقتان، وبذلك تزول عنه الجهالة: فإنه غير مُسَلَّم؛ لأنه وإن ارتفعت عنه جهالة العين برواية أكثر من واحد، فإنه يبقى مجهول الحال؛ لأنه لم يوثقه أحد، فالحكم بصحة هذا الإسناد أو حسنه متوقف على العلم بحال خالد هذا، نعم وثقه ابن حبان٥، ولكن قد علم أن ابن حبان لا يعتمد قوله في ذلك، لما عُرِفَ من توثيقه المجهولين، فكيف إذا عورض توثيقه بتجهيل مثل أبي حاتم، والبزار لهذا الرجل؟ وقد رُوي الحديث عن قتادة على غير هذين الوجهين:

стр. 1215

فأخرجه النسائي في (الكبرى) ١، والبيهقي في (سننه) ٢ من طريق: همام بن يحيى، عن قتادة، عن حبيب بن سالم، عن حبيب بن يساف٣: أن رجلاً وَطِئ جارية امرأته، فرفع إلى النعمان ... الحديث. وقد سُئِلَ أبو حاتم عن حديث همام عن قتادة، وحديث أبان عن قتادة الماضي، فقال: "حديث همام أشبه". ثم قال: "وحبيب بن يساف مجهولٌ، لا أعلم أحداً روى عنه غير قتادة هذا الحديث الواحد"٤. قلت: ومع جهالة حبيب بن يساف، فقد رواه هَمَّام من وجه آخر، فرواه عن قتادة، عن حبيب بن يساف، عن حبيب بن سالم، فعكسه. أخرجه البيهقي في (سننه) ٥ بإسناده إلى همام. فهذه أربعة أوجه عن قتادة في رواية هذا الحديث. وقد روى من وجه آخر عن حبيب بن سالم، فأخرجه الترمذي في (جامعه) ٦، و (علله) ٧، والنسائي في (الكبرى) ٨، والطيالسي في

стр. 1216

(مسنده) ١ - ومن طريقه البيهقي٢ - كلهم من طريق: هشيم، عن أبي بشر٣، عن حبيب بن سالم: أن امرأة أتت النعمان بن بشير فقالت: إن زوجي وقع على جاريتي بغير إذني، فقال النعمان: إن عندي في هذا قضاءً شافياً أخذته عن رسول الله ﷺ : "إن لم تكوني أذنتِ له رجمته، وإن كنتِ أذنتِ له جلدته مائة".فقال لها الناس: ويحك! أبو ولدك يرجم؟ فجاءت فقالت: قد كنت أذنت له، ولكني حملتني الغيرة على ما قلت. فجلده مائة. وهذا سياق أبي داود الطيالسي. وهذا الإسناد منقطعٌ أيضاً، قال الترمذي: "وأبو بشر لم يسمع من حبيب بن سالم هذا أيضاً، إنما رواه عن خالد بن عرفطة". وكذا قال البيهقي في (سننه) وفي (المراسيل) ٤ لابن أبي حاتم، بإسناده إلى شعبة، أنه قال: "لم يسمع أبو بشر من حبيب بن سالم". وفي (تهذيب التهذيب) ٥ قول يحيى بن سعيد: "كان شعبة يضعف أحاديث أبي بشر عن حبيب بن سالم".

стр. 1217

وقد رواه عنه شعبة نفسه متصلاً، فأخرجه أبو داود والنسائي في (سننيهما) ١، وأحمد، والدارمي في (مسنديهما) ٢، والحاكم في (المستدرك) ٣ - وأخرجه البيهقي٤ من طريق أحمد - كلهم من طريق: شعبة، عن أبي بشر، عن خالد بن عرفطة، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ ، وليس فيه ذكر قصة الرجل الذي وقع على جارية امرأته. فرجع الحديث بذلك إلى خالد بن عرفطة الماضي ذكره، وقد تَقَدَّمَ من كلام أبي حاتم، والبزار، والذهبي: أنه مجهول، فَيُتَعَجَّبُ حينئذٍ من الحاكم ﵀، إذ قال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي، مع قوله في خالد بن عرفطة: "لا يعرف". كما تقدم نقل ذلك عنه. ويتلخص من ذلك: أن هذا الحديث يدور إسناده ما بين: الضعف، والانقطاع، والاضطراب، وقد تقدمت أقوال بعض الأئمة في ذلك، ويضاف هنا قول الترمذي - عقب تخريجه هذا الحديث -: "حديث النعمان في إسناده اضطراب". وقال النسائي: "أحاديث النعمان

стр. 1218

هذه مضطربة"١. وقال الخطابي: "هذا حديث غير متصل، وليس العمل عليه"٢. ولذلك فإن حكم ابن القيم ﵀ على هذا الحديث بالحُسْنِ فيه نظرٌ، ومع أنه قد وقف على أقوال الأئمة في إعلاله - بل ونقلها - إلا أنه لم يتعرض في جوابه إلا للقول بجهالة خالد بن عرفطة، مع أنَّ إعلاله بالاضطراب قوي، والله أعلم. ٩٨- (٤) عن سلمة بن الْمُحَبِّق ﵁: "أَنَّ رَسول الله قَضى في رَجُلٍ وَقَع على جَارِيَةِ امرأته: إنِ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا، فَهِي حُرَّةٌ، وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طَاوَعَتْهُ، فهي له، وعليه لسيدتها مثلها". ذكر ابن القيم هذا الحديث وَعَلَّقَ القول به على ثبوت صِحَّتِه، فقال: "وأما حديث سلمة بن المحبق، فإنْ صَحَّ، تَعَيَّنَ القولُ به ولم يعدل عنه". ثم نقل أقوال الأئمة: النسائي، وأحمد، وابن المنذر، والخطابي، والبيهقي في تضعيف هذا الحديث. ثم بَيَّنَ ﵀ أن جماعةً قبلوه، وهؤلاء فريقان: فريق قال بأنه منسوخ، وفريق ثانٍ قال هو مُحْكَمٌ، وَبَيَّنَ وجهه. هكذا يعرض ابن القيم موقف العلماء من هذا الحديث، ويُبْدي تَوَقُّفَهُ فيه، على أنه - في نظره - إن صحَّ تعين القول به؛ لأنه موافق

стр. 1219

للقياس، ولا يضرُّ حينئذٍ كثرة المخالفين١. على أنَّ ابن القيم ﵀ في موضع آخر يرى احتمال تحسين هذا الحديث، فيقول: "وضعَّفه بعضهم من قِبَلِ إسناده، وهو حديثٌ حسنٌ، يَحْتَجُّون بما هو دونه في القوة، ولكن لإشكاله أقدموا على تضعيفه، مع لينٍ في سنده"٢ والظاهر أن هذا الحكم الأخير هو اختياره؛ لأنه حتى حينما كان متوقفاً عن تصحيح هذا الحديث، نجد أنه كان يميل إلى العمل به، وأن العمل بمقتضاه هو الذي يوافق القياس. قلت: هذا الحديث مداره على الحسن بن أبي الحسن البصري، واختلف عليه: فقيل: عنه، عن سلمة بن المحبق. أخرجه أبو داود والنسائي في (سننيهما) ٣، وأحمد في (مسنده) ٤، والترمذي في (علله) ٥ من طريق: سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وأخرجه أحمد في (المسند) ٦، والطبراني في (الكبير) ٧، والبيهقي في (السنن) ٨ من طريق: عمرو بن دينار.

стр. 1220

وأخرجه ابن ماجه، والدارقطني في (سننيهما) ١ من طريق: عبد السلام بن حرب، عن هشام بن حسان. وأخرجه أحمد في (المسند) ٢ من طريق: المبارك بن فضالة، كلهم عن: الحسن البصري، عن سلمة بن الْمُحَبَّق، عن النبي ﷺ بنحو اللفظ المتقدم، لكن وقع عند أبي داود: "وإن كانت طاوعته فهي ومثلها من ماله لسيدتها". وكذا عند النسائي، لكن بلفظ: " ... وإن كانت طاوعته فهي لسيدتها ومثلها من ماله". وأما لفظ هشام بن حسان عند ابن ماجه والدارقطني فهكذا: "أن رسول الله ﷺ رفع إليه رجل وقع على جارية امرأته، فلم يحدّه". وهذا الإسناد منقطع؛ فإن بين الحسن وسلمة فيه: قبيصة بن حريث، قال الترمذي: "سألت محمداً - يعني البخاري - عن هذا الحديث؟ فقال: رواه الفضل بن دلهم، ومنصور بن زاذان، وسلام بن مسكين: عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق، وهو أصحُّ من حديث قتادة"٣. وقال ابن أبي حاتم في (علله) ٤: "قلت - يعني لأبيه-: الحسن عن سلمة مُتَّصِل؟ قال: لا، حدثنا القاسم بن سلام، عن أبيه، عن الحسن، قال: حدثني قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق، عن النبي ﷺ . فأدخل بينهما قبيصة بن حريث، فاتَّصَل الإسناد. قلت: -

стр. 1221

القائل ابن أبي حاتم - الحسن سمع من سلمة، وقال١ محمد بن مسلم الطائفي: عن عمرو بن دينار، عن الحسن: سمعت سلمة بن المحبق؟ قال: هذا عندي غلط غير محفوظ". ومما يؤكد ما ذهب إليه البخاري وأبو حاتم رحمهما الله: أنه وقع في رواية الطبراني - وهي من طريق علي بن المديني، عن عمرو بن دينار، عن الحسن -: قال علي بن المديني: فقلت لسفيان: فإنَّ قتادةَ يقول: عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق؟ فقال لسفيان: قال عمرو: بينهما إنسان أو رجل؟ فقال له الهذلي - يعني أبا بكر الهذلي -: بينهما قبيصة بن حريث. قال سفيان: وإنما عُرِفَ هذا الهذلي أنه من قوم سلمة٢. وأخرج الحديث بهذا الإسناد المتصل: عبد الرزاق في (مصنفه) ٣، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث٤، عن سلمة بن المحبق ﵁ به، باللفظ المذكور أول البحث. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه: أبو داود، والنسائي في (سننيهما) ٥، وأحمد في (مسنده) ٦،

стр. 1222

والطبراني في (الكبير) ١. فثبت بذلك أنَّ قتادة عنده - أيضاً - فيه رواية متصلة، وأن ذلك هو الصحيح عنه. وأخرجه الطبراني في (الكبير) ٢، وابن أبي حاتم في (العلل) ٣ عن أبيه، والبيهقي في (السنن) ٤ من طريق: سلام بن مسكين٥، عن الحسن، عن قبيصة، عن سلمة بن المحبق ﵁ به، وفيه قصة، وهي: أن امرأة أرسلت جاريتها مع زوجها في سفر تخدمه، فوقع بالجارية، فأخبرت المرأة النبي ﷺ ... فذكره، وفي آخره: "ولم يقم فيه حَدّاً". فثبتَ بذلك اتصال الحديث من وجهين عن الحسن ﵀، وأن الأئمة: البخاري، وأبا حاتم رَجَّحَا هذه الرواية الموصولة، ورأيا أنها أصح من تلك. فهذان وجهان عن الحسن في رواية هذا الحديث، وقد رُوي عنه على وجه ثالث، فأخرجه الطبراني في (الكبير) ٦، والبيهقي في

стр. 1223

(السنن) ١، من طريق: شعبة، عن: قتادة، عن الحسن، عن جون بن قتادة٢، عن سلمة بن المحبق به. وجون هذا: قال عنه الإمام أحمد: "لا يُعرف"٣. وذكره علي بن المديني ضمن المجهولين من شيوخ الحسن البصري٤. ولعلَّ هذا من الاضطراب في هذا الحديث على قتادة، عن الحسن، وقد حكم عليه العقيلي بذلك كما سيأتي. وقد تقدم معنا أن جماعةً من أهل العلم ضَعَّفُوا هذا الحديث ولم يثبتوه، وبالنظر إلى كلامهم، نجد أنهم حملوا في هذا الحديث على "قبيصة بن حريث" فذهب الإمام أحمد، والخطابي، والبيهقي إلى أنه لا يُعرف، وقال البخاري: "في حديثه نظر". كما نقل عنهم ذلك ابن القيم٥ ﵀، ومن قبله المنذري٦. وقبيصة هذا: لم يرو عنه إلا الحسن، ولم يوثقه - مع ذلك -

стр. 1224

أحدٌ إلا ابن حبان١، وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن أبا العرب التميمي نقل توثيقه عن العجلي٢، ولم أجده في (ثقات) العجلي، وقد ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٣ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً على عادته في أمثاله. فالظاهر - والله أعلم - أن الرجل مجهولٌ كما حَكَمَ به غيرُ واحد من الأئمة: أحمد، والخطابي، والبيهقي، وجهله كذلك: ابن القطان٤، وضعفه ابن حزم٥. بالإضافة إلى قول البخاري: "في حديثه نظر"٦. ولذلك ضَعَّفَ الأئمة هذا الحديث كما تقدم، وقال النسائي - وقد ساق الحديث من طرق-: "ليس في هذا الباب شيء صحيح يحتجُّ به"٧. وقال ابن المنذر: "لا يثبت"٨. وقال الخطابي: "منكر"٩. وقال العقيلي: "حديث فيه اضطراب"١٠. هذا بالإضافة إلى ما تقدم من تضعيف الإمام أحمد والبخاري له.

стр. 1225

فتلخص: أن هذا الحديث ضعيفٌ، كما ذهب إليه أكثر أهل العلم، وعلى هذا، فاحتمال تحسينه - كما يرى ابن القيم - تَبَيَّنَ مِمَّا قَرَّروهُ - أنه مرجوح، وربما ظهرَ له هذا أولاً ثم رجع عنه؛ فقد تقدم أنه ﵀ توقف فيه مرةً، وعَلَّقَ القول به على ثبوت صحته، وبناءً على ذلك فلا يحكم بمخالفته ﵀ لهؤلاء الأئمة، والله أعلم.

стр. 1226

٤- باب فيمن تزوج بامرأة أبيه ٩٩- (٥) عن البراء بن عازب ﵁، قال: "بَيْنَمَا أَنَا أَطُوفُ على إبلٍ لي ضَلَّتْ، إذ أَقْبَلَ رَكْبٌ - أو فوارس - معهم لواء، فجعلَ الأعرابُ يُطِيفونَ بي لِمَنْزِلَتِي من النبي ﷺ ، إِذْ أَتَوا قُبَّةً، فاسْتَخْرَجُوا منها رَجُلاً، فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَسَأَلْتُ عنه، فذكروا أنه أَعْرَسَ بامرأةِ أبيهِ". ذكر المنذري في (مختصر السنن) ١ أن هذا الحديث قد اخْتُلِفَ فيه اختلافاً كثيراً، فروي عن البراء على عدة أوجه. فقال ابن القيم ﵀ معقباً عليه: "وهذا كُلُّه يدلُّ على أن الحديثَ محفوظٌ، ولا يوجبُ هذا تركه بوجهٍ". ثم أخذ في التوفيق بين الأوجه التي ظاهرها التعارض في إسناد الحديث، ثم قال: "والحديث له طرقٌ حسان يُؤَيِّدُ بعضها بعضاً"٢ فساق جملة منها. قلت: هذا الحديث يروى عن عديّ بن ثابت٣، واختلف عليه:

стр. 1227

فأخرجه الترمذي في (جامعه) ١، وابن ماجه في (سننه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣، والدارقطني في (السنن) ٤، وابن أبي حاتم في (العلل) ٥ من طرق، عن: أشعث بن سَوَّار، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب ﵁، أنه قال: مرَّ بي خالي أبو بردة بن نيار٦ ومعه لواء، فقلت: أين تريد؟ قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى رجلٍ تَزَوَّجَ امرأة أبيه، أن آتيه برأسه". هذا لفظ الترمذي، وابن أبي حاتم. كذا وقعت رواية أشعث عند هؤلاء الجماعة، وأخرجه ابن أبي حاتم٧، والبيهقي في (سننه) ٨ من طريق: أبي خالد الأحمر، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء، عن خاله: "أن رجلاً تزوج امرأة أبيه أو امرأة ابنه، فأرسل إليه النبي ﷺ فقتله". كذا بجعل "يزيد بن البراء" مكان أبيه، وبالشكِّ في متنه.

стр. 1228

وقد وقع في البيهقي: " ... عن يزيد بن البراء، عن البراء" على الجادة، وهو خطأ، فقد جاء عند ابن أبي حاتم على الصواب بدون ذكر البراء، وسيأتي من كلام أبي حاتم ما يدلُّ على صحة ذلك. وقد تابع أشعثَ بن سَوَّار على الإسناد الأول - عدي بن ثابت، عن البراء -:السُّدِّيُّ١. فأخرجه النسائي في (سننه) ٢، وابن حبان في (صحيحه) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤، من طريق: الحسن بن صالح، عن السُّدِّيُّ، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب ﵁ قال: لقيت خالي ومعه الراية ... الحديث. قال الحاكم: "حديث صحيحٌ على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. قلت: ومع أنه على شرط مسلم، إلا أنَّ السُّدِّي قد تَكَلَّمَ فيه غير واحدٍ، واحتمله بعضهم٥. وثَمَّةَ متابعة أخرى لأشعث بن سوار على روايته هذه، فقد

стр. 1229

أخرجه الإمام أحمد في (مسنده) ١ - ومن طريقه الحاكم في (المستدرك) ٢ - من طريق: شعبة، عن ربيع بن ركين، قال: سمعت عدي بن ثابت يحدث عن البراء بن عازب، قال: مرَّ بنا ناسٌ منطلقون ... الحديث. والربيع هذا: هو الربيع بن رُكَيْن بن ربيع بن عميلة الفزاري، ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٣ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وبقية الإسناد ثقات. فهذا حديث أشعث بن سوار - ومن تابعه على روايته -: عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب ﵁، على خلاف في رواية أشعث تقدم بيانه. وقد خالف هؤلاء جميعاً: زيد بن أبي أنيسة٤، فأخرجه أبو داود، والنسائي في (سننيهما) ٥، والدارمي في (مسنده) ٦، والحاكم في (المستدرك) ٧، كلهم من طريق:

стр. 1230

عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء١، عن أبيه، قال: لقيت عمي ومعه راية، فقلت له: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجلٍ نكح امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه، وآخذ ماله". هكذا، فزاد في إسناده "يزيد بن البراء" بين عدي والبراء. وزاد في متنه: "الأمر بأخذ ماله". وجاء أول السند عند الحاكم هكذا: "حدثني ابن أبي أنيسة"، وكأنه شيخه، وفي أول سنده سقطٌ ولا بدّ؛ فأين الحاكم من ابن أبي أنيسة؟! ويزيد بن البراء: وَثَّقَه العجلي٢، وابن حبان٣، وبقية الإسناد ثقاتٌ. وقد قَدَّمَ أبو حاتم ﵀ حديثَ ابن أبي أنيسة هذا على حديث أشعث بن سَوَّار ومن وافقه، فقد سأله ابن أبي حاتم عن حديث أبي خالد الأحمر، عن أشعث، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء عن خاله. وحديث حفص بن غياث، عن أشعث، عن عدي، عن البراء، فقال ﵀: "وَهِمَا جميعاً، إنما هو كما رواه زيدُ بن أبي أنيسة، عن عديّ، عن يزيد بن البراء، عن البراء، عن خاله أبي بردة. ومنهم من يقول: عن عمه أبي بردة"٤.
следующие страницы →