٤- باب فيمن تزوج بامرأة أبيه
٩٩- (٥) عن البراء بن عازب ﵁، قال: "بَيْنَمَا أَنَا أَطُوفُ على إبلٍ لي ضَلَّتْ، إذ أَقْبَلَ رَكْبٌ - أو فوارس - معهم لواء، فجعلَ الأعرابُ يُطِيفونَ بي لِمَنْزِلَتِي من النبي ﷺ ، إِذْ أَتَوا قُبَّةً، فاسْتَخْرَجُوا منها رَجُلاً، فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَسَأَلْتُ عنه، فذكروا أنه أَعْرَسَ بامرأةِ أبيهِ".
ذكر المنذري في (مختصر السنن) ١ أن هذا الحديث قد اخْتُلِفَ فيه اختلافاً كثيراً، فروي عن البراء على عدة أوجه.
فقال ابن القيم ﵀ معقباً عليه:
"وهذا كُلُّه يدلُّ على أن الحديثَ محفوظٌ، ولا يوجبُ هذا تركه بوجهٍ".
ثم أخذ في التوفيق بين الأوجه التي ظاهرها التعارض في إسناد الحديث، ثم قال: "والحديث له طرقٌ حسان يُؤَيِّدُ بعضها بعضاً"٢ فساق جملة منها.
قلت: هذا الحديث يروى عن عديّ بن ثابت٣، واختلف عليه:
стр. 1227
فأخرجه الترمذي في (جامعه) ١، وابن ماجه في (سننه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣، والدارقطني في (السنن) ٤، وابن أبي حاتم في (العلل) ٥ من طرق، عن:
أشعث بن سَوَّار، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب ﵁، أنه قال: مرَّ بي خالي أبو بردة بن نيار٦ ومعه لواء، فقلت: أين تريد؟ قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى رجلٍ تَزَوَّجَ امرأة أبيه، أن آتيه برأسه". هذا لفظ الترمذي، وابن أبي حاتم.
كذا وقعت رواية أشعث عند هؤلاء الجماعة، وأخرجه ابن أبي حاتم٧، والبيهقي في (سننه) ٨ من طريق:
أبي خالد الأحمر، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء، عن خاله: "أن رجلاً تزوج امرأة أبيه أو امرأة ابنه، فأرسل إليه النبي ﷺ فقتله". كذا بجعل "يزيد بن البراء" مكان أبيه، وبالشكِّ في متنه.
стр. 1228
وقد وقع في البيهقي: " ... عن يزيد بن البراء، عن البراء" على الجادة، وهو خطأ، فقد جاء عند ابن أبي حاتم على الصواب بدون ذكر البراء، وسيأتي من كلام أبي حاتم ما يدلُّ على صحة ذلك.
وقد تابع أشعثَ بن سَوَّار على الإسناد الأول - عدي بن ثابت، عن البراء -:السُّدِّيُّ١. فأخرجه النسائي في (سننه) ٢، وابن حبان في (صحيحه) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤، من طريق:
الحسن بن صالح، عن السُّدِّيُّ، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب ﵁ قال: لقيت خالي ومعه الراية ... الحديث.
قال الحاكم: "حديث صحيحٌ على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
قلت: ومع أنه على شرط مسلم، إلا أنَّ السُّدِّي قد تَكَلَّمَ فيه غير واحدٍ، واحتمله بعضهم٥.
وثَمَّةَ متابعة أخرى لأشعث بن سوار على روايته هذه، فقد
стр. 1229
أخرجه الإمام أحمد في (مسنده) ١ - ومن طريقه الحاكم في (المستدرك) ٢ - من طريق:
شعبة، عن ربيع بن ركين، قال: سمعت عدي بن ثابت يحدث عن البراء بن عازب، قال: مرَّ بنا ناسٌ منطلقون ... الحديث.
والربيع هذا: هو الربيع بن رُكَيْن بن ربيع بن عميلة الفزاري، ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٣ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وبقية الإسناد ثقات.
فهذا حديث أشعث بن سوار - ومن تابعه على روايته -: عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب ﵁، على خلاف في رواية أشعث تقدم بيانه.
وقد خالف هؤلاء جميعاً: زيد بن أبي أنيسة٤، فأخرجه أبو داود، والنسائي في (سننيهما) ٥، والدارمي في (مسنده) ٦، والحاكم في (المستدرك) ٧، كلهم من طريق:
стр. 1230
عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء١، عن أبيه، قال: لقيت عمي ومعه راية، فقلت له: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجلٍ نكح امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه، وآخذ ماله". هكذا، فزاد في إسناده "يزيد بن البراء" بين عدي والبراء. وزاد في متنه: "الأمر بأخذ ماله".
وجاء أول السند عند الحاكم هكذا: "حدثني ابن أبي أنيسة"، وكأنه شيخه، وفي أول سنده سقطٌ ولا بدّ؛ فأين الحاكم من ابن أبي أنيسة؟!
ويزيد بن البراء: وَثَّقَه العجلي٢، وابن حبان٣، وبقية الإسناد ثقاتٌ.
وقد قَدَّمَ أبو حاتم ﵀ حديثَ ابن أبي أنيسة هذا على حديث أشعث بن سَوَّار ومن وافقه، فقد سأله ابن أبي حاتم عن حديث أبي خالد الأحمر، عن أشعث، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء عن خاله. وحديث حفص بن غياث، عن أشعث، عن عدي، عن البراء، فقال ﵀: "وَهِمَا جميعاً، إنما هو كما رواه زيدُ بن أبي أنيسة، عن عديّ، عن يزيد بن البراء، عن البراء، عن خاله أبي بردة. ومنهم من يقول: عن عمه أبي بردة"٤.
стр. 1231
وقد تَقَدَّمَ أنَّ أشعثَ بن سوار مع ضَعْفِهِ، اخْتُلِف عليه في رواية هذا الحديث إسناداً ومتناً، والمتابعون له: ما بين متكلم فيه، وهو: السُّدِّيُّ، ومجهول - أو كالمجهول - وهو الربيع بن ركين.
وأما ابن أبي أنيسة: فهو ثقةٌ، ولم يُخْتلف عليه مع ذلك، ولذلك قَدَّمَ أبو حاتم حديثه على حديث غيره، وإذا أمكن ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، فإنه لا يبقى هناك تعارض.
وأما ما وقع في حديث ابن أبي أنيسة من قول بعضهم: "خالي" بدل "عمي" - كما أشار إليه أبو حاتم قبل قليل -: فإنه لا يضرُّ، وقد أجاب عنه ابن القيم ﵀، فقال: " ... فإنَّ البراء بن عازب حَدَّثَ به عن أبي بردة ... وهو عمه وخاله، وهذا واقعٌ في النسب"١.
ومع ذلك: فقد روى الحديث من وجه آخر عن البراء بن عازب ﵁، فقد أخرجه: أبو داود في (سننه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣، والدارقطني في (سننه) ٤، والحاكم في (المستدرك) ٥ من طرق، عن:
стр. 1232
مُطَرِّف بن طريف١، عن أبي الجهم٢، عن البراء بن عازب ﵁، قال: بينا أنا أطوف على إبل لي ... الحديث. ولفظه هو الذي سقناه أول هذا البحث. وهو سياق أبي داود، وعند الباقين نحوه.
وهذا إسنادٌ رجالهُ ثقاتٌ رجال الصحيحين، خلا أبي الجهم، ومع ذلك فهو ثقة، قال الذهبي ﵀ في (تلخيص المستدرك) ٣: "قلت: إسناده مليح". وقال مرة: "صحيح"٤.
وقد حَسَّنَ ابن القيم هذا الطريق؛ فإنه قال: "والحديث له طرق حسان يقوِّي بعضها بعضاً، منها: مطرف عن أبي الجهم، عن البراء ... "٥.
وقد أورد ابن القيم ﵀ لهذا الحديث شاهداً من رواية معاوية بن قرة عن أبيه، عن جده، بنحو حديث البراء المتقدم، ثم نقل عن ابن معين قوله: "هذا إسناد صحيح"٦. قلت: وقال البوصيري
стр. 1233
أيضاً: "إسناد صحيح رجاله ثقات"١.
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث وإن كان في بعض طرقه اضطراب، فإن له طرقاً أخرى صحيحة لا مطعن فيها، ولا علة لها، فيكون الاعتماد عليها في الحكم بصحة هذا الحديث - أو حُسْنِهِ على الأقل - كمال حكم ابن القيم ﵀ بحسن هذه الطرق، وذهب إلى أنها يؤيد بعضها بعضاً. ثم أيَّد ذلك بشاهد قويٍّ من حديث معاوية ابن قرة عن أبيه عن جده.
стр. 1234
٥- باب في أنه لا يقتل المسلم بالكافر
ذكر ابن القيم ﵀ بعضَ الأحاديث الواردة في قتل المسلم بالكافر، وَبَيَّنَ أنها معلولة، قال: "وأما الحديث الذي ذكره أبو داود في (المراسيل) عن:
١٠٠- (٦) عبد الله بن عبد العزيز الحضرمي، قال: قَتَلَ رسول الله ﷺ يومَ خيبرَ مسلماً بكافرٍ، قَتَلَهُ غِيلَةً١، وقال: "أنا أَوْلَى، وَأَحقُّ من أَوْفَى بِذِمَّتِه": فمرسل لا يثبت" ٢.
قلت: أخرجه أبو داود في (المراسيل) ٣ من طريق:
ابن وهب، عن عبد الله بن يعقوب٤، عن عبد الله بن عبد العزيز بن صالح٥ به، وفيه: "أنا أولى أو أحق".
ووقع في (تحفة الأشراف) ٦ أن ذلك كان يوم "حنين"، والذي أثبته ابن القيم ﵀ هو الموجود في نسختين من (المراسيل) ،
стр. 1235
ولكن وقع في (تهذيب التهذيب) ١ ما يوافق نقل المزي، وكذا في (نصب الراية) ٢، فالظاهرُ أنه الصواب، وقد رَجَّحَه محقق (تحفة الأشراف) .
وهذا الحديث - مع إرساله - في إسناده مجهولان: "الحضرمي" مُرسِلُه عن النبيِّ ﷺ ، و"عبد الله بن يعقوب" الراوي عنه، وبهما أَعَلَّهُ ابن القطان رحمه الله٣.
ثم أشار ابن القيم ﵀ إلى مرسلٍ آخر يرويه ابن البيلماني، ثم قال: "ولا يصحُ من الوجهين: الإرسال، وابن البيلماني"٤. ولم يذكر ابن القيم لفظه، وهو:
١٠١- (٧) عن عبد الرحمن بن البيلماني: أن رسول الله ﷺ أُتِيَ برجلٍ من المسلمين قَتَلَ معاهداً من أهل الذمة، فَقَدَّمَ رسول الله ﷺ المسلم، فضَرَب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : "أنا أولى من وَفَّى بِذِمَّتِه".
قال ابن القيم ﵀: "وقد أسنده بعضهم من حديث ابن البيلماني، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . ولا يصحُّ، وهذا الحديث مداره على ابن البيلماني، والْبَلِيَّة فيه منه، وهو مجمعٌ على ترك الاحتجاج به، فضلاً عن تقديم روايته على أحاديث الثقات الأئمة، المخرجة في
стр. 1236
الصحاح كلها"١.
قلت: قد رُوِيَ حديث ابن البيلماني هذا مرسلاً، ومسنداً.
أما المرسل: فقد أخرجه أبو داود في (المراسيل) ٢ - ومن طريقه: الحازمي في (الاعتبار) ٣ - من طريق: ابن وهب، عن سليمان بن بلال. وأخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) ٤- ومن طريقه: الدارقطني في (سننه) ٥ - من طريق: عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج. وأخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) ٦ - ومن طريقه: الدارقطني٧، والبيهقي٨، والحازمي٩ - عن: الثوري. وأخرجه البيهقي في (سننه) ١٠ من طريق: سعيد بن منصور، عن عبد العزيز بن محمد. كلهم عن:
ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن البيلماني١١، عن
стр. 1237
النبي ﷺ به، واللفظ المذكور هو لفظ أبي داود، وفي آخره: "قال ابن وهب: تفسيره أنه قتله غيلة". وألفاظ الباقين بنحوه.
وأخرجه الشافعي في (مسنده) ١، والبيهقي في (سننه) ٢ من طريق: إبراهيم بن محمد، عن:
محمد بن المنكدر، عن ابن البيلماني، عن النبي ﷺ بنحو لفظ أبي داود.
فهكذا روي هذا المرسل عن ربيعة، ومحمد بن المنكدر، كلاهما عن ابن البيلماني به، لكن روى البيهقي بإسناده إلى أبي عبيد القاسم بن سلاّم، أنه قال: " ... بلغني عن ابن أبي يحيى أنه قال: أنا حَدَّثتُ ربيعة بهذا الحديث. فإنما دار الحديث على ابن أبي يحيى، عن عبد الرحمن بن البيلماني ... "٣.
ومهما يكن من أمر، فإن هذا المرسلَ ضعيفٌ، لوجود ابن البيلماني في إسناده، فإنه ضعيف عند جمهور العلماء٤، ولذلك قال الدارقطني عقبه: "وابن البيلماني ضعيفٌ لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله". ونقل البيهقي في (سننه) ٥ عن صالح بن محمد جزرة أنه قال: "عبد الرحمن بن البيلماني حديثه منكر، وروى عنه
стр. 1238
ربيعة: أن النبي ﷺ قتل مسلماً بمعاهد، وهو مرسلٌ منكر".
وفي الطريق الآخر: "إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى" وهو متروك الحديث باتفاقهم، فإذا نظرنا في كلام أبي عبيد الماضي: في أن ربيعة إنما أخذه من ابن أبي يحيى، وأنَّ الحديث حديث ابن أبي يحيى، فإنَّ هذا الإسناد يكون معلولاً بهذين الرجلين: ابن أبي يحيى، وابن البيلماني، هذا بالإضافة إلى كونه مرسلاً غير مسند. هذا فيما يتعلق بالطريق المرسل.
وأما الطريق المسند: فقد أخرجه الدارقطني في (سننه) ١ - ومن طريقه البيهقي في (سننه) ٢ - من طريق:
عمَّار بن مطر، عن إبراهيم بن محمد، عن ربيعة، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قَتَلَ مسلماً بمعاهدٍ، وقال: "أَنَا أَكْرَم مَن وَفَّى بذمته".
وهذه الرواية الموصولة فيها عدة علل، كما بَيَّنَ ذلك الأئمة ﵏:
قال الدارقطني: "لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك الحديث، والصواب: عن ربيعة، عن ابن البيلماني - مرسلٌ - عن النبي ﷺ "٣. ثم ذكر ضعف ابن البيلماني، وقد سبق. وقال البيهقي:
стр. 1239
"هذا خطأ من وجهين: أحدهما: وصله بذكر ابن عمر فيه، وإنما هو: عن ابن البيلماني، عن النبي ﷺ مرسلاً. والآخر: روايته عن إبراهيم، عن ربيعة، وإنما يرويه إبراهيم عن: ابن المنكدر، والحمل فيه على عمار بن مطر الرُّهَاوي؛ فقد كان يقلب الأسانيد، ويسرق الأحاديث حتى كثر ذلك في رواياته، وسقط عن حد الاحتجاج به"١. وقال الحازمي - بعد أن ذكر الجماعة الذين رووه مرسلاً -: "وقد خالفهم إبراهيم بن أبي يحيى في ذلك، فرواه عن: ربيعة، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر مرفوعاً. وليس ابن أبي يحيى ممن يُفْرح بحديثه"٢. وقال الحافظُ ابن حجر: "وَتَبَيَّنَ أنَّ عمار بن مطر خَبَطَ في سنده"٣.
قلت: وعمار بن مطر - الذي جاء منه البلاء والخبط في هذا الحديث -: هو أبو عثمان الرُّهَاوي، ضَعَّفَهُ الأئمة ورموا أحاديثه بالنكارة، فقال أبو حاتم: "كان يكذب"٤. وقال العقيلي: "يُحَدِّث عن الثقات بمناكير"٥. وقال ابن حبان: "يروى عن ابن ثوبان وأهل العراق المقلوبات، يسرق الحديث ويقلبه ... "٦. وقال ابن عدي: "متروك
стр. 1240
الحديث ... الضعف على رواياته بَيِّنٌ"١. وقال الدارقطني: "ضعيف"٢. وقال الذهبي: "هالك"٣.
فتلخص أن هذا المسند فيه بلايا: عمار بن مطر الهالك، وابن أبي يحيى المتروك، وابن البيلماني الضعيف، ومع كل ذلك: فإنَّ وَصْلَهُ خطأٌ، وأنَّ الصواب: إرساله، وهذا المرسل ضعيف أيضاً، لا يثبت مثله، وقد تقدم ذلك كله في كلام ابن القيم ﵀.
стр. 1241
٦ - باب البدء في القسامة بأيمان المدعي
١٠٢- (٨) عن سهل بن أبي حَثْمَةَ: أن نفراً من قومه انطلقوا إلى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فيها، فَوَجَدُوا أَحَدَهُم قتيلاً، فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم صَاحِبَنَا. فقالوا: ما قَتَلْنَاه ولا علمنا قاتلاً، فانطلقنا إلى نَبِيَّ الله ﷺ ، قال: فقال لَهُم: "تَأْتُونِي بِالبَيِّنَة على من قَتَلَ هذا؟ " قالوا: مَا لَنَا بَيِّنة، قال: "فَيَحْلِفُوَن لكم؟ " قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فَكَرِهَ النبي ﷺ أن يبطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مائة من إبل الصَّدَقَةِ.
هكذا رُوِيَ هذا الحديث عند أبي داود وجماعة، والمشهور في هذه القصة خلافه، حيث بدأ النبي ﷺ بأيمان الْمُدَّعِين، فلما لم يحلفوا طلب أيمان اليهود، ولا ذكر فيه للبينة. ووقع فيه خلاف آخر ستأتي الإشارة إليه.
قال ابن القيم ﵀: "والصَّوابُ: روايةُ الجماعة الذين هم أئمةٌ أثباتٌ: أنه بدأَ بأَيمان الْمُدَّعِين، فلما لم يحلفوا ثَنَّى بأيمانِ اليهود. وهذا هو المحفوظُ في هذه القصة، وما سواه وَهْمٌ"١.
قلت: هذا الحديث أخرجه البخاري في (صحيحه) ٢، وأبو داود، والنسائي في (سننيهما) ٣، وكذا الدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٤ من
стр. 1242
طرق، عن: أبي نعيم١. وأخرجه مسلم في (صحيحه) ٢ من طريق: عبد الله بن نمير. كلاهما عن:
سعيد بن عبيد٣، عن بشير بن يسار٤، عن سهل بن أبي حَثْمَةَ٥ ﵁ به. واللفظ المذكور هو لفظ أبي داود، ولفظ الباقين مثله، غير أنه جاء عند البخاري: " ... فَكَرِهَ أن يُطَلَّ٦ دمه" بدل "يبطل" عند الآخرين. أما مسلم، فإنه لم يسق لفظه في (صحيحه) . وساقه في كتابه (التمييز) بنحو لفظ البخاري، وسيأتي كلامه.
هكذا رواه سعيد بن عبيد، عن بشير، وخالفه يحيى بن سعيد القطان، فأخرجه مسلم في (صحيحه) ٧، والنسائي في (سننه) ٨، والشافعي في (رواية المزني) ٩ ثلاثتهم من طريق: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي. وأخرجه مسلم١٠ أيضاً، والترمذي١١، والنسائي١٢، ثلاثتهم
стр. 1243
من طريق: الليث بن سعد. وأخرجه الترمذي١ وحده من طريق: يزيد ابن هارون. وأخرجه مسلم، والنسائي٢، والدارقطني٣ من طريق: بشر ابن الفضل. وأخرجه النسائي٤، والشافعي٥ من طريق: سفيان بن عيينة. كلهم عن:
يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حَثْمَةَ - ووقعَ في رواية الليث بن سعد: عن سهل بن أبي حثمة، قال يحيى: وحسبت عن رافع بن خديج - أنهما قالا: خرج عبد الله بن سهل بن زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد، حتى إذا كانا بخيبر تفرقا في بعض ما هنالك.." فساقا الحديث بنحو ما تقدم، وفيه: فذكروا لرسول الله ﷺ مقتل عبد الله بن سهل، فقال لهم: "أتحلفون خمسين يميناً فتستحقون صاحبكم؟ " قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد؟ قال: "فتبرئكم يهود بخمسين يميناً؟ " قالوا: وكيف نقبلُ أيمان قومٍ كُفَّار؟ فما رأى ذلك رسول الله ﷺ أعطى عقله٦.
هذا سياق مسلم، ولفظ الآخرين نحوه.
فقد خالف يحيى بن سعيد - في حديثه هذا - سعيد بن عبيد في
стр. 1244
موضعين: فلم يذكر فيه سُوءَالَهُم البَيِّنَة، وذكر فيه طلبَ النَّبِيِّ ﷺ أيمان الْمُدَّعين.
فذهب بعض أهل العلم إلى تقديم رواية يحيى بن سعيد، وقد قَرَّرَ ذلك الإمام مسلم ﵀ في كتابه (التمييز) فقال - بعد أن ساق الحديث بإسناده إلى سعيد بن عبيد -: "هذا خبرٌ لم يحفظه سعيد ابن عبيد على صحته، ودخله الوهمُ حتى أغفل موضع حُكْمِ رسول الله ﷺ على جهته. وذلك أن في الخبر حكم رسول الله ﷺ بالقسامة: أن يحلف المدَّعون خمسين يميناً ويستحقون قاتلهم، فأبوا أن يحلفوا، فقال النبي ﷺ : تبرئكم يهود بخمسين يميناً. فلم يقبلوا أيمانهم، فعند ذلك أعطى النبي ﷺ عقله"١. ثم ساق الحديث من عدة طرق إلى يحيى بن سعيد على نحو ما تقدم، ثم قال: "وَتَواُطُؤ هذه الأخبار التي ذكرناها بخلاف رواية سعيد، يَقْضِي على سعيد بالغلط والوهم في خبر القسامة. وغير مشكل على من عقل التمييز من الحفاظ من نقلة الأخبار، ومن ليس كمثلهم: أن يحيى بن سعيد أحفظ من سعيد بن عبيد، وأرفع منه شأناً في طريق العلم وأسبابه"٢.
ونقل ابن القيم ﵀ عن النسائي قوله: "لا نعلمُ أحداً تابع سعيد بن عبيد على روايته عن بشير بن يسار"٣.
стр. 1245
وقال المنذري - في كلامه على حديث سعيد بن عبيد-: "وقد ذكرنا ... اتفاق الحفاظ على البداءة بالمدعين"١.
فهذا مسلك هؤلاء في هذين الخبرين.
ورأى آخرون أنه لا تعارضَ بين الروايتين، وأن الجمع ممكن، فقال البيهقيُّ ﵀: "وإن صَحَّتْ رواية سعيد فهي لا تخالف رواية يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، لأنه قد يريد بالبَيِّنَة: الأيمان مع اللَّوث٢، كما فسره يحيى بن سعيد، وقد يطالبهم بالبينة - كما في هذه الرواية - ثم يعرض عليهم الأيمان مع وجود اللوث، كما في رواية يحيى بن سعيد، ثم يَرُدُّها على الْمُدَّعَى عليهم عند نكول الْمُدَّعِين، كما في الروايتين"٣.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: " ... في رواية سعيد بن عبيد: لم يذكر عرض الأيمان على المدعين، كما لم يقع في رواية يحيى بن سعيد طلب البينة أولاً، وطريق الجمع أن يقال: حَفِظَ أحدهم مالم يحفظ الآخر، فيحمل على أنه طلب البينة أولاً فلم تكن لهم بينة، فعرض عليهم الأيمان فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم فأبوا". قال: "وقد وجدنا لطلب البينة في هذه القصة شاهداً من وجه آخر، أخرجه النسائي٤ من طريق: عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن
стр. 1246
ابن محيصة الأصغر أصبحَ قتيلاً على أبواب خيبر، فقال رسول الله ﷺ : "أَقِمْ شاهدين على من قتله، أَدْفَعْهُ إليك بِرِمَّتِهِ". قال: يا رسول الله أنَّى أصيبُ شاهدين، وإنما أصبح قتيلاً على أبوابهم؟ قال: "فتحلف خمسين قسامة". قال: فكيف أحلف على ما لا أعلم. قال: "تستحلف خمسين منهم". قال: كيف وهم يهود؟. قال: "وهذا السندُ صحيحٌ حسنٌ، وهو نصٌ في الحمل الذي ذكرته، فتعين المصير إليه"١.
وكأنَّ ابن القيم ﵀ لم يستبعد إمكان الجمع أيضاً؛ فإنه بعد أن نقل كلام البيهقي السابق، قال: "ويدلُّ على ما ذكره البيهقي: حديث النسائي عن عمرو بن شعيب"٢. وهذا بعينه مسلك ابن حجر كما مرَّ، إلا أنه - مع ذلك - قد صَوَّبَ ما ذهب إليه الإمام مسلم ﵀ من ترجيح رواية يحيى بن سعيد، وتخطئة ما سواها.
قلت: ومسلكُ الجمع وجيهٌ؛ إذ إنَّ الجمع بين الوجوه التي ظاهرها التعارض، أولى من تخطئة الثقة بلا برهانٍ واضحٍ، وبَيِّنَةِ ظاهرة، لا سيما وقد وُجِدَتْ متابعة لرواية سعيد بن عبيد، كما مضى في كلام ابن حجر ﵀.
ثم إنه قد وقع خلافٌ على يحيى بن سعيد في روايته، ففي رواية حماد بن زيد عند مسلم٣ وأبي داود٤، أنه ﷺ قال: "يُقْسِمُ خمسون
стр. 1247
منكم على رجلٍ منهم فيدفع برمته". قال البيهقي: "هكذا رواه حماد بن زيد ... والعدد أولى بالحفظ من الواحد"١. يعني أنهم لم يذكروا قوله: "على رجلٍ منهم".
وَثَمَّةَ خلاف آخر على يحيى بن سعيد؛ فقد أخرج البيهقي ﵀ هذا الحديث من طريق ابن عيينة، عن يحيى، وفيه قوله ﷺ : "فتبرئكم يهود بخمسين يميناً ... " ٢. فَقَدَّمَ أيمان اليهود.
قال أبو داود - وقد أشار إلى هذه الرواية -: "وهذا وَهْمٌ من ابن عيينة"٣.
وقد نقل الشافعي عن ابن عيينة أنه لم يتقنه، فقال: "فكان سفيان يحدثه هكذا، وربما قال: لا أدري أَبَدَأَ رسول الله ﷺ الأنصارَ في اليمين أم يهود؟ فقال له: إن الناس يحدثون أنه بدأ الأنصار، قال: فهو ذلك. وربما حَدَّثَهُ ولم يشكّ فيه"٤. واستدلَّ البيهقي ﵀ بذلك على أن ابن عيينة لم يتقنه إتقان الجماعة الكثيرين الذين رووه عن يحيى بخلاف ذلك٥.
стр. 1248
فتلخص من ذلك: أن ابن القيم ﵀ قد اختار رواية من روى البدءَ بأيمان الْمُدَّعِين، ولم يذكر طلبَ البينة، ورأى أنَّ ذلك هو الصواب، وأن ما عدا ذلك وَهْمٌ من قائله. وقد سبقه إلى ذلك: الإمام مسلم، والنسائي رحمهما الله. ومع ذلك، فإن القولَ بالجمع بين الخبرين، وعدم تعارضهما قول لا ينبغي إهماله أيضاً؛ لأن التأليف بين الأخبار أولى؛ لكون ذلك فيه إعمال لها جميعاً كما مضى، والله أعلم.
стр. 1249
من كتاب الأدب
١ ـ باب كم مرة يشمت العاطس ؟
...
١ - باب كم مرة يشمت العاطس؟
١٠٣- (١) عن أبي هريرة موقوفاً عليه: "شَمِّتْ١ أخَاكَ ثَلاثَاً، فما زَادَ فهو زُكَامٌ".
ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث وعزاه إلى أبي داود، ثم ذكر أن أبا داود أخرجه من وجه آخر عن ابن عجلان، وفيه قول سعيد المقبري: "لا أعلمه إلا أنه رَفَعَ الحديث - يعني أبا هريرة - إلى النبي ﷺ ". ثم ذكرَ روايةً أُخرى عَلَّقَها أبو داود أيضاً، ثم حَكَمَ عليها بالحسن٢.
قلت: أما الرواية الموقوفة، فقد أخرجها أبو داود في (سننه) ٣ من طريق: يحيى القطان. والبخاري في (الأدب المفرد) ٤ من طريق: ابن عيينة، كلاهما عن: محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري٥، عن أبي هريرة ﵁ به.
وفي إسناده "محمد بن عجلان"، وقد تُكُلِّم في روايته عن المقبري،
стр. 1250
عن أبي هريرة، قال يحيى القطان: "سمعتُ محمد بن عجلان يقولُ: كان سعيدٌ المقبري يُحَدِّث عن أبيه عن أبي هريرة، وعن أبي هريرة، فاختلط عليَّ فجعلتها كلها عن أبي هريرة"١.
قال ابن حبان عقب إيراده هذه الحكاية: "وليس هذا مما يَهِي الإنسان به؛ لأن الصحيفة كلها في نفسها صحيحة، فما قال ابن عجلان: عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. فذاكَ مما حَمَلَ عنه قديماً قبل اختلاط صحيفته عليه، وما قال عن سعيد عن أبي هريرة: فبعضها متصل صحيحٌ، وبعضها منقطع لأنه أسقط أباه منها، فلا يجب الاحتجاج - عند الاحتياط - إلا بما يَرْوي الثقات المتقنون عنه عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة ... "٢.
فَتَبَيَّنَ من هذا أن ما ينفردُ به ابنُ عجلان عن المقبري عن أبي هريرة: ينبغي التوقف فيه احتياطاً، لاحتمال أن يكون منقطعاً.
فإن قيل: وعلى القول بالانقطاع فإنه لا يضرُّ؛ لأنَّ الواسطة بين المقبري وأبي هريرة: "أبو سعيد المقبري"، ومع العلم بالواسطة فإنه لا يضر سقوطها؟
قيل: إنَّ تخليط ابن عجلان في حديث سعيد المقبري ليس قاصراً على رواية المقبري عن أبيه، بل منها ما كان عن سعيد عن غير أبيه، فقد
стр. 1251
وَرَدَ في حكايته آنفة الذكر: أن سعيداً كان يُحَدِّثُ عن أبيه، عن أبي هريرة. وعن رجل، عن أبي هريرة، فاختلط عليه فجعلهما عن أبي هريرة١.
وليس ذلك فحسب، بل اختلطت على ابن عجلان أحاديثُ المقبري عن أخيه عن أبي هريرة، وغيره من مشايخ سعيد، كما قاله النسائي رحمه الله٢.
هذا ما يتعلق بالكلام على إسناد هذا الحديث، أما من ناحية رفعه:
فقد أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والطبراني في (الدعاء) ٤، وابن السُنِّي في (عمل اليوم والليلة) ٥، ثلاثتهم من طريق:
الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة - قال: لا أعلمه إلا رفع الحديث إلى النبي ﷺ بمعنى الحديث المتقدم.
وأخرجه الطبراني في (الدعاء) ٦ من طريق ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ ... ، وقد تَقَدَّمَ أن
стр. 1252
البخاري أخرجه في (الأدب) من طريق ابن عيينة موقوفاً.
وقد رُوي مرفوعاً من وجهٍ آخر، عَلَّقَه أبو داود١ فقال: "رواه أبو نعيم، عن موسى بن قيس، عن محمد بن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة مرفوعاً".
ووصله الطبراني في (الدعاء) ٢، فقال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم ... به، إلا أنه وقع عنده: "موسى بن موسى الأنصاري" بدل "موسى بن قيس" وأشار المحقق إلى عدم وقوفه على ترجمته.
والرجل - كما جاء في إسناد أبي داود - هو موسى بن قيس٣، قال ابن القَيِّم: "هو الحضرميُّ الكوفيُّ، يعرفُ بعصفور الجنة، قال يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به"٤.
وقد حَسَّنَ ابن القَيِّم ﵀ حديث موسى بن قيس هذا، فقال: "وهو حديث حسن"٥.
وقد سألَ ابن أبي حاتم أباه عن حديث أبي هريرة هذا موقوفاً؟ فقال: "منهم من يرفعه" قلت: من يرفعه؟ وأيهما أصح؟ فقال: "قوم من الثقات يرفعونه"٦.
стр. 1253
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث يُروى عن أبي هريرة موقوفاً ومرفوعاً، وأن رَفْعَهُ زيادة من الثِّقَةِ فهي مقبولة، والحديث حَسَنٌ لغيره، وذلك أنه من رواية ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وقد تقدم أن الاحتياط التوقف في رواية ابن عجلان ما لم يتابع عليها، وقد وجدت الشيخ الألباني ﵀ نَبَّه على متابعة له تجعل حديثه مقبولاً، ولا ينزل عن درجة الحسن، وهي:
ما أخرجه الديلمي في (مسند الفردوس) من طريق: علي بن عاصم: حدثنا ابن جريج، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به.
أشار ﵀ إلى هذه المتابعة في (السلسلة الصحيحة) ١ ثم قال: "وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، غير علي بن عاصم، قال الحافظ: صدوقٌ يخطئ ويهم".
قلت: وحديثه لا بأس به في المتابعات، وإذا ضُمَّ إلى طرق حديث ابن عجلان المتقدمة تَقَوَّى كل منهما بالآخر.
وثمة متابعة أخرى لسعيد المقبري نفسه، وذلك فيما أخرجه ابن السني في (عمل اليوم والليلة) ٢ من طريق: محمد بن سليمان بن أبي داود٣، عن أبيه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن
стр. 1254
النبي ﷺ ، أنه قال: "إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، وإن زاد على ثلاث فهو مزكوم، ولا تشميت بعد ثلاث مرات".
وأشار النووي ﵀ إلى هذه الطريق في (الأذكار) ١ فقال: "وروينا في كتاب ابن السني - بإسناد فيه رجل لم أتحقق حاله، وباقي إسناده صحيح - عن أبي هريرة ... " فذكره.
قال ابن حجر ﵀ عقب نقله كلام النووي هذا: "الرجل المذكور هو: سليمان بن أبي داود الحراني، والحديث عندهما - يعني عند ابن السني وأبي يعلى- من رواية محمد بن سليمان عن أبيه، ومحمد موثَّق، وأبوه٢ يقال له: الحراني، ضعيف، قال فيه النسائي: ليس بثقة ولا مأمون"٣.
ولا شك أن هذه الطريق وإن كانت ضعيفة، فإنَّها تتقوى بما سبق، وإذا انضمت إلى الطريق السابقة أعطتها قوة.
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام: أن ابن القَيِّم ﵀ قد أشار إلى رواية ابن المسيب عن أبي هريرة الأخيرة، فبعد أن فرغ من الكلام على حديث ابن عجلان قال: "وفي الباب حديث آخر عن أبي هريرة يرفعه ... " فذكره، إلا أنه حدث له وهم يرحمه الله، وهو أنه جعل لهذا المتن إسناداً آخر، فقال: "وهذا الحديث هو حديث أبي داود الذي
стр. 1255
قال فيه: رواه أبو نعيم، عن موسى بن قيس، عن محمد بن عجلان، عن سعيد ... "١. وقد علم مما تقدم أنهما حديثان متغايران.
هذا، وقد حَسَّنَ حديث أبي هريرة من طريق المقبري: البغوي٢، والسيوطي٣، والألباني٤. وجوّد الحافظ العراقي إسناده٥.
ومن هذا يتبين أنَّ الحديث حسنٌ بتلك المتابعات، كما حَكَمَ بذلك ابن القَيِّم ﵀.
ومن الشواهد التي ذكرها ابنُ القَيِّم ﵀ لهذا الحديث:
١٠٤- (٢) حديث عبيد بن رفاعة الزرقي، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "تشمتُ العاطسَ ثلاثاً، فإنْ شئت فشَمِّتْهُ، وإن شئت فَكُفّ ".
قال ابن القَيِّم ﵀ عقب إيراده هذا الحديث: "ولكن له علتان:
إحداهما: إرساله؛ فإن عبيداً هذا ليست له صحبة.
والثانية: أن فيه أبا خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، وقد تُكِلِّم فيه"٦.
стр. 1256
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ١، والترمذي في (جامعه) ٢، وابن السني في (عمل اليوم والليلة) ٣، كلهم من طريق: عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن٤، وإلى هنا اتفقوا جميعا ثم حصل اختلاف:
فأما أبو داود وابن السُّني فقالا: عن يحيى بن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن أمه حميدة أو عبيدة بنت عبيد بن رفاعة، عن أبيها عبيد، عن النبي ﷺ .
وأما الترمذي فقال: عن عمر بن إسحاق بن أبي طلحة، عن أمه عن أبيها، كذا سماه عمر، ولم يسم أمه ولا أباها. ولذلك فقد قال الترمذي عقب إخراجه "حديث غريب، وإسناده مجهول". وَضَعَّفَهُ النوويُّ٥ معتمداً في ذلك على قول الترمذي.
ولكن تَعَقَّبَ الحافظ ابن حجر النوويَّ، فقال: "إطلاقه عليه الضعف ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من الغرابة الضعف، وأما وصف الترمذي إسناده بكونه مجهولاً: فلم يُرِدْ جميع رجال الإسناد؛ فإنَّ معظمهم
стр. 1257
مُوثَّقُون، وإنما وقع في روايته تغيير اسم بعض رواته وإبهام اثنين منهم". ثم ساق إسناد أبي داود وقال: "وهذا إسناد حسن، والحديث مع ذلك مرسل".
ثم ساق إسناد الترمذي، وقال: "وكأنه لم يمعن النظر، فمن ثم قال: إنه إسناد مجهول. وقد تَبَيَّنَ أنه ليس بمجهول، وأن الصوابَ: يحيى بن إسحاق، لا عمر"١.
فتبين من ذلك أنَّ هذا الحديث وإن كان مرسلا إلا أنه حسن الإسناد، وأبو خالد الدالاني وإن كان متكلماً فيه إلا أنه لا يصل إلى درجة من يُترك حديثه، وأن أقلَّ أحوالِ هذا المرسل أنه يصلحُ شاهداً لحديث أبي هريرة المتقدم، والله أعلم.
стр. 1258
٢ - باب هل يجزئ عن الجماعة أن يسلم أو يرد أحدهم ؟
١٠٥- (٣) عن علي ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يُجْزِئ عن الجماعةِ إذا مَرُّوا أن يُسَلِّم أَحَدُهُم، ويُجْزِئ عن الجُلوسِ أن يَرُدَّ أَحَدُهُم ".
قال ابن القَيِّم ﵀: "ذهب إلى هذا الحديث من قال: إنَّ الرَّد فرضُ كفاية، يقومُ فيه الواحدُ مقامَ الجميع، لكن ما أَحْسَنَهُ لو كان ثابتاً؛ فإنَّ هذا الحديث رواه أبو داود من رواية سعيد بن خالد الخُزاعي المدني. قال أبو زرعة الرازي: مدنِيٌّ ضعيف. وقال أبو حاتم الرازي: ضعيفُ الحديثِ. وقال البخاري: فيه نَظَرٌ. وقال الدارقطني: ليس بالقوي"١.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٢ - ومن طريقه البيهقي٣ - وابن السني في (عمل اليوم والليلة) ٤، ثلاثتهم من طريق:
سعيد بن خالد الخزاعي٥، حدثني عبد الله بن الفضل٦، حدثنا
стр. 1259
عبيد الله بن أبي رافع، عن عليِّ بن أبي طالب ﵁ به، واللفظ الذي ساقه ابن القَيِّم هو لفظ أبي داود. ولفظ ابن السُّني نحوه.
وأخرجه جماعة غير هؤلاء، ذكرهم الشيخ الألباني في (إرواء الغليل) ١.
والحديثُ بهذا الإسنادِ ضعيفٌ؛ لضعف سعيد بن خالد كما مَرَّ من كلام ابن القَيِّم ﵀. وقال الدارقطني: "الحديثُ غيرُ ثابت، تَفَرَّد به سعيد بن خالد المدني ... وليس بالقوي"٢. وَضَعَّفَهُ المنذريُّ٣ بسعيد هذا، وكذا الضياء المقدسي٤.
وللحديث شاهدٌ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أشارَ إليه الشيخ الألباني٥ ﵀، وأخرجه ابن السُّنِّي في (عمل اليوم والليلة) ٦ من طريق: حفص بن عمرو بن زريق، ثنا عبد الرحمن بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قيل يا رسول الله! القوم يمُرُّون يسلِّم رجل منهم، يجزئ ذلك عنهم؟ قال: "نعم". قال: فيردُّ رجل من القوم، أيجزئ
стр. 1260
ذلك عنهم؟ قال: "نعم".
وهذا الإسناد رجاله ثقات، غير حفص بن عمرو فلم أقف على من تَرْجَمَهُ، وعبد الرحمن بن الحسن: كذا هو عند ابن السُّنِّي، وصوابه: عبد الله، فهو عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب١، فقد أورده الشيخ الألباني في (الإرواء) ٢ من رواية أبي سهل القَطَّان في (حديثه) ، فقال فيه: عبد الله بن حسن بن حسن بن علي ...
وله شاهد آخر أرشد إليه الشيخُ الألباني ﵀، وهو من رواية الحسن بن علي ﵁، أورده الهيثميُّ في (مجمع الزوائد) ٣ بمثل لفظ حديث أبي سعيد المتقدم قبل قليل، ثم قال: "رواه الطبراني، وفيه كثير بن يحيى، وهو ضعيف".
ويشهد له أيضاً: ما أخرجه مالكٌ في (الموطأ) ٤ عن زيد بن أسلم، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يُسَلِّمُ الراكبُ على الماشي، وإذا سَلَّمَ مِن القوم واحدٌ أجزأَ عنهم". والمراد: الإجزاء في الردِّ٥.
стр. 1261
قال الإمام النووي ﵀: "هذا مرسلٌ صحيحُ الإسناد"١. وقال الشيخ الألباني: "وزيد بن أسلم ثقةٌ عالم من رجال الستة، وكان يرسل، وهذا من مرسلاته"٢. وقال الشيخ الأرناؤوط: "مرسلٌ صحيح"٣.
وقد تابعَ مالكاً على هذا المرسل: ابن جريج، فأخرجه ابن عبد البَرِّ في (التمهيد) ٤ بإسناده إليه، عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مَرَّ القوم على المجلس فَسَلَّمَ منهم رجلٌ، أجزأَ ذلك عنهم. وإذا رَدَّ من أهلِ المجلس رجلٌ أجزأ ذلك عنهم".
ولعلَّ الحديث بهذه الشواهدِ يَتَقَوَّى فيصلُ إلى رتبةِ الحَسَنِ، وقد حَسَّنَه أبو سعيد النيسابوري في (الأربعين) كما نقله عنه الشيخُ الألباني، ثم تعقبه بقوله: "ولعله يعني: حسن لغيره"٥. وقال ابن عبد البر: "حديث حسن لا معارضَ له"٦. وحسَّنَه الشيخُ الألباني أيضاً٧.
فإذا تقرر ذلك، فإنَّ ابن القَيِّم ﵀ لم يكن مُصيباً في القول بعدم ثبوت الحديث، ولعله لم يتهيأ له الوقوف على شواهده؛
стр. 1262
فإنَّ الحديث حسن لغيره بشواهد عديدة كما تقدم، والله أعلم.
وقد استدلَّ بهذا الحديث: مالكٌ والشافعيُّ وأصحابهما على أن رَدَّ السَّلام فرضٌ على الكفاية، إذا قامَ به بعض القوم أجزأ عن غيرهم١، وقد أشار ابن القَيِّم ﵀ إلى ذلك أول البحث.
стр. 1263
٣ - باب ما جاء في المصافحة
١٠٦- (٤) عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "مِنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ: الأَخْذُ باليَدِ " ١.
ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث في (تهذيب السنن) ٢، ثم قال:"وله علتان:
إحداهما: رواية يحيى بن سُلَيْم له.
والثانية: أن راويه عن ابن مسعود رجلٌ مجهولٌ". ثم نقل عن الترمذي أنه سألَ البخاريَّ عنه، فلم يُعُدَّه محفوظاً.
قلت: هذا الحديث أخرجه: الترمذيُّ في: (جامعه) ٣، و (علله) ٤، وأبو أحمد الحاكم في (الفوائد) ٥ من طريق: يحيى بن سليم الطَّائفي، عن سفيان، عن منصور، عن خيثمة٦، عن رجلٍ، عن ابن مسعود ﵁ به.
стр. 1264
وقد أَعَلَّ الأئمة هذا الحديث وَضَعَّفُوه، فقال الترمذي عقبه: "هذا حديث غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم عن سفيان، وسألت محمدَ بنَ إسماعيل عن هذا الحديث، فلم يُعدَّه محفوظاً، وقال: إنما أراد عندي: حديث سفيان، عن منصور، عن خيثمة، عمن سمع ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "لا سَمَرَ إلا لِمُصَلٍّ أو مُسَافِرٍ".
قلت: فقد حمل البخاريُّ ﵀ في هذا الحديث على يحيى بن سليم الطائفي، وأنه انقلبَ عليه، فجاء بمتنِ حديثِ الأخذِ باليد فَرَكَّبَهُ على إسناد حديث آخر، وهو حديث: "لا سَمَرَ إلا لِمُصَلٍّ ... " ١.
وقال البخاري مرة: "هذا حديث خطأ"٢. ثم بيَّنَ الصوابَ في حديث المصافحة هذا، فقال: "وإنما يُرْوَى عن منصور، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد - أو غيره - قال: من تَمَام التحية ... "٣. كذا في (جامع الترمذي) ، وفي (العلل) ٤ له: "وإنما يُروى عن منصور، عن الأسود بن يزيد - أو عبد الرحمن بن يزيد - أنه قال ... ".
ويحيى بن سليم: سيئُ الحفظ، يَهِمُ ويخطئ، ولذلك قال الإمام
стр. 1265
أحمد: "أتيته فكتبت عنه شيئاً، فرأيته يُخَلِّطُ في الأحاديث فتركته"١. وخطَّأه غيره.
وقال أبو حاتم ﵀: "حديثٌ باطلٌ"٢ ولَعَلَّه ﵀ يشير إلى العِلَّة التي ذكرها البخاري. وقد ذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمة يحيى الطائفي من (ميزانه) ٣ على عادته في ذكر شئٍ من حديث الراوي مما انفرد به، أو أُنْكِرَ عليه.
وقد ضَعَّفَ إسناده أيضاً: الحافظُ ابن حجر، فقال: "إسناده ضعيف"٤ وقال مرة: "في سنده ضعف"٥.
ويضافُ إلى ما تَقَدَّمَ: الجهالةُ في إسناده، حيث لم يُسَمّ الرَّاوي عن ابن مسعود ﵁، وقد أشار الزيلعي إلى ذلك، فقال: "وفيه أيضاً مجهولٌ"٦. ونقل المناوي في (فيض القدير) ٧ عن المنذريِّ مثل ذلك.
وقد أورد الشيخُ الألبانيُّ هذا الحديث في (السلسلة الضعيفة) ٨،