← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 11401

ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها

جمال بن محمد السيد

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

قال الإمام النووي ﵀: "هذا مرسلٌ صحيحُ الإسناد"١. وقال الشيخ الألباني: "وزيد بن أسلم ثقةٌ عالم من رجال الستة، وكان يرسل، وهذا من مرسلاته"٢. وقال الشيخ الأرناؤوط: "مرسلٌ صحيح"٣. وقد تابعَ مالكاً على هذا المرسل: ابن جريج، فأخرجه ابن عبد البَرِّ في (التمهيد) ٤ بإسناده إليه، عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مَرَّ القوم على المجلس فَسَلَّمَ منهم رجلٌ، أجزأَ ذلك عنهم. وإذا رَدَّ من أهلِ المجلس رجلٌ أجزأ ذلك عنهم". ولعلَّ الحديث بهذه الشواهدِ يَتَقَوَّى فيصلُ إلى رتبةِ الحَسَنِ، وقد حَسَّنَه أبو سعيد النيسابوري في (الأربعين) كما نقله عنه الشيخُ الألباني، ثم تعقبه بقوله: "ولعله يعني: حسن لغيره"٥. وقال ابن عبد البر: "حديث حسن لا معارضَ له"٦. وحسَّنَه الشيخُ الألباني أيضاً٧. فإذا تقرر ذلك، فإنَّ ابن القَيِّم ﵀ لم يكن مُصيباً في القول بعدم ثبوت الحديث، ولعله لم يتهيأ له الوقوف على شواهده؛

стр. 1262

فإنَّ الحديث حسن لغيره بشواهد عديدة كما تقدم، والله أعلم. وقد استدلَّ بهذا الحديث: مالكٌ والشافعيُّ وأصحابهما على أن رَدَّ السَّلام فرضٌ على الكفاية، إذا قامَ به بعض القوم أجزأ عن غيرهم١، وقد أشار ابن القَيِّم ﵀ إلى ذلك أول البحث.

стр. 1263

٣ - باب ما جاء في المصافحة ١٠٦- (٤) عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "مِنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ: الأَخْذُ باليَدِ " ١. ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث في (تهذيب السنن) ٢، ثم قال:"وله علتان: إحداهما: رواية يحيى بن سُلَيْم له. والثانية: أن راويه عن ابن مسعود رجلٌ مجهولٌ". ثم نقل عن الترمذي أنه سألَ البخاريَّ عنه، فلم يُعُدَّه محفوظاً. قلت: هذا الحديث أخرجه: الترمذيُّ في: (جامعه) ٣، و (علله) ٤، وأبو أحمد الحاكم في (الفوائد) ٥ من طريق: يحيى بن سليم الطَّائفي، عن سفيان، عن منصور، عن خيثمة٦، عن رجلٍ، عن ابن مسعود ﵁ به.

стр. 1264

وقد أَعَلَّ الأئمة هذا الحديث وَضَعَّفُوه، فقال الترمذي عقبه: "هذا حديث غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم عن سفيان، وسألت محمدَ بنَ إسماعيل عن هذا الحديث، فلم يُعدَّه محفوظاً، وقال: إنما أراد عندي: حديث سفيان، عن منصور، عن خيثمة، عمن سمع ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "لا سَمَرَ إلا لِمُصَلٍّ أو مُسَافِرٍ". قلت: فقد حمل البخاريُّ ﵀ في هذا الحديث على يحيى بن سليم الطائفي، وأنه انقلبَ عليه، فجاء بمتنِ حديثِ الأخذِ باليد فَرَكَّبَهُ على إسناد حديث آخر، وهو حديث: "لا سَمَرَ إلا لِمُصَلٍّ ... " ١. وقال البخاري مرة: "هذا حديث خطأ"٢. ثم بيَّنَ الصوابَ في حديث المصافحة هذا، فقال: "وإنما يُرْوَى عن منصور، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد - أو غيره - قال: من تَمَام التحية ... "٣. كذا في (جامع الترمذي) ، وفي (العلل) ٤ له: "وإنما يُروى عن منصور، عن الأسود بن يزيد - أو عبد الرحمن بن يزيد - أنه قال ... ". ويحيى بن سليم: سيئُ الحفظ، يَهِمُ ويخطئ، ولذلك قال الإمام

стр. 1265

أحمد: "أتيته فكتبت عنه شيئاً، فرأيته يُخَلِّطُ في الأحاديث فتركته"١. وخطَّأه غيره. وقال أبو حاتم ﵀: "حديثٌ باطلٌ"٢ ولَعَلَّه ﵀ يشير إلى العِلَّة التي ذكرها البخاري. وقد ذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمة يحيى الطائفي من (ميزانه) ٣ على عادته في ذكر شئٍ من حديث الراوي مما انفرد به، أو أُنْكِرَ عليه. وقد ضَعَّفَ إسناده أيضاً: الحافظُ ابن حجر، فقال: "إسناده ضعيف"٤ وقال مرة: "في سنده ضعف"٥. ويضافُ إلى ما تَقَدَّمَ: الجهالةُ في إسناده، حيث لم يُسَمّ الرَّاوي عن ابن مسعود ﵁، وقد أشار الزيلعي إلى ذلك، فقال: "وفيه أيضاً مجهولٌ"٦. ونقل المناوي في (فيض القدير) ٧ عن المنذريِّ مثل ذلك. وقد أورد الشيخُ الألبانيُّ هذا الحديث في (السلسلة الضعيفة) ٨،

стр. 1266

ونقل أقوال الأئمة في تضعيفه، ثم ذكر له بعضَ الشواهد من حديث: أبي أمامة، والبراء بن عازب، وَضَعَّفها، ثم قال: "وجملة القول: أنَّ طرقَ هذا الحديث كلها واهيةٌ، وبعضها أشد ضعفاً من بعض، فليس فيها ما يمكنُ الاعتمادُ عليه كشاهدٍ صالح، فالذي أستخيرُ الله فيه: أَنَّهُ ضعيفٌ مرفوعاً، صحيحٌ موقوفاً، والله أعلم". فَتَلَخَّصَ من ذلك أن هذا الحديث: ١- ضعيف السند؛ لوجود يحيى الطائفي فيه. ٢- ومقلوبُ المتن؛ إذ رُكِّبَ متنه على إسناد آخر. ٣- وفي إسناده راوٍ مجهولٌ. ٤- وأنَّ الصواب فيه: الوقفُ على الأسود بن يزيد، أو عبد الرحمن بن يزيد. وبذلك يكون للحديث علتان أخريان زيادة على ما ذكر ابن القَيِّم ﵀. ومع كل هذا، فقد رَمَزَ له السيوطي في (الجامع الصغير) ١ بالحُسْن! فلعله حَدَثَ خطأٌ؛ إذ إنَّ هذه الرموزُ قد يغلبُ عليها تحريف النساخ، كما نَبَّه عليه الشيخ الألباني٢. فالله أعلم.

стр. 1267

٤ ـ باب الرجل يدعى إلى طعام، هل يكون ذللك إذنا له ؟ ... ٤- باب الرجل يدعى إلى طعام، هل يكون ذلك إذنا له؟ قال ابن القَيِّم ﵀: "وقد روى أبو داود عنه ﷺ ، من حديث قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: "رسولُ الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إِذْنُه". وفي لفظ: "إذا دُعِيَ أَحَدُكُم إلى طَعَامٍ، ثُمَّ جَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فإِنِّ ذَلِك إذْنٌ لَهُ". ثم قال: "وهذا الحديث فيه مقالٌ، قال أبو عليٍّ اللؤلؤي: سمعتُ أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبي رافع. وقال البخاريُّ في (صحيحه) : وقال سعيد: عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : هو إذنه. فَذَكَرَهُ تعليقاً لأجل الانقطاع في إسناده"١. قلت: عند التدقيق نجد أن المذكور في كلام ابن القَيِّم ﵀ حديثان، أما أولهما، فهو: ١٠٧- (٥) عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "رسولُ الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إِذْنُه ". وهذا الحديث أخرجه، أبو داود في (سننه) ٢، والبخاري في (الأدب المفرد) ٣، والبيهقي في (سننه) ٤ من طريق: حَمَّاد بن سلمة،

стр. 1268

عن هشام بن حسان١ وحبيب بن الشَّهيد. وأخرجه: ابن حبان في (صحيحه) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣ من طريق: حماد بن سلمة أيضاً، لكن عن: أيوب وحبيب بن الشَّهيد. ثلاثتهم عن: محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ به. قلت: هكذا إسنادُ الحديث بهذا اللفظ عند الأئمة المذكورين، خلافاً لما يظهر من كلام ابن القَيِّم السالف؛ حيث جعل هذا اللفظ من رواية: قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة! وسيأتي أن هذا الإسناد الذي ساقه ابن القَيِّم إنما هو إسناد الحديث الثاني الآتي بعد هذا إن شاء الله. وهذا الإسنادُ صحيحٌ، رجاله ثقاتٌ؛ فقد رواه عن ابن سيرين جماعة كما تقدم، وفيهم هشام بن حَسَّان الذي هو من أثبتِ الناسِ في ابن سيرين. وأما الحديث الثاني، فهو: ١٠٨- (٦) عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دُعِيَ أَحَدُكُم إلى طَعَامٍ، فجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فإِنِّ ذَلِك له إذْنٌ ".

стр. 1269

هذا الحديث أخرجه، أبو داود في (سننه) ١، والبخاري في (الأدب المفرد) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣. وعلقه البخاري في (صحيحه) ٤ - كما مضى في كلام ابن القَيِّم - كلهم من طريق: سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي رافع٥، عن أبي هريرة ﵁ به. واللفظُ المذكور هو لفظ أبي داود، ومثله لفظ البخاريّ والبيهقي، ولكن ليس عندهما قوله: "إلى طعام ". ووقع في (سنن أبي داود) عقب الحديث: قال أبو علي اللؤلؤي: "سمعت أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبي رافع شيئاً". وقد وقعت كلمة "شيئاً" في السنن بين قوسين، وَنَبَّه الحافظ ابن حجر على أن هذه اللفظة في رواية أبي الحسن بن العبد٦. كذا أَعَلَّهُ أبو داود ﵀ بالانقطاع، ووافقه على ذلك المنذري في (مختصر السنن) ٧، وَأَيَّدَه بإخراج البخاري له معلقاً، وكأنَّ ابن القَيِّم ﵀ نقل كلام المنذري بعينه.

стр. 1270

أما عدمُ سماع قتادة من أبي رافع، فقد قاله أيضاً: شعبة١، وابن معين٢. ولكن رَدَّ ذلك الحافظ الذهبي، ومن بَعْدِه الحافظ ابنُ حجر رحمهما الله تعالى، قال الذهبي - مُعَقَّبَاً على مقالة أبي داود -: "قلتُ: بل سمع منه؛ ففي صحيح البخاريَّ حديث سليمان التيمي، عن قتادة، سمعت أبا رافع، عن أبي هريرة حديث: إنَّ رحمتي غلبت غضبي"٣. وكذا قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) ٤، وأما في (تهذيب التهذيب) ٥ فإنه أوردَ مقالةَ أبي داود ثم قال: "كأنه يعني حديثاً مخصوصاً، وإلا ففي صحيح البخاريِّ تصريحٌ بالسماع منه". وعلى القول بثبوت سماع قتادة من أبي رافع في هذا الحديث، فإن هذا الإسنادَ يبقى معلولاً بعنعنة قتادة؛ فإنه مدلس٦، ولم يُصَرِّح بسماعه في هذا الحديث، قال الذهبي ﵀: "وهو حجة بالإجماع إذا بَيَّنَ السَّماع؛ فإنه مدلسٌ معروفٌ بذلك ... "٧.

стр. 1271

ولكن يشهد له حديث أبي هريرة الماضي، الذي ذكره ابن القَيِّم ﵀ مع حديث قتادة. فَتَلَخَّصَ من هذا: أن المذكور في كلام ابن القَيِّم ﵀ حديثان، لكل منهما إسناد غير إسناد الحديث الآخر، وإن اتفقا في الصحابي، وأن التعليل الذي ذكره ﵀ ينصرف إلى الثاني منهما كما يتضح من الدراسة السابقة، لكن الحديث الأول يشهد له ويقويه، فيصح الحديث بذلك، والله أعلم. قال البيهقي ﵀ عقب هذين الحديثين: "وهذا عندي - والله أعلم - فيما إذا لم يكن في الدار حُرْمَة، فإن كان فيها حُرْمَةٌ، فلا بد من الاستئذان بعد نزول آية الحجاب".

стр. 1272

٥ - باب ما جاء في التنفير من الكذب ١٠٩- (٧) عن عائشة ﵂: "ما كان شيءٌ أَبْغَضَ إلى رسولِ الله ﷺ من الكَذِبِ، وما جَرَّبَ على أَحَدٍ كَذِبَاً فَرَجَعَ إِليه مَا كَانَ حَتَّى يَعْرِفَ منه تَوْبَةً ". قال ابن القَيِّم ﵀: "حديثٌ حسنٌ، رواه الحاكم في المستدرك من طريق: ابن وهب، عن محمد بن مُسْلم، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عائشة ﵂"١. قلت: هذا الحديث يرويه: معمر، عن أيوب٢، عن ابن أبي مُلَيْكَة٣ أو غيره، عن عائشة ﵂. أخرجه كذلك: عبد الرزاق في (مصنفه) ٤: أخبرنا معمر به، ولفظه: "ما كان خُلُقٌ أبغضَ إلى أصحاب رسول الله ﷺ من الكذبِ، ولقد كانَ الرَّجُلُ يكذب عند رسول الله ﷺ الكِذْبَة فما يزال في نَفسِهِ عليه، حتى يعلَم أنْ قد أحْدَثَ منها توبة ".

стр. 1273

ورواه عن عبد الرزاق: أحمد وابن راهويه في (مسنديهما) ١، وبلفظه، لكن قال فيه ابن راهويه: "ما كان خُلُقٌ أبغضَ إلى رسول الله ... " وكذا هو عند ابن حبان في (صحيحه) ٢ من طريق عبد الرزاق. وتابع معمراً: محمدُ بن مسلم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂. أخرج ذلك البيهقي في (سننه) ٣ من رواية: مروان بن محمد٤، محمد بن مسلم٥، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة به، ولفظه هو الذي ذكرناه أول الباب. وخالف ابنُ وهب مروانَ بن محمد، فرواه عن: محمد بن مسلم، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عائشة به. أخرج ذلك الحاكمُ في (المستدرك) ٦، ولفظه: "ما كان شيء أبغض إلى رسول الله ﷺ من الكذب، وما جَرَّبه رسول الله ﷺ من أحد - وإنْ قَلَّ - فيخرج له من نفسه حتى يجدد له توبة" قال أبو عبد الله: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبيُّ.

стр. 1274

ولكن سُئل أبو حاتم ﵀ عن حديث مروان بن محمد هذا؟ فقال: "ما أدري ما هذا؟ إِنَّمَا يُرْوَى هذا الحديثُ عن أيوب، عن إبراهيم بن ميسرة١، عن عائشة، عن النبي ﷺ مرسلٌ. ومن يقول: عن ابن أبي مليكة، ليس بِمُصِيبٍ عندي". ثم حَدَّثَ في موضع آخر من (العلل) ٢ بحديث ابن وهب، عن محمد بن مسلم - الذي سبق قبل قليل عند الحاكم - ثم قال: "إِنمَّا هو عن إبراهيم بن ميسرة، عن عائشة مرسلٌ". وقد ذهب الحافظ الدارقطني ﵀ إلى ذلك أيضاً، فذكر في (علله) ٣ أوجه الاختلاف على أيوب، ثم ذكر أنَّ حماد بن زيد، وحاتم ابن وردان، ووهيب رووه عن أيوب، عن إبراهيم بن ميسرة مرسلاً، قال: "وهو الصواب". والمراد بذلك: انقطاعه بين إبراهيم بن ميسرة وعائشة ﵂؛ فإنه لم يُعرف برواية عنها ولا أدركها، وإنما يَرْوي عن: سعيد بن جبير، وابن المسيب، وطاووس، ومجاهد وطبقتهم٤. فإذا ثبت أن الصواب في هذا الحديث: ما ذكره ابن أبي حاتم،

стр. 1275

والدارقطني، وأنه ليس لابن أبي مليكة ذكر فيه، فإنه يكون معلولاً بالانقطاع، مع ما تقدم من الاختلاف على أيوب في إسناده، وما جاء عند عبد الرزاق من الشك في إسناده، وقوله: عن ابن أبي مليكة أو غيره. وهذا الغير مجهول لا يُعرف، وهو يؤكد ما ذهب إليه ابن أبي حاتم وغيره من عدم صحة ذكر ابن أبي مليكة في إسناده. وكذا الاختلاف في لفظه: فعند عبد الرزاق "ما كان خلقٌ أبغض إلى أصحاب رسول الله ... ". وعند غيره: " ... أبغض إلى رسول الله ﷺ ". فإذا عُلِمَ ذلك، فإنَّ تحسينَ ابن القَيِّم ﵀ له: لا يصحُّ، لما تقدم من حاله، والله أعلم.

стр. 1276

٦ - باب ما جاء في ذَم الغناء ١١٠- (٨) عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه قال: "الغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ في القَلْبِ". ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث في (إغاثة اللهفان) ١، فقال: "وقال شعبة: حدثنا الحكم، عن حماد، عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود ... " فذكره. ثم قال: "وهو صحيحٌ عن ابن مسعود من قوله. وقد رُوِيَ عن ابن مسعود مرفوعاً، رواه ابن أبي الدنيا في ذَمِّ الملاهي قال: أخبرنا عصمة بن الفضل، حدثنا حرمي بن عمارة، حدثنا سلاّم بن مسكين، حدثنا شيخٌ عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "الغناءُ ينبت النفاقَ في القلب كما ينبت الماءُ البقل" ". قال: "وقد تابع حَرَمِيَّ بن عمارة عليه بهذا الإسناد والمتن: مسلمُ بن إبراهيم" ثم ساقه من طريقه عند ابن الْمُنَادى في أحكام الملاهي، ثم قال: "فمداره على هذا الشيخ المجهول. وفي رَفْعِهِ نظرٌ، والموقوف أصح".

стр. 1277

وقال في كتابه (الكلام على مسألة السماع) ١: "صحَّ ذلك عنه - أي ابن مسعود - ومن الناس من يرفعه إلى النبي ﷺ ، والصحيح أنه موقوف". قلت: أما الموقوف على ابن مسعود، فقد أخرجه البيهقي في (سننه) ٢ عن ابن أبي الدنيا، وذلك من طريقين: الطريق الأول: - وهو الذي ساقه ابن القَيِّم - عن غندر٣، عن شعبة، عن الحكم٤، عن إبراهيم٥، عن ابن مسعود٦. وهذا الإسناد صحيحٌ، إلا أنه منقطع بين إبراهيم وابن مسعود؛ لأنه لم يلقه على قول أكثر أهل العلم٧، ولكن احتملَ بعض الأئمة مراسيله وقَدَّمَها على مراسيل غيره، قال يحيى بن معين: "مراسيل إبراهيم أحبُّ إليَّ من مراسيل الشَّعْبِيِّ"٨. ونقل العلائي عن الإمام أحمد بن حنبل

стр. 1278

أنه قال: "مرسلاتُ إبراهيم النخعي لا بأس بها"١. ثم قال: "وخَصَّ البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود دون غيره"٢. وعلى كلِّ حالٍ فإن إبراهيم لم ينفرد برواية ذلك عن ابن مسعود، وإنما تابعه عليه محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، وهو: الطريق الثاني: أخرجه البيهقي - أيضاً - في (سننه) ٣ من طريق ابن أبي الدنيا، عن: علي بن الجعد٤، عن محمد بن طلحة٥، عن سعيد ابن كعب المرادي، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد٦، عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: "الغناءُ ينبتُ النفاق في القلبِ كما ينبتُ الماءُ الزرعَ، والذِّكْرُ ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع" ٧. وهذا الإسناد رجاله ثقاتٌ، إلا سعيد بن كعب؛ فإنه - فيما فتشت - لم يرو عنه غير محمد بن طلحة، وذكره ابن أبي حاتم في (الجرح

стр. 1279

والتعديل) ١ فلم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في (الثقات) ٢، ساكتاً عنه أيضاً، فالظاهر - والله أعلم - أنه إلى الجهالة أقرب. ولكن إذا ضُمَّ هذا الطريقٌ إلى طريق الحكم عن إبراهيم الماضي، تَقَوَّى كلّ منهما بالآخر، وقد تقدم أن ابن القَيِّم صَحَّحَ الموقوفَ، ونقل ابن حجر الهيثمي عن البيهقي قوله: "إن وقفه عليه هو الصحيح"٣. هذا فيما يتعلق بالرواية الموقوفة، وأما الرواية المرفوعة: فأخرجها أبو داود في (سننه) ٤، وابن المنادى في (أحكام الملاهي) ٥ من طريق: مسلم بن إبراهيم٦، حدثنا سلاّم بن مسكين، عن شيخ شَهِدَ أبا وائل٧ في وليمةٍ، فجعلوا يلعبون، يَتَلَعَّبُون، يُغَنُّونَ، فحلَّ أبو وائل

стр. 1280

حُبْوَتَه١، وقال: سمعت عبد الله - يعني ابن مسعود - يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الغناء ينبت النفاق في القلب". هذا سياق أبي داود. وتابع مسلمَ بن إبراهيم على هذه الرواية: حَرَمِيُّ بن عمارة٢، قال: حدثنا سلاّم بن مسكين به٣، أخرجه عنه: ابن أبي الدنيا في (ذم الملاهي) - ومن طريقه البيهقي في (سننه) ٤ - ولفظه: "الغِنَاءُ ينبت النِّفَاقُ في القلب، كما ينبت الماء البقل ". وهذا الإسناد رجاله رجال الصحيح، إلا أنَّ عِلَّتَهُ هذا الشيخ المجهول، فإنَّ مداره عليه، ولذلك ضَعَّفَهُ جماعةٌ، فقال الغزالي في (الإحياء) ٥: " ... ورفعه بعضهم إلى رسول الله ﷺ ، وهو غير صحيح". قال العراقيُّ في تخريجه لأحاديث الإحياء - عقب كلام الغزالي -: "لأنَّ في إسناده من لم يُسَمِّ"٦. وَضَعَّفَهُ ابن القَطَّان٧. وقال النوويُّ: "لا يصحُّ". ١ قال أبو موسى في المجموع المغيث: (١/٣٩٦) : "الاحتباءُ: جلسة الأعراب ... وهو ضَمُّ الساقين إلى البطن بثوبٍ يلفونه عليهما". وقال في (لسان العرب) : (ص٧٦٥) : "الحِْبْوَة والحُبْوة: الثوب الذي يَحْتَبِي به". ٢ ابن أبي حفصة، العَتَكِي، البصري، أبو روح، صدوقٌ يَهِمْ، من التاسعة، مات سنة

стр. 1281

ووافقه الزركشي١. ورمز له السيوطي بالضعف في (الجامع الصغير) ٢. وَضَعَّفَهُ الشيخ الألباني٣. وقد سبق قولُ ابن القَيِّم ﵀: "في رَفْعِه نَظرٌ". فتلخص من ذلك: أنَّ هذا الحديث لا يصحُّ رفعه إلى النبي ﷺ ، وأنَّ الصواب وَقْفُهُ على ابن مسعود ﵁، وهذا ما قَرَّرَهُ ابن القَيِّم ﵀. قال ابن حجر الهيتمي: "ومثله لا يقال من قِبَلِ الرأي؛ لأنه إخبارٌ عن أمرٍ غيبي، فإذا صحَّ عن الصحابة فقد صحَّ عن النبي ﷺ ، كما هو مقررٌ عند أئمة الحديث والأصول٤ ... وحينئذٍ فالحجة فيه دون سواه"٥.

стр. 1282

٧ - باب في الأمر بتحسين الأسماء ١١١- (٩) عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي، أنه قال: "إِنَّكُم تُدْعَونَ يَومَ القِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُم وأَسْمَاءِ آبَائِكُم، فَأَحْسِنُوا أَسَمَاءَكُم". قال ابن القَيِّم ﵀: "رواه أبو داود بإسناد حسن"١. قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٢. وأحمد في (مسنده) ٣، وابن حبان في (صحيحه) ٤، والبيهقي في (سننه) ٥، كلهم من طريق: هشيم، عن داود بن عمرو٦، عن عبد الله بن أبي زكريا٧، عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ به. وهذا الإسناد لا يقلُّ عن درجة الحَسَنِ إذا سَلِمَ من الانقطاع. قال عنه النووي: "إسناد جيدٌ"٨. ولكنه إسناد منقطع كما بيَّنه غيرُ واحدٍ:

стр. 1283

قال أبو داود عقب إخراجه: "ابن أبي زكريا لم يدرك أبا الدرداء". وقال البيهقي: "هذا مرسلٌ، ابن أبي زكريا لم يسمع من أبي الدرداء"١. وقال المنذري: "عبد الله بن أبي زكريا: كنيته أبو يحيى ... ثقةٌ عابدٌ، لم يسمع من أبي الدرداء، فالحديث منقطع"٢. وقال ابن حجر: "رجاله ثقات، إلا أنَّ في سنده انقطاعاً بين عبد الله بن أبي زكريا - راويه عن أبي الدرداء - وأبي الدرداء؛ فإنه لم يدركه"٣. وقد رمز له السيوطي في (الجامع الصغير) ٤ بالحُسْنِ، فلم يصب، وقد أورده الشيخ الألباني في (ضعيف الجامع) ٥ وقال: "ضعيف". فَتَبَيَّنَ من ذلك أنَّ ابن القَيِّم ﵀ لا يُوافَقُ على الحكم بحُسْنِ هذا الإسناد؛ لما فيه من الانقطاع. ولكن يشهد لمعنى هذا الحديث: ما صحَّ عنه ﷺ من تغييره بعض الأسماء إلى أسماء حسنة، وأيضاً: ما صحَّ من أن الناس يُنْسَبُونَ يوم القيامة إلى آبائهم. وقد أشار ابن القَيِّم ﵀ إلى هذا المعنى، فقال - عند كلامه على حديث أبي الدرداء الذي معنا -: "وفي هذا الحديث رَدٌّ على

стр. 1284

من قال: إن الناس يوم القيامة إنما يُدْعَوْنَ بأمهاتهم لا آبائهم، وقد تَرْجَمَ البخاري في صحيحه لذلك، فقال: باب يُدْعَى الناس بآبائهم، وذكر فيه حديث نافع عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "الغَادِرُ يُرْفَعُ له لواءٌ يومَ القيامة، يقال له: هذه غدرة فلان بن فلان" ١. قال ابن حجر ﵀ في كلامه على هذا الحديث: "فَتَضَمَّنَ الحديث: أنه ينسب إلى أبيه في الموقف الأعظم"٢. وأما الأحاديث التي فيها الأمر بتغيير الأسماء إلى أحسن منها: فقد أخرج البخاري - أيضاً - منها جملة٣. فثبتَ بذلك: أن حديث أبي الدرداء ﵁ وإن كان منقطعاً، فإن معناه قد صحَّ من جهات أخرى، وأن إطلاق ابن القَيِّم ﵀ الحكم بحسنِ إسناده فيه نظر، والله أعلم.

стр. 1285

٨ - باب ما جاء في الديك ١١٢- (١٠) عن زيد بن خالد ﵁، أن النبي ﷺ قال: "لا تَسُبُّوا الديك؛ فَإِنَّه يُوقِظُ للصَّلاةِ". قال ابن القَيِّم ﵀: "صَحَّ عن النبي ﷺ ... "١ فذكره. قلت: هذا الحديث يرويه أبو داود في (سننه) ٢ من طريق: عبد العزيز ابن محمد. وأحمد، والطيالسي في (مسنديهما) ٣، والنسائي في (عمل اليوم والليلة) ٤، وابن حبان في (صحيحه) ٥ من طريق: عبد العزيز٦ بن أبي سلمة. وعبد الرزاق في (المصنف) ٧ من طريق: معمر، كُلُّهم عن: صالح بن كيسان٨، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن زيد بن خالد الجُهَني: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَسُبُّوا الديك؛ فَإِنَّه يُوقِظُ للصَّلاةِ".

стр. 1286

هذا لفظ أبي داود، ولفظ الطيالسي، وابن حبان، وأحدُ لفظي أحمد: " ... فإنه يدعو إلى الصلاة ". ولفظ النسائي واللفظ الآخر لأحمد: "فإنه يُؤَذِّنُ بالصلاة ". وعند عبد الرزاق ذكر سبب نهي النبي ﷺ عن ذلك، ولفظه: "لَعَنَ رَجُلٌ دِيكاً صَاحَ عِنْدَ رسول الله ﷺ ، فقال: "لا تلعنه؛ فإنَّه يدعو للصلاة ". وقد رُوي عن صالح بن كيسان على أوجه أخر؛ فأخرجه الطيالسي في (مسنده) ١، فقال: " ... عن عبد العزيز الماجشون، عن صالح، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه". قال راوي المسند: "وهذا أثبت عندي". لكن سأل ابن أبي حاتم أباه عنه؟ فقال: "ليس لابن أبي قتادة عن أبيه هاهنا معنى، وحديث صالح، عن عبيد الله بن عبد الله، عن زيد ابن خالد: صحيحٌ"٢. وأخرجه البزار في (مسنده) ٣ من طريق: مسلم بن خالد، عن صالح بن كيسان، عن عون بن عبد الله، عن أبيه، عن ابن مسعود به. قال البزار: "أخطأَ فيه مسلم بن خالد، والصواب: عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله، عن زيد بن خالد". وكذا قال أبو حاتم الرازي لما سُئل عنه٤.

стр. 1287

قلت: فعادَ الحديث إلى زيدِ بن خالد، وقد ثبَتَ صحته عنه ﵁، فقد تَقَدَّم تصحيح أبي حاتم ﵀ له، ونقلَ الحافظ ابن حجر تصحيح ابن حبان له وأقَرَّهُ١، وقال الإمام النووي ﵀: "إسنادٌ صحيحُ"٢. ورمز له السيوطي بالصحَّة في (الجامع الصغير) ٣. ونقل المناوي كلام النووي في تصحيح إسناده، ثم قال: "وقال غيره: رجاله ثقات"٤. وصححه الشيخ الألباني٥. فإذا تَقَرَّرَ ذلك، وأنَّ ابن القَيِّم ﵀ قد وافَقَهُ على تصحيحه جماعة من العلماء، فإن قوله ﵀ في (المنار المنيف) ٦: "وبالجملة: فكل أحاديث الدِّيك كذبٌ، إلا حديثاً واحداً: "إذا سَمِعْتُمْ صياح الدِّيَكَة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت مَلَكَاً " فيه نظرٌ؛ فإنَّ تصحيحه هذا الحديث هنا يُسْتدركُ به على إطلاقه هذا الحكم في المنار، فلعله ﵀ غفل عن ذلك هناك. والله أعلم.

стр. 1288

١٧- من كتاب الفرائض ١- باب ما جاء في ميراث ذوي الأرحام ١١٣- (١) عن المقدام بن معدي كَرِب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَرَكَ كَلاًّ١ فإليَّ - وَرُبَّما قال: إلى الله وإلى رسوله - وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَأَنَا وَارِثُ مَن لا وَارِثَ لَه: أَعْقِلُ له٢، وأَرِثُهُ، والخالُ وارثُ من لا وَارِثَ له: يَعْقِلُ عنه، وَيَرِثُهُ ". قال المنذري ﵀ عَقِبَ هذا الحديث: "واخْتُلِفَ في هذا الحديث، فروي عن راشد بن سعد، عن أبي عامر الهوزني، عن المقدام. وروي عن راشد بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال، مُرْسَلاً". قال: "وقال أبو بكر البيهقي في هذا الحديث: كان يحيى بن معين يُضَعِّفُهُ، ويقول: ليس فيه حديث قويٌّ"٣. وقد تعقب ابن القَيِّم ﵀ المنذري، فقال: "فهذا ما رُدَّ به حديث الخالِ، وهي بأَسْرِهَا وجوهٌ ضعيفةٌ". قال: "أما قولهم: إن أَحَادِيثَهُ ضَعيفةٌ. فكلام فيه إجمالٌ، فإن أُرِيَد بها: أنها ليست في درجة الصحاح التي لا عِلَّة فيها: فصحيح، ولكن هذا لا يَمْنَعُ الاحتجاجَ بها، ولا يوجب انحطاطها عن درجة

стр. 1289

الحسن، بل هذه الأحاديث وأمثالها هي الأحاديث الحسان، فإنها قد تعددت طرقها، ورويت من وجوه مختلفة، وعرفت مخارجها، ورواتُها ليسوا بمجروحين ولا مُتَّهَمِين ... "١. ثمَّ ذكر ﵀ أنه يُروى كذلك من حديث: عمر بن الخطاب، وعائشة ﵄، ثم أخذ في بيان ما أُعِلَّت به، والجواب عن ذلك. قلت: حديث المقدام هذا مداره على راشد بن سعد٢، وَرُوِيَ عنه على أربعةِ أوجه: أولها: ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في (سننهم) ٣، وأحمد في (مسنده) ٤، وسعيد بن منصور في (سننه) ٥، وابن حِبَّان في (صحيحه) ٦، والطبراني في (الكبير) ٧، والبيهقي في (سننه) ٨، كلهم من طريق: شعبة.

стр. 1290

وأخرجه: أبو داود، والنسائي في (سننيهما) ١، وأحمد في (مسنده) ٢، وابن الجارود في (المنتقى) ٣، والطبراني في (الكبير) ٤، والدارقطني في (سننه) ٥، والحاكم في (المستدرك) ٦، والبيهقي في (سننه) ٧ - من طريق أبي داود - كلهم من طريق: حماد بن زيد. كلاهما - حماد وشعبة - عن: بُدَيْل بن ميسرة، عن عليِّ بن أبي طلحة٨، عن راشد بن سعد، عن أبي عامر الهَوْزَنيِّ٩، عن المقدام ﵁ به. واللفظ المذكور في مطلع البحث هو لفظ رواية شعبة، والسياق لأبي داود من بينهم، وأما لفظ رواية حماد بن زيد فهكذا: +

стр. 1291

وأنا مولى من لا مولى له: أرث ماله، وأفكُّ عَانَه١، والخال مولى من لا مولى له: يرث ماله، ويفك عانه". سياق أبي داود، والباقون بنحوه. وعند الدارقطني: "ضياعاً"، وعنده: "عانيه". والحديث بهذا الإسناد حَسَّنَهُ أبو زرعة٢، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه" لكن تعقبه الذهبي، فقال: "عليٌّ: قال أحمد: له أشياء منكرات. قلت: لم يخرج له البخاريُّ"٣. قلت: وعليُّ بنُ أبي طلحة قال فيه أبو داود: "هو إن شاء الله مستقيم الحديث"٤. وقال النسائي: "ليس به بأس"٥ وَوَثَّقَهُ العجليُّ٦. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٧. وقال ابن القطان: "ثقة"٨. فالرجل على هذا صالحُ الأمر، مستقيم الحال، ووجود بعض المنكرات في حديثه لا يخرجُهُ عن حَدِّ الاحتجاج به، ولا يَنْزِلُ بحديثه عن درجة الحسن،

стр. 1292

ولا سيما إذا تُوبع على روايته - كما في هذا الحديث -،فالحكمُ ما حَكَمَ أبو زرعة ﵀ من تحسين الحديث بهذا الإسناد. الوجه الثاني من وجوه روايته عن راشد بن سعد: ما أخرجه النسائي في (الكبرى) ١،وأحمد في (مسنده) ٢، والطبراني في (الكبير) ٣- وأشار إليه أبو داود٤ - من طريق: معاوية بن صالح٥، عن راشد بن سعد، عن المقدام بن معدي كرب بنحو ما تَقَدَّمَ، إلا أن الطبراني ليس عنده ذكر الخال. هكذا رواه معاوية بن صالح، فأسقط منه أبا عامر الهوزني، وجعله عن: راشد، عن المقدام. وقد حكم الدارقطنيُّ ﵀ للرواية المتَّصِلَة، فنقل عنه صاحب (الجوهر النقي) ٦ أنه ذَكَرَ: أن شعبة وحماداً وإبراهيم بن طهمان رووه عن بديل، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن راشد، عن أبي عامر، عن

стр. 1293

المقدام. وأن معاوية بن صالح خالفهم، فلم يذكر أبا عامر بين راشد والمقدام، ثم قال الدارقطني: "والأول أشبهُ بالصواب". وَأَيَّدَ ابن القطَّان كلام الدارقطني هذا، فقال: "وهو على ما قال؛ فإنَّ عليَّ بنَ أبي طلحة ثقة، وقد زاد في الإسناد من يتصلُّ به، فلا يضره إرسالُ من قَطَعَهُ ولو كان ثقةً، فكيف إذا كان فيه مقالٌ؟ فنَرَى هذا الحديث حديثاً صحيحاً"١. الوجه الثالث: ما أخرجه ابن حبان في (صحيحه) ٢، والطبراني في (الكبير) ٣ - وأشار إليه أبو داود أيضاً - من طريق: عبد الله بن سالم٤، عن الزُّبَيْدِي٥، عن راشد بن سعد، عن ابن عائذ٦ عن المقدام به، بنحو ما تقدم في حديث حماد بن زيد.

стр. 1294

وقد اعتبر ابنُ حبان ﵀ هذه الرواية محفوظة أيضاً؛ فإنه لما أخرجَ رواية علي بن أبي طلحة المتقدمة، أعقبها رواية الزبيدي هذه، ثم قال: "سمع هذا الخبر راشدُ بن سعد: عن أبي عامر الهوزني، عن المقدام. وسمعه: عن عبد الله بن عائذ الأزدي، عن المقدام بن معدي كرب، فالطريقان جميعاً محفوظان، ومتناهما متباينان". قلت: وأما قوله: "متناهما متباينان" لأنه أخرج رواية أبي عامر الهوزني من طريق شعبة، وقد تقدم لفظها، لكن قد رويت من طريق حماد بن زيد بنحو رواية ابن عائذ هذه، فلا اختلاف إذن. وعلى ما قاله ابن حبان، تكون هذه رواية أخرى لراشد بن سعد، تابع فيها ابن عائذ أبا عامر الهوزني المتقدمة روايته، وحينئذٍ لا يكون هذا من الاختلاف بين الروايات. الوجه الرابع: ما أخرجه النسائي في (الكبرى) ١ من طريق: ثور ابن يزيد، عن راشد بن سعد، عن النبي ﷺ ، مرسلاً. وقد سبق في كلام المنذريِّ الإشارة إلى هذا المرسل، وأَنَّه جَعَلَ ذلك من الاختلاف على راشد. وهذا المُرْسل لا تُعَلُّ به الروايات المتصلة، فراشد بن سعد كان معروفاً - مع ثقته - بكثرة الإرسال، ولا مانع أن يكون رواه مرة مرسلاً، مع روايته إياه متصلاً من أكثر من وجه، كما تقدم.

стр. 1295

فهذه أوجه روايته عن راشد بن سعد، وقد رَجَّحَ الدارقطني - كما تقدم - رواية عليِّ بن أبي طلحة على رواية معاوية بن صالح، وجمعَ ابنُ حبان بين رواية عليِّ بن أبي طلحة، ورواية الزبيدي، فلا تؤثر الرواية المرسلة على الروايات المتصلة، وبذلك يتبين أنه لا مجال لإعلال رواية راشد بن سعد هذه بالاختلاف، وأن الحديث من هذا الطريق حسنٌ كما تقدم تقريره. وثمة طريق آخر لحديث المقدام هذا من غير رواية راشد بن سعد، وهو ما أخرجه أبو داود في (سننه) ١ - ومن طريقه البيهقي٢ - من طريق: إسماعيل بن عياش، عن يزيد بن حجر٣، عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب٤، عن أبيه٥، عن جده، عن النبي ﷺ أنه قال: "أنا وارث من لا وارث له: أفك عانيه، وأرث ماله. والخال وارث من لا وارث له: يفك عانيه، ويرث ماله". وهذا الإسناد ضعيفٌ: فيزيد بن حجر: مجهول، وكذا يحيى بن المقدام، وبينهما: صالح بن يحيى، ليِّن الحديث. وإذا كان كذلك، فإنَّ الاعتماد يكون على رواية راشد بن سعد المتقدمة.

стр. 1296

ثم انتقل ابن القَيِّم بعد ذلك إلى حديث آخر في توريث الخال، وهو حديث: ١١٤- (٢) عمر بن الخطاب ﵁، أنه كتب إلى أبي عبيدة: أن رسول الله ﷺ قال: "الله وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَن لا مَوْلَى له، والخَالَ وَارِثُ مَنْ لا وَارِثَ لَهُ ". وقد عزاه ابن القَيِّم إلى الترمذي - وأنه حَسَّنَه - وابن حبان، ثم رَدَّ القولَ بإعلاله، فقال: "ولم يصنعْ من أَعَلَّ هذا الحديثَ بحكيم بن حكيم، وأنه مجهول شيئاً؛ فإنه قد رَوَى عنه: سهيل بن أبي صالح، وعبد الرحمن بن الحارث، وعثمان بن حكيم أخوه. ولم يُعْلَمْ أن أحداً جَرَحَهُ، وبمثل هذا يَرْتَفِعُ عنه الجهالة، ويحتجُّ بحديثه"١. قلت: هذا الحديث أخرجه: الترمذي في (جامعه) ٢، والنسائي في (الكبرى) ٣، وابن ماجه في (سننه) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، وابن الجارود في (المنتقى) ٦، وابن حبان في (صحيحه) ٧، والدارقطني،

стр. 1297

والبيهقي في (سننيهما) ١، كلهم من طريق: سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن الحارث٢، عن حكيم بن حكيم٣، عن أبي أمامة٤ بن سهل بن حنيف، أنه قال: كتب عمر ﵁ إلى أبي عبيدة: أن عَلِّموا صبيانكم العوم، ومقاتلتكم الرمي. قال: فكانوا يختلفون بين الأغراض. قال: فجاء سهم غَرْب٥، فأصاب غلاماً فقتله، ولم يُعْلَمْ للغلام أهلٌ إلا خاله، فكتبَ أبو عبيدة إلى عمر، فذكر له شأن الغلام: إلى من يَدْفَع عقله؟ فكتب إليه: إن رسول الله ﷺ قال: "الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخالُ وارث من لا وارث له". هذا لفظ ابن حبان، وابن الجارود، والبيهقي، وأحمد في رواية، والسياق لابن حبان، وعند الباقين: "ولم يُعلم للغلام أصل"، وأنه كان "في حِجْرِ خال له". وأما لفظ أحمد في الرواية الأخرى، وابن ماجه، والدارقطني، عن

стр. 1298

أبي أمامة: أن رجلاً رمى رجلاً بسهم فقتله، وليس له وارثٌ إلا خالٌ، فكتب في ذلك أبو عبيدة إلى عمر ... الحديث، بمثل ما تقدم. وأما الترمذي: فليس عنده إلا المرفوع فقط، دون باقي القصة. وهذا الإسناد لا بأسَ به في المتابعات؛ فإن عبد الرحمن بن الحارث تَكَلَّمَ فيه بعضهم، فقال الإمام أحمد: "متروك"١. وقال النسائي: "ليس بالقوي"٢ وَضَعَّفَهُ ابن المديني٣. لكن قال فيه ابن سعد: "ثقة"٤. وقال ابن معين: "صالح"٥. وقال مرة: "ليس به بأس"٦. وقال أبو حاتم: "شيخ"٧. وقال العجلي: "مدنيٌّ ثقة"٨. وقال ابن نمير: "لا أُقْدِمُ على ترك حديثه"٩ وذكره ابن حبان في (الثقات) ١٠، وقال: "كان من أهل العلم". ولذلك قال عنه الحافظ ابن حجر: "صدوق له أوهام". فمثله يُحَسَّنُ حديثُهُ إذا اعتضد.

стр. 1299

وأما حكيم بن حكيم - شيخه في هذا الإسناد -: فقد تقدم في كلام ابن القَيِّم ﵀ أن بعضهم أَعَلَّ الحديث بجهالته، ولم أر ذلك إلا لابن القطان؛ فإنه قال: "لا يُعرف حاله"١. وقال عنه ابن سعد: "كان قليل الحديث ولا يحتجون به"٢. ولكن قال العجلي: "ثقة"٣. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٤. وصَحَّحَ له الترمذيُّ وابن خزيمة وغيرهما، كما قال ابن حجر٥ ﵀، وقال الذهبي: "ثقة"٦. وقال مرة: "حسن الحديث"٧. وقال ابن حجر: "صدوق"٨. هذا مع رواية جماعة عنه كما تقدم في كلام ابن القَيِّم ﵀، فمثله قد خَرَجَ عن وصفِ الجهالة، وحديثه لا يقلُّ - أيضاً - عن رتبة الحَسَنِ، كما وصفه بذلك الذهبي ﵀. وقد حَسَّنَ الترمذي هذا الحديث، وفي النسخة التي بين أيدينا قوله: "حسن صحيح". ولكن في (تحفة الأشراف) ٩: "حسن" فقط،

стр. 1300

وكذا نقل عنه الذهبي ﵀ في (الميزان) ١. وقال أبو بكر البزار: "أحسن إسنادٍ فيه: حديث أبي أمامة بن سهل ... "٢. يعني هذا. وقال الحافظ ابن حجر: "حديثٌ حسنٌ"٣. وقال الشيخ الألباني: "إسناده حسن"٤. وقال مرة: "صحيح"٥. فتلخص من ذلك: أن حديث أبي أمامة هذا، عن عمر ﵁ حديثٌ حسنٌ لغيره، وأنَّ الطعن فيه بجهالة حكيم بن حكيم لا ينتهض لإعلاله؛ لما تَقَدَّمَ من توثيق جماعةٍ له، ورواية آخرين عنه، بما يوجب رفع الجهالة عنه. وأما عبد الرحمن بن الحارث: فإنه وإن وَثَّقَهُ بعضهم، إلا أنَّ كلام من تكلم فيه يقتضي ثبوت بعض الضعف فيه، ولكن مثله مقبول في المتابعات والشواهد. ثم ذكر ابن القَيِّم ﵀ حديثاً آخر في هذا المعنى، وهو حديث: ١١٥- (٣) عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "الخالُ وارثُ من لا وارث له". عزاه ابن القَيِّم إلى الترمذي، وأنه قال: "وقد أرسله بعضهم، ولم يَذْكُرْ فيه عن عائشة".
следующие страницы →