ثم انتقل ابن القَيِّم بعد ذلك إلى حديث آخر في توريث الخال، وهو حديث:
١١٤- (٢) عمر بن الخطاب ﵁، أنه كتب إلى أبي عبيدة: أن رسول الله ﷺ قال: "الله وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَن لا مَوْلَى له، والخَالَ وَارِثُ مَنْ لا وَارِثَ لَهُ ".
وقد عزاه ابن القَيِّم إلى الترمذي - وأنه حَسَّنَه - وابن حبان، ثم رَدَّ القولَ بإعلاله، فقال: "ولم يصنعْ من أَعَلَّ هذا الحديثَ بحكيم بن حكيم، وأنه مجهول شيئاً؛ فإنه قد رَوَى عنه: سهيل بن أبي صالح، وعبد الرحمن بن الحارث، وعثمان بن حكيم أخوه. ولم يُعْلَمْ أن أحداً جَرَحَهُ، وبمثل هذا يَرْتَفِعُ عنه الجهالة، ويحتجُّ بحديثه"١.
قلت: هذا الحديث أخرجه: الترمذي في (جامعه) ٢، والنسائي في (الكبرى) ٣، وابن ماجه في (سننه) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، وابن الجارود في (المنتقى) ٦، وابن حبان في (صحيحه) ٧، والدارقطني،
стр. 1297
والبيهقي في (سننيهما) ١، كلهم من طريق: سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن الحارث٢، عن حكيم بن حكيم٣، عن أبي أمامة٤ بن سهل بن حنيف، أنه قال: كتب عمر ﵁ إلى أبي عبيدة: أن عَلِّموا صبيانكم العوم، ومقاتلتكم الرمي. قال: فكانوا يختلفون بين الأغراض. قال: فجاء سهم غَرْب٥، فأصاب غلاماً فقتله، ولم يُعْلَمْ للغلام أهلٌ إلا خاله، فكتبَ أبو عبيدة إلى عمر، فذكر له شأن الغلام: إلى من يَدْفَع عقله؟ فكتب إليه: إن رسول الله ﷺ قال: "الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخالُ وارث من لا وارث له". هذا لفظ ابن حبان، وابن الجارود، والبيهقي، وأحمد في رواية، والسياق لابن حبان، وعند الباقين: "ولم يُعلم للغلام أصل"، وأنه كان "في حِجْرِ خال له".
وأما لفظ أحمد في الرواية الأخرى، وابن ماجه، والدارقطني، عن
стр. 1298
أبي أمامة: أن رجلاً رمى رجلاً بسهم فقتله، وليس له وارثٌ إلا خالٌ، فكتب في ذلك أبو عبيدة إلى عمر ... الحديث، بمثل ما تقدم.
وأما الترمذي: فليس عنده إلا المرفوع فقط، دون باقي القصة.
وهذا الإسناد لا بأسَ به في المتابعات؛ فإن عبد الرحمن بن الحارث تَكَلَّمَ فيه بعضهم، فقال الإمام أحمد: "متروك"١. وقال النسائي: "ليس بالقوي"٢ وَضَعَّفَهُ ابن المديني٣. لكن قال فيه ابن سعد: "ثقة"٤. وقال ابن معين: "صالح"٥. وقال مرة: "ليس به بأس"٦. وقال أبو حاتم: "شيخ"٧. وقال العجلي: "مدنيٌّ ثقة"٨. وقال ابن نمير: "لا أُقْدِمُ على ترك حديثه"٩ وذكره ابن حبان في (الثقات) ١٠، وقال: "كان من أهل العلم". ولذلك قال عنه الحافظ ابن حجر: "صدوق له أوهام". فمثله يُحَسَّنُ حديثُهُ إذا اعتضد.
стр. 1299
وأما حكيم بن حكيم - شيخه في هذا الإسناد -: فقد تقدم في كلام ابن القَيِّم ﵀ أن بعضهم أَعَلَّ الحديث بجهالته، ولم أر ذلك إلا لابن القطان؛ فإنه قال: "لا يُعرف حاله"١. وقال عنه ابن سعد: "كان قليل الحديث ولا يحتجون به"٢.
ولكن قال العجلي: "ثقة"٣. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٤. وصَحَّحَ له الترمذيُّ وابن خزيمة وغيرهما، كما قال ابن حجر٥ ﵀، وقال الذهبي: "ثقة"٦. وقال مرة: "حسن الحديث"٧. وقال ابن حجر: "صدوق"٨. هذا مع رواية جماعة عنه كما تقدم في كلام ابن القَيِّم ﵀، فمثله قد خَرَجَ عن وصفِ الجهالة، وحديثه لا يقلُّ - أيضاً - عن رتبة الحَسَنِ، كما وصفه بذلك الذهبي ﵀.
وقد حَسَّنَ الترمذي هذا الحديث، وفي النسخة التي بين أيدينا قوله: "حسن صحيح". ولكن في (تحفة الأشراف) ٩: "حسن" فقط،
стр. 1300
وكذا نقل عنه الذهبي ﵀ في (الميزان) ١. وقال أبو بكر البزار: "أحسن إسنادٍ فيه: حديث أبي أمامة بن سهل ... "٢. يعني هذا. وقال الحافظ ابن حجر: "حديثٌ حسنٌ"٣. وقال الشيخ الألباني: "إسناده حسن"٤. وقال مرة: "صحيح"٥.
فتلخص من ذلك: أن حديث أبي أمامة هذا، عن عمر ﵁ حديثٌ حسنٌ لغيره، وأنَّ الطعن فيه بجهالة حكيم بن حكيم لا ينتهض لإعلاله؛ لما تَقَدَّمَ من توثيق جماعةٍ له، ورواية آخرين عنه، بما يوجب رفع الجهالة عنه. وأما عبد الرحمن بن الحارث: فإنه وإن وَثَّقَهُ بعضهم، إلا أنَّ كلام من تكلم فيه يقتضي ثبوت بعض الضعف فيه، ولكن مثله مقبول في المتابعات والشواهد.
ثم ذكر ابن القَيِّم ﵀ حديثاً آخر في هذا المعنى، وهو حديث:
١١٥- (٣) عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "الخالُ وارثُ من لا وارث له".
عزاه ابن القَيِّم إلى الترمذي، وأنه قال: "وقد أرسله بعضهم، ولم يَذْكُرْ فيه عن عائشة".
стр. 1301
ثم قال ﵀: "وهذا على طريقة منازعينا لا يضرُّ الحديث شيئاً، لوجهين:
أحدهما: أنهم يحكمون بزيادة الثقة، والذي وصله ثقةٌ. وقد زاد، فيجبُ عندهم قبولُ زيادته.
الثاني: أنه مُرْسَلٌ قد عَمِلَ به أكثر أهل العلم - كما قال الترمذي - ومثل هذا حجة عند من يرى المرسلَ حجة، كما نص عليه الشافعيِّ"١.
قلت: هذا الحديث أخرجه: الترمذي في (جامعه) ٢، والنسائي في (الكبرى) ٣، والدارقطني في (سننه) ٤، كلهم من طريق: أبي عاصم٥.
وأخرجه النسائي في (الكبرى) ٦، والحاكم في (المستدرك) ٧، من طريق: مخلد بن يزيد٨. كلاهما عن:
стр. 1302
ابن جريج، عن عمرو بن مسلم١، عن طاوس، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، أن قال: "الله ورسولُهُ مولى من لا مولى له، والخالُ وارثُ من لا وارثَ له". هذا لفظ الحاكم، وعند الدارقطني: "الله مولى ... "، أما لفظ الترمذي ففيه ذكر الخال فقط، وهو الذي قدمناه.
قال أبو عيسى الترمذي: "حديث حسن غريب". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي ﵀.
وقد رُوِيَ عن أبي عاصم من وجه آخر موقوفاً على عائشة ﵂، فأخرجه الدارمي في (مسنده) ٢، والدارقطني في (سننه) ٣، والبيهقي في (سننه) ٤، ثلاثتهم عن: أبي عاصم، بالإسناد الماضي إلى عائشة ﵂ قولها، وعندهم: "الله ورسوله ... ".
زاد الدارقطني في روايته: "فقيل لأبي عاصم: عن النبي ﷺ ؟ فسكت. فقال له الشاذكوني: حَدِّثْنَا عن النبي ﷺ ، فسكت".
وقد تابع أبا عاصم على هذه الرواية الموقوفة: عبد الرزاق، فأخرجه في (مصنفه) ٥: أخبرنا ابن جريج ... فذكره.
стр. 1303
قال البيهقي: "هذا هو المحفوظ، من قول عائشة موقوفاً عليها ... وقد كان أبو عاصم يرفعه في بعض الروايات عنه، ثم شكَّ فيه، فالرفع غير محفوظ".
كذا قال البيهقي ﵀، وقد تقدم أنَّ مخلد بن يزيد الجَزَرِي قد تابع أبا عاصم على هذه الرواية المرفوعة، ومخلد هذا "صدوقٌ مشهورٌ"١ من رجال مسلم، فأبو عاصم وإن كان تَوَقَّفَ مرَّةً في رفعه، فمتابعة مخلد له على الرفع تدلُّ على أن للمرفوع أصلاً، ولا مانع من أن يكون جاء عن عائشة على الوجهين.
على أن النسائي ﵀ قد أعله "بعمرو بن مسلم"، وبالاختلاف فيه على ابن جريج، فقال: "عمرو بن مسلم ليس بذاك القويِّ، وقد اخْتُلِفَ فيه على ابن جريج". ونقله عنه المزيِّ في (تحفة الأشراف) ٢.
أما عمرو بن مسلم فقد ضَعَّفَه أيضاً: أحمد، وابن معين في رواية، وابن خِرَاش. وقال السَّاجي: "صدوقٌ يهم"٣. وقال ابن معين مرة: "لا بأس به"٤. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٥. وقال الذهبي: "صالح
стр. 1304
الحديث"١. ومع ذلك، فهو من رجال مسلم، فمثله - والله أعلم - حديثه حسنٌ على أقل تقدير، وقد حسَّن له الترمذيُّ كما مضى، كما أنه لم ينفرد بروايةِ هذا الأصلِ، بل جاء من غير طريقه.
وأما الاختلاف فيه على ابن جريج: فإن قيل: إن الكل محفوظٌ، فلا إشكالَ. وإن قيل بترجيح الوقف - كما سبق عن البيهقي، ونقَلَهُ ابن حجر٢ عن الدارقطني أيضاً - فليس الاعتماد عليه وحده، وإنما يكون الاعتمادُ على ما تقدم من المرفوعات، ويكون هذا الموقوف للاستشهاد.
وأما ما أشار إليه الترمذي من كونه يُرْوَى مرسلاً - وهو ما نقله ابن القَيِّم عنه وأجاب عنه بما تقدم -: فقد أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) ٣: عن معمر، عن ابن طاوس٤، قال: سمعت بالمدينة أنَّ النبي ﷺ قال: "الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخالُ وارثُ من لا وارثَ له".
فإنَّ هذا المرسلَ يعتضدُ بقول عائشة ﵂ الماضي، وبالأحاديث المسندة في الباب، وبعمل أهل العلم به، كما قَرَّرَهُ ابن القَيِّم ﵀، ولا تناقض بينه وبين ما تقدم.
стр. 1305
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن حديث توريثِ الخالِ حديثٌ حسنٌ كما قال ابن القَيِّم ﵀، وأنَّه وإن كان في بعض طرقه مقالٌ، فإنَّ في اجتماع هذه الطرق - مع تعدُّدِها، واختلاف مخارجها - ما يقَوِّي هذا الحديثَ ولا يجعله ينزل - بحال - عن درجة الحسن، وقد تَقَدَّم تحسين جماعةٍ له: فحسَّن الترمذيُّ حديثي عمر، وعائشة. وحسن أبو زرعة حديث المقدام، مع تصحيح الحاكم لحديثي عائشة والمقدام ﵃ أجمعين، وكذا حسَّن الحافظ ابن حجر حديث عمر. كلُّ ذلك يُؤكِّد ما قرَّرَه ابن القَيِّم - رحمه الله تعالى - من تحسين هذا الحديث، وهو ما ثبتَ من خلال هذه الدراسة، والله أعلم.
стр. 1306
٢ - باب ما جاء في ميراث الذي يسلم على يدي الرجل
١١٦- (٤) عن تميم الداري ﵁، أنه قال: يا رسول الله، مَا السُّنَّة في الرَّجُلِ يُسْلِمُ على يدي الرجلِ من المسلمين؟ قال: "هُوَ أَوْلَى النَّاس بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ ".
ذكر ابن القَيِّم ﵀ أن الذين رَدُّوا هذا الحديث، منهم من رَدَّهُ لِضَعْفِهِ، ومنهم من ذهب إلى كونه منسوخاً، ومنهم من تَأَوَّلَهُ - على تقدير صحته - بأن معناه: هو أحقُّ به: يواليه وينصره، ويبره ويصله ويرعى ذِمَامَهُ، ويغسله ويصلي عليه ويدفنه، فهذه أولويته به، لا أنها أولويته بميراثه، قال ابن القَيِّم: "وهذا هو التأويل"١.
ثم ردَّ على من قال بضعفه، فقال: "وحديث تميم وإن لم يكن في رتبة الصحيح، فلا ينحطُّ عن أدنى درجاتِ الحسنِ"٢.
قلت: هذا الحديث أخرجه: الترمذيُّ، وابن ماجه في (سننيهما) ٣، وأحمد في (مسنده) ٤ - ومن طريقه: ابن عساكر في (تاريخ دمشق) ٥ - كلهم من طريق: وكيع - وعند الترمذي: عن أبي أسامة، وابن نمير، ووكيع -.
стр. 1307
وأخرجه: أحمد في (مسنده) ١ - ومن طريقه: ابن عساكر في (تاريخ دمشق) ٢ - والدارمي في (مسنده) ٣، وابن أبي حاتم في (علله) ٤ عن أبيه، كلهم من طريق: أبي نعيم.
وأخرجه النسائي في (الكبرى) ٥ من طريق: عبد الله بن داود٦.
وأخرجه أبو يعلى في (مسنده) ٧ - ومن طريقه ابن عساكر٨ - والدارقطني في (سننه) ٩ من طريق: علي بن مسهر١٠.
وأخرجه النسائي في (الكبرى) ١١ - ومن طريقه: ابن عساكر في
стр. 1308
(تاريخه) ١ - من طريق يونس بن أبي إسحاق٢.
وأخرجه عبد الرزاق في (المصنف) ٣ من طريق: عبد الله بن المبارك، وأحمد في (مسنده) ٤ - وعنه ابن عساكر٥ - من طريق: إسحاق بن يوسف. والطبراني في (الكبير) ٦ من طريق: حفص بن غياث. والدارقطني في (سننه) ٧ من طريق: إسماعيل بن عياش. وابن عساكر٨ من طريق: يونس بن بكير٩ كلهم عن: عبد العزيز بن عمر١٠، عن عبد الله بن مَوْهَب١١، عن تميم
стр. 1309
الداري ﵁ بنحو ما تقدم، وعند الطبراني: "قلت: يا رسول الله، الرجل يسلم على يديَّ فيموت؟ ". وعند عبد الرزاق قوله ﷺ : "من أسلم على يدي رجل فهو مولاه" بدون سؤال تميم.
وقد تابع عبد العزيز بن عمر على روايته هذه: أبو إسحاق السَّبيعي، فأخرجه النسائي في (الكبرى) ١، والطبراني في (الكبير) ٢، والحاكم في (المستدرك) ٣ ومن طريقه: البيهقي في (سننه) ٤ - كلهم من طريق: يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن عبد الله بن مَوْهَب، عن تميم الداري ﵁ به.
وخالف هؤلاء جميعاً: يحيى بن حمزة، فرواه عن: عبد العزيز بن عمر، عن عبد الله بن موهب، عن قبيصة بن ذؤيب، عن تميم الداري به. فزاد في الإسناد "قبيصة بن ذؤيب" بين ابن موهب، وتميم الداري.
أخرجه كذلك: أبو داود في (سننه) ٥ - ومن طريقه البيهقي٦-
стр. 1310
والطبراني في (الكبير) ١، والبخاري في (تاريخه) ٢، والحاكم في (المستدرك) ٣، وابن عساكر في (تاريخ دمشق) ٤، والبيهقي٥ من وجه آخر، كلهم من طريق: يحيى بن حمزة، عن عبد العزيز بن عمر، أنه قال: سمعتُ عبد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز، عن قبيصة بن ذؤيب، أن تميماً الداري ﵁ قال: يا رسول الله، ما السنة في الرجل ... ؟ الحديث بنحو ما تقدم، وزاد ابن عساكر في روايته: "قال عبد العزيز بن عمر: وشهدتُ عمرَ بن عبد العزيز قضى بذلك في رجلٍ أسلم على يدي رجلٍ، فماتَ وتركَ مالاً، وابنةً له، فأعطى عمر ابنته النِّصْفَ، والذي أسلم على يديه النصف".
وقد حَكَمَ البعض بتقديم رواية الجماعة المتقدمين، التي ليس فيها ذكرٌ لقبيصة، وخطَّأوا من وزاد فيه "قبيصة". فقال الترمذي: "وقد أدخل بعضهم بين عبد الله بن موهب، وبين تميم الداري: قبيصة بن ذؤيب، ولا يصحُّ". وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حمزة، عن عبد العزيز بن عمر، عن ابن موهب، عن قبيصة بن ذؤيب، عن تميم الداري ... ؟ قال أبي: حدثني أبو نعيم، عن عبد العزيز، عن ابن موهب،
стр. 1311
قال: سمعت تميماً الداري، عن النبي ﷺ . قال أبي: أبو نعيم أحفظُ وأتقنُ. قلت لأبي: يحيى بن حمزة أفهم بأهل بلده. قال: أبو نعيم في كل شيء أحفظُ وأتقن"١. وقال الحافظ ابن حجر: "تَفَرَّدَ يحيى بن حمزة بهذه الزيادة، وقد رواه بدونها من أسلفنا"٢.
ومال آخرون إلى إثبات الرواية التي فيها ذِكْرُ قبيصة، فقد ذكر عبد الله بن الإمام أحمد لأبيه حديث ابن موهب، عن تميم، فقال: "قال يحيى بن حمزة: عن عبد العزيز بن عمر، عن ابن موهب، عن قبيصة، عن تميم"٣. وفي لفظ: "إنما هو عن ابن موهب، عن قبيصة، عن تميم"٤
وسُئل ابن معين عن هذا الحديث؟ فقال: "أهل الشام يقولون: عن قبيصة"٥. وفي (تاريخ أبي زرعة الدمشقي) ٦: أنَّ ابنَ معين كتبَ إلى أبي نعيم: أن بينهما رجلاً. فأنكر ذلك أبو نعيم من كتابه. وكان أبو نعيم ينكر وجود قبيصة في الإسناد، ويقول: "أنا سمعت عبد العزيز بن عمر، يذكر عن عبد الله بن موهب، قال: سمعتُ تميماً الداري". فلما احتجوا عليه برواية يحيى بن حمزة، قال: "ومن يحيى بن حمزة حتَّى يُحْتَجَّ عليَّ به؟! ". فقيل له: يا أبا نعيم، لو قيل لك في نُبْلِ رِجَالِك: من
стр. 1312
الأعمش؟ من فلان؟ ألم يكن القائلُ يستطيع أن يقول: لكلِّ قومٍ عِلْمٌ، ولكل قومٍ رجالٌ، وهم أعلم بما رووا؟ فسكت أبو نعيم١.
وقال ابن القطان: "ورواه يحيى بن حمزة عنه، فأدخل بينهما: قبيصة بن ذؤيب، وهو الأصوب"٢. وكأنَّ أبا زرعة الدمشقي ﵀ يُرَجِّح ذلك أيضاً، فإنه قال: "فوجهُ مدخل قبيصة بن ذؤيب في حديثه هذا - فيما نرى، والله أعلم - أن عبد العزيز بن عمر حَدَّثَ يحيى بن حمزة بهذا الحديث من كتابه، وحدثهم بالعراق حفظاً"٣. يعني أن الرواية التي حَدَّث بها من كتابه أصحُّ، وهي التي فيها ذكر قبيصة.
وإذا ما راعينا قول الإمام أحمد في عبد العزيز بن عمر: "ليس هو من أهل الحفظ والإتقان"٤. وقول ابن حبان: "يخطئ"٥. علمنا أن الوهم فيه من عبد العزيز هذا جائز، وأنه ربما أخطأ لمَّا حَدَّثَ من حفظه، فأسقط قبيصة من الإسناد، حتَّى إنَّ أبا نعيم ﵀ لما عُورض برواية يحيى بن حمزة هذه سكت.
فإذا قُبلَ هذا الترجيح للرواية المتصلة، فإنه لم يبق سببٌ لإعلال
стр. 1313
الحديث بالانقطاع بين ابن موهب، وتميم الداري، كما أعله بذلك: يعقوب بن سفيان١، والشافعي٢ رحمهما الله؛ لأنَّ هذه الرواية - والحالة هذه - تصبحُ مرجوحةً.
لكن يبقى بعد ذلك الكلام على بعض العلل التي رُمِي بها الحديث، فمن ذلك:
إعلاله بالاضطراب: قاله ابن المنذر، وابن القطان٣. وهذا مبنيٌّ على ما تقدم من كونه رُوي مرةً مرسلاً، ومرةً متصلاً، ومع إمكان الترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى، لا يبقى وجهٌ للحكم باضطرابه، وقد أمكن ذلك كما تقدم.
ومن ذلك: جهالة عبد الله بن موهب. قال ابنُ معين وقد سئل عنه: "لا أعرفه"٤. وقال الشافعي: "وابن موهب ليس بمعروف عندنا"٥. وقال ابن القطان: "وعلة هذا الحديث: الجهل بحال عبد الله بن موهب؛ فإنه لا تُعرف حاله وإن كان قاضي فلسطين، ولم يعرفه ابن معين"٦.
стр. 1314
قلت: وقد وَثقَهُ جماعةٌ؛ فقال العجلي: "شاميٌّ ثقةٌ"١. وقال يعقوب بن سفيان: "ثقة"٢. وقال الذهبي: "صدوق"٣. وقال ابن حجر - كما مر -: "ثقة". ولا شكَّ أن توثيق هؤلاء الأئمة له يدفع القول بجهالته.
ومما أُعِلَّ به أيضاً: ضعف عبد العزيز بن عمر: فنقل الخطابيُّ عن الإمام أحمد قوله: "عبد العزيز - راويه - ليس من أهل الحفظ والإتقان"٤. وقال ابن المنذر: "لم يروه غير عبد العزيز بن عمر، وهو شيخٌ ليس من أهل الحفظ والإتقان"٥.
وأقول: عبد العزيز بن عمر وَثقَهُ - أيضاً - جماعةٌ؛ فقال ابن معين: "ثقة"٦. وقال مرة: "ليس به بأس، ثقة"٧. وقال النسائي: "ليس به بأس"٨. وقال أبو داود: "ثقة"٩. وقال يعقوب بن سفيان: "ثقة"١٠.
стр. 1315
وقال أبو زرعة: "لا بأس به"١. وقال أبو حاتم: "يُكْتَبُ حديثه"٢. وقال ابن عمار: "ثقة، ليس بين الناس اختلاف"٣. وقال ابن شاهين: "ثقة ثقة، قاله أحمد ويحيى"٤. وقال الذهبي: "ثقة"٥. فإذا ظهر ذلك، فإنه لا متعلق لأحدٍ على عبد العزيز في تضعيف هذا الحديث.
ويتلخص من ذلك أن ما أُعِلَّ به الحديث لا يضره، بل صححه الحافظ أبو زرعة الدمشقي ﵀، فقال: "وهذا حديثٌ مُتَّصِلٌ حسنُ المخرج والاتصال، لم أر أحداً من أهل العلم يدفعه"٦. وقال مرة: "ولم أر أبا مسهر لما تَحَدَّثَ بهذا الحديث أنكره، ولا رَدَّهُ"٧. ولذلك - والله أعلم - قال البخاريُّ ﵀ وقد علقه في (صحيحه) ٨ بصيغة تمريض، فقال: ويذكر عن تميم الداري رفعه ... - قال: "واختلفوا في صحة هذا الخبر". فلم يقطع ﵀ بضعفه.
ثم إن البخاريَّ ﵀ قد ردَّ هذا الخبر لا لِعِلَّةٍ فيه، وإنما
стр. 1316
لمعارضته خبراً آخر، فإنه قال في (تاريخه) ١ - بعد أن أخرجه -: "ولا يصح، لقول النبي ﷺ : "الولاء لمن أعتق".
وَرَدَّهُ الأوزاعي - أيضاً - من وجه آخر، فروى أبو زرعة الدمشقي بسنده إلى الوليد بن مسلم: أن الأوزاعي كان يدفع هذا الحديث، ولا يرى له وجهاً، ويحتجُّ على ذلك: بأنه لم يكن للمسلمين يومئذٍ ذمةٌ ولا خراجٌ٢.
ولكن تأويلّ هذا الحديث على الوجه الذي اختاره ابن القَيِّم ﵀ من أن المقصود بالأولوية: أولوية النصرة، والتأييد، والمعاونة، لا أولوية الميراث - يدفع هذا الإشكال، وقال ابن حجر بأن هذا اختيار الجمهور، قال: "ورجحانه ظاهر"٣.
فتلخص من ذلك: أن هذا الحديث قد أُعِلَّ بما لا يؤثر فيه، وأنه بهذا الإسناد يصلُ إلى درجة الحَسَنِ - أو أدنى الحسن - كما قال ابن القَيِّم ﵀.
ثم ذكر ابن القَيِّم بعد ذلك شاهداً لهذا الحديث، فقال: "وأما تضعيفُ الحديث: فقد رُوِيَت له شواهد. منها: حديث أبي أمامة".
قلت: يشير ﵀ إلى: ما رُوي:
стр. 1317
١١٧- (٥) عن أبي أمامة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من أَسْلَمَ على يدي رجلٍ، فله ولاؤه ".
ثم ذكر ابن القَيِّم ﵀ أن هذا الحديث وإن رُدَّ بـ"جعفر ابن الزبير" فإنه قد رُوي من طريق آخر عند سعيد بن منصور١.
قلت: حديثُ سعيد بن منصور هذا مُخَرَّجٌ في (سننه) ٢، وأخرجه أيضاً: الطبراني في (الكبير) ٣، والدارقطني في (سننه) ٤، وابن عدي في (الكامل) ٥ - ومن طريقه البيهقي في (سننه) ٦ - كلهم من طريق: عيسى بن يونس٧، عن معاوية بن يحيى٨، عن القاسم بن عبد الرحمن٩، عن أبي أمامة ﵁ به. وعند الطبراني: "فهو مولاه" بدل: "فله ولاؤه".
стр. 1318
وهذا الإسناد ضعيفٌ لأجل معاوية بن يحيى، فقد أجمعوا على ضعفه١، ولذلك فقد أعلَّ هذا الحديث به: ابنُ عدي، والدارقطني، والبيهقي، والهيثمي٢. وقال ابن أبي حاتم في (العلل) ٣: "وسمعت أبا زرعة وقرأ علينا كتاب الفرائض، فانتهى إلى حديث كان عنده عن: عمرو الناقد، عن عيسى بن يونس، عن معاوية بن يحيى ... فامتنع أبو زرعة من فراءته علينا، ولم نسمعه منه".
قلت: ومعاوية بن يحيى وإن كان ضعيفاً، فقد ذهب بعضهم إلى أنَّ ما حَدَّثَ به بالشام أحسنُ حالاً من غيره٤، وإسناد هذا الحديث شاميٌّ، فالغالب أنه مما حَدَّثَ به بالشام، فلعل ذلك يُعطي هذا الحديث قوةً، وأنه - مع ضعف إسناده - إذا ضُمَّ إلى حديث تميم الداري المتقدم، تَقَوَّى كلُّ منهما بالآخر.
وأما رواية جعفر بن الزبير٥ التي أشار إليها ابن القَيِّم آنفاً: فأخرجها ابن عديٍّ في (الكامل) ٦ - ومن طريقه البيهقي في (سننه) ٧ -
стр. 1319
من طريق: عيسى بن يونس، عن جعفر بن الزبير، وبالإسناد المتقدم في حديث معاوية.
ولكنَّ جعفر بن الزبير متروك الحديث عندهم١، فيكون الاعتماد في حديث أبي أمامة هذا على ما جاء من رواية معاوية بن يحيى الصدفي - على ما فيها من ضَعْفٍ - فإنها تصلح شاهداً لحديث تميم الماضي، كما ذهب إلى ذلك ابن القَيِّم ﵀، والله أعلم.
стр. 1320
١٨- من كتاب الأذكار
١ - باب ما يقول من نسي التسمية في أول طعامه
١١٨- (١) عن عائشة ﵂، أَنَّ رَسُول الله ﷺ قال: "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرَ اسْمَ الله تعالى، فَإِنْ نَسِيَ أن يَذْكُرَ اسم الله تعالى في أَوَّلِهِ فَلْيَقُل: بِسْم اللهِ في أَوَّلِهِ وآخره".
قال ابن القَيِّم ﵀: "حديث صحيح"١.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٢ من طريق: إسماعيل بن عُلَيَّة. والترمذي في (جامعه) ٣، وأحمد في (المسند) ٤ من طريق: وكيع. والدارمي في (مسنده) ٥ من طريق: معاذ بن هشام. والحاكم في (المستدرك) ٦ من طريق: عَفَّان بن مسلم. والبيهقي في (سننه) ٧ من طريق: روح، وكذا أحمد في رواية٨. والنسائي في (عمل اليوم والليلة) ٩ من طريق: المعتمر بن سليمان. والطيالسي في (مسنده) ١٠،
стр. 1321
كلهم عن: هشام الدستوائي، عن بُدَيْل بن ميسرة، عن عبد الله بن عبيد ابن عُمَير١، عن أم كلثوم - وفي رواية أبي داود، وكذا الطيالسي: عن امرأة منهم يقال لها: أم كلثوم - عن عائشة ﵂ به.
وأخرجه ابن ماجه في (سننه) ٢، وأحمد والدارمي في (مسنديهما) ٣، وابن حبان في (صحيحه) ٤، أربعتهم عن: يزيد بن هارون، عن هشام الدستوائي بالإسناد المتقدم، إلا أنه ليس فيه ذكر لأم كلثوم، وفي هذه الرواية قصة.
وهذا الإسناد منقطع؛ فإن عبد الله بن عبيد بن عمير لم يسمع من عائشة، كما قال ابن حزم٥ ﵀. ولا شكَّ أنَّ رواية الجماعة الذين ذكروا "أم كلثوم" أولى من رواية يزيد بن هارون الذي انفرد بإسقاطها، فتقدم عليها.
وهذا الحديث قال فيه الترمذي: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. مع تصحيح ابن حبان إياه.
стр. 1322
قلت: لكن في الإسناد أم كلثوم، راوية الحديث عن عائشة ﵂، وقد وقع خلاف فيها، فقال الترمذي ﵀ عقب إخراجه حديثها: "هي بنت محمد بن أبي بكر الصديق ﵁". قال ابن حجر عقبه: "كذا في عدة أصول، ولا يعكر عليه إلا ما وقع في رواية أبي داود، عن عبد الله بن عبيد، عن امرأة منهم يقال لها: أم كلثوم"١. وقال في (التقريب) ٢ - معقباً على قول الترمذي -: "فعلى هذا فهي تيمية لا ليثية". وتردد فيها المزي فترجمها: "الليثية أو المكية"٣ لكن قال ابن حجر: "فقول ابن عمير: عن امرأة منهم. قابل للتأويل، فينظر فيه، فلعل قوله: منهم أي كانت منهم بسبب: إما بالمصاهرة، أو بغيرها من الأسباب"، قال: "والعمدة على قول الترمذي"٤. وقال في (النكت الظراف) ٥: "ويمكن تأويل قوله: منهم. أي من أهل جوارهم".
وعلى كُلِّ حالٍ، فسواء أكانت ليثية أم تيمية، فإنها لا يُعْرَفُ لها حال ولا عينٌ، فلم يرو عنها غير: عبد الله بن عمير الليثي" هذا، ولم يوثقها أحد فيما فتشت عنها، ولذلك ذكرها الحافظ الذهبي في آخر كتابه (الميزان) ٦ ضمن النساء المجهولات، فقال: "تفرد عنها عبد الله بن عبيد بن عمير في التسمية على الأكل".
стр. 1323
وعلى هذا: فإنَّ الحُكْمَ على هذا السند متوقفٌ على العلم بحال أم كلثوم هذه، إلا أن يُحْمَل تصحيح من صححه على قول الذهبي ﵀: "وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها"١، ومع ذلك فالحديث له شواهد يمكن أن يَتَقَوَّى بها، فمن هذه الشواهد:
حديث أُمَيَّة بن مَخْشِيِّ، ذكره ابن حجر في (فتح الباري) ٢ عقب حديث عائشة السالف، فقال: "وله شاهد من حديث أمية بن مخشي ... ".
قلت: وهذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والطبراني في (معجمه الكبير) ٤ من طريق: عيسى بن يونس. وأخرجه: أحمد في (مسنده) ٥، والطبراني - أيضا - في (معجمه) ٦، والنسائي وابن السني في (عمل اليوم والليلة) ٧، والحاكم في (المستدرك) ٨، خمستهم من طريق: يحيى بن سعيد، كلاهما عن:
стр. 1324
جابر بن صُبْح١، عن المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي٢، عن عمه أمية بن مخشي٣ - وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ جالساً ورجل يأكل، فلم يسم حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة، فلما رفعها إلى فيه قال: "بسم الله أوله وآخره". فضحك النبي ﷺ ، ثم قال: "ما زالَ الشيطان يأكلُ معه، فلما ذَكَرَ اسم الله استقاء ما في بطنه". لفظ رواية عيسى بن يونس.
وقد وقع في رواية عيسى بن يونس: أن أُمَيَّة بن مخشي عمُّ الْمُثَنَّى، وفي رواية يحيى بن سعيد: أنه جده. وكأن ابن حجر ﵀ يُضَعِّفُ القول الثاني؛ فإنه قال: "روي عن أمية بن مخشي وهو عمه، ويقال: جده"٤.
والْمُثَنَّى بن عبد الرحمن تَفَرَّدَ عنه جابر بن صبح٥، لم يرو عنه غيره، ولم يوثقه أحد غير ابن حبان٦، وقال علي بن المديني: "مجهول"٧. وقال الذهبي: "لا يعرف"٨. وسكت عنه ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٩.
стр. 1325
ومن هذا يعلم أن قول الحاكم ﵀: "صحيح الإسناد"، وموافقة الذهبي إياه غير مقبول منهما؛ إذ الجهل بحال الْمُثَنَّى يمنع من الحكم بصحة إسناده.
وثَمَّةَ شاهد آخر من حديث ابن مسعود ﵁:
أخرجه: ابن حبان في (صحيحه) ١، والطبراني في (الكبير) ٢، وابن السني في (عمل اليوم والليلة) ٣، ثلاثتهم من طريق: خليفة بن خياط، عن عمر بن علي المقدمي٤، عن موسى٥ الجهني، عن القاسم ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود٦، عن أبيه٧، عن جده ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "من نَسِيَ أن يذكر الله في أول طعامه، فليقل حين يذكر: بسم الله في أوله وآخره؛ فإنه يستقبل طعاماً جديداً، ويمنع الخبيث ما كان يصيب منه ".
стр. 1326
وهذا الإسناد رجاله ثقات، غير أنه يُخْشَى من عَدَمِ سماع عبد الرحمن بن عبد الله هذا الحديث من أبيه، فإنه قد تُكُلِّمَ في سماعه منه، واختلف الأئمة في ذلك، فمنهم من أثبت له السماع، ومنهم من نفاه، وقال علي بن المديني: "سمع من أبيه حديثين: حديث الضبِّ، وحديث تأخير الوليد للصلاة"١.
وفي الإسناد أيضاً: عمر بن علي الْمُقَدَّمي، وهو شديد التدليس، كما وصفه بذلك ابن حجر٢ ﵀، ولكنه صَرَّحَ هنا بالسماع، فانتفى بذلك احتمال تدليسه.
وذكر له الشيخ الألباني شاهداً ثالثاً٣: من رواية امرأة عن النبي ﷺ . وعزاه لأبي يعلى٤، وقال: "بسند صحيح رجاله ثقات رجال مسلم، غير إبراهيم بن الحجاج، وهو ثقة". ثم نقل عن الهيثمي قوله: "رجاله ثقات"٥. وصحح إسناده أيضاً: محقق المسند.
فَتَحَصَّلَ من ذلك: أن حديثَ الباب وإن كان فيه ضعف، فإنه يَتَقَوَّى بهذه الشواهد، ويصير بذلك حسناً على أقل أحواله. أما تصحيح
стр. 1327
ابن القَيِّم ﵀ إياه فلا يوافق عليه، لما تقدم من الكلام في طرقه، فلعله ﵀ وقف عليه من طرق صحيحة غير هذه، أو قصد: أنه صحيح بشواهده، والله أعلم.
وقد رمز له السيوطي بالصحة١، وصححه الشيخ الألباني٢، مع ما تقدم من تصحيح الترمذي والحاكم والذهبي لرواية عائشة ﵂.
стр. 1328
٢ - باب ما يقول إذا دخل السوق
١١٩- (٢) عن عمر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ دَخَل السُّوق فقال: لا إِلَهَ إلاّ الله وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ، له الْمُلْكُ وله الحَمْدُ، يُحْيِي ويُمِيتُ، وهو حَيٌّ لا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخير، وهو على كُلِّ شَيءٍ قَدير: كُتِبَ له ألفُ ألفِ حسنة، ومُحِيَ عنه ألفُ ألفِ سيئة، وَرُفِعَ لَهُ ألفُ ألفِ درجة".
ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث في (تهذيب السنن) ١ ثم قال: "حديثٌ معلولٌ، لا يثبتُ مثله، وذكر له الترمذيُّ طرقاً". ثم ذكر هذه الطرق، وبيّن عِلَّةَ كل طريق منها:
أما الطريق الأولى: فإنها أمثل طرقه، لكن فيها أزهر بن سنان، وهو لا بأس به، وقد تكلم فيه بعضهم.
وأما الطريق الثانية: ففيها عمرو بن دينار٢، وقد ضُعِّفَ.
وأما الطريق الثالثة: ففيها عمران بن مسلم، وهو منكر الحديث.
قلت: هذا الحديث مداره على: سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله، عن جَدِّه عمر ﵁. وله عن سالم طرق:
стр. 1329
الطريق الأول: رواه عمرو بن دينار، عن سالم به.
أخرجه: ابن ماجه في (سننه) ١، وأحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٢، وابن السني في (عمل اليوم والليلة) ٣، والطبراني في (الدعاء) ٤، كلهم من طريق: حماد بن زيد.
وأخرجه الترمذي في (جامعه) ٥ من طريق: المعتمر بن سليمان وحماد بن زيد.
وأخرجه الطبراني في (الدعاء) ٦ من طريق: ثابت بن يزيد٧.
وأخرجه الطبراني في (الدعاء) ٨ - أيضاً - من طريق: عبد الله بن بكر السهمي٩، عن هشام بن حسان. جميعهم عن: عمرو بن دينار، عن سالم به.
стр. 1330
وخالف فضيل بن عياض١ عبد الله السهمي، فرواه عن: هشام بن حسان، عن سالم، عن ابن عمر٢. فأسقط منه "عمرو بن دينار" و"عمر ابن الخطاب".
وخالفهما: سويد بن عبد العزيز، فرواه عن: هشام، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب موقوفاً عليه٣، ولم يذكر فيه "سالماً".
وقد أُعِلَّ هذا الطريق بعلل:
أولها: أنه مضطرب، قال الإمام الدارقطني - بعد أن ذكرَ أوجه الاختلاف فيه -: "ويشبه أن يكون الاضطراب فيه من عمرو بن دينار"٤.
ثانيها: ضعف عمرو بن دينار٥، وقد أَعَلَّهُ بذلك الدارقطني أيضاً٦.
ثالثها: نكارته، قال أبو حاتم: "هذا حديث منكر جداً، لا يحتمل سالم هذا الحديث"٧.
стр. 1331
الطريق الثاني عن سالم: رواه عنه محمد بن واسع١.
أخرجه الترمذي في (جامعه) ٢، والدارمي في (مسنده) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤، والعقيلي في (الضعفاء) ٥ كلهم من طريق: يزيد بن هارون.
وأخرجه الطبراني في (الدعاء) ٦ من طريق: سعيد بن سليمان الواسطي. كلاهما عن:
أزهر بن سنان٧، عن محمد بن واسع قال: قدمتُ مكة فلقيني أخي سالم بن عبد الله بن عمر، فَحَدَّثَنِي عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: ... فذكره. وزاد الدارمي والعقيلي قول محمد بن واسع: "فقدمت خراسان فلقيتُ قتيبة بن مسلم، فقلت: إني أتيتك بهدية، فحدثته، فكان يركب في موكبه، فيأتي السوق، فيقوم فيقولها، ثم يرجع".
ووقع في المستدرك: "قدمت المدينة" بدل "مكة". ولعله خطأ.
стр. 1332
وأزهر بن سنان ضعيف، قال ابن معين: "لا شيء"١. ولَيَّنَه الإمام أحمد٢. وقال الساجي: "فيه ضعف"٣. وقال العقيلي: "في حديثه وهم"٤. وقال ابن حبان: " ... منكر الرواية في قلته، لم يتابع الثقات فيما رواه"٥. وقال الذهبي: "فيه لين"٦.
قلت: ومع ضعف أزهر هذا، فقد خالفه فيه يزيد الدورقي صاحب الجواليق٧، فقد أخرج العقيلي في (ضعفائه) ٨ من حديث إبراهيم بن حبيب بن الشهيد٩، قال: حدثنا يزيد الدورقي أبو الفضل - صاحب الجواليق - قال: كان محمد بن واسع الأزدي لا يزال يجيء إلى دكان، فيقعد ساعة في أصحاب الجواليق، فنرى أنه يذكر ربه، فحدثنا، قال: كنت بخراسان مع قتيبة، فاستأذنته في الحج، فأذن لي، فلقيت سالم ابن عبد الله، فسمعته يذكر: أنه من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله ... قال: فلما رجعت إلى خراسان قال لي قتيبة: ما أفدتنا؟ فحدثته بهذا
стр. 1333
الحديث. فكان قتيبة يركب في الأيام، فيقف في السوق فيقولها أربعين مرة، ثم ينصرف.
فهو هنا موقوفٌ على سالم من قوله، ولم أقف - بعد البحث - على ترجمة يزيد صاحب الجواليق، لكن قدم العقيلي هذه الرواية على رواية أزهر السالفة، فقال: "وهذا أولى من حديث أزهر"١.
وقد حكم الأئمة على رواية أزهر بالنكارة والضعف، فقد نقل أبو غالب الأزدي عن علي بن المديني أنه ضعّف أزهر بن سنان جداً في حديث رواه عن محمد بن واسع، وأشار ابن حجر ﵀ إلى أن المقصود هو هذا الحديث٢.
وحكم أبو حاتم على الحديث بالنكارة، وحمل ذلك على محمد بن واسع، فقال: "روى عن سالم، عن ابن عمر حديثاً منكراً"٣. لكن تعقبه الذهبي ﵀، فقال: "النكارة إنما هي من قِبَلِ الراوي عنه"٤. يعني: أزهر بن سنان.
فقد تَبَيَّنَ من ذلك أن حديث أزهر هذا ضعيف السَّنَد، وأنَّ الصَّوابَ وقفه على سالم بن عبد الله بن عمر، مع الحكم بنكارته: ربما من أجل متنه كما سيأتي، وربما من أجل المخالفة في إسناده، فإن المشهور أنه: عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله.
стр. 1334
ومن أجل ذلك فقد حكم الترمذي على حديث أزهر هذا بالغرابة، فقال: "هذا حديث غريب".
ولهذا الحديث طريق ثالث:
أخرجه الترمذي في (علله) ١ - وعلقه في (جامعه) ٢ - والعقيلي في (الضعفاء) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤ من طريق:
يحيى بن سليم الطائفي، عن عمران بن مسلم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعاً.
وعمران بن مسلم اختلف فيه الأئمة في هذا الحديث: هل هو عمران القصير أم غيره؟ فَفَرَّقَ البخاريُّ بينهما، وجعل الراوي هنا غير القصير، فقد سأله الترمذي: من عمران بن مسلم هذا، هو عمران القصير؟ فقال البخاري: "لا، هذا شيخ منكر الحديث"٥. وفرق بينهما العقيلي في (الضعفاء) ٦، وكذا ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٧.
وخالفهم في ذلك الدارقطني ﵀، فقال: "وقد قيل إن
стр. 1335
عمران بن مسلم هذا ليس بعمران القصير، ذكره أبو عيسى ... عن البخاري، وهو عندي عمران القصير ... ليس فيه شك"١.
وحاصل الخلاف في ذلك: أَنَّ عمران القصير من رجال الصحيح، أما الآخر - فكما قال البخاري -: منكر الحديث، ولكن مهما يكن من أمر فإن هذه الرواية قد ضَعَّفَها الأئمة، فقال الإمام البخاري - لما سأله عنها الترمذي -: "هذا حديث منكر"٢. وكذا قال أبو حاتم٣ ﵀.
وقال ابن أبي حاتم: "وهذا الحديث هو خطأ، إِنَّمَا أراد: عمران ابن مسلم، عن عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، عن سالم، عن أبيه. فغلط وجعل بدل عمرو: عبد الله بن دينار، وأسقط سالماً من الإسناد"٤. ثم ساقه بإسناده إلى عمران بن مسلم على الصواب.
قلت: وعلى قول من ذهب إلى أن عمران هذا هو القصير، فَإِنَّه - أيضاً - ينفردُ بأشياء لا يرويها غيره٥. وقد ذكره ابن حبان في (الثقات) ٦ لكنه قال: "إلا أن في رواية يحيى بن سليم عنه بعض