وقد قيده ابن الصلاح١ - وتبعه عليه النووي٢، والعراقي٣- بما يتعلق من ذلك بسبب النزول، وسبق هؤلاء جميعاً إلى التقييد بذلك: الخطيب البغدادي، وأبو منصور البغدادي، كما أفاده الحافظ ابن حجر٤.
على أنه قد جاء عن الحاكم التقييد بذلك أيضاً، فقال - بعد أن ذكر حديث جابر ﵁ في سبب نزول قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]-: "هذا الحديث وأشباهه مسندة عن آخرها وليست بموقوفة، فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل، فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا، فإنه حديث مسند"٥.
وقد اعتمد ابن القَيِّم ﵀ رأي الحاكم في "المستدرك"، ونقله عنه في كثير من المواضع، محتجاً به على إثبات حكم الرفع لما يقوله الصحابي من التفسير.
فقد نقل عنه كثيراً قوله: "تفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع"٦.
стр. 352
ولكن: هل يَحْمِلُ ابن القَيِّم هذا الكلام من الحاكم على إطلاقه فَيُثْبِتُ لتفسير الصحابي حكم الرفع مطلقاً؟
والجواب عن ذلك يظهر من شرح ابن القَيِّم لمراد الحاكم بمقالته؛ إذ قال ﵀: "ومراده - أي الحاكم -: أنه في حكمه في الاستدلال به والاحتجاج، لا أنه إذا قال الصحابي في آية قولاً، فلنا أن نقول: هذا القول قول رسول الله ﷺ ، أو: قال رسول الله ﷺ .
وله وجه آخر: وهو أن يكون في حكم المرفوع، بمعنى: أن رسول الله ﷺ بَيَّنَ لهم معاني القرآن، وفسره لهم، كما وصفه تعالى بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ " [النحل: ٤٤] .
فَبَيَّن لهم القرآن بياناً شافياً كافياً، وكان إذا أشكل على أحد منهم معنىً، سأله عنه، فأوضحه له، كما سأله الصديق عن قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ ١ [النساء: ١٢٣] فبين له المراد، ... وكما سألته أم
стр. 353
سلمة عن قوله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ ١؟ [الانشقاق: ٨] فبين لها أنه العرض ... وهذا كثير جداً.
فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن، فتارة ينقلونه عنه بلفظه، وتارة بمعناه، فيكون ما فسروا بألفاظهم من باب الرواية بالمعنى، كما يروون عنه السنة تارة بلفظها، وتارة بمعناها. وهذا أحسن الوجهين، والله أعلم"٢.
فابن القَيِّم ﵀ ينفي أن يكون المراد بأن له حكم الرفع: نسبته إلى النبي ﷺ ، وأنه قاله، ولكنه يؤكد كونه حجة كالمرفوع، كما مضى في كلامه، بل ويصرح بذلك في مناسبة أخرى، فيقول: "تفسير الصحابة حجة"٣.
ويُقيِّدُ ابن القَيِّم ﵀ الاحتجاج بتفسير الصحابي
стр. 354
بقيدين، وهما:
١- أن لا يعارضه نصٌّ في المسألة.
٢- أن لا يعارضه قول غيره من الصحابة.
فإذا توافر لتفسيره هذان الشرطان عُلِمَ أن الصواب في قوله؛ إذ يمتنع أن يكون قول أحدهم في كتاب الله خطأ محضاً ويُمسكُ الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به؛ فإنه من المحال خلوّ عصرهم عن ناطق بالصواب واشتماله على ناطق بالخطأ فقط١.
فهذا حاصل كلام ابن القَيِّم ﵀ في تفسير الصحابي، وبيان مراد الحاكم بقوله: إنه في حكم المرفوع، وأن تفسيره في الحجية كحجية المرفوع سواء، ولكن بشرطين مهمين.
ومما يحسن التنبيه عليه هنا: أن الحافظ ابن حجر ﵀ ذَكَرَ ضابطاً آخر لما يفسره الصحابي، فقال: "والحق: أن ضابط ما يفسره الصحابي ﵁:
- إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا منقولاً عن لسان العرب: فحكمه الرفع، وإلا: فلا، كالإخبار عن الأمور الماضية: من بدء الخلق، وقصص الأنبياء. وعن الأمور الآتية: كالملاحم والفتن، والبعث، وصفة الجنة والنار، والإخبار عن عمل يحصل به ثواب أو عقاب مخصوص. فهذه الأشياء لا مجال للاجتهاد فيها، فيحكم لها بالرفع ...
стр. 355
- وأما إذا فسر آية تتعلق بحكم شرعي، فيحتمل أن يكون ذلك مستفاداً عن النبي ﷺ ، وعن القواعد، فلا يُجْزَم برفعه. وكذا إذا فَسَّرَ مفرداً، فهذا نقل عن اللسان خاصة، فلا يجزم برفعه.
وهذا التحرير الذي حررناه هو معتمد خلق كثير من كبار الأئمة: كصاحبي الصحيح، والإمام الشافعي، وأبي جعفر الطبري، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي بكر بن مردويه في تفسيره المسند، والبيهقي، وابن عبد البر في آخرين"١.
وهذا القيد لم يتعرض له ابن القَيِّم ﵀، مع أنه قد تَقَدَّم عنه - في المسألة الثالثة - القول: بأن ما يقوله الصحابي مما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد يثبت له حكم الرفع؛ وذلك بناءً على ما تقدم عنه من إطلاق كون تفسير الصحابي مسنداً مرفوعاً بشرط عدم معارضة نصٍّ له أو تفسير لصحابي آخر، فيكون من مختلف الحديث، فكأنه لم يقيده بكونه مما لا مجال للرأي فيه في خصوص التفسير وحده، والله أعلم.
стр. 356
المبحث الخامس: الْمُرْسَل
حدُّ الحديث المرسل وصورته.
اختلفت عبارات الأئمة في حدَّ الحديث المرسل على وجوه، أشهرها:
ما قاله الحافظ ابن حجر: "هو ما سقط من آخره من بعد التابعي". قال: "وصورته: أن يقول التابعيُّ - سواء كان كبيراً أو صغيراً-: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، أو فُعِلَ بحضرته كذا، أو نحو ذلك"١. قال: "وهذا الذي عليه جمهور الْمُحَدِّثِين"٢.
ويمكن أن نتناول بعض المسائل المتعلقة بالمرسل، مما بحث فيها ابن القَيِّم ﵀، فمن ذلك:
المسألة الأولى: في حكم الحديث المرسل، والقول في قبوله أو رده.
فقد اختلفوا في الاحتجاج بالمرسل على أقوال:
- أحدها: قبول مراسيل الصحابة فقط، ورد ما عداها مطلقاً٣. وهذا الذي عليه عمل أئمة الحديث٤.
стр. 357
- الثاني: ردُّ المرسل مطلقاً، حتى مراسيل الصحابة ﵃، وهو قول أبي إسحاق الإسفراييني١.
- الثالث: القبول مطلقاً في جميع الأعصار والأمصار. قال العلائي: "وهو توسُّعٌ بعيدٌ جداً غير مرضي"٢.
- الرابع: قبول مرسل الصحابة وكبار التابعين فقط، وهو مذهب الشافعي وجماعة من المتقدمين.
ولكن لقبوله شروط عند الشافعي ﵀، بعضها في الخبر الْمُرْسَل نفسه، وبعضها في نفس الراوي الْمُرْسِل.
فأما شروط الخبر المرسل، فهي أن يتوافر له أحد أربعة أشياء تعضده، وهي:
١- أن يُروى هذا المرسل من وجهٍ آخر مسنداً، فيدلُّ ذلك على صحة الحديث.
٢- أو يروى مرسلاً، أرسله من أخذ العلم عن غير شيوخ المرسل الأول؛ فإنه يتقوى بذلك أيضاً، وإن كان أضعف في التقوية من الذي قبله.
٣- أو يوجد ما يوافقه من كلام بعض الصحابة فيُسْتَدَلُّ بذلك على أن لهذا المرسل أصلاً صحيحاً؛ لأن الصحابي إنما أخذ قوله عن النبيصلى الله عليه وسلم.
٤- فإن لم يوجد من ذلك شيء، وَوُجِدَ أكثر أهل العلم يقولون به، فإن ذلك يدل على صحة هذا المرسل أيضاً، وأن له أصلاً، وأنهم قد استندوا في فتواهم إلى ذلك الأصل.
стр. 358
وأما شروط الْمُرْسِل نفسه، فهي:
١- أن يكون من كبار التابعين، فإنهم لا يروون في الغالب إلا عن صحابي أو تابعي كبير.
٢- أن يكون الْمُرْسِل إذا سَمَّى من روى عنه سمى ثقة مقبولاً، ولم يسم ضعيفاً ولا مجهولاً ولا مرغوباً عن الرواية عنه.
٣- ألا يخالف الحفاظ إذا شارَكَهم فيما أسندوه، فإن كان ممن يخالف لم يقبل مرسله.
فهذه جملة الشروط التي ذكرها الشافعي ﵀ لقبول المرسل١.
فإذا توافرت في حديث مرسل قُبِلَ، وقال الحافظ العلائي: "المرسل الذي حصلت فيه هذه الشواهد أو بعضها يسوغ الاحتجاج به"٢.
- الخامس: قبول مرسل من عُرِفَ من عادته أو صريح عبارته أنه لا يُرْسِلُ إلا عن ثقة، فإن كان كذلك قُبِلَ، وإلا فلا.
قال الحافظ العلائي: "فهذا القول أرجح الأقوال في هذه المسألة وأَعْدَلُهَا"٣. وقال مرة عن هذا المذهب ومذهب الشافعي الذي قبله: "وهذا القول والذي قبله أعدلُ المذاهب، وبه يحصل الجمع بين الأدلة المتقدمة من الطرفين"٤.
стр. 359
وأيَّدَهُ في ترجيح ذلك: الحافظ ابن حجر ﵀ ونقل أقوالاً عدة في تأييده، ثم قال:
"وبهذا المذهب يحصلُ الجمع بين الأدلة لطرفي القبول والرد"١.
وفي المسألة أقوالٌ أخرى غير ما ذكرنا.
فتحَصَّلَ من ذلك أن أقوال العلماء في الاحتجاج بالمرسل تدور على ثلاثة مذاهب، وهي:
١- القبول مطلقاً.
٢- الرد مطلقاً.
٣- التفصيل في المسألة، أو: قبوله بشروط.
وبالنظر إلى تَصَرُّف ابن القَيِّم ﵀ في الاحتجاج بالمرسل، واختياره في ذلك: فقد ذهب ﵀ إلى قبول المرسل إذا توافرت فيه تلك الشروط التي ذكرها الشافعي ﵀، وأضاف إلى ذلك مُعَضِّداً - لعله أخذه من الأصوليين- وهو: اعتضاد المرسل بالقياس، وسيأتي نقل ذلك عنه.
فمن أقواله التي يُقَرِّرُ فيها شروط الاحتجاج بالمرسل:
قوله في حديث أبي قتادة في عدم كراهية الصلاة يوم الجمعة وقت الزوال - وقد أُعِلَّ بالإرسال -:
стр. 360
"الْمُرْسَلُ: إذا اتصَّل به عملٌ، وعضده قياسٌ، أو قول صحابي، أو كان مُرْسِلُه معروفاً باختيار الشيوخ، ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين، ونحو ذلك مما يقتضي قوته: عُمِلَ به وأيضاً: فقد عضده شواهد أخر"١.
ثم أخذ في سياق بعض الشواهد المسندة لهذا الحديث.
وبالنظر إلى كلام ابن القَيِّم هذا، نجد أنه قد أعمل شروط المذهبين الراجحين السالف ذكرهما.
فكون المرسل: تعضده شواهد مسندة.
أو يَعْمَلُ به أكثر أهل العلم.
أو يوافقه قول صحابي.
فإن هذه من شروط قبول المرسل عند الإمام الشافعي ﵀.
وكون مُرْسِلهُ: ممن عرف بالرواية عن الثقات، وتجنب الضعفاء والمتروكين، فإن هذا مقتضى المذهب الذي تقدم ترجيحه آنفاً، وأضاف إلى ذلك كله: كونه مما يعضده القياس، وهذا مما زاده الأصوليون في
стр. 361
الاعتضاد، كما نصَّ عليه السيوطي١ ﵀.
وقال ﵀ في حديث ميراث المرأة، وأنها "تحوز ميراث: عتيقها، ولقيطها، والذي لاعنت عليه" - وقد أورد عدة آثار مرسلة ومسندة في ميراثها ولد الملاعنة خاصة - قال: "وهذه الآثار يشد بعضها بعضاً، وقد قال الشافعي: إن المرسل إذا رُوِيَ من وجهين مختلفين، أو رُوِيَ مسنداً، أو اعتضد بعمل بعض الصحابة: فهو حجة".
قال: "وهذا قد رُوِيَ من وجوه متعددة، وعمل به من ذكرنا من الصحابة، والقياس معه ... "٢.
وقد لاحظنا في هذا المثال ذكر شرط آخر من شروط الاعتضاد، وهو: أن يوافق هذا المرسل مرسل آخر يُروى من وجه آخر.
وأورد مرسل سعيد بن المسيب في القضاء بين رجلين بالقرعة، ثم ساق له شاهداً مرسلاً - أيضاً - من رواية سليمان بن يسار، ثم قال: "فهذا مرسل: قد روى من وجهين مختلفين،
стр. 362
وهو من مراسيل ابن المسيب، وتشهد له الأصول التي ذكرناها في القرعة"١.
وقوله هنا بأنه "من مراسيل سعيد بن المسيب" يعني: أنه عُرِفَ من حاله أنه لا يُرْسِل إلا عن ثقة، وتقدم بيان هذا الشرط، والكلام عليه.
فقد قَبِلَ الشافعي ﵀ مراسيل ابن المسيب خاصة، فإنه قال: " ... ليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطع ابن المسيب"٢. وقد ذهب آخرون إلى تقديم مراسيل ابن المسيب، والقول بأنها أصح المراسيل٣. أما الشافعي ﵀: فقالوا إنه كَشَفَ عن مراسيل ابن المسيب، فوجده لا يَروِي إلا عن ثقة، وأن مراسيله مسندة متصلة من جهات أخرى٤.
وقد أخذ بذلك ابن القَيِّم ﵀ كما ستأتي الإشارة إليه - ومن ثم فإن قوله ﵀ في هذا الحديث: إنه من رواية ابن المسيب. هو بمثابة قوله في غيره: أرسله من لا يُرْسِلُ إلا عن ثقة متقن.
ومن هذا العرض يتبين لنا: أن ابن القَيِّم ﵀ قد اختار في قبول المُرْسَلِ أعدل المذاهب، وهو المذهب المتوسط بين طرفي القبول والرد، والذي يقبل المرسل بشروط وضوابط، إذا توافرت في المرسل دَلَّتْ في الغالب على صحته وثوبته.
стр. 363
ومع ذلك، فقد وَجَدتُ كلاماً لابن القَيِّم ﵀ يؤخذ منه: أنه يذهب إلى قبول الْمُرْسَل مطلقاً بلا قيد ولا شرط، فقد قال - في مرسل مجاهد ﵀ في اعتداد المتوفَّى عنها زوجها، وقول النبي ﷺ للنسوة اللاتي سألنه: "تحدَّثْنَ عند إحداكن ما بدا لكن، فإذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة إلى بيتها" - قال:
"وهذا وإن كان مرسلاً، فالظاهر أن مجاهداً: إما أن يكون سمعه من تابعي ثقة، أو من صحابي.
والتابعون لم يكن الكذب معروفاً فيهم، وهم ثاني القرون المفضلة، وقد شاهدوا أصحاب رسول الله ﷺ ، وأخذوا العلم عنهم، وهم خير الأمة بعدهم، فلا يُظَنُّ بهم الكذب على رسول الله ﷺ ، ولا الرواية عن الكذابين، ولا سيما العَالِمُ منهم إذا جَزَمَ على رسول الله ﷺ بالرواية، وشهد له بالحديث، فقال: قال رسول الله ﷺ ، وفعل رسول الله ﷺ ، وأمر ونهى، فيبعد كلَّ البعد أن يُقْدِمَ على ذلك مع كون الواسطة بينه وبين رسول الله ﷺ كَذَّاباً أو مجهولاً.
وهذا بخلاف مراسيل من بعدهم، فكلما تأخرت القرون، ساءَ الظن بالمراسيل، ولم يُشْهَدْ بها على رسول الله ﷺ "١.
وقد تضمن هذا الكلام من ابن القَيِّم ﵀ أموراً تحتاج إلى مناقشة:
- فأما القول بأن مجاهداً أخذه عن صحابي، أو تابعي ثقة: فكلُّ
стр. 364
ما فيه هو تحسين الظن به، إلا أنهم لم يذكروا مجاهداً بأنه كان لا يأخذ إلا عن ثقة، كما قالوا في حق سعيد بن المسيب مثلاً.
وقد بَيَّنَ الحافظ العلائي ﵀ أن احتمال كونِ الساقط ضعيفاً أو مجهولاً، قد يرجح في بعض المواضع على احتمال كونه صحابياً أو تابعياً ثقة، قال: "ولا أقل من أن تتساوى الاحتمالات، وحينئذٍ فلا يصح الاحتجاج به"١.
- وأما قوله: إن الكذب لم يكن معروفاً في هذا العصر: فقد أجاب عن ذلك الحافظ العلائي أيضاً، وقال بأن ذلك "ممنوع؛ بل إن الواقع خلافه"٢. ثم أخذ ﵀ في ذكر بعض الوقائع التي تثبت عكس ذلك، وأن جماعة قد أرسلوا عن ضعفاء ومجاهيل٣.
بل حكى ابن عبد البر: أن محمود بن لبيد حكى عن جماعة أنهم حدَّثُوه عن عبد الله بن جعفر بما أنكره ابن جعفر، قال: "وهذا في زمن فيه الصحابة، فما ظنك بمن بعدهم؟ "٤.
- وأما القول بأن الواحد منهم لا يجزم بنسبته إلى النبي ﷺ مع أن الواسطة بينه وبين النبي ﷺ كذاب أو مجهول: يعني أن الراوي لا يرسل الحديث إلا بعد جزمه بعدالة من أرسل عنه، وهذه "دعوى لا دليل عليها" كما قال الحافظ العلائي.
стр. 365
والذي حملهم على هذا هو القول: بأنه لو لم يكن عدلاً عنده، لكان بجزمه بالرواية عنه فاسقاً؛ لإثباته الخبر وهو لا يغلب على ظنه ثبوته، مع تعديله من ليس عدلاً.
وأجاب عن ذلك الحافظ العلائي ﵀ فقال: "لا يلزم ذلك؛ لأنه لم يُكَلَّفْ إلا بما ظهر له، وقد يظهر لغيره خلاف ذلك، ويترجح على تعديل هذا، كما قد وقع للزهري - مع إمامته - في إرساله عن سليمان بن أرقم لظنه تعديله، وهو ضعيف متروك لا يُحْتَجُّ به، ومثل هذا كثير جداً، فلا تَلازُمَ بين الأمرين كما قالوا"١.
ومن هذا يتبين لنا: أن ابن القَيِّم ﵀ بإطلاقه القول بقبول مراسيل التابعين - بناء على قوله هذا - قد تساهل كثيراً، وتوسَّعَ توسعاً لا يتفق مع ما قدمنا عنه: من أن المرسل لا يُقْبَلُ إلا بالشروط المذكورة، وأنه قد قَرَّرَ ذلك في غير مناسبة.
ولذلك، فإنه لا ينبغي أن يُفهمَ أن ابن القَيِّم ﵀ يرتضي هذا المذهب ويعتمده في مسألة الاحتجاج بالمرسل، ولعل ما نقلناه عنه في القول بقبول المرسل بشروطه قد بلغ من الكثرة بحيث لا يُعارضُ بهذا القول الواحد، ولعله كان يرى الإطلاق ثم استقرَّ رأيه على ما هو المذهب المعتمد في ذلك، ولا سيما أنه لم ينظر إلى مراسيل التابعين نظرةً واحدة، بل كان يرى التفاوت بينها قبولاً ورداً؛ كما سيأتي في المسألة الثالثة. فهذا - من جهة أخرى - يؤكد استقرار رأيه على قبوله بشروط، والله أعلم.
стр. 366
المسألة الثانية: في حكم مراسيل الصحابة.
إذا قال الصحابي الصغير: كابن عباس، وابن الزبير ونحوهما، وكذا الصحابي الكبير فيما ثَبَتَ أنه لم يسمعه من النبي ﷺ إلا بواسطة، إذا قال أحدهم: قال رسول الله ﷺ ، فهل يُحْكَمُ لذلك بالاتصال؟
الصحيح الذي عليه جمهور أهل الحديث وغيرهم: أن ذلك صحيح متصل محتج به.
قال ابن الصلاح في ختام كلامه على المرسل: "ثم إنَّا لَمْ نَعُدَّ في أنواع المرسل ونحوه ما يُسَمَّى في أصول الفقه: مرسل الصحابي، مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة، عن رسول الله ﷺ ، ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند؛ لأن روايتهم عن الصحابة١، والجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول"٢.
وقَرَّرَ النووي: أن الحكم بصحة مرسل الصحابي هو المذهب الصحيح٣.
وحجة من ردَّ مرسل الصحابي: احتمال كون الصحابي سمعه من تابعي، وإذا كان كذلك، فيُحْتَمَلُ أن يكون هذا التابعي ضعيفاً.
стр. 367
وأجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر ﵀، فقال: "والانفصال عن ذلك أن يُقال: قول الصحابي: قال رسول الله ﷺ . ظاهر في أنه سمعه منه أومن صحابي آخر، فالاحتمال أن يكون سمعه من تابعي ضعيف نادر جداَّ لا يؤثر في الظاهر، بل حيث رووا عن من هذا سبيله، بينوه وأوضحوه"١.
وقد تَعَرَّضَ ابن القَيِّم ﵀ لهذه المسألة أثناء مناقشته لابن القطان في حديث أَعَلَّهُ بأنه مرسل صحابي، ففي الحديث الذي رواه أبو بكرة ﵁ عن النبي ﷺ في صلاة الخوف، وأن النبي ﷺ "صلى بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات، ثم انصرف، وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات، وكانت له ست ركعات، وللقوم ثلاث ركعات" قال ابن القطان - عن هذا الحديث، وحديث آخر لأبي بكرة -: "وعندي أن الحديثين غير متصلين؛ فإن أبا بكرة لم يُصَلِّ معه صلاة الخوف؛ لأنه بلا ريب أسلمَ في حصار الطائف ... وهذا كان بعد فراغه ﷺ من هوازن، ثم لم يلق ﷺ كيداً إلى أن قبضه الله".
فرد ابن القَيِّم ﵀ ذلك عليه قائلاً: "وهذا الذي قاله لا ريب فيه، لكن مثل هذا ليس بعلة ولا انقطاع عند جميع أئمة الحديث والفقه، فإن أبا بكرة وإن لم يشهد القصة، فإنه إنما سمعها من صحابي غيره، وقد اتفقت الأمة على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من الصحابة، مع أن عامتها مرسلة عن
стр. 368
النبي ﷺ ، ولم ينازع في ذلك اثنان من السلف وأهل الحديث والفقهاء، فالتعليل على هذا باطل"١.
فوافق ابن القَيِّم ﵀ الجمهور في القول بصحة مراسيل الصحابة، والحكم لها بالاتصال.
المسألة الثالثة: في حكم بعض المراسيل، وبيان منزلتها.
تَكَلَّمَ الأئمة ﵏ على حكم مراسيل بعض التابعين عن النبي ﷺ ، وبينوا درجتها ومنزلتها، وما يُقْبَلُ منها وما يُرَدُّ.
وقد كانت هذه الأحكام نتيجة بحثهم وتَحَرِّيهِم، واعتبارهم بمرسلات كل واحد من الرواة، وعادته فيما يرسله، ومن ثمَّ حكموا على مرسل كل شخص بما يناسب حاله.
وقد تناول ابن القَيِّم ﵀ أثناء بحوثه بعض هؤلاء الْمُرْسِلِين، وَتَكَلَّم عن حالهم، وبين درجة مراسيلهم من حيث القبول والرد، والقوة والضعف.
وأنا أذكر ما وقفت عليه من كلامه في هذا الباب، مُقَارِناً ذلك بكلام الأئمة أهل هذا الشأن، فمن هؤلاء:
١- سعيد بن المسيب:
ذهب ابن القَيِّم ﵀ إلى صحة مراسيل ابن المسيب، وأن ما قال فيه: "قال رسول الله ﷺ " فهو حُجَّةٌ، حتى عند من لم يقبل المرسل.
стр. 369
ومن أقواله في هذا المعنى:
قال ﵀: " ... فإن ابن المسيب إذا قال: قال رسول الله ﷺ ، فهو حجة"١.
وقال: "وسعيد بن المسيب إذا أرسَلَ عن رسول الله ﷺ قُبلَ مُرْسَلُهُ"٢.
وقال: " ... ومن لم يقبل المرسل قَبلَ مرسل سعيد عن النبي ﷺ "٣.
وقال في حديث مرسل يريد أن يُقَوِّيهُ ويعضده: "وهو من مراسيل ابن المسيب"٤.
فهكذا كان ابن القَيِّم ﵀ يرى حُجِّيَّةَ مراسيل ابن المسيب، وصحتها على الإطلاق، وهو بذلك موافق للجمهور من أئمة الحديث؛ فقد قال الحافظ العلائي ﵀: "وقد اتفقت كلمتهم على سعيد بن المسيب، وأن جميعَ مراسيله صحيحة، وأنه كان لا يُرسلُ إلا عن ثقة من كبار التابعين، أو صحابي معروف. قال معنى ذلك بعبارات مختلفة جماعة من الأئمة، منهم: مالك، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وعلى بن المديني، ويحيى بن معين، وغيرهم"٥.
стр. 370
وقد تَقَدَّم أن الشافعي ﵀ استثنى من المراسيل كلها مراسيل ابن المسيب، فجعلها حجة مطلقاً، وعبارته: " ... ليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطع ابن المسيب"١.
وممن صرَّحَ بتقديمها أيضاً: الحاكم في (علوم الحديث) ٢. وجعله الحافظ الذهبي ﵀ من أصح المراسيل٣.
فتبين من ذلك: أن ابن المسيب من أصح الناس مرسلاً، والجمهور على قبول مراسيله مطلقاً، وهو الذي اختاره ابن القَيِّم ﵀ ومشى عليه في كتبه.
٢- الزُّهْرِي:
ذهب ابن القَيِّم ﵀ إلى ضعف مراسيل الزهري، وعدم الاحتجاج بها، بل ذهب إلى أنها من أضعف المراسيل، فقال: "مراسيل الزهري عندهم ضعيفة، لا يحتجُّ بها"٤.
وقال مرة: "مراسيل الزهري عندهم من أضعف المراسيل، لا تصلح للاحتجاج؛ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان قال: كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً، ويقول: هو بمنزلة الريح. وقُرئ على عباس الدوري، عن ابن معين قال: مراسيل الزهري ليست بشيء"٥.
стр. 371
وقال العلائي: "اختلف في مراسيل الزهري، لكن الأكثر على تضعيفها"١ ثم نقل عن الشافعي قوله: "يقولون: نُحَابي، ولو حابينا أحداً لحابينا الزهري، وإرسال الزهري ليس بشيء، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم".
ثم قال العلائي ﵀: "والظاهر: أن قولَ الأكثر أولى بالاعتماد"٢.
وقال الحافظ الذهبي ﵀: "ومن أوهى المراسيل عندهم: مراسيل الحسن، وأوهى من ذلك: مراسيل الزهري، وقتادة، وحميد الطويل من صغار التابعين. وغالب المحققين يَعُدُّون مراسيل هؤلاء معضلات ومنقطعات، فإن غالب روايات هؤلاء عن تابعي كبير، عن صحابي، فالظن بِمُرْسِلِه أنه أسقط من إسناده اثنين"٣.
فظهر من أقوال هؤلاء الأئمة ﵏ أن المختار: ضعف مراسيل الزهري، وعدم الاعتماد عليها بحال. وهو ما قَرَّرَهُ ابن القَيِّم ﵀.
٣- الشَّعْبِي:
قال ابن القَيِّم ﵀ في قول الشعبي: " إن النبي ﷺ لم يَرُدَّها - يعني زينب ابنته - إلا بنكاح جديد" قال:
стр. 372
"إن صحَّ عن الشعبي: فإن كان قاله برأيه فلا حجة فيه، وإن كان قاله رواية فهو منقطع لا تقوم به حجة، فَبَيْنَ الشعبي وبَيْنَ رسول الله ﷺ مَفَازَةٌ١ لا يُدْرى حالها"٢.
هكذا جزم ابن القَيِّم برد مرسل الشعبي، وأنه لا تقوم به حجةٌ! ولننظر أقوال الأئمة في ذلك:
قال العجلي: "مرسل الشعبي صحيح، لا يُرْسِل إلا صحيحاً صحيحاً"٣. وقال أبو داود: "مرسل الشعبي أحبُّ إليّ من مرسل النخعي"٤.
وقَدَّم ابن معين مراسيل إبراهيم النخعي عليها٥.
وقال الحافظ الذهبي ﵀: " ... مراسيل مجاهد، وإبراهيم، والشعبي: فهو مرسل جيد، لا بأس به، يقبله قوم ويرده آخرون"٦.
وجعل السخاوي مراسيله في مرتبة من كان يَتَحَرَّى في شيوخه٧.
قلت: فغاية مراسيل الشعبي أنه مختلف فيها، وإن كان ظاهرُ كلام
стр. 373
الأئمة احتمالها، ولم أقف على تسمية من حكم بردِّهَا كما ذهب إليه ابن القَيِّم - وإن كان الذهبي أشار إلى جماعة قالت بردها - فهي إلى القبول أقرب منها إلى الردِّ، والله أعلم.
стр. 374
المبحث السادس: تَعَارُض الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف
إذا روى بعض الثقات الحديث مُرْسَلاً وبعضهم مُتَّصِلاً، فهل يُحكمُ في ذلك للوصل أم للإرسال؟ اختلفَ أهل العلم في ذلك على أقوال:
الأول: أن الحكم في ذلك لمن وصله، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر، أحفظ منه أم لا.
وهذا القول صححه: الخطيب١، والنووي٢، والعراقي٣.
قال ابن الصلاح: "وما صححه - يعني الخطيب - هو الصحيح في الفقه وأصوله"٤.
القول الثاني: أن الحكم في ذلك لمن أرسل.
عزاه الخطيبُ لأكثر أصحاب الحديث٥.
قال السخاوي ﵀ في توجيه هذا القول: "فسلوك غير الجادة دال على مزيد التحفظ، كما أشار إليه النسائي ... "٦.
стр. 375
القول الثالث: أن الحكم للأكثر؛ فإن كان من أرسله أكثر ممن وصله، فالحكم للإرسال، وإن كان من وصله أكثر، فالحكم للوصل.
قال السخاوي: "لأن تطرق السهو والخطأ إلى الأكثر أبعد"١.
القول الرابع: أن الحكم في ذلك للأحفظ.
والذي اختاره الحافظ ابن حجر ﵀: هو أن الْمُحَدِّثِين- ﵏ ليس لهم في ذلك قانونٌ ثابت؛ فإنهم لا يحكمون في مثل ذلك بحكم مطرد، وإنما يرجحون في مثل ذلك بالقرائن٢.
ولكن عملهم هذا، وترجيحهم بالقرائن إنما هو فيما يَظْهَرُ فيه الترجيح، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وهذا ... إنما هو فيما يظهر لهم فيه الترجيح، وأما ما لا يظهر فيه الترجيح: فالظاهر أنه المفروض في أصل المسألة"٣. يعني أنه هو الذي تجري فيه الأقوال الأربعة الماضية.
وقد ذكر ابن القَيِّم - عند تعرضه لهذه القضية - بعض المذاهب في المسألة، فمن ذلك:
أنه ﵀ قال في حديث تخيير البكر الكارهة في الزواج - وقد رُوي مرسلاً ومسنداً-:
"وليس رواية هذا الحديث مرسلة بعلة فيه، فإنه قد روى مسنداً ومرسلاً، فإن قلنا بقول الفقهاء: إن الاتصال زيادةٌ، ومن وصله مُقَدَّم
стр. 376
على من أرسله: فظاهرٌ، وهذا تصرفهم في غالب الأحاديث ... وإن حكمنا بالإرسال - كقول كثير من المحدثين -: فهذا مرسل قويٌ قد عضدته الآثار الصحيحة الصريحة ... "١.
ثم يبالغُ ﵀ في الرد على من ضَعَّفَهُ بالإرسال، فيقول: "وعلى طريقة البيهقي وأكثر الفقهاء، وجميع أهل الأصول: هذا حديث صحيحٌ؛ لأن جرير بن حازم ثقة ثبت، وقد وصله، وهم يقولون: زيادة الثقة مقبولة، فما بالها تقبل في موضع - بل في أكثر المواضع التي توافقُ مذهب المقلد - وترد في موضع يخالف مذهبه؟! "٢.
وبغَضِّ النظر عن تقديم الوصل أو الإرسال في هذا الحديث، فإن ابن القَيِّم ﵀ يُقَرِّر: أن مذهب الفقهاء والأصوليين: تقديمُ الوصل والحكم للزيادة دائماً إذا كانت من ثقة، وأن مذهب كثير من المحدثين: تقديم الإرسال.
وقال - أيضاً - موضحاً طريقة الفقهاء والأصوليين عند كلامه على أحاديث الفطر بالحجامة: "وعلى قول جمهور الفقهاء والأصوليين: لا يُلتفت إلى شيء من تلك العلل، وأنها ما بين تعليل بوقف بعض الرواة وقد رفعها آخرون، أو إرسالها وقد وصلها آخرون، وهم ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة"٣.
стр. 377
وأما اختيار ابن القَيِّم ﵀ في هذه المسألة: فقد كان يرى عدم لزوم حكم ثابت مُطَّرِد دائماً، وإنما يدور الحكم لأحد الجانبين مع القرائن والمُرَجِّحات، فمن أقواله في هذا الصدد: ما قاله في حديث: "من دخل حائطاً فليأكل ولا يَتَّخِذُ خُبْنَةً": "ولكن لو حَاكَمْنَا منازعينا من الفقهاء إلى أصولهم، لكان هذا الحديث حجةً على قولهم؛ لأن يحيى بن سليم من رجال الصحيحين، وهو لو انفرد بلفظةٍ، أو رفعٍ، أو اتصالٍ، وخَالَفَه غيره فيه لحكموا له، ولم يلتفتوا إلى من خالفه، ولو كان أوثق وأكثر ... ولكنَّا لا نرضى بهذه الطريقة، فالحديثُ عندنا معلول"١.
فابن القَيِّم ﵀ ينتقد طريقة الفقهاء عند وقوع ذلك، وأنهم يحكمون دائماً لمن زاد، دون مراعاة للاعتبارات الأخرى التي قد ترجح الجانب الآخر: كالكثرةِ، وكونِ المخالف أوثق، وغير ذلك من المرجحات.
ويؤكد ﵀ في مناسبة أخرى فسادَ طريقة من يحكم بحكمٍ ثابتٍ عند تعارض الوصل والإرسال، فيقول ﵀ في حديث ابن عباس ﵁ في القضاء باليمين مع الشاهد: "وقد أَعَلَّه طائفةٌ بالإرسال بأن عمرو بن دينار رواه عن محمد ابن عليّ، عن النبي ﷺ مرسلاً. وهذا أيضاً تعليلٌ فاسدٌ لا يؤثر في الحديث؛ لأن راويه عن عمرو إنسانٌ ضعيفٌ، لا يُعترض بروايته على الثقات ...
стр. 378
وهذه الطريق في مقابلها طريق الأصوليين، وأكثر الفقهاء: أنهم لا يلتفتون إلى علة للحديث إذا سلمت طريق من الطرق منها، فإذا وصله ثقةٌ أو رفعه، لا يبالون بخلاف من خالفه ولو كثروا"١.
فأشار ﵀ بذلك إلى أن من يُقَدِّم الوصلَ دائماً، وكذا من يُقَدَّم الإرسال على الوصل دائماً، كلاهما على طرفي نقيض.
ثم يُقَرِّرُ ﵀ الصواب في ذلك، فيقول: "والصواب في ذلك: طريقةُ أئمةِ هذا الشأن العَالِمِين به وبعلله، وهو: النظر والتَّمَهُّرُ في العلل، والنظرُ في الواقِفِين والرَّافِعِين، والمُرْسِلين والواصلين: أَيُّهم أكثرُ، وأَوْثَقُ، وأخصُّ بالشيخ، وأعرف بحديثه، إلى غير ذلك من الأمور التي يَجْزِمون معها بالعِلَّة المُؤَثِّرة في موضع، وبانتفائِها في موضعٍ آخر، ولا يرتضون طريقَ هؤلاء، ولا طريقَ هؤلاء"٢.
فهذا بيانُُ منه ﵀ للطريقةِ المعتبرة في مثل ذلك، وهي: الترجيحُ بالقرائنِ والاعتباراتِ المحيطة بكل خبرِ على حدة.
وقد ذكر في ضمن كلامه هذا بعض المُرَجِّحَاتِ والقرائنِ التي يُلْجَأُ إليها في مثل ذلك، ومنها:
١ - الترجيحُ بالكثرة.
٢- الترجيحُ بالثقةِ والإتقانِ والحفظ، بكون أحد الجانبين أوثق وأحفظ من الآخر.
стр. 379
٣ - الترجيحُ باختصاصِ أحدِ الجانبين بالشيخ، وملازمتِهِ له، ومعرفته بحديثه.
ويشير ﵀ إلى وجه رابع من وجوه الترجيح، وهو:
٤ –كون أحد الجانبين قد سمعوا الحديث من الشيخ في أوقات مختلفة، والآخرون سمعوه منه في مجلس واحد عرضاً١.
نقل ذلك عن الترمذي في ترجيحه الوصلَ على الإرسال في حديث أبي موسى مرفوعاً: "لا نكاح إلا بولي".
قال الحافظُ ابن حجر-﵀ "ولا يخفى رُجْحَان ما أُخِذَ من لفظِ المُحَدِّث في مجالس متعددة، على ما أُخِذَ عنه عرضاً في محل واحد"٢.
ويؤكد ابن القَيِّم الترجيحَ بالملازمة للشيخ، والاختصاص به، فيقول في حديث أبي موسى الماضي -عند ذكره وجوه ترجيح الوصل-: "ترجيحُ إسرائيل في حفظه وإتقانه لحديثِ أبي إسحاق ... وإن كان شعبةُ والثوري أجلُّ منه، لكِنَّه لحديثِ أبي إسحاقَ أتقن، وبه أعرف"٣.
ومن أمثلة استعماله القرائن في الترجيحِ، وعدم لزومه حالة واحدة:
قوله في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ في مسح أعلى الخف وأسفله:
стр. 380
"وقد تَفَرَّدَ الوليدُ بن مسلم بإسناده ووصله، وخَالَفَهُ مَنْ هو أحفظ منه وأجلُّ - وهو الإمام الثبت: عبد الله بن المبارك - فرواه عن: ثور، عن رجاء، قال حُدِّثْتُ عن كاتب المغيرة، عن النبي ﷺ .
وإذا اختلف عبد الله بن المبارك والوليد بن مسلم، فالقول ما قال عبد الله"١.
فقد رجح الإرسال هنا: لكون راويه أتقن وأحفظ من الآخر.
أما حينما يكون الذي وصل الحديث أو رفعه ثقة متقن، ولا يقلُّ عن الذي أرسله حفظاً وإتقاناً، فإن ابن القَيِّم ﵀ يحكم بتقديم زيادة الثقة؛ فإنه قال في حديث: " لا نكاح إلا بولي " الماضي: "وَصْلُه زيادةٌ من ثقة ليس دون من أرسله، والزيادةُ إذا كان هذا حالها، فهي مقبولة"٢.
فاتَّضَحَ من ذلك طريقةُ ابن القَيِّم ﵀ في هذا الباب، واختياره في ذلك، حيث إنَّه اختارَ طريقة أئمة الشأن في تعاملهم مع تعارض الوصل والإرسال؛ وذلك أنهم يدورون مع القرائن التي تُرَجِّح عندهم أحد الجانبين على الآخر، ولا يلتزمون في ذلك حكماً ثابتاً يطبقونه على كل حالة من هذه الحالات.
وقد قَرَّرَ ابنُ القَيِّم في أكثر من مناسبة - كما مضى - أن هذه الطريقة هي الصواب، وكان ﵀ مُطَبِّقاً لذلك في كلِّ الأحاديث التي بحثها من هذا القبيل.
стр. 381
وهكذا كان موقفه ﵀ فيما يتعارض فيه الوقف والرفع: فيقدم الرفع تارة إذا كان مَنْ رَفَعَهُ ثقة متقن، فيكون من باب زيادة الثقة١. وتارة يرجح الوقف إذا كانت هناك مرجحات، ككثرة الواقفين، وكونهم أشهر وأعلم بحديث الشيخ٢، إلى غير ذلك من المرجحات، والله أعلم.
стр. 382
المبحث السابع: الْمُنْقَطِعُ
تعريفه: هو ما سقط من إسناده راوِِ واحد قبل الصحابي، من أي موضع كان السقط١. وكذا لو سقط من إسناده اثنان، لكن لا على التوالي٢.
وهذا هو الأكثر في استعمالهم، كما صَرَّح به الخطيب وغيره٣.
ومن المسائل المتفرعة عن نوع المنقطع:
العَنْعَنَةُ، أو: الإسناد الْمُعَنْعَن:
إذا قال الراوي في حديثه: عن فلان، من غير بيان للتحديث والإخبار والسماع، فما حكم هذا الإسناد؟ اختلف في ذلك:
- فقال بعضهم: هو من قبيل المنقطع والمرسل حتى يتبين اتصاله.
- والصحيح الذي عليه العمل: أنه من قبيل الإسناد المتصل، هذا الذي ذهب إليه الجمهور من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم، بل ذهب البعض إلى إجماع أهل النقل على ذلك٤، وذلك بشرطين:
стр. 383
أحدهما: أن يكون الْمُعَنْعِنُ غير معروف بالتدليس.
الثاني: أن يثبت اللقاء بين الراوي المعنعن وشيخه، ولو مرة واحدة، كما ذهب إلى ذلك: البخاري، وشيخه علي بن المديني، وغيرهما من النقاد١.
واكتفى الإمام مسلم في الحكم لذلك بالاتصال: بأن يكون الراوي المعنعن وشيخه متعاصرين، مع إمكان اللقاء، وبالغ في خطبة "صحيحه"٢ في الرد على من قال باشتراط ثبوت اللقاء، وأنه قول مخترعٌ لم يُسْبَق قائله إليه.
وقد أخذ ابن القَيِّم ﵀ في هذه المسألة بمذهب الإمام مسلم ﵀، فكان يحكم على الإسناد المعنعن بالاتصال بمجرد تحقق المعاصرة بين الراوي وشيخه، وإمكان لقائهما، ولم ير أنه يلزم في ذلك ثبوت اللقاء بينهما، يتضح ذلك من كلامه في مناسبات عدة، فمن ذلك:
أن الطحاوي أعل حديث ابن عباس ﵁ في القضاء باليمين مع الشاهد: بأن قيس بن سعد لا يُعْلَم حدث عن عمرو بن دينار بشيء، فقال ابن القَيِّم ﵀:
"هذه عِلَّة ٌباطلة؛ لأن قيساً ثقة ثبت، غير معروف بتدليس. وقيسٌ وعمرو مكِّيَّان في زمان واحد، وإن كان عمرو أسن وأقدم وفاة منه. وقد روى قيس عن عطاء ومجاهد، وهما أكبر وأقدم موتاً من عمرو ابن دينار"٣.
стр. 384
فابن القَيِّم ﵀ في هذا المثال يكتفي - للحكم باتصال هذا السند - بكون قيس وعمرو عاشا في زمان واحد، وأن لقاءهما ممكن غير مستبعد، هذا مع كون قيس بن سعد ثقة ثبت ولا يُعرف بتدليس.
وما قاله ابن القَيِّم هنا من أن قيساً غير معروف بتدليس: غير كافِِ للحكم بالاتصال؛ إذ قد يكون المعاصر غير مُدَلِّس، ولكنه يرسلُ إرسالاً خفياً، ولذلك قال الحافظ ابن حجر: "وقيل: يُشترط في حمل عنعنة المعاصر على السماع: ثبوت لقائهما ... ولو مرة واحدة، ليحصل الأمن في باقي العنعنة عن كونه من المرسل الخفي، وهو المختار"١.
ولما أعلَّ البخاري ﵀ حديث عقبة بن عامر في: " لَعْن الْمُحَلِّل والْمُحَلَّل له"، بأن الليث بن سعد لم يسمعه من مشرح بن هاعان، وكذا أعلَّه أبو زرعة بقوله:"لم يسمع الليث من مشرح شيئاً ... "، ردَّ ذلك ابن القَيِّم بقوله: "فإن الليث كان معاصراً لمشرح، وهو في بلده، وطلب الليث العلم وجمعه لم يمنعه أن لا يسمع من مشرح حديثه عن عقبة بن عامر وهو معه في البلد"٢.
فهكذا كان ابن القَيِّم ﵀ يذهب في هذه المسألة إلى الحكم للسند بالاتصال بمجرد المعاصرة مع إمكان اللقاء.
والذي يظهر - والله أعلم - أن ما ذهب إليه البخاري، وشيخه
стр. 385
ابن المديني هو الراجح، وما ذهب إليه مسلم ﵀ من انعقاد الإجماع على خلافه: غير مُسَلّمٍِ له، بل عمل أكثر الأئمة المتقدمين على مذهب البخاري.
وقد أشار ابن رجب ﵀ إلى أن مذهب البخاري هذا هو مقتضى كلام الإمام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم من أعيان الحفاظ، قال: "بل كلامهم يدل على اشتراط ثبوت السماع، كما تقدم عن الشافعي ﵁ ... "١. ثم قال - بعد أن نقل أمثلة كثيرة من كلام هؤلاء الأئمة تدل على اشتراطهم اللقيّ-:
"فإذا كان هذا قول هؤلاء الأئمة الأعلام - وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله وصحيحه وسقيمه، مع موافقة البخاري وغيره - فكيف يصح لمسلم ﵀ دعوى الإجماع على خلاف قولهم، بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا، يقتضي حكاية إجماع الحُفَّاظِ الْمُعْتَدِّ بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يُعْرَفُ عن أحد من نظرائهم، ولا عَمّن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم ... "٢.
وسبق ابنَ رجب إلى الاعتراض على مسلم في ذلك: ابنُ الصلاح ﵀؛ إذ قال: "وفيما قاله مسلم نظرٌ، وقد قيل: إن القول الذي رَدَّهُ مسلمٌ هو الذي عليه أئمة هذا العلم: عليّ بن المديني والبخاري وغيرهما"٣.
стр. 386
وقد نقل الإجماع على مذهب البخاري حافظا المشرق والمغرب: الخطيب١ وابن عبد البر٢.
وبَيَّنَ الحافظ ابن حجر ﵀ في عِدَّة مناسبات رُجحانَ مذهب البخاري، فقال: "وهو المختار، تبعاً لعلي بن المديني، والبخاري، وغيرهما من النقاد"٣. وقال في مكان آخر - بعد أن بَيّن الباعث للبخاري على اشتراط ذلك -: "فتبيّن رجحان مذهبه"٤. ونقل عنه السيوطي ﵀ قوله:
"من حَكَمَ بالانقطاع مطلقاً: شَدَّدَ، ويليه من شَرَطَ طول الصحبة، ومن اكتفى بالمعاصرة: سَهَّل، والوسطُ - الذي ليس بعده إلا التعنت -: مذهب البخاري ومن وافقه ... "٥.
فَتَبَيّنَ من ذلك: أن ما ذهبَ إليه ابن القَيِّم ﵀ من الحكم بالاتصال بمجرد المعاصرة: مرجوحٌ، وأنَّ الراجح هو اختيار البخاري ومن وافقه: من اشتراط ثبوت اللقاء؛ إذ إن ذلك مقتضى الاحتياط، والله تعالى أعلم.
стр. 387
المبحث الثامن: التدليس وحكم المدلس
وينقسم إلى قسمين: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ.
أولاً: تدليس الإسناد: وهو "أن يروي المحدث عمّن قد سمع منه ما لم يسمعه منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه". قاله ابن القطان١.
وعَرَّفَهُ ابن حجر بقوله: "أن يروي عمن لقيه شيئاً لم يسمعه منه بصيغة مُحْتَمِلة، ويلتحق به: من رآه ولم يجالسه"٢.
وهذا النوع هو الذي غلبت تسميته بـ "تدليس الإسناد" وسماه بعضهم: "تدليس السماع"٣.
ويلحق بهذا النوع ما يسمى بـ "تدليس التسوية"، وصورته - كما قال الحافظ العراقي -: "أن يجيء المدلس إلى حديث سمعه من شيخ ثقة، وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف، وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ثقة، فيعمد الْمُدَلِّس - الذي سمع الحديث من الثقة الأول - فَيُسْقِطُ منه شيخ شيخه الضعيف، ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني، بلفظ محتمل كالعنعنة ونحوها، فيصير الإسناد كله ثقات، ويصرح هو بالاتصال بينه وبين شيخه، لأنه قد سمعه منه، فلا يظهر حينئذ في الإسناد ما يقتضي عدم قبوله إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل"٤.
стр. 388
ولتدليس الإسناد صور أخرى ذكرها الحافظ ابن حجر١.
ثانياً: تدليس الشيوخ: وهو: "أن يصف شيخه بما لم يشتهر به من اسم أو لقب أو كنية أو نسبة"٢.
قال الحافظ العلائي: " ... فهو يختلف باختلاف الأغراض:
فمنهم من يُدَلِّس شيخه لكونه ضعيفاً أو متروكاً حتى لا يُعْرَف ضعفه إذا صَرَّح باسمه.
ومنهم من يفعلُ ذلك لكونه كثير الرواية عنه كي لا يتكرر ذكره كثيراً ... "٣.
قال ابن حجر فيمن يفعل ذلك لإخفاء ضعف شيخه: "وهو خيانةٌ ممن تعمّده"٤.
ومن المسائل التي تعرض لها ابن القَيِّم ﵀ فيما يتعلق بالتدليس:
المسألة الأولى: في حكم حديث المُدَلِّس.
اختلف أهل العلم في قبول خبر من عُرف بالتدليس - وبخاصة ما يتعلق بتدليس الإسناد - على أقوال:
стр. 389
أحدها: أن خبره مردود مطلقاً غير مقبول. عزاه الخطيبُ لفريق من الفقهاء وأصحاب الحديث١.
الثاني: القبول مطلقاً. عزاه الخطيب - أيضاً- إلى خلقِِ كثير من أهل العلم.
وذلك أنهم لم يروا التدليس من باب الكذب، ولا أنه ينقض عدالته٢.
الثالث: التفصيل: فمن كان لا يُدَلِّس إلا عن ثقة قُبِلَ تدليسه، وإلا فلا. عزاه ابن عبد البر لأكثر أئمة الحديث٣.
الرابع: يُقبل ممن كان وقوعه منه نادراً، وأما من غَلَبَ ذلك على حديثه: فلا٤.
الخامس: التفصيل أيضاً، فيُقبَل من المُدَلِّس الثقة إذا صرَّح فيه بالسماع، وأما ما رواه بلفظ محتمل فلا، وهذا هو المعتمد.
قال السخاوي: "وممن ذهب إلى هذا التفصيل: الشافعي، وابن معين، وابن المديني"٥. وقَرَّرَ العلائي: أنه "الصحيح الذي عليه جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول"٦. وصححه الحافظ الخطيب٧، وكذا
стр. 390
صححه ابن الصلاح١.
ونفى ابن القطان الخلاف في ذلك، فقال: "إذا صَرَّحَ المُدَلِّس الثقة بالسماع: قُبِلَ بلا خلاف، وإن عنعن: ففيه الخلاف"٢.
وقد كان ابن القَيِّم يذهب إلى هذا التفصيل في حقِّ المدلسين، وجاءت عباراته صريحة في هذا المعنى في أكثر من مناسبة، فمن ذلك:
قوله في حق محمد بن إسحاق: "إن ابن إسحاق ثقة لم يُجْرَح بما يوجب ترك الاحتجاج به ... إنما يُخَاف من تدليسه، وهنا قد صرح بسماعه للحديث من محمد بن إبراهيم التيمي، فزالت تهمة تدليسه"٣. قال ذلك في حديث أبي مسعود في صفة الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة.
وقال في حديث ابن إسحاق - أيضاً-:حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة طلاق ركانة بن عبد يزيد: "وقد زالت تهمة تدليس ابن إسحاق بقوله: حدثني"٤. وقال عنه مرة:"والذي يُخاف من ابن إسحاق: التدليس، وقد قال: حدثني"٥.