← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 11401

ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها

جمال بن محمد السيد

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

- وحديث: "كفى ببارقةِ السيوف على رأسه فتنة" ١. يعني: الشهيد. - وحديث قدومِ وفد بني المنتفق على النبي صلى الله عليه وسلم٢. هذا فيما يتعلق بشرحه الحديث على وجه التفصيلِ والشمولِ والإحاطة، وبيان المعاني التي اشتمل عليها، والأحكام التي تَضَمَّنَهَا، والفوائدِ المستخرجة منه. ويمكنُ الوقوف على قسطٍ كبير من هذا الكلام المبسوط، والشرحِ المستوفى في كتابه (تهذيب السنن) على وجه الخصوص، ولعله ﵀ قد أشار إلى ذلك في مقدمة هذا الكتاب حين قال: "وبسطت الكلام على مواضع جليلة، لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه، فهي جديرةٌ بأن تُثْنَى عليها الخناصرُ، ويُعَضَّ عليها بالنواجذ"٣. أما الأحاديث التي شَرَحَهَا شَرْحَاً مجملاً مختصراً، أو بالغ في إبراز معنىً فيها بعينه وتوضيحه، فمن أمثلتها: - حديث: "أحبُّ الدين إلى الله: الحنيفية السمحة". قال ﵀: "فهي حنيفية في التوحيد وعدمِ الشرك، سَمْحَةٌ في العمل وعدم الآصارِ والأغلالِ بتحريمهم من الطيبات الحلال. فَيُعْبَدُ

стр. 597

سبحانه بما أَحَبَّهُ، ويستعانُ على عبادته بما أَحَلَّهُ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون: ٥١] . وهذا هو الذي فَطَرَ الله عليه خَلْقَهُ، وهو محبوبٌ لكلِّ أحدٍ، مستقر سنته في كل فطرة؛ فإنه يتضمن التوحيد، وإخلاص القصد، والحب لله وحده، وعبادته وحده بما يحب أن يعبد به ... "١. والأمثلة من هذا القبيل كثيرة٢. ومما يَحْسُنُ التنبيهُ عليه ونحن بصدد الكلام على منهجه في شرح الحديث: اهْتِمَامُهُ بذكرِ الفوائد والنُّكَتِ التي تشتمل عليها الأحاديث، فإنه في كثير من الأحيان -بعد أن يسوقَ الحديث في المسألة - يذكر ما تَضَمَّنَهُ من فوائد وأحكام، فمن ذلك: - أنه ذكر النصوصَ الواردةَ في غزوة تبوك، ثم أشارَ إلى الفوائد المستنبطة منها، فذكر من ذلك ما يزيد على أربعين فائدة٣. - وفي قوله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاة" ذَكَرَ ﵀ جملةً

стр. 598

كبيرةً من الفوائد والأحكام التي يشتملُ عليها هذا القول١. - وفي قصة الْمُحْرِم الذي سَقَطَ عن راحلته فمات ... , قال: "وفي هذه القصة اثنا عشر حكماً ... "٢فَسَرَدَهَا. والأمثلة في هذا الباب كثيرة٣.

стр. 599

المبحث الثاني: مَنْهَجُهُ في بَيَانِ غَرِيبِ الحَدِيثِ لقد كان ابنُ القَيِّم في كثير من الأحيان يقفُ عند الألفاظ الغريبةِ الغامضةِ التي تَمُرُّ في النصوص الحديثية، فيكشفُ غموضها ويوضح معناها. أما عن المنهج الذي سَلَكَهُ في بيان الألفاظ الغريبة، فقد كان على النحو التالي: ١- تنوع طريقة ابن القَيِّم ﵀ من حيث البسط والاختصار؛ فتارةً يشرحُ اللفظةَ الغريبةَ بكلمةٍ أو كلمتين أو جملة قصيرة: - فيقول في حديث: "إذا بايعت فقل: لا خِلابة": "أي: لا خديعة"١. - ويقول في حديث: "كلُّ خطبة ليس فيها تَشَهُّدٌ، فهي كاليد الجذماء": "اليد الجذماء: المقطوعة"٢. - وقال في حديث عائشة ﵂: "وكانَ إِذَا تَعَرَّقْتُ عَرْقَاً٣ أَخَذَهُ فَوَضَعَ فمه موضع فمها": "العَرْق: العظم الذي عليه لحم"٤.

стр. 600

- وقال في حديث احتجامه ﷺ في الأخدعين والكاهل: "والكَاهِلُ: هو ما بين الكتفين"١. إلى غير ذلك من الأمثلة على بيانه الغريب بإيجازٍ واختصار٢. وتارةً أخرى يطيلُ النَّفَسَ في ذكر معنى الكلمة، وبيان وجوهها، ومن ذلك: - حديث: "الْمُهَجِّرُ إلى الجمعة كالمُهْدي بدنة" فقد أفاض-﵀ في شرح معنى التهجير، واشتقاقِ هذه الكلمة ومعانيها، وَطَوَّلَ في نقل أقوال العلماء في ذلك٣. وهو إنما يلجأ إلى ذلك لحاجة وضرورة تدعوه إلى مثل هذه الإطالة؛ فإن قوماً حملوا هذا الحديث على أن المراد به: الذهابُ في الهاجرة، وهو وقت الزَّوَال، فأرادَ أن يُثْبِتَ أن المراد بالتهجير: التبكير والمبادرة إلى كلِّ شيء. - وفي حديث عقبة بن عامر ﵁ في قسمة الضحايا، وقوله: فبقي عتود، وأن النبي ﷺ قال له: "ضَحِّ به أنت". قال ابن القَيِّم ﵀: "العَتُودُ من ولدِ المَعْزِ: ما قَوِيَ وَرَعَى، وأتى عليه حولٌ، قاله الجوهري". ثم نَقَلَ أقوالاً أخرى في معنى ما قاله الجوهري، ثم قال: "فيكون هو الثَّنِيُّ

стр. 601

من المعز، فتجوز الضَّحِيَّةُ به"١. فنجده قد استقصى الأقوال في معنى هذه الكلمة لَمَّا أراد أن يثبتَ هذا الحكم، وهو جواز التضحية بالعتود. - وسلك الطريقة نفسها في شرح معنى "الإهاب" في حديث الدِّبَاغ٢. فهكذا نجده يشرح الكلمة الغريبة بإيجاز واختصارٍ تارةً، وتارة يُفَصِّلُ ويتوسعُ في بيان معناها حين يقتضي المقامُ ذلك. ٢- قيامه بضبط الكلمة الغريبة وتقييدِهَا بالحروف، وذلك حينما يخشى من التباسها بغيرها: - فيقول في كلامه على حَجَّةِ النبي ﷺ : "وَلَبَّدَ رسول الله ﷺ رَأْسَهُ بِالغِسْلِ- وهو بالغين المعجمة، على وزن: كِفْل - وهو: ما يُغْسَلُ بِهِ الرأس من خِطْمِيٍّ ونحوه، ويُلَبَّدُ به الشعرُ حَتَّى لا ينتشر"٣. - ويقول في حديث وفد بني المنتفق: "الشَّرَبة - بفتح الراء -: الحوض الذي يجتمع فيه الماء، وبالسكون والياء: الحنظلة"٤. ٣- اعتماده في شرح الغريب على أئمة اللغة وأرباب الشأن،

стр. 602

سواء منهم من عُرِفَ بالتصنيف في (غريب الحديث) : كأبي عبيد١، وابن الأثير٢. أو غيرهم من أئمة اللغة الذين لم يُصَنِّفُوا فيه: كالجوهري في (صحاحه) ٣، والأزهري في (تهذيب اللغة) ٤، وغيرهم. ولكنه في الكثير الغالب يشرحُ الكلمة بنفسه، دون نقلٍ عن أحد، أو قد يكون ناقلا عن غيره دون تصريح٥. ٤- التنبيه على ما يقع من غلطٍ في ضبطِ كلمةٍ غريبةٍ في الحديث، وبيان وجهَ الصواب فيها، فمن ذلك: - ما جاء في الحديث: " ... كيف تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وقد أَرِمْتَ" - يعني: بَلِيتَ -، فقد بَيَّنَ ﵀ أن بعضهم غَلِطَ في لفظ الحديث، فقال: " ... فقالوا اللفظ به: أَرَمَّتَ، بفتح الراء، وتشديد الميم وفتحها، وفتح التاء ... "، ثم أَخَذَ في بيان خطأ هذا القول، ووجه الصواب في ذلك٦.

стр. 603

المبحث الثالث: مَنْهَجُهُ في التعريفِ ببعضِ الأماكنِ والبقاعِ التي تَرِدُ في النصوص الحديثية، وضبط ذلك اهْتَمَّ ابن القَيِّم ﵀ في ضمن كلامه على الحديث - بضبط أسماء الأماكن والمواضع التي تردُ في النصوص الحديثية، مع تحديد وبيان موقعها والدلالة عليها. وكان ربما اكتفى بتحديد الموضع فقط: - كقوله في (حُنَين) و (أوطاس) : "وهما موضعان بين مكة والطائف"١. - وقوله: "أن وادي وجّ - وهو وادٍ بالطائف - حَرَمٌ يحرم صيده"٢. إلا أَنَّهُ في مناسبات أخرى قد يقومُ بضبطِ اسمِ المكان عندما يَخْشَى التباسُهُ بغيره، أو لغير ذلك من الأسباب: - فقال في حديث جابر ﵁: "آجرَ رسول الله ﷺ نفسه من خديجة بنت خويلد سفرتين إلى جرش ... ": "قال في النهاية: جُرَش - بضم الجيم وفتح الراء -: من مخاليف اليمن، وهو بفتحهما: بلد بالشام.

стр. 604

قلت: إن صحَّ الحديث، فإنما هو المفتوح الذي بالشام"١. وَإِنَّمَا قَامَ بِضَبْطِ ذلك وتحريره: لِيُبَيِّنَ أن المقصود في هذا الحديث "جَرَش" الشام؛ وذلك لأنَّه كان بصدد الكلام عن سَفَرِ النبي ﷺ بتجارة خديجة إليها، فَنَبَّهَ على ذلك حتى لا تلتبس بـ "جُرَش" المضمومة التي باليمن. - وقال عند كلامه على غزوة دُومة الجندل: "وهي بضم الدَّال، وأما دَومة - بالفتح - فمكانٌ آخر"٢. - وقال عن "ذات السلاسل": "وهي وراء وادي القرى، بضم السِّين الأولى وفتحها، لغتان، وبينها وبين المدينة عشرة أيام"٣. فهكذا يقوم ﵀ بضبط اسم المكان عند خشية التباسه بغيره، أو عندما يكون في ضبطه أكثر من لغة.

стр. 605

المبحث الرابع: مَنهَجُهُ في الاستدلالِ بِالنُّصُوصِ الْحَدِيْثِيَّةِ عَلَى آرَائِهِ واخْتِيَارَاتِه لقد كان ابن القَيِّم ﵀ في بحوثهِ وآرائهِ وتقريراتهِ، يعتمد اعتماداً كبيراً - مع القرآن - على النصوصِ الحديثية، يستدل بها على ما يذهب إليه ويراه صواباً، ويردُّ بها على المخالفين ويدحض بها دعاواهم. وكان من أهم السمات التي ميزت منهجه في سياق الأدلة، والاستنباط منها، وبيان أوجه الدلالة فيها، ما يلي: ١- كان ابن القَيِّم ﵀ يعرضُ القضيةَ التي يريدُ تقريرها، أو الرأيَ الذي يختاره ويذهب إليه، ثم يسوقُ الأدلة على ذلك: - فيقول مثلاً: "وكان هَدْيُهُ ﷺ في ابتداء السلام أن يقول: السَّلام عليكم ورحمة الله. وكان يَكْرَهُ أن يقولَ المبتدئ: عليك السلام. قال أبو جُزَيّ الهُجَيمِي: أتيتُ النبي ﷺ ، فقلت: عليكَ السَّلام يا رسول الله. فقال: "لا تَقُلْ عَلَيك السَّلام؛ فإن عَليك السلام تحية الموتى" ١. - وقال: "للصوم تأثيرٌ عجيبٌ في حفظِ الجوارحِ الظاهرةِ، والقوى الباطنة ... وقال النبي ﷺ : "الصَّوم جُنَّة" ٢. - وقال مرة: "وبالجملة: فَتَنْبيهُ الشَّارع وحكمته يقتضي أن الفِطْرَ لأجل الجهاد أولى منه لمجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العلة، وَنَبَّهَ

стр. 606

عليها، وَصَرَّحَ بِحُكْمِهَا، وَعَزَمَ عليهم بأن يفطروا لأجلها. ويَدُلُّ عليه: ما رواه عيسى بن يونس، عن شعبة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه يوم فتح مكة: "إِنَّهَ يَومُ قِتَال فَأَفْطِرُوا "١. ففي هذه الأمثلة وغيرها: نرى أَنَّ ابن القَيِّم ﵀ يُقَرِّرُ المسألة، أو يضعُ القاعدة، أو يُبَوِّبُ الباب، ثم يسوقُ لذلك الأدلة من الأحاديث النبوية. ٢- ومع ذلك، فإنه - في مواطن أخرى - يقومُ بإيراد الحديث في مطلع كلامه، ثم يَتَكَلَّمُ عن أحكامه، وفقهه، ووجه الاستدلال منه، فمن ذلك: - أَنَّه عند كلامه على حكمِ رسولِ الله ﷺ في حضانة الولد: ساقَ جملة أحاديث في الباب، ثم بدأَ في الكلامِ على الأحكام التي تشتمل عليها هذه الأحاديث٢. - وعند كلامه على أحكام الرضاعة، وما يحرمُ بها: ذكر أحاديث عِدَّة، ثم قال: "فَتَضَمَّنَتْ هَذِه السُّنَنُ الثَّابِتَة أَحْكَامَاً عديدة ... "٣ ثم أَخَذَ في بيان هذه الأحكام.

стр. 607

- وَكَذَا صَنَع في الكلام على حكم استبراءِ المرأة من السبي قبل وطئها١. ٣- ومما تميز به ابن القَيِّم ﵀ في هذا الباب: الإكثار من الأدلة التي يوردها للمسألة الواحدة: - فعند كلامه على صِفَةِ حَجَّةِ النبي ﷺ ، قال: "وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه أَحْرَمَ قَارِنًا لبضعة وعشرين حديثاً صحيحة صريحة في ذلك"٢.ثم أَخَذَ في سَرْدِهَا. - وأورد ثمانية عشر حديثاً في إثبات عذاب القبر٣. - وَسَاق في بيان فضل السِّواك وتأكيده ثَمَانِيَة عشر حديثاً أيضاً٤. والأمثلة على ذلك كثيرة جداً. فهكذا كان ﵀: إذا تناول مسألةً، فَإِنَّهُ يورد في الاستدلالِ عليها قدراً كبيراً من الأحاديث النبوية على وجه الخصوص؛ إذ اعتماده في ذلك على النصوص في المقام الأول. ٤- لم يكتف ابن القَيِّم بِمُجَرَّدِ سَوْق النصوصِ الحديثية في معرض الاستدلال، بل إنه - في بعض الأحيان - يُبَيِّنُ وجه الاستدلال من النص

стр. 608

للمسألة المستدل لها، وبخاصة إذا لم تكن دلالة النص صريحة: - فيقول مثلاً: عِنْد سِيَاقِه أَدِلَّة كفر تارك الصلاة -: "الدليلُ العاشر: قوله ﷺ : "مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا: فَهُوَ المسلم ... " قال: "ووجه الدلالة فيه من وجهين ... "١ فذكرهما. وعلى ذلك أمثلة أخرى٢. ٥- التَّدَرُّجُ في سياقِ الأدلةِ حسب قوتها وأهميتها، وقد مضى الكلام على ذلك عند عرض منهجه ﵀ في التأليف٣.

стр. 609

المبحث الخامس: مَنْهَجُهُ في التوفيقِ والجمعِ بينَ الأحاديث التي ظَاهِرُهَا التَّعَارض تَقَدَّمَتْ الإشارة - عند الكلام على "مختلف الحديث" - إلى كلام ابن القَيِّم ﵀ ورأيه في الأحاديث التي ظاهرها التعارض، وذكرنا هناك جملة من المرجحات التي استعملها في الترجيح عند التعارض١. وأنبه هنا على بعض المعالم الرئيسة لمنهج ابن القَيِّم في الجمع والتوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، مع ذكر بعض الأمثلة من كلامه. - فقد كان ﵀ حريصاً على التأليف بين الأحاديث المتعارضة، ونفي التضادِّ عنها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، مُقَرِّراً أن أحاديث النبي ﷺ لا يَضْرِبُ بعضُهَا بعضاً، وإِنَّمَا تتفقُ وتتآلف. - وبالرغم من أن التعارضَ لا يكون مُعْتَبَراً إلا بَين حديثين صحيحين، إلا أَنَّ ابن القَيِّم كان رُبَّمَا قَامَ بالجمع بين خبرين أحدهما ضعيف، أو لا يُقَاِوم الآخر في الصحة. ويكون هذا - في الغالب - من باب التَنَزُّلِ منه، فيقررُ عدم صحة الْمُعَارِض، ثم يقول: بأنه على فرض ثبوته، أو على القول بتسليم صحته، فإن الجمع بينه وبين معارضه ممكن على نحو كذا وكذا، أو يجعل

стр. 610

الجمع والتأويل معلقاً على ثبوته، فيقول مثلاً: إن صَحَّ الخبر فتأويله كذا، أو: وجهه كذا١. ومن أمثلة الأحاديث التي قام بالتأليف والتوفيق بين ما ظَاهِرُهُ التعارض منها: ١- أحاديث الإذن في الرُّقْيَة، كحديث عائشة ﵂: "أَنَّ النبي ﷺ كان يأمرها أن تَسْتَرْقِي من العين". وحديث جابر ﵁: "رَخَّصَ رسولُ الله ﷺ لآل حزم في رقية الحَيَّة". وغير ذلك من الأحاديث. وما جاء في النهي عن ذلك، كما في حديث جابر ﵁: "أَنَّ رَسُول الله ﷺ نَهَى عن الرُّقَى". قال ابن القَيِّم ﵀: "فهذا لا يعارضُ هذه الأحاديث؛ فَإِنَّه إنما نَهَى عن الرُّقى التي تتضمنُ الشِّرْكَ، وتعظيمَ غيرِ الله سبحانه، كغالبِ رُقَى أهل الشرك. والدليل على هذا: ما رواه مسلم في (صحيحه) ٢ من حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا عليَّ رُقَاكُم، لا بأسَ بالرُّقَى ما لم يكن فيه شرك" ...

стр. 611

وهذا المسلك في هذه الأحاديث وأمثالِهَا: فيما يكون الْمَنْهِيُّ عنه نوعاً، والمأذون فيه نوعاً آخر، وكلاهما داخلٌ تحت اسمٍ واحدٍ، من تَفَطَّنَ له زال عنه اضطرابٌ كثيرٌ، يَظُنُّهُ من لم يُحِطْ عِلماً بحقيقة الْمَنْهِيِّ عنه من ذلك الجنس، والمأذون فيه: متعارضاً، ثم يسلكُ مسلك النسخ، أو تضعيف أحد الأحاديث"١. ٢- الأحاديث الواردة في أكل الْمُحْرِم لحمَ الصيد، وما جاء من المنع من ذلك.، قال ﵀: قال ﵀: "فَحَيْثُ أَكَلَ: ُعُلِمَ أَنَّهُ لم يُصَدْ لأجلهِ، وحيث امتنع: عُلِمَ أنه صيد لأجله. فهذا فعله، وقوله في حديث جابر يدل على الأمرين، فلا تعارض بين أحاديثه ﷺ بحال"٢. وحديث جابر الذي أشار إليه: هو ما أخرجه أبو داود في (سننه) ٣ عن جابر ﵁ مرفوعاً: "صَيْد البَرِّ لَكُم حلالٌ ما لم تصيدُوه، أو يُصَادُ لكم". ٣- حديث: "من كان له شَعْرٌ فليكرمه" وحديث: "النَّهْي عن التَّرَجُّلِ إلا غِبّاً". قال ابن القَيِّم ﵀: "والصَّواب: أنه لا تعارض بينهما بحال، فإن العبدَ مأمورٌ بإكرامِ شعره، وَمَنْهِيٌّ عن المبالغةِ والزيادةِ في الرفاهية والتنعيم، فيكرم شعره ولا يتخذُ الرَّفَاهِية والتنعيم ديدنه، بل يترجل غباً.

стр. 612

هذا أولى ما حمل عليه الحديثان، وبالله التوفيق"١. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة في هذا الباب٢. وبعدُ، فهذه أبرزُ المسائل المتعلقة بكلام ابن القَيِّم ﵀ على الحديث: شرحاً، واستدلالاً، واستنباطاً، وجمعاً وتوجيهاً عند التعارض، وغير ذلك، مع بيان منهجه في كل مسألة من تلك المسائل، والله أعلم.

стр. 613

الباب الثالث: دراسة جملة من الأحاديث المختارة مما تكلم عليه ابن القيم المدخل ... الباب الثالث: دِرَاسَةُ جملة من الأحاديث المختارة مِمَّا تَكَلَّم عَلَيه ابن القَيِّم ويتضمن هذا الباب أحاديث منتقاة من: ١- كتاب الطهارة. ٢- كتاب الحيض. ٣- كتاب الصلاة. ٤- كتاب الزكاة. ٥- كتاب الصوم. ٦- كتاب الحج. ٧- كتاب الجهاد ٨- كتاب الجنائز. ٩- كتاب النكاح. ١٠- كتاب الطلاق. ١١- كتاب البيوع. ١٢- كتاب الأطعمة والصيد والذبائح. ١٣- كتاب الأيمان والنذور. ١٤- كتاب العتق. ١٥- كتاب الحدود والديات. ١٦- كتاب الأدب. ١٧- كتاب الفرائض. ١٨ - كتاب الأذكار. ١٩- كتاب الفضائل. ٢٠- كتاب التفسير. ٢١- كتاب التوحيد والأسماء والصفات.

стр. 614

الباب الثالث: دِرَاسَةُ جملة من الأحاديث المختارة مِمَّا تَكَلَّم عَلَيه ابن القَيِّم وهي أحاديث تناولها ابن القَيِّم ﵀ بالدراسة في كتبه، وحكم عليها: بالصحة، أو الضعف، أو غير ذلك من أحكام. وقد حرصت في انتقاء هذه الأحاديث على أن تكون شاملةً لجملة متنوعة من أحكام ابن القَيِّم الحديثية، مع اشتمالها - كذلك - على أكبر قدر ممكن من الكلام على العلل الحديثية المختلفة، وكيفيةِ تعاملِ ابن القَيِّم ﵀ معها. فيجدُ الناظر في هذه الأحاديث: كلامَ ابن القَيِّم في الحكم على الحديث ابتداء، ويجد كَلامَهُ في تَعَقُّبِ بعض الأحكام الحديثية لآخرين، ويجد - أيضاً - تناول ابن القَيِّم لعلل بعض الأحاديث، وكذا أجوبته عن عللٍ لأحاديث أخرى لا يراها معلولة. وبذلك تمثل هذه الدراسة لهذه المجموعة من الأحاديث: جملةً من المناقشات العلمية الحديثية التي كان ابنُ القَيِّم طرفاً رئيساً فيها. الهدف من جمع هذه الأحاديث ودراستها: وقد قَصَدتُ من وراءِ دراسة هذه الأحاديث: ١- أَنْ يَكون ذلك بِمَثابة تطبيقٍ عَمَلِيٍّ على ما تَقَدَّمَ بيانُه من منهج ابنِ القَيِّم وآرائه في الحديث وعلومه.

стр. 615

٢- تُمَثِّلُ هذه الدراسة محاولةً لجمع شتات ما تَفَرَّقَ من أحكام ابن القَيِّم الحديثية في كُتُبه المختلفة، على أَنَّ ذلك يُعَدُّ مرحلةً أولى في سبيلِ إخراج "موسوعة ابن القَيِّم الحديثية" كاملة. ٣- تسهيل الوصول إلى البُغْيَةِ من هذه الأحكام بأيسر طريق؛ إذ إِنَّ استخراجَ ذلك من كُتُبِهِ - مع كثرتها، وتنوع مباحثها، وعدم توافر فهارس دقيقة لها - لا يَتِمُّ إلا بعسرٍ ومشقة. ٤- كما أن ذلك يتيحُ الفرصةَ لدراسةِ أحكام ابن القَيِّم دراسةً مُقَارَنَةً بأحكامِ غَيْرِهِ من أئمة هذا الشأن وَنُقَّادِهِ، فيُعْرَفُ بذلك مكانه بينهم، ومكانته في هذا الفن. ٥- ويمثل ذلك - أيضاً - خدمةً حديثيةً جليلة لعددٍ هائلٍ من كُتُبِ ابن القَيِّم ﵀؛ وذلك: بتخريج أَحَادِيثِها، والحكمِ عليها؛ إذ إن كثيراً من كُتُبِ ابن القَيِّم لم تُخْدَمْ من الناحية الحديثية. ٦- وأخيراً: فإن هذه المحاولة لجمع ودراسةِ أحكام ابن القَيِّم الحديثية، قد تُسْهِم في إضافة مَرْجَعٍ مُهِمٍّ إلى جملة المراجع في باب الدِّراسة الحديثية النقدية. منهجي في دراسة هذه الأحاديث: وقد اتَّبَعْتُ في دراسة هذه الأحاديث الخطوات التالية: ١- رَتَّبْتُ هذه الأحاديث على كتب الفقه وأبوابه المعروفة، تسهيلاً لمراجعتها وحصول البغية منها.

стр. 616

٢- لَمْ أَلْتَزِم في ذلك استيعاب كُلِّ أبوابِ الفقه المشهورة، ولكنني - مع ذلك - حرصت على استيعاب أكبر قدر منها. ٣- وَقَد رَقَّمْتُ هذه الأحاديث ترقَيِّماً تسلسلياً، وكذا رقمتُ الكتبَ الفقهية، والأبوابَ الواردة تحتَ كُلِّ كتابٍ. ٤- أَبْدَأ بذكر متن الحديث المراد دراسته، مقتصراً على ذكر صَحَابِيِّه فقط. ٥- وَكثيراً ما يذكرُ ابن القَيِّم طرفاً من الحديث، أو يذكره بمعناه، أو يشير إليه، وقد التزمت في ذلك كُلِّهِ بسياق لفظ الحديث كاملاً من مصادره الأصلية، مع التنبيه على المصدر الذي سقت لفظه. ٦- ثم أُتْبِعُ ذلك بنقلِ كلام ابن القَيِّم وحُكْمِهِ على الحديث، فإذا كان كلامه على الحديث طويلاً، فإنني ألخصه، ذاكراً من ذلك النقاط الأساسية في كلامه. ٧- ثم انتقلُ إلى تخريج الحديث من دواوين السنة المشهورة، ولم التزم في ذلك باستيعاب المصادِرِ التي خَرَّجَتْ الحديث، وَإِنَّمَا أَكْتَفِي - في الغالب - بأمهات كتب الحديث: من سنن، ومسانيد، ومعاجم وغيرها. ٨- في الترجمة لرجال الإسناد: لم أترجم إلا لمن تدعو الحاجة إلى ترجمته، ممن يكون - في الغالب - مُضَعَّفَاً، أو مُخْتَلَفَاً في توثيقه وتضعيفه، وقد أترجم لبعض الثِّقَاتِ من غير المجمع عليهم من باب التعريف بهم.

стр. 617

٩- وقد اكتفيتُ في الترجمة لرجال الإسناد: بـ (تقريب التهذيب) للحافظ ابن حجر، ولا أخرجُ عنه إلا لضرورة، كأن يكون الرَّجُلُ مختلفاً فيه، فأنقل أقوال الأئمة في ذلك، أو عندما يُخَالَف ابن حجر في حكمه، وكذا عندما لا يكون الرجل من رجال (التقريب) . ١٠- أعرضُ حكمَ ابن القَيِّم على ما حَكَمَ به أَئِمَّةُ الشأن على الحديث، وأُرَجِّحُ - عند الاختلاف - ما أراه الصواب، وذلك بحسب ما يظهر لي أن الأدلَّة في جانبه، وذلك على ضوء قواعد أهل الفن. ١١- قد أسوقُ بعض المتابعات والشواهد لبعض الأحاديث إذا دَعَتْ الحاجة إلى ذلك. ١٢- ثم أذكر - في نهاية المطاف - خلاصةَ البحث في الحكم على الحديث، موضحاً ما تَرَجَّحَ لديّ من خلال الدراسة. ١٣- لم أتعرضْ في دراستي هذه لشيءٍ من الأحاديث الْمُخَرَّجَةِ في الصحيحين أو أحدهما، وإن كان لابن القَيِّم حُكْمٌ عليها. ١٤- وقد استعملتُ رموزاً للدلالة على بعض المصادر الحديثية وغيرها عند التخريج، وذلك من باب الاختصار، وقد سبق ذكر هذه الرموز في أول الكتاب١.

стр. 618

من كتاب الطهارة ١ـ باب ما جاء في الرخصة في استقبال القبلة عند الحاجة ... - من كتاب الطهارة ١- باب ما جاء في الرخصة في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ١- (١) عن عائشة ﵂ قالت: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُوِلِ الله ﷺ قَومٌ يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا بِفُرُوجِهِمُ القِبْلَةَ. فَقَال: "أُرَاهُمْ قَدْ فَعَلُوهَا، اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي القِبْلَة" ١. أوردَ ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث في كتابيه: (زاد المعاد) ٢، و (تهذيب السنن) ٣، وذكر أنه ضعيف بجملة أمور: - أولها: أنه مضطرب. - ثانيها: أنه منقطع. - ثالثها: أن الصواب فيه الوقف. - رابعها: ضَعفُ "خالد بن أبي الصَّلْت" في إسناده. قلت: هذا الحديث مداره على: خالد٤ الحَذَّاء، عن خالد بن أبي الصَّلْت٥، عن عراك بن مالك٦، عن عائشة ﵂ به. ورواه عن خالد الحَذَّاء جماعة:

стр. 619

منهم: حماد بن سلمة، فرواه أبو داود الطيالسي١ عن حماد. وأخرجه أحمد٢، وابن ماجه٣، والدارقطني٤ عن وكيع. وأخرجه الدارقطني في (سننه) ٥ عن يحيى بن إسحاق. وأخرجه أحمد في (مسنده) ٦ عن بَهْز٧. كُلُّهُم عن: حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء بالإسناد الماضي ذكره. وألفاظهم بنحو لفظ ابن ماجه الذي صَدَّرْنَا به البحث، إلا رواية بهز عند أحمد ففيها قول خالد بن أبي الصلت: ذكروا عند عمر بن عبد العزيز ﵀ استقبال القبلة بالفُرُوجِ، فقال عراك بن مالك: قالت عائشة ... الحديث. وتابع حمادَ بن سلمة على هذه الرواية: عليُّ بن عاصم٨، عن خالد الحَذَّاء، بالإسناد المتقدم، أخرجه: أحمد في (مسنده) ٩، والدارقطني١٠،

стр. 620

والبيهقي١ في (سننيهما) ، ولفظه عندهم عن خالد بن أبي الصَّلْت أنه قال: "كنت عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، وعنده عراك بن مالك، فقال عمر: ما استقبلت القبلة ولا استدبرتُهَا ببولٍ ولا غائطٍ منذ كذا وكذا. فقال عراك: حَدَّثَتْنِي عائشة ... فذكره. قال البيهقي عقبه: "تابعه حماد بن سلمة في إقامة إسناده ... " يشيرُ إلى رواية حماد التي رواها عنه الجماعة المتقدمون، والتي توافق رواية علي بن عاصم هذه. ورواه أبو عوانة، والقاسم بن مطيب٢، ويحيى بن مطر، ثلاثتهم: عن خالد الحَذَّاء، عن عراك بن مالك عن عائشة به. أخرجه الدارقطني في (سننه) ٣ عنهم هكذا بإسقاط "خالد بن أبي الصَّلْت" من الإسناد، ثم نَبَّهَ ﵀ على سقوط ابن أبي الصَّلْت، فقال: "بين خالد وعراك: خالد بن أبي الصَّلْت". ثم أخرجَ رواية حماد بن سلمة، وعلي بن عاصم المتقدمتين، ثم قال: "وهذا أَضْبَطُ إسنادٍ، وزاد فيه خالد بن أبي الصلت، وهو الصواب"٤. ورواه عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن رجل، عن عراك، عن عائشة به. أخرجه كذلك الدارقطني في (سننه) ٥، فجعل مكان خالد ابن أبي الصلت: "عن رجل".

стр. 621

فهذه بعض أوجه الاختلاف في إسناد هذا الحديث، وقد أُعِلَّ لذلك بالاضطراب، فقال البخاري لَمَّا سَأَلَهُ عنه الترمذي: "هذا حديث فيه اضطراب"١. ولكن عند التأمل نجدُ أنه يمكنُ ترجيحُ رواية حماد بن سلمة، وعلي ابن عاصم: عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك، عن عائشة. وقد مضى معنا أن الدارقطني صوب هذه الرواية، وقال إنه "أضبط إسناد". وأما العِلَّة الثَّانية، وهي أنه منقطعٌ: فقد سألَ ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال: "مرسل". فقال له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة ﵂؟ فأنكره، وقال: "عراك بن مالك؟! من أين سمع عائشة؟! ما له ولعائشة، إنما يروى عن عروة، هذا خطأٌ. قال لي: من روى هذا؟ قلت: حمادُ بن سلمة، عن خالد الحذاء. فقال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، ليس فيه "سمعت"، وقال غير واحد أيضاً: عن حماد بن سلمة، ليس فيه: سمعت"٢. ونقل العلائي في (جامع التحصيل) ٣ أن أحمد بن حنبل ﵀ حَكَمَ عليه بذلك، وسأله عنه الأثرم، فقال قولاً قريباً من قول أبي حاتم رحمهما الله تعالى. وأما العِلَّة الثالثة، وهي أن الصواب وقفه على عائشة: فقد

стр. 622

حكم عليه بذلك البخاري وأبو حاتم رحمهما الله، قال البخاري: "والصحيح: عن عائشة، قولها"١. وسأل ابن أبي حاتم أباه عنه، فقال: "فلم أزل أقفو أثر هذا الحديث، حتى كتبت بمصر عن إسحاق بن بكر بن مضر أو غيره، عن بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة موقوف. وهذا أشبه"٢. وأشار البخاري ﵀ إلى هذه الرواية في (التاريخ الكبير) ٣، ثم قال: "وهذا أصحُّ". وكذا رَجَّحَ رواية الوقف ابن عساكر ﵀، ونَقَلَهُ عنه الشيخ الألباني في (السلسلة الضعيفة) ٤. قال ابن القَيِّم ﵀ في تأكيده لهذه العلة: "وقال بعض الحُفَّاظ: هذا حديث لا يصحُّ، وله عِلَّةٌ لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة، المُعَانُون عليها؛ وذلك أنَّ خالد بن أبي الصَّلْت لم يحفظ متنه، ولا أقامَ إسنَادَهُ. خَالَفَهُ فيه الثقة الثبت، صاحب عِراك بن مالك المختصُّ به، الضابط لحديثه: جعفر بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عراك، عن عروة، عن عائشة: أنها كانت تنكر ذلك وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك"٥.

стр. 623

وأما العِلَّة الرابعة، وهي ضعفُ خالد بن أبي الصَّلْت: فقال أحمد بن حنبل: "ليس معروفاً"١. وقال عبد الحق: "ضعيف"٢. وقال ابن حزم: "حديث ساقط، وخالد بن أبي الصلت مجهول، لا يُدْرَى من هو؟ "٣. وقال الذهبي: "لا يَكَاد يُعْرَف"٤. وَوَثَّقَهُ ابن حبان على قاعدته المعروفة٥. وقد سَبَقَ حُكمُ الحافظ ابن حجر عليه بأنه "مقبول" يعني إذا تُوبع، وإلا فلين الحديث، وهو لم يُتَابِع، بل خَالَفَهُ جعفر بن ربيعة كما مضى، فتكون روايته منكرة كما سيأتي. فَتَحَصَّلَ من ذلك: أن هذا الحديث ضعيف لا تقوم به حُجَّة، وقد تقدمت أقوال العلماء في إعلاله وتضعيفه، وهذا ما ذَهَبَ إليه ابن القَيِّم ﵀، فأصاب. ومن الأحاديث التي تناولها ابن القَيِّم ﵀ في هذا الباب أيضاً: ٢- (٢) عن جابر ﵁ قال: "نَهَى نَبِيُّ الله ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِبَولٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أن يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا". ساق ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث في (زاد المعاد) ٦ مُبَيِّناً أنه

стр. 624

لا يعارضُ أحاديثَ المنع؛ لأنه ما بَين معلولِ السَّنَد، أو ضعيف الدلالة. ثم نقل عن الترمذي أنه اسْتَغْرَبَهُ بعد تحسينه، وأن البخاري صَحَّحَهُ، ثم قال: "فإن كان مرادُ البخاري صِحَّتَهُ عن ابن إسحاق، لم يدل على صِحَّتِه في نفسه، وإن كان مراده صِحَّته في نفسه، فهي واقعةُ عَين ... ". ثم ذَكَر الحديث في (تهذيب السنن) ١، وذكر أن ابن حزم ضَعَّفَهُ بجهالة أبان بن صالح، ثم نقل كلاماً لابن مُفَوِّز في الرد على ابن حزم وتوثيق أبان بن صالح، لكنه انفرد به ابن إسحاق ولا يحتجُّ به في الأحكام. ثم قال ابن القَيِّم: "وهو - لو صحَّ - حكاية فعل لا عموم لها فكيف يُقَدَّم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع". قلت: هذا الحديثُ أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه في (سننهم) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣، وابن الجارود في (المنتقى) ٤، وابن خزيمة وابن حبان في (صحيحيهما) ٥، والدارقطني والبيهقي في

стр. 625

(سننيهما) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، كلهم من طريق: محمد بن إسحاق٣، عن أبان بن صالح٤، عن مجاهد٥ عن جابر به. ولفظهم هو الذي سُقْنَاه أول البحث، إلا أن لفظه عند أحمد، وابن الجارود، وابن حبان، والدارقطني: "كَانَ رَسُول الله ﷺ قد نَهَانَا أن نَسْتَدْبِر القِبْلَةَ أو نَسْتَقْبِلَهَا بِفُرُوجِنَا إذا أهرقنا الماء. قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة". وقد أُعِلَّ هذا الحديث بعلل، وهي: ١- عنعنة ابن إسحاق وهو مُدَلِّس، ومن أجل ذلك توقف فيه النووي ﵀ في (كلامه على سنن أبي داود) - ونقله عنه صاحب (البدر المنير) ٦ - فقال: " ... ابن إسحاق مُدَلِّس، والْمُدَلِّس إِذَا قال: "عن" لا يحتجُّ به، فكيفَ حَسَّنَهُ الترمذي؟! ".

стр. 626

- وقال آخرون: انفرد به ابن إسحاق، وليس هو ممن يحتجُّ به في الأحكام، فكيف يُعارض بأحاديثه الأحاديث الصحيحة. قاله ابن مُفَوِّز، ونقله عنه ابن القَيِّم١. ٣- وضعفه آخرون بـ "أبان بن صالح" فقال ابن عبد البر: "وليس حديث جابر بصحيح عنه، فَيُعَرَّجُ عليه؛ لأنَّ أبان بن صالح الذي يرويه ضعيفٌ"٢. وَجَهَّلَهُ ابن حزم٣. والجواب عن هذه العلل كما يلي: أولاً: أما عنعنة ابن إسحاق: فقد صَرَّحَ بالتحديث في رواية أحمد، وابن الجارود، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي؛ فعند هؤلاء جميعاً قول ابن إسحاق: "حدثني أَبَانُ بن صالح". فزالت بذلك شُبْهَة التدليس عن ابن إسحاق ولله الحمد، وقد أشار إلى جواب هذه الشبهة ابن الملقن٤ ﵀. ثانياً: وأما القول بأن ابن إسحاق لا يُحْتَجُّ به في الأحكام: فليس الأمر كذلك، بل قد وَثَّقَهُ أَئِمَّة، واحتجَّ به آخرون، واسْتَشْهَدَ به الإمام مسلم في (صحيحه) ، والأمر فيه على ما قاله الذهبي: "فالذي يظهر لي: أن ابنَ إسحاق حسن الحديث، صالح الحال صدوق، وما انفردَ به ففيه

стр. 627

٢ نكارةٌ؛ فإنَّ في حفظه شيئاً، وقد احتجَّ به أئمة، فالله أعلم"١. قلت: ولم ينفرد ابن إسحاق برواية هذا الحُكْمِ، بل جاء مثل ذلك عن غيره، كحديث ابن عمر، وحديث عراك بن مالك، على كلام فيه مضى بيانه. ثالثاً: وأما تضعيفُ ابن عبد البر لأ بَان بن صالح: فقد رَدَّه عليه الأئمة، وكذا رَدُّوا على ابن حزم حكمه عليه بالجهالة. قال ابن الملقن في (البدر المنير) ٢: "وهذا تعليل ساقط؛ فإن أَبَان لم يضعفه أحد، وهو أبان ابن صالح بن عمير القرشي مولاهم ... " ثم ساق أقوال الأئمة في توثيقه٣. وقال ابن حجر: "وَضَعَّفَهُ ابن عبد البر بِأَبَان بن صالح، وَوَهِمَ في ذلك؛ فإنه ثِقَة باتفاق، وادَّعى ابن حزم أنه مجهول فَغَلِطَ"٤. وكذا رَدَّ ابن مفوز على ابن حزم، وأفاض في إثبات ثقة أبان والاحتجاج به٥، وكذا رد عليه ابن عبد الحق٦. ومع أن هذه العلل مردودةٌ، فإن هذا الحديث قد صَحَّحَهُ جماعة، وَحَسَّنَهُ آخرون: فقال البخاري: "حديث صحيح، رواه غير واحد عن محمد ابن إسحاق". كذا نقل غير واحد عن البخاري: أن الترمذي سأله عنه؟

стр. 628

فقال ذلك، منهم: البيهقي، وعبد الحق١، وكذا ابن القَيِّم٢، وابن حجر٣ وغيرهم. لكن الذي في (العلل) ٤ للترمذي قول البخاري: "رواه غير واحد عن محمد بن إسحاق" دون قوله: "صحيح". ثم رجعت إلى النسخة الخطية من (العلل) فوجدت هذه الكلمة ملحقة في هامش النسخة٥. وحَسَّنَهُ الترمذي، وكذا البزار٦ وَصَحَّحَهُ ابن السكن٧، وقال الدارقطني عن إسناده: "كلهم ثقات". وقال الحاكم أبو عبد الله: "صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي، لكن تعقبهما ابن الملقن، فقال: "وفي كونه على شرط مسلم نظرٌ؛ لأن في إسناده ابن إسحاق، ولم يحتجَّ به مسلم، إنما أخرج له متابعة"٨. وقال ابن الملقن: "صحيح، معمول به"٩. وقال الشيخ الألباني: "حسن"١٠. هذا مع تصحيح ابن خزيمة وابن حبان له.

стр. 629

وقد ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أن هذا الحديث ناسخٌ لأحاديث المنع، لكن لم يوافق على دعوى النسخ جماعة، منهم: ابن قتيبة١. وقال ابن حجر: "والحق أنه ليس بناسخ لحديث النهي خلافاً لمن زعمه"٢. وكذا استبعد النسخ ابن خزيمة، فقال في ترجمته لهذا الحديث: " ... وَيَتَوَهَّمُ من لا يفهمُ العلم، ولا يُمَيِّزُ بين المفسر والمجمل: أن فعلَ النبي ﷺ في هذا ناسخٌ لنهيه عن البول مستقبل القبلة"٣. وكذا قال ابن حبان حيث ترجم له بقوله: "ذكرُ خبرٍ أوهم من لم يُحْكِمْ صناعة الحديث أنه ناسخ للزجر الذي تَقَدَّمَ ذكرنا له"٤. والذي ذهب إليه الجمهور وارتضاه أكثر العلماء: هو الجمع بين الأخبار في هذا الباب، قال ابن قتيبة: "وليسا عندنا من الناسخ والمنسوخ، ولكن لكل واحد منهما موضع يستعمل فيه، فالموضع الذي لا يجوز أن تُسْتَقْبَل القبلة فيه بالغائط والبول: هي الصحارى والبراحات. وكانوا إذا نزلوا في أسفارهم لهيئة الصلاة، استقبل بعضهم القبلة بالصلاة، واستقبلها بعضهم بالغائط، فَأَمَرَهُمْ أن لا يستقبلوا القبلة بغائط ولا بول إكراماً للقبلة وتنزيهاً للصلاة. فظن قوم أن هذا أيضاً يكره في البيوت والكُنُفِ المحتفرة ... "٥. وترجم ابن خزيمة في (صحيحه) ٦ وكذا ابن حبان٧ بما يفيد ذلك.

стр. 630

وقال الخطابي في (معالم السنن) ١: "وذهب عبد الله بن عمر إلى أن النهي عنه إنما جاء في الصحاري، فأما الأبنية فلا بأس باستقبال القبلة فيها". ثم قال: "الذي ذهب إليه ابن عمر ومن تابعه من الفقهاء أولى؛ لأن في ذلك جمعاً بين الأخبار المختلفة، واستعمالها على وجوهها كلها". وقال ابن عبد البر - بعد أن ذكر أن ذلك مذهب مالك، والشافعي، وقول ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه -: "والصحيح عندنا الذي يُذهب إليه: ما قاله مالك وأصحابه، والشافعي؛ لأن في ذلك استعمال السنن على وجوهها الممكنة فيها، دون رَدِّ شيء ثابتٍ منها"٢. وقال الحافظُ ابن حجر: "وبالتفريق بين البنيان والصحراء مطلقاً قال الجمهور ... وهو أَعْدَلُ الأقوال، لإعمال جميع الأدلة"٣. وبعدُ، فإن حديث جابر ﵁ في استقباله ﷺ القبلة ببوله: لا يَقِِلُّ عن درجة الحسن، وما أُعِلَّ به قد أُجيب عنه، والذي يظهر من صنيع ابن القَيِّم ﵀ الميل إلى القول بضعفه، وأنه ذَهَبَ - بناء على ذلك - إلى القول بعدم جواز استقبال أو استدبار القبلة ببولٍ أو غائطٍ مطلقاً، وقد ظَهَرَ مما تَقَدَّمَ أن الصواب خلاف ذلك، والله أعلم.

стр. 631

٢- باب وضع الخاتم عند دخول الخلاء ٣- (٣) عن أنس ﵁ قال: "كانَ رسول الله ﷺ إذا دَخَل الخَلاَءَ وَضَعَ خَاتَمه". قال ابن القَيِّم ﵀: "هذا الحديث رواه همام١ - وهو ثقة - عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس"٢. ثم نَقَل عن الدارقطني أنه ذكر في (علله) وجوه الاختلاف فيه، وأنه ذهب إلى شذوذه بهذا اللفظ، ونَاقَشَ بعض شواهده، ونقل أقوال الأئمة حول هذا الحديث، وتَوَصَّل في النهاية إلى أن الحديث شاذ أو منكرٌ، وإن كان سَنَدُه صَحِيحَاً. قلت: الحديث بهذا الإسناد الذي ذكره ابن القَيِّم أخرجه: أصحاب السنن الأربعة٣، والترمذي في (الشمائل) ٤، وابن حبان في

стр. 632

(صحيحه) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣. كلهم باللفظ المذكور آنفاً، إلا الترمذي في كتابيه، والنسائي، فإنَّ لفظه عندهما: "نَزَع خَاتَمه" بدل: "وَضَعَ". والحديثُ بهذا الإسناد أعله جماعة من الأئمة، فقال أبو داود: "هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: "أَنَّ النَّبِي ﷺ اتخذ خاتماً من وَرِق ثم ألقاه"، والوهمُ فيه من هَمَّام، ولم يروه إلا همام". وقال النسائي: "هذا حديث غير محفوظ"٤. وأشار الدارقطني إلى شذوذه٥. وذكره الحافظ العراقي في (ألفيته) ٦ مثالاً للمنكر. وحكم الحافظ ابن حجر بشذوذه٧. ووجه شُذُوذ هذا الحديث أو نكارته: أن هَمَّامَاً تَفَرَّد عن ابن جريج بذكر نزع الخاتم، والمحفوظ عن ابن

стр. 633

جريج في ذلك ما ذكره أبو داود، وهو حديث اتخاذه ﷺ خاتماً من ورق، ثم أنه ألقاه بعد ذلك. وقد كشف الدارقطني ﵀ عن وجوه الاختلاف فيه في (علله) - ونقله ابن القَيِّم عنه - فقال: "رواه سعيد بن عامر وهدبة بن خالد، عن همام، عن ابن جريج، عن الزهري عن أنس: أن النبي ﷺ . وخالفهم عمرو بن عاصم، فرواه عن هَمّام، عن ابن جريج، عن الزهري عن أنس "أنه كان إذا دخل الخلاء" موقوفاً، ولم يُتابع عليه. ورواه يحيى ابن المتوكل ويحيى بن الضريس، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، نحو قول سعيد بن عامر ومن تابعه عن همام. ورواه عبد الله بن الحارث المخزومي وأبو عاصم وهشام بن سليمان وموسى بن طارق، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: "أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتماً من ذهب، فاضطربَ النَّاس الخواتيم، فَرَمَى به النبي ﷺ وقال: "لا أَلْبَسُهُ أبداً". وهذا هو المحفوظ والصحيح عن ابن جريج"١. وهذه الرواية التي قال عنها الدارقطني: إنها المحفوظة عن ابن جريج، سبق أن نقلنا عن أبي داود أنه قال ذلك فيها أيضاً. وقد أخرج هذه الرواية الإمام مسلم في (صحيحه) ٢ من طريق ابن جريج، أخبرني زياد بن سعد، أن ابن شهاب أخبره، أن أنس بن مالك أخبره: "أنَّه رَأى في يَدِ رَسُولِ الله ﷺ خَاتَمَاً من وَرق يوماً واحداً، ثُمَّ

стр. 634

إن الناس اضطربوا١ الخواتم من وَرِق، فلبسوها، فَطَرَحَ النبي ﷺ خاتمه، فطرح الناس خواتمهم". وعَلَّقَه البخاري في (صحيحه) ٢ وقد نُسِبَ الزهري في هذا الحديث إلى الغلط؛ لأن المعروف أن الخاتم الذي طرحه النبي ﷺ كان من ذهب كما في حديث ابن عمر وغيره، وقد أجيب عن ذلك بأجوبة بسطها ابن حجر في (فتح الباري) ٣ فلتنظر هناك. قال ابن القَيِّم ﵀ عَقِبَ نقله كلام الدارقطني هذا-: "وهَمَّام وإن كان ثقة صدوقاً احتجَّ به الشيخان في الصحيح، فإن يحيى بن سعيد كان لا يُحَدِّث عنه ولا يَرْضَى حفظه ... وقال يزيد بن زريع - وسُئِل عن همام-: كتابه صالح، وحفظه لا يسوى شيئاً. وقال عفان: كان هَمَّام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا يَنْظر فيه، وكان يُخَالَفُ فلا يرجع إلى كتاب، وكان يكره ذلك، قال: ثُمَّ رَجَعَ بعد فنظر في كتبه، فقال: يا عفان كُنَّا نخطئ كثيراً، فنستغفر الله ". ثم قال ابن القَيِّم: "ولا ريبَ أَنه ثقةٌ صدوق، ولكنه خُولِفَ في هذا الحديث، فَلَعَلَّهُ مِمَّا حَدَّثَ به من حفظه فَغَلِطَ فيه، كما قال أبو داود والنسائي والدارقطني وعلى هذا: فالحديث شاذ أو منكر كما

стр. 635

قال أبو داود، وغريبٌ كما قال الترمذي"١. قلت: وقد مَالَ الحافظ ابن حجر إلى كونه شاذاً، واستبعد أن يكون منكراً، فقال: "وَحُكْمُ النسَائِي عليه بكونه غير محفوظ أصوب، فإنه شَاذٌّ في الحقيقة؛ إذ المنفرد به من شرط الصحيح، لكنه بالمخالفة صار حديثه شاذاً"٢. ثم رد ابن القَيِّم ﵀ على من نَازَعَ في نَكَارَتِهِ أو شذوذِهِ، فقال: "فإن قيل: إن هَمَّامَاً ثقة، وتَفَرُّدُ الثقة لا يوجبُ نكارة الحديث، فقد تفرد عبد الله بن دينار بحديث: النهي عن بيع الولاء وهبته، وَتَفَرَّدَ مالك بحديث: دخول النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المِغْفَر. فهذا غايته أن يكون غريباً كما قال الترمذي، وَأَمَّا أن يكون منكراً أو شاذاً: فلا؟ "٣. ثم أجاب ابن القَيِّم عن ذلك، فقال: "التَّفَرُّدُ نوعان: تَفَرُّدٌ لم يُخَالَف فيه من تفردَ به، كتفرد مالك وعبد الله بن دينار بهذين الحديثين، وأشباه ذلك. وَتَفَرُّدٌ خُولِفَ فيه المتفرد، كتفرد همام بهذا المتن٤ على هذا الإسناد؛ فإن الناس خالفوه فيه، وقالوا: "إن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من وَرِقٍ ... " الحديث. فهذا هو المعروف عن ابن جريج عن الزهري، فلو لم يرو هذا عن ابن جريج وَتَفَرَّدَ هَمَّام بحديثه لكان نظير حديث عبد الله بن
следующие страницы →