٢- باب وضع الخاتم عند دخول الخلاء
٣- (٣) عن أنس ﵁ قال: "كانَ رسول الله ﷺ إذا دَخَل الخَلاَءَ وَضَعَ خَاتَمه".
قال ابن القَيِّم ﵀: "هذا الحديث رواه همام١ - وهو ثقة - عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس"٢.
ثم نَقَل عن الدارقطني أنه ذكر في (علله) وجوه الاختلاف فيه، وأنه ذهب إلى شذوذه بهذا اللفظ، ونَاقَشَ بعض شواهده، ونقل أقوال الأئمة حول هذا الحديث، وتَوَصَّل في النهاية إلى أن الحديث شاذ أو منكرٌ، وإن كان سَنَدُه صَحِيحَاً.
قلت: الحديث بهذا الإسناد الذي ذكره ابن القَيِّم أخرجه: أصحاب السنن الأربعة٣، والترمذي في (الشمائل) ٤، وابن حبان في
стр. 632
(صحيحه) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣. كلهم باللفظ المذكور آنفاً، إلا الترمذي في كتابيه، والنسائي، فإنَّ لفظه عندهما: "نَزَع خَاتَمه" بدل: "وَضَعَ".
والحديثُ بهذا الإسناد أعله جماعة من الأئمة، فقال أبو داود: "هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: "أَنَّ النَّبِي ﷺ اتخذ خاتماً من وَرِق ثم ألقاه"، والوهمُ فيه من هَمَّام، ولم يروه إلا همام". وقال النسائي: "هذا حديث غير محفوظ"٤. وأشار الدارقطني إلى شذوذه٥. وذكره الحافظ العراقي في (ألفيته) ٦ مثالاً للمنكر. وحكم الحافظ ابن حجر بشذوذه٧.
ووجه شُذُوذ هذا الحديث أو نكارته: أن هَمَّامَاً تَفَرَّد عن ابن جريج بذكر نزع الخاتم، والمحفوظ عن ابن
стр. 633
جريج في ذلك ما ذكره أبو داود، وهو حديث اتخاذه ﷺ خاتماً من ورق، ثم أنه ألقاه بعد ذلك.
وقد كشف الدارقطني ﵀ عن وجوه الاختلاف فيه في (علله) - ونقله ابن القَيِّم عنه - فقال: "رواه سعيد بن عامر وهدبة بن خالد، عن همام، عن ابن جريج، عن الزهري عن أنس: أن النبي ﷺ . وخالفهم عمرو بن عاصم، فرواه عن هَمّام، عن ابن جريج، عن الزهري عن أنس "أنه كان إذا دخل الخلاء" موقوفاً، ولم يُتابع عليه. ورواه يحيى ابن المتوكل ويحيى بن الضريس، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، نحو قول سعيد بن عامر ومن تابعه عن همام. ورواه عبد الله بن الحارث المخزومي وأبو عاصم وهشام بن سليمان وموسى بن طارق، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: "أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتماً من ذهب، فاضطربَ النَّاس الخواتيم، فَرَمَى به النبي ﷺ وقال: "لا أَلْبَسُهُ أبداً". وهذا هو المحفوظ والصحيح عن ابن جريج"١.
وهذه الرواية التي قال عنها الدارقطني: إنها المحفوظة عن ابن جريج، سبق أن نقلنا عن أبي داود أنه قال ذلك فيها أيضاً.
وقد أخرج هذه الرواية الإمام مسلم في (صحيحه) ٢ من طريق ابن جريج، أخبرني زياد بن سعد، أن ابن شهاب أخبره، أن أنس بن مالك أخبره: "أنَّه رَأى في يَدِ رَسُولِ الله ﷺ خَاتَمَاً من وَرق يوماً واحداً، ثُمَّ
стр. 634
إن الناس اضطربوا١ الخواتم من وَرِق، فلبسوها، فَطَرَحَ النبي ﷺ خاتمه، فطرح الناس خواتمهم".
وعَلَّقَه البخاري في (صحيحه) ٢ وقد نُسِبَ الزهري في هذا الحديث إلى الغلط؛ لأن المعروف أن الخاتم الذي طرحه النبي ﷺ كان من ذهب كما في حديث ابن عمر وغيره، وقد أجيب عن ذلك بأجوبة بسطها ابن حجر في (فتح الباري) ٣ فلتنظر هناك.
قال ابن القَيِّم ﵀ عَقِبَ نقله كلام الدارقطني هذا-: "وهَمَّام وإن كان ثقة صدوقاً احتجَّ به الشيخان في الصحيح، فإن يحيى بن سعيد كان لا يُحَدِّث عنه ولا يَرْضَى حفظه ... وقال يزيد بن زريع - وسُئِل عن همام-: كتابه صالح، وحفظه لا يسوى شيئاً. وقال عفان: كان هَمَّام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا يَنْظر فيه، وكان يُخَالَفُ فلا يرجع إلى كتاب، وكان يكره ذلك، قال: ثُمَّ رَجَعَ بعد فنظر في كتبه، فقال: يا عفان كُنَّا نخطئ كثيراً، فنستغفر الله ".
ثم قال ابن القَيِّم: "ولا ريبَ أَنه ثقةٌ صدوق، ولكنه خُولِفَ في هذا الحديث، فَلَعَلَّهُ مِمَّا حَدَّثَ به من حفظه فَغَلِطَ فيه، كما قال أبو داود والنسائي والدارقطني وعلى هذا: فالحديث شاذ أو منكر كما
стр. 635
قال أبو داود، وغريبٌ كما قال الترمذي"١.
قلت: وقد مَالَ الحافظ ابن حجر إلى كونه شاذاً، واستبعد أن يكون منكراً، فقال: "وَحُكْمُ النسَائِي عليه بكونه غير محفوظ أصوب، فإنه شَاذٌّ في الحقيقة؛ إذ المنفرد به من شرط الصحيح، لكنه بالمخالفة صار حديثه شاذاً"٢.
ثم رد ابن القَيِّم ﵀ على من نَازَعَ في نَكَارَتِهِ أو شذوذِهِ، فقال: "فإن قيل: إن هَمَّامَاً ثقة، وتَفَرُّدُ الثقة لا يوجبُ نكارة الحديث، فقد تفرد عبد الله بن دينار بحديث: النهي عن بيع الولاء وهبته، وَتَفَرَّدَ مالك بحديث: دخول النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المِغْفَر. فهذا غايته أن يكون غريباً كما قال الترمذي، وَأَمَّا أن يكون منكراً أو شاذاً: فلا؟ "٣.
ثم أجاب ابن القَيِّم عن ذلك، فقال: "التَّفَرُّدُ نوعان: تَفَرُّدٌ لم يُخَالَف فيه من تفردَ به، كتفرد مالك وعبد الله بن دينار بهذين الحديثين، وأشباه ذلك. وَتَفَرُّدٌ خُولِفَ فيه المتفرد، كتفرد همام بهذا المتن٤ على هذا الإسناد؛ فإن الناس خالفوه فيه، وقالوا: "إن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من وَرِقٍ ... " الحديث. فهذا هو المعروف عن ابن جريج عن الزهري، فلو لم يرو هذا عن ابن جريج وَتَفَرَّدَ هَمَّام بحديثه لكان نظير حديث عبد الله بن
стр. 636
دينار ونحوه. فينبغي مراعاة هذا الفرق وعدم إهماله"١.
قلتُ: وقد خالف هَمَّاماً جماعةٌ من أصحاب ابن جريج كما تقدم من كلام الدارقطني، ولا شك أن العددَ الكثير أولى بالحفظ والضبط من الواحد.
وأما المتابعة التي ذكرها الدارقطني لهمام، من رواية يحيى بن المتوكل٢، ويحيى بن الضريس٣: فقد أخرج رواية ابن المتوكل الحاكم في (المستدرك) ٤، عنه عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس ﵁ "أن رسول الله ﷺ لَبِسَ خَاتَمَاً نقشه "محمد رسول الله"، فكان إذا دَخَلَ الخلاء وَضَعه". قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إنما أخرجا حديث نقش الخاتم فقط"، ووافقه الذهبي. وقد سقط ذكر أنس ﵁ من مطبوعة (المستدرك) ، لكنه في رواية البيهقي من طريقه.
وأخرجه البيهقي في (سننه) ٥ من طريق الحاكم، ثم قال: "وهذا شاهد ضعيف".
قال ابن القَيِّم ﵀: "وإنما ضَعَّفَه لأنَّ يحيى هذا قال فيه الإمام أحمد: وَاهِي الحديث. وقال ابنُ مَعين: ليس بشيءٍ. وَضَعَّفَهُ
стр. 637
الجماعة كلهم"١.
كذا قال ابن القَيِّم! وقد وَهِمَ في ذلك ﵀؛ فإن يحيى بن المتوكل الذي ضَعَّفَه أحمد ويحيى والجماعة كلهم هو: أبو عقيل العمري المدني، مولى العمريين٢، أما المقصود هنا: فَإِنَّه البَاهِلِي البصري أبو بكر، فهو الذي يروي عن ابن جريج، قال ابن معين: "لا أعرفه"٣. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٤. وقال: "كان يخطئ". قال ابن حجر: " ... قُولُ يحيى بن معين: لا أعرفه، أراد به جَهَالة عدالته لا جهالة عينه، فلا يُعْتَرَض عليه بكونه روى عنه جماعة؛ فإن مُجَرَّد روايتهم عنه لا تَسْتَلْزِم معرفة حاله. وأما ذكر ابن حبان له في (الثقات) : فإنه قال فيه - مع ذلك -: كان يُخْطِئ، وذلك مِمَّا يُتَوقَّف به عن قبول أفراده"٥.
لكن يحيى هذا قال عنه الذهبي: "صدوق"٦، وقال الحافظ ابن حجر: "صَدُوقٌ يُخْطِئ"، وقال - أيضاً - عن حديثه هذا: "رجاله ثقات"٧. وحينئذٍ فقد يصلح حديثه للمتابعة.
وأما المتابعة الأخرى عن يحيى بن الضريس: فإنني لم أَقِف على من أَخْرَجَها، ولا وَجَدت أحداً أشار إلى مُخْرِجِها، سوى ما جَاءَ من ذكر
стр. 638
الدارقطني لها في كلامه آنف الذكر، لكن قال ابن حجر في (التلخيص الحبير) ١: "وأخرجهما - يعني: رواية يحيى بن المتوكل، ويحيى بن الضريس - الحاكم والدارقطني"! كذا قال ﵀، ولم أجده في واحد منهما بعد البحث، أما الحاكم فقد أخرج حديث يحيى بن المتوكل وحده كما تقدم، وأما الدارقطني فلم أجد فيه أَيّاً منهما.
حتى إن ابن القَيِّم ﵀ لم يذكر من أخرج هذه المتابعة، وكأنه لم يقف على ذلك، ولكنه قال: "وأما حديث يحيى بن الضريس: فيحيى هذا ثقة، فَيُنْظَرُ الإسنادُ إليه"٢.
وقال مرة: "وحديث ابن الضريس يُنْظَرُ في حاله، ومن أخرجه"٣.
وعلى كل حال: فإنَّ هذه المتابعة من يحيى بن المتوكل، ثم من يحيى ابن الضريس قد تفيد في تقوية رواية همام، لكنها مع ذلك تبقى مُخَالِفَةً لرواية الجماعة من أصحاب ابن جريج، وهم أكثر عَدَدَاً، وفيهم أبو عاصم النبيل "الثقة الثبت"، وعبد الله بن الحارث المخزومي "الثقة"، وغيرهما من ثقات أصحاب ابن جريج؛ ومن هنا جاء حكم الحفاظ على هذه الرواية بالشذوذ.
стр. 639
على أَنَّ هناك اتجاهاً نحو القول بأن هذا الحديث جاء عن الزهري على أوجه كثيرة، وأن حديث همام هذا أحدها، وقد عَبَّر ابن حجر ﵀ عن هذا الاتجاه فقال: "على أن للنظر مجالاً في تصحيح حديث هَمَّام؛ لأنه مبني على أن أصله حديث الزهري، عن أنس في اتخاذ الخاتم. ولا مانع أن يكون هذا متن آخر غير ذلك المتن ... "١.
لكن أجاب ابن القَيِّم ﵀ عن ذلك، فإنه سَاقَ عدة روايات عن الزهري في اتخاذه ﷺ الخاتم، ثم قال: "هذه الروايات كُلها تَدُلُّ على غَلَط هَمَّام؛ فإنها مجمعةٌ على أن الحديث إِنَّمَا هو في اتخاذ الخاتم ولبسه، وليس في شيءٍ منها نزعه إذا دخل الخلاء. فهذا هو الذي حَكَمَ لأجله هؤلاء الحُفَّاظ بنَكَارَة الحديث وشذوذه، والمصحح له لَمَّا لم يمكنه دَفْعَ هذه العلة حكم بغرابته٢ لأجلها، فلو لم يكن مخالفاً لرواية من ذُكِرَ فما وجه غرابته؟ "٣.
وَلِرواية هَمَّام هذه عِلَّة أخرى لم يَتَعَرَّض لَهَا ابن القَيِّم ﵀، وهي: تَدْلِيس ابن جريج، قال الحافظ ابن حجر: "والخَلَلُ في هذا الحديث من جهة أن ابن جريج دَلَّسَهُ عن الزهري بإسقاط الواسطة، وهو زياد بن سعد"٤. بل ذهب الحافظ ﵀ إلى أن التَّدْلِيسَ هو
стр. 640
عِلَّتَهُ الوحيدة - بعد أن قال بإمكان تصحيح رواية هَمَّام وحَمْلِهَا على أَنَّهَا متن آخر لحديث الزهري - فقال: "ولا عِلَّة له عِنْدي إلا تَدْلِيس ابن جريج، فإن وُجْدَ عنه التصريح بالسَّماع فلا مَانِعَ مِنَ الحكم بِصِحَّتِه في نقدي. والله أعلم"١. وقد ذَهَبَ فريق آخر من أهل العلم إلى تصحيح هذا الحديث، ولم يروه معلولاً، فقال الترمذي: "حسن غريب"، وفي نسخة: "حسن صحيح غريب"٢. وصَحَّحَه الحاكم على شرط الشيخين من طريق يحيى ابن المتوكل، عن هَمَّام، ووافقه الذهبي كما مضى. وَرَجَّحَ الْمُنذري ما حكمَ به الترمذي، وأنه يكون غريباً - كما قال الترمذي - لا شاذاً٣. وذكره ابن دقيق العيد في كتابه (الاقتراح) ٤ ضمن الأحاديث الصحيحة التي خَتَمَ بها كتابه. وصححه كذلك ابن التركماني وقال: بأن الأمر على ما قال الترمذي من الحسن والصحة٥.
وفي نظري: أن أَكْثَر من صَحَّحَه إِنَّمَا نَظَر إلى ظاهر إسنادِهِ، ولم يلتفت إلى العِلَّةِ الواقعة في مَتْنِه، وهو ما الْتَفَتَ إليه وَنَبَّه عليه حُذَّاقُ الأئمة العارفين بمكامن العلل، ومواطن الأدواء: كأبي داود، والنسائي، والدارقطني، وقد تقدم قولهم في ذلك، ولذلك قال النووي في
стр. 641
(الخلاصة) ١: "قول الترمذي: حسن، مردود عليه".
ثُمَّ إن قول الترمذي - الذي اسْتَنَد إليه بعض من صَحَّحَهُ - يُمْكِنُ أن يَلْتَقِي مع قول من أَعَلَّهُ ولا يُعَارِضُه، وقد عَبَّر ابن القَيِّم ﵀ عن ذلك فقال: "وَلَعَلَّ الترمذي موافق للجماعة؛ فإنه صَحَّحَهُ مِن جِهَةِ السَّنَد لِثِقَةِ رُوَّاتِهِ، واسْتغربه لهذه العِلَّة، وهي التي منعت أبا داود من تصحيح متنه، فلا يكون بينهما اختلاف، بل هو صحيح السند لكنه معلول"٢.
فالحاصلُ: أن الراجح إعلال هذا الحديث، وأنه غيرُ محفوظ بهذا اللفظ، بل المحفوظ عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس خلافه، وهذا ما رَجَّحَهُ ابن القَيِّم ﵀ في بَحْثٍ لَّهُ نافع ماتع، أثبتَ فيه أن ذلك ليس من باب تَفَرُّدِ الثِّقَةِ بما لم يروه غيره أصلاً، وَإِنَّمَا من باب مُخالفةِ الثِّقَة لِمَنْ هو أَوْثَقُ منه: وهو الشاذُّ.
وإنني أرى أن الحكم عليه بالشذوذ أولى من الحكم بنكارته، وهذا الذي ذهب إليه النسائي، وَرَجَّحَهُ الحافظ ابن حجر كما مضى.
كما أن الحديث معلول - بالإضافة إلى ذلك - بتدليس ابن جريج، وهذا ما لم يتعرض له ابن القَيِّم في بحثه، وقد نَبَّهْتُ على ذلك مُسْتَشْهِدَاً بكلام الحافظ ابن حجر ﵀.
وقد ضَعَّفَ الحديث - أيضاً - الشيخ الألباني، وَصَوَّبَ القول بأنه شاذ٣، والله أعلم.
стр. 642
٣- باب ما جاء في تخليل الأصابع عند الوضوء
٤- (٤) عَنِ الْمُسْتَورد بن شَدَّاد، عن النبيِّ ﷺ : "أَنَّه كَانَ يُدَلِّكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْه عِنْدَ الوضوءِ".
ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث في معرض كلامه على عدم مداومة النبي ﷺ على هذا الفعل، ثم تَكَلَّم ﵀ على هذا الحديث بما حاصله:
١- أن في إسناده ابن لهيعة، لذلك: فالحديث - في نظره - في ثبوته نظر. لكن كأنه لم يقطع بضعفه، وأنه قَابلٌ للتصحيح، ولذلك قال:
٢- "وهذا إن ثبتَ عنه: فإنما كان يفعله أحياناً". ثم استدل على عدم مداومته ﷺ على ذلك بقوله:
٣- "ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه، كعثمان، وعلي، وعبد الله بن زيد، وغيرهم"١.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه في (سنهم) ٢ وأحمد في (مسنده) ٣، والبيهقي في (سننه) ٤، من طرق، عن:
стр. 643
ابن لهيعة١، عن يزيد بن عمرو٢، عن أبي عبد الرحمن الحبلي٣، عن المستورد بن شداد٤ ﵁ قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ يدلك أصابعَ رجليه بخنصره". هذا لفظ أبي داود، ومثله الترمذي. وعند أحمد: "يُخَلِّلُ"، وابن ماجه "خَلَّلَ" بدل: "يدلك". ولفظ البيهقي مثل أبي داود، لكن عنده: "ما بين أصابع رجليه".
أما إعلال هذا الحديث بأن ابن لهيعة في إسناده: فقد أجاب عنه الأئمة: بأن ابن لهيعة لم ينفرد به، بل تُوبع عليه:
قال ابن القطان: "وابن لهيعة ضعيف، ولكنه قد رواه غيره، فَصَحَّ"٥، ثم ساق هذه المتابعة من طريق ابن أبي حاتم٦.
وأشار ابن الْمُلَقِّن٧ ﵀ إلى هذه المتابعة. وقال ابن حجر: "وفي إسناده ابن لهيعة، لكن تابعه: الليث بن سعد، وعمرو بن
стр. 644
الحارث. أخرجه البيهقي، وأبو بشر الدولابي، والدارقطني في غرائب مالك، من طريق ابن وهب عن الثلاثة"١.
قلت: وهذه المتابعة أخرجها البيهقي٢ من طريق: عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: أنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب٣، قال: سمعت عَمِّي - يعني عبد الله بن وهب - يقول: سمعت مالكاً يُسْئَلُ عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك على الناس. قال: فتركته حتى خَفَّ الناس، فقلت له: يا أبا عبد الله! سمعتك تُفْتِي في مسألة تخليل أصابع الرجلين، زعمت أن ليس ذلك على الناس، وعندنا في ذلك سُنَّة. فقال: وما هي؟ فقلت: ثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث٤، عن يزيد بن عمرو المعافري ... فساق الحديث كما مضى. قال مالك: هذا حديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة. ثم سمعته يسئل بعد ذلك، فأمر بتخليل الأصابع.
فهذه - كما نرى - متابعةٌ قويةٌ من الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث لابن لهيعة على هذا الحديث، ولا سيما أنها من طريق ابن وهب، وروايته عن ابن لهيعة أعدل من رواية غيره عنه٥.
стр. 645
لكنَّ ابن التركماني ﵀ – حاولَ غمز هذه المتابعة، فقال: "في ذلك السند أحمد بن أخي ابن وهب؛ وهو وإن خَرَّجَ عنه مسلم، فقال أبو زرعة: أدركناه ولم نكتب عنه. وقال ابن عدي: رأيت شيوخ أهل مصر الذين لحقتهم مجمعين على ضعفه"١.
كذا قال ابن التركماني، ولم يذكر أن جماعةً وَثَّقُوه وارتضوه، منهم: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حيث قال: "ثِقَة، ما رأينا إلا خيراً"٢. وقال أبوحاتم: "أدركته وكتبت عنه"٣. ومرة قال: "كان صدوقاً"٤. وقال أبوحاتم: "سمعت عبد الملك بن شعيب بن الليث يقول: ... ثقة"٥.
وأما عدم كتابة أبي زرعة عنه فلأنه خلط في أحاديث٦، ولكنه رجع عن ذلك ﵀، وقد بلغ أبا زرعة رُجُوُعُه عن تلك الأحاديث، فقال: "إن رجوعه مما يُحَسِّنُ حاله، ولا يبلغ به المنزلة التي كان قبل ذلك"٧. ومن أجل رجوعه تَمَسَّكَ ابن خزيمة بالرواية عنه؛ فإنه قِيلَ له: لِمَ رويتَ عن ابن أخي ابن وهب وتركتَ سفيان بن وكيع؟ فقال: "لأن أحمد لما أنكروا عليه تلك الأحاديث رجع عنها إلى آخرها، إلا حديث
стр. 646
مالك عن الزهري عن أنس "إذا حَضَرَ العشاء ... " وأما سفيان بن وكيع: فَإِنَّ وَرَّاقَهُ أدخل عليه أحاديث فرواها، فَكَلَّمْنَاهُ فلم يرجع عنها، فاستخرت الله وتركته"١. وقال ابن القطان: "وَثَّقَهُ أهل زمانه"٢.
فهؤلاء الأئمةُ قد وثقوه وأثنوا عليه، وحمدوا له رجوعه عن تلك الأحاديث التي أُنْكِرت عليه، وتمسك بالرواية عنه ابن خزيمة مع شدة تحريه في الرجال، هذا كله مع إخراج مسلم له في (الصحيح) ، فهل يُسْمَعُ بعد ذلك قولُ طاعن فيه؟!
ولكن، ثَمَّةَ أمرٌ آخر قد يكون مدخلاً للطعن في هذه المتابعة، وهو ما ذكره ابن القطان ﵀ إذ قال: "وَإِنَّمَا الذي يجب أن يُتَفَقَّدَ من أمر هذا الحديث: قول أبي محمد بن أبي حاتم: أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن. فإني أظنه يعني في الإجازة؛ فإنه لَمَّا ذكرهُ في بابه قال: إِنَّ أبا زرعة أدركه ولم يكتب عنه، وإن أباه قال: أدركته وكتبتُ عنه. وظاهر هذا أنه هو لم يسمع منه؛ فإنه لم يقل: كتبت عنه مع أبي، وسمعت منه، كما هي عادته أن يقول فيمن يشترك فيه مع أبيه"٣.
وقد أجاب ابن الملقن ﵀ عن شبهة ابن القطان هذه، فقال: "وقد استغنينا عن هذا التفقد الذي أشار إليه ابن القطان برواية البيهقي المتقدمة حيث قال - يعني ابن أبي حاتم-: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وكذلك - أيضاً - رواه عن ابن أخي ابن وهب: أبو بشر أحمد بن محمد بن حماد الدولابي، حَدَّثَ به الدارقطني في (غرائب
стр. 647
مالك) عن أبي جعفر ... عن الدولابي: ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثني عمى ... عن ابن لهيعة والليث بن سعد، ولم يذكر عمرو بن الحارث. فهذا أبو محمد بن أبي حاتم، وأبو بشر الدولابي كلٌّ منهما يقول: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن"١.
قلت: فزالت - بحمد الله - هذه الشبهة، وبقيت هذه المتابعة قوية، تشد رواية ابن لهيعة الماضية وتعضدها.
وقد صَحَّحَ العلماء حديث المستورد هذا بهذه المتابعة، فقال ابن القطان - ومضى كلامه -: " ... فَصَحَّ بإسناد صحيح". وقال ابن الملقن: "الحديث حسن صحيح"٢. وقد مضى استحسان الإمام مالك له وعمله به. وظاهرُ صَنِيع البيهقي يقتضي تصحيحه إياه، حيث سَاقَ له هذه المتابعة بإسناده إلى ابن وهب. وقال ابن حجر ﵀: "وفي إسناده ابن لهيعة، لكن تابعه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث ... "٣. وقال في (النكت الظراف) ٤ - مُعَلِّقَاً على قول الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة -: "وهو يُتَعَقَّبُ؛ فقد أخرجه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ... وصَحَّحَه ابن القطان من هذا الوجه". وذكره البغوي في قسم الحسن من (مصابيحه) ، وتَبِعَهُ على ذلك
стр. 648
التبريزي في (المشكاة) ١. وصَحَّحَه الشيخ الألباني٢.
ومع ذلك فللحديث شواهد عدة، أَمْثَلُهَا - كما قال الزيلعي٣ - حديث لقيط بن صبرة ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: "أَسْبِغْ الوضوء، وخَلِّلْ بين الأصابع، وَبَالِغْ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً" هذا لفظ الترمذي٤، وأخرجه أيضاً: أبو داود في (سننه) ٥، وأحمد، والدرامي في (مسنديهما) ٦، وابن الجارود في (المنتقى) ٧، وابن خزيمة وابن حبان في (صحيحيهما) ٨، والحاكم في (المستدرك) ٩، والبيهقي في (سننه) ١٠. وسياقه عند أحمد وأبي داود مُطَوَّل، فيه ذكر قصة وفد بني المنتفق، أما الباقون فلفظهم مختصر قريب من لفظ الترمذي. وهو عند الجميع من طريق: عاصم بن لقيط١١، عن أبيه لقيط بن صبرة به.
стр. 649
قال الترمذي: "حسن صحيح". وقال البغوي: "حسن"١، وَصَحَّحَه ابن القطان٢. وقال الحاكم: "حديث صحيح، ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي. وقال ابن الملقن: "رجاله رجال الصحيح، إلا إسماعيل بن كثير المكي ... وإلا عاصم بن لقيط بن صبرة"٣. ثم نقل أقوال الأئمة في توثيقهما. وَتَقَدَّمَ قول الزيلعي أنه أمثل الأحاديث الواردة في ذلك.
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن حديثَ المستورد بن شداد صحيحٌ، أو حسنٌ على أقلِّ أحواله، وما أَعَلَّهُ به ابن القَيِّم من وجود ابن لهيعة في إسناده مردود بمتابعة جماعةٍ له على روايته. ثم يأتي حديث لقيط بن صبرة فيشهد له ويشد أزره.
стр. 650
٤- باب من قال بالموالاة في الوضوء وعدم جواز تفريقه
٥- (٥) عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب النبي ﷺ : "أَنَّ النبي ﷺ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي، في ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ١ قَدْرَ الدِّرْهَم لم يُصِبْهَا الماءُ، فَأَمَرَهُ النبي ﷺ أن يُعِيدَ الوضوء والصلاة".
بَحَثَ ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث، وأجاب عَمَّا أُعِلَّ به، وذلك في (كلامه على سنن أبي داود) ٢، وسيأتي نقل كلامه في ذلك.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والبيهقي كذلك في (سننه) ٤ من طريق أبي داود. قال أبو داود: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية٥، عن بحير بن سعد٦، عن خالد بن معدان٧، عن بعض أصحاب النبي ﷺ به.
стр. 651
وقد أُعِلَّ هذا الحديث بعلتين:
أولهما: أن في إسناده بقية بن الوليد، وفيه مقال. قال ذلك المنذري في (مختصر السنن) ١.
العلة الثانية: أن راويه مجهول لا يُدْرَى من هو. أَعَلَّه بذلك ابن حزم٢ وأَعَلَّه ببقية أيضاً.
وقد نَقَلَ ابن القَيِّم ﵀ هاتين العلتين، ثم شَرَعَ في الجواب عنهما٣ فقال:
"أما الأولى: فإن بقية ثِقَةٌ في نفسه صدوق حافظ، وإنما نُقِمَ عليه التدليس، مع كثرةِ روايته عن الضعفاء والمجهولين٤ وأما إذا صَرَّحَ بالسَّمَاع فهو حُجَّةٌ٥. وقد صَرَّحَ في هذا الحديث بسماعه له٦، قال
стр. 652
أحمد في (مسنده) ١: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن بعض أزواج النبي ﷺ ... فذكر الحديث، وقال: فأمره أن يعيد الوضوء".
كذا قال ابن القَيِّم ﵀، وسبقه إلى هذا الجواب ابن دقيق العيد، على ما نقله عنه ابن الملقن في (البدر المنير) ٢، لكن وقع عنده: (في المستدرك) بدل (مسند أحمد) ، وحمله ابن الملقن ﵀ على أنه خطأ من الناسخ، بدليل أنه جاء به في (الإلمام) على الصواب. وقد تابع ابن دقيق العيد على ذلك: ابنُ حجر ﵀، لكنه قال: "في المسند والمستدرك تصريح بقية بالتحديث"٣! ونقل ذلك عنه الشيخ الألباني في (إرواء الغليل) ٤! كذا قالوا، وليس هذا الحديث في (المستدرك) ألبتة، كما نَبَّهَ على ذلك ابن الملقن ﵀، وبحثت أنا عنه كثيراً فلم أقف له على أثر فيه.
وأما قول ابن القَيِّم - ومن بعده ابن الملقن، ثم ابن حجر -: إنه في (المسند) "عن بعض أزواج النبي ﷺ ". فلم أجده هكذا، وإنما هو عند الإمام أحمد بالإسناد الذي ساقه ابن القَيِّم: "عن بعض أصحاب النبي" فلينظر في ذلك؟
стр. 653
ثم قال ابن القَيِّم ﵀: "وأما العلة الثانية١: فباطلة أيضاً على أصل ابن حزم، وأصل سائر أهل الحديث، فإن عندهم جهالةُ الصَّحَابِي لا تَقْدَح في الحديث؛ لثبوت عدالة جميعهم. وأما أصل ابن حزم: فإنه قال في كتابه في أثناء مسئلة: كلُّ نساءِ النبي ﷺ ثقات فواضل عند الله ، مقدسات بيقين".
وما ذكره ابن القَيِّم في جوابه عن أصل ابن حزم: فإنه قاله بناءً على رواية أحمد التي ذكرها وفيها: "عن بعض أزواج النبي"، وقد قَدَّمْنَا أن رواية المسند التي أمامنا ليس فيها إلا ما يُوافِقُ رواية أبي داود المتقدمة وهو: "بعض أصحاب النبي".
وقد شاركَ ابن حزم في القول بهذه العلة: البيهقيُّ، فقال في (سننه) ٢: "وهو مرسل". وكذا قال ابن القطان، كما في (البدر المنير) ٣، و (التلخيص الحبير) ٤.
قلت: وما أَعَلُّوهُ به من جهالة راويه قد يكون له وجهٌ؛ حيث إن عَنْعَنَة التابعي عن رجل - أو جماعة - من أصحاب النبي ﷺ لم يَقْبَلْهَا بعضهم، فقال أبو بكر الصيرفي - من الشافعية -: "وإذا قال في الحديث بعض التابعين: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : لا يُقبل؛ لأني لا أعلم سمع التابعيُّ من ذلك الرجل؟ إذ قد يُحَدِّث التَّابِعِيُّ عن رجل وعن رجلين
стр. 654
عن الصحابي، ولا أدري: هل أَمْكَنَ لِقَاءَ ذلك الرجل أم لا، فلو علمت إمكانه منه لجعلته كَمُدْرِكِ العصر. وإذا قال: سمعت رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ قُبِلَ؛ لأن الكل عدول". نقله عنه الحافظ العراقي في (التقييد والإيضاح) ١ ثم قال: "وهو حسنٌ مُتَّجِهٌ، وكلامُ من أَطْلَقَ قبوله محمول على هذا التفصيل، والله أعلم".
لكن نَازَعَهَما الحافظ ابن حجر ﵀، فقال في (النكت على ابن الصلاح) ٢: "وفيه نظرٌ؛ لأن التابعيَّ إذا كان سالماً من التدليس حُمِلَتْ عنعنته على السماع".
ثم قال ﵀: "وإن قلت: هذا إنما يَتَأتَّى في حقِّ كبار التابعين الذين جُلُّ روايتهم عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغارُ التابعين الذين جُلُّ روايتهم عن التابعين: فلابد من تحقيق إدراكه لذلك الصحابي، والفرض أنه لم يسمعه حتى يُعْلَم هل أدركه أم لا؟ فينقدحُ صِحَّة ما قال الصيرفي. قلت: سَلاَمَتُهُ من التدليس كافية في ذلك؛ إذ مدار ذلك على قوة الظَّنِّ به، وهي حاصلة في هذا المقام"٣.
وقد يُقال: خالد بن معدان كثيرُ الإرسال، وَوَصَفَهُ الحافظ الذهبي بالتدليس٤، الأمر الذي قد يورث خشيةً من عنعنته هنا كما قرره الحافظ ابن حجر. لكن يُقال: قد جعله الحافظ ابن حجر ﵀ في الطبقة
стр. 655
الثانية من طبقات المدلسين، وهم الذين احتمل الأئمةُ تدليسهم لإمامتهم، وَقِلَّةِ تدليسهم في جنبِ ما رووا١. وقد قال أبو عبد الله الحاكم في (مستدركه) ٢- عقب حديث أخرجه من طريقه عن أصحاب النبي ﷺ : "خالد بن معدان من خيار التابعين، صَحِبَ معاذ ابن جبل فمن بعده من الصحابة، فإذا أَسْنَدَ حديثاً إلى الصحابة فإنه صحيحُ الإسنادِ، وإن لم يُخْرِجَاهُ".
وقد سَأَلَ الأثرمُ الإمام أحمد فقال: "هذا إسناد جيد؟ قال: جيد"٣. وَقَوَّاه كذلك ابن التركماني٤، وصححه الشيخ الألباني٥.
ومع ذلك، فللحديث شاهدٌ من رواية عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلاً تَوَضَّأَ فترك موضع ظُفْرٍ على قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: "ارْجِعْ فَأَحسِن وضُوءَكَ". فرجع ثم صلى٦.
فَظَهَرَ من ذلك أن حديث خالد بن معدان هذا ثابت، وأن ابن القَيِّم ﵀ قد وُفِّقَ في رَدِّ العلل التي رُمِيَ بها الحديث على ما بَيَّناهُ من كلامه، مع وجود شاهد له في (صحيح مسلم) . والله أعلم.
стр. 656
٥- بابُ الوضوء من مس الذكر
٦- (٦) عن بسرة بنت صفوان ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ". ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث، ثم قال: "قال الدارقطني: قد صح سماع عروة من بسرة هذا الحديث"١. وهو يشير بذلك إلى الرد على من أعله بعدم سماع عروة منها.
قلت: هذا الحديث مداره على عروة بن الزبير، ويرويه عنه: ابنه هشام بن عروة، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم.
أما رواية هشام بن عروة عن أبيه: فأخرجها ابن ماجه في (سننه) ٢ من طريق عبد الله بن إدريس. وابن الجارود في (المنتقى) ٣، وابن خزيمة في (صحيحه) ٤ كلاهما من طريق أبي أسامة. وابن حبان في (صحيحه) ٥، والدارقطني في (سننه) ٦ كلاهما من طريق سفيان الثوري، كلهم عن:
هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان بن الحكم، عن بسرة ﵂ به. وعند ابن حبان والدارقطني زيادة قوله: " ... فليتوضأ وضوءه للصلاة".
стр. 657
وقد رواه جماعة آخرون عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة، بدون ذكر "مروان بن الحكم"، أخرج ذلك: الترمذي في (جامعه) ١، والنسائي في (سننه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣ ثلاثتهم من طريق: يحيى بن سعيد القَطَّان. وابن حبان في (صحيحه) ٤ من طريق: علي بن المبارك. والدارقطني في (سننه) ٥ من طريق: عبد الحميد بن جعفر، كلهم عن:
هشام بن عروة، عن أبيه عروة، عن بسرة به. ولفظ ابن حبان: " ... فَلْيُعِدْ الوضوءَ". وعند الدارقطني زيادة وهي: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أو أنثييه أو رفغيه٦ فليتوضأ". قال الدارقطني: "كذا رواه عبد الحميد ابن جعفر عن هشام، وَوَهِمَ في ذكر الأنثيين والرفغ، وإدراجه ذلك في حديث بسرة عن النبي ﷺ ، والمحفوظ: أن ذلك من قول عروة غير مرفوع، كذلك رواه الثقات عن هشام، منهم: أيوب السختياني، وَحَمَّاد بن زيد وغيرهما".
وقد ظَنَّ بَعْضُهم أن هذا الخبر منقطعٌ، لإسقاط هؤلاء الجماعة "مروان بن الحكم" من الإسناد، وقالوا: إن عروة لم يسمعه من بسرة.
стр. 658
وقد صَوَّرَ الدارقطني ﵀ ما تَوَهَّمَهُ هؤلاء ثم أجاب عنه، فقال: "فلما وَرَدَ هذا الاختلاف عن هشام، أشكلَ أمر هذا الحديث، وظنَّ كثير من الناس - مِمَّن لم يمعن النظر في الاختلاف - أن هذا الحديث غيرُ ثابت ... فلما نظرنا في ذلك وبحثنا عنه: وجدنا جماعة من الثقات الحفاظ منهم: شعيب بن إسحاق، وربيعة بن عثمان، والمنذر بن عبد الله الحزامي، وعنبسة بن عبد الواحد الكوفي، وعلي بن مسهر القاضي ... وزهير بن معاوية الجعفي، رووا هذا الحديث عن: هشام، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، وذكروا في روايتهم في آخر الحديث: أن عروة قال: ثم لقيت بسرة بعد فسألتها عن الحديث، فحدثتني به عن رسول الله ﷺ كما حدثني مروان عنها. فَدَلَّ ذلك من رواية هؤلاء النَّفَر على صحة الروايتين الأولتين جميعاً، وزال الاختلاف والحمد لله، وصحَّ الخبر، وثبتَ أن عروة سمعه من بسرة، وشَافَهَتْهُ به بعد أن أخبره مروان عنها". قال: "ومِمَّا يُقَوِّي ذلك ويَدُلُّ على صحته، وأن هشاماً كان يُحَدِّثُ به مرة عن أبيه، عن مروان عن بسرة عن السماع الأول، وكان يحدث به تارة أخرى عن أبيه عن بسرة على مشافهة عروة لبسرة وسماعه منها بعد أن سمعه من مروان عنها: ما قَدَّمْنَا ذكره من رواية ابن جريج، وحماد بن سلمة، وزمعة، وأبي علقمة الفروي ... فإنهم رووه عن هشام على الوجهين جميعاً، وكان هشامٌ ربما نَشِطَ فَحَدَّثَ به على الوجهين جميعاً ... "١. وقال الحاكم نحواً من كلام الدارقطني هذا ثم قال: " ... فَدَلَّنَا ذلك على صِحَّة الحديث وثبوته على شرط الشيخين، وزالَ عنه الخلاف والشبهة، وثبت سماع عروة من بسرة"٢.
стр. 659
وأنا أوردُ طرفاً من هذه الروايات التي صَرَّحَ فيها عروةُ بسماعه من بُسْرَة، والتي أشار الدارقطني إلى جملة منها آنفاً:
فرواية "شعيب بن إسحاق": أخرجها ابن حبان في (صحيحه) ١، والدارقطني في (سننه) ٢، والحاكم في (المستدرك) ٣ عن هشام، عن أبيه، أن مروان حَدَّثَهُ عن بسرة، فأنكر ذلك عروة، فسأل بسرة، فَصَدَّقَتْهُ بما قال. قال الدارقطني: "صحيح".
ورواية "ربيعة بن عثمان": أخرجها ابن الجارود في (المنتقى) ٤، وابن حبان في (صحيحه) ٥، والحاكم في (المستدرك) ٦ وفيه قول عروة: "فسألت بسرة، فَصَدَّقَتْهُ".
واستوعَبَ الحاكم في (المستدرك) ٧ بقية هذه الروايات، فلتنظر هناك.
وَجَزَمَ ابن خزيمة في (صحيحه) ٨ بسماع عروة من بسرة هذا الحديث، فقال - بعد أن نَقَلَ عن الشافعي وجوب الوضوء من ذلك -:
стр. 660
"وبقول الشافعي أقول؛ لأن عروة قد سمع خبر بسرة منها، لا كما تَوَّهَّمَ بعض علمائنا ... ".
هذا ما يتعلق بالكلام على رواية هشام بن عروة، عن أبيه عروة.
وأما رواية عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عروة: فأخرجها مالك في (الموطأ) ١ عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة به. وأخرجه الشافعي في (مسنده) ٢ عن مالك، والبيهقي في (سننه) ٣ من طريق الشافعي.
وأخرجه أبو داود في (سننه) ٤، وابن حبان في (صحيحه) ٥ من طريق مالك. وأحمد٦، وابن الجارود٧من طريق سفيان الثوري، وأحمد٨ - أيضاً - والطبراني٩ من طريق الزهري. والدارمي١٠ من طريق ابن إسحاق، كُلُّهُم عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال:
стр. 661
سمعت عروة بن الزبير يقول: دخلتُ على مروان بن الحكم، فتذاكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: وَمَنْ مَسِّ الذَّكَرِ الوضوء. فقال عروة: ما علمتُ هذا. فقال مروان: أخبرتني بُسرة بنت صفوان، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره، هذا لفظ مالك ومن رواه من طريقه، وعند الباقين - إلا الدرامي - أن عروة أَنْكَرَ ذلك، فأرسلَ مروان رسولاً - وفي رواية حَرَسِيًّا - إلى بُسْرة فجاء بذلك.
وقد وقع خلافٌ في إسناد حديث عبد الله بن أبي بكر أيضاً: فرواه سائر أصحاب مالك عنه كما ذكرنا، وخالفهم عبد الوهاب بن عطاء، فرواه عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة عن بسرة، بإسقاط "مروان بن الحكم" من الإسناد، قال الدارقطني: "والأول أصحُّ"١.
وأخرجه كذلك بإسقاط مروان: النسائي في (سننه) ٢من طريق سفيان. والدارمي في (مسنده) ٣، والطبراني في
стр. 662
(الكبير) ١من طريق الزهري، كلهم عن عبد الله بن أبي بكر به.
وأخرجه الطيالسي في (مسنده) ٢ من طريق شعبة، عن عبد الله بن أبي بكر - أو أخيه محمد بن أبي بكر - به. وأخرجه الطبراني في (الكبير) ٣من طريق ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، وأسقط من الإسناد "عبد الله بن أبي بكر".
وَرُوِيَ على وجوه أخرى غير هذه، وقد استوعبها الدارقطني كُلَّها في (علله) ٤ فأفادَ وأجادَ ﵀.
وقد حَكَمَ قومٌ بعدم سماع هشام هذا الحديث من أبيه، قال النسائي: "هشام بن عروة لم يسمع من أبيه هذا الحديث"٥. وطعن - كذلك - الطحاويُّ في رواية هشام عن أبيه، وقال بأن هشاماً إِنَّمَا أَخَذَهُ عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم٦. ولعله استندَ في ذلك إلى ما رواه الطبراني في (الكبير) ٧ من طريق: حجاج، عن هَمَّام، عن هشام بن عروة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو، عن عروة، عن بُسرة به.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وهذه الرِّواية لا تَدُلُّ على أن هشاماً لم يسمعه من أبيه، بل فيها: أنه أَدْخَلَ بَينهُ وبينهُ واسطة، والدليل على أنه سمعه من أبيه - أيضاً - ما رواه الطبراني٨ أيضاً: حَدَّثَنَا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، قال: قال شعبة: لم يسمع هشام حديث أبيه في مَسِّ الذَّكَرِ. قال يحيى: فسألت هشاماً، فقال:
стр. 663
أخبرني أبي"١. ثم أشار ابن حجر ﵀ إلى الروايات التي فيها تصريح هشام بسماعه من أبيه وتحديثه إياه، وقد تَقَدَّمَتْ عند الكلام على رواية هشام بن عروة٢. ثم قال ﵀: "ورواه الجمهور من أصحاب هشام، عنه، عن أبيه بلا واسطة، فهذا: إما أن يكون هشام سمعه من أبي بكر عن أبيه، ثم سمعه من أبيه، فكان يُحَدِّثُ به تارةً هكذا، وتارةً هكذا. أو يكون سمعه من أبيه وَثَبَّتَهُ فيه أبو بكر، فكان تارةً يذكر أبا بكر، وتارةً لا يذكره، وليست هذه العِلَّةُ بقادحة عند المحققين"٣.
وقد أُعِلَّ هذا الحديث أيضاً بمروان بن الحكم، فقال الذين ذهبوا إلى عدم سماع عروة من بسرة: الواسطةُ بين عروة وبسرة: إما مروان بن الحكم، وهو مطعونٌ في عدالته، أو حَرَسِيّه، وهو مجهول٤.
وقد تَقَدَّمَ كلام الأئمة في ثبوت سماع عروة هذا الحديث من بسرة، فمن لم يَقْبَل رواية مروان ولم يحتج به، فأمامه رواية عروة عن بسرة مباشرة، ويكون الاعتماد عليها.
وهذا ما قَرَّرَهُ ابن حبان فقال: "عائذ بالله أن نَحْتَجَّ بخبر رواه مروان بن الحكم وذووه في شيء من كتبنا ... وأما خبر بسرة الذي ذكرناه: فإن عروة بن الزبير سمعه من مروان بن الحكم عن بسرة، فلم يُقْنِعْهُ ذلك حتى بعث مروان شُرطياً له إلى بسرة فسألها، ثم أتاهم فأخبرهم
стр. 664
بمثل ما قالت بسرة، فسمعه عروة ثانياً عن الشرطي عن بسرة، ثم لم يقنعه ذلك حتى ذهب إلى بسرة فسمع منها، فالخبر عن عروة عن بسرة مُتَّصِلٌ ليس بمنقطع، وصار مروان والشرطي كأنهما عاريتان يسقطان من الإسناد"١.
ومع ذلك فإنَّ عروة نفسه قال في حقِّ مروان: "كان مروان لا يُتَّهَمُ في الحديث"٢.
فإذا ظَهَرَ أن جميع ما أُعِلَّ به هذا الحديث مدفوع لا يثبت، فإنني أسوق طرفاً من أقوال الأئمة في تصحيح هذا الحديث:
فقد صَحَّحَه يحيى بن معين واحتجَّ به ونَاظَرَ عليه علي بن المديني٣. وقال أبو داود: "قلت لأحمد: حديث بسرة ليس بصحيح؟ قال: بل هو صحيح"٤. وقال البخاري - وقد سأله عنه الترمذي -: "أصحُّ شيء عندي في مَسِّ الذَّكَرِ حديث بسرة ابنة صفوان"٥. وقال الترمذي: "حسن صحيح". وقال الدارقطني في سننه: "صحيح"، وقد تَقَدَّمَ كلامه عليه وتصحيحه إياه في (علله) . وقال الإسماعيلي في (صحيحه) : "يلزم البخاري إخراجه؛ فقد أخرج نَظِيرَهُ"٦ وَصَحَّحَهُ ابن خزيمة وابن حبان،
стр. 665
وقد تقدم كلامهما. وصححه أبو عبد الله الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: " ... هو على شرط البخاري بكل حال"١ وقال الشيخ الألباني: "صحيح"٢.
فالحاصل: أن حديثَ بُسْرَة قد أُعِلَّ بعلل، منها: انقطاعه بين عروة وبسرة. ومنها: عدم سماع هشام من أبيه عروة. ومنها: الكلام في مروان بن الحكم. وقد أَشَارَ ابن القَيِّم ﵀ إلى جواب العلة الأولى، فنقل عن الدارقطني صحة سماع عروة من بسرة، ولم يتعرض ﵀ لباقي العلل، وقد ثبت صحة الحديث والحمد لله.
ومن الأحاديث التي تناولها ابن القَيِّم ﵀ في هذا الباب:
٧- (٧) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُم بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ، ليس بَيْنَهُ وبينه شيءٌ، فَلْيَتَوَضَّأ".
ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث، وعزاه إلى الشافعي، ثم نقل قول ابن السكن، وابن عبد البر، والحازمي في تصحيحه٣. وسيأتي بيان ذلك.
قلت: هذا الحديث أخرجه: الشافعي في (مسنده) ٤ - ومن طريقه
стр. 666
الحازمي١ - وأحمد في (مسنده) ٢، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٣، من طرق عن:
يزيد بن عبد الملك٤، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ به، واللفظ الذي ساقه ابن القَيِّم هو لفظ الشافعي، إلا أن فيه "ليس بينه وبينه شيء"، لكنه عند الحازمي - من طريق الشافعي - كما ساقه ابن القَيِّم. ولفظ الإمام أحمد: "من أَفْضَى بِيَدِهِ إلى ذَكَرِهِ، ليس دونه سِتْرٌ، فقد وَجَبَ عليه الوضوء". وهو عند البيهقي مختصر، ولفظه: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فعليهِ الوضوء"، لكن أخرجه من وجه آخر، ولفظه: "من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب، فقد وَجَبَ عليه وضوء الصلاة".
والحديث من هذا الطريق ضعيف؛ لضعف يزيد بن عبد الملك النوفلي، لكن تابعه عليه نافع بن أبي نعيم٥.
فقد أخرجه ابن حبان في (صحيحه) ٦، والطبراني في (الصغير)
стр. 667
من طريق: أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك كليهما، عن سعيد المقبري به. وعند ابن حبان: " ... وليس بينهما سترٌ ولا حجابٌ فليتوضأ".
قال أبو حاتم ابن حبان ﵀ عقب إخراجه: "احتجاجنا في هذا الخبر بنافع بن أبي نعيم دون يزيد بن عبد الملك النوفلي؛ لأن يزيد بن عبد الملك تَبَرَّأْنَا من عهدته في كتاب الضعفاء"١.
وصَحَّحَ رواية نافع بن أبي نعيم هذه أيضاً: ابن السكن، فقال: "هذا الحديث من أجودِ ما رُوِي في هذا الباب، لرواية ابن القاسم صاحب مالك، عن نافع بن أبي نعيم، وأما يزيد: فضعيف"٢.
وقال ابن عبد البر: "كان حديث أبي هريرة هذا لا يعرف إلا بيزيد بن عبد الملك النوفلي، عن سعيد، عن أبي هريرة، حتى رواه أصبغ ابن الفرج، عن ابن القاسم، عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك جميعاً، عن سعيد، عن أبي هريرة. فَصَحَّ الحديث بنقل العدل عن العدل على ما ذكر ابن السكن، إلا أن أحمد بن حنبل كان لا يرضى نافع بن أبي نعيم، وخالفه ابن معين فيه، فقال: هو ثقة، وقال أحمد بن حنبل: هو ضعيف، منكر الحديث"٣.
قلت: وهذه المقالة من الإمام أحمد لم أقف على مثلها عند غيره.
стр. 668
وَوَثَّقَهُ ابن معين كما تقدم، فقال: "ثقة"١. وقال ابن المديني: "كان عندنا لا بأس به"٢. وقال ابن سعد: "كان ثبتاً"٣. وقال الساجي: "صدوق"٤. وقال أبو حاتم: "صدوق صالح الحديث"٥ وقال النسائي: "ليس به بأس"٦. وقال ابن عدي: " ... ولم أَرَ في حديثه شيئاً منكراً، وأرجو أنه لا بأس به"٧.
وذكره ابن حبان في (الثقات) ٨. فأنَّى له - بعد أقوال هؤلاء الأئمة - أن يكون منكر الحديث؟! بل يحصل من مجموع كلامهم ﵏ أنه حسن الحديث على أقل أحواله، ولذلك صَحَّحَ الأئمة حديثه كما تَقَدَّمَ، وجعلوه شاهداً لحديث يزيد بن عبد الملك.
وقد أخرجه الحاكم في (المستدرك) ٩ من طريق نافع هذا وحده، غير مقرون بيزيد، وقال: "حديث صحيح، وشاهده الحديث المشهور عن يزيد بن عبد الملك، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة".
стр. 669
وقال الحازمي: " ... وقد رُوِي عن نافع ... كما رواه يزيد بن عبد الملك، وإذا اجتمعت هذه الطرق دَلَّتْ على أن هذا الحديث له أصل من رواية أبي هريرة"١.
وقال ابن حبان في كتاب (الصلاة) : "هذا حديث صحيح سنده، عدول نقلته"٢.
فَتَحَصَّل عندنا أن هذا الحديث وإن كان يُضَعَّف من طريق "يزيد ابن عبد الملك"، فإنه بانضمام طريق "نافع بن أبي نعيم" إليه يأخذ قوة ويصير حسناً، وقد حَكَمَ عليه الأئمة الحُفَّاظ بالصحة: ابن السكن، وابن حبان، والحاكم، وابن عبد البر، والحازمي. وقد نَقَلَ ابن القَيِّم ﵀ قول ابن السكن، وابن عبد البر، والحازمي كما تَقَدَّم.
стр. 670
٦- باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر
٨- (٨) حديث طلق بن علي أنه سَأَلَ النبي ﷺ عن الرجل يَمَسُّ ذَكَرَهُ بعد الوضوءِ؟ فقال النبي ﷺ : "هَلْ هُوَ إلا مُضْعَةٌ مِنْكَ، أو بَضْعَةٌ مِنْكَ".
تَكَلَّمَ ابن القَيِّم ﵀ على هذا الحديث، فَذَهَبَ إلى أنه مَرْجُوحٌ، وأن حديث بُسْرة - الماضي ذِكْره - وغيره من الأحاديث الواردة في انتقاض الوضوء بمس الذَّكَرِ راجحة على حديث طَلْقٍ هذا في عدم الانتقاض، وذكر جملةً من المرجحات١ سيأتي نقلها عنه إن شاء الله.
قلت: حديث طلق هذا مداره على قيس بن طلق٢، عن أبيه طلق بن علي، عن النبي ﷺ مرفوعاً.
وقد رواه عن قيس بن طلق جماعة، منهم: