الحازمي١ - وأحمد في (مسنده) ٢، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٣، من طرق عن:
يزيد بن عبد الملك٤، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ به، واللفظ الذي ساقه ابن القَيِّم هو لفظ الشافعي، إلا أن فيه "ليس بينه وبينه شيء"، لكنه عند الحازمي - من طريق الشافعي - كما ساقه ابن القَيِّم. ولفظ الإمام أحمد: "من أَفْضَى بِيَدِهِ إلى ذَكَرِهِ، ليس دونه سِتْرٌ، فقد وَجَبَ عليه الوضوء". وهو عند البيهقي مختصر، ولفظه: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فعليهِ الوضوء"، لكن أخرجه من وجه آخر، ولفظه: "من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب، فقد وَجَبَ عليه وضوء الصلاة".
والحديث من هذا الطريق ضعيف؛ لضعف يزيد بن عبد الملك النوفلي، لكن تابعه عليه نافع بن أبي نعيم٥.
فقد أخرجه ابن حبان في (صحيحه) ٦، والطبراني في (الصغير)
стр. 667
من طريق: أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك كليهما، عن سعيد المقبري به. وعند ابن حبان: " ... وليس بينهما سترٌ ولا حجابٌ فليتوضأ".
قال أبو حاتم ابن حبان ﵀ عقب إخراجه: "احتجاجنا في هذا الخبر بنافع بن أبي نعيم دون يزيد بن عبد الملك النوفلي؛ لأن يزيد بن عبد الملك تَبَرَّأْنَا من عهدته في كتاب الضعفاء"١.
وصَحَّحَ رواية نافع بن أبي نعيم هذه أيضاً: ابن السكن، فقال: "هذا الحديث من أجودِ ما رُوِي في هذا الباب، لرواية ابن القاسم صاحب مالك، عن نافع بن أبي نعيم، وأما يزيد: فضعيف"٢.
وقال ابن عبد البر: "كان حديث أبي هريرة هذا لا يعرف إلا بيزيد بن عبد الملك النوفلي، عن سعيد، عن أبي هريرة، حتى رواه أصبغ ابن الفرج، عن ابن القاسم، عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك جميعاً، عن سعيد، عن أبي هريرة. فَصَحَّ الحديث بنقل العدل عن العدل على ما ذكر ابن السكن، إلا أن أحمد بن حنبل كان لا يرضى نافع بن أبي نعيم، وخالفه ابن معين فيه، فقال: هو ثقة، وقال أحمد بن حنبل: هو ضعيف، منكر الحديث"٣.
قلت: وهذه المقالة من الإمام أحمد لم أقف على مثلها عند غيره.
стр. 668
وَوَثَّقَهُ ابن معين كما تقدم، فقال: "ثقة"١. وقال ابن المديني: "كان عندنا لا بأس به"٢. وقال ابن سعد: "كان ثبتاً"٣. وقال الساجي: "صدوق"٤. وقال أبو حاتم: "صدوق صالح الحديث"٥ وقال النسائي: "ليس به بأس"٦. وقال ابن عدي: " ... ولم أَرَ في حديثه شيئاً منكراً، وأرجو أنه لا بأس به"٧.
وذكره ابن حبان في (الثقات) ٨. فأنَّى له - بعد أقوال هؤلاء الأئمة - أن يكون منكر الحديث؟! بل يحصل من مجموع كلامهم ﵏ أنه حسن الحديث على أقل أحواله، ولذلك صَحَّحَ الأئمة حديثه كما تَقَدَّمَ، وجعلوه شاهداً لحديث يزيد بن عبد الملك.
وقد أخرجه الحاكم في (المستدرك) ٩ من طريق نافع هذا وحده، غير مقرون بيزيد، وقال: "حديث صحيح، وشاهده الحديث المشهور عن يزيد بن عبد الملك، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة".
стр. 669
وقال الحازمي: " ... وقد رُوِي عن نافع ... كما رواه يزيد بن عبد الملك، وإذا اجتمعت هذه الطرق دَلَّتْ على أن هذا الحديث له أصل من رواية أبي هريرة"١.
وقال ابن حبان في كتاب (الصلاة) : "هذا حديث صحيح سنده، عدول نقلته"٢.
فَتَحَصَّل عندنا أن هذا الحديث وإن كان يُضَعَّف من طريق "يزيد ابن عبد الملك"، فإنه بانضمام طريق "نافع بن أبي نعيم" إليه يأخذ قوة ويصير حسناً، وقد حَكَمَ عليه الأئمة الحُفَّاظ بالصحة: ابن السكن، وابن حبان، والحاكم، وابن عبد البر، والحازمي. وقد نَقَلَ ابن القَيِّم ﵀ قول ابن السكن، وابن عبد البر، والحازمي كما تَقَدَّم.
стр. 670
٦- باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر
٨- (٨) حديث طلق بن علي أنه سَأَلَ النبي ﷺ عن الرجل يَمَسُّ ذَكَرَهُ بعد الوضوءِ؟ فقال النبي ﷺ : "هَلْ هُوَ إلا مُضْعَةٌ مِنْكَ، أو بَضْعَةٌ مِنْكَ".
تَكَلَّمَ ابن القَيِّم ﵀ على هذا الحديث، فَذَهَبَ إلى أنه مَرْجُوحٌ، وأن حديث بُسْرة - الماضي ذِكْره - وغيره من الأحاديث الواردة في انتقاض الوضوء بمس الذَّكَرِ راجحة على حديث طَلْقٍ هذا في عدم الانتقاض، وذكر جملةً من المرجحات١ سيأتي نقلها عنه إن شاء الله.
قلت: حديث طلق هذا مداره على قيس بن طلق٢، عن أبيه طلق بن علي، عن النبي ﷺ مرفوعاً.
وقد رواه عن قيس بن طلق جماعة، منهم:
стр. 671
والنسائي١ في (سننهم) ، وابن الجارود في (المنتقى) ٢ وابن حبان في (صحيحه) ٣، والطبراني في (الكبير) ٤، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٥ من طرق عن:
مُلاَزِم بن عمرو٦، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن طلق ابن علي قال: قدمنا على نبي الله ﷺ ، فجاء رجل كأنه بَدَوِيٌّ فقال: يا نَبِيَّ الله، ما ترى في مَسَّ الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال: "هل هو إلا مُضْغَةٌ٧ منه. أو قال: بَضْعَةٌ٨ منه". هذا لفظ أبي داود، والباقون نحوه، إلا أن عند النسائي، وابن الجارود، والدارقطني قول الرجل: " ... ما ترى في رجل مَسَّ ذكره في الصلاة؟ ". وعند ابن حبان: "أَحَدُنَا يكون في الصلاة، فيحتك، فتصيب يَدُهُ ذَكَرَه؟ ". وهو عند الترمذي مختصر، ليس فيه إلا ذكر اللفظ المرفوع، دون ذكر كلام طلق، ولا سؤال الرجل.
وهذا إسناد لا ينزلُ عن درجة الحسن، وَكَأَنَّ البيهقي ﵀ أراد أن يغمز هذا الإسناد، فنقل عقب روايته عن أحمد بن إسحاق
стр. 672
الضبعي قوله: "ملازم فيه نَظَرٌ"!
قلت: قد وَثَّقَهُ الإمام أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني١. وقولهم - لا شكَّ - مُقَدَّمٌ على قول الضبعي؛ فهم أئمة هذا الشأن وفرسانه، كيف وقد انفرد الضبعي بهذه المقالة؟! ولذلك فقد صَحَّحَ الترمذي حديث ملازم هذا، وَقَدَّمَهُ على غيره من طرق حديث طلق، فقال: "وقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة، ومحمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه ... وحديث ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر أصحُّ وأحسن"٢. فَسَقَطَ بذلك الطعن في ملازم، وتبين أنه لا مجال لغمزه.
٢- محمد بن جابر٣: أخرجه أبو داود وابن ماجه في (سننيهما) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، وابن الجارود في (المنتقى) ٦،
стр. 673
وعبد الرزاق في (المصنف) ١، والطبراني في (الكبير) ٢، والدارقطني في (سننه) ٣، والحازمي في (الاعتبار) ٤، وابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٥، من طرق، عن:
محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه عن النبي ﷺ به. وعندهم أن السائل هو طلق بن علي، إلا في رواية الإمام أحمد والدارقطني فعندهما: أن رجلاً سَأَلَ النبي ﷺ .
ومحمد بن جابر ضعيف، ضعفه غير واحد من أئمة الشأن، فقال ابن معين: "ليس بشيء"٦. وقال عمرو بن علي: " ... كثيرٌ الوهم، متروكُ الحديثِ"٧. وقال أبو زرعة: "ساقط الحديث"٨. وقال البخاري: "ليس بالقوي عندهم"٩. وقال النسائي: "ضعيف"١٠.
ولذلك فقد ضَعَّفَ هذا الحديث جماعة من العلماء بمحمد بن جابر
стр. 674
هذا، فسأل ابنُ أبي حاتم أَبَاه وأبا زرعة عنه "فلم يثبتاه"١. وقال الترمذي: "وقد تَكَلَّمَ بعض أهل العلم في محمد بن جابر ... وحديث ملازم - يعني الطريق السابق - أصحُّ وأحسن". وضعفه به: ابن الجوزي٢، والبيهقي٣، والزيلعي٤.
٣- أيوب بن عتبة٥: أخرجه أحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٦، والحازمي في (الاعتبار) ٧، وابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٨.
وهذا أَعَلَّهُ: الترمذيُّ، والبيهقيُّ، وابن الجوزي، والزيلعي، بأيوب بن عتبة٩، فقد ضَعَّفَهُ غير واحدٍ من العلماء١٠.
٤- أيوب بن محمد العِجْلي: أخرجه الدارقطني في (سننه) ١١، وابن
стр. 675
الجوزي في (علله) ١ من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن أيوب بن محمد، عن قيس بن طلق، عن أبيه به.
قال الدارقطني عقب إخراجه: "أيوب مجهول".
قلت: هو أيوب بن محمد، أبو سهل العجلي، اليمامي. ضَعَّفَهُ ابن معين٢. وقال أبو زرعة: "منكر الحديث"٣.
وعبد الحميد بن جعفر - الراوي عنه - كان سفيان الثوري يُضَعِّفُه، وَوَثَّقَه غيره٤. وقد أشار ابن الجوزي٥، والزيلعي٦ إلى ضعف هذا الإسناد بهذين الرجلين.
٥- عكرمة بن عمار٧: أخرجه من طريقه ابن حبان في (صحيحه) ٨ فقال: "ذكر الخبر الْمُدْحِض قول من زعم أن هذا ما رواه ثقة عن قيس بن طلق خلا ملازم بن عمرو". ثم ساقه بإسناده إلى عكرمة،
стр. 676
عن قيس بن طلق، عن أبيه مرفوعاً.
وأشار البيهقي ﵀ إلى رواية عكرمة هذه، ثم قال:
"وعكرمة بن عمار أمثلُ مَنْ رواه عن قيس، وعكرمة بن عمار قد اختلفوا في تعديله: غمزه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وضعفه البخاري جداً"١.
قلت: لكن وَثَّقَهُ ابن معين، وابن المديني، والعجلي، وأبو داود، والدارقطني، ويعقوب بن شيبة، وابن شاهين، وابن حبان وغيرهم٢. وإنما ضعفوه في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فإن فيها اضطراباً. قال ابن التركماني في (الجوهر النقي) ٣ - متعقباً البيهقي -: "احتجَّ به مسلم، واستشهد به البخاري، وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في المستدرك ... ". فالرجل بهذه المثابة حسن الحديث إن شاء الله.
وبعد، فهذه هي طرق هذا الحديث، وهؤلاء هم رواته عن قيس بن طلق، وأمثلُ هذه الطرق: هو طريق "ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر" كما تقدم، وكذا طريق عكرمة بن عمار عن قيس، فإنه لا غبار عليه،
стр. 677
فهو يلي طريق عبد الله بن بدر في الرتبة، وتكون الطرق الثلاثة الأخرى متابعات لهذين الطريقين ومؤيدة لهما، ومجموع هذه الطرق يجعل هذا الحديث يصل إلى درجة الصحيح لغيره، أو يكون حسناً على أقل تقدير.
وقد صَحَّحَهُ جمع من الأئمة، منهم: الترمذي، فقال: "هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب"، وذهب ﵀ إلى أن طريق ملازم بن عمرو هو أصح طرق هذا الحديث وأحسنها. وصححه كذلك الطحاوي، فقال: "هذا حديث مستقيم الإسناد، غير مضطرب في إسناده ولا متنه"١. ثم ذكر بسنده إلى عليِّ بن المديني أنه قَدَّمَهُ على حديث بسرة من طريق ملازم بن عمرو. وَصَحَّحَه كذلك الطبراني٢، وعبد الحق في (أحكامه) ، قال الزيلعي: "وذكر عبد الحق في أحكامه حديث طلق هذا، وسكت عنه، فهو صحيح عنده على عادته في مثل ذلك"٣. وصححه كذلك: عمرو بن علي الفلاس، وقال: "هو عندنا أثبت من حديث بسرة"٤. وقال ابن حزم: "هذا خبر صحيح"٥. وظاهرُ صنيع ابن حبان تصحيحه إياه، حيث أخرجه في (صحيحه) وذكر له متابعة ما رأيت أحداً أخرجها سواه، تلك التي من طريق: عكرمة بن عمار، عن قيس بن طلق به، وتَقَدَّمَ كلامه في ذلك. وقال الزيلعي - عند كلامه على
стр. 678
أحاديث عدم النقض -: " ... حديث طلق بن علي، وهو أمثلها"١. وذهب ابن القطان إلى حُسْنِهِ، مُتَعَقِّبَاً بذلك عبد الحق في سكوته عليه، فقال: "والحديث مختلف فيه، فينبغي أن يقال فيه: حسن، ولا يحكم بصحته"٢. وصححه - أيضاً - الشيخ أحمد شاكر٣ ﵀.
فهذه أقوال المصححين لهذا الحديث، وقد ذهبت طائفة أخرى إلى القول بضعفه، وتنحصر العلل التي أعلوا بها هذا الحديث فيما يلي:
أولاً: ضعفُ قيس بن طلق، فقد قال الشافعي - فيما روى عنه الزعفراني -: "سألنا عن قيس، فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا٤ قبول خبره"٥. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: "قيس بن طلق ليس ممن تقوم به الحجة"٦ وَوَهَّمَاه. وروى البيهقي بسنده إلى ابن معين أنه قال: "قد أكثر الناس في قيس بن طلق، ولا يحتج بحديثه"٧.
ثانياً: ضعف محمد بن جابر، وأيوب بن عتبة وغيرهما من الذين رووه عن قيس بن طلق.
والجواب عن ذلك:
стр. 679
أولاً: أما قيس بن طلق، فإنه وإن لم يعرفه الشافعيُّ فقد عرفه غيره، وَوَثَّقَهُ جماعة من أهل الشأن: ابن معين١، والعِجلي٢، وذكره ابن حبان في (الثقات) ٣، هذا مع رواية جماعة كثيرين عنه٤، ومثله لا يكون مجهولاً، فعدم معرفة الشافعي به لا يوجب تركه ما دام غيره قد عرفه ووثقه.
وأما ما رواه البيهقي عن ابن معين من عدم الاحتجاج به، فقد رَدَّهُ ابن التركماني، فقال: "ذكر البيهقي ذلك بسند فيه محمد بن الحسن النَّقَّاشِ المفسر، وهو من المتهمين بالكذب، وقال البرقاني: كل حديثه مناكير ... "٥. وقد تَقَدَّمَ من رواية الدارمي عن يحيى أنه وَثَّقَهُ، ولا شكَّ أن ذلك مُقَدَّم.
ثانياً: وأما ضعف محمد بن جابر، وأيوب بن عتبة: فقد قَدَّمْنَا أن الاعتماد في ذلك على رواية عبد الله بن بدر عن قيس، فإنها أصحُّ هذه الطرق وأحسنها كما قال غير واحد. ثم إن رواية "عكرمة بن عمار" عن قيس متابعة قوية أيضاً، فعكرمة أمثل من رواه عن قيس كما قال غير واحد، وإذا كان الأمر كذلك، فإن روايتي محمد بن جابر وأيوب بن عتبة تكون كالمتابعات لرواية عبد الله بن بدر دون اعتماد عليهما.
فإذا ثَبَتَ لدينا أن حديثَ طلق هذا ليس بضعيف، وأنه بمجموع
стр. 680
طرقه حسن على أقل أحواله - مع تصحيح جماعة له - وأن ما أُعِلَّ به لا يرد عليه، إذا تَقَرَّرَ ذلك: فإن حديث طلق هذا في عدم الانتقاض بالمسِّ يكون مخالفاً في ظاهره لحديث بُسرة وغيرها من الصحابة الذين رووا الانتقاض، ولقد سلك العلماء إزاء هذا التعارض١ مسالك، أبرزها:
أولاً: الجمع بين الحديثين، وذلك من وجوه:
١- أنَّ خبر طلق يُحْمَلُ على الْمَسِّ بحائل، واستدلوا ببعض ألفاظه التي جاء فيها أنه سُئِلَ عن مَسِّهِ في الصلاة، قالوا: فالْمُصَلي لا يمسُّ فرجه من غير حائل في الصلاة. حكاه الخطابي٢. وقَرَّرَ ابن حبان ﵀ ذلك، فقال في (صحيحه) ٣: "ذكر البيان بأن الأخبار التي ذكرناها مجملة بأن الوضوء إنما يجب من مَسِّ الذكر إذا كان ذلك بالإفضاء دون سائر المسِّ، أو كان بينهما حائل". ثم ساق حديث المقبري عن أبي هريرة، ولفظه: "إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُم بيده إلى فرجه، وليس بينهما سِتر ولا حجاب فليتوضأ".
٢- أن المسَّ الذي لا ينقضُ هو ما لم يكن مُتَعَمَّدَاً، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقال - وقد سئل عن ذلك -: "إن لم يتعمد ذلك لم ينتقض وضوءه"٤.
وقيل بغير ذلك من وجوه الجمع.
стр. 681
ثانياً: النسخ. فقد ذهب جماعة إلى أن حديثَ طلق منسوخ، منهم:
ابن حبان، والطبراني، والحازمي، وغيرهم. وأوضحَ ابن حبان ذلك، فَرَوى بإسناده إلى قيس بن طلق، عن أبيه في قصة بنائه مسجد المدينة مع النبي ﷺ ، ثم قال: "خبر طلق بن علي الذي ذكرناه خبر منسوخ؛ لأن طلقَ ابن علي كان قدومه على النبي ﷺ أول سنةٍ من سِنيِّ الهجرة، حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة. وقد روى أبو هريرة إيجاب الوضوء من مَسِّ الذكر على حسب ما ذكرناه قبل، وأبو هريرة أسلمَ سنة سبع من الهجرة، فدلَّ ذلك على أن خبر أبي هريرة كان بعد خبر طلق بن علي بسبع سنين"١.
ثم روى ابن حبان بإسناده - أيضاً - إلى طلق حديث قدومه على النبي ﷺ ومبايعته إياه، ثم رجوعه إلى بلده، ثم قال: "في هذا الخبر بيانٌ واضحٌ أنَّ طلقَ بن عليٍّ رجع إلى بلده بعد القَدْمَةِ التي ذكرنا وقتها، ثم لا يُعْلَمُ له رجوعٌ إلى المدينة بعد ذلك. فمن ادَّعَى رجوعه بعد ذلك، فعليه أن يأتي بِسُنَّةٍ مُصَرِّحَةٍ، ولا سبيل له إلى ذلك"٢.
وقد ذكر الحازمي مثل ذلك، ثم قال: "ثم نظرنا: هل نجد أمراً يؤكد ما صرنا إليه، فوجدنا طلقاً روى حديثاً في المنع، فَدَلَّنَا ذلك على صِحَّةِ النقل في إثبات النسخ، وأن طلقاً قد شاهد الحالتين، وروى الناسخ والمنسوخ"٣.
стр. 682
قلت: وحديث طلق في المنع هو الذي أخرجه الطبراني في (الكبير) ١ من طريق: حماد بن محمد، ثنا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ". ثم قال الطبراني - عنه وعن حديث عدم النقض -: "وهما عندي صحيحان، ويشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبي ﷺ قبل هذا، ثم سمع هذا فوافق حديث بسرة، وأم حبيبة، وأبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني وغيرهم ممن روى عن النبي ﷺ الأمر بالوضوء من مس الذكر، فسمع المنسوخ والناسخ". ولكن "أيوب بن عتبة" ضعيف كما تقدم.
وذهب ابن حزم - أيضاً - إلى نسخه مستدلاً على ذلك بأمور:
أولها: أن خبر طلق موافق لما كان عليه الناس قبل ورود الأمر بخلافه، وإذا كان كذلك فإنه منسوخ يقيناً بورود الأمر بالوضوء من مس الذكر.
الثاني: أن قوله ﷺ : "هل هو إلا بَضْعَةٌ منك" دليل بَيِّنٌ على أنه كان قبل الأمر بالوضوء منه، لأنه لو كان بعده لم يَقُلْ ﷺ هذا الكلام، بل كان يبين أن الأمر بذلك قد نسخ، فقوله هذا يدل على أنه لم يكن سَلَفَ فيه حكم أصلاً، وأنه كسائر الأعضاء٢.
ثالثاً: الترجيح. وهذا هو المسلك الذي سَلَكَهُ ابن القَيِّم ﵀، وذكر في ذلك عدة مُرَجِّحَات:
стр. 683
- منها: قوله بضعف حديث طلق، وقد بَيَّنَّا أن الأمر على خلاف ذلك، وأنه حسن بمجموع طرقه، لكن الذي لا شك فيه أن حديث بسرة أقوى، وبخاصة إذا راعينا مشاركة جملة من الصحابة لها في رواية النقض.
- ومنها: الاختلاف على طلق، فقد روى عنه النقض أيضاً، كما سبق بيان ذلك.
- ومنها: أن حديث طلق مُبْقٍ على الأصل - وهو عدم النقض - وحديث بُسرة ناقل عن الأصل، والناقل مقدم؛ لأن أحكام الشارع ناقلة عما كانوا عليه. وهذا من أدلة النسخ كما تَقَدَّمَ في كلام ابن حزم، لكن جعله ابن القَيِّم من جملة المرجحات لحديث بسرة.
- ومنها: أنه قد روى النقض: بسرة، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وأم حبيبة، وأبو أيوب، وزيد بن خالد، ولا شكَّ أن العدد الكثير من الصحابة مقدم على رواية الواحد.
- ومنها: قولُ أكثر الصحابة بالنقض، منهم: عمر بن الخطاب، وعبد الله ابنه، وأبو أيوب، وزيد بن خالد، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وعائشة، وأم حبيبة، وبسرة، وعن كلٍّ من سعد بن أبي وقاص وابن عباس روايتان١.
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن حديث طلق في عدم نقض الوضوء بمس الذكر
стр. 684
ما بين: مُؤَوَّل، ومرجوح، ومنسوخ، ولقد ذهب ابن القَيِّم ﵀ إلى ضعف حديث طلق - على ما في ذلك من نظر - وأنه مرجوح بمرجحات أخرى غير ضعفه، وقال بأنه على تقدير صحته منسوخ.
ولعلَّ القول بالجمع بين الخبرين - إعمالاً لجميع الأدلة - أولى، والله أعلم.
стр. 685
٧ ـ باب الوضوء من لحم الإبل
...
٧- باب الوضوء من لحوم الإبل
٩- (٩) عن جابر بن سمرة ﵁: "أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغَنَم؟ قال: "إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلا تَتَوَضَّأْ" قَالَ: أَتَوَضَّأُ من لحومِ الإبِلِ؟ قال: "نَعَمْ، فَتَوَضَّأْ مِن لُحُومِ الإبِلِ". قال أُصَلِّي في مَرَابِضَ الغَنَمِ؟ قال: "نعم". قِال أُصَلِّي في مباركِ الإبل؟ قال: "لا".
ذكره ابن القَيِّم ﵀ في (تهذيب السنن) ١، وذكر أن عليَّ ابن المديني أعله بجهالة "جعفر بن أبي ثور" راويه عن جابر، ثم قال: "وهذا تعليل ضعيف". ثم نقل أقوال العلماء في جعفر.
قلت: هذا الحديث يرويه عن جابر بن سمرة: جعفر بن أبي ثور٢. ورواه عن جعفر ثلاثةُ نَفَرٍ:
أولهم: عثمان بن عبد الله بن موهب. أخرجه مسلم في (صحيحه) ٣، وأحمد في (مسنده) ٤، وابن خزيمة وابن حبان في
стр. 686
(صحيحيهما) ١، والبيهقي في (سننه) ٢ كلهم من طريق:
أبي عوانة، عن عثمان بن عبد الله٣، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة به. واللفظ المسوق أول الباب لفظ مسلم، ولفظ الباقين بنحوه.
ثانيهم: سِمَاك بن حرب٤. أخرجه أحمد في (مسنده) ٥ من طريق زائدة. وابن الجارود في (المنتقى) ٦ من طريق سفيان الثوري، كلاهما عن: سِماك، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بنحو لفظ مسلم المتقدم.
وأخرجه أحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٧، وابن حبان في (صحيحه) ٨، والخطيب في (موضح أوهام الجمع والتفريق) ٩ من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن أبي ثور بن عكرمة، عن جابر به. كذا
стр. 687
عند أحمد وابن حبان، وعند الطيالسي: سمعت أبا ثور يُحَدِّثُ عن جابر ابن سمرة، ومن طريق أبي داود ساقه الخطيب.
وقد خَطَّأوا شُعبة في روايته تلك، فقال الترمذي في (علله) ١: "أخطأ شعبة في حديث سماك، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة ... فقال: عن سماك، عن أبي ثور". وقال الحاكم أبو أحمد: " ... وليس ذكر عكرمة في نسبه بمحفوظ"٢.
ونقل ابن القَيِّم إعلال الترمذي لهذه الرواية، وأنه قال: "حديث سفيان أصح من حديث شعبة، وشعبة أخطأ ... "٣. ونسب ذلك إلى (العلل) ، والذي فيه ما نقلته بدون تقديم حديث سفيان.
قلت: ولا أدري ما وجه تخطئة الترمذي شعبة في هذا الحديث، فإنه قد ذكره بكنيته، وقد نَصَّ على كنيته غير واحد، منهم ابن حبان، فقال: "فجعفر بن أبي ثور هو أبو ثور بن عكرمة"٤. ونص على ذلك الخطيب٥ أيضاً، فالرجل كنيته توافق كنية أبيه، فما أخطأ من ذكره بكنيته.
وثالث الرواة له عن جعفر بن أبي ثور: أشعث بن أبي الشعثاء٦.
стр. 688
أخرجه ابن ماجه في (سننه) ١، وابن حبان في (صحيحه) ٢ عن أشعث، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نَتَوَضَّأَ من لحومِ الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم".
فهؤلاء هم رواة هذا الحديث عن جعفر بن أبي ثور، قال ابن خزيمة عقب إخراجه هذا الحديث: "فهؤلاء ثلاثة من أَجِلَّةِ رواة الحديث، قد رووا عن جعفر ابن أبي ثور هذا الخبر".
وأما حكمُ عليِّ بن المديني عليه بالجهالة: فقد روى ذلك البيهقي في (سننه) ٣ بسنده إلى محمد بن أحمد بن البراء عن علي. ولكن هذا غير مقبول منه ﵀؛ فإن جعفراً هذا وإن لم يوثقه غير ابن حبان، فإنه مشهورٌ شهرةً تغني عن البحث عن حاله، مع رواية هؤلاء الأجلة - المتقدم ذكرهم - عنه، قال الإمام الترمذي: "جعفر بن أبي ثور رجل مشهور"٤. وقال أبو أحمد الحاكم: "هو من مشايخ الكوفيين الذين اشتهرت روايتهم عن جابر ... "٥. وقال ابن حبان: "أبو ثور بن عكرمة ابن جابر بن سمرة اسمه: جعفر، وكنية أبيه: أبو ثور ... فمن لم يُحْكِمْ صناعة الحديث تَوَهَّمَ أنهما رجلان مجهولان، فتفهموا رحمكم الله كيلا تغلطوا فيه"٦. وقال البيهقي: "وجعفر بن أبي ثور هو رجل مشهور،
стр. 689
من ولد جابر بن سمرة" ثم ذكر الرواة عنه وقال: "ومن روى عنه مثل هؤلاء خَرَجَ من أن يكون مجهولاً، ولهذا أَوْدَعَهُ مسلم بن الحجاج في كتابه الصحيح"١.
وهذا الحديث صَحَّحَهُ: أحمد بن حنبل٢، وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: "صَحَّ في هذا الباب حديثان عن رسول الله ﷺ : حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة"٣. وقال ابن خزيمة: "لَمْ نر خِلافاً بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيحٌ من جهة النقل". وصححه ابن حبان بإخراجه في (صحيحه) ، وَمَالَ البيهقيُّ إلى تصحيحه، وقد مضى كلامه. وكفى بإخراج مسلم له في (صحيحه) .
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن ما أَعَلَّهُ به ابن المديني من تجهيل راويه لم يتحقق التعليل به، وقد رَدَّ ذلك ابن القَيِّم ﵀، واستشهد على صحة الحديث بكلام الأئمة الأعلام، فأصاب ﵀.
وقد أَكَّدَ ابن القَيِّم ﵀ صِحَّة هذا الخبر، فقال: " أمر النبي ﷺ بالوضوء من أَكْلِهِ في حديثين صحيحين، لا معارضَ لهما، ولا يَصُحُّ تأويلهما بغسل اليد؛ لأنه خلافُ المعهودِ من الوضوءِ في كلامه ﷺ "٤.
стр. 690
٨ - باب التوقيت في المسح على الخفين
١٠- (١٠) عَنْ خزيمة بن ثابت ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الْمَسْحُ على الخُفَّيْنِ: لِلمسافرِ ثَلاثةُ أَيَّامٍ، وللمقيم يومٌ وليلةٌ".
وفي لفظ لأبي داود: "ولو استزدناه لزادنا".
قال ابن القَيِّم ﵀: "وقد أَعَلَّ أبو محمد بن حزم حديث خزيمة هذا، بأن قال: رواه عنه أبو عبد الله الجَدَلِي صاحبُ رايةِ الكافر المختار، لا يُعْتَمَدُ على روايته١.
وهذا تعليلٌ في غاية الفَسَادِ؛ فإن أبا عبد الله الجَدَلِي قد وَثَّقَهُ الأئمة: أحمد، ويحيى، وَصَحَّحَ الترمذي حديثه، ولا يُعلم أحدٌ من أئمةِ الحديث طَعَنَ فيه.
وأما كونه صاحب راية المختار: فإنَّ المختار بن أبي عبيد الثَّقَفي إِنَّمَا أَظْهَرَ الخروج لأخذِهِ بثأر الحسين بن عليٍّ ﵄، والانتصار له من قَتَلَتِهِ، وقد طَعَنَ أبو محمد بن حزم في أبي الطفيل، وَرَدَّ روايته بكونه كان صاحبَ راية المختار أيضاً، مع أن أبا الطفيل كان من الصحابة، ولكن لم يكونوا يعلمون ما في نفس المختار وما يسره، فَرَدُّ روايةِ الصاحب والتابع الثقة بهذا باطل"٢.
قلت: هذا ما ذكره ابن القَيِّم ﵀ مما أُعِلَّ به هذا
стр. 691
الحديث، وله علتان غير ما ذكر، وهما: انقطاعه، والاختلاف في إسناده، فيكون مجموع ما أُعِلَّ به: ثلاث علل، وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل.
أما الاختلاف في إسناده: فإن هذا الحديث مداره على ثلاثة: إبراهيم بن يزيد١ التيمي، وإبراهيم بن يزيد٢ النخعي، والشعبي.
أما رواية إبراهيم التيمي: فإنه يُروى عنه، عن عمرو بن ميمون الأَوْدِي، عن أبي عبد الله الجدلي٣، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﷺ مرفوعاً.
ويرويه عن التيمي جماعة، أشهرهم: سعيد بن مسروق٤، ومنصور ابن المعتمر، والحسن بن عبيد الله٥.
أما رواية سعيد بن مسروق، فقد أخرجها: الترمذي في (جامعه) ٦، والطبراني في (الكبير) ٧، وابن حبان في (صحيحه) ٨، والبيهقي في
стр. 692
(سننه) ١، من طرق عن: أبي عوانة وَضَّاح اليَشْكُريّ، عن سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي، بالإسناد المذكور إلى النبي ﷺ أنه قال: "الْمَسْحُ على الْخُفَّين للمقيم ... " الحديث. هذا لفظ الطبراني، والبيهقي. وعند الترمذي: "أنه سُئِلَ عن المسح على الخفين، فقال: ... " وعند ابن حبان: "أن أعرابياً سأل النبيَّ ﷺ عن المسح ... ".
قال أبو عيسى الترمذي: "حديث حسن صحيح".
وأخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) ٢ من طريق زائدة بن قدامة، عن سعيد بن مسروق، بالإسناد الماضي إلى النبي ﷺ .
ورواه شريك، وسفيان الثوري، كلاهما: عن سعيد بن مسروق، وزادوا في آخره: "وَأَيْمُ الله لو مضى السَّائل في مسألته لجعلها خمساً" لفظ الثوري، ولفظ شريك: "ولو استزدناه لجعلها خمساً"، أخرج رواية شريك: الطبراني في (معجمه الكبير) ٣. وأخرج رواية الثوري: ابن ماجه في (سننه) ٤، وعبد الرزاق في (مصنفه) ٥ - ومن طريقه البيهقي في (سننه) ٦ -، والطبراني في (معجمه الكبير) ٧.
هذا ما يتعلق برواية سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي.
стр. 693
وأما رواية منصور بن المعتمر عن إبراهيم التيمي به، فأخرجها: أحمد في (مسنده) ١، والطبراني في (معجمه) ٢، من طريق سفيان الثوري، عن منصور به. قال عبد الله بن الإمام أحمد: "قال أبي: سمعته من سفيان مرتين يذكر للمقيم، ولو أطنب السائل في مسألته لزادهم". وعند الطبراني: "ولو استزدناه لزادنا".
وأخرجه الطبراني أيضاً في (معجمه) ٣ من طريق: عبد العزيز بن عبد الصمد العَمِّي، ثم من طريق: جرير، كلاهما عن منصور بن المعتمر به، وفيهما الزيادة المذكورة.
وخالف أبو الأحوص سائرَ الرواة عن منصور، فرواه عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم التيمي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة به مرفوعاً، أخرجه الطبراني في (معجمه) ٤ وفيه الزيادة المذكورة. قال أبو القاسم الطبراني: "أسقط أبو الأحوص من الإسناد عمرو بن ميمون".
وأما رواية الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون به: فقد أخرجها الطبراني في (معجمه) ٥، والبيهقي في (سننه) ٦، وعند الطبراني: أن أعرابياً سأله ... فقال: "ثلاثٌ للمسافر ويوم
стр. 694
للحاضر"، وليس عند البيهقي ذكر المقيم، بل قال لما سأله الأعرابيُّ: "ثلاثَةُ أيامٍ ولياليهن"، وعندهما ذكر الزيادة وهي قوله: "ولو استزاده الأعرابي لزاده".
ورواه سلمة بن كهيل، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عمرو بن ميمون، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﷺ به، أخرجه ابن ماجه في (سننه) ١، والطبراني في (معجمه) ٢ والبيهقي في (سننه) ٣، وليس فيه حكم المقيم، بل قال: "يمسحُ المسافرُ ثلاثة أيامٍ". قال شعبة - راويه عن سلمة بن كهيل -: "أحسبه قال: ولياليهن".
ففي هذه الرواية مخالفات:
أولها: أنه أسقطَ من الإسناد "أبا عبد الله الجدلي" بين عمرو بن ميمون وخزيمة.
ثانيها: أنه زاد في الإسناد "الحارث بن سويد" بين إبراهيم التيمي وعمرو بن ميمون.
هذا ما يَتَعَلَّقُ برواية إبراهيم التيمي بطرقها، وقد وقع اختلاف في إسنادها وفي متنها، كما يَتَّضحُ ذلك من العرض السابق.
وقد رَجَّحَ الأئمة رواية الأكثرين له: عن إبراهيم، عن عمرو بن
стр. 695
ميمون، عن الجَدَلِي، عن خزيمة، عن النبي ﷺ ، بالزيادة المذكورة، فقال أبو زرعة: "الصحيح من حديث إبراهيم التيمي: عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة، عن النبي ﷺ "١. وقال ابن دقيق العيد: "فالروايات متضافرةٌ برواية التيمي له عن عمرو بن ميمون، عن الجدلي، عن خزيمة، وأما إسقاط أبي الأحوص لعمرو بن ميمون من الإسناد، فالحكمُ لمن زاد؛ فإنه زيادة عدل، لاسيما وقد انضم إليه الكثرة من الرواة، واتفاقهم على هذا دون أبي الأحوص"٢. فَظَهَرَ بذلك رجحان رواية الأكثرين بذكر "عمرو بن ميمون" وعدم إسقاطه.
وأما رواية إبراهيم النخعي: فقد رويت عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت مرفوعاً، وليس فيها ذكر الزيادة التي جاءت في رواية التيمي. وقد رواها عن إبراهيم جماعة:
فأخرجها الإمام أحمد في (مسنده) ٣، والطبراني في (معجمه) ٤من طريق: هشام الدستوائي. والطبراني - أيضاً - من طريق: الثوري٥، ثم من طريق: حماد بن سلمة٦، ثم من طريق: أبي حنيفة٧، جميعهم عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي به.
стр. 696
وأخرجه الطبراني١ من طريق الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم به.
وأخرجه أبو داود في (سننه) ٢، والطيالسي في (مسنده) ٣، وأحمد - كذلك - في (مسنده) ٤، والطبراني في (الكبير) ٥، عن: الحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان كليهما، عن إبراهيم النخعي، عن الجدلي به.
وقد أُعِلَّتْ هذه الرواية بالانقطاع؛ فقد نَقَلَ الترمذي عن البخاري قوله: "كان شعبةُ يقول: لم يسمع إبراهيم النخعي من أبي عبد الله الجدلي حديث المسح"٦. وروى ذلك ابن أبي حاتم في (المراسيل) ٧ بإسناده إلى شعبة.
قلت: فرجعتْ بذلك روايةُ إبراهيم النخعي إلى رواية إبراهيم التيمي الْمُتَّصِلة، كما يَدُلُّ عليه كلام هؤلاء الأئمة، وقد سَلَكَ هذا الطريق ابن دقيق العيد ﵀ فقال: "ولكن الطريق فيه: أن تُعَلَّلَ طريق إبراهيم بالانقطاع ... وَيُرْجَعُ إلى طريق إبراهيم التيمي، فالروايات متضافرةٌ برواية
стр. 697
التيمي له عن عمرو بن ميمون، عن الجدلي، عن خزيمة"١.
وأما رواية الشعبي: فقد أخرجها: الطبراني في (معجمه) ٢، وعلقها البيهقي في (سننه) ٣، والترمذي في (علله) ٤، كلهم من طريق: ذَوَّاد بن عُلْبَة٥، عن مُطَرِّف، عن الشَّعبي، عن الجدلي، عن خزيمة، عن النبي ﷺ قال في المسح على الخفين: "ثلاثةُ أيامٍ ولياليهن للمسافر، ويوم للمقيم" هذا لفظ الترمذي والطبراني، أما عند البيهقي ففيه ذكر المسافر فقط، وفيه قوله: "ولو استزدناه لزادنا".
ولكن هذه الطريق ضعيفةٌ، ضَعَّفَهَا البيهقي٦ بذواد بن علبة هذا، وأشارَ إلى ضعفها ابن دقيق العيد٧، وسألَ التِّرْمذيُّ البخاري عنها فقال: " ... ولا أدري هذا الحديث محفوظاً". قال الترمذي: "ولم يعرفه - يعني البخاري - إلا من هذا الوجه"٨. فلا اعتبار إذن لرواية الشعبيِّ هذه، ويرجعُ الأمر إلى رواية إبراهيم التيمي كما قَدَّمْنَا.
هذا ما يَتَعَلَّق بالعِلَّة الأولى، وهي الاختلاف في إسناده، وقد
стр. 698
أجيبَ عنها بحمد الله، وتبين أن هذه الطرق المختلفة مرجعها إلى طريق واحد.
وأما انقطاع إسناده - وهي العلة الثانية -: فقد قال البخاري - فيما نقله عنه الترمذي في (علله) ١ -: "لا يَصُحُّ عندي حديث خزيمة بن ثابت في المسح؛ لأنه لا يُعرف لأبي عبد الله الجدلي سماع من خزيمة بن ثابت".
ولم أر من شارك البخاري في هذا القول، حتى إنَّ الترمذي الذي نقل كلام البخاريّ هذا قد صَحَّحَ الحديث كما مضى، ولعلَّ ذلك من البخاري ﵀ بناء على مذهبه في اشتراطِ ثبوت اللقاء بين الراوي وشيخه، وأنه لا يكتفي في ذلك بإمكان اللقاء.
قال ابن دقيق العيد - في معرض رده هذه العلة -: "وقد أطنبَ مسلمٌ في الردِّ لهذه المقالة، واكتفى بإمكان اللقاء، وذكر له شواهد"٢.
قلت: ولقاؤه لخزيمة بن ثابت غير بعيد، فقد روى الدولابي في (الكنى) ٣ بسنده إلى محمد بن عمر أنه قال: "أبو عبد الله الجدلي أدرك أبا بكر ... ". وقد تأخرتْ وفاة الجدلي إلى فتنة ابن الزبير، فيكون قد أدرك خزيمة من باب أولى؛ إذ إن وفاة خزيمة كانت سنة ٣٧هـ.
فإذا تَقَرَّرَ إمكان لقائه له، وعلمنا أن الجدلي غير معروف بالتدليس،
стр. 699
فإنَّ عنعنته هنا تحمل على الاتصال على مذهب من اكتفى بإمكان اللقاء١.
وأما العلة الثالثة، وهي الطَّعْنُ في أبي عبد الله الجدلي: فقد تَقَدَّمَ جواب ابن القَيِّم عنها بأن أحمد وابن معين وَثَّقَاهُ، وصَحَّحَ الترمذي حديثه.
وقد وَثَّقَهُ كذلك العجلي، فقال: "تابعي ثقة"٢، وذكره ابن حبان في (الثقات) ٣. وقال ابن دقيق العيد: " ... فلم يقدح فيه أحد من المتقدمين، ولا قال فيه ما قال ابن حزم، وَوَثَّقَهُ أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين٤، وهما هما"٥.
وغاية ما تَعَلَّقَ به ابن حزم في طعنه عليه: هو أنه كان في جيش المختار، وقد رد ذلك ابن القَيِّم ﵀ بقوله: "فَرَدُّ رواية الصاحب والتابع الثقة بهذا باطل"٦. وقال ابن حجر: " ... فَمِنْ هنا أخذوا على أبي عبد الله الجدلي وعلى أبي الطفيل أيضاً؛ لأنه كان في ذلك الجيش، ولا يقدح ذلك فيهما إن شاء الله"٧.
стр. 700
فَتَبَيَّنَ من ذلك أن هذه العلة - أيضاً – مدفوعةٌ.
وقد صحح الحديث - مع ذلك - جماعة:
قال الترمذي: "حسن صحيح". وقال ابن معين: "صحيح"١. وَصَحَّحَ أبو زرعة رواية إبراهيم التيمي الْمُتَّصِلَة كما تقدم. وَصَحَّحَه ابن حبان أيضاً، فقد أخرجه في (صحيحه) . وصححه ابن دقيق العيد في بحث له نافع، ونقله عنه صاحب (نصب الراية) ٢. وقال الشيخ الألباني: "صحيح"٣.
وأما الزيادة الواردة في هذا الحديث فهي ثابتة - أيضاً - كما مضى، وصححها ابن دقيق العيد٤. وكأن الخطابي ﵀ مال إلى عدم ثبوتها فقال: " ... فإنَّ الحَكَمَ وَحَمَّادَاً قد روياه عن إبراهيم فلم يذكروا فيه هذا الكلام٥ ولو ثَبَتَ لم يكن فيه حُجَّةٌ؛ لأنه ظَنٌّ منه وحسبان، والحجة إنما تقوم بقول صاحب الشريعة لا بِظَنِّ الراوي"٦.
فالحاصلُ: أن هذا الحديث أُعِلَّ بثلاث عِلَلٍ، وهي: الاختلاف في سنده، وانقطاعه، والطعن في أبي عبد الله الجدلي.
стр. 701
ولم يتعرض ابن القَيِّم إلا لردِّ الطعن في الجدلي، فَبَيَّنَ أن ما طَعَنَ به ابن حزم فيه ليس بقادح، وَأَنَّ الأئمة على توثيقه.
وأما بقية العلل فقد تَبَيَّنَ من هذه الدراسة أنها مردودة أيضاً، وأن الحديث صحيح ثابت ولله الحمد.
стр. 702
٩- باب من قال بعدم التوقيت في المسح على الخفين
١١- (١١) حَديث أُبَيّ بن عمارة ﵁ أنه قال: يَا رَسُول الله، أمسحُ على الخُفَّين؟ قال: "نَعَمْ". قَال: يوماً؟ قال: "يوماً". قال: ويومين؟ قال: "ويومين". قال: وثلاثة؟ قال: "نَعَمْ، وما شِئْتَ".
قال ابن القَيِّم ﵀: "وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافاً كثيراً. وعبد الرحمن، ومحمد بن يزيد، وأيوب بن قَطَنَ: مجهولون كُلُّهم.
وقد أخرجه الحاكم في (المستدرك) من طريق يحيى بن عثمان بن صالح ويحيى بن معين، كلاهما: عن عمرو بن الربيع بن طارق، أخبرنا محمد بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رَزِين، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن عبادة بن نسي الحديث. قال الحاكم: هذا إسنادٌ مصريٌّ، لم ينسب واحد منهم إلى جَرْح، وهذا مذهبُ مالك، ولم يخرجاه".
قال: "والعجبُ من الحاكم، كيف يكونُ هذا مُسْتَدْرَكَاً على الصحيحين ورواته لا يُعْرَفُون بجَرح ولا تعديلٍ؟!! "١.
فقد تَضَمَّنَ كلام ابن القَيِّم ﵀ أَنَّ هذا الحديث معلول من وجهين:
أحدهما: الاضطرابُ في إسناده.
стр. 703
والثاني: جَهَالةُ بعض رواته.
والأمر كما قال ﵀، وبهذا أَعَلَّه أكثرُ الأئمة، كما سيأتي بيان ذلك من أقوالهم رحمهم الله تعالى، فأقول:
هذا الحديث مداره على يحيى بن أيوب١، واختلف عليه على أربعة أوجه:
الأول: ما أخرجه أبو داود في (سننه) ٢ من طريق: يحيى بن معين، عن عمرو بن الربيع، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رَزِين٣، عن محمد بن يزيد٤، عن أيوب بن قَطَن٥، عن أُبَيِّ بن عمارة٦ - قال يحيى: وكان قد صَلَّى مع رسول الله ﷺ القبلتين - أنه قال ... فذكره، ولفظه هو الذي سقناه أول الباب.
стр. 704
ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في (سننه) ١.
الثاني: ما أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٢ من طريق: عبد الله بن وهب المصري. والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٣ من طريق: سعيد بن كثير بن عفير. كلاهما عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قطن، عن عبادة بن نسيّ، عن أبي بن عمارة به، وفي آخره: حتى بلغ سبعاً قال له: "وما بَدَا لك". وليس عند البيهقي: "حتى بلغ سبعاً".
فزيد في إسناده "عبادة بن نسي" بين أيوب بن قطن، وأُبَيّ بن عمارة.
الثالث: ما أخرجه البيهقي في (سننه) ٤ من طريق سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رَزِين، عن محمد بن يزيد، عن عبادة بن نسيّ، عن أبي بن عمارة. فأسقط من إسناده "أيوب بن قَطَن" ولفظه كلفظ ابن ماجه والدارقطني، وفيه زيادة قوله: "حتى عَدَّ سبعاً".
وقد عَلَّقَهُ أبو داود في (سننه) ٥ فقال: "رواه ابن أبي مريم المصري، عن يحيى بن أيوب ... " فذكره.
стр. 705
وأخرجه الحاكم في (المستدرك) ١ من هذا الوجه - يعني بجعل "عبادة بن نسيّ" مكان "أيوب بن قَطَن" - لكنه من طريق أبي داود المتقدم وبلفظه، فالظاهرُ أنها رواية أبي داود نفسها ووقع فيها خطأ في المستدرك، وإلا فيكون قد روي عن عمرو بن الربيع على وجهين، فيزداد بذلك الحديث اضطراباً.
الوجه الرابع: ما ذكره ابن القطان في (الوهم والإيهام) - ونقله عنه صاحب (نصب الراية) ٢ - وهو أنه روي عن يحيى بن أيوب بالإسناد السابق، مرسلاً بدون ذكر أبيّ بن عمارة.
فهذا ما يتعلق بوجوه الاختلاف في إسناد هذا الحديث، وقد أشار إلى ذلك غير واحد من أئمة هذا الشأن، فقال أبو داود عقب روايته: "وقد اخْتُلِفَ في إسناده، وليس هو بالقويّ ... ". وقال الدارقطني - عقب روايته إياه -: " ... وقد اختُلِفَ فيه على يحيى بن أيوب اختلافاً كثيراً". وذكر ابن القطان - أيضاً - وجوه الاختلاف على يحيى٣. وأشار ابن عبد البر إلى اضطراب حديث أبي بن عمارة هذا عندما ترجمه في (الاستيعاب) ٤.
وأما جَهَالة رواته: فقد حَكَم بذلك الدارقطني، فقال في (السنن) : "وعبد الرحمن، ومحمد بن يزيد، وأيوب بن قَطَن: مجهولون كُلُّهم".