ولم يتعرض ابن القَيِّم إلا لردِّ الطعن في الجدلي، فَبَيَّنَ أن ما طَعَنَ به ابن حزم فيه ليس بقادح، وَأَنَّ الأئمة على توثيقه.
وأما بقية العلل فقد تَبَيَّنَ من هذه الدراسة أنها مردودة أيضاً، وأن الحديث صحيح ثابت ولله الحمد.
стр. 702
٩- باب من قال بعدم التوقيت في المسح على الخفين
١١- (١١) حَديث أُبَيّ بن عمارة ﵁ أنه قال: يَا رَسُول الله، أمسحُ على الخُفَّين؟ قال: "نَعَمْ". قَال: يوماً؟ قال: "يوماً". قال: ويومين؟ قال: "ويومين". قال: وثلاثة؟ قال: "نَعَمْ، وما شِئْتَ".
قال ابن القَيِّم ﵀: "وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافاً كثيراً. وعبد الرحمن، ومحمد بن يزيد، وأيوب بن قَطَنَ: مجهولون كُلُّهم.
وقد أخرجه الحاكم في (المستدرك) من طريق يحيى بن عثمان بن صالح ويحيى بن معين، كلاهما: عن عمرو بن الربيع بن طارق، أخبرنا محمد بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رَزِين، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن عبادة بن نسي الحديث. قال الحاكم: هذا إسنادٌ مصريٌّ، لم ينسب واحد منهم إلى جَرْح، وهذا مذهبُ مالك، ولم يخرجاه".
قال: "والعجبُ من الحاكم، كيف يكونُ هذا مُسْتَدْرَكَاً على الصحيحين ورواته لا يُعْرَفُون بجَرح ولا تعديلٍ؟!! "١.
فقد تَضَمَّنَ كلام ابن القَيِّم ﵀ أَنَّ هذا الحديث معلول من وجهين:
أحدهما: الاضطرابُ في إسناده.
стр. 703
والثاني: جَهَالةُ بعض رواته.
والأمر كما قال ﵀، وبهذا أَعَلَّه أكثرُ الأئمة، كما سيأتي بيان ذلك من أقوالهم رحمهم الله تعالى، فأقول:
هذا الحديث مداره على يحيى بن أيوب١، واختلف عليه على أربعة أوجه:
الأول: ما أخرجه أبو داود في (سننه) ٢ من طريق: يحيى بن معين، عن عمرو بن الربيع، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رَزِين٣، عن محمد بن يزيد٤، عن أيوب بن قَطَن٥، عن أُبَيِّ بن عمارة٦ - قال يحيى: وكان قد صَلَّى مع رسول الله ﷺ القبلتين - أنه قال ... فذكره، ولفظه هو الذي سقناه أول الباب.
стр. 704
ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في (سننه) ١.
الثاني: ما أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٢ من طريق: عبد الله بن وهب المصري. والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٣ من طريق: سعيد بن كثير بن عفير. كلاهما عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قطن، عن عبادة بن نسيّ، عن أبي بن عمارة به، وفي آخره: حتى بلغ سبعاً قال له: "وما بَدَا لك". وليس عند البيهقي: "حتى بلغ سبعاً".
فزيد في إسناده "عبادة بن نسي" بين أيوب بن قطن، وأُبَيّ بن عمارة.
الثالث: ما أخرجه البيهقي في (سننه) ٤ من طريق سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رَزِين، عن محمد بن يزيد، عن عبادة بن نسيّ، عن أبي بن عمارة. فأسقط من إسناده "أيوب بن قَطَن" ولفظه كلفظ ابن ماجه والدارقطني، وفيه زيادة قوله: "حتى عَدَّ سبعاً".
وقد عَلَّقَهُ أبو داود في (سننه) ٥ فقال: "رواه ابن أبي مريم المصري، عن يحيى بن أيوب ... " فذكره.
стр. 705
وأخرجه الحاكم في (المستدرك) ١ من هذا الوجه - يعني بجعل "عبادة بن نسيّ" مكان "أيوب بن قَطَن" - لكنه من طريق أبي داود المتقدم وبلفظه، فالظاهرُ أنها رواية أبي داود نفسها ووقع فيها خطأ في المستدرك، وإلا فيكون قد روي عن عمرو بن الربيع على وجهين، فيزداد بذلك الحديث اضطراباً.
الوجه الرابع: ما ذكره ابن القطان في (الوهم والإيهام) - ونقله عنه صاحب (نصب الراية) ٢ - وهو أنه روي عن يحيى بن أيوب بالإسناد السابق، مرسلاً بدون ذكر أبيّ بن عمارة.
فهذا ما يتعلق بوجوه الاختلاف في إسناد هذا الحديث، وقد أشار إلى ذلك غير واحد من أئمة هذا الشأن، فقال أبو داود عقب روايته: "وقد اخْتُلِفَ في إسناده، وليس هو بالقويّ ... ". وقال الدارقطني - عقب روايته إياه -: " ... وقد اختُلِفَ فيه على يحيى بن أيوب اختلافاً كثيراً". وذكر ابن القطان - أيضاً - وجوه الاختلاف على يحيى٣. وأشار ابن عبد البر إلى اضطراب حديث أبي بن عمارة هذا عندما ترجمه في (الاستيعاب) ٤.
وأما جَهَالة رواته: فقد حَكَم بذلك الدارقطني، فقال في (السنن) : "وعبد الرحمن، ومحمد بن يزيد، وأيوب بن قَطَن: مجهولون كُلُّهم".
стр. 706
والأمر على ما قال ﵀؛ أما أيوب بن قطن: فقال فيه أبو زرعة: "لا يُعرف"١. وقال الأزدي: "مجهول"٢. وأما محمد بن يزيد: فقال فيه أبو حاتم: "مجهول"٣. وَتَقَدَّمَ قول ابن حجر فيه: "مجهول الحال". وأما عبد الرحمن بن رَزِين: فإنه لم يُوَثِّقهُ غير ابن حبان٤، فالظاهر أن أمره على ما حكم الدارقطني.
وإلى جهالة إسناده أشارَ الإمام أحمد بقوله: "حديث أبي بن عمارة ليس بمعروف الإسناد" كما نَقَل ذلك عنه أبو زرعة الدمشقي٥. وقال الحافظ الذهبي - مُتَعَقِّبَاً الحاكم في قوله: هذا إسناد مصري لم ينسب واحد منهم إلى جرح -: "بل مجهول"٦. وأشار ابن حجر ﵀ إلى العِلَّتَين معاً فقال: "في إسناده جهالةٌ واضطرابٌ"٧.
ولأجل هاتين العلتين ضَعَّفَهُ جماعة من العلماء؛ فقال ابن معين: "إسناده مظلم"٨. وقال أبو داود عقب إخراجه: "وليس هو بالقوي". وقال أبو الفتح الأزدي: "حديث ليس بالقائم"٩. وقال ابن حبان في
стр. 707
(الثقات) ١ - في ترجمة أبيّ بن عمارة -: " ... لست أعتمد على إسناد خبره". وقال الدارقطني عقب إخراجه: "هذا الإسناد لا يثبت". وقال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصحُّ"٢. وقال النوويّ: "ضعيف بالاتفاق"٣. وقال الشيخ الألباني: "ضعيف"٤.
وَثَمَّة شيء آخر في إسناده أشار إليه ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٥، فقال: "وهو عندي خطأ، إنما هو أبو أبيّ، واسمه عبد الله بن عمرو بن أم حرام، كذا رواه إبراهيم بن أبي عبلة، وذكر أنه رآه وسمع منه، سمعت أبي يقول ذلك". وذكر مثل ذلك ابن عبد البر في (الاستيعاب) ٦.
فالحاصلُ: أن هذا الحديث ضعيفٌ؛ لاضطرابِ إسنادِهِ، وَجَهَالَةِ رواتهِ، كما قال ابن القَيِّم رحمه الله تعالى، وتَعَقَّبَ الحاكمَ لاستدراكه إيَّاه على (الصحيحين) ، وقد وافق حُكْمُ ابن القَيِّم حكمَ الأئمة على هذا الحديث كما نقلناه عنهم آنفاً.
فإذا ثبت عندنا ضعف هذا الحديث، فإنَّه لا حُجَّةَ فيه للقائلين بعدم التوقيت في المسح على الخفين، والله أعلم.
стр. 708
١٠- باب ما جاء في مسح أعلى الخف وأسفله
١٢- (١٢) عَن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "وَضَّأْتُ رَسولَ الله ﷺ في غزوةِ تبوك، فَمَسَحَ أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ".
ذكر ابن القَيِّم هذا الحديث، وبين أنه قد أُعِلَّ بأربع علل وهي:
١- أن ثورَ بن يزيد لم يسمعه من رجاء بن حيوة، بل قال: حُدِّثْتُ عن رجاء.
٢- أنه مرسلٌ.
٣- أن الوليدَ بن مسلم عَنْعَنَهُ، وهو مُدَلِّسٌ.
٤- أن كاتبَ المغيرة لم يُسَم فيه، فهو مجهول.
ثم ذَكَرَ ابن القَيِّم ﵀ أن هذه العلل يُمْكِنُ الجواب عنها، وَأَخَذَ في سرد هذه الأجوبة، وستأتي الإشارة إلى شيء من ذلك أثناء البحث.
ثم عَادَ ابن القَيِّم ﵀ فَرَجَّحَ أن هذا الحديث معلولٌ، وأن الأئمة الكبارَ قد ضَعَّفُوهُ، وأن الأحاديثَ الصحيحةَ على خلافه، وأنَّ هذه العلل وإنْ كان بَعْضُهَا غير مُؤَثِّرٍ، فإن بَعْضَهَا الآخر مؤثرٌ مانع من تصحيح الحديث١.
стр. 709
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ١، والترمذي في (جامعه) ٢، وفي (العلل) ٣ له، وابن ماجه في (سننه) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، وابن الجارود في (المنتقى) ٦، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٧، والخطيب في (تاريخ بغداد) ٨ من طرق، عن:
الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب٩ المغيرة، عن النبي ﷺ به.
واللفظُ الذي ذكرته هو لفظ أبي داود، والدارقطني، والبيهقي. وعند الترمذي، وابن ماجه، وابن الجارود: "أَنَّ النبي ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الخُفِّ وأسفله".
وأما العلل التي أُعِلَّ بها الحديث، فَبَيَانُهَا كالتالي:
стр. 710
أولاً: أن ثورَ بن يزيد لم يسمعه من رجاء بن حيوة، قال أبو داود - عقب إخراجه -: "وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء". وكذا قال موسى بن هارون١. وإنما قال ثور بن يزيد: "حُدِّثْتُ عن رجاء بن حيوة". فَأَعَلَّه بذلك الأئمة: أحمد٢، والبخاري٣، والترمذي٤، وغيرهم.
وقد أجاب ابن القَيِّم ﵀ عن هذه العلة: بأن الدارقطني رواه وفيه تصريح ثور بن يزيد بتحديث رجاء له.
ولكنه جوابٌ فيه نَظَرٌ؛ قال ابن حجر ﵀: "ووقع في سنن الدارقطني ما يوهم رفع العِلَّة وهي: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، ثنا داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، ثنا رجاء بن حيوة فذكره. فهذا ظاهره أن ثوراً سَمِعَهُ من رجاء فتزول العلة. ولكن رواه أحمد بن عبيد الصفار في (مسنده) ، عن أحمد بن يحيى الحلواني، عن داود بن رشيد فقال: عن رجاء، ولم يقل: حدثنا رجاء، فهذا اختلاف على داود يمنع من القول بِصِحَّة وصله، مع ما تَقَدَّمَ في كلام الأئمة"٥. فَتَبَيَّنَ من ذلك أن هذه العِلَّةَ ثابتة لا تندفع.
ثانياً: أنه يُروى مرسلاً. وقد أشار إلى هذه الرواية الإمام أحمد،
стр. 711
والدارقطني وغيرهما، قال الإمام أحمد: "ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فقال: عن ابن المبارك، عن ثور: حُدِّثْتُ عن رجاء، عن كاتب المغيرة، ولم يذكر المغيرة. قال أحمد: وقد كان نعيم بن حَمَّاد حدثني به عن ابن المبارك كما حدثني الوليد بن مسلم عن ثور، فقلت له: إنما يقول هذا الوليد، فأما ابن المبارك فيقول: حدثت عن رجاء، ولا يذكر المغيرة. فقال لي نعيم: هذا حديثي الذي أُسْأَلُ عنه، فأخرجَ إليَّ كتابه القديم بخط عتيق، فإذا فيه ملحق بين السطرين بخط ليس بالقديم: "عن المغيرة"، فأوقفته عليه، وأخبرته أن هذه الزيادة في الإسناد لا أصل لها، فجعلَ يقول للناس بعد وأنا أسمع: اضربوا على هذا الحديث"١.
وقال البخاريُّ لما سأله عنه الترمذي: "لا يصح هذا، روي عن ابن المبارك، عن ثور ... عن كاتب المغيرة، عن النبي ﷺ مرسلاً"٢. وقال الدارقطني: " ... لا يثبتُ؛ لأن ابنَ المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلاً"٣.
وقال ابن القَيِّم ﵀ وهو يُرَجِّحُ القولَ بضعفه مؤكداً إعلاله بالإرسال -:"وقد تَفَرَّدَ الوليد بن مسلم بإسناده ووصله، وخَالَفَهُ من هو أحفظُ منه وأجلُّ، وهو الإمام الثبت عبد الله بن المبارك، فرواه عن ثور، عن رجاء وإذا اختلفَ عبد الله بن المبارك والوليد بن المسلم،
стр. 712
فالقول ما قال عبد الله"١.
فَتَبَيَّنَ من ذلك أن الصَّوابَ في هذا الحديث: أنه مُرسل، وأنَّ من وصله قد أخطأ.
ثالثاً: تدليس الوليد بن مسلم: وقد أجاب ابن القَيِّم عن هذه العلة بأن رواية أبي داود من طريق: "محمود بن خالد الدمشقي، حدثنا الوليد، أخبرنا ثور بن يزيد". فقد أُمْنَ بذلك تدليسُ الوليد.
قلت: وكذلك في رواية الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، ثنا ثور. وعند ابن ماجه من طريق هشام بن عمار: عن الوليد، حدثنا ثور.
رابعاً: جهالة كاتب المغيرة: وهذه العلَّة لم يقل بها أحدٌ سوى ابن حزم٢ ﵀، وقد بَيَّنَ ابن القَيِّم أنه في رواية ابن ماجه التصريح باسمه، وأنه "وَرَّاد"، وقد خُرِّجَ له في (الصحيحين) ، وإنما تُرِكَ ذكر اسمه في هذه الرواية لشهرته وعدم التباسه بغيره. قال ابن القَيِّم: "ومن له خِبْرَةٌ بالحديثِ ورواته لا يَتَمَارَى في أنه وَرَّاد كاتبه"٣.
فظهرَ أنَّ العِلَّتين الثالثة والرابعة لا أثرَ لهما، وإنما التأثيرُ للعلتين الأولى والثانية، وهما: أن الصواب إرساله، وأنه منقطع بين ثور بن يزيد ورجاء بن حيوة، وهاتان العلتان هما اللتان ذكرهما الحفاظ وأعلوا بهما الحديث.
стр. 713
فقد ضَعَّفَهُ الأئمة: أحمد، وأبو داود، والترمذي، والبخاري، وموسى بن هارون، والدارقطني، وقد مضىكلامهم. وَضَعَّفَهُ أيضاً: أبو زرعة١، وقال أبو حاتم: "ليس بمحفوظ، وسائر الأحاديث عن المغيرة أصحُّ"٢ وَضَعَّفَهُ ابن حزم٣وابن الجوزي٤ مستشهداً بكلام الأئمة السابقين، وقال الشيخ الألباني: "ضعيف"٥.
فَتَلَخَّصَ: أن ابن القَيِّم قد أصاب حينما اختار ضَعْفَ هذا الحديث، واستندَ في ذلك إلى ما يلي:
١- مخالفةُ الأحاديث الصحيحة الكثيرة له.
٢- أنَّ العِلَلَ التي أُعِلَّ بها منها ما هو مانعٌ من صحته؛ كالقول بانقطاعه وإرساله٦.
ويؤكد ابن القَيِّم ﵀ ضعف هذا الحديث في مناسبة أخرى فيقول: "وكان يمسح ظاهرَ الْخُفَّين، ولم يصح عنه مَسْح أسفلهما إلا في حديث منقطع، والأحاديث الصحيحة على خلافه"٧.
стр. 714
٢- من كتاب الحيض
١- باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
١٣- (١) عَنْ فَاطِمَة بنت أبي حبيش ﵂: أَنَّهَا كَانَت تُسْتَحَاضُ١، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا كَانَ دَمُ الحَيْضِ، فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فإذا كان ذلك فَأَمْسِكي عن الصَّلاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي؛ فَإِنَّمَا هو عِرْقٌ". هذا اللفظ لأبي داود.
تناول ابن القيم ﵀ هذا الحديث في (تهذيب السنن) ٢، وناقش ابن القطان في إعلاله إياه، وسيأتي كلامهما مفصلاً.
قلت: هذا الحديث أخرجه: أبو داود، والنسائي، والدارقطني في (سننهم) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤، والبيهقي في (السنن) ٥، وابن عبد البر في (التمهيد) ٦. كلهم من طريق:
стр. 715
محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ١، عن محمد بن عمرو٢، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش٣ به.
قال أبو داود عقبه: "قال ابن المثنى٤ - راويه عن ابن أبي عديّ -: وحدثنا به ابن أبي عدي حفظاً، فقال: عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة".
فالرواية الماضية حَدَّثَ بها ابن أبي عديّ من كتابه، وقد وَرَدَ ذلك في إسناد النسائي عن محمد بن المثنى أنه قال: "حدثنا ابن أبي عديّ هذا من كتابه". وكذا هو في إسناد الدارقطني، حيث قال: "هكذا حدثناه ابن أبي عديّ من أصل كتابه".
وأما الرواية التي أشارَ إليها أبو داود - التي حَدَّثَ بها ابن أبي عديّ من حفظه - فأخرجها: النسائي٥، والدارقطني٦ من طريق ابن المثنى - أيضاً - قال: أخبرنا ابن أبي عديّ من حفظه، حدثنا محمد بن عمرو، عن
стр. 716
ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ أن فاطمة ... فذكره. وأخرجه ابن حبان في (صحيحه) ١ من الطريق نفسه بدون قول ابن المثنى: "من حفظه".
ولفظ الحاكم ورواية للدارقطني كلفظ أبي داود الماضي أول البحث، وعند النسائي وابن حبان، والبيهقي، ورواية لأبي داود٢: "فَتَوَضِّئِي وَصَلِّي" فقط. وفي لفظ للنسائي: "فَتَوَضِّئِي، فَإِنَّمَا هو عِرق". ولم يذكر: "وَصَلِّي".
وقد أُعِلَّ حديث الزهري هذا: بالانقطاع، والنكارة، والاضطراب.
- أما الانقطاع: فقد أَعَلَّهُ بذلك ابن القطان، وناقشه في ذلك ابن القيم ﵀، ولم يوافقه على ذلك. فقد قال ابن القطان - ونقل خلاصته ابن القيم -: " ... وهو فيما أرى منقطع؛ وذلك أنه حديث انفرد بلفظه محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة. فرواه عن محمد بن عمرو: محمدُ بن أبي عديٍّ مرتين، إحداهما من كتابه فجعله: عن محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن فاطمة: أَنَّهَا كانت تُسْتَحَاضُ، فهو على هذا منقطعٌ؛ لأنه قد حَدَّثَ به مرة أخرى من حفظه، فزادهم فيه: "عن عائشة" فيما بين عروة وفاطمة، فاتَّصَل. فلو كان بعكس هذا كان أبعد من الريبة - أعني: أن يُحَدِّث به من حفظه مرسلاً، ومن كتابه متصلاً - فأما هكذا فهو موضعُ نظر ... "٣.
стр. 717
وقد رَدَّ ابن القيم ذلك فقال: "أما قوله: إنه منقطع. فليس كذلك، فإن محمد بن أبي عديّ مكانه من الحفظ والإتقان معروف لا يجهل، وقد حفظه وَحَدَّثَ به مرة: عن عروة، عن فاطمة. ومرة: عن عائشة١، عن فاطمة، وقد أدرك كلتيهما وسمع منهما بلا ريب، ففاطمة بنت عمته، وعائشة خالته. فالانقطاع الذي رُمِيَ به الحديث مقطوعٌ دَابره"٢.
قلت: وعند الترجيح تُقَدَّمُ الرواية التي من كتابه؛ لأن الغالب على من يُحَدِّثُ من كتابه أن يكونَ أكثر ضَبْطاً، بخلاف من يُحَدِّثُ من حفظه، فإن الحفظَ خَوَّان، فلعله حَدَّثَ به على الصواب من كتابه، ثم حَدَّثَ به من حفظه فَوَهِمَ.
والدليل على صِحَّة الرواية التي من كتابه، وأنها هي الْمُقَدَّمة: أن ابن أبي عديّ قد رجع عن الرواية الأخرى وتركها، فقد روى البيهقي في (سننه) ٣ هذا الحديث من طريق الإمام أحمد بن حنبل ﵀ بدون ذكر عائشة، ثم قال: "قال عبد الله: سمعت أبي يقول: كان ابن أبي عديّ حَدَّثَنَا به عن عائشة ثم تركه". وهذا ظاهرٌ في أن الرجل ضابط للرواية التي من كتابه، ولذلك فقد رجع عن الأخرى.
- وَأَمَّا القول بنكارة هذا الحديث وغرابته: فذلك أنه جاء فيه قوله:
стр. 718
"إِنَّ دَمَ الحيض دم أسود ... "، فإن هذه اللفظة مما عَدَّها بعضُ الأئمة من منكرات محمد بن عمرو وغرائبه، فقد سُئِلَ عنه أبو حاتم؟ فقال: "لم يتابع محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر"١. وقال النسائي عقب إخراجه: "قد رَوى هذا الحديث غيرُ واحد، لم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن أبي عديّ". وقال الدارقطني: "وَرَوى محمد بن عمرو بن علقمة هذا الحديث ... وأتى فيه بلفظٍ أَغْرَبَ به، وهو قوله: إن دمَ الحيض دمٌ أسود يعرف"٢. وقال الطحاوي: "لم يروه إلا ابن عمرو، وقد أنكروه عليه"٣.
وقد تَوَقَّفَ ابن القيم - أيضاً - في هذه اللَّفظة عند مناقشة ابن القَطَّان في ذلك، حيث قال ابن القطان: " ... والمعروف في قصة فاطمة: الإحالة على الدم والقروء"٤. فقال ابن القيم: " فإنَّ المعروف الذي في الصحيح إحالتها على الأيام التي كانت تَحْتَسِبُهَا حيضها، وهي القروء بعينها، فأحدهما يُصَدِّقُ الآخر. وأما إحالتها على الدم، فهو الذي يُنْظر فيه، ولم يروه أصحاب الصحيح وَسَأَلَ عنه ابن أبي حاتم أباه فَضَعَّفَه، وقال: هذا منكر"٥.
стр. 719
- وأما القول باضطرابه: فقد أَعَلَّهُ بذلك ابن عبد البر ﵀، فقال في (التمهيد) ١: "اخْتُلِف عن الزهري في هذا الحديث اختلافاً كثيراً، فمرة يرويه: عن عمرة، عن عائشة. ومرة: عن عروة، عن عائشة. ومرة: عن عروة وعمرة، عن عائشة. ومرة: عن عروة، عن فاطمة بنت أبي حبيش ... وقال فيه سهيل بن أبي صالح: عن الزهري، عن عروة، حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش: أنها أمرت أسماء أن تسأل رسول الله ﷺ عن الحيض. وأكثر أصحابِ ابنِ شهاب يقولون فيه: عن عروة وعمرة، عن عائشة: أن أم حبيبة بنت جحش - ختنة رسول الله ﷺ ، وهي تحت عبد الرحمن بن عوف - اسْتُحِيضت. هكذا يقولون عن ابن شهاب في هذا الحديث: أم حبيبة، لا يذكرون فاطمة بنت أبي حبيش. وحديث ابن شهاب في هذا الباب مضطرب".
وذكر الدارقطني الخلافَ على الزهري في (علله) ٢، ثم نقل عن إبراهيم الحربي قوله: "الصحيح منه قول من قال: أم حبيب، بلاهاء، واسمها حبيبة بنت جحش٣ ... وأن من قال فيه: أم حبيبة بنت جحش، أو زينب فقد وَهِمَ. والحديث يصحُّ من حديث الزهري، عن عروة وعمرة جميعاً، عن عائشة: أن أم حبيبة". وهذا يوافقُ ما سَبَقَ أن رَجَّحَهُ ابن عبد البر عن أكثر أصحاب الزهري٤. قال الدارقطني عقب ذلك:
стр. 720
"وقول إبراهيم ... صحيحٌ، وكان من أعلمُ النَّاسِ بهذا الشأن".
فالذي يَتَلَخَّص من ذلك: أن ما أُعِلَّ به هذا الحديثُ يمكنُ الجواب عن بعضه، لكن تبقى له عِلَّةٌ مؤثرةٌ، وهي النكارةُ الواقعةُ في سياقه، وذلك بإحالة الْمُسْتَحَاضة على الدم، وقد حكم الأئمة - كما قَدَّمْنَا - بنكارة هذا اللفظ وغرابته.
وهذا ما قَرَّرَه ابن القيم ﵀ في بحثه، فبينما رَدَّ على ابن القطان قوله بانقطاع الحديث، نجده يعتبر هذه اللفظة في الحديث تحتاج إلى نظر، وأنها تخالفُ ما في الصحيح، وأنَّ أبا حاتم قد حَكَمَ عليها بالنكارة، كما مضى نقل كلامه في ذلك.
أما أبو عبد الله الحاكم: فقد صَحَّحَ الحديث فقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي، وكذا صَحَّحَه ابن حزم١. وقال ابن الصلاح: "حديث مُحْتَجٌّ به"٢. وقال ابن دقيق العيد: "رجاله رجال مسلم"٣.
والصواب ما قَدَّمْنَاه من إعلاله، والله أعلم.
стр. 721
٢- باب في المستحاضة: أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد
١٤- (٢) عَنْ حَمْنَة بنت جحش ﵂ قَالَتْ: "كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حيضةً كثيرةً شديدةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ أَسْتَفْتِيهِ وَأخبره، فَوَجَدْتُهُ في بيت أُخْتِي زينب بنت جحش، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ حيضةً كثيرةً شديدةً، فَمَا تَرَى فِيها، قَد منعتني الصلاة والصوم؟ فقال: "أَنْعَتُ لكِ الكُرْسُف١؛ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدم". قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِن ذَلِكَ. قال: "فَاتَّخِذِي ثَوبَاً". فقالت: هو أكثرُ من ذلك، إِنَّمَا أَثُجُّ٢ ثَجَّاً. قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "سَآمركِ بأمرين، أَيُّهُمَا فَعلتِ أجزأَ عنكِ من الآخر، وإنْ قَوِيتِ عليهما فأنت أعلم". قال لها: "إِنَّمَا هذه رَكْضَةٌ من رَكَضَاتِ الشيطان٣، فَتَحَيَّضِي٤ سِتَّةَ أَيَّامٍ أو سبعة أيامٍ في علم الله، ثم اغتسلي، حَتَّى إِذَا رَأّيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ
стр. 722
فَصَلِّي ثلاثاً وعشرين ليلةً أو أربعاً وعشرين ليلةً وَأَيَّامهَا، وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يجزيكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي فِي كُلِّ شهرٍ كما تَحِيضُ النِّسَاء وَكَمَا يَطْهُرْن، ميقاتُ حيضهن وطهرهن، وإن قِويتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي العَصْرَ، فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين: الظهر والعصر، وَتُؤَخِّرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين، فافْعَلِي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي، إنْ قدرتِ على ذلك". قال رسول الله ﷺ : "وَهَذَا أَعْجَبُ الأمْرَين إِلَيّ".
أَورَدَ ابن القيم ﵀ أَقْوَالَ الْمُعَلِّلِينَ لِهَذا الحديث، وَرَدَّ عليها، وَأَجَاب عنها، وَاخْتَارَ صحَّة الحديث، وَنَقَل أقوال الأئمة الْمُصَحِّحِين له١.
قلت: هذا الحديث مداره علىعبد الله بن محمد بن عقيل٢، ورواه عنه جماعة:
فأخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والترمذي في (جامعه) ٤، وأحمد في
стр. 723
(مسنده) ١، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٢، وابن عبد البر في (التمهيد) ٣، كلهم من طريق: زهير بن محمد٤.
وأخرجه أحمد في (مسنده) ٥، وابن ماجه في (سننه) ٦من طريق: شريك بن عبد الله٧.
وأخرجه الحاكم في (المستدرك) ٨، والبيهقي في (سننه) ٩ من طريق: عبيد الله بن عمرو الرَّقي١٠.
وأخرجه ابن ماجه في (سننه) ١١ من طريق: ابن جريج.
стр. 724
كُلُّهم: عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة١ عن عمه: عمران بن طلحة٢، عن أمه حَمْنَة بنت جحش٣ به. وقد جاء في رواية ابن جريج: "عمر بن طلحة" بدل "عمران" وسيأتي الكلام عليها.
واللفظ المتقدم هو لفظ أبي داود، ومثله لفظ البيهقي، والباقون ألفاظهم بنحوه، إلا أن الترمذي والدارقطني عندهما زيادة قوله: "فَتَلَجَّمِي" بعد قوله: "أنعت لك الكرسف". وعند أحمد هذه اللفظة أيضاً، لكن ليس عنده قوله: "فَاتخذي ثوباً". وجاء في رواية شريك عند أحمد وابن ماجه: "إني استحضت حيضةً منكرةً شديدةً" وعندهما: "احتشي كرسفاً". أما الحاكم فعنده: "أنعت لك الكرسف" فقط.
وقد أُعِلَّ هذا الحديث بعدة علل:
أولها: الطَّعْنُ في "عبد الله بن محمد بن عقيل".
قال ابن منده: "لا يصحُّ بوجه من الوجوه؛ لأنهم أجمعوا على ترك حديث ابن عقيل"٤. وقال الخطابي: "وقد تَرَكَ بعض العلماء القول بهذا
стр. 725
الخبر؛ لأن ابن عقيل راويه ليس بذاك"١. وقال البيهقي: "تَفَرَّدَ به عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به"٢.
وقد أجاب ابن القيم ﵀ عن ذلك بقوله: " عبد الله ابن محمد بن عقيل ثقة صدوق، لم يُتَكَلَّم فيه بجرح أصلاً. وكان الإمام أحمد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وإسحاق بن راهويه يَحْتَجُّونَ بحديثه، والترمذي يصحح له، وإنما يُخْشَى من حفظه إذا انفرد عن الثقات أو خالفهم، أَمَّا إذا لم يخالف الثقات، ولم ينفردْ بما يُنْكَر عليه: فهو حجة"٣. قال: "ودعوى ابن منده الإجماع على تركِ حديثه غلط ظاهر منه"٤.
وعبد الله بن محمد هذا اختلفت فيه أقوال الأئمة، فَمَشَّاُه جماعة واحْتَجُّوا به، وَضَعَّفَهُ آخرون، والكلام إنما هو في حفظه؛ فإنَّ أكثرَ الذين تركوا الاحتجاج به إنما فعلوا ذلك لسوء حفظه٥. وقد جعله ابن رجب الحنبلي مثالاً للرواة الذين اختُلِفَ فيهم: هل هم ممن غلب على حديثهم الوهم والغلط أم لا؟ ٦. وقال الحافظ الذهبي ﵀: "حَدِيثُهُ في مرتبة الحسن"٧.
стр. 726
ولعلَّ هذا ما تطمئنُ إليه النفس في أمره؛ لأن جماعةً من الأئمة احتجوا به، ومنهم من صَحَّحَ حديثه، وحَسَّنَهُ آخرون، وإنما الخشية من انفراده بما لا يُتَابعُ عليه، أو مخالفته الثقات كما مضى في كلام ابن القيم ﵀.
وأما ما قاله ابن القيم من أنه "لَم يُتَكَلَّم فيه بِجرحٍ أصلاً" ففيه نظر؛ فقد ضَعَّفَهُ جماعة كثيرون١. وكذلك قول ابن عبد البر ﵀: "هو أوثق من كل من تَكَلَّم فيه". لا يخلو من نظر، ولذلك رَدَّهُ ابن حجر بقوله: "وهذا إفراط"٢.
وقد رَدَّ الأئمة على ابن منده في دَعْوَاهُ الإجماعُ على تركه، فقال ابن دقيق العيد: "ليسَ الأمر على ما ذَكَرَهُ، وإن كان بَحْرَاً من بُحُورِ هذه الصناعة"٣. وقال ابن الملقن: " ... قولة عجيبةٌ منه"٤. وقال الحافظ ابن حجر: "ظَهَرَ لي أن مراد ابن منده بذلك: مَنْ خَرَّجَ الصحيح. وهو كذلك"٥. وقد مضى كلام ابن القيم في تعقب ابن منده.
العلة الثانية: أنه منقطع بين ابن جريج وابن عقيل.
стр. 727
قالوا: إنَّ ابنَ جريج لم يسمعه من ابن عقيل، بينهما فيه "النعمان بن راشد"١، والنعمان هذا ضعيف، وقد أَعَلَّه بذلك ابن حزم٢ ﵀.
وَأَجَابَ عن ذلك ابن القيم ﵀، فقال: "النعمان بن راشد ثقة، أَخْرَجَ له مسلم في (صحيحه) ، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، واستشهد به البخاري. وقال: في حديثه وهمٌ كثيرٌ، وهو صدوقٌ، وقال ابن أبي حاتم: أَدْخَلَهُ البخاريُّ في الضعفاء، فسمعتُ أبي يقول: يُحَوَّل اسمه منه"٣.
وقال ابن الملقن ﵀: "وأما رَدُّ ابنِ حزم بالانقطاع ... فجوابه: أن الترمذي، وأبا داود، وابن ماجه، والحاكم رووه من غير طريق ابن جريج، فليتصل طريق ابن جريج أو لينقطع، ولتكن الواسطة بينه وبين ابن عقيل ضعيفاً إن شاء أو قوياً. وعلى تقدير الواسطة وهو "النعمان بن راشد"، فقد أخرج له مسلم، واستشهد به البخاري ... "٤.
العلة الثالثة: ضعف شريك، وزهير بن محمد. وهما من رواته عن عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد أعله بذلك ابن حزم أيضاً٥.
стр. 728
وقد أَجَابَ عنه ابن القيم بأن شريكاً قد وَثقَهُ الأئمة١، قال: "وأما زهير بن محمد: فاحتجَّ به الشَّيخان وباقي الستة، وعن الإمام أحمد فيه أربع روايات٢: إحداها: أنه "ثقة". والثانية: "مستقيم الحديث". والثالثة: "مقارب الحديث". والرابعة: "ليس به بأس". وعن يحيى بن معين فيه ثلاث روايات: إحداها: "صالح لا بأس به"٣. والثانية: "ثقة"٤. والثالثة: "ضعيف"٥. وقال عثمان الدرامي: "ثقة صدوق". وقال أبو حاتم: "محله الصدق"٦. وقال يعقوب بن شيبة: "صدوق صالح الحديث". وقال البخاري: "ما رواه عنه أهل الشام فإنه منكر، وما رواه عنه أهل البصرة فإنه صحيح". وهذا الحدث قد رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي عامر العقدي - عبد الملك بن عمرو - عنه، وهو بصريٌّ فيكون على قول البخاريّ صحيحاً"٧.
وقال ابن الملقن في الجواب عن ابن حزم: "وأما تضعيفه لشريكٍ
стр. 729
فليس بجيد منه؛ لأنه مخرج له في الصحيح١، وقد انفرد بهذا الطريق ابن ماجه فأخرجها في سننه ... ". ثم ذكر في رَدِّ التهمة عن زهير بن محمد قريباً من كلام ابن القيم٢.
العلة الرابعة: أَعَلَّهُ بها ابن حزم - أيضاً - فقال: "وعمر بن طلحة غير مخلوقٍ، ولا يُعرف لطلحة ابنٌ اسمه عمر"٣.
وجواب ذلك: أن رواية "عمر بن طلحة" انفرد بها ابن جريج، وخَطَّأوه فيها، فقال الترمذي عقب إخراجه: "ورواه عبيد الله بن عمرو الرقي، وابن جريج، وشريك: عن عبد الله بن محمد بن عقيل ... إلا أن ابن جريج يقول: عمر بن طلحة. والصحيح: عمران بن طلحة"٤.
ونَقَلَ ابن القيم كلام الترمذي في الجواب على هذه العلة، ثم زاد: "وقد تَقَدَّمَ من كلام الدارقطني٥ أن ابن جريج قال فيه: عمران ابن طلحة، وهو الصواب"٦.
قلت: فإنْ صحَّ ما نقله الدارقطني عن ابن جريج فتكون هذه رواية أخرى عن ابن جريج توافق رواية الجماعة.
стр. 730
العلة الخامسة: أَعَلَّهُ ابن حزم - أيضاً - بأنه قد رُوي من طريق الحارث بن أبي أسامة، قال: "والحارث بن أبي أسامة قد تُرك حديثه، فسقط الخبر جملة"١.
قال ابن القيم: "وهذا تَعَلُّقٌ باطلٌ فإنما اعتمدَ في ذلك على كلام أبي الفتح الأزدي فيه، ولم يُلتفت إلى ذلك٢، وقد قال إبراهيم الحربي: هو ثقة. وقال البرقانيُّ: أمرني الدارقطني أن أُخْرِجَ عنه في الصحيح. وصَحَّحَ له الحاكم، وهو أحد الأئمة الحُفَّاظ"٣.
وَثَمَّة علل أخرى أُعِلَّ بها الحديث لم يَعْرِضْ لها ابن القيم ﵀، منها:
العلة السادسة: أن بعضهم جَعَلَ قوله ﷺ : "وهذا أعجب الأمرين إليَّ " من كلام حَمْنَة موقوفاً عليها، ذَكَر ذلك أبو داود عقب إخراجه. وأجاب عنه ابن الملقن رحمه الله٤.
العلة السابعة: قال البخاري ﵀: "إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، ولا أدري سمع منه عبد الله بن محمد بن عقيل أم لا؟ "٥.
стр. 731
وأجاب عن ذلك ابن الملقن أيضاً١.
فظهر من هذه الدراسة: أن ما أُعِلَّ به هذا الحديث غير قائم، ومع ذلك فقد صَحَّحَه عدد من أئمة هذا الشأن وحَسَّنَهُ آخرون، فقال الإمام أحمد: "حديث حسن صحيح"٢. وقال البخاري: "حديث حسن" كذا نقله عنه الترمذي في (علله) ٣، وفي بعض نسخ (جامعه) ٤ عنه أنه قال: "حسن صحيح". وقال الترمذي: "حسن صحيح". وكأن الدارقطني ﵀ قد مالَ إلى تصحيحه حيث ذَكَرَ اختلافاً فيه علي عبد الله بن محمد بن عقيل، ثم صَوَّبَ رواية الجماعة المتقدمين: عن ابن عقيل، عن إبراهيم، عن عمران بن طلحة، عن حَمْنَة، فقال: "وهو الصحيح"٥. وكذا يَظْهَرُ من صنيع الحاكم الميل إلى تصحيحه؛ حيث أشار إلى شواهد له عقب إخراجه٦. وصححه النووي في (الخلاصة) ٧ (وشرح المهذب) ٨.
وضعفه - إلى جانب من تقدمت أقوالهم -: أبو حاتم الرازي،
стр. 732
حيث سأله عنه ابنه؟ فَوَهَّنَهُ، ولم يقوّ إسناده١.
وقد ردَّ ابن القيم كلام أبي حاتم: بأنه لم يُبَيِّنْ سَبَبَهُ حتى يُمْكُنَ البحث معه فيه. ولعله أراد بعض ما تقدم، وقد أجيب عنه٢.
ونقل أبو داود عن الإمام أحمد قوله: "حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء"٣. وَرَدَّهُ ابن الملقن: بأنه معارض بما نقله عنه الترمذي من أنه صححه٤.
وبعد: فإن هذا الحديث تميل النفس إلى تحسينه، كما حكم بذلك البخاري وغيره، وهذا أقل ما يُقال فيه من أجل ابن عقيل؛ فإنه قد تُكُلِّمَ في حفظه كما تقدم، وقد حسن الذهبي حديثه لأجل هذا، فقال: "حديثه في مرتبة الحسن"٥. مع أن جماعة قد حكموا بصحته كما مضى.
وقد دَفَعَ ابن القيم ﵀ العلل التي رُمي بها هذا الحديث - أو أكثرها - عِلَّةً عِلَّةً، وأجاب عنها بما يُفهمُ منه ميله إلى تصحيح الحديث، والله أعلم.
стр. 733
٣- بابُ كفارة من أتى حائضا
١٥- (٣) عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امْرَأَتَهُ وهي حائضٌ، قال: " يَتَصَدَّق بدينار، أو نصف دينار".
تَعَرَّض ابن القيم ﵀ لهذا الحديث في كلامه على سنن أبي داود١، وأشار إلى تصحيح أبي داود، والحاكم، وابن القطان له.
ثم قال: "وأما أبو محمد ابن حزم: فإنه أعلَّ الحديث بمقسم وَضَعَّفَهُ، وهو تعليل فاسدٌ، وإنما عِلَّتُهُ الْمُؤَثِّرَة وَقْفُهُ".
قلت: وهذا الحديث عند أبي داود٢ من طريق: شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن٣، عن مِقْسَم٤، عن ابن عباس به.
ومن هذا الطريق أخرجه: النسائي وابن ماجه في (سننيهما) ٥،
стр. 734
وأحمد في (مسنده) ١، وابن الجارود في (المنتقى) ٢، والطبراني في (الكبير) ٣، والحاكم في (مستدركه) ٤، والبيهقي في (سننه) ٥.
وأخرجه البيهقي في (سننه) ٦ من طريق مطر الوراق، عن الحكم ابن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعاً. لم يذكر فيه "عبد الحميد بن عبد الرحمن". قال البيهقي: "هكذا رواه جماعة عن الحكم، عن مقسم، وفي رواية شعبة، عن الحكم دلالةٌ على أن الحكم لم يسمعه من مقسم، إنما سمعه من عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد ... ". وقال أبو حاتم ﵀: "لم يسمع الحكم من مقسم هذا الحديث"٧.
قلت: لكن أثبت الإمام أحمد، ويحيى القَطَّان سماع الحكم هذا الحديث من مقسم، فقال أحمد: "لم يسمع الحكم حديث مقسم، كتاب، إلا خمسة أحاديث" وعَدَّهَا يحيى القطان: حديث الوتر، والقنوت، وعزمة الطلاق، وجزاء الصيد، والرجل يأتي امرأته وهي حائض٨. فلا مانع حينئذٍ أن يكون الحكم سمع الحديث من مقسم، وسمعه من عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مقسم، فرواه عنه مرةً بواسطة ومرةً بدون واسطة.
стр. 735
وقد رُوِيَ حديث مقسم هذا موقوفاً على ابن عباس، حتى أن شعبة نفسه قد تردد فيه، فرواه مرةً بالرفع ومرةً بالوقف، وأشار إلى ذلك أبو داود عقب إخراجه، فقال: "وَرُبَّمَا لم يرفعه شعبة".
فممن رواه موقوفاً غير شعبة: الأعمش، أخرجَ ذلك الدارمي في (مسنده) ١ من طريق: الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس موقوفاً.
ومنهم: ابن أبي ليلى، أخرجه الدارمي٢ - أيضاً - عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس، وعن ابن أبي ليلى، عن مقسم، عن ابن عباس٣.
أما شعبة: فقد أخرج الدارمي عن أبي الوليد٤، وعن سعيد بن عامر٥، كلاهما: عن شعبة، عن الحكم بالإسناد السابق، لكنه موقوف على ابن عباس، وقال شعبة عقبه: "أما حفظي فهو مرفوع، وأما فلانٌ فقالا: غير مرفوع". قال بعض القوم: حَدِّثْنَا بحفظك، ودع ما قال فلانٌ وفلانٌ، فقال: "والله ما أحب أني عمرت في الدنيا عمر نوحٍ، وأني حَدَّثْتُ بهذا أو سَكَتُّ عن هذا".
стр. 736
وقد مضت معنا روايات ابن الجارود من طريق شعبة مرفوعاً، وأحدها من طريق سعيد بن عامر عن شعبة، وذكر عقبه نحواً من قول شعبة الذي عند الدارمي، ثم روى ابن الجارود من طريق: بندار عن عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة موقوفاً، فقال رجل لشعبة: إنك كنت ترفعه؟! قال: "كنتُ مَجْنوناً فَصَحَّحْتُ"١. قال ابن القطان ﵀ معلقاً على مقالة شعبة الأخيرة: "نَظُنُّ أنه ﵁ لَمَّا أُكْثِرَ عليه في رفعه إياه تَوَقَّى رَفعه؛ لا لأنه موقوفٌ، لكن إبعاداً لِلظِنَّةِ عن نفسه. وأبعد من هذا الاحتمال: أن يكون شكَّ في رفعه في ثاني حالٍ فوقفه، فإن كان هذا فلا نُبالي بذلك أيضاً، بل لو نَسِيَ الحديث بعد أن حَدَّثَ به لم يضره.
فإن أبيت إلا أن يكون شعبةُ رجعَ عنه رفعه فاعلم أن غيره من أهل الثِّقَةِ والأمانة أيضاً قد رواه عن الحكم مرفوعاً – كما رواه شعبة فيما تقدم – وهو عمرو بن قيس الملائي، وهو ثقة ... "٢.
وقد رُوي من طرقٍ أخرى عن مقسم مرفوعاً:
منها: ما أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والترمذي في (جامعه) ٤، والدارمي وأحمد في (مسنديهما) ٥، والبيهقي في (سننه) ٦ من طرق،
стр. 737
عن: شريك، عن خُصَيف١، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعاً، ولفظه: "يَتَصَدَّقُ بِنِصفِ دينار".
وأخرجه الدارمي في (مسنده) ٢ من طريق: سفيان الثوري، عن خُصيف، عن ابن عباس مرفوعاً بمثله. وأخرجه أحمد في (مسنده) ٣ من هذا الطريق، لكن جعله عن مقسم عن النبي ﷺ مرسلاً، ثم قال: "وقال شريك: عن ابن عباس".
قلت: ورواية الدارمي له عن الثوري متصلاً توافق رواية شريك المتقدمة، فَتُقَدَّم على الرواية المرسلة.
ونقل ابن القيم عن ابن حزم أنه أَعَلَّ هذه الرواية بشريك وخُصيف، وقال: "كلاهما ضعيفٌ، فَسَقَطَ الاحتجاج به"، ثم نقل ابن القيم أقوال العلماء في الاحتجاج بشريك وخُصيف.
قلت: أما شريك: فقد تابعه الثوري عن خصيف كما تقدم، وأما خصيف: فإنه وإن تُكُلِّمَ فيه، فإن روايته تصلح للاعتبار، وليس الاعتماد عليها وحدها.
стр. 738
ومنها: ما أخرجه الترمذي في (جامعه) ١ من طريق: عبد الكريم٢، عن مقسم عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: " إِذَا كَانَ الدَّمُ أحمر فَدِينار، وإذا كان دَماً أصفر فنصف دينار". ومن هذا الطريق أخرجه كذلك: ابن ماجه في (سننه) ٣، والدارمي في (مسنده) ٤، وابن الجارود في (المنتقى) ٥، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٦. ولفظ الدارمي والدارقطني والبيهقي: " ... فإن كان الدَّم عبيطاً فليتصدق بدينار، وإن كان صُفْرَةً فليتصدق بنصف دينار". وعند ابن ماجه: " أمره النبي ﷺ أن يتصدق بنصف دينار". ولفظ ابن الجارود كلفظ حديث الحكم عن مقسم المتقدم.
وَرُوِي من طرق أخرى غير هذه عن مقسم، فهذه الروايات وغيرها تؤكد صحة رواية شعبة المرفوعة، على أنه لا مانع من كون ابن عباس ﵄ كان يرويه عن النبي ﷺ مرةً - وعلى هذا تحمل رواية الرفع - ومرةً كان يُفتي به من قوله، وعليه تُحمل رواية الوقف. وَقَدَّمَ ابن سيد الناس رواية الرفع فقال: "من رَفَعَهُ عن شعبة أَجَلُّ وأكثر وأحفظ ممن وقفه"٧.
стр. 739
وأما الاختلاف الذي وقع في متنه من قوله مرة: " دينار أو نصف دينار"، ومرةً " نصف دينار " ومرة التفرقة بين لون الدم وصفته: فإن أبا داود رَجَّحَ رواية الحكم ومن تابعه، والتي فيها: " دينار أو نصف دينار" فقال: "هكذا الرواية الصحيحة قال: دينار أو نصف دينار". وكأنَّ الإمام أحمد ﵀ أخذ بهذه الرواية، فقال: "هو مُخَيَّرٌ بين الدينار والنصف دينار"١. وقال ابن القطان عن هذه الألفاظ المختلفة: "وهذا عند التدين والتحقيق لا يضره"٢.
وبعد: فإن هذا الحديث قد صَحَّحَهُ جماعة من الأئمة منهم: أبو داود – كما يفهم من كلامه السابق -، ومال الإمام أحمد إلى تصحيح رواية الحكم بن عبد الحميد المتقدمة، فقال – فيما روى الخلال -: "ما أحسن حديث عبد الحميد" فقيل له: تذهب إليه؟ قال: "نعم"٣. ونقل ابن حجر عن الخطابي قوله: "الأصحُّ: أنه متصلٌ مرفوع"٤. وقال الحاكم: "صحيح" ووافقه الذهبي، وصححه ابن القَطَّان، فقال – متعقباً عبد الحق-: "ضَعَّفَهُ، وليس بضعيف، بل إما صحيح وإما حسن، وله طريق حسن"٥. وَصَحَّحَهُ ابن دقيق العيد، وَأَقَرَّ ابن القطان على تصحيحه٦. وَصَوَّبَ ابن حجر تصحيحه - بعد أن نقل كلام ابن
стр. 740
القطان وابن دقيق العيد-١. ثم قال: "فكم من حديث قد احتجوا به فيه من الاختلاف أكثر مما في هذا، كحديث "بئر بضاعة"،"وحديث القلتين"ونحوهما. وفي ذلك ما يَرَدُّ على النووي في دعواه في (شرح المهذب) ، (والتنقيح) ، (والخلاصة) : أن الأئمة كُلَّهُم خالفوا الحاكم في تصحيحه ... ". وصَحَّحَهُ كذلك العلامة أحمد شاكر وتوسع في الكلام عليه واستيفاء طرقه٢. وكذا العلامة الألباني٣ ﵀.
فَثَبَتَ بذلك صحَّة الحديث، وأنه لا مجال لإعلالِهِ بروايةِ الوقف، وإن كان ابن القيم ﵀ قد قال بأنَّ ذلك هو علته المؤثرة، إلا أن ظاهر صنيعه يدلُّ على اختيار تصحيحه، فقد نقل أقوال بعض العلماء في تصحيحه، ونقل بعضاً من طرقه، وردَّ قول ابن حزم في إعلاله، كما تقدم نقل كلامه في ذلك.