وقد مضت معنا روايات ابن الجارود من طريق شعبة مرفوعاً، وأحدها من طريق سعيد بن عامر عن شعبة، وذكر عقبه نحواً من قول شعبة الذي عند الدارمي، ثم روى ابن الجارود من طريق: بندار عن عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة موقوفاً، فقال رجل لشعبة: إنك كنت ترفعه؟! قال: "كنتُ مَجْنوناً فَصَحَّحْتُ"١. قال ابن القطان ﵀ معلقاً على مقالة شعبة الأخيرة: "نَظُنُّ أنه ﵁ لَمَّا أُكْثِرَ عليه في رفعه إياه تَوَقَّى رَفعه؛ لا لأنه موقوفٌ، لكن إبعاداً لِلظِنَّةِ عن نفسه. وأبعد من هذا الاحتمال: أن يكون شكَّ في رفعه في ثاني حالٍ فوقفه، فإن كان هذا فلا نُبالي بذلك أيضاً، بل لو نَسِيَ الحديث بعد أن حَدَّثَ به لم يضره.
فإن أبيت إلا أن يكون شعبةُ رجعَ عنه رفعه فاعلم أن غيره من أهل الثِّقَةِ والأمانة أيضاً قد رواه عن الحكم مرفوعاً – كما رواه شعبة فيما تقدم – وهو عمرو بن قيس الملائي، وهو ثقة ... "٢.
وقد رُوي من طرقٍ أخرى عن مقسم مرفوعاً:
منها: ما أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والترمذي في (جامعه) ٤، والدارمي وأحمد في (مسنديهما) ٥، والبيهقي في (سننه) ٦ من طرق،
стр. 737
عن: شريك، عن خُصَيف١، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعاً، ولفظه: "يَتَصَدَّقُ بِنِصفِ دينار".
وأخرجه الدارمي في (مسنده) ٢ من طريق: سفيان الثوري، عن خُصيف، عن ابن عباس مرفوعاً بمثله. وأخرجه أحمد في (مسنده) ٣ من هذا الطريق، لكن جعله عن مقسم عن النبي ﷺ مرسلاً، ثم قال: "وقال شريك: عن ابن عباس".
قلت: ورواية الدارمي له عن الثوري متصلاً توافق رواية شريك المتقدمة، فَتُقَدَّم على الرواية المرسلة.
ونقل ابن القيم عن ابن حزم أنه أَعَلَّ هذه الرواية بشريك وخُصيف، وقال: "كلاهما ضعيفٌ، فَسَقَطَ الاحتجاج به"، ثم نقل ابن القيم أقوال العلماء في الاحتجاج بشريك وخُصيف.
قلت: أما شريك: فقد تابعه الثوري عن خصيف كما تقدم، وأما خصيف: فإنه وإن تُكُلِّمَ فيه، فإن روايته تصلح للاعتبار، وليس الاعتماد عليها وحدها.
стр. 738
ومنها: ما أخرجه الترمذي في (جامعه) ١ من طريق: عبد الكريم٢، عن مقسم عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: " إِذَا كَانَ الدَّمُ أحمر فَدِينار، وإذا كان دَماً أصفر فنصف دينار". ومن هذا الطريق أخرجه كذلك: ابن ماجه في (سننه) ٣، والدارمي في (مسنده) ٤، وابن الجارود في (المنتقى) ٥، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٦. ولفظ الدارمي والدارقطني والبيهقي: " ... فإن كان الدَّم عبيطاً فليتصدق بدينار، وإن كان صُفْرَةً فليتصدق بنصف دينار". وعند ابن ماجه: " أمره النبي ﷺ أن يتصدق بنصف دينار". ولفظ ابن الجارود كلفظ حديث الحكم عن مقسم المتقدم.
وَرُوِي من طرق أخرى غير هذه عن مقسم، فهذه الروايات وغيرها تؤكد صحة رواية شعبة المرفوعة، على أنه لا مانع من كون ابن عباس ﵄ كان يرويه عن النبي ﷺ مرةً - وعلى هذا تحمل رواية الرفع - ومرةً كان يُفتي به من قوله، وعليه تُحمل رواية الوقف. وَقَدَّمَ ابن سيد الناس رواية الرفع فقال: "من رَفَعَهُ عن شعبة أَجَلُّ وأكثر وأحفظ ممن وقفه"٧.
стр. 739
وأما الاختلاف الذي وقع في متنه من قوله مرة: " دينار أو نصف دينار"، ومرةً " نصف دينار " ومرة التفرقة بين لون الدم وصفته: فإن أبا داود رَجَّحَ رواية الحكم ومن تابعه، والتي فيها: " دينار أو نصف دينار" فقال: "هكذا الرواية الصحيحة قال: دينار أو نصف دينار". وكأنَّ الإمام أحمد ﵀ أخذ بهذه الرواية، فقال: "هو مُخَيَّرٌ بين الدينار والنصف دينار"١. وقال ابن القطان عن هذه الألفاظ المختلفة: "وهذا عند التدين والتحقيق لا يضره"٢.
وبعد: فإن هذا الحديث قد صَحَّحَهُ جماعة من الأئمة منهم: أبو داود – كما يفهم من كلامه السابق -، ومال الإمام أحمد إلى تصحيح رواية الحكم بن عبد الحميد المتقدمة، فقال – فيما روى الخلال -: "ما أحسن حديث عبد الحميد" فقيل له: تذهب إليه؟ قال: "نعم"٣. ونقل ابن حجر عن الخطابي قوله: "الأصحُّ: أنه متصلٌ مرفوع"٤. وقال الحاكم: "صحيح" ووافقه الذهبي، وصححه ابن القَطَّان، فقال – متعقباً عبد الحق-: "ضَعَّفَهُ، وليس بضعيف، بل إما صحيح وإما حسن، وله طريق حسن"٥. وَصَحَّحَهُ ابن دقيق العيد، وَأَقَرَّ ابن القطان على تصحيحه٦. وَصَوَّبَ ابن حجر تصحيحه - بعد أن نقل كلام ابن
стр. 740
القطان وابن دقيق العيد-١. ثم قال: "فكم من حديث قد احتجوا به فيه من الاختلاف أكثر مما في هذا، كحديث "بئر بضاعة"،"وحديث القلتين"ونحوهما. وفي ذلك ما يَرَدُّ على النووي في دعواه في (شرح المهذب) ، (والتنقيح) ، (والخلاصة) : أن الأئمة كُلَّهُم خالفوا الحاكم في تصحيحه ... ". وصَحَّحَهُ كذلك العلامة أحمد شاكر وتوسع في الكلام عليه واستيفاء طرقه٢. وكذا العلامة الألباني٣ ﵀.
فَثَبَتَ بذلك صحَّة الحديث، وأنه لا مجال لإعلالِهِ بروايةِ الوقف، وإن كان ابن القيم ﵀ قد قال بأنَّ ذلك هو علته المؤثرة، إلا أن ظاهر صنيعه يدلُّ على اختيار تصحيحه، فقد نقل أقوال بعض العلماء في تصحيحه، ونقل بعضاً من طرقه، وردَّ قول ابن حزم في إعلاله، كما تقدم نقل كلامه في ذلك.
стр. 741
تابع للباب الثاني / من كتاب الصلاة
١- باب ما جاء في رفع اليدين عند افتتاح الصلاة
١٦- (١) عَنِ البَرَاءِ بن عازب ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا افْتَتَح الصلاة رفَعَ يديه إلى قريب من أُذُنَيْه، ثم لا يعود".
قال ابن القَيِّم ﵀: "ولم يصح عنه حديث البراء:"ثم لا يعود"، بل هي من زيادة يزيد بن أبي زياد"١.
وَبَيَّنَ ﵀ في موضع آخر أن الأئمة طعنوا في هذه الزيادة: ابن عيينة، وأحمد، وابن معين، والحميدي، والدارمي، وغيرهم، وذكر أن يزيداً قد اضطرب فيه، ثم قال: "فلو قُدِّرَ أنه من الحفاظ الأثبات - وقد اخْتَلَفَ حديثه - لَوَجَبَ تركه والرجوع إلى الأحاديث الثابتة التي لم تختلف، مثل حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه ونحوها. فمعارضتها بمثل هذا الحديث الواهي المضطرب المختلف في غاية البطلان"٢.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣ من طريق: شريك. وعبد الرزاق في (مصنفه) ٤ - ومن طريقه الخطيب في (الفصل للوصل المدرج في النقل) ٥ - من طريق: ابن عيينة. والدارقطني في
стр. 742
(سننه) ١ من طريق: إسماعيل بن زكريا٢ - ومن طريقه - الخطيب٣ أيضاً - كلهم عن:
يزيد بن أبي زياد٤، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى٥، عن البراء بن عازب ﵁ به. واللفظ الماضي هو لفظ أبي داود. ولفظ الدارقطني، عن البراء: " أنه رأى رسول الله ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه حتى حاذى بهما أذنيه، ثم لم يَعُدْ إلى شيء من ذلك حتى فرغ من صلاته". أما لفظ عبد الرزاق فقال البراء: " كان رسول الله ﷺ إذا كَبَّرَ رَفَعَ يديه حتى يُرى إبهامه قريباً من أذنيه، مرة واحدة، ثم لا تَعُدْ لرفعها في تلك الصلاة".
وقد حَكَمَ الأئمة ﵏ ببطلان هذه الزيادة، وهي قوله: " ثم لم يَعُدْ ... ". ورأوا أن هذه اللفظة من قول يزيد بن أبي زياد، وقد اسْتُدِلَّ على ذلك بأمور:
- منها: أن الأئمة الحفاظ الذين رووا عنه هذا الحديث أولاً لم يأتوا عنه بهذه الزيادة؛ قال أبو داود عقب الحديث: "وروى هذا
стр. 743
الحديث: هشيم، وخالد، وابن إدريس، عن يزيد، لم يذكروا: ثم لا يعود". وقال البخاري: "وكذلك روى الحفاظ، من سمع يزيد بن أبي زياد قديماً، منهم: الثوري، وشعبة، وزهير، ليس فيه: ثم لم يعد"١. وقال ابن عبد البر: " ... فرواه عنه الثقات الحفاظ، منهم: شعبة، والثوري، وابن عيينة، وهشيم، وخالد بن عبد الله الواسطي، لم يذكر واحد منهم عنه فيه قوله: "ثم لا يعود ". وإنما قاله فيه عنه من لا يحتج به على هؤلاء"٢. ونصَّ على ذلك أيضاً الخطيب البغدادي٣.
أما رواية شعبة: فأخرجها الدارقطني في (سننه) ٤، وأحمد في (العلل) ٥، من طريق: شعبة، عن يزيد به، ولفظ أحمد: عن ابن أبي ليلى، أنه قال: "سمعت البراء يحدث قوماً فيهم كعب بن عجرة، قال: " رأيت رسول الله ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه ". ومثله لفظ الدارقطني، ولكنه زاد: " في أول تكبيرة ".
وأما رواية سفيان الثوري: فأخرجها البخاري في (رفع اليدين) ٦، وعبد الرزاق في (مصنفه) ٧، والدارقطني في (سننه) ٨، من طرق، عن:
стр. 744
الثوري، عن يزيد به. ولفظ البخاري: "كان النبي ﷺ يرفعُ يديه إذا كَبَّرَ حذاء أذنيه". وأما لفظ عبد الرزاق، والدارقطني: "كان رسول الله ﷺ إذا كبَّر رفع يديه حتى نرى إبهامه قريباً من أذنيه".
وأما حديث هشيم: فأخرجه الإمام أحمد في (مسنده) ١، من طريق: هشيم عن يزيد، ولفظه عن البراء: "رأيت رسول الله ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه".
وأخرج الدارقطني في (سننه) ٢ رواية خالد بن عبد الله٣، عن يزيد ابن أبي زياد به، وفيه عن البراء: "أَنَّه رَأَى رسول الله ﷺ حين قَام إلى الصَّلاة كبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْه ".
ويرويه كذلك مثل هؤلاء: أسباط بن محمد٤، أخرجه من طريقة: أحمد في (مسنده) ٥، والبيهقي في (سننه) ٦، وفيه: " ... حتى يكون إِبْهَاماهُ حذاء أذنيه ".
فهؤلاء الخمسة من الحفاظ الثبات، وغيرهم: رووه عن يزيد بن أبي
стр. 745
زياد بدون هذه الزيادة، وكانوا سمعوه منه قديماً.
وقد نصَّ الأئمة على أن يزيد قد لُقِّنَ هذه الزيادة بعدُ، فقد أخرجه الحميدي في (مسنده) ١ من طريق ابن عيينة بدون هذه الزيادة، قال سفيان: "وقدم الكوفة، فسمعه يُحَدِّثُ به، فزاد فيه: ثم لا يعود. فظننت أنهم لَقَّنُوه، وكان بمكة يومئذ أحفظ منه يوم رأيته بالكوفة، وقالوا لي: إنه قد تغيَّرَ حفظه، أو ساء حفظه". قال الإمام الشافعي: "وذهب سفيان إلى أن يُغَلِّطَ يزيد في هذا الحديث، ويقول: كأنه لُقِّنَ هذا الحرف الآخر فتلقنه، ولم يكن سفيان يرى يزيد بالحافظ"٢. وأَعَلَّهُ الإمام أحمد بقول سفيان هذا٣ وكذا ابن حبان٤. وقال الدارقطني: "وإنما لُقِّنَ يزيد في آخر عمره: (ثم لم يعد) . وكان قد اختلط"٥.
ولما كان جمع من الأئمة الأثبات - الذين تقدم ذكرهم - قد رووه عن يزيد بدون هذه الزيادة، دل ذلك على صحة ما قاله ابن عيينة ﵀، وغيره من الأئمة.
- وَمِمَّا يَدُلُّ على ضَعْفِ حديث البراء بهذه الزيادة أيضاً: أنه قد اضطُربَ في متنه وإسناده؛ فقد رُوِيَ عنه ما ينقض روايته الأولى،
стр. 746
فأخرج البيهقي في (سننه) ١، من طريق:
إبراهيم بن بشار٢، عن ابن عيينة، عن يزيد بن أبي زياد بمكة، عن ابن أبي ليلى ... به، وفيه: " رَأَيْتُ النبي ﷺ إذا افْتَتَحَ الصَّلاة رَفَعَ يَدَيْهِ، وإذا أَرَادَ أَنْ يركع، وإذا رَفَعَ رَأْسَه من الركوع ". وذكر سفيان أنه لما قدم الكوفة وجده قد زاد فيه هذه الزيادة.
فيكون حديث يزيد قد رُويَ بذلك على ثلاثة أوجه، ولاشك أن هذه اضطراب في حديثه، يدل على عدم ضبطه له، وعدم إتقانه إياه. وقد نصَّ الحازمي على اضطرابه، فقال: " ... هذا الحديث يُعْرَفُ بيزيد ابن أبي زياد، وقد اضطرب فيه"٣.
أما اضطراب سنده: فقد أشار إليه البيهقي ﵀، فقال: "قد روى هذا الحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء ... وقيل: عن محمد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى. وقيل: عنه، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى ... "٤.
стр. 747
قلت: وقد أخرج رواية عيسى بن أبي ليلى: أبو داود في (سننه) ١، وعَلَّقَه البخاري في (رفع اليدين) ٢ كلاهما: عن وكيع، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى٣، عن أخيه عيسى٤، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى - كذا قال أبو داود، وعند البخاري: عن عيسى والحكم، عن ابن أبي ليلى - عن البراء قال: " رأيت رسول الله ﷺ رفع يديه حين افتتح الصلاة ثم لم يرفعها حتى انصرف ". سياق أبي داود. قال أبو داود عقبة: "هذه الحديث لا يصح". وقال البيهقي - حينما أشار إلى هذه الرواية -: "ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى لا يحتج بحديثه، وهو أسوأ حالاً عند أهل المعرفة بالحديث من يزيد بن أبي زياد"٥.
- ومن الأدلة - أيضاً - على غَلَطِ يزيد فيه، وعدم ضبطه، وأنه أُدْخِلَ عليه فيه: أنه صَرَّحَ مرة بعدم حفظه لهذه الزيادة، ورجوعه عنها؛ فأخرجه الدارقطني في (سننه) ٦ من طريق: علي بن عاصم، عن محمد بن أبي ليلى، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء ... فذكره وفيه الزيادة، قال علي: فلما قَدِمْتُ الكوفة، قيل لي: إن
стр. 748
يزيد حيٌّ، فأتيته، فَحَدَّثَنِي بهذا الحديث - فساقه بإسناده بدون الزيادة - قال علي بن عاصم: فقلت له: أخبرني ابن أبي ليلى أنك قلت: (ثم لم يعد) . قال: لا أحفظ هذا. فعاودته، فقال: ما أحفظه.
وهذا الإسناد وإن كان فيه ابن أبي ليلى، فإن سياقه بهذه القصة يدل على أنه إنما ضبطه وحفظه.
والمقصود: أن الأئمة قد أجمعوا على ضَعْفِ حديث البراء بهذه الزيادة، وقد تَقَدَّمَ معنا قول ابن عيينة، والشافعي، والبخاري، وأبي داود. وقال الحميدي: "إنما روى هذه الزيادة يزيد، ويزيد يزيد"١. وقال عثمان الدارمي: "سألت أحمد بن حنبل ﵀؟ فقال: لا يصح عنه هذا الحديث"٢. وساق الدارمي الحديث بدون الزيادة ثم قال: "فهذا الذي يسبق القلب إلى صحته عن يزيد"٣.
وقال ابن حبان: "هذا خبر عَوَّلَ عليه أهل العراق في نفي رفع اليدين في الصلاة عند الركوع، وعند رفع الرأس منه، وليس في الخبر: (ثم لم يَعُد) . وهذه الزيادة لَقَّنَها أهل الكوفة يزيد بن أبي زياد في آخر عمره، فَتَلَقَّنَ ... ومن لم يكن العلم صناعته لا يُذكر له الاحتجاج بما يشبه هذا من الأخبار الواهية"٤. وقال الدارقطني - بعد أن أخرجه بدون الزيادة-:
стр. 749
"وهذا هو الصواب"١. وضعَّفَهُ الحازمي باضطراب يزيد كما سبق نقل كلامه. وقال ابن عبد البر: "المحفوظ في حديث يزيد ... : "كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة، رفع يديه في أول مرة ... " وأما قول من قال فيه: ثم لا يعود. فخطأ عند أهل الحديث"٢. وقال المنذري: "في إسناده: يزيد بن أبي زياد ... ولا يحتجُّ بحديثه"٣. وقال أبو بكر الخطيب البغدادي: "ذِكْرُ ترك العَوْدِ إلى الرفع ليس بثابت عن النبي ﷺ "٤. وقد أدخله ﵀ في كتابه المصنف في المدرج، وحَكَمَ على هذه اللفظة بالإدراج. وقال ابن الملقن: "حديث ضعيف باتفاق الحفاظ: كسفيان بن عيينة، والشافعي، وعبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والدارمي، والبخاري، وغيرهم"٥.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي- بعد أن ذَكَرَ ضَعف هذا الحديث-: "ولو صحَّ عن البراء أنه قال: "كان رسول الله ﷺ لا يرفع يديه إلا أول مرة ". وقال غيره: إنه عاد لرفعهما، كان أولى الحديثين أو يُؤْخذ به حديث صاحب الرؤية؛ لأنه لم يَقْدِرْ على الحكاية إلا بالرؤية الصحيحة والحفظ، والذي قال: لم أر، يمكن أنه عاد ولم يره"٦.
стр. 750
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن ما ذهب إليه ابن القَيِّم ﵀ من عدم صِحَّةِ هذا الحديث بهذه الزيادة: هو الصحيح، وهو اختيار جمهور الأئمة ممن قَدَّمْنَا ذكرهم، ولذلك لا تُعَارض الأحاديث الصحيحة في إثبات الرفع بمثل هذا الحديث المعلول، والله أعلم.
стр. 751
٢- باب ما يقال من الدعاء في افتتاح الصلاة
١٧- (٢) "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ، ولا إِلَهَ غَيْرُكَ".
ذكر ابن القَيِّم هذا الحديث مُصَدِّراً إيَّاه بصيغة التمريض "رُوِيَ"، ثم قال: "ذكر ذلك أهل السنن من حديث: علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد.
على أنه رُبَّمَا أُرْسِلَ. وقد رُوِيَ مثله من حديث عائشة ﵂، والأحاديث التي قبله أثبت منه١، ولكن صحَّ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يستفتح به في مقام النبي ﷺ ويجهر به، ويُعَلِّمُهُ الناس"٢.
وقال مرةً: "اختار أحمد حديث عمر في الاستفتاح، وقد روى أبو سعيد عن النبي ﷺ وليس بصحيح؛ لأن رواية علي بن علي الرفاعي٣، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد، وقد قال الإمام أحمد: وعلي بن علي لا يُعْبَأُ به ... "٤.
стр. 752
قلت: حديث أبي سعيد هذا أخرجه: أصحاب السنن الأربعة١ وأحمد والدارمي في (مسنديهما) ٢، وعبد الرزاق في (مصنفه) ٣، وابن خزيمة في (صحيحه) ٤، والدارقطني في (سننه) ٥، والطبراني في (الدعاء) ٦، كلهم من طريق:
جعفر بن سليمان٧، عن علي بن علي٨ الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي٩، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ إذا قام
стр. 753
من الليل كَبَّر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدُّكَ، ولا إله غيرك " ثم يقول: " لا إله إلا الله" ثلاثاً، ثم يقول: " الله أكبر كبيراً" ثلاثاً، "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من هَمْزِه وَنَفْخِهِ ونَفْثِهِ" ثم يقرأ.
هذا سياق أبي داود، وهو كذلك عند أحمد، وابن خزيمة، وعبد الرزاق، إلا أن عند بعضهم اختلافاً يسيراً. ولفظ الترمذي، والدارمي مثلهم، ما عدا قوله: "ثم يقول: لا إله إلا الله" ثلاثاً. أما النسائي، وابن ماجه، والطبراني: فهو عندهم مختصر، ولفظه: "كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك الله وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
وحاصل ما ذكره ابن القَيِّم في إعلال هذا الحديث ما يلي:
أولاً: أنه رُبَّما رُوِيَ مرسلاً. وقد سبقه إلى ذلك أبو داود ﵀ فقال عقب إخراجه: "وهذا الحديث يقولون: هو عن علي بن علي، عن الحسن مرسلاً الوهم من جعفر".
ثانياً: أنه من رواية علي بن علي الرفاعي، وهو مُتَكَلَّمٌ فيه، قال الترمذي: "وقد تُكُلِّمَ في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي، وقال أحمد: لا يَصِحُّ هذا الحديث".
стр. 754
والجواب عن ذلك:
- أما القول بأنه يُروى مرسلاً: فلم أجد من ذكر هذه العلة إلا أبا داود، ومع ذلك فإنه لم يجزم بها، بل قال: "يقولون ... "، وكذا ابن القَيِّم، فإنه قال: "على أنه ربما أُرْسِلَ".
- وأما كون "علي بن علي الرفاعي" متكلماً فيه: فقد قال الشيخ الألباني١:"وعليٌّ هذا وإن تَكَلَّمَ فيه يحيى بن سعيد، فقد وَثَّقَه يحيى بن معين، ووكيع، وأبو زرعة، وقال شعبة: اذهبوا بنا إلى سيدنا وابن سيدنا علي بن علي الرفاعي. وقال أحمد: لم يكن به بأس إلا أنه رَفَعَ أحاديث"٢. قال الشيخ الألباني - معقباً على مقالة الإمام أحمد -: "وهذا لا يوجب إهدار حديثه، بل يُحتجُّ به حتى يظهر خطؤه، وهنا ما روى شيئاً منكراً، بل تُوبِع عليه كما سبق"٣. يشير الشيخ إلى حديث عائشة، وسيأتي.
قلت: فَتَبَيَّنَ من ذلك أن ما أُعِلَّ به هذا الحديث ليس بشيء، وأن الحديث بهذا الإسناد لا يقل عن رتبة الحسن؛ ولذلك جعله الإمام البغوي في قسم الحسن من (مصابيحه) ٤ وبهذا حَكَمَ عليه الحافظ
стр. 755
ابن حجر١رحمه الله. وكذا حسَّنَهُ الشيخ الألباني ﵀، فقال - عقب نقل الترمذي تضعيف على الرفاعي، وأن أحمد لم يصحح الحديث -: "ولعلَّ هذا لا ينفي أن يكون حسناً؛ فإن رجاله كلهم ثقات"٢. وصححه الشيخ أحمد شاكر٣.
ولما ضَعَّفَ ابن خزيمة الأحاديث الواردة في ذلك قال: "وأحسن إسناد نعلمه رُوِيَ في هذا: خبر أبي المتوكل، عن أبي سعيد"٤.
قلت: ففيه أن هذا الحديث وإن تُكُلِّمَ فيه، فإن أمره مُحْتَمَلٌ، وأنه قابلٌ للتَّقَوِّي بغيره، وسيأتي له شواهد، منها ما أشار إليه ابن القَيِّم ﵀ بقوله: "وقد رُوِيَ مثله من حديث عائشة ﵂"٥.
وقد رُوِيَ حديث عائشة هذا من طرق لا تخلو جميعها من ضعف، لكن بانضمامها تصل إلى درجة الحسن كما حكم بذلك الشيخ الألباني.
стр. 756
فإذا انضمَّ حديث عائشة هذا بطرقه إلى حديث أبي سعيد الْمُتَقَدِّم، ازداد الحديث قوةً وتماسك، وقد يصل بذلك إلى رتبة الصحيح، كما قال الشيخ الألباني رحمه الله١.
فالحاصل: أن ابن القَيِّم ﵀ ذهب إلى تضعيف حديث أبي سعيد، فَصَدَّره بصيغة التمريض: "رُوِيَ"، ثم أَعَلَّهُ بأنه يُروى مرسلاً، ثم صَرَّح بضعفه فقال "ليس بصحيح؛ لأنه من رواية علي بن علي الرفاعي".
ثم أشار ﵀ إلى أنه قد رُوِيَ مثله من حديث عائشة ﵂، وكأنه يضعفه أيضاً؛ حيث صَدَّرَه بقوله: "وقد رُوي مثله ... " كذا بصيغة التمريض.
وقد ظهر لي من هذه الدراسة: أن الحديث يصل بمجموع طرقه إلى درجة الحسن على أقل تقدير، وأنَّ من ضَعَّفَه لم يُقِمْ على ذلك دليلاً ظاهراً، ولا بينة قوية.
غير أنني أعود فأقول: كأن ابن القَيِّم ﵀ لا يريد أن الحديث ضعيف مطلقاً، وإنما هو أدنى رتبة من الأحاديث الأخرى
стр. 757
الواردة في افتتاح الصلاة. يظهر ذلك من قوله: "والأحاديث التي قبله أثبت منه، ولكن صَحَّ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يستفتح به في مقام النبي ﷺ ويجهر به، ويعمله الناس"١، والله تعالى أعلم.
стр. 758
٣- باب من قال: لا يقرأ خلف الإمام فيما يجهر فيه إلا بفاتحة الكتاب
١٨- (٣) عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كُنَّا خَلْفَ رسول الله ﷺ في صلاة الفجر فقرأ رسول الله ﷺ ، فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: " لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟ "قلنا: نعم، هذّاً١ يا رسول الله، قال: " لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنَّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
قال ابن القَيِّم ﵀: "وأُعِلَّ هذا الحديث بأن ابن إسحاق رواه عن مكحول وهو مدلس، ولم يُصَرِّحْ بسماعه من مكحول، وإنما عَنْعَنَه، والمدلس إذا عَنعن لم يحتج بحديثه، وكذلك رواه أبو داود. قال البيهقي: وقد رواه إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، فذكر سماعه فيه من مكحول، فصار الحديث بذلك موصولاً صحيحاً٢. وقد رواه البخاري في كتاب (القراءة خلف الإمام) وقال: هو صحيح، ووثق ابن إسحاق وأثني عليه واحتج بحديثه فيه، ثم رواه من غير حديث ابن إسحاق أيضاً، وقال: هو صحيح"٣.
стр. 759
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ١، والترمذي في (جامعه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣، والبخاري في (جزء القراءة) ٤، وابن حبان في (صحيحه) ٥، والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٦، والحاكم في (المستدرك) ٧، من طرق عن:
محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت ﵁ به، واللفظ المذكور لفظ أبي داود، وألفاظ الباقين بنحوه.
وقد أُعِلَّ هذا الحديث كما مضى في كلام ابن القَيِّم، وحاصل ما أُعِلَّ به:
١- عنعنة ابن إسحاق وهو مُدَلِّس.
٢- الاضطراب في إسناده.
وذكر ابن القَيِّم من ذلك: العلة الأولى فقط وأجاب عنها، وسأبين ذلك بعون الله وتوفيقه.
أما العلة الأولى؛ وهي عنعنة ابن إسحاق: فقد أجاب عنها
стр. 760
الحافظ البيهقي - ونقله ابن القَيِّم - بأن إبراهيم بن سعد١ رواه عن ابن إسحاق فذكر فيه سماع ابن إسحاق من مكحول، فانتفت بذلك شبهة التدليس عن ابن إسحاق.
وقد أخرج رواية إبراهيم بن سعد هذه: الدارقطني في (سننه) ٢ من طريق: عبيد الله بن سعد، عن عمه، عن أبيه، عن ابن إسحاق، قال: حدثني مكحول ... فذكره، وفيه: " إِنِّي لأَرَاكُمْ تَقْرَأُون خَلْفَ إِمَامِكُم إِذَا جَهَرَ؟ ".
وأخرجه البيهقي٣ من طريق الدارقطني، ثم قال عقبه: "قال علي ابن عمر - يعني الدارقطني -: هذا إسناد حسن". ولم أجد هذه العبارة في (سنن الدارقطني) عقب هذا الحديث، وإنما قالها الدارقطني عقب الحديث الماضي الذي فيه عنعنة ابن إسحاق٤، وقد تَعَقَّبَ ابن التركماني البيهقي بذلك٥.
ولكن هذا الإسناد إلى ابن إسحاق ثقات لا مطعن فيهم؛ فإن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، أبا الفضل البغدادي قاضي أصبهان: "ثقة"٦. وعمه: هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد، وأبو يوسف المدني:
стр. 761
"ثقة فاضل"١، وإبراهيم بن سعد: "ثقة حجة" كما مضى معنا. فهو إسناد قوي ينجبر به الطريق الآخر الذي فيه عنعنة ابن إسحاق.
وأما العلة الثانية؛ وهي القول بالاضطراب: فقد أعله بذلك ابن عبد البر فقال: "أما حديث ابن إسحاق: فرواه الأوزاعي، عن مكحول، عن رجاء بن حيوة، عن عبد الله بن عمرو قال: صلينا مع النبي ﷺ ، فلما انصرف قال لنا: " تقرأون القرآن إذا كنتم معي في الصلاة؟ " قلنا: نعم. قال: " فلا تفعلوا إلا بأم القرآن". ورواه زيد بن خالد٢، عن مكحول، عن نافع بن محمود، عن عبادة ... ومثل هذا الاضطراب لا يثبت فيه عند أهل العلم بالحديث شيء"٣. وحكى صاحب (الجوهر النقي) ٤ شيئاً من هذا الاضطراب مستشهداً بكلام ابن عبد البر.
والجواب عن ذلك:
стр. 762
الإسناد، قال نافع بن محمود: أبطأً عبادة عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم الْمُؤَذِّن الصلاة، فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم ... فذكره، وفي آخره قوله ﷺ : " ... فلا تقرأوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن".
وقد أعلَّ ابن عبد البر هذه الرواية بجهالة نافع بن محمود، مع عَدِّه ذلك من الاضطراب في الحديث١.
وأقول: إن نافعاً روى عنه اثنان: مكحول الشامي - أحد أئمة أهل الشام - وحرام بن حكيم الأنصاري الدمشقي٢، وَوَثقَه ابن حبان٣، ولم يُعْرَفْ فيه جرحٌ لأحد، ولم يُطَّلَعْ فيه على ما يُترك حديثه لأجله، ومثله إذا لم يأت بما يُنكر عليه فإنه يُقْبل حديثه، وقد قال الدارقطني - عقب إخراجه -: "كلهم ثقات".
ولم ينفرد زيد بن واقد - مع ذلك - برواية هذا الحديث عن مكحول، عن نافع بن محمود، بل تابعه عليه: يزيد بن يزيد بن جابر٤، عن مكحول، عن نافع، عن عبادة به، أخرج ذلك البيهقي في (القراءة خلف الإمام) ٥.
стр. 763
وتُوبِعَ مكحول - أيضاً - على هذه الرواية، فقد تابعه حرام بن حكيم، عن نافع بن محمود، عن عبادة به، أخرجه: البخاري في (جزء القراءة) ١، والدارقطني في (سننه) ٢، والبيهقي في (السنن) ٣، وفي (القراءة خلف الإمام) ٤، كلهم من طريق: زيد بن واقد، عن مكحول وحرام بن حكيم، كلاهما: عن نافع بن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت به.
قال الدارقطني: "هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم". وقال البيهقي: "وهذا إسناد صحيح، ورواته ثقات". قاله في كتاب (القراءة خلف الإمام) .
ثم وجدت متابعة أخرى لمكحول، فقد تابعه عثمان بن أبي سودة٥، أخرج ذلك الدارقطني في (سننه) ٦ من طريق: صدقة بن خالد، عن زيد بن واقد، عن عثمان بن أبي سودة، عن نافع بن محمود، عن عبادة به. وراويه عن صدقة هو: يحيى بن عبد الله بن الضحَّاك البابلتي، وهو "ضعيف"٧، لكنه إذا انضم إلى الطريقين السابقين حصل بمجموع ذلك للحديث قوة.
فَتَبَيَّنَ من ذلك ثبوت الحديث بهذا الإسناد، وأنه يَقْوَى بمتابعة:
стр. 764
يزيد بن جابر لزيد بن واقد، ثم بمتابعة: حرام بن حكيم وعثمان بن أبي سودة لمكحول.
فإذا تقرر ذلك فيمكن القول بأنه: ليس في رواية "نافع بن محمود" هذه مخالفة لرواية "محمود بن الربيع" المتقدمة، وأن الاضطراب لا وجود له، بل الأمر على ما قال البيهقي ﵀: "مكحول سمع هذا الحديث من محمود بن الربيع ومن ابنه١ نافع بن محمود بن الربيع، ونافع ابن محمود وأبوه محمود بن الربيع سمعاه من عبادة بن الصامت ﵁"٢. وقال ابن حزم ﵀: "وأما رواية مكحول هذا الخبر مرة عن محمود ابن الربيع ومرة عن نافع: فهذا قوة للخبر لا وهنٌ؛ لأن كليهما ثقة"٣.
وحينئذٍ نقول: إن رواية زيد بن واقد هذه بطرقها، وبمتابعة يزيد بن جابر له فيها تعدُّ متابعة قويةً لرواية محمد بن إسحاق المتقدمة، هذا مع تصحيح جماعة من الأئمة لحديث ابن إسحاق، قال الترمذي: "حديث حسن". وقال الدارقطني: "هذا إسناد حسن". وقال الخطابي: "إسناده جيد، لا مطعن فيه"٤. وقال الحاكم عنه وعن غيره من الروايات: "أسانيدها مستقيمة". وقال البيهقي: "صحيح وله شواهد"٥. وقال ابن حجر:
стр. 765
"أخرجه أبو داود بإسناد رجاله ثقات"١. وقال الشيخ أحمد شاكر: "حديث صحيح لا عِلَّة له"٢. حتى إن أبا عمر بن عبد البر ﵀ الذي أَعَلَّه في (تمهيده) بأنه مضطرب، وبأن نافع بن محمود مجهول، قال في (الاستذكار) ٣: "وحديث عبادة من رواية مكحول وغيره متصل مسند من رواية الثقات"! فلم يبق بذلك قدح في هذا الحديث بالاضطراب ولله الحمد.
٢- وأما الرواية التي ذكرها ابن عبد البر مُسْتَدِلاً بها على اضطراب الحديث، وهي: رواية الأوزاعي، عن مكحول، عن رجاء بن حيوة، عن عبد الله بن عمرو، فأقول:
المشهور عن الأوزاعي في ذلك ما أخرجه البيهقي في (القراءة خلف الإمام) ٤ من طريق الأوزاعي، حدثني عمرو بن سعد٥، حدثني رجاء بن حيوة، وعن الأوزاعي، عن عمرو بن سعد، عن عمرو بن شعيب، كلاهما: عن عبادة بن الصامت مرفوعاً. قال البيهقي: "والروايتان صحيحتان، فقد رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عمرو بن سعد عنهما". ثم ساقه بإسناده إلى الوليد. ثم رواه البيهقي ﵀ بالإسناد نفسه إلى عمرو بن شعيب متصلاً، فقال: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عبادة. ثم أشار البيهقي بعد ذلك إلى الرواية التي ذكرها ابن عبد البر، فقال: "وقيل: عن الأوزاعي، عن مكحول، عن
стр. 766
رجاء، عن عبد الله بن عمرو. والمحفوظ ما ذكرنا إسناده"١.
فَعُلِمَ بذلك أن المحفوظ في هذا عن الأوزاعي ما تقدم: عنه، عن عمرو ابن سعد، عن رجاء، وهو إسناد لا غبار عليه، لاسيما إذا انضم إليه طريق عمرو بن شعيب، وحينئذ تكون هذه الطريق متابعة أخرى لمحمود بن الربيع، عن عبادة؛ مما يزيد في قوته، ولا يكون ذلك من قبيل الاضطراب أبداً.
ثُمَّ إن حديث عبادة هذا أصله في صحيحي (البخاري) ٢ (ومسلم) ٣ مختصراً، وذلك من طريق: الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِفَاتِحَة الْكِتَاب".
قال الإمام البخاري: "والذي زاد مكحول، وحرام بن حكيم، ورجاء بن حيوة عن ابن الربيع، عن عبادة، فهو تبع لما روى الزهري قال: حدثني محمود بن الربيع، أن عبادة أخبره عن النبي ﷺ ... "٤.
وقال البيهقي: "ورواية الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة ابن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وإن كانت مختصرة، فهي لرواية ابن إسحاق شاهدة"٥.
стр. 767
وقال الحافظ ابن حجر: "والظاهر أن حديث الباب - يعني حديث الزهري - مختصر من هذا - يعني من حديث ابن إسحاق الذي معنا - وكان هذا سببه والله أعلم"١.
قلت: وسواء أكان مختصراً منه أم كان مغايراً له، فإنه يشهد له ويُقَوِّيه، ويثبتُ أن له أصلاً؛ فالحديثان اشتركا في قوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". ولكن أحدهما جاء مُطَوَّلاً فَذُكِرَ فيه قصة كانت سبب هذا القول منه ﷺ ، ورواية الصحابي الحديث مرة مطولاً ومرة مختصراً مشهور.
ولهذا الحديث شاهد أشار إليه ابن القَيِّم في (تهذيب السنن) ٢ من رواية البيهقي من طريق: سفيان الثوري، عن خالد الْحَذَّاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة٣، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "لعلكم تقرأون والإمام يقرأ؟ ". قالوا: إنا لنفعل. قال: "فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب".
ثم نقل ابن القَيِّم عن البيهقي قوله: "وهذا إسناد صحيح، وأصحاب النبي ﷺ كلهم ثقة، فترك ذكر أسمائهم في الإسناد لا يَضُرُّ إذا لم يعارضه ما هو أصح منه، ولكن لهذا الحديث علة، وهي: أن أيوب خالف فيه خالداً ورواه عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ مرسلاً ... "٤.
стр. 768
وقد ذكر الدارقطني في (علله) ١ روايات هذا الحديث، ووجوه الاختلاف فيه على خالد الحذاء، ثم قال: "والمرسل أصح". يعني: عن ابن أبي عائشة عن النبي ﷺ .
قلت: وهذا المرسل يشهد لحديث عبادة بن الصامت المتقدم ويشد من أزره، وقد جعله البيهقي٢، ثم ابن حجر٣ من شواهده.
فتَحَصَّل من ذلك: أن حديث عبادة بن الصامت صحيح بطرقه وشاهده، مع تصحيح من صححه من الأئمة الذين نقلتُ أقوالهم.
وابن القَيِّم ﵀ يميل إلى صحة الحديث، فقد ذكر كلام البيهقي في الرد على من زعم أن الحديث معلول بعنعنة ابن إسحاق. ولكنه لم يتعرض لكلام من أعله بالاضطراب، وقد بينت ذلك ولله الحمد. ثم ساق له ابن القَيِّم هذا الشاهد المرسل من حديث ابن أبي عائشة.
وأما ما نقله ابن القَيِّم عن البيهقي من تصحيح البخاري هذا الحديث في (جزء القراءة) فلم أقف عليه فيه، وقد روى الحديث في مواضع منه - كما مضى - ولم يعقبه بشيء، نعم أثنى على ابن إسحاق هناك وعَدَّلَه ونقل كلام الأئمة في الثناء عليه.
стр. 769
٤- باب ترك القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه
١٩- (٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ انْصَرَفَ من صلاة جَهَرَ فيها بالقراءة، فقال: " هَلْ قَرَأ مَعِي أَحَدٌ مِنكم آنفاً؟ فقال رجل: نَعَم يا رسول الله، قال: " إِِّني أَقُولُ: مَا لِي أَنَازَعُ١ القرآن؟ ". قَالَ: فانتهى الناس عن القراءة مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات حين سَمِعوا ذَلِكَ مِن رسول الله ﷺ .
قال ابن القَيِّم ﵀: "وقد أَعَلَّ البيهقي٢ هذا الحديث بابن أُكَيْمَةَ، وقال: تَفَرَّدَ به وهو مجهول، ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أن رآه يُحَدِّثُ سعيد بن المسيب. واختلفوا في اسمه، فقيل: عمارة. وقيل: عمار، قاله البخاري.
وقوله: "فانتهى الناس عن القراءة" من قول الزهري، قاله محمد ابن يحيى الذُّهْليّ - صاحب (الزهريات) - والبخاري، وأبو داود. واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي، حين مَيَّزَه من الحديث، وجعله من قول الزهري. قال: وكيف يكون ذلك من قول أبي هريرة، وهو يأمر بالقراءة خلف القراءة فيما جهر فيه وما خَافَتَ؟ "٣.
ثم أخذ ابن القَيِّم ﵀ في الجواب على ما ذكره
стр. 770
البيهقي ﵀ من عللٍ لهذا الحديث، وسيأتي بيان ذلك مفصلاً.
قلت: هذا الحديث أخرجه: مالك في (الموطأ) ١ عن الزهري، عن ابن أكيمة٢، عن أبي هريرة ﵁ باللفظ الذي ذكرته.
ومن طريق مالك أخرجه: أبو داود، والترمذي، والنسائي في (سننهم) ٣، وأحمد في (مسنده) ٤، والبخاري في (جزء القراءة) ٥، والبيهقي في (السنن) ٦، وألفاظهم جميعاً كلفظ مالك، إلا البخاري، فإنه عنده مختصر، ليس فيه قوله: "فانتهى الناس ... ".
وقد روى هذا الحديث الأوزاعيُّ قال: حدثني الزهري، عن سعيد ابن المسيب، أنه سمع أبا هريرة يقول ... فذكره. فجعل الأوزاعي سعيد ابن المسيب مكان ابن أكيمة، أخرجه كذلك البيهقي في (السنن) ٧، وأشار إليه أبو داود٨.
стр. 771
وقد نصَّ أبو حاتم الرازي على خطأ هذه الرواية١، ونَبَّهَ الخطيب البغدادي على وهم الأوزاعي في ذلك في كتابه (الفصل للوصل المدرج في النقل) ٢ فقال: "خالف أصحاب الزهري فيه وَوَهِمَ؛ لإجماعهم على خلافه ... وإنما دَخَل الوهم فيه على الأوزاعي لأنه سمع الزهري يقول: سمعت ابن أكيمة يُحَدِّثُ سعيد بن المسيب. فسبق إلى حفظه ذكر سعيد ابن المسيب، واستقرت روايته على ذلك والصحيح: أنه عن الزهري، عن ابن أكيمة الليثي". وقال أبو عمر بن عبد البر في (التمهيد) ٣: "ولا يختلف أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث لابن شهاب، عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة. وأن ذِكْرَ سعيد بن المسيب في إسناد هذا الحديث خطأ لا شكَّ عندهم فيه، وإنما ذلك عندهم لأنه كان في مجلس سعيد بن المسيب، فهذا وجهُ ذكر سعيد بن المسيب، لا أنه في الإسناد".
وهذه الرواية التي أشار إليها الخطيب، والتي أوقعت الأوزاعي في هذا الوهم: أخرجها البخاري في (جزء القراءة) ٤ من طريق يونس٥، عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يُحَدِّثُ سعيد بن المسيب يقول: سمعت أبا هريرة. فذكره بمثل لفظ مالك المتقدم.
وقد أخرجها أبو داود في (سننه) ٦، والإمام أحمد في (مسنده)
стр. 772
من طريق: ابن عيينة، عن الزهري، أنه سمع ابن أكيمة يحدث عن سعيد ابن المسيب، يقول: سمعت أبا هريرة يقول: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة يُظن أنها الصبح ...
وظاهر هذه الرواية: أن الزهري سمعه من ابن أكيمة عن سعيد بن المسيب، ولكن الصواب ما جاء في رواية البخاريّ: أنَّ الزهري سمعه من ابن أكيمة، عن أبي هريرة. وحَدَّثَ به ابن أكيمة ابن المسيب في حضرة الزهري. ورواية أحمد هذه خطأ كما نبَّه على ذلك العلامة أحمد شاكر، وبَيَّنَ أن نسخة عتيقة من (مسند أحمد) جاء الإسناد فيها بدون "عن"١. وصوَّب البيهقي ﵀ الرواية التي بدون "عن" فقال: "الصواب ما رواه ابن عيينة، عن الزهري قال: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، وكذلك قاله يونس بن يزيد الأيلي"٢.
أَمَّا مَا ذُكِرَ من علل لهذا الحديث ففيما يلي مناقشتها، وذكر الأجوبة عنها:
أولاً: قول البيهقي: إن ابن أكيمة مجهول، وقد تَفَرَّدَ به. ليس كذلك، بل إنه - كما قال ابن القَيِّم - "لا يُعْلَم أحدٌ قدح فيه، ولا جَرَحَهُ بما يوجب ترك حديثه". وقد ذكره ابن حبان في (الثقات) ٣، وقال أبو حاتم: "صحيح الحديث، حديثه مقبول"٤. وقال يحيى بن
стр. 773
سعيد: "ثقة"١. وقال ابن معين: "كفاك قول الزهري: سمعت ابن أكيمة يُحَدِّثُ سعيد بن المسيب"٢. وقال ابن عبد البر: "إصغاء سعيد بن المسيب إلى حديثه دليل على جلالته عندهم"٣.
هذه أقوال الأئمة في ابن أكيمة، وهو وإن لم يرو عنه غير الزهري، فإن وصف الجهالة يزول عنه بتوثيق هؤلاء الأئمة له، وثنائهم عليه.
وأما دعوى تفرده به: فليس كذلك أيضاً؛ فإنه حَدَّثَ به في حضرة ابن المسيب فأقره عليه ولم ينكره، فكان بذلك كالمتابع له، ولذلك قال ابن القَيِّم ﵀: "وقد حَدَّثَ بهذا الحديث ولم ينكره عليه أعلم الناس بأبي هريرة، وهو: سعيد بن المسيب"٤.
ثانياً: القول بأن قوله: "فانتهى الناس عن القراءة" من قول الزهري مدرجٌ في الحديث، وليس من كلام أبي هريرة: قد صرَّحَ بذلك غير واحد من الأئمة، منهم: محمد بن يحيى الذهلي - كما نقل ذلك أبو داود عنه٥ - والبخاري حيث قال: "وقوله: فانتهى الناس. من كلام الزهري، وقد بَيَّنَه لي الحسن بن صباح، قال: حدثنا مبشر، عن الأوزاعي،
стр. 774
قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقرأون فيما جهر"١. والخطابي في (معالم السنن) ٢، وبَيَّنَه - كذلك - الخطيب البغدادي في كتابه: (الفصل للوصل المدرج في النقل) ٣ فقال: "والصحيح: أنه كلام ابن شهاب الزهري". وكذا قال السيوطي في كتابه (المدرج) ٤.
قلت: ورواية الأوزاعي التي نسب فيها هذا الكلام للزهري: أخرجها البيهقي في (سننه) ٥، وقال: "حفظ الأوزاعي كون هذا الكلام من قول الزهري، ففصله عن الحديث".
وممن صرَّحَ بنسبة هذه الجملة للزهري أيضاً: سفيان بن عيينة، وذلك فيما رواه أبو داود من طريق عبد الله بن محمد٦ الزهري، أنه قال: "قال سفيان: وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها. فقال معمر: إنه قال: فانتهى الناس ... "٧.
فهذا غاية ما يمكن أن يتعلق به القائلون بالإدراج، وبأن هذا كلام الزهري، والحق أنه ليس ثمة دليل ظاهر يُسْتَنَد إليه في كون هذه اللفظة من كلام الزهري؛ فإن الروايات لم تتفق كلها على نسبة هذا القول للزهري.
стр. 775
فقد جاء في رواية ابن السَّرْح١ عند أبي داود٢:"قال معمر عن الزهري: قال أبو هريرة: فانتهى الناس ... ".
وجاء عند أبي داود - أيضاً - أن مُسَدَّدَاً قال في روايته: "قال معمر: فانتهى الناس عن القراءة ... ".
فهو مرويٌّ - كما نرى - من قول أبي هريرة، ومن قول معمر أيضاً.
قال ابن القَيِّم ﵀: "وأيُّ تنافٍ بين الأمرين، بل كلاهما صوابٌ، قاله أبو هريرة كما قال معمر، وقاله الزهري كما قال هؤلاء، وقاله معمر - أيضاً - كما قال أبو داود. فلو كان قول الزهري له عِلّةً في قول أبي هريرة، لكان قول معمر له علة في قول الزهري، وأن نجعل ذلك كلام معمر"٣.
قلت: وهذا كلام نفيس منه ﵀؛ فإن هذه الروايات تتفق ولا تتناقض، فقد جاءت هذه الجملة متصلة بالحديث من كلام أبي هريرةرضي الله عنه. وقد ثبت ذلك من رواية معمر، عن الزهري، عن أبي هريرة كما مضى. ورواها كذلك مالك ﵀ وكفى به - عن الزهري فلم يفصلها، وقد تلقى عنه هذه الرواية أصحاب الدواوين المشهورة