وقد نصَّ أبو حاتم الرازي على خطأ هذه الرواية١، ونَبَّهَ الخطيب البغدادي على وهم الأوزاعي في ذلك في كتابه (الفصل للوصل المدرج في النقل) ٢ فقال: "خالف أصحاب الزهري فيه وَوَهِمَ؛ لإجماعهم على خلافه ... وإنما دَخَل الوهم فيه على الأوزاعي لأنه سمع الزهري يقول: سمعت ابن أكيمة يُحَدِّثُ سعيد بن المسيب. فسبق إلى حفظه ذكر سعيد ابن المسيب، واستقرت روايته على ذلك والصحيح: أنه عن الزهري، عن ابن أكيمة الليثي". وقال أبو عمر بن عبد البر في (التمهيد) ٣: "ولا يختلف أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث لابن شهاب، عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة. وأن ذِكْرَ سعيد بن المسيب في إسناد هذا الحديث خطأ لا شكَّ عندهم فيه، وإنما ذلك عندهم لأنه كان في مجلس سعيد بن المسيب، فهذا وجهُ ذكر سعيد بن المسيب، لا أنه في الإسناد".
وهذه الرواية التي أشار إليها الخطيب، والتي أوقعت الأوزاعي في هذا الوهم: أخرجها البخاري في (جزء القراءة) ٤ من طريق يونس٥، عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يُحَدِّثُ سعيد بن المسيب يقول: سمعت أبا هريرة. فذكره بمثل لفظ مالك المتقدم.
وقد أخرجها أبو داود في (سننه) ٦، والإمام أحمد في (مسنده)
стр. 772
من طريق: ابن عيينة، عن الزهري، أنه سمع ابن أكيمة يحدث عن سعيد ابن المسيب، يقول: سمعت أبا هريرة يقول: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة يُظن أنها الصبح ...
وظاهر هذه الرواية: أن الزهري سمعه من ابن أكيمة عن سعيد بن المسيب، ولكن الصواب ما جاء في رواية البخاريّ: أنَّ الزهري سمعه من ابن أكيمة، عن أبي هريرة. وحَدَّثَ به ابن أكيمة ابن المسيب في حضرة الزهري. ورواية أحمد هذه خطأ كما نبَّه على ذلك العلامة أحمد شاكر، وبَيَّنَ أن نسخة عتيقة من (مسند أحمد) جاء الإسناد فيها بدون "عن"١. وصوَّب البيهقي ﵀ الرواية التي بدون "عن" فقال: "الصواب ما رواه ابن عيينة، عن الزهري قال: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، وكذلك قاله يونس بن يزيد الأيلي"٢.
أَمَّا مَا ذُكِرَ من علل لهذا الحديث ففيما يلي مناقشتها، وذكر الأجوبة عنها:
أولاً: قول البيهقي: إن ابن أكيمة مجهول، وقد تَفَرَّدَ به. ليس كذلك، بل إنه - كما قال ابن القَيِّم - "لا يُعْلَم أحدٌ قدح فيه، ولا جَرَحَهُ بما يوجب ترك حديثه". وقد ذكره ابن حبان في (الثقات) ٣، وقال أبو حاتم: "صحيح الحديث، حديثه مقبول"٤. وقال يحيى بن
стр. 773
سعيد: "ثقة"١. وقال ابن معين: "كفاك قول الزهري: سمعت ابن أكيمة يُحَدِّثُ سعيد بن المسيب"٢. وقال ابن عبد البر: "إصغاء سعيد بن المسيب إلى حديثه دليل على جلالته عندهم"٣.
هذه أقوال الأئمة في ابن أكيمة، وهو وإن لم يرو عنه غير الزهري، فإن وصف الجهالة يزول عنه بتوثيق هؤلاء الأئمة له، وثنائهم عليه.
وأما دعوى تفرده به: فليس كذلك أيضاً؛ فإنه حَدَّثَ به في حضرة ابن المسيب فأقره عليه ولم ينكره، فكان بذلك كالمتابع له، ولذلك قال ابن القَيِّم ﵀: "وقد حَدَّثَ بهذا الحديث ولم ينكره عليه أعلم الناس بأبي هريرة، وهو: سعيد بن المسيب"٤.
ثانياً: القول بأن قوله: "فانتهى الناس عن القراءة" من قول الزهري مدرجٌ في الحديث، وليس من كلام أبي هريرة: قد صرَّحَ بذلك غير واحد من الأئمة، منهم: محمد بن يحيى الذهلي - كما نقل ذلك أبو داود عنه٥ - والبخاري حيث قال: "وقوله: فانتهى الناس. من كلام الزهري، وقد بَيَّنَه لي الحسن بن صباح، قال: حدثنا مبشر، عن الأوزاعي،
стр. 774
قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقرأون فيما جهر"١. والخطابي في (معالم السنن) ٢، وبَيَّنَه - كذلك - الخطيب البغدادي في كتابه: (الفصل للوصل المدرج في النقل) ٣ فقال: "والصحيح: أنه كلام ابن شهاب الزهري". وكذا قال السيوطي في كتابه (المدرج) ٤.
قلت: ورواية الأوزاعي التي نسب فيها هذا الكلام للزهري: أخرجها البيهقي في (سننه) ٥، وقال: "حفظ الأوزاعي كون هذا الكلام من قول الزهري، ففصله عن الحديث".
وممن صرَّحَ بنسبة هذه الجملة للزهري أيضاً: سفيان بن عيينة، وذلك فيما رواه أبو داود من طريق عبد الله بن محمد٦ الزهري، أنه قال: "قال سفيان: وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها. فقال معمر: إنه قال: فانتهى الناس ... "٧.
فهذا غاية ما يمكن أن يتعلق به القائلون بالإدراج، وبأن هذا كلام الزهري، والحق أنه ليس ثمة دليل ظاهر يُسْتَنَد إليه في كون هذه اللفظة من كلام الزهري؛ فإن الروايات لم تتفق كلها على نسبة هذا القول للزهري.
стр. 775
فقد جاء في رواية ابن السَّرْح١ عند أبي داود٢:"قال معمر عن الزهري: قال أبو هريرة: فانتهى الناس ... ".
وجاء عند أبي داود - أيضاً - أن مُسَدَّدَاً قال في روايته: "قال معمر: فانتهى الناس عن القراءة ... ".
فهو مرويٌّ - كما نرى - من قول أبي هريرة، ومن قول معمر أيضاً.
قال ابن القَيِّم ﵀: "وأيُّ تنافٍ بين الأمرين، بل كلاهما صوابٌ، قاله أبو هريرة كما قال معمر، وقاله الزهري كما قال هؤلاء، وقاله معمر - أيضاً - كما قال أبو داود. فلو كان قول الزهري له عِلّةً في قول أبي هريرة، لكان قول معمر له علة في قول الزهري، وأن نجعل ذلك كلام معمر"٣.
قلت: وهذا كلام نفيس منه ﵀؛ فإن هذه الروايات تتفق ولا تتناقض، فقد جاءت هذه الجملة متصلة بالحديث من كلام أبي هريرةرضي الله عنه. وقد ثبت ذلك من رواية معمر، عن الزهري، عن أبي هريرة كما مضى. ورواها كذلك مالك ﵀ وكفى به - عن الزهري فلم يفصلها، وقد تلقى عنه هذه الرواية أصحاب الدواوين المشهورة
стр. 776
فرواها من طريقه: أصحاب السنن الأربعة إلا ابن ماجه، وأحمد، والبخاري، والبيهقي ﵏، وقد مضى ذكر ذلك.
وقد رواها معمر نفسه عن الزهري متصلة، كما أخرج ذلك أحمد في (المسند) ١ من طريق: عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري.
فقد جاءت هذه العبارة - كما نرى - عن الزهري، وجاءت عنه عن أبي هريرة، وجاءت عن معمر من قوله، فلماذا تجعل من كلام الزهري حسب؟.
أما رواية الأوزاعي، وقوله فيها: "قال الزهري: فاتَّعَظَ المسلمون بذلك ... ": فإن الأوزاعي أخطأ في إسنادها كما مضى، وقد قال البيهقي بأنه وإن أخطأ في الإسناد إلا أنه حفظ المتن وضبطه فَمَيَّزَ كلام الزهري من كلام غيره. ولكن ألا يمكن أن يكون أخطأ في متنها كذلك؟؟ وهذا ما رَجَّحَهُ الشيخ أحمد شاكر، ثم قال: "ولكن البيهقي - سامحه الله - لم ير بأساً أن يجعلها خطأً في الإسناد، وصواباً فيما يريد أن يحتجَّ له من الإدراج! "٢.
وأما رواية ابن عيينة وقوله: "وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها. فقال معمر: إنه قال: فانتهى الناس ... ": فليس صريحاً في أن هذه اللفظة منفصلة من كلام الزهري، ولكن ابن عيينة سمع أول الحديث من شيخه الزهري ولم يسمع آخره أو لم يستوضحه، مع حضوره كلام
стр. 777
الزهري كله، فأخبره معمر بما غاب عنه، والزهري قالها متصلة بالحديث كما سمعها معمر منه، فلماذا لا تحمل هنا على الاتصال كما جاء في الروايات المتقدمة؟!.
ثم لو قُدِّرَ التعارض بين هذه الروايات، فإن معمراً أثبت الناس في الزهري - بعد مالك - وقد خالفه ابن عيينة والأوزاعي وهما دونه في الزهري، فَتُرَجَّحُ رواية معمر المتصلة إلى أبي هريرة، وعليها تحمل الروايات المتصلة الأخرى عند مالك وغيره، والتي لم يذكر فيها أن الكلام للزهري.
وهناك مسلك آخر، وهو: أن هذه الكلمة لو كانت من قول الزهري، فإن إسنادها يكون مرسلاً - مع روايته أول الحديث متصلاً - ثم رويت عنه من وجه آخر بإسناد متصل إلى أبي هريرة، فتعارض الوصلُ والإرسال، فلو قلنا: الوصلُ زيادة من ثقة فتقبل، لقبلنا الرواية المتصلة، ولو قلنا بالترجيح بين الروايات لترجحت رواية معمركما تقدم، مع مؤازرة رواية مالك لها. وهذا المسلك اختاره الشيخ أحمد شاكر رحمه الله١.
ولعلَّ الذين ذهبوا إلى أن هذا من قول الزهري لم يقفوا على رواية معمر المتصلة إلى أبي هريرة.
والحديث قد حَسَّنَه - مع ذلك - الترمذي ﵀، وذهب الشيخ أحمد شاكر إلى دفع القول بالإدراج في بحثٍ له نافع أطال فيه النفس٢،
стр. 778
وكذا ردَّ هذا القول العلامة الألباني١.
ثالثاً: قول البيهقي: "وكيف يكون ذلك من قول أبي هريرة، وهو يأمر بالقراءة خلف القراءة فيما جَهَرَ فيه وفيما خافت؟ ".
وقد أجاب عنه ابن القَيِّم ﵀، فقال: " ... فالمحفوظ عن أبي هريرة أنه قال: اقرأ بها في نفسك، وهذا مطلق ليس فيه بيان أن يقرأ بها حال الجهر، ولعله قال له يقرأ بها في السرِّ والسكتاتِ، ولو كان عاماً فهذا رأي له، خَالَفَهُ فيه غيره من الصحابة، والأخذ بروايته أولى٢"٣.
فابن القَيِّم ﵀ لا يرى تعارضاً بين قول أبي هريرة - لمن سأله عن القراءة خلف الإمام -: "اقرأ بها في نفسك". وبين قوله في حديثنا هذا: "فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه ... "؛ فإن قوله: اقرأ بها في نفسك. محمول على القراءة في السِّريَّة، وفي سكتات الإمام في الجهرية. وقوله في هذا الحديث: فانتهى الناس ... أي: عن القراءة أثناء قراءة الإمام، إذ تحصل مع ذلك المنازعة والمخالجة للإمام. فحديث ابن أكيمة الذي معنا ليس فيه أن الناس تركوا القراءة بالكلية فيحتج به على القائلين بقراءة الفاتحة فيما جهر فيه الإمام، والحديث الآخر "اقرأ بها في نفسك" ليس فيه الأمر بالقراءة على كل حال حتى في أثناء قراءة الإمام. وبهذا تتفق الأدلة ولا يضرب بعضها بعضاً.
стр. 779
وإلى مثل هذا أشار الإمام ابن حزم ﵀ فقال عقب حديث ابن أكيمة هذا: " ... لو صحَّ لما كانت لهم فيه حجة - يعني القائلين بعدم القراءة في الجهرية -؛ لأن الأخبار واجبٌ أن يُضَمَّ بعضها إلى بعض، وحرامٌ أن يُضْربَ بعضها ببعض ... فالواجب أن يؤخذ كلامه ﵇ كله بظاهره كما هو، كما قاله ﵇، لا يزاد فيه شيء، ولا يُنقص منه شيء: فلا صلاة لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن، ولا يُنازع القرآن"١.
فالحاصل: أن حديث ابن أكيمة عن أبي هريرة هذا قد أُعل بثلاث علل:
١- أن ابن أكيمة مجهول، وقد تفرد به.
٢- أن فيه إدراجاً من الزهري.
٣- وبأنه يتعارض مع حديث أبي هريرة الآخر في الأمر بالقراءة على كل حال.
وقد قام ابن القَيِّم بالجواب عن هذه العلل فوفق إلى حد كبير.
стр. 780
٥- باب من قال: لا يقرأُ المأمومُ خلف الإمام مطلقاً
٢٠- (٥) عَنْ جَابِر بن عبد الله، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَال: "مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإمام لَهُ قِرَاءَةٌ".
ذكر ابن القَيِّم هذا الحديث ثم قال: "له عِلَّتَان:
إحداهما: أن شعبة، والثوري، وابن عيينة، وأبا عوانة، وجماعة من الحفاظ رووه عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد مرسلاً.
والعلة الثانية: أنه لا يصحُّ رَفْعُهُ، وإنما المعروف وَقْفُهُ. قال الحاكم: سمعت سلمة بن محمد يقول: سألت أبا موسى الرازي الحافظ عن الحديث المرويِّ عن النبي ﷺ : " من كان له إمامٌ ... "؟ فقال: لم يصح فيه عن النبي ﷺ شيء، إنما اعتمد مشايخنا فيه على الرويات عن عليّ، وابن مسعود، والصحابة ... وقد رفعه جابر الجعفي، وليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير، عن جابر. وتَابَعَهُمَا مَنْ هُوَ أَضْعَف منهما أو مثلهما"١.
قلت: هذا الحديث يروى عن غير جابر بألفاظ أخرى، لكنه بهذا اللفظ مشهور عن جابر ﵁.
والحديث له عن جابر طرق عِدَّة، أشهرها طريقان، وهما اللذان أشار إليهما ابن القَيِّم هنا:
стр. 781
الطريق الأول: عن أبي الزبير١، عن جابر ﵁، ومدار هذا الطريق على: الحسن بن صالح٢، وروي عنه على أوجه مختلفة:
فأخرجه ابن ماجه، والدارقطني في (سننيهما) ٣ من طرق عنه، عن جابر٤ الجعفي، عن أبي الزبير، عن جابر به.
وأخرجه الدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٥ عنه، عن جابر الجعفي وليث بن أبي سليم٦، عن أبي الزبير، عن جابر به.
وأخرجه الإمام أحمد في (المسند) ٧ عنه، عن أبي الزبير مباشرة، عن جابر به.
وروي عن الحسن بن صالح على غير تلك الأوجه٨.
стр. 782
وهذا الطريق فيه عدة علل:
الأولى: في إسناده جماعة مُتَكَلَّمٌ فيهم:
فجابر الجُعْفي في الوجه الأول، وضعفه مشهور، وفي الوجه الثاني: ليثُ بن أبي سليم، وهو وإن كان أحسن حالاً من الجعفي، إلا أن الأكثرين على تضعيفه وترك الاحتجاج به، لاسيما وقد اختلط ولم يتميز حديثه١.
وبهذين الرجلين ضَعَّفَ العلماء هذا الطريق، فقال الدارقطني:"جابر وليث ضعيفان". وقال البيهقي: "جابر الجعفي، وليث بن أبي سليم لا يُحْتَجُّ بهما، وكل من تابعهما على ذلك أضعف منهما ... ".
وقال ابن عبد البر: "وجابر الجعفي لا حُجَّة فيما ينفرد به عند جماعة أهل العلم لسوء مذهبه ... "٢. وقال البوصيري: "هذا إسناد ضعيف؛ جابر: هو ابن يزيد الجعفي، مُتَّهَمٌ"٣.
العلة الثانية: اضطراب إسناده:
فقد جاء - كما رأينا - عن الحسن بن صالح على أوجه مختلفة، ولا شكَّ أن هذا الاضطراب يضعف الحديث؛ لأنه يدل على عدم ضبط الرواة له، وإتقانهم إياه.
стр. 783
العلة الثالثة: أن رفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ خطأٌ، وأن الصواب وقفه على جابر ﵁:
وقد بَيَّنَ البيهقي ﵀ ذلك في (سننه) ١ فقال: "والمحفوظ عن جابر في هذا الباب ما أخبرنا أبو أحمد المهرجاني ... فساقه بإسناده إلى مالك، عن وهب بن كيسان، أنه سمه جابراً يقول: " من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأن القرآن فلم يصل، إلا وراء الإمام"". قال البيهقي: "هذا هو الصحيح عن جابر من قوله غير مرفوع، وقد رفعه يحيى بن سلام وغيره من الضعفاء عن مالك، وذاك مما لا يَحِلُّ روايته على طريق الاحتجاج به". وقال ابن عبد البر - بعد أن ساقه بنحو لفظ البيهقي -: "وهو حديث لا يصحُّ إلا موقوفاً على جابر"٢.
العلة الرابعة: أن أبا الزبير قد عنعنه، فلم يُصَرِّحْ بالسماع في أيٍّ من هذه الوجوه المذكورة، وهو مُدَلِّسٌ، فلا يُقبل منه إلا ما صرح فيه بالسماع:
وقد قبل الإمام ابن حزم ما عنعنه عن جابر فيما رواه عنه الليث بن سعد خاصة٣، ولكن ليس هذا الحديث من رواية الليث عنه.
هذا حاصل ما أُعِلَّ به هذا الطريق، وقد ذكر ابن القَيِّم ﵀ من ذلك: عدم صحته مرفوعاً، وأشار إلى ضعف جابر وليث بن أبي سليم.
стр. 784
الطريق الثاني: عن موسى بن أبي عائشة١، عن عبد الله بن شَدَّاد٢، وعن جابر ﵁ مرفوعاً.
أخرجه الدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٣ من طرق: عن أبي حنيفة٤، عن موسى بن أبي عائشة به.
ورواه الدارقطني٥ عن أبي حنيفة بالإسناد نفسه، وفيه قول جابر ابن عبد الله: صَلَّى بنا رسول الله ﷺ وخلفه رجلٌ يقرأ، فنهاه رجلٌ من أصحاب رسول الله، فلما انصرف تنازعا، فقال: أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله ﷺ ، فتنازعا حتى بلغ رسول الله ﷺ ، فقال: "من صَلَّى خلف إمام فإن قراءته له قراءة".
стр. 785
وأخرجه الدارقطني١ من طريق: أبي حنيفة والحسن بن عمارة٢، عن موسى بن أبي عائشة به.
وقد أَعَلَّ الأئمة هذا الطريق بأنَّ الصواب فيه الإرسال، ليس فيه ذِكْرُ جابر بن عبد الله.
قال أبو حاتم: "ولا يختلف أهل العلم أن من قال: موسى بن أبي عائشة، عن جابر. أنه قد أخطأ. قال ابن أبي حاتم: قلت: الذي قال عن موسى بن أبي عائشة عن جابر فأخطأ هو النعمان بن ثابت؟ قال: نعم"٣. وقال الدارقطني: "لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غيرُ أبي حنيفة والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان"٤. وقال مرةً عن رواية أبي حنيفة: "ولم يذكر في هذا الإسناد جابراً غير أبي حنيفة"٥. وقال مرةً: " ... وروى هذا الحديث: سفيان الثوري، وشعبة، وإسرائيل بن يونس، وشريك، وأبو خالد الدالاني، وأبو الأحوص، وسفيان بن عيينة، وجرير ابن عبد الحميد وغيرهم، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد مرسلاً، عن النبي ﷺ ، وهو الصواب"٦. وفي (الكامل) ٧ لابن عَدِيّ
стр. 786
قريب من كلام الدارقطني هذا. وذكر البيهقي ﵀ نحواً من ذلك١.
وقد ذهب محقق كتاب (نصب الراية) ٢ إلى أن أبا حنيفة تُوبِعَ على هذه الرواية المسندة، تابعه على ذلك سفيان الثوري، وشريك بن عبد الله القاضي فيما رواه أحمد بن منيع في (مسنده) : أخبرنا إسحاق الأزرق، حَدَّثَنَا سفيان وشريك، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَّاد، عن جابر مرفوعاً به.
قلت: ولعل هذه الرواية هي التي أشار إليها البُوصيري بقوله: " ... لكن رواه أحمد بن منيع، وعبد بن حميد بسندٍ صحيح بَيَّنْتُهُ في زوائد المسانيد العشرة"٣.
قال الشيخ الألباني: "وهذا سند ظاهره الصحة ... وهو عندي معلول؛ فقد ذَكَرَ ابن عدي، وكذا الدارقطني والبيهقي أن سفيان الثوري وشريكاً روياه مرسلاً دون ذكر جابر، فذكر جابر في إسناد ابن منيع وَهْمٌ، وأظنه من إسحاق الأزرق، فإنه وإن كان ثقة فقد قال فيه ابن سعد: "ربما غلط" ... وهذا هو الذي تسكن إليه النفس وينشرح له القلب: أن الصواب فيه أنه مُرْسَلٌ، ولكنه مرسلٌ صحيح الإسناد"٤.
стр. 787
قلت: وقد رُوِيَ عن أبي حنيفة مرسلاً كرواية الأكثرين؛ فقد قال البيهقي ﵀ بعد أن أخرج الرواية المتصلة -: "هكذا رواه جماعة عن أبي حنيفة موصلاً، ورواه عبد الله بن المبارك عنه مرسلاً دون ذكر جابر، وهو المحفوظ". ثم أخرج بإسناده إلى عبد الله بن المبارك قال: أنبأنا سفيان وشعبة وأبو حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَّاد، عن النبي ﷺ مرسلاً١.
فيكون قد اخْتُلِفَ على أبي حنيفة ﵀ في إسناده، فيُخْتَار من روايتيه ما وافق رواية الجمهور، وما صَحَّحَه الأئمة أهل هذا الشأن، وهي رواية الإرسال، ويُحْكَمُ على الرواية المتصلة بالخطأ لتفرده بها دون سائر الرواة، ومتابعة الحسن بن عمارة - المتروك - له لا تنفعه.
فالحاصل: أن حديث جابر هذا معلول بطريقيه المذكورين، وقد رُوي من طرق أخرى غير التي ذكرنا، وهي ضعيفة أيضاً.
وقد رُوي هذا الحديث عن غير جابر، فَرُوِيَ عن ابن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي الدرداء، وأنس، وعلي، ولا تخلو من ضعف، قال الحافظ ابن حجر: "وله طرق عن جماعة من الصحابة، وكلها معلولة"٢. وقد تقدم قول أبي موسى الرازي: "لم يصح عن النبي ﷺ فيه شيءٌ، وقد استوفى الكلام على طرقه: الزيلعي في (نصب
стр. 788
الراية) ١. والألباني في (إرواء الغليل) ٢.
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن حديث جابر هذا لا يصحُّ رفعه إلى النبي ﷺ ، وأنه ما بين موقوف عليه أو مرسل، أرسله عبد الله بن شَدَّاد، وما رُوِيَ فيه عن غير جابر ﵁ معلولٌ أيضاً لا يثبت فيه شيء. وقد أَعَلَّهُ ابن القَيِّم ﵀ بالوقف والإرسال كما تقدم كلامه في ذلك.
стр. 789
٦- باب في التأمين بعد الفاتحة، والجهر بها
ذكر ابن القَيِّم ﵀ حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس،
٢١- (٦) عن وائل بن حُجْرٍ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قال: ولا الضالين قال: آمين، ورفع بها صوته"وفي لفظ: " وطَوَّلَ بها ".
ثم قال ﵀: "رواه الترمذي وغيره، وإسناده صحيح، وقد خالف شعبة سفيان في هذا الحديث فقال: "وخَفَضَ صوته" وحَكَم أئمة الحديث وحُفَّاظُهُ في هذا لسفيان ... "١.
قلت: ورواية سفيان هذه أخرجها أبو داود في (سننه) ٢، والترمذي في (جامعه) ٣، وأحمد في (مسنده) ٤، ومسلم في (التمييز) ٥، والدارقطني في (سننه) ٦ من طرق، عن: سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل٧، عن حجر بن عنبس٨، عن وائل به.
стр. 790
قال أبو عيسى الترمذي: "حديث حسن". وقال الدارقطني: "صحيح". وقال الحافظ ابن حجر: "وسنده صحيح"١.
وأما رواية شعبة: فأخرجها: أحمد في (مسنده) ٢، والدارقطني في (سننه) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤ وقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
وقد أُعِلَّ هذا الحديث بأربعة أمور ذكرها ابن القطان٥، ولخصها ابن القَيِّم في (تهذيب السنن) ٦ وهي:
- الأول: مخالفة شعبة سفيان حيث قال: "وخَفَضَ بها صَوْتَهُ".
- الثاني: اختلافهما كذلك في اسم "حجر" فسفيان يقول: "حجر ابن عَنْبَس" وشعبة يقول: "حجر أبو العَنْبَس". وقال البخاري: "الصواب: أبو السَّكَن".
- الثالث: زاد شعبة في إسناده "علقمة بن وائل" بين حجر بن عنبس، ووائل بن حجر.
- الرابع: جهالة حال حجر بن عنبس.
стр. 791
وقد سبق ابن القطان إلى القول بذلك: البخاري١، والدارقطني٢، حيث حكما بخطأ شعبة في هذه الأمور، وترجيح رواية سفيان، وقال الإمام مسلم: "أخطأ شعبة في هذه الرواية حين قال: وأخفى صوته"٣. وقال الأثرم: "اضطرب فيه شعبة في إسناده ومتنه، ورواه سفيان فَضَبَطَهُ، ولم يضطرب في إسناده ولا في متنه"٤. وقال أبو زرعة: "حديث سفيان أصح من حديث شعبة"٥.
وأما العلة الرابعة، وهي جهالة حجر بن عَنْبس، فهي مما تَفَرَّدَ به ابن القطان، ولم يشاركه في ذلك أحدٌ فيما أعلم.
وقد سَلَكَ ابن القَيِّم ﵀ طريق الترجيح، فاختار ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة من تقديم رواية سفيان الثوري، والحكم على رواية شعبة بالخطأ٦.
وقد ذكر ﵀ وجوهاً لترجيح رواية سفيان٧ تتَلَخَّصُ فيما يلي:
١ - أن سفيان أحفظ من شعبة فوجب تقديم روايته. ونقل عن
стр. 792
البيهقي قوله: "لا أعلم اختلافاً بين أهل العلم بالحديث: أن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قول سفيان ... وقال شعبة: سفيان أحفظ مني".
٢ - أن العلاء بن صالح١، ومحمد بن سلمة بن كهيل٢ تابعا سفيان على روايته عن سلمة. وهذا الوجه ذكره الدارقطني في (سننه) ٣.
قلت: أما رواية العلاء - ويقال عليّ - بن صالح: فأخرجها أبو داود في (سننه) ٤، والترمذي في (جامعه) ٥. وهذا الإسناد لا يَقِلُّ عن درجة الحسن إن لم يكن صحيحاً.
وأما رواية محمد بن سلمة: فقد أشار إليها الدارقطني في (سننه) ٦، ومحمد بن سلمة ضعيف جداً.
٣ - أنه قد رُوِي عن شعبة كرواية سفيان تماماً. رواه عن شعبة: أبو الوليد الطيالسي، قال ابن القَيِّم: "وحسبك به".
стр. 793
وهذه الرواية أخرجها البيهقي في (سننه) ١.
قال ابن القَيِّم: "قال البيهقي: فيحتمل أن يكون تَنَبَّهَ لذلك فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر علقمة في إسناده".
قلت: أما في المتن فيحتمل، وأما في السند فقد روي من طريق شعبة - أيضاً - وفيه تصريح حجر أبي العنبس بسماعه من علقمة، ومن أبيه وائل، وذلك فيما أخرجه أبو داود الطيالسي في (مسنده) ٢: حدثنا شعبة، قال: أخبرني سلمة بن كهيل، قال: سمعت حجراً أبا العنبس، قال: سمعت علقمة بن وائل - وقد سمعت من وائل - أنه ﷺ ... فذكره. وأفاد ابن حجر٣ أنه رواه كذلك أبو مسلم الكجي في (سننه) .
٤ - أن الحاكم روى من حديث أبي هريرة بإسنادٍ صحيح أنه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا فَرَغَ من قراءة أُمِّ القرآن رَفَعَ صوته بآمين".
قلت: والحديث في (المستدرك) ٤ من طريق: الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة به. قال أبو عبد الله: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
وهذا شاهد قويٌّ لحديث وائل بن حجر في أن النبي ﷺ رفع صوته بآمين، لا كما قال شعبة.
стр. 794
قال الإمام مسلم: "قد تواترت الروايات كلها: أن النبي ﷺ جَهَرَ بآمين. وقد رُوي عن وائل ما يدل على ذلك"١. يشير ﵀ إلى رواية وائل المتقدمة التي فيها: "ورَفَعَ بها صوته".
هذا حاصل ما ذكره ابن القَيِّم ﵀ من مُرَجِّحَاتٍ لرواية سفيان.
وأما الحافظ ابن حجر ﵀ فقد لجأ إلى التوفيق بين هذه الروايات، ولم ير وقوع التعارض إلا في (رَفَع) و (خَفَضَ) فقط:
ففيما يتعلق بقول شعبة: (أبو العنبس) وتخطئة البخاري له، وأن الصواب في كنيته (أبو السكن) : فقد أفاد ابن حجر أن ابن حبان ذكر في (الثقات) أن كنيته (أبو العبنس) كاسم أبيه، ثم قال: "ولا مَانِعَ أن يكونَ له كنيتان".
وفيما يتعلق بإدخال شعبة "علقمة بن وائل" بين حجر ووائل: فقد ذكر رواية الطيالسي، وأبي مسلم الكَجِّي، وفيهما تصريح حُجْر بسماعه منهما، قال ابن حجر: "فبهذا تنتفي وجوه الاضطراب عن هذا الحديث، وما بقي إلا التعارض الواقع بين شعبة وسفيان في (الرفع) ، (والخفض) ، وقد رُجِّحَتْ رواية سفيان بمتابعة اثنين له، بخلاف شعبة، فلذلك جَزَم النُّقَّادُ بأن روايته أصحُّ"٢.
هذا ما يتعلق بالاختلاف الواقع في سنده ومتنه.
стр. 795
وأما ما ذكره ابن القطان من جهالة حجر: فلم يتعرض له ابن القَيِّم بشيء، ولكن أجاب عنه ابن حجر، فقال: "وأَعَلَّهُ ابن القطان بحجر بن عنبس، وأنه لا يُعرف، وأخطأ في ذلك، بل هو ثقة معروف، قيل: له صحبة، ووثقه يحيى بن معين وغيره"١.
فَتَلَخَّصَ: أن ابن القَيِّم ﵀ قد وُفِّقَ في حُكمه بصحة إسناد هذا الحديث، وترجيحه رواية سفيان على رواية شعبة، والله أعلم.
стр. 796
٧- باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع
قال ابن القَيِّم ﵀ عند كلامه على صِفَةِ رَفْعِهِ ﷺ من الركوع، وما يقوله عند ذلك: " ... وربما قال: اللهم رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. صَحَّ ذلك عنه، وأما الجمع بين " اللهم "و" الواو ": فلم يصح"١.
كذا قال ابن القَيِّم ﵀، ولكنَّ الأمر على خلاف ذلك؛ إذ ثبت الجمع بين "اللهم" و "الواو" في روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة، منهم: أبو هريرة، وابن عمر، وغيرهما من الصحابة ﵃ أجمعين.
أما حديث أبي هريرة ﵁: فقد أخرجه البخاري في (صحيحه) ٢، من طريق: ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري. وعبد الرزاق في (مصنفه) ٣- ومن طريقه: النسائي في (سننه) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥ - من طريق: الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، كلاهما عن:
٢٢- (٧) أبي هريرة ﵁ أنه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا ولك الحمد". لفظ عبد الرزاق، وعند البخاري زيادة، وهي قوله: "وكان النبي ﷺ إذا ركع وإذا رفع رأسه
стр. 797
يُكَبِّرُ، وإذا قام من السجدتين قال: الله أكبر".
وأما حديث ابن عمر ﵄: "فقد أخرجه الدارمي في (مسنده) ١ من طريق: مالك، عن ابن شهاب الزهري، عن سالم، عن:
٢٣- (٨) ابن عمر ﵄، في ذكر مواضع رفع اليدين في الصلاة، وفيه: " ... وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك، وقال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا ولك الحمد".
وهذا إسناد صحيح، ورجاله كلهم أئمة أثبات.
فَتَبَيَّنَ من ذلك: أن هذا الحديث - بالجمع بين (اللهم) و (الواو) صحيح ثابت في دواوين السنة المشهورة، ولذلك فإن نَفَي ابن القَيِّم ﵀ لصحة ذلك فيه نظر، ولعله ﵀ لم يَقِفْ على هذه الروايات الصحيحة، فالله أعلم.
ولأجل مقالته هذه، فقد تَعَقَّبَه ابن حجر ﵀، فقال - عقب حديث البخاري السالف -: "وفيه ردٌّ على ابن القَيِّم، حيث جَزَمَ بأنه لم يَرِدْ الجمع بن (اللهم) و (الواو) في ذلك"٢.
ونبَّه على ذلك أيضاً: الشيخ الألباني ﵀، فقال: "وقد سَهَا ابن القَيِّم ﵀ فأنكر في الزاد صحة هذه الرواية الجامعة بين (اللهم) و (الواو) ، مع أنها في صحيح البخاري ... "٣.
стр. 798
٨- باب أول ما يقع من الإنسان على الأرض عند السجود
قال ابن القَيِّم ﵀ عند كلامه على صفة سجوده ﷺ : "وكان ﷺ يضعُ ركبتيه قبل يديه، ثم يديه بعدهما، ثم جبهته وأنفه، هذا هو الصحيح ... " ثم ذكر ما يؤيد ذلك، ويدل عليه، وهو حديث:
٢٤- (٩) وائل بن حجر ﵁، أنه قال: "رأيتُ رَسُولِ الله ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيهِ قَبْل يديه، وإذا نَهَضَ رفع يديه قبل رُكْبَتَيْهِ".
ثم قال ﵀: "ولم يُرو في فعله ما يخالف ذلك"١.
وقال في موضع آخر: "وقد صححه ابن خزيمة، وأبو حاتم بن حبان، والحاكم"٢.
قلت: هذا الحديث أخرجه أصحاب (السنن الأربعة) ٣، والدارمي في (مسنده) ٤، وابن خزيمة، وابن حبان في (صحيحهما) ٥، والدارقطني،
стр. 799
والبيهقي في (سننيهما) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، والحازمي في (الاعتبار) ٣ كلهم من طريق:
يزيد بن هارون، عن شريك، عن عاصم بن كليب٤، عن أبيه٥، عن وائل بن حجر ﵁ به.
والحديث بهذا الإسناد ضعيف لأجل شريك بن عبد الله؛ فإنه سيئ الحفظ، كثير الخطأ، يغلط في حديثه، كما شهد عليه بذلك غير واحد من أئمة النقد: كيحيى القطان، وابن معين، وأبي حاتم، والجوزجاني، وغيرهم٦. ولذلك قال يحيى بن معين: "إذا خالف فغيره أحبُّ إلينا منه"٧. وسيأتي من كلام الدارقطني مثل ذلك، وقد خُولف شريك في هذا الحديث، فرواه غيره على غير هذا الوجه كما سيأتي بيانه.
وقد أشار الأئمة إلى تفرد شريك به، فقال الترمذي: "حديث حسن غريب، لا نعرف أحداً رواه مثل هذا عن شريك". وفي بعض نسخ
стр. 800
الترمذي: " ... غير شريك". وهو الأنسب. وقال في (العلل) ١: "قال يزيد - يعني ابن هارون -: لم يرو شريك، عن عاصم بن كليب إلا هذا الحديث الواحد". قال الترمذي عقبه: " ... وشريك بن عبد الله كثير الغلط والوهم". وقال النسائي: "لم يقل هذا عن شريك غيرُ يزيد بن هارون"٢. وقال الدارقطني: "تفرد به يزيد عن شريك، ولم يحدث به عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به"٣.
وقال البيهقي: "هذا حديث يُعَدُّ في أفراد شريك القاضي"٤. وقد حَكَمَ بتفرد شريك به أيضاً: البخاري، وابن أبي داود، كما في (التلخيص الحبير) ٥.
وقد خُولف شريك - مع ذلك - في إسناد حديثه هذا، فأخرجه أبو داود في (سننه) ٦، والبيهقي٧ كذلك، من طريق: هَمَّام، عن شقيق٨، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلاً، ليس فيه ذكر "وائل بن حجر".
وأشار الترمذي ﵀ إلى هذا المرسل، فقال: "وَرُوِيَ
стр. 801
هَمَّام بن يحيى، عن شقيق ... " ثم قال: "وشريك بن عبد الله كثير الغلط والوهم"١. فكأنه يشير إلى تقديم المرسل. وقال البيهقي: " ... وإنما تابعه همام من هذا الوجه مرسلاً، هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين"٢. وقال الحازمي - بعد أن حَسَّنَ حديث وائل المتصل-: "قال هَمَّام: وحدثنا شقيق ... مرسلاً، وهو المحفوظ"٣.
وحديث هَمَّامٍ هذا مع إرساله، فإن في إسناده رجلاً مجهولاً، وهو شقيق أبو ليث.
وقد رُوِي الموصول من وجه آخر عن وائل بن حجر ﵁، فأخرجه أبو داود في (سننه) ٤، وكذا البيهقي٥ من طريق: همام، عن محمد بن جُحادة٦، عن عبد الجبار بن وائل٧، عن أبيه، عن النبي ﷺ فذكر صفة صلاته ﷺ ، إلى أن قال: " ... فلما أراد أن يسجد، وقعت ركبتاه على الأرض قبل أن تقع كَفَّاه".
ولكنَّ هذه الطريق معلولة؛ فإن عبد الجبار لم يسمع من أبيه، أعَلَّهُ
стр. 802
بذلك ابن حجر١. وقد نصَّ الأئمة على عدم سماعه من أبيه، فقال ابن معين: "لم يسمع من أبيه شيئاً، إنما كان يُحَدِّثُ عن أهل بيته عن أبيه"٢. وقال البخاري: "لم يسمع من أبيه، وُلِدَ بعد موت أبيه"٣. وقال ابن حبان: "ومن زعم أنه سمع أباه فقد وَهِمَ؛ لأن وائل بن حجر مات وأمه حامل به، ووضعته بعد موت وائل بستة أشهر"٤. وقال بذلك غير هؤلاء٥.
وأخرجه البيهقي٦ أيضاً: عن محمد بن حجر، عن سعيد بن عبد الجبار٧، عن عبد الجبار بن وائل، عن أمه، عن وائل بن حجر ﵁، أنه قال: "صليت خلف رسول الله ﷺ ، ثم سَجَدَ وكان أولُ ما وصلَ إلى الأرض ركبتاه". فهل يصير الإسناد بذلك متصلاً؟
قال ابن حجر في (تهذيبه) ٨ - عند ذكره شيوخ عبد الجبار بن وائل-: " ... وعن أمه أم يحيى، وقيل: لم يسمع من أبويه". ولقائل أن يقول: لم يَجْزِمْ ابن حجر هنا بعدم سماع عبد الجبار من أمه، وإنما نقل
стр. 803
ذلك بصيغة تمريض، مما يجعل احتمال الضعف يتطرق إلى هذا القول؟
ويجاب عن ذلك: بأنه لو سُلِّمَ القول بالاتصال، فإنه يبقى الإسناد ضعيفاً من جهة أخرى؛ ذلك أن محمد بن حجر - ابن أخي سعيد بن عبد الجبار - ضعيف، قال أبو حاتم: "شيخ"١ وقال البخاري: "فيه نظر"٢. وقال ابن حبان: "يروي٣ عن عمه سعيد بن عبد الجبار، عن أبيه عبد الجبار، عن أبيه وائل بن حجر بنسخة منكرة ... لا يجوز الاحتجاج به"٤. وقال الذهبي: "له مناكير"٥.
وعمه سعيد بن عبد الجبار - شيخه في هذا الإسناد - ضعيف أيضاً، قال النسائي: "ليس بالقويِّ"٦.
فَتَبَيَّنَ من ذلك: أن هذا الإسناد دائر بين الانقطاع والضعف، لا ينفك عنه واحدٌ منهما.
فالحاصل: أن حديث وائل بن حُجْر هذا ضعيف؛ لِتَفَرّدِ شريك به، ومخالفة غيره له، ولا حُجَّةَ فيما ينفرد به، وما وُجِدَ من طرق أخرى لحديثه: فهي تدور بين الضعف والانقطاع.
стр. 804
وأما اعتماد ابن القَيِّم في ذلك على تصحيح الحاكم، وابن خزيمة، وابن حبان: فإنه مُعَارضٌ بتضعيف من ضَعَّفَهُ من الأئمة المتقدم كلامهم، ولم يقل أحدٌ: إن كلَّ ما أخرجوه في كتبهم صحيح، بل وُجِدَت عندهم أحاديث ضعيفة، على تفاوت بينهم، ومع ذلك: فإن قول الحاكم عقب هذا الحديث: "قد احتج مسلم بشريك ... " غير مُسَلَّمٍ؛ لأن مسلماً لم يُخرج له إلا متابعة١. وسيأتي أن الحاكم ﵀ لم يأخذ بحديث شريك هذا، مع تصحيحه إياه.
وقد ذكر ابن القَيِّم ﵀ شاهداً لحديث وائل بن حجر، وهو حديث:
٢٥- (١٠) أنس ﵁، أنه قال: " رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ انْحَطَّ بالتكبير، حَتَّى سَبَقَت رُكْبَتَاه يَدَيه".
عزا ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث للحاكم، ونقل عنه قوله: "على شرطهما، ولا أعلم له عِلَّة". ثم نقل عن أبي حاتم أنه أنكره، ثم قال: "وإنما أنكره - والله أعلم - لأنه من رواية العلاء بن إسماعيل العطَّار، عن حفص بن غياث، والعلاء هذا مجهول، لا ذكر له في الكتب السِّتة"٢.
стр. 805
قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني في (سننه) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، والبيهقي في (السنن) ٣، والحازمي في (الاعتبار) ٤ - من طريق الدارقطني - كلهم من طريق: العباس بن محمد الدوري، عن العلاء بن إسماعيل العطار، عن حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أنس ﵁، قال: " رأيت رسول الله ﷺ كَبَّرَ فحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم ركع حتى اسْتَقَرَّ كل مفصل منه في موضعه، ورفع رأسه حتى استقرَّ كل مفصل منه في موضعه، ثم انحطَّ بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه". هذا لفظ الدارقطني، والبيهقي. ولفظ الحاكم مثلهم إلا أنه ليس عنده قوله " ورفع رأسه ... ". ولفظ الحازمي مختصر، وهو الذي أورده ابن القَيِّم ﵀.
قال أبو عبد الله الحاكم: "إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له عِلَّةً، ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، كذا قالا رحمهما الله، وسكت عنه الحازمي مُؤَيِّدَاً!
ولكن الأمر على خلاف ذلك؛ فقد سُئِلَ عنه أبو حاتم؟ فقال: "هذا حديث منكر"٥. وقال الدارقطني: "تفرد به العلاء بن إسماعيل، عن حفص بهذا الإسناد". وكذا قال البيهقي، زاد ابن حجر: "وهو مجهول"٦.
стр. 806
والعلاء بن إسماعيل هذا لم أجد له ترجمةً فيما بين يديَّ من كتب الرجال، ولكن ذكره ابن حجر في (لسان الميزان) ١ فلم يزد على أن ذكر فيه قول ابن القَيِّم: "مجهول"، وكلمة أبي حاتم في نكارة هذا الحديث، ثم قال: "وخالفه عمر بن حفص بن غياث - وهو من أثبت الناس في أبيه - فرواه عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة وغيره، عن عمر موقوفاً عليه، وهذا هو المحفوظ".
فَلَتَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث منكر بإسناد فيه رجلٌ مجهول، وقد تَفَرَّدَ به، فأنى له أن يكون على شرط الشيخين؟!
وإذا كان كذلك، فإنه لا قَيِّمة لهذا الشاهد في تقوية حديث وائل ابن حجر، بل إنه باقٍ على ضعفه.
ثم انتقل ابن القَيِّم بعد ذلك إلى الأحاديث التي تعارض حديث وائل بن حجر المتقدم، فذكر منها:
٢٦ - (١١) حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إذا سَجَدَ أَحَدُكُم، فَلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه".
قال ابن القَيِّم ﵀: "فالحديث - والله أعلم - قد وَقَعَ فيه وَهْمٌ من بضع الرواة؛ فإن أَوَّلَهُ يُخالف آخره، فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه، فقد بَرَكَ كما يبرك البعير، فإن البعير إنما يضع يديه أولاً"٢.
стр. 807
ثم أخذ في الرد على من يقولون: إن رُكْبَتَي البعير في يديه، وأنه إذا بَرَك وضع ركبتيه أولاً، ولهذا نُهِيَ عن التشبه به. وأخذ ﵀ في بيان فساد هذا القول، وأن ذلك غير معروف في اللغة، ثم ذكر بعد ذلك: أن البخاري، والترمذي، والدارقطني ضَعَّفُوا حديث أبي هريرة هذا١.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والنسائي في (سننيهما) ٢، وأحمد، والدارمي في (مسنديهما) ٣، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٤، والبخاري في (التاريخ الكبير) ٥، والحازمي في (الاعتبار) ٦، كلهم من طريق:
عبد العزيز بن محمد الدَّراوردي٧، عن محمد بن عبد الله بن حسن٨، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ به. وعند الدارمي زيادة وهي: قيل لعبد الله - لعله الدارمي -: ما تقول؟ قال: "كله
стр. 808
طَيِّب"١. وقال: "أهل الكوفة يختارون الأول".
وأخرجه أبو داود - ومن طريقه البيهقي٢ - والترمذي، والنسائي في (سننهم) ٣ من طريق: عبد الله بن نافع٤، عن محمد بن عبد الله بن حسن، بالإسناد السابق إلى أبي هريرة ﵁، لكن بلفظ: "يعمد أَحَدَكُم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل؟! " هكذا بدون ذكر تقديم اليدين.
وقد أَعَلَّ قومٌ حديث أبي هريرة هذا: فقال البخاري في ترجمة محمد بن عبد الله بن حسن: "ولا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟ "٥. وقال الترمذي عقبه: "حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه". وقال الدارقطني: "تَفَرَّد به الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن حسن ... "٦. وقال الحازمي مثل قول الترمذي، وزاد: "وهو على شرط أبي داود، والترمذي، والنسائي، أخرجوه في كتبهم"٧. وقدَّمَ عليه الخطابي حديث
стр. 809
وائل بن حجر، فقال: "حديث وائل بن حجر أثبت من هذا"١.
والجواب عن ذلك:
- أما تفرد محمد بن عبد الله بن حسن به: فإن ذلك لا يَضُرُّه شيئاً؛ لأن محمداً ثقة، وثَّقَهُ النسائي٢، وذكره ابن حبان في (الثقات) ٣. صحيح أنه ليس في الدرجة العليا من التوثيق - فإنني لم أر أحداً وثقه غير النسائي، مع كلام البخاري في سماعه من أبي الزناد، وذكر ابن أبي حاتم له في (الجرح والتعديل) ٤ ساكتاً عنه، وإدخال الذهبي له في كتابه (المغني في الضعفاء) ٥ - لكنه مع ذلك أحسن حالاً من شريك، راوي حديث وائل بن حجر المتقدم، وقد اختار الحافظ ابن حجر ﵀ توثيقه، فقال: "ثقة". وقال ابن التركماني: "وقول البخاري: "لا يُتابع على حديثه". ليس بصريح في الجرح، فلا يعارض توثيق النسائي"٦.
- وأما القول بعدم سماع محمد بن عبد الله هذا من أبي الزناد: فإن البخاري ﵀ لم يجزم به كما مضى كلامه، وعلى فرض جزم البخاري بذلك، فإنما هو على مذهبه في اشتراط ثبوت اللقاء، قال
стр. 810
الشيخ الألباني في (إرواء الغليل) ١: "وليس ذلك بشرط عند جمهور المحدثين، بل يكفي عندهم مجرد إمكان اللقاء، مع أمن التدليس ... وهذا متوفر هنا، فإن محمد بن عبد الله لم يُعرف بتدليس، ثم هو قد عاصر أبا الزناد وأدركه زماناً طويلاً، فإنه مات سنة (١٤٥هـ) وله من العمر: (٥٣) ، وشيخه أبو الزناد مات سنة (١٣٠) ، فالحديث صحيحٌ لا ريب فيه". كذا قال الشيخ الألباني، وقد تقدم رُجْحان مذهب البخاري في ذلك. وأما قول الدارقطني بتفرد الدراوردي به عن محمد بن عبد الله بن حسن: فليس كذلك، قال الحافظ المنذري: "وفيما قاله الدارقطني نظرٌ؛ فقد روى نحوه عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله بن حسن، وأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي من حديثه"٢.
قلت: وقد مضى قبل قليل تخريج هذا الطريق، وهو وإن كان أخصر من لفظ الدراوردي، إلا أنه يشهد له في الجملة، وقوله ﷺ فيه: "يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل". يفسره حديث الدراوردي، وأن عدم التشبه بالبعير يقتضي تقديم اليدين في السجود.
ومما يؤكد عدم ثبوت العلل التي رُمي بها إسناد هذا الحديث: أنه قد صححه جماعة من الأئمة: فصححه عبد الحق، وقال: "إنه أحسن إسناداً من حديث وائل بن حجر"٣. وقال النووي: "إسناده جَيِّد"٤. وكذا قال