← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 11401

ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها

جمال بن محمد السيد

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

والعلاء بن إسماعيل هذا لم أجد له ترجمةً فيما بين يديَّ من كتب الرجال، ولكن ذكره ابن حجر في (لسان الميزان) ١ فلم يزد على أن ذكر فيه قول ابن القَيِّم: "مجهول"، وكلمة أبي حاتم في نكارة هذا الحديث، ثم قال: "وخالفه عمر بن حفص بن غياث - وهو من أثبت الناس في أبيه - فرواه عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة وغيره، عن عمر موقوفاً عليه، وهذا هو المحفوظ". فَلَتَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث منكر بإسناد فيه رجلٌ مجهول، وقد تَفَرَّدَ به، فأنى له أن يكون على شرط الشيخين؟! وإذا كان كذلك، فإنه لا قَيِّمة لهذا الشاهد في تقوية حديث وائل ابن حجر، بل إنه باقٍ على ضعفه. ثم انتقل ابن القَيِّم بعد ذلك إلى الأحاديث التي تعارض حديث وائل بن حجر المتقدم، فذكر منها: ٢٦ - (١١) حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إذا سَجَدَ أَحَدُكُم، فَلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه". قال ابن القَيِّم ﵀: "فالحديث - والله أعلم - قد وَقَعَ فيه وَهْمٌ من بضع الرواة؛ فإن أَوَّلَهُ يُخالف آخره، فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه، فقد بَرَكَ كما يبرك البعير، فإن البعير إنما يضع يديه أولاً"٢.

стр. 807

ثم أخذ في الرد على من يقولون: إن رُكْبَتَي البعير في يديه، وأنه إذا بَرَك وضع ركبتيه أولاً، ولهذا نُهِيَ عن التشبه به. وأخذ ﵀ في بيان فساد هذا القول، وأن ذلك غير معروف في اللغة، ثم ذكر بعد ذلك: أن البخاري، والترمذي، والدارقطني ضَعَّفُوا حديث أبي هريرة هذا١. قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والنسائي في (سننيهما) ٢، وأحمد، والدارمي في (مسنديهما) ٣، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٤، والبخاري في (التاريخ الكبير) ٥، والحازمي في (الاعتبار) ٦، كلهم من طريق: عبد العزيز بن محمد الدَّراوردي٧، عن محمد بن عبد الله بن حسن٨، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ به. وعند الدارمي زيادة وهي: قيل لعبد الله - لعله الدارمي -: ما تقول؟ قال: "كله

стр. 808

طَيِّب"١. وقال: "أهل الكوفة يختارون الأول". وأخرجه أبو داود - ومن طريقه البيهقي٢ - والترمذي، والنسائي في (سننهم) ٣ من طريق: عبد الله بن نافع٤، عن محمد بن عبد الله بن حسن، بالإسناد السابق إلى أبي هريرة ﵁، لكن بلفظ: "يعمد أَحَدَكُم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل؟! " هكذا بدون ذكر تقديم اليدين. وقد أَعَلَّ قومٌ حديث أبي هريرة هذا: فقال البخاري في ترجمة محمد بن عبد الله بن حسن: "ولا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟ "٥. وقال الترمذي عقبه: "حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه". وقال الدارقطني: "تَفَرَّد به الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن حسن ... "٦. وقال الحازمي مثل قول الترمذي، وزاد: "وهو على شرط أبي داود، والترمذي، والنسائي، أخرجوه في كتبهم"٧. وقدَّمَ عليه الخطابي حديث

стр. 809

وائل بن حجر، فقال: "حديث وائل بن حجر أثبت من هذا"١. والجواب عن ذلك: - أما تفرد محمد بن عبد الله بن حسن به: فإن ذلك لا يَضُرُّه شيئاً؛ لأن محمداً ثقة، وثَّقَهُ النسائي٢، وذكره ابن حبان في (الثقات) ٣. صحيح أنه ليس في الدرجة العليا من التوثيق - فإنني لم أر أحداً وثقه غير النسائي، مع كلام البخاري في سماعه من أبي الزناد، وذكر ابن أبي حاتم له في (الجرح والتعديل) ٤ ساكتاً عنه، وإدخال الذهبي له في كتابه (المغني في الضعفاء) ٥ - لكنه مع ذلك أحسن حالاً من شريك، راوي حديث وائل بن حجر المتقدم، وقد اختار الحافظ ابن حجر ﵀ توثيقه، فقال: "ثقة". وقال ابن التركماني: "وقول البخاري: "لا يُتابع على حديثه". ليس بصريح في الجرح، فلا يعارض توثيق النسائي"٦. - وأما القول بعدم سماع محمد بن عبد الله هذا من أبي الزناد: فإن البخاري ﵀ لم يجزم به كما مضى كلامه، وعلى فرض جزم البخاري بذلك، فإنما هو على مذهبه في اشتراط ثبوت اللقاء، قال

стр. 810

الشيخ الألباني في (إرواء الغليل) ١: "وليس ذلك بشرط عند جمهور المحدثين، بل يكفي عندهم مجرد إمكان اللقاء، مع أمن التدليس ... وهذا متوفر هنا، فإن محمد بن عبد الله لم يُعرف بتدليس، ثم هو قد عاصر أبا الزناد وأدركه زماناً طويلاً، فإنه مات سنة (١٤٥هـ) وله من العمر: (٥٣) ، وشيخه أبو الزناد مات سنة (١٣٠) ، فالحديث صحيحٌ لا ريب فيه". كذا قال الشيخ الألباني، وقد تقدم رُجْحان مذهب البخاري في ذلك. وأما قول الدارقطني بتفرد الدراوردي به عن محمد بن عبد الله بن حسن: فليس كذلك، قال الحافظ المنذري: "وفيما قاله الدارقطني نظرٌ؛ فقد روى نحوه عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله بن حسن، وأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي من حديثه"٢. قلت: وقد مضى قبل قليل تخريج هذا الطريق، وهو وإن كان أخصر من لفظ الدراوردي، إلا أنه يشهد له في الجملة، وقوله ﷺ فيه: "يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل". يفسره حديث الدراوردي، وأن عدم التشبه بالبعير يقتضي تقديم اليدين في السجود. ومما يؤكد عدم ثبوت العلل التي رُمي بها إسناد هذا الحديث: أنه قد صححه جماعة من الأئمة: فصححه عبد الحق، وقال: "إنه أحسن إسناداً من حديث وائل بن حجر"٣. وقال النووي: "إسناده جَيِّد"٤. وكذا قال

стр. 811

الزرقاني١. وقال الحافظ ابن حجر: "وهو أقوى من حديث وائل بن حُجْر"٢. ورمز له السيوطي بالصحة٣. وقال العلامة أحمد شاكر: "والظاهر من أقوال العلماء في تعليل الحديثين: أن حديث أبي هريرة هذا حديث صحيح، وهو أصحُّ من حديث وائل، وهو حديث قَوْلِيٌّ يرجح على الحديث الفِعْلِي ... "٤. وصححه كذلك الشيخ الألباني٥. وأما ما ذهب إليه ابن القَيِّم ﵀ من القول بوقوع قلبٍ في حديث أبي هريرة هذا، وأنه وَقَعَ فيه وهمٌ من بعض الرواة، ولعله: "وليضعْ ركبتيه قبل يديه": فقد استدلَّ على ذلك بأمور، منها: أولاً: أن أول الحديث يخالف آخره؛ وقد تقدم نقل كلامه في ذلك أول البحث. ثانياً: أنه قد رُوي عن أبي هريرة - كما قال ابن القَيِّم ﵀ بلفظ: " إذا سجد أحدكم، فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك كبروك الفَحْل". فيتأ يَّدُ بذلك ما ذهب إليه ابن القَيِّم من حدوث القلب في متنه٦. ثالثاً: أنه قد رُوي عن أبي هريرة - أيضاً - من فعل النبي ﷺ ما

стр. 812

يوافق ذلك، وهو قوله: " أن النبي ﷺ كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه". فهذا يوافق حديث وائل بن حجر المتقدم في حكاية فعله صلى الله عليه وسلم١. رابعاً: أن حديث وائل بن حجر لم يُخْتَلفْ فيه، بينما حديث أبي هريرة قد اختلف فيه كما تقدم، فروي عنه ما يوافق حديث وائل بن حجر٢. فهذا أبرز ما استدل به ابن القَيِّم ﵀ على تأكيد دعوى القلب في هذا الحديث، ورجحان البداءة بالركبتين. والجواب عن ذلك من وجوه: - أما قوله: إن أهل اللغة لا يعرفون أن ركبتي البعير في يديه: فغير صحيح، فقد قال ابن منظور: "وركبة البعير في يده ... وركبتا يدي البعير: المفصلان اللذان يليان البطن إذا برك، وأما المفصلان الناتئان من خلف: فهما العرقوبان. وكل ذي أربع ركبتاه في يديه، وعرقوباه في رجليه"٣. فإذا ثبت ذلك لغةً، فإن أول الحديث يوافق آخره ولا يخالفه، فيكون الساجد مأموراً بالنزول على يديه، مخالفاً بذلك فعل البعير الذي ينزل على ركبتيه، وحينئذٍ لا يكون لابن القَيِّم ﵀ متعلق في ذلك من ناحية اللغة. - وأما الحديث الذي ساقه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: " إذا

стр. 813

سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه ... ": فحديث ضعيف لا تقوم بمثله حجة، أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) ١ - كما عزاه ابن القَيِّم، وعزاه أيضاً: إلى الأثرم في (سننه) - والبيهقي في (سننه) ٢، من طريق: محمد بن فضيل، عن عبد الله بن سعيد٣، عن جَدِّهِ، عن أبي هريرة ﵁ به. قال البيهقي عقبه: "إلا أن عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف". وقال الحافظ ابن حجر: "ولكن إسناده ضعيف"٤. قلت: بل إنَّ هذا الإسناد شديد الضَّعْفِ؛ فإن عبد الله المقبري قال فيه أحمد، والفلاس، والدارقطني: "متروك". وكَذَّبَه يحيى بن سعيد، وقال الفلاَّس أيضاً: "منكر الحديث". وقال البخاري: "تركوه"٥. فلا أدري كيف أورده ابن القَيِّم ﵀ مورد الاحتجاج، مع معارضة الحديث الصحيح له؟ ٦. وقد قلبَ الشيخ الألباني هذه الدعوى - دعوى القلب - على ابن القَيِّم ﵀؛ فقال في حديث المقبري هذا: "وأحسنُ الظنِّ بهذا الْمُتَّهَم أنه أراد أن يقول: فليبدأ بيديه قبل ركبتيه - كما في الحديث

стр. 814

الصحيح - فانقلب عليه، فقال: بركبتيه قبل يديه"١. - وأما ما استدل به ابن القَيِّم من رواية أبي هريرة أيضاً: " أن النبي ﷺ كان إذا سجد بدأ بركبتيه": فيقال فيه ما قيل في الذي قبله، فقد ساقه ابن القَيِّم ﵀ من رواية: ابن أبي داود، عن يوسف بن عدي، عن ابن فضيل ... بالإسناد السابق بعينه: ففيه هذا المتروك "عبد الله بن سعيد الْمَقْبُرِيّ". فكيف تُعارَضُ الأحاديث الصحيحة بمثله؟! فإذا ظهر ذلك، فإن حديث أبي هريرة ﵁ يكون قد سَلِمَ من الإعلال سنداً ومتناً، وأن ابن القَيِّم ﵀ لم يكن مصيباً في إعلاله إياه. - وأما قوله بأن حديث أبي هريرة قد وقع فيه اختلاف واضطراب: فَيُجَاب عنه بأن ذلك ليس اضطراباً مؤثراً، وذلك لعدم تساوي وجوهه في القوة، فقد تقدم أن حديث أبي هريرة الذي يعارض حديث الباب ضعيف - بل شديد الضعف، لضعف عبد الله بن سعيد - فَيَتَرَجَّحُ عليه حديث أبي هريرة الذي فيه وضعُ اليدين قبل الركبتين، وإذا أمكن الترجيح زالت دعوى الاضطراب. ثم إن حديث أبي هريرة ﵁ له شاهد من رواية:

стр. 815

٢٧- (١٢) عبد الله بن عمر ﵄: " أَنَّه كَانَ يَضَعُ يَدَيْهِ قبل ركبتيه، ويقول: كَانَ النَّبِيُّ يَفْعَل ذلك". ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث، ونقل فيه تصحيح الحاكم ولم يتعقبه بشيء١، ولكنه قال مرة: "وأما حديث ابن عمر: فالمرفوع منه ضعيف ... "٢. وقال مرة أخرى: "حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة وابن عمر"٣. قلت: هذا الحديث أخرجه ابن خزيمة في (صحيحه) ٤، والدارقطني في (سننه) ٥ من طريق: أصبغ بن الفرج٦. وأخرجه الحاكم في (المستدرك) ٧ - ومن طريقة البيهقي٨ - من طريق: محرز بن سلمة٩.

стр. 816

والحازمي في (الاعتبار) ١ من طريق: ابن وهب، كلهم عن: عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ به. قال الحاكم أبو عبد الله: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وقال المنذري: "أخرجه الدارقطني في سننه بإسناد حسن"٢. وقال ابن حجر: "صَحَّحَهُ ابن خزيمة"٣. وقد جَعَلَهُ ابن حجر شاهداً لحديث أبي هريرة الماضي، فقال: "وهو - يعني حديث أبي هريرة - أقوى من حديث وائل بن حجر ... ؛ فإن للأول شاهداً من حديث ابن عمر ... "٤. ومع ذلك، فقد قال الدارقطني ﵀ عن حديث ابن عمر هذا: "وهذا تَفَرَّدَ به الدراوردي، عن عبيد الله". وقال مرة: "تفرد به أصبغ بن الفرج، عن عبد العزيز الدراوردي عن عبيد الله". نقل ذلك عن الدارقطني المنذري - ولم أقف عليه - ثم قال: "وأصبغ بن الفرج حَدَّثَ عنه البخاري في صحيحه محتجاً به ... وعبد العزيز الدراوردي احتجَّ مسلم بحديثه في صحيحه، وأخرج البخاري حديثه في صحيحه مقروناً بعبد العزيز بن أبي حازم"٥.

стр. 817

قلتُ: أما تَفَرُّد أصبغ بن الفرج به، فقد تقدم أنه تابعه عليه: محرز بن سلمة، وابن وهب، كلاهما عن الدراوردي به، ولذلك قال ابن حجر ﵀: "ولم يتفرد به أصبغ كما ترى"١. ونظير قول الدارقطني هذا، ما قاله الحازمي ﵀، إذ قال: "هذا الحديث يُعَدُّ في مفاريد عبد العزيز، عن عبيد الله"٢. قال الحافظ ابن حجر عقب قول الحازمي هذا: "وهذا أشبه بالصواب"٣. يعني من قول الدارقطني: "تفرد به أصبغ بن الفرج". وهذا من ابن حجر ﵀ موافقة على القول بتفرد الدراوردي بهذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، وقد تُكُلِّم في رواية الدراوردي عن عبيد الله٤. ولكن، لما كان للحديث شاهدٌ من رواية أبي هريرة كما تقدم، فإن تفرد الدراوردي عن عبيد الله هنا لا يضرُّ؛ لأن أصل الحديث ثابتٌ من وجه آخر. وقد أعله البيهقي بعلة أخرى، فقال: "ولا أراه إلا وَهْماً - يعني رفعه - ... والمشهور عن عبد الله بن عمر في هذا: ما أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري ... " فساقه بإسناده إلى حماد بن زيد، عن أيوب،

стр. 818

عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أنه قال: " إذا سجد أحدكم فليضع يديه، فإذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه"١. ورَدَّهُ ابن التركماني، فقال: "وما عَلَّلَه به البيهقي ... فيه نظر؛ لأن كلاًّ منهما معناه منفصل عن الآخر"٢. وقال الحافظ ابن حجر: "ولقائلٍ أن يقول: هذا الموقوف غير المرفوع؛ فإن الأول في تقديم وضع اليدين على الركبتين، والثاني في إثبات وضع اليدين في الجملة"٣. فثبت بذلك أن حديث ابن عمر هذا: وإن أُعِلَّ بتفرد الدراوردي به، إلا أنه بانضمام حديث أبي هريرة إليه يتقوَّى، ولا يقلُّ بذلك عن درجة الحسن إن شاء الله. فالحاصل: أن الراجح في ذلك هو ما جاء عن النبي ﷺ من النزول باليدين في السجود، أمراً منه ﷺ وفعلاً، وأن ما جاء على خلاف ذلك فإنه لا يقوى على معارضته، حتى إن أبا عبد الله الحاكم مع كلامه في تقوية حديث وائل بن حجر في تقديم الركبتين، إلا أنه قال: "فأما القَلْبُ في هذا فإنه إلى حديث ابن عمر أَمْيَل، لرواياتٍ في ذلك كثيرة عن الصحابة والتابعين"٤.

стр. 819

٩- باب ما جاء في التشهد في الصلاة ٢٨- (١٣) عن ابن مسعود ﵁: "أنَّ النبي ﷺ أَخَذَ بيده فَعَلَّمَه التَّشَهُّدَ: "التَّحِيَّات لله والصَّلَوات والطَّيِّبَات، السَّلام عليك أيُّهَا النَّبيُّ ورحمةُ الله وبركاته، السَّلام علينَا وعلى عباد الله الصَّالِحِين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله". فإذا قلتَ ذلك فقد تَمَّتْ صَلاتُكَ، فإن شئتَ فَقُمْ، وإن شئتَ فَاقْعُدْ". ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث، ثم قال: "قال الدارقطني، والخطيب، والبيهقي، وأكثر الحفاظ: الصحيح أن قوله: "إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك". من كلام ابن مسعود، فَصَلَه شبابة عن زهير، وجَعَلَه من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه بالصواب ممن أَدْرَجَهُ، وقد اتفق من روى تشهد ابن مسعود ﵁ على حذفه"١. قلت: هذا الحديث يرويه: الحسن بن الحُرِّ٢، عن القاسم بن مخيمرة٣، عن علقمة، عن ابن مسعود. ويرويه عن الحسن بن الحرِّ جماعة، منهم: محمد بن عجلان٤،

стр. 820

والحسين بن علي١، وزهير بن معاوية٢، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان٣. فأما محمد بن عجلان، والحسين بن علي: فقد روياه عن الحسن بن الحر بدون ذكر هذه الزيادة. أخرج رواية ابن عجلان: الطبراني في (الكبير) ٤ والدارقطني في (سننه) ٥، والخطيب في (الفصل) ٦ من طرق عن: محمد بن عجلان، عن الحسين بن الحر ... به، إلى قوله ﷺ : " ... وأشهد أن محمداً عبده ورسوله". وأخرج هؤلاء الثلاثة٧ - ومعهم أحمد في (مسنده) ٨ - حديث: الحسين بن علي، عن الحسن بن الحر بمثل حديث ابن عجلان.

стр. 821

فهكذا رواه: محمد بن عجلان، والحسين بن علي - وتابعهما محمد ابن أبان، كما أشار الدارقطني١ - رووه عن: الحسن بن الحر، فلم يذكروا هذه الزيادة. وأما زهير بن معاوية - فكما قال الدارقطني ﵀: " ... زاد عليهما في آخره كلاماً أدرجه بعض الرواة عن زهير في حديث النبي ﷺ ، وهو قوله: إذا قضيت هذا ... "٢. وقد أخرج حديثَ زهير بهذه الزيادة: أبو داود في (سننه) ٣ من طريق: عبد الله بن محمد٤ النفيلي، وأحمد في (مسنده) ٥ من طريق: يحيى ابن آدم٦، والطيالسي في (مسنده) ٧، والدارمي فيه٨ من طريق: أبي نعيم٩، والدارقطني في (سننه) ١٠ من طريق: موسى بن داود١١،

стр. 822

والحاكم في (علوم الحديث) ١ من طريق: عاصم بن علي٢، كلهم عن: زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة بيدي، فَحَدَّثَنِي أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله فَعَلَّمَه التشهد ... الحديث، وفي آخره: "فإذا قلتَ ذلك فقد تَمَّتْ صلاتك، فإن شئتَ فقم، وإن شئتَ فاقْعُدْ". هذا سياق الطيالسي، وسياق الباقين نحو. وقد حَكَمَ الأئمة على هذه الزيادة في رواية زهير بأنها مُدْرَجَةٌ في الحديث وليست من كلام النبي ﷺ ، فقال الدارقطني: "ورواه زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر، فزاد في آخره كلاماً ... فأدرجه بعضهم عن زهير في الحديث، ووصله بكلام النبي ﷺ "٣. وقال الحاكم: "وقوله: "إذا قلت هذا". مدرج في الحديث من كلام عبد الله بن مسعود؛ فإن سَنَدَهُ عن النبي ﷺ ينقضي بانقضاء التشهد"٤. وقال البيهقي: "هذا حديث قد رواه جماعة عن أبي خيثمة زهير بن معاوية، وأدرجوا آخر الحديث في أوله"٥. وكذا قال الخطيب البغدادي٦، وقال النووي:

стр. 823

"اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ على أنها مدرجة"١. ونقل اتفاق الحفاظ على ذلك أيضاً: الحافظ العراقي٢. وقد استدلَّ الأئمة على وقوع الإدراج في هذه اللفظة بأمور: أولها: أن شَبَابَةَ بن سَوَّار٣ رواه عن زهير بن معاوية ففصل قول ابن مسعود من كلام النبي ﷺ . أخرج رواية شبابة هذه: الدارقطني في (سننه) ٤ - ومن طريقه: البيهقي٥، والخطيب٦ - من طريق: شبابة، عن زهير بن معاوية به، وفي آخره: "قال عبد الله: فإذا قلتَ ذلك.... قال الدارقطني عقبه: "شبابة ثقة، وقد فصل آخر الحديث، جعله من قول ابن مسعود، وهو أصح من رواية من أدرج آخره في كلام النبي ﷺ . الثاني: أن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان - رابع الرواة عن الحسن بن الحرُّ ممن تقدم ذكرهم - قد رواه عن الحسن بن الحر، كما

стр. 824

جاء في رواية شبابة عن زهير، رواه عنه: غسان بن الربيع١، فَتَابَعَ بذلك شبابة في شيخ شيخه. أخرجه: ابن حبان في (صحيحه) ٢، والطبراني في (الأوسط) ٣ والدارقطني في (السنن) ٤، والحاكم في (علوم الحديث) ٥، والخطيب في (الفصل) ٦، من طرق، عن: غسان بن الربيع، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن الحسن بن الحُرّ به، وفي آخره: "ثم قال ابن مسعود: إذا فَرَغْتَ من هذا، فقد فرغت من صلاتك، فإن شئت فاثبت، وإن شئت فانصرف". هذا لفظه عندهم، ووقع عند الحاكم من بينهم: "فإن شئت فاقعد، وإن شئت فقم". وغسان بن الربيع ضَعَّفَهُ الدارقطني٧، لكنه قال فيه مرة: "صالح"٨ وَوَثَّقُهُ ابن حبان٩. ومع ذلك فقد تابعه بقية بن الوليد، كما أخرجه

стр. 825

الخطيب بإسناده إلى بقية، قال: حدثنا ابن ثوبان١ فذكره. وقد صَرَّحَ بقية بالتحديث، فزالت تهمة تدليسه. وقد ترجم أبو حاتم بن حبان على هذا الخبر بقوله: "ذكر البيان بأن قوله: فإذا قلت هذا ... إنما هو قول ابن مسعود، وليس من كلام النبي ﷺ ، أَدْرَجَهُ زهير في الخبر". وقال أبو عبد الله الحاكم بعد إخراجه: "فقد ظَهَرَ لمن رُزِقَ الفهم: أن الذي مَيَّزَ كلام عبد الله بن مسعود من كلام النبي ﷺ ، فقد أتى بالزيادة الظاهرة، والزيادةُ من الثقة مقبولة". وقال الدارقطني: "وكذلك رواه ابن ثوبان، عن الحسن بن الحُرِّ، وبَيَّنَه، وفصل كلام النبي ﷺ من كلام ابن مسعود، وهو الصواب"٢. الثالث: من الأدلة - أيضاً - على كون هذه اللفظة مدرجة: اتفاق كلِّ من روى التشهد عن علقمة، وعن غيره، عن عبد الله بن مسعود على ذلك، يعني عدم ذكر هذه الزيادة. قاله الدارقطني٣ ﵀. وقال أبو محمد بن حزم: "وقد روى هذا الحديث عن علقمة: إبراهيم النخعي - وهو أضبط من القاسم - فلم يذكر هذه الزيادة"٤. قلت: وحديث إبراهيم النخعي أخرجه النسائي في (سننه) ٥ من طريق: حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن

стр. 826

مسعود ﵁ به، وفيه تعليم النبي ﷺ له التشهد إلى قوله: " ... وأشهد أن محمداً عبده ورسوله". وأخرجه البخاري في (صحيحه) ١ من طريق: أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود، بمثله. ورواه غير هؤلاء كذلك بدون هذه الزيادة٢. فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث صحيح عن النبي ﷺ بدون قوله: " فإذا قضيت ذلك ... ". فإن هذه الزيادة مدرجة من كلام ابن مسعود ﵁، أدرجها زهير - أو من دونه - في هذا الحديث. وقد بين الأئمة: الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، والخطيب، والنووي، والعراقي وغيرهم ذلك، ونَبَّهُوا عليه، بل جعله الخطيب ﵀ أول حديث في كتابه الذي صنفه في المدرج٣. وقد اختار ابن القَيِّم ﵀ ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة، فأصابَ.

стр. 827

١٠- باب في ذكر نوع آخر من التشهد ٢٩ - (١٤) عن جابر ﵁، أنه قال: كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنَا التشهد كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورة من القرآن: "بِسْم الله، وبالله، التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ مُحَمَّداً عبده ورسوله، أسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار". قال ابن القَيِّم ﵀: "ولم تجئ التسمية في أول التشهد إلا في هذا الحديث، وله عِلَّةٌ غير عنعنة أبي الزبير"١. قلت: هذا الحديث أخرجه: النسائي، وابن ماجه في (سننيهما) ٢، والترمذي في (العلل) ٣، والطيالسي في (مسنده) ٤ - ومن طريقه: البيهقي٥ - ومسلم في كتاب (التمييز) ٦، والدارقطني في (العلل) ٧،

стр. 828

والحاكم في (المستدرك) ١، كلهم من طريق: أيمن بن نابل٢، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ به. وقد أُعِلَّ هذا الحديث كما أشار ابن القَيِّم ﵀، وعلته: أن أيمن بن نابل قد وَهِمَ في إسناده ومتنه، وخالفه من هو أوثق منه، وأكثر اختصاصاً بأبي الزبير، وهو: الليث بن سعد، فرواه عن: أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعاً، ولم يذكروا فيه تلك الزيادة، وهي قوله: "بسم الله وبالله". وتابع الليثَ على ذلك جماعةٌ. وأيمن بن نابل: صدوق، وثقة الأكثرون٣، ولكن أخذ عليه بعضهم أنه يخطئ ويُخالِف، فقال ابن حبان: "كان يخطئ وينفرد بما لا يُتَابع عليه ... والذي عندي: تَنَكُّبُ حديثه عند الاحتجاج - إلا ما وافق الثقات - أولى من الاحتجاج به"٤. وقال الدارقطني: "ليس بالقويِّ، خالف الناس"٥. وتقدم قول ابن حجر: "صدوق يهم". وقد كشف الأئمة ﵏ عن وجه إعلال هذا الحديث، وموضع الخطأ والوهم فيه، فقال الإمام الترمذي: " ... سألت محمداً عن هذا الحديث؟ فقال: هو غير محفوظ، هكذا يقول أيمن بن نابل: عن

стр. 829

أبي الزبير، عن جابر. وهو خطأ، والصحيح: ما رواه الليث بن سعد: عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير وطاوس، عن ابن عباس. وهكذا رواه عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي، عن أبي الزبير، مثل رواية الليث بن سعد"١. وقال الإمام مسلم في كتاب (التمييز) ٢: "هذه الرواية من التشهد، والتشهد (كذا) غير ثابت الإسناد والمتن جميعاً، والثابت: ما رواه الليث، وعبد الرحمن بن حميد ... " فساقه بإسناده من طريقهما، ثم قال: "فقد اتفق الليث، وعبد الرحمن بن حميد الرؤاسي: عن أبي الزبير، عن طاوس. وروى الليث، فقال: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وكلُّ واحدٍ من هذين عند أهل الحديث أثبت في الرواية من أيمن، ولم يذكر الليث في روايته حين وصف التشهد: "بسم الله وبالله". فلما بانَ الوهمُ في حفظ أيمن لإسناد الحديث، بخلاف الليث وعبد الرحمن إياه، دَخَلَ الوهم - أيضاً - في زيادته في المتن، فلا يثبت ما زاد فيه. وقد رُوي التشهد عن رسول الله ﷺ من أوجه عدة صحاح فلم يذكر في شيء منه بما روى أيمن في روايته قوله: "بسم الله وبالله". ولا ما زاد في آخره من قوله: " أسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار"، والزيادة في الأخبار لا يلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يُعثر عليهم الوهم في حفظهم". وقال الترمذي: "وهو غير محفوظ"٣. قال ذلك عقب إخراجه لحديث الليث بن سعد الماضي ذكره.

стр. 830

وقال النسائي: "لا نعلم أحداً تابع أيمنَ بن نابل على هذه الرواية، وأيمن عندنا لا بأس به، والحديث خطأ، وبالله التوفيق"١. وقال الدارقطني - بعد أن ذَكَرَ الخلاف فيه -: "وحديث ابن عباس أشبه بالصواب من حديث جابر"٢. وقال مرةً - وقد سئل عن أيمن بن نابل-: "خالف الناس، ولو لم يكن إلا حديث التشهد، خالفه الليث، وعمرو بن الحارث، وزكريا بن خالد: عن أبي الزبير"٣. وقال حمزة الكناني: "قوله: عن جابر. خطأ، ولا أعلم أحداً قال في التشهد: " بسم الله وبالله". إلا أيمن"٤. وقال البيهقي: "تفرد به أيمن بن نابل، عن أبي الزبير، عن جابر"٥. وقال الحافظ ابن حجر: "ورجاله ثقات، إلا أن أيمن بن نابل - راويه عن أبي الزبير - أخطأ في إسناده، وخالفه الليث - وهو من أوثق الناس في أبي الزبير - فقال: عن أبي الزبير، عن طاوس وسعيد بن جبير، عن ابن عباس"٦. فهذا كلام هؤلاء الأئمة الأعلام في بيان علة هذا الحديث، ووجه

стр. 831

الخطأ فيه، وأما رواية الليث بن سعد ومن وافقه، التي صوبها الأئمة، فأشير إليها على سبيل الاختصار. فحديث الليث بن سعد: أخرجه الإمام مسلم في (صحيحه) ١، وفي (التمييز) ٢ له، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه في (سننهم) ٣، وابن خزيمة في (صحيحه) ٤، والدارقطني في (سننه) ٥، كلهم من طريق: الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير وطاوس، عن ابن عباس ﵄، أنه قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: "التحيات المباركات الصلوات لله، السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله". هذا لفظ مسلم، ولفظ الباقين مثله، لكنهم قالوا: "كما يعلمنا القرآن". إلا ابن ماجه، فإنه وافق مسلماً، على أن لفظ الجماعة هو إحدى الروايات عند مسلم. قال الترمذي: "حديث حسن غريب صحيح". وقال الدارقطني: "هذا إسناد صحيح".

стр. 832

وتابع الليث على هذه الرواية: عبد الرحمن بن حميد١، أخرجه من هذا الطريق: مسلم في (صحيحه) ٢، وفي (التمييز) ٣ أيضاً، وعَلَّقَهُ الترمذي في (جامعه) ٤ كلهم من طريق: عبد الرحمن بن حميد، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄، أنه قال: "كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن". وتابعهما: عمرو بن الحارث، أخرجه الدارقطني في (سننه) ٥ من طريقه، عن: أبي الزبير، عن عطاء وطاوس وسعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ به بنحو ما تقدم من رواية الليث. وثَمَّةَ متابعة رابعة لهؤلاء، أشار إليها الدارقطني في (علله) ٦ من طريق: زكريا بن خالد٧ - قال الدارقطني: "شيخ لأهل الكوفة، يَروي عنه قيس بن الربيع وغيره" - عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس.

стр. 833

فهذه رواية الليث بن سعد ومن تابعه، وهي الرواية التي حكم الأئمة بتقديمها على رواية جابر الماضية. ومع تُظَاهُرِ الأئمة واتفاقهم على الحكم على حديث جابر بالخطأ، فقد صَحَّحَهُ الحاكم ﵀، فقال: "فأما الزيادة في أول التشهد: "باسم الله وبالله" فإنه صحيح من شرط البخاري ... أيمن بن نابل ثقة، فقد احتجَّ به البخاري"١. ومما سبق يتبين لنا أن الأمر على خلاف ما ذهب إليه الحاكم ﵀، ولذلك تَعَقَّبَهُ النووي ﵀ فقال: "وذكر الحاكم أبو عبد الله في المستدرك: أن حديث جابر صحيح، ولا يُقبل ذلك منه؛ فإن الذين ضَعَّفُوهُ أجلُّ من الحاكم وأتقن"٢. فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث بالزيادة المذكورة معلول؛ إذ خُولف أيمن بن نابل في إسناده ومتنه، وقد صحَّ التشهد عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة ليس فيها هذه الزيادة، وإعلال هذا الحديث هو اختيار ابن القَيِّم ﵀، والله أعلم. وأما ما ذكره ابن القَيِّم ﵀ من عنعنة أبي الزبير: فإنه قد صرَّح بالتحديث في رواية الترمذي في (العلل) .

стр. 834

١١- باب التسليم في الصلاة وما جاء في التسليمة الواحد ة ذكر ابن القَيِّم ﵀: أن هديه ﷺ كان التسليم عن يمينه وعن يساره، وأن ذلك مرويٌّ عن النبي ﷺ عن خمسة عشر صحابياً، ثم ذكر حديث عائشة ﵂ في التسليمة الواحدة، فقال: "رُوِيَ عنه ﷺ : ٣٠- (١٥) " أنه كان يُسَلِّمُ تسليمةً واحدةً تلقاءَ وجهه". ثم قال: "ولكنْ لم يثبت عنه ذلك من وجهٍ صحيح"١ وتعرَّض ﵀ لهذه القضية في (إعلام الموقعين) ٢ فَذَكَر ضَعْفَ أحاديث التسليمة الواحدة، ومنها هذا الحديث ثم قال: "أما حديث عائشة: فمعلولٌ باتفاق أهل العلم بالحديث". ثم بَيَّنَ أقوال العلماء فيه. ثم قال ابن القَيِّم: "وأجود ما فيه: ٣١- (١٦) حديث عائشة ﵂: " أنه ﷺ كان يُسَلِّمُ تسليمةً واحدةً: السلام عليكم، يرفع بها صوته حتى يُوقِظَنَا". قال: "وهو حديث معلول، وهو في السنن، لكنه كان في قيام الليل ... "٣.

стр. 835

قلت: أما الحديث الأول: فإنه يُروى عن زهير بن محمد١، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة ﵂. ورواه عن زهير: عمرو بن أبي سلمة٢، وتابعه عبد الملك بن محمد٣. أما رواية عمرو بن أبي سلمة: فأخرجها الترمذي في (جامعه) ٤، والدارقطني في (سننه) ٥، وابن خزيمة وابن حبان في (صحيحهما) ٦، والحاكم في (المستدرك) ٧، والبيهقي في (السنن) ٨، والعقيلي في (الضعفاء) ٩. كلهم بالإسناد المذكور، إلى عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان يُسَلِّمُ في الصلاة تسليمة واحدةً تلقاء وجهه، يميل إلى الشقِّ الأيمن شيئاً". هذا لفظ الترمذي. وهو لفظ ابن خزيمة،

стр. 836

والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، إلا أن عند الحاكم: "قليلاً شيئًا"بدل "شيئاً"، وعند الدارقطني: "قليلاً"وعند البيهقي "شيئاً أو قليلاً". أما لفظ ابن حبان فهو: " ... يميل بها وجهه إلى القبلة". وجاء عند العقيلي مختصراً، فقال: " كان يُسَلِّم تَسليمةً واحدةً". وأما رواية عبد الملك بن محمد، عن زهير: فأخرجها ابن ماجه في (سننه) ١، ولفظه: " أن رسول الله ﷺ كان يُسَلِّمُ تسليمة واحدةً تلقاء وجهه". كذا رواه عبد الملك، وعمرو بن أبي سلمة مرفوعاً، وخالفهما الوليد ابن مسلم٢ فرواه عن زهير عن هشام، عن أبيه، عن عائشة موقوفاً: "أنها كانت تسلم تسليمة واحدة". أخرجه كذلك العقيلي في كتابه (الضعفاء) ٣. وقد حَكَمَ الأئمة بصحةِ الرواية الموقوفة، وأنَّ رَفْعَهُ لا يصحُّ؛ فقال أبو عيسى الترمذي: "حديث عائشة لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، قال محمد بن إسماعيل: زهير بن محمد: أهل الشام يروون عنه مناكير، ورواية أهل العراق عنه أشبه وأصحُّ". وقال أبو حاتم - حينما سئل عن الرواية المرفوعة -: "هذا حديث منكرٌ، وهو عن عائشة

стр. 837

موقوف"١. وَرَجَّحَ الوقف أيضاً: البزار، كما نقله عنه الحافظ ابن حجر٢. وقال العقيلي: "ورواية الوليد أولى" يعني الموقوفة. وقال الدارقطني - بعد أن ذكر أوجه الاختلاف فيه على زهير -: "وهو الصحيح - يعني الموقوف - ومن رَفَعَهُ فقد وَهِم"٣. وقال ابن عبد البر: "وأما حديث عائشة ... فلم يرفعه أحدٌ إلا زهير بن محمد وحده، عن هشام بن عروة، عن أبيه ... وزهير بن محمد ضعيف عند الجميع، كثير الخطأ لا يحتجُّ به"٤. قلت: وفيما قال أبو عمر نظر؛ فإن زهير بن محمد وَثقَهُ جماعة، فقال أحمد: "ثقة". وقال قال مرة: "لا بأس به"، وقال ابن معين: "ثقة". وقال مرة: "لا بأس به". وقال عثمان الدارمي وصالح بن محمد: "ثقة صدوق". وقال يعقوب بن شيبة: "صدوق صالح الحديث"٥. والوهم في هذا الحديث على الرواة عنه: عمرو بن أبي سلمة التنيسي أو غيره، فقد قال الإمام أحمد: " ... وأما أحاديث أبي حفص ذاك التنيسي عنه: فتلك بواطيل موضوعة ... "٦. وقال النسائي: "ليس به بأس، وعند

стр. 838

عمرو بن أبي سلمة - يعني التنيسي - عنه مناكير"١. وقد نصَّ على مثل ذلك: الطحاوي ﵀ فقال: "وزهير ابن محمد وإن كان رجلاً ثقة، فإن رواية عمرو بن أبي سلمة عنه تُضَعَّفُ جداً"٢. وانفرد الحاكم أبو عبد الله بتصحيحه مرفوعاً، فقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". ولكن تَعَقَّبَهُ النووي، فقال: "ضَعَّفَهُ الجمهور، ولا يقبل تصحيح الحاكم له ونحوه ... "٣. وكذا ضَعَّفَهُ أبو محمد بن حزم٤. أما الوليد بن مسلم: فقد جاء به عن زهير موقوفاً، وقال في آخره: "فقلت لزهير بن محمد: فهل بلغك عن رسول الله ﷺ فيه شيء؟ قال: نعم، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري: أن رسول الله ﷺ كان يسلم تسليمة"٥. قال ابن حجر عقب هذا الكلام: "فَتَبَيَّنَ أن الرواية المرفوعة وهمٌ"٦. قلت: وصَرَّحَ الوليد فيه بالتحديث عن زهير، فانتفت بذلك شبهة التدليس الذي عُرِفَ به. وقد صَحَّحَ الأئمة روايته، وقَدَّمُوها على رواية من رفعه.

стр. 839

فإذا تَبَيَّنَ ذلك علمنا أن ابن القَيِّم ﵀ قد أصاب حين قال: "ولكن لم يثبت عنه ذلك - أي النبي ﷺ من وجه صحيح"١. ومما يؤيد صحة رواية الوقف: أنه قد رُوي عن عائشة - من غير وجه - عن عبيد الله بن عمر٢، عن القاسم، عنها موقوفاً عليها: فأخرج ابن خزيمة في (صحيحه) ٣ من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد٤، ومن طريق وهيب بن خالد٥، ومن طريق يحيى بن سعيد: ثلاثتهم عن: عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة: " أنها كانت تُسَلَّمُ تسليمة واحدة قُبالَةَ وجهها: السلام عليكم"هذا لفظ وهيب. وعَلَّقَهُ الحاكم عن وهيب٦، وأخرجه البيهقي من طريق

стр. 840

عبد الوهاب١. قال الحافظ ابن حجر عن طريق وهيب: "وهذا سند صحيح"٢. هذا ما يتعلق بهذا الحديث في التسليمة الواحدة، أما الحديث الآخر الذي ساقه ابن القَيِّم ﵀ عن عائشة أيضاً في صلاته ﷺ بالليل، وقوله فيه: "وهو حديث معلول". فقد أخرجه ابن حبان في (صحيحه) ٣ من طريق: قتادة، عن زرارة ابن أوفى، عن سعد بن هشام٤، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله ويذكره ويدعو، ثم ينهض ولا يُسَلِّم، ثم يصلي التاسعة، ويذكر الله ويدعو، ثم يسلم تسليمة يسمعناه، ثم يصلي ركعتين وهو جالس". وهو عند أبي داود في رواية٥. قال الحافظ ابن حجر: "إسناده على شرط مسلم، ولم يستدركه الحاكم، مع أنه أخرج حديث زهير بن محمد عن هشام كما قدمناه"٦. يعني الحديث الذي مضى معنا قبل قليل، والذي رَجَّحَ الحفاظ وقفه.

стр. 841

وقد أخرجه أبو داود في (سننه) ١ من طريق: بهز بن حكيم، عن زرارة، عن عائشة ﵁ بنحو حديث ابن حبان، وسياقه أطول، وفيه: "ويسلم تسليمة واحدةً شديدةً يكاد يوقظ أهل البيت من شدة تسليمه ... "وهذه هي الرواية التي أشار إليها ابن القَيِّم ﵀. قال المنذري عقب رواية أبي داود هذه: "ورواية زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة هي المحفوظة، وعندي في سماع زرارة من عائشة نظرٌ، فإن أبا حاتم الرازي قال: سمع زرارة من عمران بن حصين، ومن أبي هريرة، ومن ابن عباس ... قال: هذا ما صحَّ له٢. وظاهر هذا أنه لم يسمعه عنده من عائشة"٣. قلت: ولعلَّ هذا الذي ذكره المنذري هو ما عَنَاهُ ابن القَيِّم بقوله: "حديث معلول". وقد تقدم: أن رواية ابن حبان سالمة من هذه العلة، فإن فيها: "زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة". وأنها هي الصواب. وقد ذهب ابن القَيِّم ﵀ كما تقدم - إلى أن هذا الحديث هو أجودُ ما رُوِيَ في التسليمة الواحدة، إلا أنه لا يُعارض حديث التسليمتين؛ لأن حديث عائشة هذا في قيام الليل خاصة، والآخر في الفرض والنفل. على أنه إن قُدِّرَ تعارضهما، فإن ابن القَيِّم يرى أنَّ حديث التسليمتين أرجح من الآخر لوجوه:

стр. 842

أولها: أن الذين رووا أحاديث التسليمتين أكثر عدداً، وأحاديثهم أصحَّ، فهي تدور ما بين الصحيح والحسن. ثانيها: أن عائشة ﵂ -لم تنف التسلمية الثانية، بل سَكَتَتْ عنها، فلا يُقَدَّمُ سكوتها على من ذكرها وضبطها وحفظها١. قلت: ولعلَّ سكوتها ﵂ عن التسلمية الثانية لأنها لم تسمعها فربما كان النبي ﷺ يرفع صوته بالأولى بقصد الإيقاظ، ويخفض صوته بالثانية، فَحَكَتْ عائشة ﵂ ما سمعته وحكى غيرها ما رأى وسمع. وقد ذهب الشيخ أحمد شاكر ﵀ إلى الجمع بين الروايتين فقال: " ... إن التسليمة الواحدة كانت منه ﷺ في بعض الأحيان في صلاة الليل، والصحابة الذين رووا عنه التسليمتين إنما يحكون التسليم الذي رأوه في صلاته في المسجد وفي الجماعة، وبهذا نجمع بين الروايتين"٢. فالحاصل: أنه لم يثبت شيء عن النبي ﷺ في التسليمة الواحدة في الصلاة المكتوبة، وأن الحديث المرويَّ في ذلك: الصحيح أنه موقوف على عائشة من فعلها. وقد قَرَّرَ ابن القَيِّم ﵀ عدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ من وجه صحيح. وأن ما صحَّ عن النبي في ذلك: إنما وقع

стр. 843

في صلاة الليل فلا يعارض حديث التسليمتين، ولو قُدِّرَ التعارض فحديث التسليمتين أرجح من الآخر لأمور ذكرها ابن القَيِّم ﵀. على أن قوماً ذهبوا إلى التسلمية الواحدة في المكتوبة، كما قال الترمذي١ ﵀. وقال الليث بن سعد: "أدركت الأئمة والناس يُسَلِّمُون تسليمة واحدة: السلام عليكم"٢. وذهب ابن خزيمة ﵀ إلى أن ذلك من اختلاف المباح، وأن المُصَلى في ذلك مُخَيَّرٌ كما هو مذهب الحجازيين٣. وكذا قال ابن عبد البر في "الاستذكار"٤: "وكلُّ ما جرى هذا المجرى فهو اختلاف في المباح كالأذان، ولذلك لا يُرْوَى عن عالم بالحجاز ولا بالعراق ولا بالشام ولا بمصر إنكار التسليمة الواحدة ولا إنكار التسليمتين، بل ذلك عندهم معروف ... ".

стр. 844

١٢- باب في صلاة الرجل وحده خلف الصف ٣٢- (١٧) عن وابصة بن معبد الأسدي ﵁ "أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يُصَلي خلف الصَّفِّ وَحْدَهُ، فأمره أن يُعِيدَ". قال ابن القَيِّم ﵀: "وحديث وابصة أخرجه أيضاً١: ابن حبان في (صحيحه) ، والإمام أحمد"٢. ثم ذكر ﵀ أن الحديث أُعِلَّ بعلتين: الأولى: أنه وقع اختلاف في إسناده واضطراب، وأن الشافعي أَعَلَّهُ بذلك، فقال: "قد سمعت من أهل العلم بالحديث من يذكر: أن بعض الْمُحَدِّثِينَ يُدخِلُ بين هلال بن يساف ووابصة رجلاً. ومنهم من يرويه عن هلال عن وابصة، سمعه منه. وسمعت بعض أهل العلم منهم كان يوهنه بما وصفت"٣. العلة الثانية: أن هلال بن يساف تَفَرَّدَ به عن وابصة. ثم قال: "والعلتان جميعاً ضعيفتان". ثم أخذ في الجواب عنهما. قلت: هذا الحديث مداره على هلال بن يساف٤ وقد رُوِيَ عنه على أوجه:

стр. 845

أولها: ما رواه عمرو بن مرة١، قال: سمعت هلال بن يساف، قال: سمعت عمرو بن راشد٢، عن وابصة بن معبد به. أخرجه كذلك: أبو داود٣، والترمذي٤، والطيالسي، وأحمد في (مسنديهما) ٥، وابن حبان في (صحيحه) ٦، والبيهقي في (سننه) ٧. وهذا إسناد رجاله ثقات، ليس فيهم إلا عمرو بن راشد، روى عنه جماعة، ولم يوثقه غير ابن حبان٨، وقال ابن حجر: "مقبول" يعني حيث يُتابع، وقد تُوبِعَ كما سيأتي. ثانيها: ما رواه حُصين بن عبد الرحمن٩، عن هلال بن يساف قال:
следующие страницы →