← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 11401

ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها

جمال بن محمد السيد

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وقد أخرجه أبو داود في (سننه) ١ من طريق: بهز بن حكيم، عن زرارة، عن عائشة ﵁ بنحو حديث ابن حبان، وسياقه أطول، وفيه: "ويسلم تسليمة واحدةً شديدةً يكاد يوقظ أهل البيت من شدة تسليمه ... "وهذه هي الرواية التي أشار إليها ابن القَيِّم ﵀. قال المنذري عقب رواية أبي داود هذه: "ورواية زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة هي المحفوظة، وعندي في سماع زرارة من عائشة نظرٌ، فإن أبا حاتم الرازي قال: سمع زرارة من عمران بن حصين، ومن أبي هريرة، ومن ابن عباس ... قال: هذا ما صحَّ له٢. وظاهر هذا أنه لم يسمعه عنده من عائشة"٣. قلت: ولعلَّ هذا الذي ذكره المنذري هو ما عَنَاهُ ابن القَيِّم بقوله: "حديث معلول". وقد تقدم: أن رواية ابن حبان سالمة من هذه العلة، فإن فيها: "زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة". وأنها هي الصواب. وقد ذهب ابن القَيِّم ﵀ كما تقدم - إلى أن هذا الحديث هو أجودُ ما رُوِيَ في التسليمة الواحدة، إلا أنه لا يُعارض حديث التسليمتين؛ لأن حديث عائشة هذا في قيام الليل خاصة، والآخر في الفرض والنفل. على أنه إن قُدِّرَ تعارضهما، فإن ابن القَيِّم يرى أنَّ حديث التسليمتين أرجح من الآخر لوجوه:

стр. 842

أولها: أن الذين رووا أحاديث التسليمتين أكثر عدداً، وأحاديثهم أصحَّ، فهي تدور ما بين الصحيح والحسن. ثانيها: أن عائشة ﵂ -لم تنف التسلمية الثانية، بل سَكَتَتْ عنها، فلا يُقَدَّمُ سكوتها على من ذكرها وضبطها وحفظها١. قلت: ولعلَّ سكوتها ﵂ عن التسلمية الثانية لأنها لم تسمعها فربما كان النبي ﷺ يرفع صوته بالأولى بقصد الإيقاظ، ويخفض صوته بالثانية، فَحَكَتْ عائشة ﵂ ما سمعته وحكى غيرها ما رأى وسمع. وقد ذهب الشيخ أحمد شاكر ﵀ إلى الجمع بين الروايتين فقال: " ... إن التسليمة الواحدة كانت منه ﷺ في بعض الأحيان في صلاة الليل، والصحابة الذين رووا عنه التسليمتين إنما يحكون التسليم الذي رأوه في صلاته في المسجد وفي الجماعة، وبهذا نجمع بين الروايتين"٢. فالحاصل: أنه لم يثبت شيء عن النبي ﷺ في التسليمة الواحدة في الصلاة المكتوبة، وأن الحديث المرويَّ في ذلك: الصحيح أنه موقوف على عائشة من فعلها. وقد قَرَّرَ ابن القَيِّم ﵀ عدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ من وجه صحيح. وأن ما صحَّ عن النبي في ذلك: إنما وقع

стр. 843

في صلاة الليل فلا يعارض حديث التسليمتين، ولو قُدِّرَ التعارض فحديث التسليمتين أرجح من الآخر لأمور ذكرها ابن القَيِّم ﵀. على أن قوماً ذهبوا إلى التسلمية الواحدة في المكتوبة، كما قال الترمذي١ ﵀. وقال الليث بن سعد: "أدركت الأئمة والناس يُسَلِّمُون تسليمة واحدة: السلام عليكم"٢. وذهب ابن خزيمة ﵀ إلى أن ذلك من اختلاف المباح، وأن المُصَلى في ذلك مُخَيَّرٌ كما هو مذهب الحجازيين٣. وكذا قال ابن عبد البر في "الاستذكار"٤: "وكلُّ ما جرى هذا المجرى فهو اختلاف في المباح كالأذان، ولذلك لا يُرْوَى عن عالم بالحجاز ولا بالعراق ولا بالشام ولا بمصر إنكار التسليمة الواحدة ولا إنكار التسليمتين، بل ذلك عندهم معروف ... ".

стр. 844

١٢- باب في صلاة الرجل وحده خلف الصف ٣٢- (١٧) عن وابصة بن معبد الأسدي ﵁ "أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يُصَلي خلف الصَّفِّ وَحْدَهُ، فأمره أن يُعِيدَ". قال ابن القَيِّم ﵀: "وحديث وابصة أخرجه أيضاً١: ابن حبان في (صحيحه) ، والإمام أحمد"٢. ثم ذكر ﵀ أن الحديث أُعِلَّ بعلتين: الأولى: أنه وقع اختلاف في إسناده واضطراب، وأن الشافعي أَعَلَّهُ بذلك، فقال: "قد سمعت من أهل العلم بالحديث من يذكر: أن بعض الْمُحَدِّثِينَ يُدخِلُ بين هلال بن يساف ووابصة رجلاً. ومنهم من يرويه عن هلال عن وابصة، سمعه منه. وسمعت بعض أهل العلم منهم كان يوهنه بما وصفت"٣. العلة الثانية: أن هلال بن يساف تَفَرَّدَ به عن وابصة. ثم قال: "والعلتان جميعاً ضعيفتان". ثم أخذ في الجواب عنهما. قلت: هذا الحديث مداره على هلال بن يساف٤ وقد رُوِيَ عنه على أوجه:

стр. 845

أولها: ما رواه عمرو بن مرة١، قال: سمعت هلال بن يساف، قال: سمعت عمرو بن راشد٢، عن وابصة بن معبد به. أخرجه كذلك: أبو داود٣، والترمذي٤، والطيالسي، وأحمد في (مسنديهما) ٥، وابن حبان في (صحيحه) ٦، والبيهقي في (سننه) ٧. وهذا إسناد رجاله ثقات، ليس فيهم إلا عمرو بن راشد، روى عنه جماعة، ولم يوثقه غير ابن حبان٨، وقال ابن حجر: "مقبول" يعني حيث يُتابع، وقد تُوبِعَ كما سيأتي. ثانيها: ما رواه حُصين بن عبد الرحمن٩، عن هلال بن يساف قال:

стр. 846

أخَذ زياد بن أبي الجعد١ بيدي ونحن بالرَّقة، فقام بي على شيخ يَقال له: وابصة بن معبد، من بني أسد، فقال زياد: حدثني هذا الشيخ: "أن رجلاً صلى خَلْفَ الصَّفَ وحده - والشيخ يسمع - فَأَمَرَهُ رسول الله ﷺ أن يُعيد الصلاة". أخرجه من هذا الوجه: الترمذي في (جامعه) ٢، وابن ماجه في (سننه) ٣، وأحمد والدارمي في (مسنديهما) ٤، وابن حبان في (صحيحه) ٥، والبيهقي في (السنن) ٦. واللفظ المذكور للترمذي. قال الترمذي: "حديث حسن". وقال الشيخ الألباني: "وهذا سَنَدٌ جَيِّد، رجاله كلهم ثقات، غير زياد بن أبي الجعد، فإن القول فيه كالقول في عمرو بن راشد، وأنه مجهول كما تقدم". قلت: وقال فيه الحافظ أيضاً: "مقبول". قال الشيخ الألباني: "لكن لم يتفرد به زياد، بل تابعه هلال بن يساف في المعنى٧ ... فصارت

стр. 847

الرواية من قبيل القراءة على الشيخ وهلال يسمع"١. الوجه الثالث: ما رواه شمر بن عطية٢ عن هلال بن يساف عن وابصة بن معبد، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن رجلٍ صلَّى خَلْفَ الصفوف وحده؟ فقال: "يعيد الصلاة". أخرجه الإمام أحمد في (مسنده) ٣. قال الشيخ الألباني في (الإرواء) ٤: " ... فرواية شمر بن عطية عن هلال بن يساف عن وابصة له ليست منقطعة كما ظنَّ البعض، لما عرفت من تحديث زياد بالحديث أمام وابصة مُقِرًّا له، وهلال يسمع". قلت: فَتَبَيَّنَ مما سبق أن هلالاً يرويه على ثلاثة أوجه: أحدها: عن عمرو بن راشد عن وابصة. ثانيها: عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة. ثالها: عن وابصة مباشرة. ولذلك فقد أُعِلَّ الحديث - كما تقدم عن الشافعي - لروايته على هذه الأوجه المختلفة، وهي العلة الأولى من العلل التي تقدم ذكرها. وقد أجاب ابن القَيِّم ﵀ عن هذه العلة: بأن هلال بن يساف يرويه عن عمرو بن رشاد، عن وابصة. وعن زياد بن أبي الجعد

стр. 848

عن وابصة، نقل ذلك عن ابن حبان، وأنه قال: "هما جميعاً طريقان محفوظان"١. قال ابن القَيِّم: "فإدخال زياد وعمرو بن راشد بين هلال ووابصة لا يُوهِنُ الحديث شيئاً"٢. وقد سبق إلى ذلك ابن حزم، فقال: "ورواية هلال بن يساف حديث وابصة: مرة عن زياد بن أبي الجعد، ومرة عن عمرو بن راشد قوةٌ للخبر ... "٣. وقال الشيخ الألباني: "ومما سبق يَتَبَيَّنَ َأن الحديث صحيح، وليس من قبيل المضطرب في شيء كما تَوَهَّمَ البعض ... فهو - يعني هلال بن يساف - قد سمعه من عمرو بن راشد عنه - أي وابصة -، ومن زياد عنه ووابصة يسمع، فجاز له أن يرويه عنه مباشرة كما في الرواية الثالثة، وبذلك تتفق الروايات الثلاث ولا تتعارض"٤. وقد لجأ بعض العلماء إلى الترجيح بين هذه الروايات، فرجح أبوحاتم رواية: عمرو بن مرة، عن هلال، عن عمرو بن راشد٥. ورجح الترمذي رواية: حصين بن عبد الرحمن، عن هلال، عن زياد بن أبي الجعد٦.

стр. 849

قلت: والذي يترجح أن هذه الروايات يوافق بعضها بعضاً، وليس بينها اختلاف، وهو الذي اختاره ابن القَيِّم ﵀، وقال به غير واحد كما تَقَدَّمَ. وأما العلة الثانية: وهي دعوى تفرد هلال بن يساف بالخبر، فقد نقل ابن القَيِّم١ عن ابن حبان - أيضاً - أنه ردَّ هذه العلة فقال: "ذكر الخبر الْمُدْحِضِ قول من زعم أن هلال بن يساف تَفَرَّدَ بهذا الخبر" ثم ساقه من حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن عمه عبيد بن أبي الجعد، عن أبيه زياد بن أبي الجعد، عن وابصة به٢. فَتَبَيَّنَ من ذلك أن الحديث صحيح لا مطعن فيه، وأن العلتين اللتين أُعِلَّ بهما ضعيفتان، كما قال ابن القَيِّم ﵀. ومن الشواهد لهذا الحديث مما تَكَلَّمَ عليه ابن القَيِّم ﵀: ٣٣- (١٨) حديث على بن شيبان٣رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يُصَلِّي خلف الصف، فوقف حتى انصرف الرجل، فقال له: "اسْتَقْبِلْ صَلاتَكَ، فَلا صَلاة لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ ".

стр. 850

تناول ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث، فقال: " ... كما في الْمُسْنِد بإسناد صحيح، وصحيحي ابن حبان وابن خزيمة، عن علي بن شيبان ... " فذكره١. قلت: حديث على بن شيبان هذا أخرجه: أحمد في (مسنده) ٢، وابن ماجه في (سننه) ٣، وابن خزيمة وابن حبان في (صحيحهما) ٤، والبيهقي في (سننه) ٥ كلهم من طريق: ملازم بن عمرو٦، عن عبد الله بن بدر٧، عن عبد الرحمن بن علي ابن شيبان٨، عن أبيه - وكان من الوفد٩ - قال: قَدِمْنَا على رسول الله ﷺ فبايعناه، وصَلَّيْنَا خلفه، ثم صلينا وراءه صلاةً أخرى، فقضى الصلاة فرأى رجلاً فَرْدَاً يُصلِّي خلف الصف ... الحديث. هذا لفظ ابن ماجه، ولفظ الآخرين قريب.

стр. 851

وعند أحمد والبيهقي زيادة ليست عند الباقين، فقد جاء لفظه عندهما هكذا: " ... فصلينا خلف النبي ﷺ فَلَمَحَ بمؤخر عينيه إلى رجلٍ لا يقَيِّم صلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: "يا معشر المسلمين، إنه لا صلاة لمن لا يقَيِّم صُلْبَهُ في الركوع والسجود ... " ثم ذكر قصة المنفرد خلف الصف. وهذا الحديث إسناده صحيح، قال الحافظ البوصيري: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات"١. وصَحَّحَهُ الشيخ الألباني في مواضع٢، وقال في (الإرواء) ٣: "وجملة القول: أن أمره ﷺ الرجل بإعادة الصلاة، وأنه لا صلاة لمن يصلي خلف الصف وحده: صحيح ثابت عنه من طرق"٤. وقد تقدم تصحيح ابن القَيِّم ﵀ لإسناده، مع إشارته إلى تصحيح ابن خزيمة وابن حبان له، وبذلك يكون شاهداً قوياً لحديث وابصة الماضي قبله.

стр. 852

١٣- باب ما جاء في صلاة الإمام جالسا قال ابن القَيِّم ﵀: " ... عمل الصحابة مع النبي ﷺ في اقتدائهم به وهو جالس، وهذا كأنه رأى العين، سواء كانت صلاتهم خلفه قعوداً أو قياماً، فهذا عملٌ في غايةِ الظهورِ والصحةِ، فَمِنَ العجب أن يُقَدَّمَ عليه رواية: ٣٤- (١٩) جابر الجُعْفِي عن الشعبي - وهما كوفيان - أن رسول الله ﷺ قال: " لا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بعدي جالساً". قال: "وهذا من أسقط روايات أهل الكوفة"١. قلت: هذا الحديث أخرحه الدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٢، كلاهما من طريق: سفيان بن عيينة، عن جابر الجعفي، عن الشعبي به. قال الدارقطني عقب إخراجه: "لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي، وهو متروك، والحديث مرسلٌ لا تقوم به حجة". وقال الإمام الشافعي: "وقد أَوْهَمَ بعض الناس فقال: لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعد النبي جالساً، واحتجَّ بحديث رواه منقطعٌ عن رجل مرغوب عن الرواية عنه، لا يثبت بمثله حجة على أحد ... "٣. وقال البيهقي في (المعرفة) ٤: "قد علم الذي احتج بهذا: أن ليست فيه حجة، وأنه لا يثبت؛ لأنه مرسل، ولأنه عن

стр. 853

رجل يَرْغَبُ الناس عن الرواية عنه". وقال ابن حبان: " ... وأعلى شيء احتجوا به: شيء رواه جابر الجعفي، عن الشعبي، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي جالساً". وهذا لو صحَّ إسناده لكان مرسلاً، والْمَرْسَلُ من الخبر وما لم يُرو سِيَّانِ في الحكم ... والعجب ممن يحتج بمثل هذا المرسل وقد قَدَحَ في راويه زعيمهم"! ثمَّ روى بإسناده إلى أبي حنيفة أنه كَذَّبَ جابراً الجعفي، ثم قال: "فهذا أبو حنيفة يَجْرَحُ جابراً الجعفي ويكذبه، ضد قول من انتحل من أصحابه مذهبه"١. وقال عبد الحق في (أحكامه) - ونقله عنه الزيلعي٢ -: "ورواه عن الجعفي مجالد، وهو أيضاً ضعيف". وقال الشيخ أحمد شاكر: "هذا الحديث غاية في الضَّعْفِ"٣. فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث ضعيف جداً، لا تقوم بمثله حجة، كما اختار ابن القَيِّم ﵀.

стр. 854

١٤- باب من ترك القصر في السفر ٣٥- (٢٠) عن عائشة ﵂ قالت: خَرَجتُ مع رسول الله ﷺ في عُمْرَة رمضان، فَأَفْطَرَ رسول الله ﷺ وصمت، وقَصرَ وأتممت، فقلت: يا رسول الله بأمي وأمي، أفطرتَ وصمتُ، وقصرتَ وأتممتُ، فقال: "أَحْسَنْتِ يا عائشة". أورد ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث في (زاد المعاد) ١ في موضعين منه، وقال في الموضع الأول منهما: "وأما ما رواه الدارقطني وغيره عن عائشة ... فَغَلَطٌ، إما عليها - وهو الأظهر - أو منها، وأَصَابَهَا فيه ما أَصَابَ ابن عمر في قوله: اعتمر رسول الله ﷺ في رجب. فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط". وحَكَمَ في الموضع الثاني بغلطه كذلك، ثم قال: " ... فإن رسول الله ﷺ لم يَعْتَمِر في رمضان قَطُّ، وعُمَرُهُ مضبوطة العدد والزمان، ونحن نقول: يرحم الله أم المؤمنين، ما اعتمر رسول الله ﷺ في رمضان قَطُّ، وقد قالت عائشة ﵂: لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة".

стр. 855

قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ١، من طريق: محمد بن يوسف٢ الفريابي، عن العلاء بن زهير٣، عن عبد الرحمن بن الأسود٤، عن أبيه، عن عائشة ﵂ به. وهذا الحديث حَسَّنَ الدارقطني إسناده، فقال: "متصل، وهو إسناد حسن"٥. وصَحَّحَ البيهقي إسناده٦. ولكنَّ هذا الحديث أُعِلَّ بعلتين: ١- أنه اخْتُلِفَ على العلاء في إسناده، فرواه الفريابي متصلاً كما مضى، ورواه غَيْرُهُ: عن العلاء، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة مرسلاً، بدون ذكر "الأسود". ٢- أنَّ ذِكْرَ "رمضان" فيه منكر؛ حيث إن النبي ﷺ لم يعتمر قطُّ في رمضان، وقد جاءت الرواية المرسلة بدون ذكر"رمضان".

стр. 856

أما العلة الأولى، وهي الاختلاف فيه: فقد أخرجه النسائي في (سننه) ١، وكذا البيهقي٢ من طريق: أبي نعيم٣. وأخرجه الدارقطني في (سننه) ٤، من طريق: القاسم بن الحكم٥. كلاهما عن: العلاء بن زهير، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة ﵂ أنها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، حتى إذا قَدِمَتْ مكة قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، قَصَرتَ وأتممتُ، وأفطرتَ وصمتُ؟ قال: " أَحْسَنْتِ يا عائشة ". وما عاب عليَّ. هذا لفظ النسائي والبيهقي. وأما الدارقطني فلفظه: اعتمر رسول الله ﷺ وأنا معه، فقصر وأتممت الصلاة، وأفطر وصمت، فلما دنوت إلى مكة قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قصرت وأتممت، وأفطرت وصمت، فقال: " أَحْسَنْتِ يا عائشة " وما عابهُ عليَّ. قال الدارقطني عقب روايته: "وعبد الرحمن قد أَدْرَكَ عائشة، ودخل عليها وهو مراهق، وهو مع أبيه، وقد سمع منها". قال ابن حجر: "وهو كما قال، ففي تاريخ البخاري وغيره ما يشهد لذلك ... وفي ابن أبي شيبة

стр. 857

والطحاوي ثبوت سماعه منها"١. وقال أبو حاتم: "أُدْخِلَ على عائشة وهو صغير، ولم يسمع منها"٢. وَتَعَقَّبَهُ العلائيُّ، فقال: "روى حماد بن زيد وغيره، عن الصعب بن زهير، عن عبد الرحمن بن الأسود قال: كنت أدخل على عائشة بغير إذن، حتى إذا كان عام احتلمتُ سَلَّمْتُ واستأذنتُ، فَعَرَفَتْ صوتي ... الحديث. وهذا يقتضي خلاف ما قاله أبو حاتم"٣. وعلى هذا يكون هذا الإسناد مُتَّصلاً لا انقطاع فيه. وقد حكم الأئمة لهذه الرواية التي ليس فيها ذكر "الأسود"، فقال أبو بكر النيسابوري: "من قال فيه: عن أبيه. فقد أخطأ"٤. وذكر الدارقطني الخلاف فيه على العلاء بن زهير، ثم قال: "والمرسل أشبه بالصواب"٥. وقد اعتبر الحافظ ابن حجر هذا من الدارقطني تناقضاً حيث قال: "واختلف قول الدارقطني فيه، فقال في السنن: إسناده حسن. وقال في العلل: المرسل أشبه"٦.

стр. 858

قلت: ولعل الدارقطني ﵀ قصد بتحسين إسناده: ثقة رواته دون أن يقصد نفي العلَّة عنه. وأما بالنسبة للعلة الثانية، وهي النَّكارة في متنه: فقد حكم غير واحد بأن لفظة "رمضان" منكرة، فقال النوويُّ: "وهذه اللفظة مُشْكِلَةٌ؛ فإن المعروف أنه ﵇ لم يعتمر إلا أربع عمر، كلهن في ذي القعدة"١. وحَكَمَ الأئمة: ابن عبد الهادي٢، وابن الملقن٣، وابن حجر٤ بنكارة الحديث - أيضاً - من أجل ذكر الاعتمار في رمضان فيه. وقد سبق أن رواية أبي نعيم ومن معه - التي ليس فيها ذكر "الأسود" - لم ترد فيها هذه اللفظة، وقد حَكَمَ الأئمة بأنها مُقَدَّمَةٌ على الأخرى: النيسابوري والدارقطني. فلعل راويها أخطأ في متنها كما أخطأ في إسنادها، فتكون رواية أبي نعيم هي الصواب إسناداً ومتناً. وقد لجأ البعض إلى محاولة دفع هذا التعارض، فقال الحافظ ابن حجر: "ويمكن حمله على أن قولها: في رمضان متعلق بقولها: خَرَجْتُ. ويكون المراد سفر فتح مكة، فإنه كان في رمضان، واعتمر النبي ﷺ في تلك السنة من الجعرانة، لكن في ذي القعدة"٥.

стр. 859

وقد نقل ابن الملقن مثل هذا الجواب عن بعض شيوخه، ثم رَدَّهُ بقوله: "وتَمَحَّلَ بعض شيوخنا الحفاظ في الجواب عن هذا الإشكال ... "١. وقد أَعَلَّ بعضهم هذا الحديث بـ"العلاء بن زهير"، فقال ابن التركماني٢:"قال فيه ابن حبان: يروى عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، فَبَطَلَ الاحتجاج به"٣. ولكنَّ ذلك مردودٌ؛ فإن يحيى بن معين قال فيه: "ثقة"٤. وقال عبد الحق: "ثقة مشهور"٥. حتى إنَّ ابن حبان نفسه ذكره في (الثقات) ٦ فتناقض بذلك. قال الذهبي ﵀: "قلت: العبرة بتوثيق يحيى"٧. وأَعَلَّهُ ابن حزم بجهالة العلاء بن زهير هذا، فقال: "لم يروه غيره، وهو مجهول" وقال قبل ذلك عن هذا الحديث: "لا خير فيه"٨. كذا قال ابن حزم! وردَّ عليه ابن الملقن ﵀، وأثبت معرفة عينه وحاله، ثم نقل ردَّ عبد الحق عليه، إذ قال: "وقول ابن حزم: لا خير فيه. جهل منه بالآثار". قال: "ودعواه جهالة العلاء غلطٌ، بل هو ثقة مشهور، روى عنه

стр. 860

الأعلام، ووثقه ابن معين"١. بَقَيَ أمرٌ آخر يمكن إيراده على هذا الحديث، وهو كيفَ تخالفُ عائشة ﵂ ما شَاهَدَتْهُ من فِعْلِ النبي ﷺ وسائرِ أصحابهِ؟ وقد صَوَّرَ ابن الملقن ﵀ هذه الشبهة، فقال: "وبلغني عن بعض الأكابر ممن عَاصَرْتُ أنه أَنْكَرَ هذا الحديث من وجهٍ آخر، وقال: كيف تُتِمُّ مع مشاهدتها الشَّارِعَ والصحابة، وهي تقول: فُرِضَتْ الصلاة ركعتين ... الحديث، وإنما صحَّ إتمامها بعده ﵇ متأولة ما تأوله عثمان؟ ". قال: "وهذا إنكار عجيب ... ومعنى أُقِرَّتْ صلاة المسافر: في جواز الاقتصار عليها، بخلاف صلاة الحضر، فإن الزيادة فيها متحتمة"٢. ويمكن أن يُقال: إن موافقته ﷺ لها لبيان الجواز، ولذلك بوَّبَ عليه البيهقي بقوله: "باب من ترك القصر في السفر غير رغبة عن السُّنَّةِ". فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث صحيح من رواية أبي نعيم والقاسم بن الحكم، عن العلاء بن زهير، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة، بدون ذِكْرِ "الأسود بن يزيد" في إسناده، ولا "رمضان" في متنه. وقد حكم بصحته من تقدم ذكرهم، وصححه كذلك ابن الملقن- ﵀ من هذه الطريق، وكذا عبد الحق٣. وأما ابن القَيِّم: فقد أَعَلَّهُ بهذه اللفظة، ولم يتعرض للرواية الأخرى التي لم ترد فيها تلك اللفظة، فلعله لم يقف عليها؟ فالله أعلم.

стр. 861

١٥- باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين في السفر ٣٦- (٢١) عن معاذ بن جبل ﵁: "أَنَّ النبي ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيْغَ الشَّمسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعُهَا إلى العصرِ، فيصليهما جميعاً، وإِذَا ارْتَحَلَ بعدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظهرَ والعصرَ جَمِيعَاً ثم سَارَ، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أَخَّرَ المغربَ حتَّى يصليها مع العشاءِ، وإذا ارتحلَ بعد المغرب عَجَّلَ العِشَاء، فصلاَّهَا مع المغرب". ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث عند الكلام على هديه ﷺ في الجمع بين الصلاتين في السفر، ثم قال: "لكن اخْتُلِفَ في هذا الحديث، فمن مُصَحِّح له، ومن مُحَسِّنٍ، ومن قادح فيه وجعله موضوعاً: كالحاكم، وإسناده على شرط الصحيح، لكن رُمِيَ بعِلَّةٍ عجيبةٍ". ثم نقل عن الحاكم كلامه في إعلاله ووصفه بالوضع١، ونقل في موضع آخر تضعيف الترمذي، وأبي داود، وابن حزم له٢، ثم قامَ ﵀ بالجواب عن تلك العلل بما سيأتي نقله عنه خلال هذا البحث إن شاء الله. قلتُ: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والترمذي في

стр. 862

(جامعه) ١، وأحمد في (مسنده) ٢، وابن حبان في (صحيحه) ٣، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٤ من طرق، عن: قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب٥، عن أبي الطفيل٦، عن معاذ بن جبل به. وقد أُعِلَّ حديث قتيبة هذا بعللٍ: أولها: أن قتيبة تَفَرَّدَ به، ولم يتابعه أحدٌ على ذكر جمع التقديم. ثانيها: أن غلِطَ في إسناده، وأن صوابه "أبو الزبير" بدل "يزيد بن أبي حبيب". ثالثها: أن يزيد بن أبي حبيب عنعنه، ولا تُعْرَفُ له رواية عن أبي الطفيل، قاله ابن حزم. وإلى مناقشة هذه العلل: أولاً: أمَّا تفرد قتيبة به: فقاله غير واحد: قال أبو داود عقب

стр. 863

إخراجه: "ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده" كذا في (السنن) ، ونقل عنه ابن القَيِّم في (الزاد) ١ قوله: "هذا حديث منكر، وليس في تقديم الوقت حديث قائم". وكذا نقله ابن حجر في (التلخيص) ٢. وقال أبو عيسى الترمذي: "تَفَرَّدَ به قتيبة، لا نعرف أحداً رواه عن الليث غيره". وقال أبو سعيد بن يونس: "لم يُحَدِّثْ بهذا الحديث إلا قتيبة"٣. وقال الحاكم أبو عبد الله: "هذا حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذُّ الإسناد والمتن، لا نَعْرِفُ له علة نُعَلِّلُهُ بها ... فنظرنا فإذا الحديث موضوع"٤. وقال الذهبي: "أتى بلفظ منكر جداً"٥ يعني قتيبة. ويرى البخاري ﵀ أنَّ هذا الحديث أُدْخِلَ على قتيبة، فروى الحاكم في (علوم الحديث) ٦ بسنده إلى البخاري، أنه قال: "قلتُ لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدائني. قال البخاري: وكان خالدٌ المدائني يُدخِلُ الحديث على الشيوخ". وقال الذهبي: "يَرَوْنَ أن خالداً المدائني أدخله على الليث، وسمعه قتيبة معه، فالله أعلم". ثم قال: "هذا التقرير يؤدي إلى أن الليث كان يقبل التلقين، ويروي مالم يسمع، وماكان كذلك. بل كان حُجَّةً متثبتاً،

стр. 864

وإنما الغفلة وقعت فيه من قتيبة، وكان شيخ صدقٍ، قد روى نحواً من مائة ألف، فَيُغْتَفَرُ له الخطأ في حديث واحد"١. ولقد حاول ابن القَيِّم ﵀ الجواب عن هذه العلة، فذكر أن أبا داود أخرجه من حديث: يزيد بن خالد٢، عن المفضل بن فضالة٣، عن الليث بن سعد، عن هشام بن سعد٤، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ به. قال ابن القَيِّم: "فهذا الْمُفَضَّلُ قد تَابَعَ قتيبة، وإن كان قتيبة أجلَّ من المفضل وأحفظ، لكن زال تفرد قتيبة به"٥. كذا ساق ابن القَيِّم إسناده، والذي في (سنن أبي داود) ٦: "المفضل ابن فضالة والليث بن سعد" لا "عن الليث بن سعد". وعلى هذا فيكون الذي تابع قتيبة: هو "يزيد بن خالد"، وليس "المفضل بن فضالة". مع ملاحظة اختلاف الإسنادين وعدم اتحادهما، فإن يزيد بن خالد جعله: "عن الليث ومفضل، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير" بخلاف إسناد

стр. 865

قتيبة الذي هو: "عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب". وسيأتي الكلام على ذلك عند مناقشة العلة الثانية. ولكن، هل تصلحُ هذه المتابعة للوقوف إلى جانب رواية قتيبة، ودَفع شبهة التَّفَرُّدِ عنه؟؟ الجواب: لا. وذلك لأن الأئمة الحفاظ قد خالفوا هشام بن سعد في هذه الرواية، فرووه عن: أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، بدون ذكر جمع التقديم، منهم: الليث بن سعد، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وقُرَّةُ بن خالد. وقد أشار بعض الأئمة إلى ذلك، فقال الترمذي - عقب روايته حديث قتيبة -: "والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ، من حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ: " أن النبي ﷺ جَمَعَ في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء ". رواه قرة بن خالد، وسفيان الثوري، ومالك، وغير واحد عن أبي الزبير المكي"١. وقال الحافظ ابن حجر: "وهشام لَيِّنُ الحديث، وقد خالف أوثق الناس في أبي الزبير، وهو الليث بن سعد"٢. وقال مرةً: "وهشام مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير ... "٣. قلت: أخرج رواية قرة بن خالد: مسلم في (صحيحه) ٤. ورواية

стр. 866

مالك: في (الموطأ) ١ مطولة. ورواية سفيان: في (مسند أحمد) ٢. فظهر من ذلك أن رواية هشام بن سعد لا تصلح لمتابعة رواية قتيبة؛ إذ هي الأخرى معلولة. ثانياً: وأما غَلَطُ قتيبة في إسناده: فقد مضى أن هشام بن سعد قال فيه: "عن أبي الزبير" بدل "يزيد بن أبي حبيب"، وَرَجَّحَ غير واحد رواية هشام، فقال أبو حاتم: "لا أعرفه من حديث يزيد، والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث. حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، عن هشام، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل ... "٣ فذكره. وقال أبو سعيد بن يونس: "يقال: إنه غلط، وأنَّ موضع يزيد بن أبي حبيب: أبو الزبير"٤. فرجعَ بذلك حديث قتيبة إلى حديث هشام، وتقدم أن حديث هشام معلول بمخالفة الثقات من أصحاب أبي الزبير، فيرجع الكل إلى رواية هؤلاء الثقات عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، بدون ذكر جمع التقديم فيه. ثالثاً: ما أَعَلَّهُ به ابن حزم ﵀ من عنعنة يزيد بن أبي حبيب، وأنه لا تُعْرَفُ له رواية عن أبي الطفيل: فقد أجاب عن ذلك

стр. 867

الشيخ الألباني، فقال: "يزيد بن أبي حبيب غير معروف بالتدليس، وقد أدرك أبا الطفيل حتماً؛ فإنه وُلِدَ سنة (٥٣) ومات سنة (١٢٨) . وتوفي أبو الطفيل سنة (١٠٠) أو بعدها، وعمر يزيد حينئذ ٤٧ سنة"١. قلت: لكن وافق ابن حزم في هذا القول: الحاكمُ أبو عبد الله، فقال: " ... ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية"٢. وقال الْمِزِّيُّ ﵀ عندما ذكر أبا الطفيل في شيوخ يزيد -: "إن كان محفوظاً"٣. وهذه العلة تؤكد ما تَقَدَّمَ من أن: ذكر يزيد بن أبي حبيب في إسناده خطأ، وأن الصواب: أبو الزبير. فَظَهَرَ بذلك أن ذكر جمع التقديم في حديث معاذٍ لا يصحُّ، وأن الصَّواب عدمُ ذكره كما أخرج ذلك مسلم، ومالك وغيرهما. لكن ابن القَيِّم ﵀ متمسك بصحة ذلك عن معاذ، وقد دَافَعَ عنه بما تقدم ذكره من كلامه، وقال في (إعلام الموقعين) ٤: "إسناده صحيح، وعلته واهية". ثم شرع في ذكر بعض الشواهد له فمن ذلك: ٣٧- (٢٢) ما رواه إسحاق بن راهويه: حدثنا شبابة، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس ﵁: "أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إذا كان في سفر، فَزَالَتِ الشمسُ، صَلَّى الظهرَ والعصرَ ثم ارْتَحَلَ".

стр. 868

قال ابن القَيِّم: "وهذا إسناد كما ترى، وشبابة: هو شبابة بن سَوَّار، الثقة المتفق على الاحتجاج بحديثه، وقد روى له مسلم في صحيحه عن الليث بن سعد بهذا الإسناد، على شرط الشيخين، وأقلُّ درجاته: أن يكون مُقَوِّيَاً لحديث معاذ"١. قلت: هذا الحديث أخرجه البيهقي في (سننه) ٢ من طريق ابن راهويه، ونقل الحافظ ابن حجر عن النوويِّ قوله: "إسناده صحيح"، ثم قال: "وفي ذهني أن أبا دود أنكره على إسحاق"٣. وقال مرة: "أخرجه الإسماعيلي، وأُعِلَّ بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة، ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق، وليس ذلك بقادحٍ؛ فإنهما إمامان حافظان"٤. قال: "ولكن له متابع رواه الحاكم في (الأربعين) له، عن أبي العباس محمد بن يعقوب، عن محمد بن إسحاق الصغاني، عن حسان بن عبد الله، عن المفضل بن فضالة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس ... " فذكره. قال: "وهو في الصحيحين من هذا الوجه بهذا السياق، وليس فيهما: "والعصر"، وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد، وقد صححه المنذري من هذا الوجه والعلائي، وتَعَجَّبَ من الحاكم كونه لم يورده في المستدرك"٥. ثم عاد فقال: "وهي متابعة قوية لرواية إسحاق بن راهويه

стр. 869

إن كانت ثابتة، لكن في ثبوتها نظر ... "١. ولحديث أنس هذا طريق أخرى أشار إليها الحافظ ابن حجر في (التلخيص) ٢ فقال: "رواها الطبراني في (الأوسط) : حدثنا محمد بن إبراهيم بن نصر بن شبيب الأصبهاني، ثنا هارون الحمال، ثنا يعقوب بن محمد الزهري، ثنا محمد بن سعدان، ثنا ابن عجلان، عن عبد الله بن الفضل، عن أنس ﵁: " أن النبي ﷺ كان إذا كان في سفرٍ فزاغتِ الشمسُ قبل أن يرتحل، صلَّى الظهر والعصر جميعاً ... " الحديث، قال الطبراني: تفرد به يعقوب بن محمد". وقال الهيثمي: "رجاله موثقون"٣. قلت: يعقوب بن محمد: ضَعَّفَهُ بعضهم، ووثقه آخرون، وروايته عن الثقات مقبولة٤. وشيخه محمد بن سعدان: قال فيه أبو حاتم: "شيخ"٥. وهذه العبارة تشعر بنوع تعديل، ولا تدلُّ على مطلق الضعف، فيكون هذا الإسناد صالحاً للاستشهاد به، فإذا ضُمَّ إلى طريق ابن راهويه السابق أَخَذ حديث أنس قوةً، فإذا ضُمَّ حديث أنس هذا - بطريقيه - إلى حديث معاذ السابق، كان كما قال ابن القَيِّم ﵀: "أقلُّ درجاته أن يكون مُقَوِّيَاً لحديث معاذ"٦.

стр. 870

ثم ذكر ابن القَيِّم ﵀ شاهداً آخر لحديث معاذ، وهو: ٣٨- (٢٣) حديث هشام بن عروة، عن حسين بن عبد الله١، عن كريب، عن ابن عباس ﵄ قال: " أَلا أُخْبِرُكُم عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر؟ كان إذا زالت الشمس وهو في مَنْزِلَهِ جَمَعَ بين الظهرِ والعصرِ في الزَّوال ... "فذكر نحو حديث معاذ وأنس المتقدمين. ثم نقل ابن القَيِّم عن البيهقي خلافاً وقع في إسناده٢. وقد ذكر الدارقطني ﵀ وجوه الاختلاف في إسناد هذا الحديث، ثم جمع بينها، فقال: "رَوَى هذا الحديث حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني حسين، عن كريب وحده، عن ابن عباس٣. ورواه عثمان بن عمر، عن ابن جريج، عن حسين، عن عكرمة عن ابن عباس. ورواه عبد المجيد، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن حسين، عن كريب، عن ابن عباس. وكلهم ثقات، فاحتمل أن يكون ابن جريج سمعه أولاً من هشام عن حسين، كقول عبد المجيد عنه، ثم لقي ابن جريج حسيناً فسمعه منه: كقول عبد الرزاق٤ وحجاج عن ابن جريج:

стр. 871

حدثني حسين. واحتمل أن يكون حسين سمعه من عكرمة، ومن كريب جميعاً، عن ابن عباس، وكان يُحَدِّثُ به مرة عنهما جميعاً: كرواية عبد الرزاق عنه. ومرة عن كريب وحده: كقول حجاج وابن أبي رواد. ومرة عن عكرمة وحده، عن ابن عباس: كقول عثمان بن عمر، وتصحُّ الأقاويل كُلَّهَا"١. وأشار ابن حجر ﵀ في (التلخيص الحبير) ٢ إلى كلام الدارقطني هذا، ثم قال: "إلا أنَّ عِلَّتَهُ ضعفُ حسين، ويقال: إن الترمذي حَسَّنَهُ، وكأنه باعتبار المتابعة، وغَفَلَ ابن العربي فصحح إسناده. لكن له طريق أخرى، أخرجها يحيى بن عبد الحميد الحماني في (مسنده) : عن أبي خالد الأحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. وروى إسماعيل القاضي في (الأحكام) عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن كريب، عن ابن عباس نحوه". وقال في (فتح الباري) ٣: "في إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي، وهو ضعيف، لكن له شواهد من طريق: حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس - ولا أعلمه إلا مرفوعاً٤ -: " أَنَّه كَانَ إِذَا نَزَل مَنْزلاً في السَّفر فأعجبه أقام فيه حتى يجمعَ بين الظهر والعصر، ثم يرتحلُ،

стр. 872

فإذا لم يتهيأ له المنزل مَدَّ فِي السَّير، فسار حتى ينزل، فيجمع بين الظهر والعصر" أخرجه البيهقي١، ورجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف". وعلى كلِّ حالٍ فالحديث يَتَقَوَّى بهذه الطرق، وبما مضى من شواهد، وقد قال البيهقي ﵀: "هو بما تَقَدَّمَ من شواهده يقوى"٢. وقال الشيخ الألباني: "فالحديث صحيح عن ابن عباس بهذه المتابعات والطرق"٣. فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن الحديث وإن كان ضعيفاً من رواية معاذ بن جبل ﵁، فإنه يتقوى بهذه الشواهد التي أَوْرَدَهَا ابن القَيِّم ﵀ من حديث أنس، وابن عباس ﵄. أما أن يكون حديث معاذ صحيحاً بنفسه - كما ذهب إليه ابن القَيِّم - فلا، لما تقدم بيانه من أنه معلول. على أن تصرف ابن القَيِّم قد يَدَلُّ على أن حديث معاذ قاصر عن درجة الصحة عنده، فإنه قد صَدَّرَه بقوله: "وقد رُوِيَ عنه في غزوة تبوك ... ". وهذه الصيغة غالباً ما يستعملها فيما يذهب إلى ضعفه أو ما هو مترَدِّدٌ فيه، والله أعلم.

стр. 873

من كتاب الزكاة ١- باب في عقوبة مانع الزكاة ٣٩- (١) عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: "في كُلِّ إبل سَائِمَةٍ١، في كل أربعين: ابنة لَبُون٢، لا يُفَرَّقُ إبلٌ عن حسابها، من أعطاها مؤتجراً٣ فله أجرها، ومن أبى فإنا آخذوها وشطر إبله، عَزْمَةٌ٤ من عَزَمَات ربنا، لا يَحِلُّ لآل محمد ﷺ منها شيء". تناول ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث بالمناقشة، فذكر أن جماعة ذهبوا إلى أنه منسوخ، وأن ذلك كان في أول الإسلام، وأن آخرين رَدُّوهُ بضعف بهز بن حكيم. ثم أخذ ﵀ في الرد على هؤلاء وهؤلاء، فقال: "وليس لمن رَدَّ هذا الحديث حجة، ودعوى نسخه دعوى باطلة؛ إذ هي دعوى ما لا دليل عليه، وفي ثبوت شَرْعِيَّة العقوبات المالية عِدَّةُ أحاديث عن النبي ﷺ ، لم يثبت نسخها بحجة، وعَمِل بها الخلفاء بعده"٥.

стр. 874

ثم أخذ يَرُدُّ على من ضَعَّفَ الحديث ببهز، فنقل جملة من أقوال الأئمة الذي وثقوه وصححوا حديثه، وَرَدَّ على ابن حبان في قوله: "لولا حديثه هذا لأدخلناه في الثقات": بأنه إن لم يكن لضعفه سبب إلا روايته هذا الحديث، وهذا الحديث إنما رُدَّ لضعفه، كان هذا دَورَاً باطلاً، قال: "وليس في روايته لهذا ما يوجب ضعفه؛ فإنه لم يخالف فيه الثقات ... "١ قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والنسائي في (سننيهما) ٢، وأحمد والدارمي في (مسنديهما) ٣، وعبد الرزاق في (مصنفه) ٤ - ومن طريقه البيهقي٥ - وابن الجارود في (المنتقى) ٦، والحاكم في (المستدرك) ٧ من طرق، عن:

стр. 875

بهز بن حكيم١، عن أبيه٢، عن جده٣، عن النبي ﷺ به، واللفظ المذكور هو لفظ النسائي، ولفظ الباقين نحوه، إلا أنه وقع عند أبي داود: " ... وشطر ماله" بدل: "وشطر إبله". وأما عبد الرزاق، فقد جاء عنده: " ... عزيمة من عزائم ربك، لا تحل لمحمد ولا لآل محمد". قال أبو عبد الله الحاكم: "حديث صحيح الإسناد - على ما قدمنا ذكره في تصحيح هذه الصحيفة - ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وقال الإمام الشافعي: "وهذا الحديث لا يُثْبِتُهُ أهل العلم بالحديث، ولو ثَبَتَ لقلنا به"٤. وضَعَّفَ ابن حبان الحديث ببهز، فقال: "ولولا حديث: إنا آخذوه وشطر إبله ... لأدخلناه في الثقات"٥. وقال البيهقي: "هذا حديث قد أخرجه أبو داود في كتاب السنن، فأما البخاري ومسلم - رحمهما الله - فإنهما لم يُخَرِّجَاه، جرياً على عادتهما في أن الصحابي أو التابعي إذا لم يكن له إلا راوٍ واحدٍ لم يخرجا حديثه في الصحيحين، ومعاوية بن حيدة القشيري لم يثبت عندهما رواية ثقة عنه غير ابنه، فلم يخرجا حديثه في الصحيح"٦.

стр. 876

والواقع أن الْحُكْمَ على هذا الحديث متوقف على الحكم على "بهز بن حكيم"، ومعرفة درجته من الجرح والتعديل؛ فَإِنَّ الرَّجُل مختلف فيه بين الأئمة: قال يحيى بن معين: "ثقة"١. وقال في هذا الإسناد: "صحيح إذا كان دون بهز ثقة"٢ وقال على بن المديني: "ثقة"٣. وقال النسائي: "ثقة"٤. وقال أبو زرعة: "صالح، ولكنه ليس بالمشهور"٥. وقال أبو داود: "هو عندي حُجَّةٌ"٦. وقال الترمذي: "ثقة عند أهل الحديث"٧. وقال أبو جعفر السبتي: "بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده صحيح"٨. وقال ابن عدي: "أرجو أنه لا بأس به، ولم أر له حديثاً منكراً، وإذا حَدَّثَ عنه ثقة فلا بأس به"٩. وقال الذهبي: "صدوق فيه لين"١٠. وتَقَدَّمَ قول ابن حجر فيه: "صدوق". وقد احتجَّ به أحمد، وإسحاق١١.

стр. 877

ولم يحتج به الشافعي، ولم يحدث عنه شعبة١، وقال ابن حبان: "كان يخطئ كثيراً ... وتركه جماعة من أئمتنا، ولولا حديث: إنا آخذوه وشطر إبله ... لأدخلناه في الثقات، وهو ممن أستخير الله فيه"٢. وقال ابن الطلاع: "مجهول". وقال ابن حزم: "غير مشهور بالعدالة". ونقل ذلك عنهما الحافظ ابن حجر، ثم قال: "وهو خطأ منهما، فقد وَثَّقَهُ خلقٌ من الأئمة ... "٣. فَتَبَيَّنَ من ذلك أن بهزاً قد وَثقَهُ الأكثرون وقبلوه، ولعل حديثه لا ينزل عن مرتبة الحسن إن شاء الله، وهذا ما اختاره الذهبي ﵀، فقال: "حديثه حسن"٤. والترمذي كثيراً ما يُحَسِّنُ حديثه، وهو مقتضى كلام الأئمة ﵏ فيه. وأما ما ذكره البيهقي ﵀ من أن أصحاب الصحيحين إذا لم يكن للصحابي أو التابعي إلا راوٍ واحد لم يخرجا حديثه: فإن هذه الدعوى منتقضة، وقد رَدَّهَا الأئمة، وليس هذا مكان بسط ذلك٥. وعلى فرض صحة هذه الدعوى، فإنها منتفية في حق معاوية؛ إذ روى عنه اثنان غير ابنه حكيم، وهما: عروة بن رويم اللخمي، وحميد اليزني٦.

стр. 878

فَتَلَخَّصَ من ذلك، أن هذا الحديث حسن، وأن من ضَعَّفَهُ ببهز ابن حكيم لم يصب في ذلك، وأن الصواب مع ابن القَيِّم ﵀ في القول بثبوت هذا الخبر، وقد قال عنه الإمام أحمد: "صالح الإسناد"١. وتقدم تصحيح الحاكم له، وموافقة الذهبي إياه.

стр. 879

من كتاب الصوم ١ ـ باب السواك للصائم ... ١- باب السواك للصائم قال ابن القَيِّم ﵀: "وصحَّ عنه أنه كان يستاك وهو صائم"١. ولعله ﵀ يشير بذلك إلى حديث: ٤٠ - (١) عامر بن ربيعة ﵁ قال: "رَأَيْت النبي ﷺ مَا لا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وهو صائم". وقد سَكَتَ ﵀ عن حديث عامر هذا في (تهذيب السنن) ٢. قلت: وهذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والترمذي في (جامعه) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، وابن خزيمة في (صحيحه) ٦، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٧، والعقيلي في (الضعفاء) ٨، كلهم من طريق:

стр. 880

سفيان الثوري، عن عاصم بن عبيد الله١، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة٢، عن أبيه عامر به. ولفظ مسدد عند أبي داود: "ما لا أَعُدُّ ولا أحصي". وكذا قال جعفر بن محمد الثعلبي عند ابن خزيمة. وهذا الحديث ضعيف، في إسناده "عاصم بن عبيد الله العُمَرِي" وقد ضَعَّفَهُ غير واحد من الأئمة، فقال كلُّ من: البخاري٣، وأبي حاتم٤، وأبي زرعة٥: "منكر الحديث". وقال ابن معين: "ضعيف"٦. وقال النسائي: "لا نعلم مالكاً روى عن إنسان ضعيف مشهور بالضعف إلا عاصم بن عبيد الله ... "٧ وقال الدارقطني: "مدني يترك، وهو مغفل"٨. وقال ابن حبان: "كان سيئ الحفظ، كثير الوهم، فاحش الخطأ، فَتُرِكَ من أجل كثرة خطئه"٩. وَضَعَّفَهُ غير هؤلاء١٠.
следующие страницы →