والواقع أن الْحُكْمَ على هذا الحديث متوقف على الحكم على "بهز بن حكيم"، ومعرفة درجته من الجرح والتعديل؛ فَإِنَّ الرَّجُل مختلف فيه بين الأئمة:
قال يحيى بن معين: "ثقة"١. وقال في هذا الإسناد: "صحيح إذا كان دون بهز ثقة"٢ وقال على بن المديني: "ثقة"٣. وقال النسائي: "ثقة"٤. وقال أبو زرعة: "صالح، ولكنه ليس بالمشهور"٥. وقال أبو داود: "هو عندي حُجَّةٌ"٦. وقال الترمذي: "ثقة عند أهل الحديث"٧. وقال أبو جعفر السبتي: "بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده صحيح"٨. وقال ابن عدي: "أرجو أنه لا بأس به، ولم أر له حديثاً منكراً، وإذا حَدَّثَ عنه ثقة فلا بأس به"٩. وقال الذهبي: "صدوق فيه لين"١٠. وتَقَدَّمَ قول ابن حجر فيه: "صدوق". وقد احتجَّ به أحمد، وإسحاق١١.
стр. 877
ولم يحتج به الشافعي، ولم يحدث عنه شعبة١، وقال ابن حبان: "كان يخطئ كثيراً ... وتركه جماعة من أئمتنا، ولولا حديث: إنا آخذوه وشطر إبله ... لأدخلناه في الثقات، وهو ممن أستخير الله فيه"٢. وقال ابن الطلاع: "مجهول". وقال ابن حزم: "غير مشهور بالعدالة". ونقل ذلك عنهما الحافظ ابن حجر، ثم قال: "وهو خطأ منهما، فقد وَثَّقَهُ خلقٌ من الأئمة ... "٣.
فَتَبَيَّنَ من ذلك أن بهزاً قد وَثقَهُ الأكثرون وقبلوه، ولعل حديثه لا ينزل عن مرتبة الحسن إن شاء الله، وهذا ما اختاره الذهبي ﵀، فقال: "حديثه حسن"٤. والترمذي كثيراً ما يُحَسِّنُ حديثه، وهو مقتضى كلام الأئمة ﵏ فيه.
وأما ما ذكره البيهقي ﵀ من أن أصحاب الصحيحين إذا لم يكن للصحابي أو التابعي إلا راوٍ واحد لم يخرجا حديثه: فإن هذه الدعوى منتقضة، وقد رَدَّهَا الأئمة، وليس هذا مكان بسط ذلك٥.
وعلى فرض صحة هذه الدعوى، فإنها منتفية في حق معاوية؛ إذ روى عنه اثنان غير ابنه حكيم، وهما: عروة بن رويم اللخمي، وحميد اليزني٦.
стр. 878
فَتَلَخَّصَ من ذلك، أن هذا الحديث حسن، وأن من ضَعَّفَهُ ببهز ابن حكيم لم يصب في ذلك، وأن الصواب مع ابن القَيِّم ﵀ في القول بثبوت هذا الخبر، وقد قال عنه الإمام أحمد: "صالح الإسناد"١. وتقدم تصحيح الحاكم له، وموافقة الذهبي إياه.
стр. 879
من كتاب الصوم
١ ـ باب السواك للصائم
...
١- باب السواك للصائم
قال ابن القَيِّم ﵀: "وصحَّ عنه أنه كان يستاك وهو صائم"١. ولعله ﵀ يشير بذلك إلى حديث:
٤٠ - (١) عامر بن ربيعة ﵁ قال: "رَأَيْت النبي ﷺ مَا لا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وهو صائم".
وقد سَكَتَ ﵀ عن حديث عامر هذا في (تهذيب السنن) ٢.
قلت: وهذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والترمذي في (جامعه) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، وابن خزيمة في (صحيحه) ٦، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٧، والعقيلي في (الضعفاء) ٨، كلهم من طريق:
стр. 880
سفيان الثوري، عن عاصم بن عبيد الله١، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة٢، عن أبيه عامر به. ولفظ مسدد عند أبي داود: "ما لا أَعُدُّ ولا أحصي". وكذا قال جعفر بن محمد الثعلبي عند ابن خزيمة.
وهذا الحديث ضعيف، في إسناده "عاصم بن عبيد الله العُمَرِي" وقد ضَعَّفَهُ غير واحد من الأئمة، فقال كلُّ من: البخاري٣، وأبي حاتم٤، وأبي زرعة٥: "منكر الحديث". وقال ابن معين: "ضعيف"٦. وقال النسائي: "لا نعلم مالكاً روى عن إنسان ضعيف مشهور بالضعف إلا عاصم بن عبيد الله ... "٧ وقال الدارقطني: "مدني يترك، وهو مغفل"٨. وقال ابن حبان: "كان سيئ الحفظ، كثير الوهم، فاحش الخطأ، فَتُرِكَ من أجل كثرة خطئه"٩. وَضَعَّفَهُ غير هؤلاء١٠.
стр. 881
وخالف العِجْلِيُّ، فقال: "لا بأس به"١.
وقد ضَعَّفَ الحديث جماعة لأجل عاصم هذا: فقال ابن خزيمة عقب إخراجه إياه: "وأنا بريء من عهدة عاصم"٢. ثم نقل بعض أقوال مُضَعِّفِيه، واعتذر عن إخراجه في كتابه بأن شعبة والثوري قد رويا عنه. وقال العقيلي: "ولا يُروى بغير هذا الإسناد إلا بإسناد لَيِّنٍ". وقال الدارقطني عقب إخراجه: "عاصم بن عبيد الله غيره أثبت منه". وقال البيهقي: "عاصم بن عبيد الله ليس بالقويِّ"٣. وقال المنذري: "في إسناده عاصم بن عبيد الله، وقد تَكَلَّمَ فيه غير واحد"٤. وقال ابن حجر: "وفيه عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف"٥. وعَلَّقَهُ البخاري في (صحيحه) ٦ بصيغة تمريض، فقال: "ويذكر عن عامر بن ربيعة ... ".
وقد انفرد الترمذي ﵀ بتحسينه، فقال: "حديث حسن". ويبدو أن ابن القطان يوافقه على ذلك؛ حيث قال: "وهو حديث يرويه الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، وعاصم مختلف فيه، فبحق قيل فيه: حسن"٧. وقال ابن الملقن: "إنما لم يصححه - يعني الترمذي -؛ لأن
стр. 882
في إسناده عاصم بن عبيد الله ... "١.
قلت: فظاهر كلامهما - يعني: ابن القطان وابن الملقن - أن الترمذي حَسَّنَهُ لأجل وجود عاصم بن عبيد الله في إسناده، ولولا ذلك لَصَحَّحَهُ! والأمر على خلاف ذلك؛ فإن الجمهور على ضعف هذا الرجل كما سلف من كلامهم ﵏، فَيَتَرَجَّحُ بذلك ضعف الحديث لا حُسْنُهُ.
أما ابن القَيِّم ﵀: فإنه يرى صحة الحديث كما مضى من كلامه في (زاد المعاد) ، وكما يُفهم من سكوته عليه في (تهذيب السنن) .
ولكن مع ضَعْفِ هذا الحديث، فإن العمل عليه، قال الترمذي ﵀: "والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بالسواك للصائم بأساً ... ".
فيكون الاحتجاج في ذلك بعموم النصوص الواردة في الترغيب في السواك لا بهذا الخبر، وقد عَبَّرَ عن ذلك ابن القَيِّم بقوله: "ولو احْتُجَّ عليه بعموم قوله ﷺ : "لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". لكانت حُجَّةً، وبقوله ﷺ : "السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب" وسائر الأحاديث المُرَغِّبَة في السواك من غير تفصيل ... "٢. فهذا أولى من الاحتجاج بحديث عاصم هذا، والله أعلم.
стр. 883
ومن الأحاديث التي تناولها ابن القَيِّم ﵀ في هذا الباب:
٤١- (٢) عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكِ".
ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث في (زاد المعاد) ١ وَضَعَّفَهُ، فإنه صَدَّرَهُ بصيغة تمريض، فقال: "ويذكر عنه ... "، ثم قال: "رواه ابن ماجه من حديث مُجَالِد، وفيه ضعف".
وأورده ﵀ مستشهداً به ساكتاً عنه في (تهذيب السنن) ٢؛ فإنه قال عند حديث عامر بن ربيعة - الماضي ذكره قبل هذا-: "وقد روى ابن ماجه من حديث عائشة ... " فذكره.
قلت: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٣، والدارقطني والبيهقي كذلك في (سننيهما) ٤، ثلاثتهم من طريق:
أبي إسماعيل الْمُؤَدِّب٥، عن مجالد بن سعيد٦، عن الشعبي، عن
стр. 884
مسروق، عن عائشة ﵂ به، واللفظ المتقدم هو لفظ ابن ماجه، وعند الدارقطني والبيهقي: "خير خصال ... " بدون "من". إلا أن الدارقطني في رواية ابن منيع جاء به مثل لفظ ابن ماجه.
وقد أشار إليه الترمذي في (جامعه) ١، فإنه قال - عقب إخراجه حديث عامر بن ربيعة المتقدم -: "وفي الباب عن عائشة".
وإسناد هذا الحديث ضعيف لضعف مجالد بن سعيد، فقد تكلم فيه الأئمة: قال البخاري: "كان يحيى القطان يضعفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه عن الشعبي ... "٢. وقال الإمام أحمد: "ليس بشيء، يرفع حديثاً كثيراً لا يرفعه الناس، وقد احتمله الناس"٣. وقال ابن معين: "لا يحتجُّ بحديثه"٤. وقال مرة: "ضعيف واهي الحديث"٥. وقال النسائي: "ضعيف"٦. وقال ابن أبي حاتم: "سُئل أبي عن مجالد بن سعيد، يحتجُّ بحديثه؟ قال: لا. وهو أحبُّ إليَّ من بشر بن حرب وأبي هارون العبدي ... وليس مجالدٌ بقويٍّ في الحديث"٧. وقال ابن حبان: "كان رديء الحفظ يَقْلِبُ الأسانيدَ ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به"٨.
стр. 885
ومع ذلك فقد ذهب جماعة إلى أن أمره مُحْتَمَل، فقال العِجْلي: "جائز الحديث، حسن الحديث، إلا أن عبد الرحمن بن مهدي كان يقول: أشعث بن سَوَّار أَقْوَى منه. والنَّاس لا يتابعونه على هذا، كان مجالد أرفع من أشعث بن سوار"١. وقال يعقوب بن سفيان: "تَكَلَّمَ الناس فيه، وهو صدوق"٢. وقال الإمام أحمد: "وقد احتمله الناس"٣. وَوَثَّقَه النسائي مرة٤. وقال السَّاجي: "قال محمد بن الْمُثَنَّى: يُحْتَمَل حديثه لصدقه"٥. وقال البخاري: "صدوق"٦. وقال الذهبي: "مشهور، صالح الحديث"٧. وقال مرة: "مشهور صاحب حديث، على لِينٍ فيه"٨.
فَتَلَخَّصَ من ذلك أنَّ مجالداً هذا ليس شديد الضَّعْفِ بحيثُ يُطْرَحُ حديثه بالْكُلِّية، وإنما أمره محتملٌ، فَيُعْتَبَرُ بحديثه إذا وافق الثقات وروى ما روى الناس، وأما إذا انفرد فلا يُحْتَجُّ به، لما تَقَدَّمَ من كلام الأئمة في شأنه. وقد أخرج له مسلم ﵀ في (صحيحه) مقروناً٩، ولعلَّ مقالة ابن القَيِّم: "فيه ضعف" تشعر بهذا الذي قدمنا، فإنها لا شكَّ لا تفيد مطلق الضعف، وسيأتي من كلام غيره ما يُشْعِرُ بذلك أيضاً.
стр. 886
والذي يظهر أنه قد انفرد برواية هذا الأمر، نعم رُوِيَ هذا الحديث من طريق مسروق عن عائشة عن غير مجالد، لكن في إسناده: السري بن إسماعيل١، وهو متروك الحديث منكره، كما قال غير واحد٢. ولم أقف على من أخرج هذه الطريق، وإنما ذكرها ابن الملقن ﵀ في (البدر المنير) ٣، وذكر أيضاً٤: أن أبا نعيم رواه، ولم أقف عليه في (الحلية) ولا في (معرفة الصحابة) له، وقال ابن حجر: "ورواه أبو نعيم من طريقين آخرين عنها"٥. ولم يبينهما.
وقد ضَعَّفَ حديث مجالد هذا جماعة، فقال الدارقطني عقب إخراجه: "مجالد غيره أثبت منه ". وكذا قال البيهقي. وقال البوصيري: "إسناد ضعيف لضعف مجالد"٦. وقال ابن الملقن: "في إسناده مجالد، وفيه مقال"٧. وقال الحافظ ابن حجر: "ضعيف"٨.
قلت: فقد تَبَيَّنَ من ذلك أن هذا الحديث ضعيف وإن وَثقَ بعضهم مجالداً، وبذلك لا يثبتُ الترغيب في السواك للصائم بهذا
стр. 887
الحديث، ولكن يثبت ذلك بعموم الأحاديث الواردة في الترغيب فيه كما قَدَّمْنَا.
وكما أنه لا يثبت في الترغيب في السواك للصائم شيء، كذلك لا يثبت في المنع منه والنهي عنه شيء، قال ابن القيم: "ولم يجئ في منع الصائم منه حديث صحيح"١.
وعلى هذا فقد وُفِّقَ ابن القَيِّم لَمَّا ضَعَّفَهُ في (زاد المعاد) ، فوافق بذلك جملة من رَدَّهُ من العلماء، وأما إيراده في (تهذيب السنن) مستشهداً به ساكتاً عليه، فالمعتبر كلامه الأول إن شاء الله، والله أعلم.
стр. 888
٢- باب القبلة للصائم
٤٢- (٣) حديث عَائشة ﵂: "أَنَّ النبي ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَيَمُصُّ لِسَانَهَا".
ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث في (زاد المعاد) ١، وذكر أنه قد اخْتُلِفَ فيه، فَضَعَّفَهُ جماعة، وَحَسَّنَهُ آخرون. وتَكَلمَ عليه في (تهذيب السنن) ٢ فلم يذكر إلا تضعيفه، فنقل عن أبي داود وعبد الحقِّ أنهما ضَعَّفَا إسناد هذا الحديث.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، وأحمد في (مسنده) ٤ وابن خزيمة في (صحيحه) ٥، والبيهقي في (سننه) ٦، من طرق، عن:
محمد بن دينار٧، عن سعد بن أوس٨، عن مِصْدَع٩، عن
стр. 889
عائشة ﵂ به.
وفي إسناد هذا الحديث جماعة مُتَكَلَّمٌ فيهم:
أولهم: محمد بن دينار الطاحي، وقد ذكر ابن القيم –﵀– أنَّ عبد الحق ضَعَّفَ الحديث به، وأنَّ ابن عديّ ذهب إلى تفرده بلفظة "ويمص لسانها".
ومحمد هذا قد اختلفت فيه أقوال الأئمة، فقال ابن معين١، والنسائي٢، وأبو حاتم٣، والعجلي٤: "لا بأس به". وقال أبو زرعة: "صدوق"٥. وقال ابن معين في رواية معاوية بن صالح: "ضعيف"٦. وفي سؤالات ابن الجنيد لابن معين٧: سأله ابن الغلابي عنه؟ فقال: "ليس به بأس". فعاوده، فقال: "ليس بالقويِّ". وفيها - أيضاً - قول ابن معين: "ليس بذاك القويِّ"٨. وقال النسائي مرة: "ضعيف"٩. وقال أبو داود: "تَغَيَّرَ قبل أن يموت"١٠. وقال الدارقطني: "ضعيف". ومرة قال:
стр. 890
"متروك"١. وقال العقيلي: "في حديثه وَهْمٌ"٢. وقال ابن عدي: "حسن الحديث، وعامة حديثه يتفرد به"٣. وقال الذهبي: "حَسَّنُوا أمره"٤. وأما ابن حبان ﵀ فإنه ذكره في (المجروحين) ٥ وقال فيه: "كان يخطئ، لم يفحش خطؤه حتى استحق الترك، ولا سَلَكَ سنن الثقات مما لا ينفكُّ منه البشر فَيُسْلَك به مسلك العدول، فالإنصاف في أمره: تركُ الاحتجاج بما انفرد، والاعتبار بما لم يخالف الثقات، والاحتجاج بما وافق الأثبات" ولأجل ذلك فقد ذكره ﵀ في (الثقات) ٦.
قلت: والأمر فيه على ما قال ابن حبان ﵀، ومن تَأَمَّلَ أقوال الأئمة فيه توثيقاً وتضعيفاً علم أن حاله لا يخرج عمَّا وصف ابن حبان؛ فإن الرجل صدوقٌ ليس في المرتبة العليا من التوثيق، كما يشعر به قول أكثرهم: "ليس به بأس"، وهو - مع ذلك - في حفظه خللٌ لا ينزل به إلى درجة ترك حديثه، فيكون حديثه في منزلة الحسن كما وصفه ابن عديّ، وَأَقَرَّهُ الذهبي، وذلك حيث يوافق غيره من أهل الضبط والعدالة، فإن خالف وانفرد بما لا يُتَابَعُ عليه طُرِحَت روايته، وهذا ما قَرَّرَهُ ابن حبان.
стр. 891
ولما كانت هذه الزيادة وهي قوله: " ويمص لسانها" قد انفرد بها محمد بن دينار هذا - كما قرره ابن عدي، حيث قال: "قوله: ويمص لسانها. لا يقوله إلا محمد بن دينار"١. وقال الذهبي: "هذه اللفظة لا توجد إلا في هذا الخبر"٢ - لما كان كذلك، فإن هذه اللفظة تكون ضعيفة بسبب ضعف محمد هذا. وقد ضَعَّفَهَا به غير واحدٍ كما سيأتي من كلامهم.
ثانيهم: مِصْدَع أبو يحيى، راويه عن عائشة ﵂، وقد اخْتُلِفَ فيه أيضاً، فقد وَثَّقَهُ العجلي٣، وقال الجوزجاني: "كان زائغاً حائداً عن الطريق"٤. لكن تَعَقَّبَه ابن حجر فقال: "والجوزجاني مشهور بالنصب والانحراف، فلا يقدح فيه قوله"٥. وقال ابن حبان: "كان ممن يخالف الأثبات في الروايات، وينفرد عن الثقات بألفاظ الزيادات، مما يوجب ترك ما انفرد منها، والاعتبار بما وافقهم فيها"٦. وقال الذهبي: "صدوق، قد تكلم فيه"٧.
وذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٨ ولم يذكر فيه جرحاً
стр. 892
ولا تعديلاً. وقال ابن خزيمة: "لا أعرفه بعدالة ولا جرح"١.
فالرجل وثقه جماعة، وضعفه آخرون، وَتَوَقَّفَ في أمره بعضهم، وخَلص الحافظ ابن حجر ﵀ إلى أنه "مقبول"، يعني حيث يُتابع، وإلا فهو لَيِّنُ الحديث. وهو هنا لم يتابع على زيادته تلك، فيكون إلى الضعف أقرب. وقد ذهب ابن حبان - أيضاً - إلى ترك ما انفرد به.
وثالثهم: سعد بن أوس، فإنه - أيضاً - وَثَّقَهُ جماعة وضعفه آخرون، فقال ابن معين: "بصريٌّ ضعيف"٢. قال عبد الحق: "لا يحتجُّ به"٣. وقال السَّاجي: "صدوق"٤. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٥. وقال الذهبي: "يُضَعَّفُ"٦.وقال الحافظ ابن حجر: "صدوق له أغاليط"٧.
فَتَلَخَّصَ: أن هذا الحديث ضعيف السَّنَدِ، وأن زيادة كلمة "يمص لسانها" في متنه لا تصحُّ؛ لتفرد مِصْدَع بها عن عائشة، وأن غيره من الثقات رووا هذا الحديث عن عائشة ﵂ فلم يذكروا فيه هذه الزيادة، من ذلك: حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة:
стр. 893
"أن رسول الله ﷺ كان يُقَبِّلُ بعضَ نسائه وهو صائم"، أخرجه البخاريُّ في (صحيحه) ١.
وقد حكم عليه بالضعف جماعة من العلماء، فقال أبو داود - كما نقل عنه ابن الأعرابي -: "هذا الإسناد ليس بصحيح". وقال ابن خزيمة: "باب الرخصة في مصِّ الصائم لسان المرأة ... إن صحَّ الاحتجاج بمصدع أبي يحيى". وقال ابن عدي: "قوله: ويمص لسانها. لا يقوله إلا محمد بن دينار، وهو الذي رواه"٢. وقال عبد الحق: "هذا حديث لا يصحُّ ... "٣. وذكره ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٤ وَضَعَّفُهُ بالثلاثة الماضي ذكرهم. وضعفه ابن القطان بمصدع فقط٥. وأشار الذهبي إلى أن هذه اللفظة لم تَرِدْ إلا في هذا الخبر٦. وقال الزيلعي: "هذا حديث لا يصحُّ"٧. وقال ابن حجر: "إسناده ضعيف، ولو صحَّ فهو محمول على من لم يبتلع ريقه الذي خالط ريقها"٨.
وبعد، فهذه أقوال الأئمة ﵏ في هذا الحديث.
وأما ابن القَيِّم: فقد ذكر في كتابه (زاد المعاد) أن الحديث مختلف
стр. 894
فيه ما بين مُضَعِّفٍ له ومُحَسِّنٍ، ولم أقف على قول من حَسَّنَه. وأما في كتابه (تهذيب السنن) فيبدو أنه يُرَجِّحُ ضَعْفَ هذه الزيادة في الحديث، حيث نقل عن أبي داود، وعبد الحق القول بضعفه، وهو الصواب، كما تقدم في أقوال الأئمة الماضي ذكرهم، والله أعلم.
стр. 895
٣- باب ما جاء في الإفطار في السفر
٤٣- (٤) عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الصَّائِمُ في السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ في الْحَضَرِ".
ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث في (تهذيب السنن) ١ وعزاه إلى النسائي، ثم قال: "ولا يَصِحُّ رَفْعُهُ، وإنما هو موقوف".
قلت: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٢ من طريق:
عبد الله بن موسى٣ التيمي، عن أسامة بن زيد٤، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن عوف أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "صَائِمُ رمضانَ في السَّفَرِ كالمفطرِ في الْحَضَرِ".
وأخرجه البزار في (مسنده) ٥ من الطريق نفسه، لكن قال فيه: "عبد الله بن عيسى المدني" بدل "عبد الله بن موسى". وقد ذكره ابن القطان من جهة البزار، ثم قال: "هكذا قال: عبد الله بن عيسى المدني، وقال
стр. 896
غيره: عبد الله بن موسى التيمي، وهو أشبه بالصواب"١. ولفظ البزار كلفظ ابن ماجه إلا أن عنده "كمفطره".
وأخرجه ابن عدي في (الكامل) ٢ من طريق: يزيد بن هارون، ثنا يزيد بن عياض٣، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه عبد الرحمن بن عوف مرفوعاً. وسيأتي كلام ابن عديّ عليه بعد قليل.
وقد أُعِلَّ هذا الحديث بعلتين:
أولاهما: أنه لا يصحُّ رفعه، بل الصواب فيه موقوف على عبد الرحمن بن عوف، كما تقدم من كلام ابن القَيِّم.
الثانية: أنه منقطع بين أبي سلمة وأبيه عبد الرحمن بن عوف.
أما العلة الأولى: وهي أنه لا يصح مرفوعاً، وأن الصواب وقفه: فإنه قد أخرجه النسائي في (سننه) ٤ من طريق: معن بن عيسى٥، عن ابن أبي ذئب٦، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه
стр. 897
عبد الرحمن بن عوف أنه قال: "يقال: الصيام في السفر كالإفطار في الحضر". هكذا موقوفاً على عبد الرحمن بن عوف، وبدون ذكر "رمضان".
ثم أخرجه١ من طريق حماد بن خالد الخَيَّاط٢ وأبي عامر٣، قالا: حدثنا ابن أبي ذئب بالإسناد السابق، وليس فيه قوله: "يقال".
وهذا إسناد صحيح، وقد رَجَّحَ جماعة من العلماء الرواية الموقوفة، منهم: أبو حاتم، فقد سأله عنه ابنه، فذكر الاختلاف فيه، ثم قال: "الصحيح: عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه موقوفاً"٤. كذا نقل الزيلعي٥، وابن حجر٦ عن ابن أبي حاتم، والذي في (العلل) أن الكلام لأبي زرعة! وأظنه خطأ، لما نقله هذان الإمامان عن ابن أبي حاتم، وأيضاً السؤال وَجَّهَهُ ابن أبي حاتم لأبيه، فالله أعلم.
وقال البزار: "هذا الحديث أسنده أسامة بن زيد، وتابعه على إسناده يونس. وقد رواه ابن أبي ذئب وغيره: عن الزهري، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن أبيه موقوفاً من قول عبد الرحمن، ولو ثبت مرفوعاً
стр. 898
لكان خروج النبي ﷺ حين خَرَجَ فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر وأمر الناس بالفطرِ دليلاً على نسخ هذا الحديث؛ لأنه يؤخذ بالآخر ... "١.
وجَزَمَ ابن عدي بوقفه، فقال - بعد أن أخرجه -: "وهذا الحديث لا يرفعه عن الزهري غير يزيد بن عياض ... من رواية سلام بن روح عنه، ويونس بن يزيد من رواية القاسم بن مبرور عنه، وأسامة بن زيد، من رواية عبد الله بن موسى التيمي. والباقون من أصحاب الزهري: رووه عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه من قوله"٢.
ورَجَّحَ الدارقطني - كذلك - رواية الوقف كما نقله عنه ابن حجر٣. وكذا البيهقي، فقال: "هو موقوف ... ورُوِيَ مرفوعاً، وإسناده ضعيف"٤.
ونقل ابن حجر عن النسائي أنه صَوَّبَ وقفه أيضاً٥، ولم أقف على قولة النسائي في ذلك.
وقد تابع أبا سلمة بن عبد الرحمن على وقفه: أخوه حميد بن عبد الرحمن بن عوف، فأخرجه النسائي - أيضاً - في (سننه) ٦ من طريق: أبي معاوية، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن حميد، عن أبيه عبد الرحمن به.
стр. 899
وهذا إسناد صحيح أيضاً، بل قال ابن حزم ﵀: "وهذا سندٌ في غاية الصحة"١. وصححه كذلك الشيخ الألباني٢. فهذه الرواية تؤيد رواية أبي سلمة المتقدمة عن أبيه موقوفاً، وأنها هي الصواب، وأن الرواية المرفوعة خطأ.
قلت: وإسناد الرواية المرفوعة فيه "أسامة بن زيد الليثي"، وفيه ضَعْفٌ من قبل حفظه٣، وقد ضَعَّفَ ابنُ حزم الرواية المرفوعة به، فقال: "وأما نحن فلا نحتجُّ بأسامة بن زيد الليثي، ولا نراه حجةً لنا ولا علينا"٤. وكذا ضَعَّفَ إسناده البيهقي٥، والبوصيري٦. فلعلَّ الوهمَ في هذا الحديث جاء من قِبَلِهِ بجعله هذا الحديث مرفوعاً، وخالفه من هو أوثق منه وأتقن: ابن أبي ذئب، فوقفه على عبد الرحمن بن عوف، وحكم الأئمة له، وقدموا روايته.
وأما العلة الثانية، وهي انقطاعه: فإن أبا سلمة لم يسمع من أبيه شيئاً، كما قال البخاري وابن معين٧. ولذلك فقد أعله غير واحد بأنه منقطع، فقال البيهقي: "في إسناده انقطاع"٨. وأَقَرَّهُ على ذلك
стр. 900
النووي١ ﵀. وقال الزيلعي: "وفي سماع أبي سلمة من أبيه نظر"٢. وقال البوصيري: "منقطع ... أبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئاً، قاله ابن معين والبخاري"٣. وقال ابن حجر: "ومع وقفه فهو منقطع؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه"٤.
ولكن لم يرض ابن حزم ﵀ بذلك، فقال في (المحلى) ٥: "إسناد صحيح، وقد صحَّ سماع أبي سلمة من أبيه".
قلت: وقوله مُعَارَضٌ بقول من نقلنا أقوالهم قبل قليل.
وبعدُ، فقد ظهر أن الصواب في هذا الحديث: أنه موقوف، ومع وقفه فإنه منقطع الإسناد، وقد ذكر ابن القَيِّم ﵀ من ذلك: عدم صحة رفعه فقط، ولم يتعرض لانقطاعه، وقد نقلتُ أقوال الأئمة في تقرير ذلك. والله أعلم.
стр. 901
٤- باب في صيام يوم عرفة
٤٤- (٥) عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: "نَهَى رسول الله ﷺ عَنْ صَوْمِ يَومِ عَرَفَةَ بِعَرَفَة".
قال ابن القَيِّم ﵀: "وفي إسناده نظر؛ فإن مَهْدِي بن حرب العَبْدِي ليس بمعروف، ومداره عليه"١. وقال مرة: "ورُوِي عنه أنه نهى ... "٢. فَصَدَّرَهُ بصيغة تمريض.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه في (سننيهما) ٣، والنسائي في (الكبرى) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، والبخاري في (تاريخه) ٦، وابن خزيمة في (صحيحه) ٧، والحاكم في (المستدرك) ٨، والبيهقي في (السنن) ٩، والعقيلي في (الضعفاء) ١٠، كلهم من طريق:
стр. 902
حوشب بن عقيل١، عن مهدي بن حرب٢، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ كما ساقه ابن القَيِّم هنا، وهو لفظ: البخاري في (تاريخه) ، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي.
وعند أبي داود قول عكرمة: "كنا عند أبي هريرة في بيته، فحدثنا أن رسول الله ﷺ نهى ... " الحديث.
وعند أحمد والنسائي: قال عكرمة: "دخلت على أبي هريرة فسألته ... ".
والحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ فإن مهدي بن حرب لم يوثقه غير ابن حبان٣، وقال ابن معين: "لا أعرفه"٤. وقال ابن حزم: "فإنه من رواية حوشب بن عقيل، وليس بالقويِّ، عن مهدي الهجري، وهو مجهول، ومثل هذا لا يُحْتَجُّ به"٥.
قلت: وفي تضعيف ابن حزم لحوشب بن عقيل نظرٌ، فإنه ثقة، وَثَّقَهُ الأئمة: يحيى القطان، ووكيع، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان. وانفرد الأزدي بتضعيفه٦.
стр. 903
وأخرجه العُقَيْلِي في ترجمة حوشب بن عقيل، عن الهجري، ثم قال: "لا يتابع عليه ... "١. وقال الإمام النووي: "رواه أبو داود، والنسائي بإسناد فيه مجهول". ثم قال: "ضعيف"٢. وقال الشيخ الألباني: "فأنى للحديث الصحة وفيه هذا الرجل المجهول؟! "٣. وأورده في (ضعيف ابن ماجه) ٤، وقال في (تمام المنة) ٥: "إسناده ضعيف".
أما الحاكم أبو عبد الله فقد قال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاريّ، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي! فَتَعَقَّبَهُمَا الشيخ الألباني قائلاً: "وهذا من أو هَامِهِمَا الفاحشة؛ فإن حوشب بن عقيل، وشيخه مهدي الهجري لم يُخْرِجْ لهما البخاري، بل إن الهجري مجهولٌ كما قال ابن حزم ... "٦.
والحديث مع ضعفه اخْتُلِفَ في إسناده؛ فقد أخرجه البيهقي من طريق: الحارث بن عبيد٧، عن حوشب بن عقيل، عن مهدي الهجري، عن عكرمة، عن ابن عباس به. قال البيهقي: "كذا قال الحارث بن
стр. 904
عبيد، والمحفوظ: عن عكرمة، عن أبي هريرة"١.
وللحديث شاهدٌ من رواية عائشة ﵂، أخرجه الطبراني في (معجمه الأوسط) ٢ من طريق: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى٣، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن عائشة ﵂ قالت: "نهى رسول الله عن صيام يوم عرفة بعرفات". قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن صفوان إلا إبراهيم".
قال الشيخ الألباني: "فإن قيل: قد رَوَى الطبراني عن عائشة مثل هذا الحديث، فهل يَتَقَوَّى به؟ قلت: لا؛ لأن في إسناده إبراهيم بن محمد الأسلمي، وهو ضعيف جداً، فمثله لا يُتَقَوَّى به"٤.
فالحاصل: أن النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة لا يصحُّ عن النبي ﷺ ، لكن صحَّ من فعله أنه أفطر في ذلك اليوم، وذلك من حديث أم الفضل بنت الحارث ﵂: "أن ناساً تَمَارَوا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله ﷺ ... فَأَرْسَلَتْ إليه بَقَدَحِ لبنٍ وهو واقف على بعيرِه فَشَرِبَه". أخرجه البخاري في (صحيحه) ٥.
قال العقيلي: "وقد رُوِي عن النبي ﷺ بأسانيد جياد أنه لم يَصُم
стр. 905
يوم عرفة، ولا يصح عنه أنه نهى عن صومه"١.
وقال البيهقي - بعد أن أخرج حديث أبي هريرة المتقدم -: "وفي حديث أمِّ الفَضْلِ كفاية"٢.
وبذلك يكون ابن القَيِّم ﵀ قَدْ أَصَابَ في تضعيفه حديث أبي هريرة هذا، والله أعلم.
стр. 906
٥- باب ما جاء في صيام ستة أيام من شوال
٤٥- (٦) عن أبي أيوب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثم أَتْبَعَهُ بِسِتّ من شوال، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ".
تَكَلَّم ابن القَيِّم ﵀ على هذا الحديث في (تهذيب السنن) ١، وذكر أنه مُخْتَلَفٌ فيه بين التصحيح والتضعيف، ثُمَّ ذَكَرَ شُبَهَ مُضَعِّفِيهِ وأجابَ عنها، ويتلخص كلامه عن هذا الحديث في الأوجه التالية:
١- أنه بينما أخرج هذا الحديث مسلم في (صحيحه) ، فقد أَعَلَّهُ آخرون وَضَعَّفُوه.
٢- وأنَّ حَاصِل ما أُعِلَّ به هذا الحديث ما يلي:
أ-أن مداره على "سعد بن سعيد الأنصاري"، وهو ضعيف.
ب- أنه وإن وُجِدَت له متابعات، فإنها أيضاً تُضَعَّف.
ج- أنه حديث مضطرب، اخْتُلِفَ في سنده على "عمر بن ثابت" شيخ سعد بن سعيد.
د- أَنَّهُ شاذٌّ، تَفَرَّدَ به عمر بن ثابت.
٣- وأن هذا الحديث ترك العمل به أهل العلم.
ثم شرع ﵀ في الجواب عن تلك العلل بما سيأتي من كلامه أثناء هذا البحث.
стр. 907
قلت: هذا الحديث مداره على عمر بن ثابت١، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁. ويرويه عن عمر بن ثابت جماعةٌ، أشهرهم: سعد بن سعيد٢.
ورواه عن سعد بن سعيد جماعة كثيرون:
فأخرجه مسلم في (صحيحه) ٣ من طريق: إسماعيل بن جعفر، وابن نمير، وعبد الله بن المبارك، وفيه: " ... كان كصيام الدَّهْرِ".
وأخرجه الترمذي في (جامعه) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥ من طريق: أبي معاوية٦، ولفظه: " ... فذلك صيام الدَّهْرِ".
وأخرجه النسائي في (الكبرى) ٧ من طريق: شعبة، ومن طريق: محمد بن عمرو الليثي.
стр. 908
وأخرجه ابن ماجه في (سننه) ١ من طريق: عبد الله بن نمير.
وأخرجه الطيالسي وأحمد في (مسنديهما) ٢ من طريق: ورقاء بن عمر٣. ولفظ أحمد: " ... فقد صام الدهر". أما الطيالسي فلفظه: " ... فذلك صيامُ السَّنَةِ".
وأخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) ٤ من طريق: داود بن قيس٥، وأبي بكر بن محمد بن أبي سبرة. ولفظ داود: " ... كُتب له صيامُ السنة" يقول: لِكُلِّ يوم عشرة أيام. قال: وبه نأخذ.
وأخرجه البيهقي في (سننه) ٦، والبغوي في (شرح السنة) ٧ من طريق: محاضر بن المورّع٨. كلُّ هؤلاء عن: سعد بن سعيد الأنصاري، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب مرفوعاً به.
стр. 909
ورواه غير هؤلاء جماعة من الأئمة الثقات، منهم: ابن جريج، والثوري، ويحيى بن سعيد - أخو سعد بن سعيد - وغيرهم، كلهم: عن سعد بن سعيد بالإسناد السابق١. فهؤلاء ثلاثة عشر رجلاً - جُلُّهم حُفَّاظٌ أثبات - رووه عن "سعد بن سعيد".
وقد ضُعِّفَ هذا الإسناد بسعد بن سعيد، كما نقل ذلك ابن القَيِّم ﵀، إذا قال: "وقد اعترض بعض الناس على هذه الأحاديث ... قالوا: وأشهرها حديث أبي أيوب، ومداره على سعد بن سعيد، وهو ضعيف جداً، تركه مالك، وأنكر عليه هذا الحديث"٢. ثم نقل تضعيف أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن حبان له.
وقال العلامة المناوي: "وطعنَ فيه من لا عِلْمَ عنده، وغَرَّهُ قولُ الترمذي: حَسَنٌ. والكلام في راويه، وهو سعد بن سعيد"٣.
أما الكلام في سعد بن سعيد: فقد ضَعَّفَهُ بعضهم، فقال الإمام أحمد: "ضعيف"٤ وقال النسائي: "ليس بالقويِّ"٥. وقال الترمذيّ: "وقد تَكَلَّم بعضُ أهل الحديث في سعد بن سعيد من قِبَل حفظه"٦.
ومع ذلك فقد وَثقُهُ جماعة، فقال ابن سعد: "ثقةٌ، قليل
стр. 910
الحديث"١. وقال العجلي: "مدني ثقة"٢. وذكره ابن شاهين في "ثقاته"٣ وقال: "قال ابن عمار: سعد بن سعيد ... ثقة". وقال ابن معين: "صالح"٤. وقال أبو حاتم: "سعد بن سعيد الأنصاري مُؤَدِّي" قال ابن أبي حاتم: "يعني أنه كان لا يحفظ، يؤدي ما سمع"٥. وذكره ابن حبان في (ثقاته) ٦ في التابعين وقال: "كان يخطئ"، ثم ذكره مرةً أخرى في أتباع التابعين وقال: "وكان يخطئ، لم يَفْحُشْ خطؤه، فلذلك سلكناه مسلك العدول"٧. وقال الذهبي: "صدوق"٨ وقال مرة: "حسن الحديث، تابعي"٩.
فهذا - كما نرى - قد وَثقَهُ جماعة كثيرون، وأن فيه ضعفاً يسيراً من قبل حفظه لا يمنع قبول ما وافق فيه غَيْرَهُ، ولهذا فقد دفع ابن القَيِّم ﵀ القول بضعفه، ونقل قول أبي حاتم، وابن معين، وابن سعد في توثيقه، ثم نقل قول ابن عدي: "له أحاديث صالحة تقرب من
стр. 911
الاستقامة، ولا أرى بحديثه بأساً بمقدار ما يرويه"١.
ثم قال ابن القَيِّم ﵀: "ومثل هذا إنما يُنفى ما ينفرد به، أو يخالفُ به الثقات، فأما إذا لم ينفرد، وروى ما رواه الناس فلا يُطْرَحُ حديثه".
قال: "سَلَّمْنَا ضَعْفَه، لكنَّ مسلماً إنما احتجَّ بحديثه لأنه ظهر له أنه لم يخطئ فيه بقرائنَ ومتابعات، ولشواهد دَلتُهُ على ذلك، وإن كان قد عُرِفَ خطؤه في غيره، فكون الرجل يخطئ في شيء لا يمنع الاحتجاج به فيما ظهر أنه لم يخطئ فيه ... "٢.
وقال في موضع آخر: " ... لكنه ثقة صدوق، روى له مسلم، وروى عنه شعبة، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وابن جريج، وسليمان بن بلال، وهؤلاء أئمة هذا الشأن"٣.
هذا فيما يتعلق بالكلام على سعد بن سعيد، والرد على من ضَعَّفَ الحديث لأجله.
وأما دعوى انفراد سعد بن سعيد بهذا الحديث: فليس كذلك، وإنما تابعه عليه جماعةٌ، منهم: يحيى بن سعيد٤ أخوه، وصفوان بن
стр. 912
سليم١، وغيرهم.
أما رواية يحيى بن سعيد: فأخرجها النسائي في (الكبرى) ٢ من طريق: صدقة بن خالد، عن عتبة بن أبي حكيم٣، عن عبد الملك بن أبي بكر٤، عن عمر بن ثابت به، وفيه قصة.
وذكر الدارقطني ﵀ في (العلل) ٥ أن إسماعيل بن إبراهيم الصائغ تابع عبد الملك بن أبي بكر في روايته عن يحيى بن سعيد به.
وذكر ابن القَيِّم ﵀ لهما متابعاً ثالثاً، وهو: عبد الملك بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم٦، ولكنه ﵀ جعل هؤلاء الثلاثة في إسناد النسائي، فقال: "وأما حديث يحيى بن سعيد: فرواه النسائي عن هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد ... عن عتبة بن حكيم ... عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، وعبد الملك بن محمد ابن أبي بكر بن عمرو بن حزم وإسماعيل بن إبراهيم الصائغ، ثلاثتهم: عن
стр. 913
يحيى بن سعيد، عن عمر به"١ كذا قال ﵀، والذي في السنن الكبرى من رواية: عبد الملك بن أبي بكر وحده، عن يحيى.
ثم نقل ابن القَيِّم ﵀ عن النسائي أنه ضَعَّفَ هذه المتابعة بقوله: "فيه عتبة، ليس بالقويِّ"٢.
قلت: هو عتبة بن أبي حكيم الهَمْدَاني، ضَعَّفَهُ جماعةٌ، ووثقه آخرون. فَمِمَّنْ ضَعَّفَهُ: النسائي كما مرَّ، وقال مرة: "ضعيف"٣. وقال ابن معين: "ضعيف الحديث"٤. وقال أبو حاتم: "كَأَّنَّ أَحمد يُوَهِّنُهُ قليلاً"٥. وقال محمد بن عوف الطائي: "ضعيف"٦. وقال الجوزجاني: "غير محمود في الحديث"٧.
وممن وَثقَهُ: ابن معين في رواية الدوري، فقال: "ثقة"٨. وقال أبو حاتم: "صالح، لا بأس به"٩. وقال دحيم: "لا أعلمه إلا مستقَيِّم الحديث"١٠. وذكره أبو زرعة الدمشقي في نفر ثقات١١. وقال مروان
стр. 914
الطاطري: "ثقة"١. وقال أبو القاسم الطبراني: "من ثقات المسلمين"٢. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٣ وقال: "يُعْتَبَرُ حديثه من غير رواية بقية ابن الوليد عنه". وقال ابن عديّ: "أرجو أنه لا بأس به"٤. وقال الذهبي: "وهو متوسط، حسن الحديث"٥.
فهذه أقوال موثقيه ومضعفيه بين أيدينا، والذي يظهر - والله أعلم - أن الرجل فيه ضعف يسير يجعل حديثه مقبولاً في المتابعات، ولذلك قال الذهبي ﵀: "متوسط، حسن الحديث". فحديثه بذلك يصلح للاعتبار به، فتكون هذه الطريق متابعةً صالحةً من يحيى بن سعيد لأخيه سعد بن سعيد.
وأما متابعة صفوان بن سليم لسعد بن سعيد: فقد أخرجها أبو داود في (سننه) ٦، والحميدي في (مسنده) ٧، وكذا الدارمي في (مسنده) ٨، وابن حبان في (صحيحه) ٩، كلهم من طريق:
عبد العزيز بن محمد، عن صفوان بن سليم وسعد بن سعيد
стр. 915
كليهما، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب به، وعند أبي داود والحميدي: "فَكَأَنَّمَا صَام الدَّهْرَ". وعند ابن ابن حبان والدارمي: "فذلك صيام الدَّهْرِ".
فهذه متابعة أخرى من صفوان بن سليم - وهو ثقة ثبت - لسعد ابن سعيد. والراوي عنه: هو الدراوردي، وَثَّقَهُ جماعة وَضَعَّفُهُ آخرون من قبل حفظه، وحديثه من كتابه أضبط من حديثه من حفظه، وأنكروا روايته عن عبد الله العمري١. وقال عنه الذهبي: "صدوق، من علماء المدينة، غيره أقوى منه"٢. وقال مرة: "حديثه في دواوين الإسلام السِّتَّة، لكنَّ البُخَارِيَّ روى له مقروناً بشيخ آخر، وبكل حالٍ فحديثه وحديث ابن أبي حازم لا ينحط من مرتبة الحسن"٣.
قلت: فمثله لا بأس به في المتابعات، فإن روايته لما يرويه الناس دليلُ حفظه وضبطه لهذا الْمَرْوِيِّ، فيكون هذا الإسناد حسناً على أقل تقدير.
وثمَّةَ متابعة ثالثة لسعد بن سعيد؛ إذ تابعه أخوه عبد ربه بن سعيد٤، ذكر ذلك ابن القَيِّم ﵀، فقال: "رواه أحمد بن يوسف السُّلَمِي شيخ مسلم، وعقيل بن يحيى جميعاً عنه - يعني عبد الله بن يزيد