قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في (سننهم) ١، وأحمد، والدارمي في (مسنديهما) ٢، والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤ من طرق، عن: عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن٥، عن الحارث بن بلال٦، عن أبيه٧، عن النبي ﷺ ، وألفاظهم متقاربة بنحو ما سقناه أول الباب.
وقد أُعِلَّ هذا الحديث بجهالة الحارث بن بلال؛ فإنه لم يرو عنه إلا ربيعة بن أبي عبد الرحمن وحده، ولم يُوَثَّقْ، ولذلك قال الإمام أحمد: "لا نعرف هذا الرجل، ولم يروه إلا الدراوردي، هذه الأحاديث أحب إليَّ"٨. وقال الدارقطني - كما نقله عنه المنذري -: "تَفَرَّدَ به ربيعة بن
стр. 947
أبي عبد الرحمن، عن الحارث، عن أبيه. وتَفَرَّدَ به عبد العزيز الدراوردي عنه"١. وقال ابن حزم: "الحارث بن بلال مجهول، ولم يخرج أحدٌ هذا الخبر في صحيح الحديث ... "٢. وقال المنذري: "والحارث: هو ابن بلال ابن الحارث، وهو شبه المجهول"٣. وقال ابن القطان: "والحارث بن بلال لا يُعرف حاله"٤. وقال الشيخ الألباني: "ضعيف"٥.
وقد مَالَ النووي إلى تصحيحه، فقال: "إسناده صحيح إلا الحارث بن بلال، ولم أَرَ في الحارث جرحاً ولا تعديلاً، وقد رواه أبو داود ولم يُضَعِّفْهُ، وقد ذكرنا مَرَّاتٍ: أنه ما لم يضعفه أبو داود فهو حديث حسن عنده، إلا أن يوجد فيه ما يقتضي ضعفه"٦.
قلت: وقد وُجدَ هنا ما يقتضي ضَعْفَهُ، وهو جهالة الحارث بن بلال كما تقدم.
ثم ذكر ابن القَيِّم ﵀ حديثاً آخر استدلَّ به القائلون بخصوصية الفسخ بالصحابة وهو:
٥٢- (٧) حديث أبي ذر ﵁ أنه قال: "كان فَسْخُ الحَجِّ مِنْ رسول الله ﷺ لَنَا خَاصَّةً".
стр. 948
ساق ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث من طريق الحُميدِي، قال: حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن المُرَقِّع١، عن أبي ذر به، ثم قال: "المرقع ليس ممن تقوم بروايته حُجَّةٌ، فضلاً عن أن يُقَدَّم على النصوص الصحيحة غير المدفوعة، وقد قال أحمد بن حنبل - وقد عُورِضَ بحديثه -: ومن المرقع الأسدي؟! "٢.
قلت: هذا الحديث أخرجه الحميدي في (مسنده) ٣ بالإسناد واللفظ اللذين ساقهما ابن القَيِّم ﵀، والمرقع الأسدي - راويه عن أبي ذرٍّ - لم أجد من ترجمه سوى ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٤، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ونقل عن أبيه قوله: "روى عن أبي ذر، روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وليث بن أبي سليم". لكن وَثَّقَهُ يحيى ابن سعيد الأنصاري.
فقد أخرجه البيهقي في (سننه) ٥ من طريق الليث، عن يحيى بن سعيد، قال: حدثنا المرقع الأسدي - وكان رَجُلاً مَرْضيًّا- أن أبا ذر ﵁ صاحب رسول الله ﷺ قال: "كانت رخصة لنا، ليست لأحدٍ بعدنا" يعني: فسخ الحج بالعمرة. قال يحيى: "وحقق ذلك عندنا: أن أبا بكر،
стр. 949
وعمر، وعثمان ﵃ لم ينقضوا الحج بعمرة، ولم يُرَخِّصُوا فيه لأحدٍ، وكانوا هم أعلم برسول الله ﷺ وبما فعل في حجه ذلك ممن شهد بعضه".
ففي هذا الإسناد: شهادة يحيى بن سعيد الأنصاري للمرقع بأنه كان مرضياً، وفي هذه الشهادة ما يدفع قول ابن حزم عن المرقع: " ... وهو مجهول"١. فقد أَعَلَّ الحديث به، فلا شكَّ أنَّ من عَرَفَهُ حجة على من لم يعرفه.
ثم إن حديث أبي ذر هذا: أخرجه مسلم في (صحيحه) ٢، ولكن بلفظ: "كانت المتعة في الحجِّ لأصحاب محمد ﷺ خاصة ". وفي رواية: " لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة ". يعني: متعة النساء ومتعة الحج، والمراد بالمتعة في قوله هذا: متعة الفسخ، كما سيأتي من كلام النووي ﵀، فتكون هذه الرواية مؤيدة لرواية المرقع المتقدمة.
فهل تكون رواية أبي ذَرٍّ هذه حجة لمن ذهب إلى عدم جواز الفسخ، وأنه خاصٌّ بالصحابة؟؟
أجاب ابن القَيِّم ﵀ عن حديث أبي ذرٍّ هذا: بأنه - بعد تسليم صحته - رأي له ﵁، وقد عارضه قوله ﷺ ، وذلك في حديث جابر في صفة حجه ﷺ ، حين سأله سُرَاقَة بن مالك عن الفسخ بقوله:
стр. 950
أَلِعَامِنَا هذا أم لأبدٍ؟ فقال ﷺ : "بل لأبد أبد" ١. فتكون بذلك دعوى الاختصاص باطلة.
قال ابن القَيِّم: "وهذا أصحُّ سنداً من المرويِّ عن أبي ذر، وأولى أن يُؤْخَذَ به منه لو صحَّ عنه"٢.
ثم ذهب ابن القَيِّم ﵀ إلى أن حديث أبي ذر هذا - الذي فيه "أن المتعة كانت لهم خاصة " - إن أُرِيدَ به متعةُ الفسخ٣ فإنه يحتمل وجوهاً ثلاثة:
أحدها: اختصاص جواز ذلك بالصحابة، وهذا الذي فَهِمَه من حرَّم الفسخ.
الثاني: اختصاص وجوب ذلك بالصحابة، فيكون واجباً في حقِّ أصحاب النبي ﷺ ، وجائزاً مُسْتَحَبَّاً في حقِّ باقي الأمة، وذهب إليه ابن تَيْمِيَّة ﵀، ولم يرضه ابن القَيِّم ﵀.
الثالث: أنه ليس لأحدٍ بعض الصحابة أن يبتدأ حجاً قارناً أو مفرداً بلا هدي، لأنه يحتاج معه إلى الفسخ، بل فرضٌ أن يفعل من بعد الصحابة ما أرشد إليه ﷺ من القِرَان لمن ساق الهدي، والتمتع لمن لم يسقه.
стр. 951
قال ابن القَيِّم: "وإذا تأملت هذين الاحتمالين الأخيرين: رأيتهما إما راجحين على الاحتمال الأَوَّلِ، أو مساويين له، وتسقط معارضة الأحاديث الثابتة الصريحة به جملة"١.
ثم أجاب ابن القَيِّم ﵀ على دعوى النَّسْخ: بأن الفسخ قد رواه عن النبي ﷺ أربعة عشر من الصحابة عَدَّهم، ثم عدَّ جملة من التابعين رووا ذلك عن هؤلاء الصحابة، ثم قال:
"فصار نقل كافة عن كافة، يوجبُ العِلْمَ، ومثل هذا لا يجوزُ نسخه إلا بما يَتَرَجَّحُ عليه أو يقاومه، فكيف يجوز دعوى نسخه بأحاديث لا تقاومه ولا تدانيه ولا تقاربه؟ وإنما هي بين مجهول رواتها، أو ضعفاء لا تقوم بهم حجة. وما صحَّ فيه: فهو رأي صاحب، قاله بِظَنِّهِ واجتهاده - وهو أصحُّ ما فيها - وهو قول أبي ذر: كانت المتعة لنا خاصة ... فلو كان ما قاله أبو ذر رواية صحيحة ثابتة مرفوعة، لكان نسخ هذه الأحاديث المتواترة به ممتنعاً، فكيف وإنما هو قوله؟؟ "٢.
قلت: لعلَّ النفس تطمئن إلى حَمْلِ كلام أبي ذَرٍّ على خصوصية الوجوب، فمراده: أن وجوب الفسخ وتحتُّمه إِنَّمَا هو خاصُّ بأصحاب النبي ﷺ ، وأما سائر الأمة: فالأمر في حقها على الجواز، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة كما مرَّ قبل قليل.
ولم يرضه ابن القَيِّم ﵀، بل قال: بوجوب الفسخ في
стр. 952
حقِّ الأمة، فقال: "ونحن نُشْهِدُ الله علينا: أَنَّا لو أَحْرَمْنَا بحَج، لرأينا فرضاً علينا فسخه إلى عمرة تفادياً من غضب رسول الله ﷺ ، واتباعاً لأمره"١.
وخلاصة البحث مع ابن القَيِّم في أحاديث الباب: أنه أورد في خصوصية الفسخ بأصحاب النبي ﷺ حديثين، وهما: حديث بلال بن الحارث، وحديث أبي ذر من رواية المرقع، ثم حكم على كلا الحديثين بالضعف.
والذي ظهر لي: أن ابن القَيِّم يُوَافَقُ على تضعيفه حديث بلال؛ لجهالة "الحارث بن بلال"، وأما حديث أبي ذر فلا نوافقه على ذلك؛ لانتفاء جهالة المرقع، ومتابعة إبراهيم التيمي، عن أبيه له في روايته عن أبي ذر عند مسلم.
ثم إنه لا تعارض بين رواية أبي ذرٍّ وبين سائر الروايات؛ وذلك بحمل رواية أبي ذرٍّ على خصوصية الوجوب كما مضى، وإلا فإن تقديم رواية جمهور الصحابة الذين رووا الفسخ عن النبي ﷺ أولى، والله أعلم.
стр. 953
٦- باب النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس
٥٣- (٨) "أنَّ النبي ﷺ قَدِّمَ ضَعَفَةَ أَهلِهِ ليلة العيد، وَأَمَرَهُم أن لا يَرْمُوا الجَمْرَةَ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ".
ساق ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث هكذا، ثم قال: "حديث صحيح، صَحَّحَهُ الترمذي وغيره"١.
قلت: هذا الحديث مرويٌّ عن ابن عباس ﵄، ويرويه عن ابن عباس جماعة، أشهرهم ثلاثة:
أولهم: الحسن٢ العُرَنِيُّ عن ابن عباس.
أخرجه أبو داود والنسائي في (سننيهما) ٣، وأحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٤، وابن حبان في (صحيحه) ٥، خمستهم من طريق: سفيان الثوري.
стр. 954
وأخرجه ابن ماجه في (سننه) ١، وأحمد في (مسنده) ٢ كلاهما من طريق: مسعر وسفيان.
وأخرجه البيهقي في (سننه) ٣ من طريق منصور. كلهم عن:
سلمة بن كهيل، عن الحسن العرنيّ، عن ابن عباس ﵄ قال: قَدَّمَنَا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أُغَيلِمة بني عبد المطلب على حمرات، فجعل يَلْطَحُ٤ أفخاذنا ويقول: "أَبَيْنِيَّ! لا ترموا الجَمْرَةَ حتى تطلع الشمس".
هذا لفظ أبي داود، ولفظ الباقين قريب منه، إلا أن عند النسائي: "بَعَثنا" بدل "قَدَّمنا". وعند أحمد وابن ماجه زيادة، وهي قول ابن عباس ﵄: "ولا إخَالُ يرميها حتى تطلع الشمس" زادها سفيان. وقد وقع عند الإمام أحمد في رواية سفيان ومسعر أن ذلك كان "بليل".
وهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أن الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس، كما قال الإمام أحمد٥، وقال يحيى بن معين: "صدوق ليس
стр. 955
به بأس، إنما يقال: إنه لم يسمع من ابن عباس"١.
وقد أشار المنذريُّ إلى هذه العلة في (مختصر السنن) ٢، وقال الحافظ ابن حجر: "وفيه انقطاع"٣. وسيأتي أن الحديث صحيح بطرقه.
الثاني: مقسم، عن ابن عباس.
أخرجه الترمذي في (جامعه) ٤، وأحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٥ من طريق: المسعودي٦.
والمسعوديُّ وإن كان قد اختلط، إلا أن الحديث عند الترمذي وأحمد من رواية وكيع عنه، وقد سمع منه قبل الاختلاط، كما نصَّ عليه الإمام أحمد٧.
وأخرجه أحمد في (مسنده) ٨ من طريق: الأعمش، وأبي
стр. 956
الأحوص، كلهم عن:
الحكم بن عتيبة١، عن مقسم، عن ابن عباس ﵄ به مختصراً، وعند الطيالسي: " ... فأتى على غُلَيْمٍ منهم فَحَرَّكَهُ برجله، وقال: لا تَرْمِ جمرة العقبة حتى تطلع الشمس".
قال أبو عيسى: "حديث حسن صحيح".
الثالث: عطاء٢، عن ابن عباس.
أخرجه أبو داود والنسائي في (سننيهما) ٣ من طريق:
حبيب بن أبي ثابت٤، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يُقَدِّمُ ضعفاء أهله بِغَلَسٍ، ويأمرهم: لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس". لفظ أبي داود، ولفظ النسائي بنحوه.
وفي هذا الإسناد عنعنة حبيب، وهو مُدَلِّس يُكثِرُ من التدليس٥، فتكون هذه عِلَّة تمنع من صحة هذا السند.
стр. 957
وبالنظر إلى هذه الطرق عن ابن عباس: نجد أن طريق المسعودي - ومن تابعه - عن الحكم، عن مقسم هو أحسنها، ولذلك فقد صححه الترمذي - كما مرَّ - والطريقان الآخران يشهدان له ويُقَوِّيَانه.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وهو حديث حسن". ثم ساق هذه الطرق الثلاثة، ثم قال: "وهذه الطرق يُقَوِّي بعضها بعضاً، ومن ثمَّ صححه الترمذي وابن حبان"١. وقد صححه كذلك: الشيخ الألباني في (الإرواء) ٢ وفي (صحيح ابن ماجه) ٣.
ولذا فإن ابن القَيِّم ﵀ قد أصاب في تصحيحه إياه، والله أعلم.
стр. 958
٧- باب من قال بجواز رمي الجمرة قبل طلوعِ الشمس للعذر
٥٤ - (٩) عن عائشة ﵂: "أنه ﷺ أَرْسَلَ بأمِّ سلمة ليلة النحر، فَرَمَتْ الجمرةَ قبل الفجر، ثُمَّ مَضَت فَأَفَاضَتْ ... " الحديث.
ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث، وقال: "حديث منكرٌ، أنكره الإمام أحمد وغيره". ثم ساق كلام الإمام أحمد في ذلك.
قال: "وما يدل على إنكاره: أن فيه: أن رسول الله ﷺ أمرها أن توافي صلاة الصُّبْح يوم النَّحْر بمكة، وفي رواية: "توافيه بمكة " وكان يَومَها، فأحبَّ أن توافيه. وهذا من المحال قطعاً".
ثم استدلَّ على بطلانه أيضاً: بحديث عائشة في (الصحيحين) : "أن سودة استأذنت رسول الله ﷺ في أن تَدْفَعَ قبله، فَأَذِنَ لها. قالت عائشة: "ولأن أكون استأذنتُ كما استأذنته سودة أحبَّ إليَّ من مفروح به". قال: "فهذا الحديث الصحيح يبين أن نساءَهُ - غير سودة - إنما دَفَعْنَ معه"١.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٢، والحاكم في (المستدرك) ٣، والبيهقي في (سننه) ٤ من طريق:
стр. 959
ابن أبي فُديك، عن الضحاك بن عثمان١، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "أَرْسَلَ النبي ﷺ بأمِّ سلمة ليلة النحر، فرمتْ الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ ". تعني عندها. هذا لفظ أبي داود، ولفظ الباقيين مثله، إلا أن عند الحاكم: "وكان ذلك يوم الثاني الذي يكون عندها ... ". كذا رواه الضحاك عن هشام. قال أبو عبد الله الحاكم: "صحيح على شرطهما ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
ورواه أبو معاوية٢، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة ﵂.
أخرجه من هذا الطريق: الإمام مسلم في كتاب (التمييز) ٣، من طريق: يحيى بن يحيى، وأبي كريب، ومحمد بن حاتم، ثلاثتهم: عن أبي معاوية، بالإسناد إلى أم سلمة ﵂: "أن رسول الله ﷺ أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة".
قال الإمام مسلم عقبه: "وهذا الخبر وَهْمٌ من أبي معاوية، لا من غيره، وذلك أن النبي ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ في حجته يوم النحر بالمزدلفة،
стр. 960
وتلك سنة رسول الله ﷺ ، فكيف يأمر أم سلمة أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة، وهو حينئذ يصلي بالمزدلفة؟ " قال: "هذا خبر محال، ولكن الصحيح من روى هذا الخبر عن أبي معاوية، وهو: أن النبي ﷺ أمر أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة ... وإنما أفسد أبو معاوية معنى الحديث حين قال: توافي معه"١.
قلت: وهذه الرواية التي أشار مسلم إلى صحتها عن أبي معاوية: أخرجها البيهقي في (سننه) ٢ من طريق: يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة به. بدون قوله "معه".
ورواه أسد بن موسى٣، عن أبي معاوية بالإسناد نفسه، ولكن لفظه: "أمرها رسول الله ﷺ يوم النحر أن توافي معه صلاة الصبح بمكة". هكذا بتقديم قوله: "يوم النحر". أخرجه هكذا الطحاوي في (شرح معاني الآثار) ٤، ثم قال: "ففي هذا الحديث: أنه ﷺ أمرها بما أمرها به من هذا يوم النحر، فذلك على صلاة الصبح في اليوم الذي بعد يوم النحر".
ولكن تعقبه البيهقي بقوله: "فتعلق به بعض من يدَّعي تصحيح الآثار على مذهبه، وزعم أنه إنما أمرها بذلك يوم النحر؛ لتوافي معه
стр. 961
صلاة الصبح من غد يوم النحر بمكة ... وليس من الإنصاف أن تُتْرَكَ رواية الجمهور، ويُؤْخَذ برواية واحدٍ لم يكن عندهم بمصر بالحافظ جداً"١. يعني: أسد بن موسى.
وخالف هؤلاء جميعاً جماعة من أصحاب هشام، فرووه عنه، عن أبيه، عن أم سلمة مرسلاً.
أخرجه الطحاويُّ في (شرح المعاني) ٢ من طريق: حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه: "أَنَّ يومَ أُمِّ سلمة دَارَ إلى يوم النحر، فأمرها رسولُ الله ﷺ ليلة جمع أن تُفيضَ، فَرَمَتْ جمرة العقبة، وصلت الفجر بمكة".
وأخرجه البيهقي في (سننه) ٣ من طريق: داود بن عبد الرحمن العطَّار، والدراوردي، كلاهما عن هشام به، ولفظه: "دار رسول الله ﷺ إلى أُمِّ سَلَمَة يوم النَّحْرِ، فأمرها أن تُعَجِّلَ الإفاضة من جمع، حتى تأتي مكة فتصلي بها الصبح، وكان يومها فأحبَّ أن توافقه".
وأخرجه الإمام مسلم في كتاب (التمييز) ٤ من طريق: الثوري، عن هشام به بنحو لفظ البيهقي، مختصراً.
وقد رواه وكيع، عن هشام، عن أبيه مرسلاً أيضاً، ولفظه: "أن
стр. 962
النبي ﷺ أمرَ أُمَّ سلمة أن توافيه الصبح بمنىً". أخرجه مسلم في (التمييز) ١، وقال: "وَهِمَ فيه كنحو ما وَهِمَ فيه أبو معاوية ... وسبيل وكيع كسبيل أبي معاوية: أن النبي ﷺ صَلَّى الصبح يوم النحر بالمزدلفة، دون غيرها من الأماكن لا محالة".
فَتَلَخَّص من ذلك: أن هذا الحديث يُروى مرسلاً، ويروى متصلاً. ويُروى بلفظ: "توافي صلاة الصبح"، وبلفظ: "توافي معه صلاة الصبح"، وبلفظ: "توافيه صلاة الصبح".
أما من ناحية إسناده: فقد رَجَّحَ بعض الأئمة الرواية الْمُرْسَلَة، فقال الدارقطني - بعد أن أذكر الروايات المتصلة -: "وخالفهم أصحاب هشام الحفاظ عنه، رووه عن هشام، عن أبيه مرسلاً، وهو الصحيح"٢.
وَقَوَّى البيهقي ﵀ الراوية المتصلة بقوله: "وَصَلَ أبو معاوية هذا الحديث عن هشام، وأبو معاوية حجة قد أجمع الحفاظ على قبول ما ينفرد به، ثم قد وَصَلَهُ الضَّحَاكُ بن عثمان، وهو من الثقات الأثبات"٣.
ثم ساق ﵀ رواية الضحاك بن عثمان بإسناده، ثم قال: "إسنادٌ صحيح لا عار فيه".
стр. 963
ثم قال - مُوَفِّقَاً بين الرواية المتصلة والمرسلة -: "وكأنَّ عروة حمله من الوجهين جميعاً، فكان هشام يرسله مرةً ويُسْنِده أخرى، وهذه عادتهم في الرواية"١.
وصَحَّحَ النووي رواية أبي داود المتصلة أيضاً، فقال: "إسناد صحيح على شرط مسلم"٢.
قلت: فعلى كلام البيهقي هذا لا تكون الرواية المتصلة معلولة، وهو ظاهر صنيع الإمام مسلم ﵀، فإنه لما رواه على الوجهين لم ير الرواية المتصلة معلولة من جهة إسنادها، وإنما تَكَلَّمَ في متنها فقط.
وأما من ناحية المتن: فقد أنكروا رواية أبي معاوية وقوله: "أمرها أن توافيه" وكذلك: "توافي معه"، وقد تقدم كلام الإمام مسلم ﵀ في ذلك، وأنه رَجَّحَ رواية أبي معاوية التي فيها "توافي " فقط.
وقد نقل ابن القَيِّم ﵀ عن الأثرم أَنَّ الإمام أحمد أَنْكَرَ هذه الرواية وقال: " ... النبي ﷺ يوم النحر وقت الصبح ما يصنع بمكة؟! " ينكر ذلك. قال: فجئت إلى يحيى بن سعيد، فسألته، فقال: عن هشام، عن أبيه: أمرها أن توافي، وليس: توافيه. قال: وبين ذين فرق. قال: "وقال لي يحيى: سل عبد الرحمن عنه - يعني ابن مهدي - فسألته، فقال: هكذا سفيان عن هشام، عن أبيه"٣.
стр. 964
فإذا علمنا هذا، فَإِنَّ حكم ابن القَيِّم ﵀ على الحديث كُلِّهِ بالنَّكَارَةِ غير مُسَلَّم، واستدلاله لذلك بكلام الإمام أحمد لا يساعده؛ لأنَّ الإمام أحمد - كما مضى - قد أنكر هذه اللفظة فقط، وهو الذي قاله الإمام مسلم أيضاً، وأوضح البيهقي ﵀ ذلك يقوله: "وأما ما ذُكِرَ من حكاية أحمد: فإنما أُنكرَ قوله: "توافي معه صلاة الصبح"؛ إذ لم يكن رسول الله ﷺ بمكة وقت صلاة الصبح"١.
وأما استدلاله على بطلانه بحديث عائشة في (الصحيحين) : أن سودة استأذنت رسول الله ﷺ في أن تدفع قبله، فأَذِنَ لها، وحَبَسَ باقي نسائه حتى دفعن بدفعه:
أقول: ليس في هذا دليل على عدم خروج أم سلمة ﵂ بليلٍ، بل ذكرت عائشة ﵂ في هذا الحديث من استأذن النبي ﷺ من نسائه، وهي سودة، ولم تذكر التي أمرها بالخروج، وهي أم سلمة ﵂، ولذلك قالت عائشة: "ولأن أكون استأذنتُ رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة ... ".
وما يقال في أم سلمة، يقال في أم حبيبة ﵅؛ فإنه قد ثبت في (صحيح مسلم) ٢ "أن النبي ﷺ بعث بها من جمعٍ بليلٍ" فهذا
стр. 965
يردُّ على قول ابن القَيِّم ﵀: " ... أن نساءه - غير سودة - دَفَعْنَ معه". فعندي - والله أعلم - أن قول عائشة ﵂: "وحبسنا حتى أصبحنا، فَدَفَعْنَا بِدَفْعِهِ" يعني: ما عدا من بَعَثَ بهنَّ النبي ﷺ ، وما عدا من استأذنته.
ولذلك فإن ابن القَيِّم ﵀ اضطر إلى أن يقول في حديث أم حبيبة: "انفرد به مسلم، فإن كان محفوظاً، فهي إذن من الضَّعَفَةِ التي قَدَّمَها"١.
فَتَلَخَّص من هذا: أن حديث إرسال أمِّ سلمة ﵂ ورميها الجمرة بليل، حديث صحيح، صححه الأئمة: مسلم، والحاكم، والبيهقي، والنووي. وأن الذي أنكره الإمام أحمد هو لفظة واحدة فقط، وهي قوله: "توافي معه" أو "توافيه". وأما حكم ابن التركماني٢ عليه بالاضطراب، ومتابعة الشيخ الألباني له٣، فإنه لا دليل عليه، وأن ما ذُكر فيه من اختلاف ليس مما يوجب سقوطه.
ثم إنَّ ابن القَيِّم نفسه عاد بعد ذلك فقال: "ثُمَّ تَأَمَّلْنَا، فإذا لا تعارض بين هذه الأحاديث؛ فإنه أمر الصبيان ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي، أما من قَدَّمَهُ من النساء: فَرَمَيْنَ قبل طلوع الشمس للعذر، والخوف عليهنَّ من مزاحمة
стр. 966
الناس وحَطْمِهِم. وهذا الذي دَلَّت عليه السنة: جواز الرمي قبل طلوع الشمس للعذر: بمرض، أو كِبَرٍ يشقُّ عليه مزاحمة الناس لأجله، وأما القادر الصحيح، فلا يجوز له ذلك"١.
قلت: وعلى هذا فإنه يُقال في أم سلمة ﵂ ما قاله ابن القَيِّم نفسه في أم حبيبة: من أنها من الضَّعَفَةِ الذين قَدَّمَهُم النبي ﷺ ليلة النحر، فرموا بليل، وبهذا تتفق الأحاديث ولا يضرب بعضها بعضاً، ويكون هذا التوفيق والجمع من ابن القَيِّم بين هذه النصوص هو المعتمد، ويُحْمَل إنكاره لحديث تقديم أم سلمة ﵂ على ما جاء فيه من قوله: "أن توافي معه صلاة الصبح"، لما تقدم بيانه.
ومن الأحاديث الواردة في الرمي قبل طلوع الشمس، حديث:
٥٥- (١٠) عائشة ﵂: "أَنَّ رَسُول الله ﷺ أَمَر نِسَاءَهُ أن يَخْرُجْنَ من جَمْعٍ ليلة جمع، فيرمينَ الجَمْرَةَ، ثم تُصْبِحُ في مَنْزِلِهَا". وكانت تصنع ذلك حتى ماتت.
ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث عند كلامه على دفع النبي ﷺ من مزدلفة، ورميه جمرة العقبة، وأن نساءه دفعن معه، ما عدا سودة ﵂، فإنها استأذنت أن تدفع قبله.
وقد أورد ﵀ حديث عائشة هذا حُجَّةً للمخالفين، ثم قال: "يَرُدُّهُ محمد بن حميد أحد رواته، كَذ َّبَهُ غير واحد. ويَرُدُّهُ أيضاً:
стр. 967
حَدِيثُهَا الذي في (الصحيحين) وقولها: وَدِدت أني كنت استأذنت رسول الله ﷺ ، كما استأذنته سودة"١.
قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني في (سننه) ٢ من طريق:
محمد بن حميد٣، عن هارون بن المغيرة، عن عبد الله بن يعلى الطائفي، عن عطاء، عن عائشة بنت طلحة، عن خالتها عائشة ﵄ به، وفي آخره قول عطاء: "ولم أزلْ أفعله".
ومحمد بن حُمَيْد ضَعَّفَهُ الجمهور، وكذبه: أبو زرعة، وابن خراش، والنسائي٤. وكان الإمام أحمد حسن الرأي فيه، وكذا ابن معين، لكن قال أبو علي النيسابوري: "قلتُ لابن خزيمة: لو حَدَّثَ الأستاذ عن محمد بن حميد؛ فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه؟ فقال: إنه لم يعرفه، ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلاً". كذا في (تهذيب التهذيب) ٥، وأما في (الميزان) ٦: "لو أخذت الإسناد ... " بدل "لو حَدَّثَ الأستاذ"! ولعله تصحيف.
ومما يدلُّ على أن هذا الحديث قد يكون من مناكيره: ما رواه ابن
стр. 968
أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ١ بسنده إلى محمد بن عيسى بن الدامغاني، أنه قال: "لما مات هارون بن المغيرة، سألت محمد بن حميد أن يُخْرِجَ إليَّ جميع ما سمع منه، فأخرج إليَّ جُزَازَات، فأحصيت جميع ما فيه: ثلثمائة ونيفاً وستين حديثاً". قال جعفر بن محمد بن حماد - راوي هذه الحكاية عن ابن الدامغاني -: "وأخرج ابن حميد عن هارون بعد: بضعة عشر ألف حديث".
وهذا الحديث من رواية محمد بن حميد، عن هارون بن المغيرة هذا، وقد كان ابن حميد يسرق الحديث، ويأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بعض٢، فلا يبعد أن يكون هذا الحديث وَقَعَ فيه شيء من ذلك.
ومما يدل على نكارته أيضاً: ما أشار إليه ابن القَيِّم ﵀ من أنها ﵂ كانت تقول: " ... فلأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنت سودة، أحب إليَّ من مفروح به"٣. فهذا ظاهر في أنها دفعت بدفع رسول الله ﷺ .
فَتَلَخَّص: أنَّ هذا الحديث لا يصحُّ؛ لضعف إسناده، ونكارة متنه، فَيَتَرَجَّحُ اختيارُ ابن القَيِّم ﵀ في ردِّهِ، والله أعلم.
стр. 969
٨ ـ باب من قال بجواز التضحية ثلاثة أيام بعد النحر
...
٨ - باب من قال بجواز التضحية ثلاثة أيام بعد يوم النحر
٥٦- (١١) حديث: "كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ ".
أورد ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث مستدلاً به للمذهب القائل بأن أيام النحر: يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده، وَرَجَّحَ هذا المذهب، لكنه قال عن هذا الحديث: "لكنَّ الحديث منقطع لا يثبت وصله".
ثم عاد فقال - في معرض ترجيحه هذا المذهب -: "وَرُوِيَ من وجهين مختلفين - يَشَدُّ أحدهما الآخر - عن النبي ﷺ أنه قال: "كل مني منحر، وكلُّ أيام التشريق ذبحٌ ". وَرُوِىَ من حديث جبير بن مطعم - يعني الماضي - وفيه انقطاع، ومن حديث أسامة بن زيد، عن عطاء، عن جابر. قال يعقوب بن سفيان: أسامة بن زيد عند أهل المدينة ثقة مأمون"١.
قلت: هذا الحديث الذي أورده ابن القَيِّم ﵀ حاكماً بانقطاعه: أخرجه أحمد في (مسنده) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣، من طريق:
أبي المغيرة٤، عن سعيد بن عبد العزيز٥، عن سليمان بن
стр. 970
موسى١، عن جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "كلُّ عرفات موقف، وارفعوا عن بطن عُرَنَة. وكل مزدلفة موقفٌ، وارفعوا عن مُحَسِّر. وكل فِجَاجِ مني منحر، وكلُّ أيام التشريق ذبحٌ". ثم ساقه الإمام أحمد من طريق: أبي اليمان، عن سعيد بن عبد العزيز، بإسناده مثله.
وهذا الإسناد منقطع كما قال ابن القَيِّم ﵀؛ فإنَّ سليمان ابن موسى لم يدرك جبير بن مُطْعِم، قال البخاري: "سليمان لم يدرك أحداً من أصحاب النبي ﷺ "٢. وقال ابن كثير - وعنه نقل صاحب (نصب الراية) ٣ -: "هكذا رواه أحمد، وهو منقطع؛ فإن سليمان بن موسى الأشدق لم يدرك جبير بن مطعم". وقال البيهقي عقب روايته: "وهو مرسل". ونقل النووي في (شرح المهذب) ٤ إعلال البيهقي له، وأَقَرَّهُ. وقال الحافظ ابن حجر: "في سنده انقطاع"٥.
قلت: وقد رُوي عن سليمان من وجه آخر ظاهره الاتصال، فقد أخرجه البزار في (مسنده) ٦، وابن حبان في (صحيحه) ٧، وابن
стр. 971
عديّ في (الكامل) ١ كلهم من طريق: عبد الملك بن عبد العزيز٢، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن عبد الرحمن بن أبي الحسين، عن جبير ﵁ به مرفوعاً.
ولكنَّ هذا الإسناد منقطع أيضاً، حكم عليه بذلك البزار ﵀، فقال: " ... ابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم، وإنما ذكرنا هذا الحديث لأنَّا لا نحفظ عن رسول الله ﷺ في: "كل أيام التشريق ذبح". إلا في هذا الحديث، فكذلك ذكرناه، وبَيَّنَا العلة فيه"٣.
وقد أخرجه الطبراني في (معجمه الكبير) ٤، والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٥ من طرق، عن: سويد بن عبد العزيز٦، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن نافع بن جبير٧، عن أبيه، عن النبي ﷺ كما تقدم، ولفظه عند الدارقطني والبيهقي مختصر، كما أورده ابن القَيِّم أول الباب.
стр. 972
وقد أشار البزار ﵀ إلى رواية سويد هذه عقب إخراجه رواية عبد الرحمن بن أبي حسين المتقدمة، فقال: "ورواه سويد بن عبد العزيز، فقال فيه: عن نافع بن جبير، عن أبيه، وهو رجلٌ ليس بالحافظ، ولا يُحْتَجُّ به إذا انفرد بحديث، وحديث ابن أبي حسين هو الصواب ... "١. وأَعَلَّهُ البيهقي بسويد أيضاً، فقال: "ورواه سويد بن عبد العزيز، وهو ضعيف عند بعض أهل النقل ... "٢. وتَعَقَّبَهُ ابن التركماني، فقال: "هو ضعيف عند كلهم أو أكثرهم"٣.
وبذلك يكون حديث سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى دائراً بين الضعف والانقطاع، ولكن أشار الحافظ ابن حجر إلى أنه ورد موصولاً من وجه آخر، فقال: "ووصله الدارقطني، ورجاله ثقات"٤.
قلت: لعله يشير بذلك إلى ما أخرجه الدارقطني في (سننه) ٥- ومن طريقه البيهقي٦ - من طريق: أبي معيد٧، عن سليمان ابن موسى، عن عمرو بن دينار، عن جبير بن مطعم به.
стр. 973
وهذا إسنادٌ رجاله ثقات، إلا أبا معيد، فإنه تَكَلَّمَ فيه بعضهم، ولكنه صدوقٌ، وقد وثقه الأكثرون١، فحديثه لا ينزل عن درجة الحسن، وقد وَثَّقَ ابن حجر ﵀ رجال هذا الإسناد٢ كما مضى.
وقد أشار الزيلعي في (نصب الراية) ٣ إلى أن الطبراني أخرجه في (مسند الشاميين) ، من طريق أبي معيد، عن سليمان بن موسى، عن محمد ابن المنكدر، عن جبير به، فيكون هذا طريقاً آخر لهذا الحديث، فيثبتُ بذلك اتِّصَالُهُ من طريق سليمان بن موسى إلى جبير بن مطعم ﵁، وتنتفي عنه بذلك عِلَّةُ الانقطاع التي أشار إليها ابن القَيِّم ﵀.
وأما قول ابن القَيِّم ﵀: " روي من وجهين مختلفين يشدُّ أحدهما الآخر ... " ثم ذِكْرُهُ رواية جبير بن مطعم، ورواية جابر ﵄: فإن كان يقصد أن حديث جابر يشدُّ حديث جبير، فإنه لا يتم له الاستشهاد به؛ لأن حديث جابر ﵁ ليس فيه قوله ﷺ : "وكل أيام التشريق ذبح ". وإنما لفظه - كما أخرجه أبو داود٤ وغيره - أنه ﷺ قال: "كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر".
أما إن كان قصده: مجيء حديث جبير بن مطعم نفسه من وجه
стр. 974
آخر- كما تقدم في كلام ابن حجر - فقد حصل المقصود وهو: تقوية رواية جبير المنقطعة.
هذا، وقد صحح الهيثمي إسناد حديث جبير، فقال: "رجاله موثوقون"١. - يريد رجال أحمد والطبراني - ورَمَزَ له السيوطي بالصحة٢. وَأَقَرَّهُ الشيخ الألباني في (صحيح الجامع الصغير) ٣.
فَتَلَخَّص من ذلك: ثبوت حديث جبير بن مطعم هذا، وانتفاءُ ما أَعَلَّهُ به ابن القَيِّم من الانقطاع، وذلك بوروده من وجه آخر متصلاً، وتصحيح الأئمة له.
على أنَّ كلام ابن القَيِّم ﵀ الظاهر منه مَيْلُهُ إلى تقوية الحديث بمجيئه من وجه آخر، كما تقدم من كلامه.
стр. 975
٩- باب ما يستحب من ذبح صاحب النسيكة نسيكته بيده، وجواز الاستنابة فيه
٥٧- (١٢) عن علي ﷺ قال: "لمَّا نحر رسول الله ﷺ بُدْنَهُ، فَنَحَرَ ثلاثين بيده، وَأَمَرَنِي فنحرت سَائِرَهَا ".
ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث، وعزاه لأحمد وأبي داود، ثُمَّ قال: "هَذَا غلط، انقلب على الراوي؛ فإن الذي نَحَرَ ثلاثين: هو عليٌّ، فإن النبي ﷺ نحر سبعاً بيده لم يشاهده عليٌّ ولا جابر، ثم نَحَرَ ثلاثاً وستين أخرى، فَبَقِيَ من المائة ثلاثون، فَنَحَرَهَا عليٌّ، فانقلب على الراوي عدد ما نَحَرَهُ عليٌّ بما نحره النبي ﷺ "١.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣ - وأخرجه البيهقي في (سننه) ٤ من طريق أبي داود - كلهم من طريق:
محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نَجِيحٍ٥، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن علي ﵁ به. وعند الإمام أحمد زيادة، وهي قوله: " ... وقال: اقسم
стр. 976
لُحُومَهَا بين الناس وجُلُودَهَا وجِلالها، ولا تُعْطِيَّنَّ جَازِرَاً منها شيئاً".
وهذا الحديث معلول بأمور، وهي:
أولاً: عنعنة ابن إسحاق وهو مُدَلِّس، فإنه لا يُقْبَلُ منه إلا ما صرح فيه بالسماع١.
ثانياً: أن سفيان الثوري رواه عن ابن أبي نجيح بالإسناد السابق، فلم يذكر فيه ما جاء في رواية ابن إسحاق، ولكن فيه قول علي ﵁: "بعثني النبي ﷺ فَقَمْتُ على البُدْنِ، فأمرني فقسمت لحومها، ثم أمرني فقسمت جلالها وجلودها ". أخرجه البخاري في (صحيحه) ٢.
وقد سبق أن رواية أحمد عن ابن إسحاق فيها زيادة، وهي: أمْرُهُ له بقسمة لحومها وجلالها، فَيُخْشَى أن يكون دخل لابن إسحاق حديث في حديث، فالله أعلم.
ثالثاً: وهو ما ذكره ابن القَيِّم ﵀، فإن حديث جابر في وصف حجة النبي ﷺ فيه قوله: " ... ثم انصرف إلى الْمَنْحَر، فَنَحَر ثلاثاً وستين بيده، ثم أَعْطَى عَلِيَّاً فَنَحَرَ مَا غَبَر" ٣. أخرجه مسلم في (صحيحه) ٤.
وقد قَدَّم البيهقي ﵀ رواية مسلم؛ فإنه أخرجها في
стр. 977
(السنن) ١، ثم أخرج رواية ابن إسحاق بعدها، ثم قال: "كذا رواه محمد ابن إسحاق، ورواية جعفر أصحُّ" يعني التي في (مسلم) عن جابر.
وكذا قَدَّمَها الحافظ ابن حجر ﵀؛ فإنه قال - بعد أن ساق رواية ابن إسحاق -: "وأصحُّ منه ما وقع عند مسلم". فساق حديث جابر، ثم حاول الجمع بين هذه الرواية ورواية ابن إسحاق، فقال: "والجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق: أنه ﷺ نحر ثلاثين، ثم أمر علياً أن ينحر سبعاً وثلاثين مثلاً، ثم نحر النبي ﷺ ثلاثاً وثلاثين". قال: "فإنْ سَاغَ هذا الجمعُ، وإلا فما في الصحيح أصحُّ"٢.
أما ابن القَيِّم ﵀، فقد ذهب إلى وقوع القلب في حديث ابن إسحاق كما تقدم كلامه في ذلك، وأن الصواب رواية مسلم التي فيها أن النبي ﷺ نحر ثلاثاً وستين بيده، مع نحره ﷺ سبع بُدْنٍ قياماً، كما في حديث أنس٣ ﵁ فيصير مجموع ما نحره ﷺ سبعين بدنة. لا أن علياً هو الذي نحر هذا العدد.
وهذا المسلك من ابن القَيِّم ﵀ قويٌّ في تقديم ما في الصحيح وردِّ ما عداه.
وعلى كل حال، فإن رواية ابن إسحاق شاذَّةٌ لمخالفتها رواية
стр. 978
جابر في (صحيح مسلم) ، مع ضَعْفِ إسنادها كما تقدم، وقد رَجَّحَ رواية الصحيح: البيهقي، ثم ابن حجر رحمهما الله، كما تقدم، والله أعلم.
стр. 979
١٠- باب ما جاء في طواف الإفاضة
٥٨- (١٣) عن عائشة وابن عباس ﵃: "أَنَّ النَّبِي أَخَّرَ طَوافَهُ يوم النَّحْرِ إلى اللَّيل". وفي لفظ: "طَوافَ الزِّيَارَة".
ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث، وتحسين الترمذي له، ثم قال: "وهذا الحديث غَلَطٌ بَيِّنٌ، خلاف المعلوم من فِعْلِهِ ﷺ الذي لا يَشُكُّ فيه أهل العلم بحَجَّتِه"١.
ثم ذكر ﵀ كلام البخاري في إعلاله بعدم سماع أبي الزبير من عائشة، وكلام ابن القطان في إعلاله بتدليس أبي الزبير وقد عنعنه، ثم قال: "ويدل على غلط أبي الزبير عن عائشة: أن أبا سلمة بن عبد الرحمن روى عن عائشة، أنها قالت: حَجَجْنَا مع رسول الله ﷺ ، فَأَفَضْنَا يومَ النحر"٢.
وقال مرة: "هذا الحديث وَهْمٌ؛ فإن المعلوم من فعله ﷺ : أنه إنما طاف طواف الإفاضة نهاراً بعد الزوال، كما قاله جابر، وعبد الله بن عمر، وعائشة. وهذا أمرٌ لا يرتاب فيه أهل العلم بالحديث"٣.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن
стр. 980
ماجه في (سننهم) ١، وأحمد في (مسنده) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣، من طرق، عن:
سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن عائشة وابن عباس ﵂ به.
وعَلَّقَهُ البخاري في (صحيحه) ٤، فقال: "وقال أبو الزبير، عن عائشة وابن عباس ﵃: أَخَّرَ النبي ﷺ الزيارة إلى الليل".
قال أبو عيسى الترمذي: "حديث حسن صحيح". وفي بعض نسخه: "حسن"٥.
ولكن هذا الحديث أُعِلَّ بعلل - كما تقدم في كلام ابن القَيِّم ﵀ منها:
أولاً: انقطاعه بين أبي الزبير وعائشة، وقيل: ابن عباس أيضاً:
فقد سأل الترمذي البخاريَّ عنه، فقال له: أبو الزبير سمع عائشة
стр. 981
وابن عباس؟ قال: "أما ابن عباس فنعم، وإن في سماعه من عائشة نظراً"١. وقال أبو حاتم: "أبو الزبير رأي ابن عباس رؤية، ولم يسمع من عائشة"٢. وقال ابن عيينة: "يقولون: أبو الزبير المكي لم يسمع من ابن عباس"٣ قال العلائي - عقب نقله كلام هؤلاء الأئمة -: "حديثه عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة في صحيح مسلم"٤.
قلت: ولكنَّ هذا على قاعدة مسلم المعروفة، وهي: اكتفاؤه في السند المعنعن بإمكان اللقاء دون ثبوته، وهذا - على فرض قبوله - يكون في غير المدلسين، أما إذا كان المُعَنْعِنُ مُدَلِّسَاً، فإنهم لم يختلفوا في عدم قبول ما عنعنه، وإنما الخلاف في قبول عنعنة المدلس إذا كان ممن عُلِمَ لقاؤه بمن عنعن عنه. وأبو الزبير من المدلسين المشهورين بذلك، فتكون هذه علة أخرى في الحديث، وهي:
ثانياً: عنعنة أبي الزبير وهو مُدَلِّسٌ: وقد أَعَلَّهُ بذلك جماعة، فقال ابن حزم ﵀ بعد أن ذكر تدليس أبي الزبير-: "ولسنا نحتجُّ من حديثه إلا بما فيه بيان أنه سمعه، وليس في هذا بيان سماعه منهما"٥. وقال ابن القطان: "عندي أن هذا الحديث ليس بصحيح، إنما طاف النبي ﷺ يومئذٍ نهاراً، وإنما اختلفوا: هل صلى الظهر بمكة أو
стр. 982
رجع إلى منىً فصلى الظهر بها بعد أن فرغ من طوافه؟ ... وجابر يقول: إنه صلى الظهر بمكة، وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية أبي الزبير هذه ... وهو شيء لم يرو إلا من هذا الطريق، وأبو الزبير مُدَلِّسٌ، ولم يذكر هاهنا سماعاً من عائشة"١.
وتعقب الحافظ العراقي الترمذي في تحسينه إياه: بأنه معلول بعنعنة أبي الزبير٢. وأعله الشيخ الألباني - أيضاً - بعنعنة أبي الزبير وهو مدلس٣.
ثالثاً: أن هذا الحديث قد عارضه ما هو أصح منه وأثبت: وذلك من حديث جابر، وابن عمر، ومن حديث عائشة نفسها، كما تقدم ذكر ذلك عن ابن القَيِّم ﵀.
قال النووي ﵀: " ... إن روايات جابر، وابن عمر، وأم سلمة عن عائشة: أصحُّ وأشهرُ وأكثر رواة، فوجب تقديمها، ولهذا رواها مسلم في صحيحه دون حديث أبي الزبير وغيره"٤.
وحديث ابن عمر المشار إليه: أخرجه مسلم في (صحيحه) ٥ من طريق: نافع، عن ابن عمر ﵄: "أَنَّ رسول الله ﷺ أَفَاضَ يوم النَّحْرِ، ثم رجع فصلى الظهر بمنى".
стр. 983
وأما حديث جابر: فهو ضمن حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ ، وفيه قوله: " ... ثم ركب رسول الله ﷺ ، فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر ... ". وهو في (صحيح مسلم) ١ أيضاً.
وأما حديث عائشة: فقد أخرجه البخاري في (صحيحه) ٢ من طريق: أبي سلمة بن عبد الرحمن عنها ﵂، أنها قالت: حججنا مع النبي ﷺ ، فأفضنا يوم النحر ... ".
فهذه الأحاديث الصحيحة عارضت حديث أبي الزبير المتقدم، وفي جميعها: أن النبي ﷺ أفاض نهاراً.
وقد ذهب البعض إلى الجمع بين هذه الأحاديث، فقال الحافظ ابن حجر ﵀: " ... فَيُحْمَلُ حديث جابر وابن عمر على اليوم الأول، وحديث ابن عباس هذا على بقية الأيام"٣.
وتعقبه الشيخ الألباني، فقال: "وهذا التأويل ممكن بناءً على اللفظ الذي عند البخاري: "أَخَّرَ الزيارة إلى الليل". وأما الألفاظ الأخرى فهي تأبى ذلك؛ لأنها صريحة في أنه طواف الإفاضة في اليوم الأول، يوم النحر"٤.
وسبق ابن حجر إلى محاولة الجمع أيضاً: النوويُّ ﵀، فقال في جوابه عن هذه الأحاديث: " ... أن يُتَأَوَّلَ قوله: "أَخَّرَ طواف يوم
стр. 984
النحر إلى الليل". أي: طواف نسائه، ولابدَّ من التأويل للجمع بين الأحاديث"١.
قلت: بل الجمع غير لازم هنا، ويَتَعَيَّنُ الترجيح؛ لأن المعارض لهذه الأحاديث الصحيحة ضعيف لا يقاومها، قال الشيخ الألباني ﵀: "ولذلك فلا بد من الترجيح، ومما لا شكَّ فيه أن حديث ابن عمر أصحُّ من هذا، مع ما له من الشاهدين من حديث جابر، وعائشة نفسها"٢.
فَتَلَخَّص من ذلك: أن حديث أبي الزبير، عن عائشة وابن عباس: حديث ضعيف، ومع ضعفه فقد عارضته الأحاديث الصحيحة الصريحة في طوافه ﷺ طواف الزيارة نهاراً، فوجب تقديم هذه الأحاديث على هذا الضعيف، وهذا ما اختاره ابن القَيِّم ﵀، وهو الصواب، والله أعلم.
стр. 985
١١- باب الشرب من ماء زمزم
٥٩ - (١٤) عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَه ".
قال ابن القَيِّم ﵀: "وقد ضَعَّفَ هذا الحديث طائفة بعبد الله بن المُؤَمَّل راويه عن محمد بن المنكدر، وقد روينا عن عبد الله بن المبارك: أنه لَمَّا حجَّ أتى زمزم، فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁، عن نَبَيِّكَ ﷺ أنه قال: "ماء زمزم لما شُرِبَ له " وإني أشربه لظمأ يوم القيامة، وابن أبي الموالي ثقة، فالحديث إذن حسن، وقد صححه بعضهم، وجعله بعضهم موضوعاً، وكلا القولين فيه مجازفة"١.
قلت: هذا الحديث يُروى عن جابر ﵁ من طريقين:
الطريق الأول: أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣ والطبراني في (الأوسط) ٤، والبيهقي في (سننه) ٥، والعقيلي