← Тараджим

Тараджим · id 11402

أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية

سعدي بن مهدي الهاشمي

Полный текст (513 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

(ب) معرفته وإتقانه لموطأ الإمام مالك: صنف الإمام مالك الموطأ وتوخى فيه القوى من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم فكان فيه المرسل، والمنقطع، والبلاغات وقد ميزها العلماء. يقول أبو بكر الأبهري: "جملة ما في الموطأ من الآثار عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة والتابعين (١٧٢٠) حديثا المسند منها (٦٠٠)، والمرسل (٢٢٢)، والموقوف (٦١٣)، وعن قول التابعين (٢٨٥) (١). وقد انتقى الإمام مالك أحاديث الموطأ من مائة ألف حديث كان يرويها، واستغرق تصنيفه وتنقيحه أربعين عاماً (٢)، ولما كان الإمام مالك أحد أعلام الإسلام، وشديد الانتقاد للرجال عالماً بشأنهم (٣)، ولا يروي في كتبه إلا عن الثقات- قال بشر الزهراني: "سألت مالكاً عن رجل فقال رأيته في كتبي. قلت: لا. قال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي" (٤). وقال ابن معين: "كل من روى عنه مالك فهو ثقة إلا عبد الكريم) (٥) ولأجل هذا اهتم أبو زرعة بموطأ مالك حتى أحاط به إحاطة تامة مع الإتقان والتثبيت، ولقد ابتدأ حفظه للسنة النبوية بأحاديث الإمام- قال أبو زرعة: "أول شيء أخذت نفسي تحفظه من الحديث مالك فلما حفظته، ووعيته طلبت حديث الثورى" … (٦) حتى برع فيه. قال علي بن الحسين بن الجنيد المالكي: "ما رأيت أحداً أعلم بحديث مالك بن أنس مسندها، ومنقطعها من أبي زرعة، وكذلك سائر العلوم، ولكن

стр. 177

خاصة حديث مالك" (١)، وذكره ابن أبي حاتم في موضع آخر وفيه يقول للمالكي: "قلت: ما في الموطأ والزيادات التي ليست في الموطأ؟ قال نعم" (٢)، ويبدو أن زيادة الاهتمام جاءت من روايته عن أحمد بن عمرو ابن عبد الملك الأموي مولاهم، أبي الطاهر المصري المتوفي سنة (٢٥٥) هـ الذي يعد من الطبقة الثانية من أصحاب مالك من أهل العراق (٣)، وأحمد ابن أبي بكر ابن القاسم بن الحارث، أبي مصعب الزهري المتوفى سنة (٢٤٢) هـ الذي عُدَّ من الطبقة الصغرى من أصحاب مالك وأحد رواة الموطأ عنه (٤). ومن تنبيه شيخه يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي مولاهم المصري الحافظ المتوفى سنة (٢٣١) هـ بأهمية الموطأ حيث قال له: "ليس هذا زعزعة، عن زوبعة ترفع الستر، وتنظر إلى النبي ﷺ ، وأصحابه بين يديه. مالك، عن نافع، عن ابن عمر" (٥). وعلى الرغم من اعترافه بصحة أحاديث الموطأ حيث يقول: "لو حلف رجل بالطلاق على أحاديث مالك التي بالموطأ أنها صحاح كلها لم يحنث، ولو حلف على حديث غيره كان حانثاً" (٦)؟ فقد نبه على بعض الأوهام التي وهم فيها الإمام مالك. وهذه بعض الأمثلة. قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه مالك بن أنس، عن حميد الطويل، عن أنس، عن النبي ﷺ في ليلة القدر؟ فقالا: إنما هو عن أنس، عن عبادة عن النبي ﷺ . قلت لهما: الوهم ممن هو؟ قالا: من مالك" (٧) وقال

стр. 178

أيضاً "سئل أبو زرعة عن حديث مالك، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمر بن عثمان بن عفان، عن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر" قال أبو زرعة: "الرواة يقولون: عمرو. ومالك يقول: عمر ابن عثمان. قال أبو محمد: أما الرواة الذين قالوا عمرو بن عثمان فسفيان ابن عيينة، ويونس بن يزيد، عن الزهري" (١). وأختم هذا الفصل ببعض الأمثلة التي تدل على معرفة أبي زرعة لما في الموطأ وضبطه له وبيان بعض الأوهام التي وهم فيها بعض الرواة عن مالك. قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة وذكر حديثا حدثنا به عن الأويس، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر "أن عمر ضرب لليهود والنصارى والمجوس إقامة ثلاث ليال بالمدينة يتسوقون ويقضون حوائجهم" قال أبو زرعة: "في الموطأ مالك، عن نافع، عن أسلم أن عمر. والصحيح ما في الموطأ" (٢)، وقال ابن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة وذكر حديثا رواه ابن وهب، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه عن عمر أن رفيقا لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة فنحروها فرفع ذلك إلى عمر فأمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم ثم قال عمر إني أراك تجيعهم، والله لأغرمنك غرما يشق عليك ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ قال أربع مائة درهم. قال أعطه ثماني مائة درهم. قال أبو زرعة، وفي موطأ مالك،

стр. 179

عن هشام، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن عن عمر، ولم يقل عن أبيه وهذا الصحيح" (١). (جـ) علمه بمصطلح الحديث: لقد أحاط أبو زرعة بجميع الفنون المتعلقة بالسنة النبوية سواء ماكان يتعلق بالرواية أو الدراية، وفيما يلي بعض أقواله، وآرائه التي تتعلق بمصطلح الحديث. قوله في الاحتجاج بالحديث المرسل: قال ابن أبي حاتم: "وسمعت أبي وأبا زرعة يقولان لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة" (٢). رأيه في الرواية بالإجازة من غير مناولة: قال الحافظ ابن رجب: "وقد ذكر الترمذي عن بعض أهل العلم إجازتها، وقد حكاه غيره عن جمهور العلماء، وحكاه بعضهم إجماعاً. وليس كذلك بل قد أنكر الإجازة جماعة من العلماء، وحكي ذلك عن أبي زرعة، وصالح بن محمد، وإبراهيم الحربي … " (٣). رأيه في رواية الثقة عن رجل غير معروف: قال ابن أبي حاتم: "وسألت أبا زرعة عن رواية الثقات، عن رجل مما تقوى حديثه؟ قال: أي لعمري. قلت الكلبي (٤) روى عنه الثوري قال: إنما ذلك إذالم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يتكلم فيه. قلت: فما معنى رواية

стр. 180

الثوري عنه، وهو غير ثقة عنده؟ قال: كان الثوري يذكر الرواية عن الكلبي على الإنكار والتعجب فيعلقون عنه روايته عنه، ولم تكن روايته عن الكلبي قبوله له" (١) فتبين أنه لايعتبر الرجل الضعيف معدلا إذا روى عنه ثقة. رأيه في الرواية عن الضعفاء من أهل التهمة بالكذب وكثرة الغلط والغفلة: وللعلماء في ذلك قولان: أحدهما: جواز الرواية عنهم. والثاني: الامتناع من ذلك. قال ابن رجب: "والذي يتبين من عمل الإمام أحمد وكلامه أنه يترك عمن دونهم في الضعف مثل من في حفظه شيء، ويختلف الناس في تضعيفه وتوثيقه. وكذلك كان أبو زرعة يفعل" (٢). أصح الأسانيد عنده: قال ابن أبي حاتم: "سألت أبا زرعة فقلت: أي الاسناد أصح؟ قال الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ صحيح، ومنصور عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ صحيح. وابن عون، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن علي، عن النبي ﷺ صحيح" (٣). وقال أيضأ: "سألت أبا زرعة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؟ قال: سهيل أشبه" (٤). وقال أيضا: "قلت لأبي زرعة: ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة أحب إليك أو العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أو سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؟ قال جميعا ما أقربهم" (٥).

стр. 181

وقال أيضا: "سألت أبا زرعة عن ابن أبي الزناد، وورقاء، وشعيب ابن أبي حمزة، والمغيرة بن عبد الرحمن المديني كلهم، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ من أحب اليك منهم؟ قال ورقاء أحب إلي من كلهم، قلت: بعده من أحب إليك؟ قال: المغيرة أحب إلي من كلهم، قلت: بعده من أحب إليك؟ قال: المغيرة أحب إلي من ابن أيى الزناد وشعيب؟ قلت: فابن أبي الزناد وشعيب؟ قال شعيب أشبه حديثا وأصح منه" (١). شرطه في قبول العنعنة من الثقة غير المدلس: اشترط أبو زرعة ثبوت السماع مع الرؤية في قبول العنعنة من الثقة غير المدلس عمن عاصره، وأمكنه اللقى، وقد ذكر ابن رجب أبا زرعة ضمن من اشترط ذلك قال الحافظ ابن رجب: "وما قاله ابن المديني، والبخاري، هو مقتضى كلام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم من أعيان الحفاظ، بل كلامهم يدل على اشتراط ثبوت السماع كما تقدم عن الشافعي ﵁ فإنهم قالوا في جماعة من الأعيان ثبتت لهم الرؤية لبعض الصحابة، وقالوا مع ذلك لم يثبت لهم السماع منهم، فرواياتهم عنهم مرسلة منهم الأعمش ويحيى بن أبي كثير، وأيوب وأبي عون، وقرة بن خالد رأوا أنساً، ولم يسمعوا منه. فروايتهم عنه مرسلة. كذا قاله أبو حاتم. وقاله أبو زرعة في يحيى بن أبي كثير، وقال أحمد في يحيى بن أبي كثير قد رأى أنسا فلا أدري سمع منه أم لا، ولم يجعلوا روايته عنه متصلة بمجرد الرؤية، والرؤية أبلغ من إمكان اللقي" (٢). وقال أيضا ابن رجب: "وقال أبو زرعة في أبي أمامة ابن سهل بن حنيف لم يسمع من عمر (٣). هذا مع أن أبا أمامة رأى النبي ﷺ . فدل كلام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم على أن الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع، وهذا أضيق من قول ابن المديني، والبخاري، فإن المحكي عنهما إنه يعتبر أحد أمرين من

стр. 182

السماع، وأما اللقاء، وأحمد ومن تبعه عندهم لا بد من ثبوت السماع، ويدل على أن هذا مرادهم أن أحمد قال: ابن سيرين لم يجئ عنه سماع من ابن عباس" (١). ٢ - مؤلفات أبي زرعة إمام كأبي زرعة زاد عدد شيوخه على الألف، وجاب أقطار الأرض، واشتهر برحلاتة البعيدة وملازمة للأئمة الكبار، لا بد وأن يكون له مصنفات كبيرة في العلوم التي طلبها ولو لم يصل إلينا معظمها. فهناك نصوص كثيرة تدل وتؤكد على قوة تصانيفه وتنوعها، وعظم حجمها. فهذا الحافظ الخليلي صاحب الإرشاد يصفه بقوله: " … فضائله أكثر من أن تعد، وفي تصانيفه لايوازيه أحد" (٢) ولقد استفاد من مصنفاته الأئمة الذين أتوا من بعده وخاصة تلاميذه مثل البرذعي وابن أبي حاتم الذي قال عنه الخليلي: "أخذ علم أبيه وأبي زرعة وكان بحرا في العلوم، ومعرفة الرجال والحديث الصحيح من السقيم، وله من التصانيف ما هو أشهر من أن يوصف في الفقه والتواريخ، واختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار … " (٣) ويكاد لايوجد مصنف من مصنفات ابن أبي حاتم إلا وأقوال أبي زرعة وآراؤه فيه. في الجرح والتعديل، وعلل الحديث، والمراسيل، وبيان خطأ البخاري، واعتقاد أهل السنة، والتفسير وغير ذلك، ولا بد في هذا الموضع من ذكر أمر مهم يتعلق بأصول مؤلفات أبي زرعة حيث قال الخليلي في ترجمة ابن أبي حاتم: "ويقال إن السنة بالري ختمت به، وأمر بدفن الأصول من كتب أبي زرعة وأبي حاتم ووقف من الكتب تصانيفه وكان وصيه ابن الدرستيني" (٤) وهو علي بن الحسين الدرستيني القاضي.

стр. 183

الرد على هذا الخبر: إن هذا الخبر انفرد بذكره الخليلي في كتابه الإرشاد فقط، وأورده من غير إسناد. إضافة إلى ذلك ذكره بصيغة التمريض. لذا نستبعد صحته، وكان الأولى بابن أبي حاتم أن يفعل هذا بكتبه لايوقفها من بعده على طلبة العلم- والله أعلم- ابن الحسين الدرستيني القاضي- وهذا الخبر يحتاج إلى تأمل وتمحيص وهو يحتمل أحد أمرين لاثالث لهما. إما أنه أمر بدفن الأصول في حالة روحية غمرته وأصبح مرهف الحساسية مشفقا عليهما، يخشى أن مصنفاتهما ليست لابتغاء وجه الله أو قد داخلها بعض الرياء. وهذا أمر قد حصل لعدد غير قليل من السلف الصالح ﵏ حيث كانوا لايعدون الحديث والتدوين من عدة الموتى لذا أوصى محمد بن العلاء الهمداني المتوفى سنة (٢٤٨) هـ أن تدفن كتبه معه فدفنت (١). قال أبو زرعة عن عطاء بن مسلم الخفاف: "كان من أهل الكوفة دفن كتبه ثم روى من حفظه فوهم، وكان رجلا صالحاً" (٢). وقال العجلي عن يوسف بن أسباط الشيباني: "صاحب سند وخبر دفن كتبه وقال لايصلح فكبر عليها" (٣). وإما أنه أمر بدفنها- أي الأصول- بعد أن ضمنها في كتبه التي صنفها فمن أراد كتب أبيه أو كتب أبي زرعة فعليه بمصنفاته باعتبار أن مصنفاته صارت الغاية في التصنيف، وهذا هو الاحتمال الراجح. وكذلك حفظ لنا البرذعي بعض مصنفات أبي زرعة، منها كتاب أسماء الضعفاء، وأجوبة أبي زرعة على أسئلته التي وجهها إليه في تجريح الرواة. وفيما يلي تعداد لمؤلفات أبو زرعة وعرض لبعضها: ١ - كتاب فوائد الرازيين: ويبدو أن هذا الكتاب مؤلف من عدة أجزاء ضمنها فوائد حديثية رواها

стр. 184

عن حفاظ الري، كل حافظ وفوائده. يقول البرذعي: "دفع إليّ أبو زرعة جزءا من فوائد الرازيين فنسخت منه ما نسخت وكان فيه أحاديث عن أحمد بن أبي سريج، وعمن دون أحمد، فلما أتيته بالكتاب قلت: لا أراك أدخلت في هذا الجزء محمد بن حميد يحتاج إلى جزء على حدة" (١). ٢ - كتاب الفوائد (٢): قال أبو حاتم حين كلامه عن إسماعيل بن قيس أبي مصعب الأنصاري: "وأتعجب من أبي زرعة حيث أدخل حديثه عن ابن عبد الملك ابن شيبة في فوائده ولا يعجبني حديثه" (٣). ٣ - كتاب الفضائل (٤). ٤ - كتاب أعلام النبوة أو (دلائل النبوة): ذكره الحافظ ابن كثير في تاريخه المشهور فقال: "قال الإمام العالم الحافظ أبو زرعة عبيدالله بن عبد الكريم الرازي، نضر الله وجهه في كتاب دلاثل النبوة- وهو كتاب جليل … " (٥) وذكر حديثاً رواه أبو زرعة في كتابه هذا يتعلق بما شاهده النبي الكريم ﷺ ليلة أسري به. والكتاب يتعلق بمعجزات الرسول ﷺ ، كآية انشقاق

стр. 185

القمر (١)، وإضاءة عصا بعض الصحابة في ليلة ظلماء (٢)، وما سيكون من أحداث بعد وفاته ووقع. وقد أورد أبو زرعة في كتابه ما صح من الروايات، وإذا ثبت لديه ضعف بعضها يضرب عليها ولا يحدث بها. قال البرذعي: "وشهدت أبا زرعة في كتاب أعلام النبوة على باب ما يعرف من دعاء النبي ﷺ لعلي في الطائر أنه قال: "اللهم ائتني بأحب خلقك إليك" (٣)، فلم يقرأ علينا شيئا مما في الباب. وقال: "ليس فيه حديث صحيح"، ولقد ذكره السخاوي باسم (دلائل النبوة) (٤)، وذكر ابن أبي حاتم كتابا لأبي زرعة باسم (الدلالات) (٥) ولعله نفس الكتاب واكتفى بهذه التسمية. ٥ - كتاب السير (٦). ٦ - كتاب المختصر (٧). ٧ - كتاب الزهد (٨).

стр. 186

٨ - كتاب الأطعمة (١). ٩ - كتاب الفرائض (٢). ١٠ - كتاب الصوم (٣). ١١ - كتاب الآداب (٤). ١٢ - كتاب الوضوء (٥). ١٣ - كتاب الشفعة (٦). ١٤ - كتاب الأفراد (٧).

стр. 187

١٥ - كتاب العلل: حيث أفرد فيه الكلام عن علل الأحاديث (١). ١٦ - كتاب الجرح والتعديل (٢). ولقد اعترض بعض الأئمة على أبي زرعة في تأليفه هذا الكتاب، وقالوا ما هو إلا كتاب التاريخ الكبير للبخاري، (٣). قال الإمام الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد النيسابوري الكرابيسي المتوفى سنة (٣٧٨) هـ: "كنت بالري وهم يقرؤون على ابن أبي حاتم كتاب الجرح والتعديل فقلت لابن عبدويه الوراق: هذه ضحكة أراكم تقرؤون كتاب التاريخ للبخاري على شيخكم على الوجه وقد نسبتموه إلى أبي زرعة وأبي حاتم، فقال: يا أبا أحمد إن أبا زرعة وأبا حاتم لما حمل إليهما تاريخ البخاري قالا: هذا علم لا يستغنى عنه، ولا يحسن بنا أن نذكره عن غيرنا، فأقعدا عبد الرحمن يسألهما عن رجل بعد رجل وزادا فيه ونقصا" (٤)، وزاد الخطيب في الخبر "ونسبه عبد الرحمن إليهما" (٥). وقال الحاكم أيضا في كتابه الكنى " … وكتاب محمد بن إسماعيل في التاريخ كتاب لم يسبق إليه، ومن ألف بعده شيئا من التاريخ أو الأسماء أو الكنى لم يستغن عنه، فمنهم من نسبه إلى نفسه، مثل أبي زرعة، وأبي حاتم، ومسلم، ومنهم من حكاه عنه، فالله يرحمه فإنه الذي أصل الأصول" (٦)، وذكر الخليلي في الإرشاد نحو هذا الكلام (٧).

стр. 188

والصواب أن أبا زرعة وأبا حاتم لما وقفا على كتاب التاريخ الكبير للبخاري وجدا فيه نقصا في بعض التراجم، من حيث ضبط الأسماء أو الكنى، أو منزلتهم في تحمل الحديث وروايته. ولما كانا يمتلكان القدرة على التمييز والفهم لمراد الأئمة في ألفاظهم التي استعملوها في تجريح الرواة وتوثيقهم، صنف كل منهما كتابا في الجرح والتعديل على نفس منهج البخاري، مع الزيادة في حجمه وبعض التغيير في هيكله، وضبط بعض الأسماء والكنى التي قد أخطأ فيها البخاري (١) حسب اجتهادهما ومن ثم جمع كتابيهما ابن أبي حاتم في كتابه المشهور المعروف بالجرح والتعديل (٢)، وأضاف إلى كتابيهما ما دوّنه عن شيوخه وما اجتهد به من أحكام على الرواة ومن يطيل النظر والدراسة لكتابه يجد مصداق ذلك. ولقد أحسن الحافظ ابن رجب في كلامه وحكمه على ذلك بقوله حين كلامه عن مصادر الترمذي في كتاب العلل: "وأما التواريخ والعلل والأسماء ونحو ذلك، فقد ذكر أن أكثر كلامه فيه استخرجه من كتاب تاريخ البخاري وهو كتاب جليل لم يسبق إلى مثله ﵀، ورضي عنه وهو جامع لذلك كله. ثم لما وقف عليه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان رحمهما الله صنفا على منواله كتابين: أحدهما: كتاب الجرح والتعديل، وفيه ذكر الأسماء فقط. وزاد على ما ذكره البخاري أشياء من الجرح والتعديل وفي كتابيهما من ذلك شيء كثير لم يذكره البخاري (٣). ١٧ - كتاب بيان خطأ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه . وهو عبارة عن كتاب صنفه أبو زرعة بعد اطلاعه على كتاب التاريخ الكبير للبخاري ضمنه الأخطاء والأوهام التي وجدها فيه. روى الخطيب بسنده إلى أبي علي صالح بن محمد الحافظ أنه قال: "قال لي أبو زرعة: يا أبا علي نظرت في كتاب محمد بن إسماعيل هذا أسماء الرجال فإذا فيه خطأ كثير، فقلت

стр. 189

له: بليته إنه رجل كل من كان يقدم عليه من العراق من أهل بخارى نظر في كتبهم، فإذا رأى اسما لايعرفه وليس عنده كتبه، وهم لا يضبطون وتكون كتبهم غير منقوطة، فيضمه في كتابه خطأ-، وإلا فما رأيت خراسانيا أفهم منه لولا في لسانه وفي ذلك الكتاب أسام لاتعرف ولم يبين من روى عنهم، وعمن رووا، وأي شيء رووا، فيتحير الإنسان فيه. قال: وسألني خالد بن أحمد أبو الهيثم أن أنظر له شيئا في هذا الكتاب فأصحح له فنظرت فغيرت أشياء أخطأ فيه وصحف ورأيت محمد بن إسماعيل ببغداد يقرأ عليهم هذا الكتاب فقال: وإبراهيم بن شعيب روى عنه ابن وهب. فقلت له: إنما هو إبراهيم بن شعيث، ثم قلت له: أنت تنظر في كتب الناس فإذا مر بك اسم لاتعرفه أخذته والخطأ فيه من غيرك، لأنهم كانوا لايضبطون" (١). وأبو زرعة هو أول من صنف في بيان خطأ البخاري، ثم أبو حاتم ثم بعدهما ابن أبي حاتم. حيث صنف في الأخطاء كتابا (٢) ضمنه تصويبات أبي زرعة وأبيه وقد ينبه في كل ترجمة فيما إذا اتفق والده مع أبي زرعة أو يخالفه وسماه بنفس اسم كتاب أبي زرعة. يقول ابن أبي حاتم في بدايته: "سمعت أبي يقول: قال أبو زرعة ﵃: حمل إلى الفضل بن العباس المعروف بالصائغ كتاب التاريخ ذكر أنه كتبه من كتاب محمد بن إسماعيل البخاري فوجدت فيه … " (٣) وأخذ ينبه على ما رآه خطأ مع بيان الصواب عنده إلى آخر الكتاب، ولقد دافع عن كتاب التاريخ الكبير الخطيب البغدادي بعد اطلاعه على كتاب ابن أبي حاتم حيث يقول: "وقد جمع عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي الأوهام التي أخذها أبو زرعة على البخاري في كتاب مفرد ونظرت فيه فوجدت كثيرا منها لا تلزمه وقد حكى عنه في ذلك الكتاب أشياء هي مدونة في تاريخه على الصواب بخلاف الحكاية عنه، ومن العجب أن ابن أبي حاتم أغار على

стр. 190

كتاب البخاري ونقله إلى كتابه في الجرح والتعديل وعمد إلى ما تضمنه من الأسماء فسأل عنها أباه وأبا زرعة ودوّن عنهما الجواب في ذلك ثم جمع الأوهام المأخوذة على البخاري وذكرها من غير أن يقدم ما يقيم به العذر لنفسه عند العلماء في أن قصده بتدوين تلك الأوهام بيان الصواب لمن وقعت إليه دون الانتقاص والعيب لمن حفظت عليه ونحن لا نظن أنه قصد غير ذلك فإنه كان بمحل من الدين، وأحد الرفعاء من أئمة المسلمين رحمة الله عليه وعليهم أجمعين" (١)، ولقد أجاد الشيخ المعلمي اليماني ﵀ حيث أقرّ الخطيب على دفاعه وبرر انتقاد أبي زرعة ومن معه فقال بعد أن نقل عن البخاري إنه قال عن تاريخه (صنفته ثلاث مرات): "ومعنى هذا أنه بدأ فقيد: التراجم بغير ترتيب ثم كرّ عليها فرتبها على الحروف ثم عاد فرتب تراجم كل حرف عل الأسماء: باب إبراهيم. باب إسماعيل … الخ، هذا هو الذي التزمته ويزيد من الأسماء التي تكثر مثل محمد وإبراهيم فيرتب تراجم كل اسم على ترتيب الحروت الأوائل لأسماء الآباء ونحوها، وقال بعد نقله قول البخاري: "صنفت جميع كتبي ثلاث مرات" يعني والله أعلم أنه يصنف الكتاب ويخرجه للناس. ثم يأخذ يزيد في نسخته ويصلح ثم يخرجه الثالثة وهذا ثابت للتاريخ كما يأتي، ثم قال بعد كلام: "فإن ما تقدم من كلام أبي زرعة وصالح بن محمد الحافظ، وما جمعه ابن أبي حاتم من المآخذ على البخاري كان بالنظر إلى النسخة التي أخرجها البخاري أولا وبهذا يتضح السبب فيما ذكره الخطيب معترضا على ابن أبي حاتم قال: "وحكي عنه- أي عن البخاري- في ذلك الكتاب أشياء على الغلط هي مدونة في تاريخه على الصواب بخلاف الحكاية عنه فكلام ابن أبي حاتم كان بحسب النسخة التي أخرجها البخاري أولا وكلام الخطيب بالنظر إلى النسخة التي أخرجها ثانيا وهي رواية أبي أحمد محمد بن سليمان بن فارس الدلال النيسابوري المتوفى سنة (٣١٢) هـ ذكر الخطيب في الموضح أول اعتراضاته على البخاري إسناده إليه. وفي رواية ابن فارس هذه مواضع على الخطأ وهي في رواية محمد بن سهل بن كردي عن البخاري على الصواب- ثم قال اليماني- انظر: موضح الأوهام (٧) و (٩) و (١٣) من أوهام البخاري مع تعليقي، فظهر أن

стр. 191

رواية ابن فارس مما أخرجه البخاري ثانياً، ورواية ابن سهل مما أخرجه ثالثاً" (١) ومن يقرأ كتاب بيان خطأ أبي عبد الله … لابن أبي حاتم يتضح له أن أبا زرعة صنف هذا الكتاب ثم بعده أبو حاتم وبعدهما ابن أبي حاتم وكذا في الجرح والتعديل فمثلا في ترجمة عاصم بن عمر بن الخطاب ابن أبي حاتم: "سئل أبو زرعة فقيل له أن محمد بن إسماعيل البخاري أخرج في كتابه عاصم بن عمرو ابن أبي أحمد القرشي الذي روى بكير بن الأشج عن محمد بن وهب عنه؟ قال أبو زرعة: إنما هو عاصم بن عمر بن الخطاب وابن أبي أحمد بن جحش) (٢) وقال في ترجمة عبد الله بن ناسح الحضرمي: "كان البخاري أخرج هذا الاسم في باب النون ناسخ الحضرمي فغير أبي بخطه وقال إنما هو عبد الله بن ناسح الحضرمي، وكذلك أخرج أبو زرعة فيما أخرج عن خطأ البخاري هذا الاسم وقال كما قال أبي" (٣). ١٨ - التفسير: لقد عدّ الحافظ شمس الدين محمد بن علي الداودي المتوفى سنة (٩٤٥) هـ أبا زرعة الرازي أحد المفسرين الذين عنوا بالتفسير وأفرد له ترجمة في كتابه طبقات المفسرين (٤)، ولقد استفاد أبو زرعة من كبار المفسرين وروى بعض

стр. 192

التفاسير المعتمدة عن التابعين ومن بعدهم ولقد اتبع منهج التفسير بالمأثور فيأخذ ما صح عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة والتابعين وتابعيهم وكان يميّز الأحاديث الصحيحة عن الضعيفة الواردة في التفسير، ذكر عددا منها ابن أبي حاتم في علل الحديث (١)، وهذا هو المنهج الصحيح إن أردنا أن نفسر القرآن الكريم تفسيرا خاليا من الأحاديث الضعيفة نقيا من الإسرائيليات. ولقد ضم ابن أبي حاتم قسما كبيرا من تفسير أبي زرعة في تفسيره (٢)، فبعض طرقه إلى رسول الله ﷺ (٣)، أو بعض الصحابة أو إلى التابعين أو تابعيهم. وهذه بعض الطرق التي روى أبو زرعة منها التفسير. أ- تفسير السدي وهو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة المتوفى سنة (١٢٨) هـ. يرويه بالسند التالي: قال أبو زرعة: ثنا عمرو بن حماد بن طلحة

стр. 193

القناد، المتوفى سنة (٢٢٢) هـ، ثنا أسباط بن نصر الهمداني، المتوفى سنة (١٧٠) هـ عن السدي (١). ب- تفسير سعيد بن جبير الأسدي تلميذ عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر الذي قتله الحجاج سنة (٩٥) هـ، يرويه بالسند التالي: قال أبو زرعة: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، القرشي الحافظ المتوفي سنة (٢٣١) هـ، ثنا ابن لهيعة، وهو عبد الله بن لهيعة بن عقبة المصري الفقيه المتوفى سنة (١٧٤) هـ، عن عطاء بن دينار، الهذلي مولاهم أبو الزيات المصري، المتوفى سنة (١٢٦) هـ (٢)، عن سعيد بن جبير (٣). ج- تفسير عطاء بن أبي رباح أسلم القرشي الذي أدرك مائتين من الصحابة، المتوفى سنة (١١٤) هـ يرويه بالسند التالي: قال أبو زرعة: حدثنا صفوان، هو ابن صالح بن صفوان الثقفي الدمشقي، المتوفى سنة (٢٣٧) هـ، ثنا الوليد بن مسلم القرشي الدمشقي الذي قال فيه أبو زرعة هو أعلم من وكيع بأمر المغازي المتوفى سنة (١٩٤) هـ، ثنا عثمان بن الأسود بن موسى المكي، المتوفى سنة (١٥٠) هـ، عن عطاء بن أبي رباح (٤). د- تفسير عبد الله بن عباس ابن عم النبي ﷺ . يرويه بالسندين التاليين: قال أبو زرعة: ثنا منجاب بن الحارث بن عبد الرحمن التميمي الكوفي، المتوفى سنة (٢٣١) هـ، ثنا بشر بن عمارة الخثعمي المكتب الكوفي، عن أبي روق، عطية بن الحارث

стр. 194

الهمداني الكوفي الذي ذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة وقال عنه هو صاحب التفسير (١)، عن الضحاك بن مزاحم الهلالي الخراساني المتوفى سنة (١٠٥) هـ، عن ابن عباس (٢). وقال أبو زرعة: ثنا ابن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشام القصار الأزدي الكوفي، المتوفى سنة (٢٠٥) هـ، عن عمار بن رزيق الضبي التميمي، أبو الأحوص الكوفي، المتوفى سنة (١٥٩) هـ، عن عطاء بن أبي السائب ابن مالك الثقفي الكوفي، المتوفى سنة (١٣٧) هـ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٣). هـ- تفسير قتادة ابن دعامة السدوسي ، المتوفى سنة (١١٨) هـ، يرويه بالسندين التاليين: قال أبو زرعة: ثنا العباس بن الوليد الترسي البصري، المتوفى سنة (٢٣٨) هـ، ثنا يزيد بن زريع التميمي، البصري الحافظ، المتوفى سنة (١٨٢) هـ، ثنا سعيد بن أبي عروبة العدوي البصري، المتوفى بحدود (١٥٦) هـ، عن قتادة السدوسي (٤). وقال أبو زرعة: ثنا صفوان بن صالح الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم الدمشقي، ثنا ويقول تارة أخبرني سعيد بن بشير الأزدي، البصري المتوفى سنة (١٦٨) هـ، عن قتادة السدوسي (٥).

стр. 195

و - تفسير مجاهد بن جبر المكي ، تلميذ ابن عباس، المتوفي سنة (١٠٤) هـ، برويه بالسند التالي: قال أبو زرعة: ثنا ابراهيم بن موسي الرازي، ثنا ابن أبي زائدة، يحيى الوادعي الكوفي، المتوفي سنة (١٨٢) هـ، قال ابن جريح عبد الملك بن عبد العزيز، المتوفي سنة (١٤٩) هـ، عن مجاهد (١). ز - تفسير الضحاك بن مزاحم الهلالي المتوفي سنة (١٠٥) هـ، يرويه بالسند التالي: قال أبو زرعة: ثنا سعيد بن محمد الجرمي، ثنا يحيى بن واضح أبو تميلة الأنصاري، المروزي الحافظ، ثنا أبو الحارث عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم (٢). ح - تفسير مقاتل بن حيان البلخي ، المتوفي سنة (١٥٠) هـ، يرويه بالسند التالي: قال أبو زرعة: ثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد بن مسلم الدمشقي، أخبرني بكير بن معروف الأسدي النيسابوري، صاحب التفسير المتوفي سنة (١٦٣) هـ، عن مقاتل بن حيان (٣). ط - تفسير محمد بن سيرين الأنصاري إمام وقته، المتوفي سنة (١١٠) هـ. يرويه بالسندين التاليين: قال أبو زرعة: ثنا موسي بن اسماعيل المنقري، المتوفى سنة (٢٢٣) هـ، ثنا وهيب بن خالد بن عجلان الباهلي البصري، المتوفي سنة (١٦٥) هـ، عن خالد بن مهران الحذاء أبو المنازل البصري، المتوفي سنة (١٤١) هـ، عن محمد بن سيرين (٤).

стр. 196

وقال أبو زرعة: ثنا محمد بن المثنى، عن عبيد العنزي المتوفى سنة (٢٥٢) هـ، ثنا معاذ بن معاذ بن نصر العنبري الحافظ البصري المتوفي سنة (١٩٦) هـ، عن ابن عون، أبو عبد الله الخراساني، المتوفى بين سنة ١٤٥ - (١٥٠) هـ، عن محمد بن سيرين (١). ي- تفسير مكحول الشامي المتوفى بعد سنة (١١٢) هـ، يرويه بالسند التالي: قال أبو زرعة: ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا مروان بن معاوية بن الحارث الفزاري الكوفي، الحافظ المتوفى سنة (١٩٣) هـ، ثنا صبيح مولى بني مروان عن مكحول (٢). ك- تفسير عكرمة بن خالد العاص، توفي بعد عطاء بن أبي رباح، أي بعد (١١٤) هـ، يرويه بالسندين التاليين: قال أبو زرعة: ثنا محمد بن أبي بكر المقدسي، ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد البصري الحافظ، المتوفى بحدود (١٨٩) هـ، عن مالك بن دينار، عن عكرمة (٣). وقال أبو زرعة: ثنا محمد بن الصباح البزاز البغدادي، المتوفى سنة (٢٢٧) هـ، ثنا إسماعيل بن زكرياء، عن محمد بن عون الخراساني، عن عكرمة (٤). وكان حريصا على رواية التفاسير المعتمدة عن الثقات. يقول ابن أبي حاتم في ترجمة محمد بن المنهال الضرير البصري الحافظ المتوفى سنة (٢٣١) هـ "سمعت أبا زرعة يقول سألت محمد بن المنهال أن يقرأ عليّ تفسير أبي رجاء ليزيد بن زريع فأملى عليّ من حفظه نصفه ثم أتيته يوما آخر بعدكم فأملى عليّ من حيث انتهى فقال: خذ فتعجبت من ذلك وكان يحفظ حديث يزيد بن زريع" (٥).

стр. 197

وكذلك أخذ التفسير عن محمد بن يزيد الأسفاطي (١)، البصري، وكان يحفظ مائة وأربعين ألف حديث في التفسير والقراءات، ومن كانت هذه حصيلته، كان له القدرة على فهم كتاب الله فهما صحيحا. ١٩ - أجوبته على أسئلة البرذعي (في الضعفاء) (٢). ٢٠ - كتاب أسماء الضعفاء (٣). ٢١ - أجوبته على أسئلة البرذعي (في الثقات): يقول البرذعي: "وسألته بعد هذا عن قوم مدحهم، فأجابني بما ضمنته غير هذا الموضع" (٤). ٢٢ - كتاب الصحابة: من مجموع النصوص التي وقفت عليها والمتعلقة بالصحابة لعلها تدل على أن أبا زرعة الرازي أفرد الصحابة ﵃ بمصنف. ويبدو لي من النصوص أنه ضمنه الكلام عن منزلة الصحابة، ومكانتهم، وعددهم، والحكم بزندقة من جرحهم، وتمييز الصحابي عن التابعي. قال ابن حجر في ترجمة مسلم بن الحارث التميمي: "وصحح البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان والترمذي وابن قانع وغير واحد أن مسلم بن الحارث هو صحابي … " (٥). ويدل على إحاطته بمعرفة الصحابة ما رواه الثقات عنه "أن رجلا سأله فقال له: يا أبا زرعة، أليس يقال حديث النبي ﷺ أربعة آلاف حديث؟ قال: ومن قال ذا؟ قلقل الله أنيابه، هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله ﷺ ؟ قبض رسول الله ﷺ

стр. 198

عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه. قيل: يا أبا زرعة، هؤلاء أين كانوا وسمعوا منه (١)؟ قال: أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما والأعراب ومن شهد معه حجة الوداع" (٢). وأما حكمه بالزندقة على من يجرح الصحابة، فقد روى الخطيب بسنده إليه أنه قال: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاعلم إنه زنديق، وذلك أن الرسول حق والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة (٣)، ومما يدل على تمييزه ودقة معرفته نراه يحكم على بعض الرواة بقوله: "ليست له صحبة" (٤)، ويقول تارة عن بعضهم: "له صحبة قديمة" (٥)، ويقول: "لا يسمى وهو صحابي في الصحابة" (٦) أو يقول عن البعض: "هو من التابعين" (٧) ولم ينس الصحابيات

стр. 199

رضي الله عنهن فقد أولاهن حضنهن بالمعرفة والإحاطة، فمثلا يقول عن أم خالد فيما نقله عنه ابن أبي حاتم: "اسمها أمة وتكنى بأم خالد، وكانت تحت الزبير وهي ابنة خالد بن سعيد بن العاص بن أمية. وقال- أي ابن أبي حاتم- سمعت أبا زرعة يقول: أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص الأكبر اسمها أمة، صح لها عن النبي صلى الله عليه رسلم أحاديث، وسعيد بن العاص مات في الجاهلية بين الطائف ومكة وهي امرأة الزبير كان خالد بن الزبير ولد منها، ولدته بأرض الحبشة" (١). ٢٣ - المسند: لقد صنف كثير من الحفاظ والمحدثين المسانيد قبل عصر أبي زرعة وفي عهده من شيوخه وأقرانه، وبعد طبقته. والمسانيد كما يقول الكتاني: "جمع مسند وهي الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدة. صحيحا كان أو حسنا أو ضعيفاً، مرتبين على حروف الهجاء في أسماء الصحابة، كما فعله غير واحد، وهو أسهل تناولاً، أو على القبائل أو السابقة في الإسلام، أو الشرافة النسبية، أو غير ذلك، وقد يقتصر في بعضها على أحاديث صحابي واحد، كمسند أبي بكر، أو أحاديث جماعة منهم، كمسند الأربعة أو العشرة أو طائفة مخصوصة، جمعها وصف واحد، كمسند المقلين، ومسند الصحابة الذين نزلوا مصر، إلى غير ذلك (٢)، وذكر الكتاني مسند أبي زرعة ضمن المسانيد التي ذكرها (٣). ولم أعثر على نسخة من مسند أبي زرعة- رغم تتبعي وبحثي في فهارس المخطوطات- وهو من جملة مصنفاته المفقودة، وأود في هذه المناسبة أن أنبه إلى وهم وقع فيه بروكلمان حيث قال في تاريخ الأدب العربي ج ٣/ (٣١٠) حين كلامه عن مسند أحمد (وتوجد أقسام متفرقة منه من مسند الشاميين؛

стр. 200

برلين (١٢٥٩)، كوبريلي ٤١٢ - ٤١٦ (برواية أبي زرعة المتوفى (٢٧٦) هـ، والصواب. أنه توفي سنة (٢٦٤) هـ وانظر طبقات الحفاظ للسيوطي ٩/ (٧٨)، أو هو كتاب مستقل لتلميذه المذكور)، ولم يتابعه الأستاذ سزكين في هذا بل نسبه للإمام أحمد (١)، ووهم صاحب فهرس المخطوطات المحفوظة في مكتبة كوبريلي زادة (٢) حيث ذكره في كتب الحديث باسم (مسند الشاميين) ونسبه لأبي زرعة ولم يذكر نسبه، وأعطى لأجزائه الأرقام التالية: (٤١٢)، (٤١٣)، (٤١٤)، (٤١٥)، (٤١٦)، ولقد كتبت إلى أحد الإخوة من طلبة العلم الأتراك كي يصف لي الكتاب المعطى لأجزائه الأرقام السابقة فاستجاب مشكورا ورد على رسالتي برد (٣) ضمنه وصفا دقيقا لهذه الأجزاء التي تدل بكل وضوح ودون لبس على أنها أجزاء من مسند الإمام أحمد ﵀ والجزء الأول ورقمه (٤١٢) والسادس ورقمه (٤١٤) ويتضمنان مسند الشاميين، والجزء الثاني ورقمه (٤١٣) يتضمن مسند عمر بن الخطاب ﵁ والجزء الثامن ورقمه (٤١٥) يتضمن مسند الأنصار وغيرهم من القبائل، والجزء الخامس ورقمه (٤١٤) يتضمن مسند أبي قتادة الأنصاري وغيره، والجزء التاسع ورقمه (٤١٦) يتضمن مسند صفوان المرادي. وهذه النسخة من المسند مروية بالسند التالي مما رواه عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل عن أبيه، رواية أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي عنه، رواية أبي علي الحسن بن علي بن المذهب عنه، رواية أبي القاسم هبة الله بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني. وهذا السند كتب على الأجزاء المذكورة ولا يوجد فيها أي إشارة إلى أن أبا زرعة هو الذي رواها. وأما النسخة التي أشار إليها بروكلمان في مكتبة برلين الغربية فقد اطلعت عليها في صيف عام (١٣٩٩) هـ، فتبين أنها مسند الشاميين من مسند

стр. 201

أحمد بن حنبل أيضاً وبرواية القطيعي، ورواه عنه ابن المذهب، وعن ابن المذهب رواه ابن الحصين الشيباني. ومن خلال النصوص التي جمعتها والمتعفقة بالمسند يبدو أن أبا زرعة رتّب مسنده على حسب المدن التي نزلها الصحابة ﵃ بعد أن أورد أحاديث العشرة ثم المهاجرين، ثم الأنصار وهكذا، أو يبدو أن له أكثر من مسند يتضمن مجموع الصحابة وآخر يتعلق بالشاميين- والله أعلم- لما لهم من أهمية وهذه بعض النماذج التي تلقي ضوءاً على منهجه. مسند ابن عمر. قال ابن أبي حاتم: "وانتهى أبو زرعة في مسند ابن عمر إلى حديث لإسماعيل بن إبراهيم بن هود فقال: اضربوا عليه ولم يقرأه" (١). مسند المصريين. قال ابن أبي حاتم في ترجمة أبي اليقظان "أخرج أبو زرعة لأبي اليقظان هذا الحديث الواحد في مسند المصريين" (٢)، والحديث "أبشروا فوالله لأنتم أشدّ حبا لرسول الله ﷺ ، ولم تروه من عامة من رآه". مسند البصريين. قال ابن أبي حاتم في ترجمة قبيصة بن وقاص، السلمي، البصري "أدخله أبو زرعة في مسند أصحاب النبي ﷺ الذين سكنوا البصرة ولا نعرف له غير هذا الحديث الواحد .. " (٣)، أي حديث "يكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة … ". مسند الشاميين. قال ابن أبي حاتم في ترجمة عروة بن مغيث: "وضبطه ابن حجر باسم معتب) الأنصاري (أخرج اسمه أبو زرعة في مسند

стр. 202

الشاميين" (١)، وقال في ترجمة فرات بن ثعلبة البهراني: "شامي روى عن النبي ﷺ أدخله أبي في مسند الوحدان، وأدخله أبو زرعة في مسند الشاميين ولم يذكر فيما يروى عن النبي ﷺ لقياً ولا سماعاً" (٢). وقال في ترجمة شرحبيل بن أوس: شامي، ويقال أوس بن شرحبيل، وشرحبيل بن أوس أشبه له صحبة، وقال: "رأيت في كتاب أبي زرعة بخطه قد أخرج في مسنده، شرحبيل بن أوس ثم أخرج في آخر أحاديث شرحبيل حديث الزبيدي- أي محمد بن الوليد الزبيدي، عن عياش عن مؤنس، عن نمران- كتبه، ولم يترجم لأوس بن شرحبيل في مسند الشاميين" (٣)، ومن النصوص التي تتعلق بعموم الذين خرج أحاديثهم دون تعيين المدن التي نزلوها ما قاله ابن أبي حاتم في عبد الله بن خنبش ويقال عبد الرحمن بن خنبش- قال أبو محمد- وهو أصح وذلك أن أبا زرعة ترجم له في كتاب المسند عبد الرحمن بن خنبش روى عن النبي ﷺ (٤).

стр. 203

الفصل السابع: حفظه، ومكانته بين العلماء ١ - حفظه إن من أهم المميزات التي تميز بها محدثنا هي الحفظ، ولقد شهد بذلك الأئمة الحفاظ من شيوخه، وأقرانه، وتلاميذه، وهذه جملة من أقوالهم. قيل لأبي بكر بن أبي شيبة (١): "من أحفظ من رأيت؟ قال: ما رأيت أحدا أحفظ من أبي زرعة الرازي" (٢). وقال ابن وارة: سمعت إسحاق بن راهوية يقول: "كل حديث لا يعرفه أبو زرعة فليس له أصل" (٣).

стр. 204

وقال أحمد بن حنبل: "ماجاوز الجسر أفقه من إسحاق بن راهويه، ولا أحفظ من أبي زرعة" (١). وقال أبوحاتم: "رحم الله أبا زرعة كان والله مجتهدا في حفظ آثار رسول الله ﷺ " (٢). وقال أبو يعلى الموصلي (٣): "ما سمعنا بذكر أحد في الحفظ إلا كان اسمه أكثر من رؤيته إلا أبا زرعة الرازي فإن مشاهدته كانت أعظم من اسمه، وكان لايرى أحدا ممن هو دونه في الحفظ، أنه أعرف منه، وكان قد جمع الأبواب، والشيوخ والتفسير، وغير ذلك، وكتبنا بانتخابه بواسط ستة آلاف" (٤). وقال يحيى بن مندة (٥): "قيل أحفظ الأمة أبو هريرة، ثم أبو زرعة الرازي" (٦). ولقد اندهش من حفظه الغزير أحد المحدثين فقال: "ما ولدت حواء قط أحفظ من أبي زرعة" (٧).

стр. 205

أما مقدار الأحاديث التي حفظها فقد ورد عن إمام أهل السنة أحمد ابن حنبل أنه قال: "صح من الحديث سبعمائة ألف حديث وكسر، وهذا الفتى- يعني أبا زرعة- قد حفظ ستمائة ألف" (١). وقال الحافظ البيهقي معقبا على قول أحمد: "إنما أراد ما صح من حديث رسول الله ﷺ ، وأقاويل الصحابة، وفتاوى من أخذ عنهم من التابعين" (٢). وقال أبو بكر محمد بن عمر الرازي الحافظ: "لم يكن في هذه الأمة أحفظ من أبي زرعة، كان يحفظ سبعمائة ألف حديث، وكان يحفظ مائة وأربعين ألفا في التفسير والقراءات .. " (٣). وقال الحافظ يحيى بن مندة: "وبلغني بإسناد هو لي مسموع أن أبا زرعة قال: أنا أحفظ ستمائة ألف حديث صحيح، وأربعة عشر ألف إسناد في التفسير، والقراءات، وعشرة آلاف حديث مزورة، قيل له: ما بال المزورة تحفظ؟ قال: إذا مرّ بي منها حديث عرفته" (٤)، وبهذا يتضح لنا أن قوله موافق لشهادة أحمد في مجموع الأحاديث التي حفظها وهي ستمائة ألف، حديث صحيح. أما في التفسير، والقراءات فكان يحفظ أربعة عشر ألف إسناد، وقد يدخل فيها أحاديث الرسول ﷺ ، وآثار الصحابة ﵃، ومن بعدهم من التابعين، ولعل الحافظ البيهقي قد وهم في إحصائها مع جلالة منزلته لأن فتاوى التابعين لاتعتبر من الحديث الصحيح. وأما قول

стр. 206

الحافظ أبي بكر محمد بن عمر الرازي فقد خالف ماصرح به أبو زرعة نفسه، الذي وافق فيه أحمد، ولقد روى الخطيب البغدادي بسنده الى أم عمرو بنت شمر أنها قالت: "سمعت سويد بن غفلة يقرأ (وعيس عين)، يريد حورعين. قال صالح: ألقيت هذا على أبي زرعة فبقي متعجباً. وقال: أنا أحفظ قي القراءات عشرة آلاف حديث. قلت: فتحفظ هذا؟ قال: لا" (١) أقول: فلعله زاد في حفظه لها بعد هذه الحادثة فأصبح يحفظ المقدار الذي صرح به- والله أعلم. ومن الطريف ما ذكره الخطيب بسنده إلى أبي العباس محمد بن جعفر الرازي أنه قال: "سئل أبو زرعة الرازي عن رجل حلف بالطلاق إن أبا زرعة يحفظ مائتي ألف حديث، هل حنث؟ فقال: لا، ثم قال أبو زرعة: أحفظ مائتي ألف كما يحفظ الإنسان قل هو الله أحد، وفي المذاكرة ثلاثمائة ألف حديث" (٢). لذا يعد من الحفاظ القلائل الذين حفظوا هذا القدر العظيم من كلام النبوة، كابن أبي شيبة، والبخاري، وإبراهيم بن موسى الرازي، وغيرهم حتَّى إن الإمام أحمد صرح بحفظه وسرده للأحاديث من بين أقرانه فقد سأله ابنه عبد الله: "يا أبت من الحفاظ؟ قال: يا بني شباب كانوا عندنا من أهل خراسان، وقد تفرقوا. قلت: من هم يا أبت؟ قال: محمد ابن إسماعيل ذاك البخاري، وعبيد الله بن عبد الكريم ذاك الرازي، وعبد الله بن عبد الرحمن ذاك

стр. 207

السمرقندي، والحسن بن شجاع ذاك البلخي" (١)، ثم قال له: "يا أبت: فمن أحفظهم؟ قال: أسردهم أبو زرعة، وأعرفهم محمد بن إسماعيل، وأتقنهم عبد الله، وأجمعهم للأبواب الحسن" (٢). وإذا أردنا أن نعرف الوسائل التي اتبعها محدثنا حتى وصل إلى هذه المنزلة الرفيعة في الحفظ فهي بلاشك تقوى الله، والتقرب إليه بالنوافل والطاعات. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (٣)، ودعاء المخلصين من شيوخه، والصالحين الذين صحبهم، ولما كان الجزاء من جنس العمل، فكان يترك الرذائل، ويصون سمعه عن الباطل أكرمه الله بالحفظ المتواصل، فقد ذكر الخطيب البغدادي عنه أنه قال: "ما سمعت أذني شيئاً من العلم إلا وعاه قلبي، وإني كنت أمشي في سوق بغداد فأسمع من الغرف صوت المغنيات، فأضع أصبعي في أذني مخافة أن يعيه قلبي" (٤). ولقد كان شديد التعاهد لمذاكرة تراث المصطفى ﷺ . يقول أبو زرعة لأحد أصحابه: "إذا مرضت شهرا أو شهرين تبين علي في حفظ القرآن، وأما الحديث فإذا تركته أياما تبين علي ثم قال أبو زرعة: ترى قوما من أصحابنا كتبوا الحديث تركوا المجالسة منذ عشرين سنة أو أقل إذا جلسوا اليوم مع الأحداث كأنهم لا يعرفون ولا يحسنون الحديث. ثم قال: الحديث مثل الشمس إذا جلس من الشرق خمسة أيام لا يعرف فهذا الشأن تحتاج أن تتعاهده أبدا" (٥) ولقد كان من حرصه على الحفظ أن ترك أكل الجبن والخل لما كان يشيع في عصره من سوء أثرهما على الحفظ.

стр. 208

يقول ابن أبي حاتم: "وكان أبو زرعة لا يأكل الجبن ولا الخل" (١) ولقد استطاع ﵀ ملازمة هذا المنهج حتى بقي حافظا متمتعا بذاكرة قوية حتى إنه كان يقول: "إن في بيتي ما كتبته منذ خمسين سنة، ولم أطالعه منذ كتبته، وإني أعلم في أي كتاب هو، في أي ورقة هو، في أي صفحة هو، في أي سطر هو" (٢). وحتى وهو في النزع بلّغ حديثا من حفظه لما توقف أقرانه من الحفاظ في إسناده (٣)، والأمثلة على حفظه وقوة ذاكرته كثيرة (٤). ٢ - مكانته بين العلماء لقد تمتع محدثنا الرازي بمكانة مرموقة بين علماء عصره، حازت السبق والتفوق على أقرانه، وانتشر ذكره وذاع صيته في كل مركز علمي يدخله، وما من حافظ كبير وإمام جليل يلتقي به إلا ترجم حبه له وإعجابه به، بآيات من الثناء العاطر والشكر المتواصل، وأخذ حبهم وتقديرهم لأبي زرعة يزداد كلما ازداد طلبا للحديث وتمسكا به والذب عنه، وأهلته إحاطته بعلوم السنة الشريفة، ومعرفته بدقائق رواياتها لأن يكون حكما بين المحدثين إذا اختلفوا. وأقواله في الرواة أساسا اذا جرحوا أو عدلوا. ولم يقتصر هذا على تلاميذه بل

стр. 209

عم أقرانه وشيوخه، وليس هذا في حدود الري بل في البلاد الأخرى أيضا حتى إن إمام السنة أحمد بن حنبل كان يقتصر على أداء الفرائض حينما ينزل عنده أبو زرعة في زياراته لبغداد حرصا على مذاكرته، وصحح أحاديث كان مترددا في ثبوتها بمعرفته، وكثيرا ما كان يحتكم أقرانه إليه ليميّز لهم الأحاديث المعللة من الصحيحة (١)، حتى إن الحافظ محمد بن مسلم بن وارة كان يسأله عن بعض ما يخفى عليه من فقه الحديث وغريبه، من ذلك ما ذكر عنه أنه قال: "مازلت أستجفي عائشة ﵂ في قولها لرسول الله ﷺ : وبمنة الله لا بمنتك" حتى سألت أبا زرعة الرازي فقال: وآت الحمد أهله" (٢) ولقد كان العلماء يطمئنون للأثر أو الخبر بمجرد إقرار أبي زرعة له، فقد أورد ابن الصلاح في مقدمته خبرا يتعلق بتحديد مفهوم الصحبة والصحابي ثم قال: "إسناده جيد حدث به مسلم بحضرة أبي زرعة" (٣). ويرجع الفضل إليه في خلو صحيح مسلم من الأحاديث المنتقدة. يقول ابن الصلاح: "ومما جاء في فضل صحيح مسلم ما بلغنا عن مكي ابن عبدان أحد حفاظ نيسابور أنه قال: سمعت مسلما يقول: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي فكل ما أشار أن له علة تركته، وكل ما قال إنه صحيح وليس له علة خرجته" (٤). وهذه طائفة من نصوص التقدير والإعجاب التي توضح وتبين لنا مكانة محدثنا بين علماء عصره. قال أبو زرعة: سمعت إبراهيم بن موسى يقول لي: "أجد منك ريح الولد" (٥) أي يحبه كحبه لأولاده.

стр. 210

قال إسحاق بن راهويه: "كل حديث لا يعرفه أبو زرعة الرازي ليس له أصل" (١). قال عمرو بن سهل بن صرخاب: "ما ولد في خمسين ومائة سنة مثل أبي زرعة" (٢). وقال أحمد بن سليمان الرهاوي: "ما أحد أحب إلي أن أراه من أبي زرعة" (٣). وقال فضلك الصائغ: "دخلت المدينة فصرت إلى باب أبي مصعب فخرج إلي شيخ مخضوب وكنت أنا ناعسا فحركني فقال: يا مردريك من أين أنت؟ لأي شيء تنام؟ فقلت: أصلحك الله من الري، من بعض شاكردي أي زرعة. فقال: تركت أبا زرعة وجئتني؟ لقيت مالك بن أنس، وغيره فما رأت عيناي مثله" (٤). وقال أبو عبد الله بن ساكن الزنجاني: "دخلت مصر والشام فرأيت الكبراء من أصحاب الشافعي، ودخلت البصرة والكوفة ورأيت المبرزين ما رأيت فيهم مثل أبي زرعة ورعاً وديانة وحفظاً" (٥). وقال محمد بن يحيى النيسابوري: "لا يزال المسلمون بخير ما أبقى الله

стр. 211

عز وجل لهم مثل أبي زرعة وما كان الله ليترك الأرض إلا وفيها مثل أبي زرعة يعلم الناس ماجهلوه" - وجعل يمدح أبا زرعة في كلام كثير - (١). وقال أبو حاتم الرازي: "إذا رأيت الرازي، وغيره يبغض أبا زرعة فاعلم أنه مبتدع" (٢)، وشهد له بالإمامة (٣)، وكان يحدث عنه فيقول: "حدثني أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد القرشي، وما خلف بعده مثله علما وفهما، وصيانة وحذقا، وهذا ما لا يرتاب فيه، ولا أعلم من المشرق والمغرب من كان يفهم في هذا الشأن مثله، ولقد كان من هذا الأمر بسبيل" (٤)، وكان يفضله على بعض الحفاظ فيقول: "كان أبو زرعة أفهم من أبي عبد الله الطهراني، وأعلم منه بكل شيء بالفقه والحديث وغيره" (٥). وظل محافظا على حبه وولائه حتى بعد وفاته من ذلك قوله: "رحم الله أبا زرعة كان والله مجتهدا في حفظ آثار رسول الله ﷺ " (٦)، وسمعه ابنه عبد الرحمن يقول: "الذي كان يحسن صحيح الحديث من سقيمه، وعنده تمييز ذلك ويحسن علل الحديث أحمد ابن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني، وبعدهم أبو زرعة كان يحسن ذلك". قيل لأبي- القائل عبد الرحمن- فغير هؤلاء تعرف اليوم أحداً؟ قال: لا" (٧). وقال محمد بن مسلم بن وارة: "إن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا جعل

стр. 212

فيهم آية، وإن أبا زرعة آية من آيات الله " (١) وقال أيضاً: "ما خلف أبو زرعة مثله وكان دربندان العلم" (٢). وقال ابن حبان: "كان أحد أئمة الدنيا في الحديث مع الدين والورع والمواظبة على الحفظ والمذاكرة وترك الدنيا وما فيه الناس" (٣). وقال الحافظ الخليلي: "فضائله أكثر من أن تعد، وفي تصانيفه لايوازيه أحد"، وقال أيضاً: "الإمام المتفق عليه بلا مدافعة بالحجاز والعراق والشام ومصر والجبل وخراسان لا يختلف فيه أحد" (٤). وقال عبد الرحمن بن محمد القزويني القاضي: "حدثنا يونس بن عبد الأعلى يوما فقال: حدثني أبو زرعة فقال له رجل من أصحاب الحديث من أبو زرعة هذا؟ قال: إن أبا زرعة أشهر في الدنيا من الدنيا" (٥)، وقال أيضاً: "أبو زرعة آية، وإذا أراد الله أن يجعل عبدا من عباده آية جعله" (٦)، وقال: "ما رأيت أكثر تواضعا من أبي زرعة" (٧)، وقال: "أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان - ودعا لهما - وقال: بقاؤهما صلاح للمسلمين" (٨). وقال الفضل الصائغ: "دخلت على الربيع بمصر فقال لي: من أين أنت؟ قلت من أهل الري - أصلحك الله - من بعض شاكردي أبو زرعة فقال:

стр. 213

تركت أبا زرعة وجئتني؟ إن أبا زرعة آية، وإن الله إذا جعل إنسانا آية من شكله حتى لا يكون له ثان" (١). وقال الحسين بن صالح: "ما رأيت أحدا يحدث لله غير أبي زرعة الرازي، ويحيى الكرابيسي" (٢). وقال عبد الله بن محمد القزويني: "سمعت محمد بن إسحاق الصاغاني يقول في حديث ذكره من حديث الكوفة فقال: هذا أفادنيه أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم، فقال له بعض من حضر يا أبا بكر أبو زرعة من أولئك الحفاظ الذين رأيتهم؟ وذكر جماعة من الحفاظ، منهم الفلاس. فقال: أبو زرعة أعلاهم، لأنه جمع الحفظ مع التقوى والورع، وهو يشبه بأبي عبد الله أحمد بن حنبل" (٣). ولقد عمد بعض المحدثين إلى أسلوب من أساليب الود والتقدير لأبي زرعة فكتبوا له كتبا يكبرون فيها إلتزامه بنهج السلف الصالح ودعوته الناس للتمسك بالسنة النبوية وترغيبهم بها وترهيبهم من مخالفة الرسول ﷺ ، والرد على المخالفين وهذه بعض الرسائل التي كتبها الأئمة. يقول الإمام إسحاق بن راهوية في كتابه لأبي زرعة: "إني أزداد بك كل يوم سرورا فالحمد لله الذي جعلك ممن يحفظ سنته وهذا من أعظم ما يحتاج إليه اليوم طالب العلم، وأحمد بن إبراهيم لا يزال في ذكرك الجميل حتى يكاد يفرط، وإن لم يكن فيك بحمد الله إفراط، وأقرأني كتابك إليه بنحو ما أوصيتك من إظهار السنة، وترك المداهنة فجزاك الله خيرا أقدم على ما أوصيتك فإن للباطل

стр. 214

جولة ثم يضمحل، وإنك ممن أحب صلاحه وزينه، وإني أسمع من إخواننا القادمين ما أنت عليه من العلم والحفظ فأسر بذلك" (١). وكتب إليه عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني المعروف برسته (٢) من أصبهان، يقول في كتابه "اعلم رحمك الله أني ما أكاد أنساك في الدعاء لك ليلي ونهاري أن يمتع المسلمون بطول بقائك فإنه لايزال الناس بخير مابقي من يعرف العلم وحقه من باطله، ولولا ذلك لذهب العلم وصار الناس إلى الجهل، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وقد جعلك الله فيهم فأحمد الله على ذلك فقد وجب لله الشكر في ذلك" (٣). وكان الحب والتقدير يعبر عنه أحياناً بالدعاء. فقد ذكر ابن أبي حاتم عن الحسن بن أحمد بن الليث أنه قال: "سمعت أحمد بن حنبل- وسأله رجل فقال: بالريّ شاب يقال له أبو زرعة، فغضب أحمد وقال: تقول شاب؟ كالمنكر عليه، ثم رفع يديه وجعل يدعو الله لأبي زرعة ويقول: اللهم انصره على من بغى عليه، اللهم عافه، اللهم ادفع البلاء اللهم، اللهم- في دعاء كثير. قال الحسن: "فلما قدمت حكيت ذلك لأبي زرعة وحملت إليه دعاء أحمد بن حنبل له وكنت كتبته عنه، فكتبه أبو زرعة، وقال لي أبو زرعة: ما وقعت في بلية

стр. 215

فذكرت دعاء أحمد إلا ظننت أن الله يفرج بدعائه عني" (١). وكان محمد بن مسلم بن وارة يدعو له في صلاته بعد موته (٢).
следующие страницы →