← Тараджим

Тараджим · id 11402

أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية

سعدي بن مهدي الهاشمي

Полный текст (513 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

عز وجل لهم مثل أبي زرعة وما كان الله ليترك الأرض إلا وفيها مثل أبي زرعة يعلم الناس ماجهلوه" - وجعل يمدح أبا زرعة في كلام كثير - (١). وقال أبو حاتم الرازي: "إذا رأيت الرازي، وغيره يبغض أبا زرعة فاعلم أنه مبتدع" (٢)، وشهد له بالإمامة (٣)، وكان يحدث عنه فيقول: "حدثني أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد القرشي، وما خلف بعده مثله علما وفهما، وصيانة وحذقا، وهذا ما لا يرتاب فيه، ولا أعلم من المشرق والمغرب من كان يفهم في هذا الشأن مثله، ولقد كان من هذا الأمر بسبيل" (٤)، وكان يفضله على بعض الحفاظ فيقول: "كان أبو زرعة أفهم من أبي عبد الله الطهراني، وأعلم منه بكل شيء بالفقه والحديث وغيره" (٥). وظل محافظا على حبه وولائه حتى بعد وفاته من ذلك قوله: "رحم الله أبا زرعة كان والله مجتهدا في حفظ آثار رسول الله ﷺ " (٦)، وسمعه ابنه عبد الرحمن يقول: "الذي كان يحسن صحيح الحديث من سقيمه، وعنده تمييز ذلك ويحسن علل الحديث أحمد ابن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني، وبعدهم أبو زرعة كان يحسن ذلك". قيل لأبي- القائل عبد الرحمن- فغير هؤلاء تعرف اليوم أحداً؟ قال: لا" (٧). وقال محمد بن مسلم بن وارة: "إن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا جعل

стр. 212

فيهم آية، وإن أبا زرعة آية من آيات الله " (١) وقال أيضاً: "ما خلف أبو زرعة مثله وكان دربندان العلم" (٢). وقال ابن حبان: "كان أحد أئمة الدنيا في الحديث مع الدين والورع والمواظبة على الحفظ والمذاكرة وترك الدنيا وما فيه الناس" (٣). وقال الحافظ الخليلي: "فضائله أكثر من أن تعد، وفي تصانيفه لايوازيه أحد"، وقال أيضاً: "الإمام المتفق عليه بلا مدافعة بالحجاز والعراق والشام ومصر والجبل وخراسان لا يختلف فيه أحد" (٤). وقال عبد الرحمن بن محمد القزويني القاضي: "حدثنا يونس بن عبد الأعلى يوما فقال: حدثني أبو زرعة فقال له رجل من أصحاب الحديث من أبو زرعة هذا؟ قال: إن أبا زرعة أشهر في الدنيا من الدنيا" (٥)، وقال أيضاً: "أبو زرعة آية، وإذا أراد الله أن يجعل عبدا من عباده آية جعله" (٦)، وقال: "ما رأيت أكثر تواضعا من أبي زرعة" (٧)، وقال: "أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان - ودعا لهما - وقال: بقاؤهما صلاح للمسلمين" (٨). وقال الفضل الصائغ: "دخلت على الربيع بمصر فقال لي: من أين أنت؟ قلت من أهل الري - أصلحك الله - من بعض شاكردي أبو زرعة فقال:

стр. 213

تركت أبا زرعة وجئتني؟ إن أبا زرعة آية، وإن الله إذا جعل إنسانا آية من شكله حتى لا يكون له ثان" (١). وقال الحسين بن صالح: "ما رأيت أحدا يحدث لله غير أبي زرعة الرازي، ويحيى الكرابيسي" (٢). وقال عبد الله بن محمد القزويني: "سمعت محمد بن إسحاق الصاغاني يقول في حديث ذكره من حديث الكوفة فقال: هذا أفادنيه أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم، فقال له بعض من حضر يا أبا بكر أبو زرعة من أولئك الحفاظ الذين رأيتهم؟ وذكر جماعة من الحفاظ، منهم الفلاس. فقال: أبو زرعة أعلاهم، لأنه جمع الحفظ مع التقوى والورع، وهو يشبه بأبي عبد الله أحمد بن حنبل" (٣). ولقد عمد بعض المحدثين إلى أسلوب من أساليب الود والتقدير لأبي زرعة فكتبوا له كتبا يكبرون فيها إلتزامه بنهج السلف الصالح ودعوته الناس للتمسك بالسنة النبوية وترغيبهم بها وترهيبهم من مخالفة الرسول ﷺ ، والرد على المخالفين وهذه بعض الرسائل التي كتبها الأئمة. يقول الإمام إسحاق بن راهوية في كتابه لأبي زرعة: "إني أزداد بك كل يوم سرورا فالحمد لله الذي جعلك ممن يحفظ سنته وهذا من أعظم ما يحتاج إليه اليوم طالب العلم، وأحمد بن إبراهيم لا يزال في ذكرك الجميل حتى يكاد يفرط، وإن لم يكن فيك بحمد الله إفراط، وأقرأني كتابك إليه بنحو ما أوصيتك من إظهار السنة، وترك المداهنة فجزاك الله خيرا أقدم على ما أوصيتك فإن للباطل

стр. 214

جولة ثم يضمحل، وإنك ممن أحب صلاحه وزينه، وإني أسمع من إخواننا القادمين ما أنت عليه من العلم والحفظ فأسر بذلك" (١). وكتب إليه عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني المعروف برسته (٢) من أصبهان، يقول في كتابه "اعلم رحمك الله أني ما أكاد أنساك في الدعاء لك ليلي ونهاري أن يمتع المسلمون بطول بقائك فإنه لايزال الناس بخير مابقي من يعرف العلم وحقه من باطله، ولولا ذلك لذهب العلم وصار الناس إلى الجهل، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وقد جعلك الله فيهم فأحمد الله على ذلك فقد وجب لله الشكر في ذلك" (٣). وكان الحب والتقدير يعبر عنه أحياناً بالدعاء. فقد ذكر ابن أبي حاتم عن الحسن بن أحمد بن الليث أنه قال: "سمعت أحمد بن حنبل- وسأله رجل فقال: بالريّ شاب يقال له أبو زرعة، فغضب أحمد وقال: تقول شاب؟ كالمنكر عليه، ثم رفع يديه وجعل يدعو الله لأبي زرعة ويقول: اللهم انصره على من بغى عليه، اللهم عافه، اللهم ادفع البلاء اللهم، اللهم- في دعاء كثير. قال الحسن: "فلما قدمت حكيت ذلك لأبي زرعة وحملت إليه دعاء أحمد بن حنبل له وكنت كتبته عنه، فكتبه أبو زرعة، وقال لي أبو زرعة: ما وقعت في بلية

стр. 215

فذكرت دعاء أحمد إلا ظننت أن الله يفرج بدعائه عني" (١). وكان محمد بن مسلم بن وارة يدعو له في صلاته بعد موته (٢).

стр. 216

الفصل الثامن: مذهبه، وعقيدته، وزهده، ووفاته . ١ - مذهبه شهدت الري كغيرها من بلاد خراسان، وما جاورها نشوء الاتجاهات الفكرية الإسلامية، واكتمال مناهج مذاهب أهل الرأي وأهل الحديث وغيرها، وكان الكثير من أهل الري على مذهب أهل الرأي المتمثل بالإمام أبي حنيفة وكان أبو زرعة أحد الأتباع أيام حداثة سنه، قال أبو زرعة: "كان أهل الري قد افتتنوا بأبي حنيفة وكنا أحداثاً (١)، نجري معهم ولقد سألت أبا نعيم عن هذا، وأنا أرى أني في عمل، ولقد كان الحميدي يقرأ كتاب الرد ويذكر أبا حنيفة، وأنا أهم بالوثوب عليه … " (٢)، ولقد كان مهتما تلك الفترة من حياته بفقه أبي حنيفة حتى إنه حفظ ما دون من كتب الامام. قال أبو بكر محمد بن عمر الرازي الحافظ عنه: "وحفظ كتب أبي حنيفة في أربعين يوماً، وكان يسردها مثل الماء … " (٣) ولكن لا ندري مدة هذه الفترة التي كان متابعا فيها لمذهب أبي حنيفة، ويبدو أنها قصيرة فبعد أن اتصل بأهل الحديث أخذ يبتعد عن أهل

стр. 217

الرأي، وانكب على حفظ الأحاديث النبوية، وأول ما بدأ بحفظه حديث الإمام مالك فيقول عن نفسه: "أول شيء أخذت نفسي تحفظه من الحديث، حديث مالك، فلما حفظته، ووعيته طلبت حديث الثوري وشعبة، وغيرهما .. " (١) ولم يهتم بتلك الفترة بحفظ آراء الفقهاء وفقههم، ومناظرة أتباعهم فيحدثنا عن نفسه أيام لقائه بإسماعيل بن يحيى المزني (٢) فيقول: "ما أعلم أني أتيت المزني إلا مرة واحدة مررت به وهو قاعد فسلم عليّ فاستحييت منه فجلست إليه ساعة، فقلت له- القائل ابن أيى حاتم- سألته عن شيء أو جرى بينك وبينه شيء؟ قال: لا لم يكن لي نهمة (٣) في الكلام والمناظرة في تلك الأيام، وإنما كان نهمتي في كتابة الحديث" (٤)، إلا أنه بعد هذه الفترة التي استوعبت حافظته فيها معظم الطرق والروايات للأحاديث النبوية أخذ يهتم بتدوين مسائل الصحابة، والتابعين ثم آراء ومسائل الفقهاء من أتباع التابعين. فنقل عنه أنه قال: "فلما تناهيت في حفظ الحديث نظرت في رأي مالك والثوري، والأوزاعي وكتبت كتب الشافعي (٥)، وروى عنه أنه قال: "رأيت فيما يرى النائم كأني في مسجد النبي ﷺ ، وكأني أمسح يدي على منبر النبي ﷺ موضع المقعد والذي يليه والذي يليه ثم أمسكته، فقصصته على رجل من أهل سجستان كان معنا بحران. فقال: هذا أنت تعنى بحديث النيي صلى الله عليه

стр. 218

وسلم، والصحابة والتابعين وكنت إذ ذاك لا أحفظ كثير شيء من مسائل الأوزاعي ومالك والثوري وغيرهم، ثم عنيت به بعد" (١). ثم اعتنى بفقه الشافعي فدون جميع كتبه أثناء إقامته في مصر سنة ٢٢٨ - (٢٢٩) هـ، في رحلته الثانية وسمع جميعها من الربيع (٢) قبل موت البويطي بأربع سنين (٣). يقول أبو زرعة: "وكنت عزمت في بدو قدومي مصر أني أقل المقام بها فلما رأيت كثرة العلم بها، وكثرة الاستفادة، عزمت على المقام ولم أكن عزمت على سماع كتب الشافعي فلما عزمت على المقام وجهت إلى أعرف رجل بمصر بكتب الشافعي فقبلتها منه بثمانين درهما أن يكتبها كلها وأعطيته الكاغد، وكنت حملت معي ثوبين ديبقيين لأقطعهما لنفسي فلما عزمت على كتابتها أمرت ببيعهما، فبيعا بستين درهما، واشتريت مائة ورقة كاغد بعشرة دراهم كتبت فيها كتب الشافعي" (٤) حتى إنه برع في فروع المذهب وأصوله، وكان يميز اجتهاد بعض تلاميذ الإمام وتفريعهم على المذهب ومخالفتهم له فقد روى الخليلي بسنده إلى أبي عثمان سعيد بن عمرو البرذعي أنه قال: "لما رجعت إلى مصر وأردت الخروج إلى خراسان أقمت ثانيا عند أبي زرعة الحافظ فعرضت عليه كتاب المزني، فكلما قرأت عليه مما خالف الشافعي جعل أبو زرعة يبتسم

стр. 219

ويقول: لم يعمل صاحبك شيئا في اختياره لنفسه لا يمكنه الانفصال فيما ادعى. قلت: هل سمعت منه شيئا؟ قال: لا، وما جالسته إلا يومين" (١). إضافة إلى هذه الحصيلة الفكرية الغزيرة فقد اطلع على مذهب شيخه الكبير أحمد بن حنبل، فقد ذكره القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى الفراء في جملة من نقل الفقه عن الإمام أحمد (٢)، وذكر أبو بكر الخلال أنه "روى عن الإمام أحمد الكثير من المسائل الغريبة، وأنه كان يحفظ حديثه كله" (٣). بعد هذا العرض الذي بين الإحاطة الواسعة لأبي زرعة في مذاهب الأئمة ﵏ من أتباع التابعين إضافة إلى اغترافه من مشكاة النبوة وعلل نهله بآثار أصحابه ﵃ نتساءل هل استقر على مذهب معين أم انفرد بطريقة خاصة ومذهب معروف في استنباط الأحكام والفتيا؟ أم بقي ضمن الحفاظ الذين يحفظون الأحاديث والآثار وآراء الفقهاء ولا قدرة لهم على الاستنباط كما يرى ذلك ابن القيم حيث قسم العلماء إلى قسمين فيقول: "قسم حفاظ معتنون بالضبط، والحفظ، والآداء كما سمعوا ولا يستنبطون ولا يستخرجون كنوز ما حفظوه، وقسم معتنون بالاستنباط، واستخراج الأحكام من النصوص والتفقه فيها. فالأول كأبي زرعة وأبي حاتم وابن وارة، وقبلهم كبندار محمد بن بشار، وعمرو الناقد، وعبد الرزاق، وقبلهم كمحمد بن جعفر وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم من أهل الحفظ والإتقان والضبط لما سمعوه من غير استنباط وتصرف، واستخراج الأحكام من ألفاظ النصوص" (٤). فأقول وبالله التوفيق: لا شك أن أبا زرعة من الحفاظ المتقنين الذين شهد لهم بالضبط والإتقان وهو أحد الحفاظ

стр. 220

الذين عنوا بفقه الحديث حتى إن الحاكم ذكره ضمن فقهاء المحدثين، وأفرده بترجمة كباقي الأئمة كالزهري، والأوزاعي، وابن عيينة وابن المبارك، ويحيى القطان، وابن مهدي، وأحمد بن حنبل، وابن المديني، وغيرهم، وذكر قبل تراجمهم المقصود بفقه الحديث فقال: "بعد معرفة فقه الحديث، إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشريعة، فأما فقهاء الإسلام أصحاب القياس، والرأي والاستنباط، والجدل، والنظر فمعروفون في كل عصر، وأهل كل بلد، ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع فقه الحديث عن أهله ليستدل بذلك على أن أهل هذه الصنعة من تبحر فيها لا يجهل فقه الحديث إذ هو نوع من أنواع هذا العلم" (١) وبقول الحاكم هذا يرد كلام ابن القيم ﵀. وبناء على قول الحاكم هذا أرجح أن أبا زرعة اتبع طريقة الإمام أحمد في الفقه وأصبح من أتباعه، وقد تكون منزلته كمنزلة المجتهدين الذين يتبعون بعض الأئمة واجتهادهم داخل مذاهب أولئك الأئمة، فلا يخرجون عن قواعدهم في الاستنباط والاجتهاد، واجتهادهم يكون تفريعا على أصول أئمة المذاهب. وسأذكر طريقة الإمام أحمد بن حنبل في استنباط الأحكام الشرعية، وأذكر بعض الشواهد التي تدل على متابعة أبي زرعة له. بين الحافظ ابن رجب أن العلماء حيال المسائل المفروضة ينقسمون ثلاثة أقسام، ثم ذكر أن الطريقة المثلى في ذلك هي طريقة أحمد بن حنبل ثم قال في تقسيمه للعلماء: " … وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به، فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله ، وما يفسره من السنن الصحيحة، وكلام الصحابة والتابعين بإحسان، وعن سنة رسول الله ﷺ وصحيحها وسقيمها، ثم الفقه فيها وتفهيمها والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث، ومسائل الحلال والحرام، وأصول السنة، والزهد والرقائق، وغير ذلك. وهذه هي طريقة الإمام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث الربانيين، وفي معرفة هذا شغل شاغل عن التشاغل بما أحدث من الرأي مما لا ينتفع به ولا يقع، وإنما يورث التجادل فيه الخصومات والجدال وكثرة

стр. 221

القيل والقال" (١). فهذه طريقة الإمام أحمد، ومن تبعه من المحدثين، رأس مالهم في الاجتهاد والفتيا حديث رسول الله ﷺ بعد كتاب الله ، ثم يليهما في الرتبة أقوال فتاوى الصحابة ومن بعدهم من التابعين، وكان أبو زرعة يرى أن من يتصدر للفتيا في مسائل الطلاق عليه أن يحفظ قدراً كبيراً من الحديث فيقول: "عجبت ممن يفتي في مسائل الطلاق يحفظ أقل من مائة ألف حديث" (٢). ومما يدل على تأثره بطريقة الإمام أحمد قوله: "اختيار أحمد وإسحاق أحب إليّ من قول الشافعي، وما أعرف في أصحابنا أسود الرأس أفقه من أحمد" (٣)، ولقد ذكر ابن عبد البر أن أبا زرعة قال: فيمن أسلم على ميراث قبل أن يقسم إنه له" (٤). وتابع في هذا إمامه أحمد (٥)، ولقد مدحه أحد أصحابه بقوله: فتى حنبلي الرأي لايتبع الهوى … ولكنه من خشية الله يحذر يؤدي عن الآثار لا الرأي همه … وعن سلف الأخيار ماسيل يخبر فتى صيغ من فقه بل الفقه صوغه … مثال عبيدالله مافيه يشكر تمنى رجال أن يكونوا كمثله … وقد شيبتهم في الرياسة أعصر (٦) ٢ - عقيدته، وأقواله في المعتقد لقد نهج كثير من السلف الصالح على تدوين اعتقادهم ضمن مصنفاتهم ومؤلفاتهم أو يقررونها على تلاميذهم. وأبو زرعة شأنه شأن أئمة الحديث في ذلك إلا أننا لم نقف على مصنف دونه بنفسه في العقيدة إلا أن تلميذه الملازم له

стр. 222

ابن أبي حاتم قد ضمن كتابه (أصل السنة واعتقاد الدين) (١) عقيدة أبيه وأبي زرعة ومنه نقل العلماء هذا المعتقد في مؤلفاتهم منهم الامام الجليل أبو القاسم هبة الله بن الحسين بن منصور الطبري اللالكائي في كتابه النفيس (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم) (٢) حيث رواه بسنده عن شيخه محمد بن المظفر المقرئ، قال حدثنا الحسين بن محمد بن حبش المقرئ قال حدثنا أبو محمد عبدالرحمن بن أبي حاتم … وكذلك الحافظ الذهبي في كتابه (العلو للعلي الغفار) (٣) ذكر بعض اعتقاده رواه بسنده عن شيخه أحمد بن أبي الخير عن يحيى بن يونس، أنبأنا أبو طالب اليوسفي أنبأنا أبو إسحاق البرمكي أنبأنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا عبد الرحمن ابن أبي حاتم … وذكره أيضا الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية باختصار (٤). وسأذكر نص الاعتقاد ثم أعقبه ببعض أقواله المتفرقة أيضا وبالله التوفيق. نص الاعتقاد من كتابي ابن أبي حاتم وأبي القاسم اللالكائي. قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي وأبا زرعة ﵄ عن مذاهب (أهل السنة) (٥) في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلما (ء) في جميع الأمصار حجازا (٦) وعراقاً (٧)

стр. 223

ومصراً (١) وشاما ويمناً فكان من مذهبهم إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، والقدر خيره وشره من الله وخير هذه الأمة بعد نبيها ﵇ (٢) أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان (٣) بن عفان ثم علي بن أبي طالب ﵃ (٤) وهم الخلفا (ء) الراشدون المهديون وإن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وشهد لهم (٥) بالجنة على ماشهد به رسول (الله ﷺ (٦) وقوله الحق، والترحم على جميع أصحاب محمد ﷺ (٧)، والكف عما شجر بينهم وإن الله علىعرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ (٨) بلا كيف، أحاط بكل شيء علما ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، والله (٩) ﵎ يُرى في الآخرة، يراه (١٠) أهل الجنة بأبصارهم ويسمعون كلامه كيف شا (ء) وكما شا (ء) والجنة والنار حق وهما مخلوقتان لايغيبان أبدا (١١) والجنة ثواب لأوليائه والنار عقاب لأهل معصيته إلا من رحم (١٢)، والصراط حق والميزان له كفتان توزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئتها حق والحوض المكرم به نبينا ﷺ (١٣) حق والشفاعة حق (وإن ناسا من أهل التوحيد يخرجون من النار بالشفاعة حق

стр. 224

وعذاب القبر حق ومنكر ونكير والكرام الكاتبين حق) (١) والبعث من بعد الموت حق وأهل الكبائر في مشيئة الله لانكفر أهل القبلة بذنوبهم ونكل سرائرهم (٢) إلى الله ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين في كل دهر وزمان ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في الفتنة ونسمع ونطيع لمن (ولاه الله أمرنا) (٣) ولا ننزع يداً (٤) من طاعة ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة وإن الجهاد (٥) ماض مذ بعث الله (٦) نبيه ﷺ (٧) إلى قيام الساعة مع أولي الأمر من أئمة المسلمين لا يبطله شيء والحج كذلك. ودفع الصدقات من السوائم إلى أولي الأمر من أئمة المسلمين. والناس موقنون في أحكامهم (ومواريثهم ولا ندري) (٨) ما هم عند الله (٩) فمن قال إنه مؤمن حقا فهو مبتدع ومن قال إنه (١٠) مؤمن عند الله فهو من الكاذبين، ومن قال إني مؤمن بالله (١١) فهو مصيب، والمرجئة مبتدعة ضلال والقدرية مبتدعة ضلال ومن (١٢) أنكر منهم أن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون فهو كافر (١٣) وإن الجهمية كفار، والرافضة رفضوا الاسلام والخوارج مرّاق ومن زعم أن القرآن مخلوق فهوكافركفراً ينقل عن الملة (١٤) ومن شك في كفره

стр. 225

ممن يفهم فهو كافر، ومن شك في كلام الله فوقف فيه شاكا يقول لا أدري مخلوق أم غير مخلوق فهو جهمي، ومن وقف في القرآن جاهلا علم وبدّع (ولم) (١) يكفر. ومن قال: (لفظي بالقرآن مخلوق أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي) (٢)، وفيه أيضا قال أبو محمد: (سمعت أبي وأبا) (٣) زرعة (يأمران) (٤) بهجران أهل الزيغ والبدع ويغلظان بذلك أشد التغليظ (٥) وينكران وضع الكتب بالرأي غير آثار (٦) وينهيان عن مجالسة أهل الكلام (٧) وعن النظر في كتب المتكلمين ويقولان: "لا يفلح صاحب كلام أبداً". ثم قال أبو محمد: "وبه أقول أنا". واكتفى الذهبي في كتاب (العلو للعلي الغفار) بعد أن ذكر سؤال ابن أبي حاتم لأبيه وأبي زرعة وجوابهما له. بقولهما "أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً ومصراً وشاماً ويمنا فكان من مذهبهم أن الله ﵎ على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه بلا كيف أحاط بكل شيء علما ثم قال (ح) وأخبرنا التاج عبد الخالق أنبأنا ابن قدامة أنبأنا محمد بن عبد الباقي أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين ابن زكرياء أنبأنا هبة الله بن الحسن وذكر باقي سند اللالكائي ثم قال (ح) وأنبأنا التاج أنبأنا ابن قدامة قال: وقرأت بالموصل على أبي الفضل الطوسي أخبركم أبو الحسن العلاف أنبأنا أبو القاسم بن بشران أنبأنا علي ابن حردك أنبأنا عبدالرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار فكان من مذاهبهم أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته والقدر خيره وشره من الله تعالى، وأن الله تعالى على عرشه بائن

стр. 226

من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بلا كيف أحاط بكل شيء علما ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (١). وذكر أبو القاسم هبة الله في (باب سياق ذكر من رسم بالإمامة في السنة والدعوة والهداية إلى طريق الاستقامة بعد رسول الله ﷺ إمام الأئمة) ثم قال: "فمن الصحابة … " وذكرهم ثم قال: "ومن التابعين وذكرهم حتى ذكر طبقة أبي زرعة فقال: "ومن أهل الري إبراهيم بن موسى (الهعا) والصواب الفراء وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي وأبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي … الخ" (٢)، واستدل أبو القاسم اللالكائي بقول أبي زرعة مع علماء الري حيث قالوا: "القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهوكافر" (٣). وذكر الذهبي الأئمة الذين قالوا بتكفير من قال بخلق القرآن من عصر مالك والثوري، وذكر أئمة آخرين منهم أبو زرعة الرازي (٤). وقال أبو زرعة "القرآن كلام الله في مخلوق والذي يقف فيه على الشك هو والذي يقول: مخلوق: شيء واحد. أحمد بن حنبل يقول: تفرقت الجهمية على ثلاث أصناف: صنف قالت: القرآن مخلوق، وصنف وقفت، وصنف قالت: لفظنا بالقرآن مخلوق" (٥). وقال ابن أبى حاتم في كتاب (الرد على الجهمية) (٦) حدثنا أبي وأبو زرعة قالا كان يُحكى لنا أن هنا رجلا من قصة هذا فحدثني أبو زرعة قال: "كان بالبصرة رجل وأنا مقيم في سنة (٢٣٠) فحدثني عثمان بن عمرو بن الضحاك عنه أنه قال: إن لم يكن القرآن مخلوقا فمحا الله ما في صدري من القرآن وكان

стр. 227

من قراء القرآن فنسي حتى كان يقال له: قل (بسم الله الرحمن الرحيم) فيقول: معروف معروف ولا يتكلم به. قال أبو زرعة: "فجهدوا بي أن أراه فلم أره" (١). قال أبو زرعة الرازي: حدثنا هدبة بن خالد، سمعت سلام بن أبي مطيع يقول: "ويلكم ما تنكرون هذا الأمر والله ما في الحديث شيء إلا وفي القرآن ما هو أثبت منه، قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٢) ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٣) ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٤) ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٥) ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٦) ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ (٧) ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ (٨) ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ (٩) " قال: فما زال في ذا من العصر إلى المغرب" (١٠) وقال أبو زرعة الرازي: حدثنا سويد بن سعيد، عن معاوية بن عمار قال سئل جعفر بن محمد عن القرآن فقال: "ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله عزوجل" (١١). قال أبو إسماعيل الأنصاري مصنف (ذم الكلام وأهله) أنبأ أبو يعقوب القراب، أنبأنا جدي، سمعت أبا الفضل إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم الأصبهاني، سمعت أبا زرعة الرازي- وسئل عن تفسير ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ

стр. 228

اسْتَوَى﴾ (١) فغضب وقال: "تفسيره كما تقرأ هو على عرشه وعلمه في كل مكان، من قال غير هذا فعليه لعنة الله" (٢) قول أبي زرعة فيمن ينتقص من الصحابة: روى الخطيب بسنده إلى أبي زرعة أنه قال: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة" (٣). رأي أبي زرعة في أحاديث الصفات: قال أبو زرعة: "الأخبار التي عن رسول الله ﷺ في الرؤية وخلق آدم على صورته والأحاديث التي في النزول ونحو هذه الأخبار: المعتقد من هذه الأخبار: مراد النبي ﷺ والتسليم بها حدثني أبو موسى الأنصاري قال: قال سفيان بن عيينة ماوصف الله ﵎ به نفسه في كتابه: فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره إلا الله" (٤). وقال أبو زرعة في الإيمان: "الإيمان عندنا قول وعمل يزيد وينقص ومن قال غير ذلك فهو مبتدع مرجئ" (٥). اعتقاده في التفضيل بين الصحابة: قيل لأبي زرعة "من الذي شهد على علي بن أبي طالب بتفضيل أبي بكر وعمر ﵄؟ قال أبو زرعة: روى ذلك من أصحاب النبي صلى الله

стр. 229

عليه وسلم أبو موسى وأبو هريرة، وعمرو بن حريث، وأبو جحيفة، ومن التابعين محمد بن الحنفية، وعبد خير، وعلقمة، وأبو هلال العلي" (١) وإضافة إلى استنباطه من السنة النبوية والآثار نراه يتثبت ويتحرى أقوال أئمة المسلمين في ذلك. فقد روى ابن عبد البر بسنده إلى أبي علي الحسن بن أحمد بن الليث الرازي أنه قال: "سألت أحمد بن حنبل فقلت يا أبا عبد الله من تفضل؟ قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهم الخلفاء. فقال يا أبا عبد الله إنما أسألك عن التفضيل من تفضل؟ قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم الخلفاء المهديون الراشدون، ورد الباب في وجهي. قال أبو علي: ثم قدمت الري فقلت لأبي زرعة: سألت أحمد وذكرت له القصة فقال: لا نبالي من خالفنا نقول أبو بكر وعمر وعثمان وعلي في الخلافة والتفضيل جميعا هذا ديني أدين الله به، وأرجو أن يقبضني الله عليه" (٢). وروى الحافظ ابن عساكر عن الإمام أبي زرعة "أن رجلا قال له: إني أبغض معاوية، فقال له أبو زرعة: ولم؟ قال: لأنه قاتل علياً، فقال له أبو زرعة: ويحك، إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فأيش (٣) دخولك أنت بينهما ﵄" (٤). ومن اعتقاده أيضا: قوله: "الجمعة والجهاد عندنا مع البر والفاجر ممن يتولى ذلك من الولاة" (٥). قوله في بعض الفرق: روى القاضي، أبو الحسين بن أبي يعلى بسنده إلى أحمد بن صالح أنه

стр. 230

قال: "سمعت أبازرعة الرازي يقول: إذا رأيت الكوفي يطعن على سفيان الثوري وزائدة فلا تشك أنه رافضي. وإذا رأيت الشامي يطعن على مكحول والأوزاعي فلا تشك أنه ناصبي. وإذا رأيت الخراساني يطعن على عبد الله بن المبارك: فلا تشك أنه مرجئ، واعلم أن هذه الطوائف كلها مجمعة على بغض أحمد بن حنبل لأن ما منهم أحد إلا وفي قلبه منه سهم لابرء له" (١). ٣ - زهده إن ثمرة طلب العلم مرضاة الله وخشيته، والإنابة إليه. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢)، وخير العلوم علم معرفة طريق الآخرة، وهذه المعرفة ملازمة للكتاب والسنة فلا يستطيع السالك النفوذ منها إلا بعد تسلحه بسنة الرسول ﷺ وطاعته. قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣) وقال الجنيد بن محمد البغدادي ﵀: "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى آثار الرسول ﷺ " (٤)، وقال: "من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة" (٥)، لذا نرى الكثير من الأئمة الحفاظ آثروا الآخرة، وزهدوا في الدنيا لأنهم عاشوا بأرواحهم مع رسول الله ﷺ الذي وصف لنا زهده أبو زرعة فقال: "ترك النبي ﷺ الدنيا وهو واجد لها، وقد ذمها. وقد عرضت عليه مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فأبى ذلك ﷺ . وقال ﷺ : والذي نفسي بيده، لوشئت لسارت معي جبال الدنيا

стр. 231

ذهباً وفضة" (١)، وإمامنا أبو زرعة الرازي أحد الأئمة الذين وصفوا بالزهد والعبادة، يقول الحافظ ابن كثير عنه: "كان فقيهاً، ورعاً، زاهداً، عابدا متواضعا خاشعا أثنى عليه أهل زمانه بالحفظ، والديانة، وشهدوا له بالتقدم على أقرانه" (٢) وعده أبو حاتم الرازي من الزهاد الأربعة الذين أعجب بهم فيقول: أزهد من رأيت أربعة: آدم بن أبي إياس (٣)، وثابت بن محمد الزاهد (٤)، وأبو زرعة، وأحمد بن حنبل (٥). وسئل عنه محمد بن إسحاق الصاغاني، وذكر جماعة من الحفاظ فقال: "أبو زرعة أعلاهم، لأنه جمع الحفظ مع التقوى والورع، وهو يشبه بأبي عبد الله أحمد بن حنبل" (٦). ولقد صنف أبو زرعة كتابا في الزهد (٧). وذكره بعض مصنفي كتب الزهاد، فأفرد له ابن الجوزي ترجمة في كتابه (صفة الصفوة). ولعل الفضل الأكبر في تميزه عن أقرانه بهذه الدرجة من الزهد، صحبته لكبار الزهاد في زمانه كبشر بن الحارث الحافي (٨)، وأحمد بن حنبل، وروايته كذلك عن أحمد بن عبد الله الزاهد (٩)، والربيع بن ثعلب العابد (١٠)، وسريج بن

стр. 232

يونس (١) وسلمة بن عقار البغدادي (٢) - الذي روى عن معروف الكرخي، وفضيل بن عياض، وغيرهما (٣) -، وغير هؤلاء، ولقد كان يحرص على تتبع أخبارهم وأحوالهم، وحفظ أقوالهم (٤)، ولقد كان منهجه في الزهد معتدلا، ممدوحا نلمسه من قوله الذي سمعه ابن أبي حاتم. يقول أبو زرعة: "لو كان لي صحة بدن على ما أريد كنت أتصدق بمالي كله، وأخرج إلى طرسوس أو إلى ثغر من الثغور، وآكل من المباحات وألزمها"، ثم قال: "إني لألبس الثياب لكي إذا نظر إلي الناس لا يقولون قد ترك أبو زرعة الدنيا، ولبس الثياب الدون، وإني لآكل ما يقدم إليّ من الطيبات، والحلواء لكي لا يقول الناس إن أبا زرعة لا يأكل الطيبات لزهده، وإني لآكل الشيء الطيب، وما مجراه عندي، ومجرى غيره من الأدم إلا واحد، وألبس الثياب الجياد، ودونه من الثياب عندي واحد، لأن جميعاً يعملان عملاً واحداً، ومن أحب أن يسلم من لبسه الثياب يلبسه لستر عورته فإنه إذا نوى هذا، ولم ينو غيره سلم" (٥). وسمعه يقول أيضاً: "كنت فيما مضى وأنا صحيح، وربما أخذتني الحمى فأضعف، وأجد لذلك ألماً، وأنا اليوم ربما حممت، وربما لم أحم فلا أجد لشيء مما أنا فيه ألماً أظن في نفسي أنه كذا ينبغي أن يكون" (٦). ومنهجه هذا يدل على تأثره بسفيان الثوري، وأحمد. قال سفيان: "الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا لبس العباء" (٧). "وسئل أحمد بن حنبل عن الرجل يكون معه ألف دينار، هل يكون زاهداً؟ فقال: نعم، على شريطة أن لا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت" (٨). ولقد كان ﵀ يستمع لنصيحة الزهاد الصالحين، ويلتزم بها

стр. 233

وخاصة تحذيرهم إياه من التقرب إلى الولاة والأمراء. فقد ذكر ابن عساكر عن أبي زرعة أنه قال: "كنا نبكر بالأسحار إلى مجلس الحديث نسمع من الشيوخ فبينما أنا يوما من الأيام قد بكرت، وكنت حدثا إذ لقيني في بعض طرق الريّ من سماه أبي، ونسيته أنا، شيخ مخضوب بالحناء فيما وقع لي فسلم علي فرددت ﵇، فقال لي: يا أبا زرعة سيكون لك شأن وذكر، فاحذر أن تأتي أبواب الأمراء ثم مضى الشيخ، ومضى هذا لهذا الحديث دهر وسنين كثيرة، وصرت شيخا كبيراً، ونسيت ما أوصاني به الشيخ، وكنت أزور الأمراء، وأغشى أبوابهم، فبينما أنا يوماً، وقد بكرت أطلب دار الأمير من حاجة عرضت لي إليه، فإذا أنا بذلك الشيخ الخضيب بعينه في ذلك الموضع فسلم عليّ كهيئة المغضب، وقال لي: ألم أنهك عن أبواب (١) الأمراء أن تغشاهم، ثم ولى عني، فالتفت فلم أره وكأن الأرض انشقت فابتلعته فخيل إلي أنه الخضر (٢) من وقتي فلم أزر أميراً، ولا غشيت بابه، ولا سألته حاجة حتى تكون له الحاجة فيركب إلي فربما أذنت له، وربما لم آذن له على قدر ما يتفق" (٣)، حتى إن بعضهم كره زيارة والي الري له. فقد ذكر الرافعي أن أحد طلاب العلم قال: قال لي أبو زرعة يعني الرازي: "تبلغ سلامي الشيخ الصالح إدريس الصايغ وهو من أهل أبهر يقال إنه كان سيد الأولياء في عصره قال: فلما دخلت على إدريس قال لي كلاما حاصل معناه بالعربية لا تبلغ إلي رسالة أبي زرعة. قلت: لم وأبو زرعة إمام الدنيا؟ فقال: أليس دخل عليه والي الري فصافحه. قال سعيد: وكنت أقيم بأبهر شهرين وثلاثة ثم أعود إلى أبي زرعة، فلما عدت إلى أبي زرعة قال: بلغت إدريس سلامي؟ قلت: أستعفى من ذلك. قال: ومن أين كان بلغه. فقلت: من عبد الله: فبكى أبو زرعة وقال: قل له إذا عدت إليه قد تبت على يدك فاسمع سلامي ورد علي الجواب. قال: فلما دخلت عليه قال لي: أيش خبر أبي زرعة؟ قلت: بخير

стр. 234

يبلغك السلام. قال ﵇ ورحمة الله فأنهيته إلى أبي زرعة فقال: هو أحب إليّ من عبادة كذا وكذا" (١)، ولقد كان خاشعا في صلاته مقبلا بقلبه إلى ربه. قال أحمد بن سعيد الدارمي: "صلى أبو زرعة الرازي في مسجده عشرين سنة بعد قدومه من السفر، فلما كان يوم من الأيام قدم عليه قوم من أصحاب الحديث فنظروا، فإذا في محرابه كتابة قالوا له: كيف تقول في الكتابة في المحاريب؟ فقال: قد كرهه قوم ممن مضى. قالوا له هو ذا في محرابك كتابة أو ما علمت به؟ قال: سبحان الله رجل يدخل على الله تعالى ويدري ما بين يديه" (٢). معرفته بسمت رسول الله ﷺ ، وهديه: لقد كان أبو زرعة الرازي يتقن سمت رسول الله ﷺ وهديه، ويحافظ عليهما، حتى يخيل لمن رآه أنه أحد أصحاب النبي الكريم وذلك لشدة حرصه على اتباع سنن الرسول ﷺ في المأكل والملبس وفي شؤونه الأخرى وكأنه عبد الله بن مسعود ﵁. قال الحافظ أبو الحسن علي بن الحسين الدرستيني القاضي: "كان يقال عبد الله بن مسعود يشبه النبي ﷺ سمتا وهدياً" (٣)، وقال عبد الله: "من أراد أن ينظر إلى سمتي وهدي فلينظر إلى علقمة" (٤)، وقال علقمة مثل ذلك في إبراهيم النخعي (٥)،

стр. 235

وقال إبراهيم مثل ذلك في منصور ابن المعتمر (١)، وقال منصور مثل ذلك في سفيان الثوري، وقال سفيان مثل ذلك في وكيع بن الجراح (٢)، وقال وكيع مثل ذلك في أحمد بن حنبل، وقال أحمد مثل ذلك في أبي زرعة الرازي، وقال أبو زرعة مثل ذلك في عبد الرحمن بن أبي حاتم" (٣). ٤ - وفاته وبعد هذه الحياة المليئة بالأسفار، وطلب الحديث ونشره وروايته وحض طلاب العلم على التمسك بسنة الرسول الكريم أدركه الأجل على إثر مرض ظل ينتابه مدة ولقد وصفه أبو حاتم بقوله: "مات أبو زرعة مطعونا مبطونا يعرق جبينه في النزع" (٤)، وكان لسانه يردد ذكر الله، ذكر المطمئن المشتاق إلى لقاء ربه

стр. 236

ويقول: "اللهم أني أشتاق إلى رؤيتك فإن قال لي: بأي عمل اشتقت إليّ قلت: برحمتك يا رب" (١). ولقد ضرب أبو زرعة مثلا عظيما في المحبة للسنة النبوية، والحرص على تبليغها أمام أقرانه وتلاميذه من المحدثين حينما توقفوا في روايتهم لحديث التلقين، ولنستمع للخبر كما يرويه أبو جعفر التستري فيقول: "حضرنا أبا زرعة - يعني الرازي- بماشهران، وكان في السوق، وعنده أبو حاتم، ومحمد بن مسلم، والمنذر بن شاذان، وجماعة من العلماء فذكروا حديث التلقين وقوله ﷺ "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" قال: فاستحيوا من أبي زرعة، وهابوه أن يلقنوه فقالوا: تعالوا نذكر الحديث. فقال محمد بن مسلم: حدثنا الضحاك بن مخلد عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح وجعل يقول ولم يجاوز، وقال أبو حاتم: حدثنا بندار حدثنا أبو عاصم، عن عبدالحميد بن جعفر، عن صالح، ولم يجاوز، والباقون سكتوا. فقال أبو زرعة- وهو في السوق- حدثنا بندار حدثنا أبو عاصم حدثنا عبدالحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي غريب، عن كثير بن مرة الحضرمي، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (٢). وتوفي ﵀،

стр. 237

وزاد أبو حاتم "فصار البيت ضجة ببكاء من حضر" (١). وذلك يوم الإثنين، ودفن يوم الثلاثاء سلخ ذي الحجة سنة أربع وستين ومائتين" (٢). ومما قيل فيه من الشعر: أضاءت بلاد الري نورا وأشرقت … بذكر عبيد الله فالله أكبر فشكرا لمن أبناه فينا وحمده … على أنه فينا التقي المخير لقد نور الريّ العريضة علمه … بدين رسول الله فالدين أنور إذا غاب غاب العلم والحلم والتقى … وعند حضور القرن يبهى ويزهر تمنى جماعات الرجال وترتجى … أراملها والكف بالجود تمطر فلو كان بالري العريضة كائن … كمثل عبيد الله يا قوم يشكر أنسنا بما آنستنا من فوائد … وكنت ضيا ظلماتنا فهي مقمر حبانا بك الله العزيز بقدرة … وبصرنا ما لم نكن قبل نبصر فتى حنبلي الرأي لا يتبع الهوى … ولكنه من خشية الله يحذر يؤدي عن الآثار لا الرأي همه … وعن سلف الأخيار ما سيل يخبر وليس كمن يأتي لنعمان دينه … وحجته حمادُ يوما ومسعر فتى صيغ من فقه بل الفقه صوغه … مثال عبيد الله ما فيه منكر تمنى رجال أن يكونوا كمثله … وقد شيبتهم في الرياسة أعصر

стр. 238

وهيهات أن يستدركوا فضل علمه … ولو مكثوا تسعين حولا وعمرو لكي يدركوه أو تنال أكفهم … مدى النجم من حيث استقل المغور أبا زرعة القمقام أصبحت بارزاً … على كل مرجئ بدينك تفخر أبو زرعة شيخ النهى بكمالها … لك السبق إذ أنت الأغر المشهر فمتعك الرحمن بالحلم والتقى … وأبقاك ما دام الدجاج يقرقر فمن مبلغ عني أميري طاهرا … بأن عبيد الله شاه مظفر أقام منار الدين فينا بعلمه … وليس كمن في دينه ينتصر أتيتك لا أدلي إليك بقربة … سوى قربة الدين الذي هو أكثر فسبقك محمود وشكرك واجب … وعلمك مبسوط وبحرك يزخر وأبقاك ربي ماحييت بغبطة … فأنت نقي العرض ليث غضنفر (١) ومن رثاه من أهل الأدب أيضاً الحواري فيقول: نفى النوم عن عيني ومازلت ساهراً … أراعي نجوما في السماء طوالعاً بفقدان حبر مات بالري فاضلاً … عليما حليما خيرا متواضعاً عنيت عبيد الخالق الجهبذ الذي … أقام لنا آثار أحمد بارعاً أقام لنا دين النبي محمد … وأوضح للإسلام حقا وتابعا وأنفى لنا التكذيب والبطل حسبة … ورد على الضلال من كان ضائعا بآثار ختام النبيين أحمد … وكان إماماً قدوة كان خاضعاً فكاد له قلبي يطير مفجعاً … غداة نعوه أو تصدع جازعاً وما زلت ذا شجو وهم وعبرة … كثكلى كئيبا دامع العين فاجعاً لقد مات محموداً سعيداً ولم نجد … له خلفاً في المشرقين مطالعاً كمثل عبيد الله ذي الحلم فاضل … أبي زرعة الغواص في العلم شاسعاً دفيناً كريماً تحت رمس وبرزخ … وأورثنا غماً إلى الحشر فاظعاً

стр. 239

فبورك قبر أنت فيه مغيب … ولا زلت في الجنات جذلان راتعاً أبا زرعة فجعت من كان عالما … بموتك ياذا العلم بحراً جامعاً تركت أولي علم حيارى أذلة … لموتك حتى الحشر فينا جوازعاً أبا زرعة يا خير من مات فاقداً … فبعدك قد صرنا نقاس القوارعا فقل لذوي زور وإفك وباطل … ومن كان أمسى شامتا أو مخادعاً (١) إلى أن قال: فصلى عليك الواحد الفرد ما دعت … حمامة أيك أو يرى النجم ساطعا فاجعاً وصلى عليك الصالحون ملائك … وكل نبي كان في الدهر شافعا وصلى عليك الراسخون فواضل … إلى الحشر مثل الرمل إذ كنت خاشعاً (٢)

стр. 240

الفَصْل التَاسِع: مَنهَجُه في بَيَان عِلَل الحَديثِ قبل أن أبين منهج أبي زرعة في تعليله للأحاديث لا بدّ من ذكر حد الحديث المعلل وبعض أقوال الأئمة في أهمية معرفته، ثم أعقبها ببعض الحوادث والأخبار التي رواها الأئمة عن أبي زرعة والتي تدل على سعة اطلاعه ومعرفته في علل الحديث. فالحديث المعلل، ويسميه أهل الحديث (المعلول) وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: (العلة والمعلول) مرذول عند أهل العربية واللغة فهو: الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها، ويتطرّق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر (١). قال الحاكم: "معرفة علل الحديث وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم والجرح والتعديل" (٢). وقال أيضا في نهاية حديثه عن معرفة علل الحديث: "إن معرفة علل الحديث من أجل هذه العلوم" (٣) وقال الحاكم أيضأ: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل فإن حديث المجروح ساقط واه وعلة

стр. 241

الحديث يكثر في أحاديث الثقات أن يحدّثوا بحديث له علة فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولا والحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير" (١). وقال عبد الرحمن بن مهدي: "لأن أعرف علة حديث هو عندي أحب إليّ من أن أكتب عشرين حديثا ليس عندي" (٢). وقال أيضاً: "معرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم يعلل الحديث من أين قلت هذا لم يكن له حجة" (٣)، وقيل له "إنك تقول للشيء هذا صحيح وهذا لم يثبت فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك فقال هذا جيد وهذا بهرج (أي الرديء من الفضة) أكنت تسأل عمن ذلك أو تسلم له الأمر قال: فهذا كذلك بطول المجالسة والمناظرة والخبرة" (٤). وقال ابن رجب خلال كلامه عن حديث معلول: "وإنما يحمل مثل هذه الأحاديث على تقدير صحتها على معرفة أئمة أهل الحديث الجهابذة النقاد الذين كثرت دراستهم لكلام النبي ﷺ ولكلام غيره لحال رواة الأحاديث ونقلة الأخبار ومعرفتهم بصدقهم وكذبهم وضبطهم وحفظهم. فإن هؤلاء لهم نقد خاص في الحديث مختصون بمعرفته كما يختص البصير الحاذق بمعرفة النقود جيّدها ورديئها وخالصها ومشوبها، والجوهري الحاذق في معرفة الجوهر بإنقاد الجواهر وكل من هؤلاء لا يمكن أن يعبر عن سبب معرفته ولا يقيم عليه دليلا لغيره، وآية ذلك أنه يعرض الحديث الواحد على جماعة ممن يعلم هذا العلم فيتفقون على الجواب فيه من غيرمواطأة وقد امتحن منهم غير هذا مرة

стр. 242

في زمن أبي زرعة وأبي حاتم فوجد الأمر على ذلك، فقال السائل أشهد أن هذا العلم إلهام" (١). وهذه الحادثة التي أشار إليها ابن رجب رواها الحاكم بسنده إلى محمد بن صالح الكيليني أنه قال: "سمعت أبا زرعة وقال له رجل: ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ قال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة فأذكر علته، ثم تقصد ابن وارة يعني محمد بن مسلم بن وارة، وتسأله عنه ولا تخبره بأنك قد سألتنى عنه فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميز كلام كل منا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافا في علته فاعلم أن كلا منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم، قال ففعل الرجل فاتفقت كلمتهم عليه فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام" (٢). وكثيرا ماكان أبوحاتم وأبو زرعة يتذاكران في علل الحديث. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: "جرى بيني وبين أبي زرعة يوما تمييز الحديث ومعرفته فجعل يذكر أحاديث ويذكر عللها، وكذلك كنت أذكر أحاديث خطأ وعللها وخطأ الشيوخ فقال لي: يا أبا حاتم قل من يفهم هذا، ما أعز هذا. إذا رفعت هذا من واحد واثنين فما أقل من تجد من يحسن هذا، وربما أشك في شيء أو يتخالجني شيء في حديث فإلى أن ألتقي معك لا أجد من يشفيني منه. قال أبي: وكذلك كان أمري" (٣). ويشهد أبوحاتم بمعرفة أبي زرعة في علل الحديث فيقول في مجلسه وقد جرى عنده معرفة الحديث: "ذهب الذي كان يحسن هذا يعني أبا زرعة وما بقي بمصر ولا بالعراق أحد يحسن هذا. قال- القائل ابن أبي حاتم-:

стр. 243

محمد بن مسلم؟ قال: يفهم طرفاً منه" (١) ولقد ذكر ابن رجب خلال شرحه لحديث "استفت قلبك" الأئمة المشهورين بمعرفة علل الحديث فقال: "فالجهابذة النقاد والعارفون بعلل الحديث أفراد قليل من أهل الحديث جدا. وأول من اشتهر في الكلام في نقد الحديث ابن سيرين، ثم خلفه أيوب السختياني، وأخذ عنه شعبة وأخذ عن شعبة يحيى القطان وابن مهدي، وأخذ عنهما أحمد وعلي بن المديني وابن معين، وأخذ عنهم مثل البخاري وأبي داوود وأبي زرعة وأبي حاتم. وكان أبو زرعة في زمانه يقول: قل من يفهم هذا وما أعزه إذا رفعت هذا (٢) عن واحد واثنين فما أقل من تجد من يحسن هذا. ولما مات أبو زرعة قال أبوحاتم: ذهب الذي كان يحسن هذا المعنى. يعني أبا زرعة ما بقي بمصر ولا بالعراق واحد يحسن هذا. وقيل له بعد موت أبي زرعة تعرف اليوم واحدا يعرف هذا؟ قال: لا وجاء بعد هؤلاء جماعة منهم النسائي والعقيلي وابن عدي والدارقطني وقل من جاء بعدهم من هو بارع في معرفة ذلك حتى قال أبو الفرج ابن الجوزي في أول كتابه الموضوعات: قل من يفهم هذا بل عدم والله أعلم" (٣)، ولقد روى المحدثون عن أبي زرعة أخبارا كثيرة في تعليله للأحاديث فتارة يحتكم إليه بعض أقرانه فيبين علة الحديث، وتارة يكتب إليه بعض المحدثين من غير بلده، وتارة يعل أحاديث بعض شيوخه حتى إن ابن أبي حاتم أفرد في باب خاص أخبار أبي زرعة في علل الحديث من تقدمة الجرح والتعديل بعنوان (باب ما ذكر من معرفة أبي زرعة بعلل الحديث وبصحيحه من سقيمه) وها أنا ذا أذكر بعض هذه الأخبار. قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة يقول: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا وكيع عن مسعر عن عاصم بن عبيد الله قال: "رأيت ابن عمر يهرول إلى المسجد، فقال أبو زرعة: فقلت له: مسعر لم يرو عن

стр. 244

عاصم بن عبيد الله شيئا إنما هذا سفيان عن عاصم، فلح فيه قال فدخل بيته فطلبه فرجع فقال: غيروه هو عن سفيان" (١). وقال ابن أبي حاتم: "رأيت في كتاب كتبه عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني المعروف برسته من أصبهان إلى أبي زرعة بخطه: وإني كنت رويت عندكم عن ابن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم". فقلت: هذا غلط الناس يروون عن أبي سعيد عن النبي ﷺ فوقع ذلك من قولك في نفسي فلم أكن أنساه حتى قدمت ونظرت في الأصل فإذا هو عن أبي سعيد عن النبي ﷺ فإن خف عليك فاعلم أبا حاتم عافاه الله، ومن سألك من أصحابنا فإنك في ذلك إن شاء الله والعار خير من النار" (٢). وقال ابن أبي حاتم: "حضر عند أبي زرعة محمد بن مسلم والفضل ابن العباس المعروف بالصائغ فجرى بينهم مذاكرة فذكر محمد بن مسلم حديثا فأنكر فضل الصائغ فقال: يا أبا عبد الله ليس هكذا هو فقال كيف هو؟ فذكر رواية أخرى فقال محمد بن مسلم بل الصحيح ما قلت والخطأ ما قلت قال فضل: فأبو زرعة الحاكم بيننا فقال محمد بن مسلم لأبي زرعة أيش تقول أينا المخطئ؟ فسكت أبو زرعة ولم يجب. فقال محمد ابن مسلم: مالك سكت تكلم، فجعل أبو زرعة يتغافل فألح عليه محمد ابن مسلم وقال: لا أعرف لسكوتك معنى إن كنت أنا المخطئ فأخبر وإن كان هو المخطئ فأخبر، فقال هاتوا أبا القاسم ابن أخي فدعى به فقال اذهب وادخل بيت الكتب فدع القمطر الأول والقمطر الثاني والقمطر الثالث وعدّ ستة عشر جزءا وائتني بالجزء السابع

стр. 245

عشر، فذهب فجاء بالدفتر فدفعه إليه فأخذ أبو زرعة فتصفح الأوراق وأخرج الحديث ودفعه إلى محمد بن مسلم فقرأه محمد بن مسلم فقال نعم غلطنا فكان ماذا؟ " (١). وقال ابن أبي حاتم أيضاً: "قيل لأبي زرعة بلغنا عنك أنك قلت لم أر أحداً أحفظ من ابن أبي شيبة؟ فقال نعم في الحفظ ولكن في الحديث- كأنه لم يحمده فقال: روى مرة حديث حذيفة في الإزار فقال حدثنا أبو الأحوص عن أبي اسحاق عن أبي معلى عن حذيفة فقلت له إنما: هو أبو إسحاق عن مسلم بن نذير عن حذيفة، وذاك الذي ذكرت عن أبي إسحاق عن أبي المعلى عن حذيفة قال كنت ذرب اللسان فبقي فقلت للوارق أحضروا المسند، فأتوا بمسند حذيفة فأصابه كما قلت" (٢). وكان أبو زرعة وأقرانه يبينون علل أحاديث الشيوخ ويكون حكمهم واحداً متفقين عليه. قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة يقول أتينا أبا عمر الحوضي وقد دخل قوم عليه وهو يحدثهم وأنا وأبو حاتم وجماعة منا خارج نتسمع فوقع في مسامعنا وهو يقول: حدثنا جرير بن حازم عن مجالد عن الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ : إني مكاثر بكم الأمم. فصحنا من وراء الباب فقلنا يا أبا عمر هذا عن جابر. فقال: صدقتم صدقتم ادخلوا" (٣).

стр. 246

أهم الأساليب التي اتبعها أبو زرعة في تعليل الأحاديث ١ - تارة يعرض على أبي زرعة طرق الحديث فيرجح إحدى هذه الروايات على الأخرى بقوله "حديث فلان أصح" مثال ذلك. قال ابن أبي حاتم في علل الحديث ج ١/ (١٧٦) رقم الحديث (٥٠٥) "سئل أبو زرعة عن حديث رواه هشيم وسفيان بن حسين وروى أحمد بن يونس عن أبي عوانة كلهم عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير، أنه قال: "أنا أعلم الناس بوقت صلاة العشاء كان يصلّيها بعد سقوط القمر ليلة الثالثة من أول الشهر. وروى مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر عن بشير بن ثابت عن حبيب بن سالم عن النعمان عن النبي ﷺ . قال أبو زرعة حديث بشير بن ثابت أصح" (١). ٢ - وتارة يعلل الحديث بالإرسال بأن يعرض الحديث متصلاً فيحكم بأن الصواب مرسلاً وليس بمتصل. قال ابن أبي حاتم في علل الحديث ج ١/ (١٧٩) رقم الحديث (٥١٢): "سئل أبو زرعة عن حديث رواه إسماعيل بن عياش عن ابن جريح عن ابن أبي مليكة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "إذا قاء أحدكم في صلاته أو رعف أو قلس فلينصرف وليتوضأ، ثم يبني على ما مضى من صلاته مالم يتكلم". قال أبو زرعة: "هذا خطأ، الصحيح عن ابن جريج عن أبيه عن ابن أبي مليكة عن النبي ﷺ مرسل" (٢).

стр. 247

٣ - وتارة يعلل الحديث بقوله: "وهم فيه فلان أو الوهم من فلان. قال ابن أبي حاتم في علل الحديث ج ١/ (١٢) رقم الحديث: (٧) وسألت أبا زرعة عن حديث رواه محمد بن أبي بكر المقدمي عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن الأعمش عن أبي وائل عن علي عن النبي ﷺ في الوضوء أنه قال هذا وضوء من لم يحدث، قال أبو زرعة: "هذا خطأ إنما هو الأعمش عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال عن علي عن النبي ﷺ . قلت لأبي زرعة: الوهم ممن هو قال: من الطفاوي. قلت: ما حال الطفاوي؟ قال: صدوق إلا أنه يهم أحياناً" (١). ٤ - وتارة يعلل الحديث بقوله: "حديث منكر. والحديث المنكر هو الحديث الذي رواه ضعيف مخالفاً لثقة (٢). قال ابن أبي حاتم في علل الحديث ج ١/ (١٩٤) الحديث رقم (٥٥٧) "سئل أبو زرعة عن حديث رواه عثمان بن أبي صالح المصري، عن ابن لهيعة، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أمر بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. قال أبو زرعة: "هذا حديث منكر" (٣).

стр. 248

٥ - وتارة يعلل الحديث بقوله: "أخطأ فيه فلان". قال ابن أبي حاتم في علل الحديث ج ١/ (١١) حديث رقم (١): "سألت أبا زرعة ﵁ عن حديث رواه قبيصة بن عقبة، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن محجل أو محجن، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: "إن الصعيد كافيك ولو لم تجد الماء عشر سنين فإذا أصبت الماء فأصبته بشرتك. قال أبو زرعة: هذا خطأ أخطأ فيه قبيصة إنما هو أبو قلابة عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ " (١). ٦ - وتارة يعلل الحديث بقوله: "موقوف". قال ابن أبي حاتم في علل الحديث ج ١/ (٢٢٣) حديث رقم (٦٤٧) "سئل أبو زرعة عن حديث رواه القواريري عن يزيد بن هارون، عن حجاج بن أرطاة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه

стр. 249

وسلم قال: "ما أدي زكاته فليس كنزاً" قال أبو زرعة: "هكذا رواه القواريري والصحيح موقوف" (١). ٧ - وتارة يعلل الحديث بقوله: "ليس بقوي" قال ابن أبي حاتم في علل الحديث ج ١/ (٢٤) الحديث رقم (٣٦): "سمعت أبا زرعة يقول: حديث سمعان في بول الأعرابي في المسجد عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ ، أنه قال: احفروا موضعه. قال: هذا حديث ليس بقوي" (٢). أو يعلل الحديث بقوله عن راوية: "فلان ليس بقوي": قال ابن أبي حاتم في علل الحديث ج ١/ (٤٤) حديث رقم (٩٨): "سمعت أبا زرعة يقول في حديث رواه وكيع عن عيسى بن المسيب، عن أبي زرعة ابن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الهر سبع". فقال أبو زرعة: "لم يرفعه أبو نعيم وهو أصح. وعيسى ليس بقوي". ٨ - وقد يعلل الحديث بقوله عن رواية: "فلان لا يشتغل به، في حديثه مثل فلان هو مضطرب الحديث" (٣). ٩ - وقد يعلل الحديث بقوله عن راوي الحديث "ضعيف الحديث": قال ابن أبي حاتم في علل الحديث ج ١/ (٢٥٢) حديث رقم (٧٤٣): "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه بقية عن سعيد بن أبي سعيد عن هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ كان يحتجم وهو

стр. 250

صائم فقالا: هو سعيد بن عبد الجبار عن ابن جزي عن هشام والحديث حديث هشام عن أبيه أنه كان يحتجم وهو صائم، وأبو جزي ضعيف الحديث" أو يقول كما في الحديث رقم (١٦٢٩) "ليس بمحفوظ وفلان ضعيف الحديث" وانظر رقم (١٦٣٧)، أو يقول كما في الحديث (٢٠٩٠) "فلان ضعيف الحديث وفلان مرسل" أو يقول كما في الحديث (٢٨١٨) "ضعيف الحديث كان يكذب". ١٠ - وتارة يعلل الحديث المروي من طرق عديدة بقوله "فلان أحفظ" فتكون الروايات الأخرى معلّة. قال ابن أبي حاتم في علل الحديث ج ٢/ (١٢) حديث رقم (١٥١٠): "وسئل عن حديث رواه القعنبي عن سليمان ابن المغيرة عن ثابت، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها، ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان" ورواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ . قال أبو زرعة: حماد أحفظ" (١). ١١ - وقد يعلل الحديث بقوله "باطل اضربوا عليه"، ولا يحدثهم به: قال ابن أبي حاتم في علل الحديث ج ١/ (٤٧٩) حديث رقم (١٤٣٢): "سئل أبو زرعة عن حديث رواه إبراهيم بن أبي الليث، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، عن أبيه وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الشفعة ما لم تقع الحدود فإذا وقعت الحدود فلا شفعة"، قال أبو زرعة هذا حديث باطل فامتنع أن يحدث به وقال: اضربوا عليه" (٢). ١٢ - قد تذكر له (أي لأبي زرعة) طرق لحديث واحد فيرجح واحدة بقوله "حديث فلان أشبه".
следующие страницы →