← Фикх малики

Фикх малики · id 11406

المدخل لابن الحاج

ابن الحاج

Полный текст (1 246 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

صَاحِبِهِ إنْ تَعَيَّنَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ مَا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ وَإِلَّا فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ، وَلَا يُدْخِلْهُ فِي مَالِهِ، وَلَا يَنْتَفِعْ بِهِ وَهَذَا عَامٌّ فِي الثَّمَنِ وَالْمَثْمُونِ وَفِي الْوَرَّاقِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَوْ تَأَخَّرَ. (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ الْغِشِّ فِيمَا هُوَ يُحَاوِلُهُ. مِثَالُهُ أَنْ يُعْطِيَ الدَّسْتَ الَّذِي يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَيَبِيعَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الدَّسْتِ الَّذِي يُسَاوِي أَرْبَعَةً؛ لِأَنَّ الْوَرَقَ فِي ذَلِكَ يَخْتَلِفُ ثَمَنُهُ بِسَبَبِ صِفَتِهِ فَقَدْ يَكُونُ وَرَقًا زَائِدًا فِي الْبَيَاضِ وَفِي الصِّقَالِ وَيَكُونُ مِمَّا عُمِلَ فِي الصَّيْفِ وَآخَرُ عَكْسُهُ أَعْنِي فِيهِ سُمْرَةً وَنَقْصًا فِي الصِّقَالِ أَوْ الْبَيَاضَةِ وَعُمِلَ فِي الشِّتَاءِ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ حَتَّى يَخْرُجَ بِبَيَانِهِ مِنْ الْغِشِّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ دَخَلَ بِكِتْمَانِهِ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ثُمَّ لَا يَخْلُو بَيْعُهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسَاوَمَةً أَوْ مُرَابَحَةً. فَإِنْ كَانَ مُسَاوَمَةً فَهُوَ أَحْسَنُ وَأَخْلَصُ لِلذِّمَّةِ وَإِنْ كَانَ مُرَابَحَةً فَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَمْرِ الْبَزَّازِ مِنْ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى بِالدَّيْنِ أَوْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ. فَكُلُّ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ عَدَمِ التَّشَوُّفِ لِلْمُشْتَرِي وَالنَّظَرِ إلَيْهِ إذَا دَخَلَ السُّوقَ أَوْ وَقَفَ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ مُشْتَرَطٌ فِي حَقِّ هَذَا وَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْمُتَسَبِّبِينَ. (فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ عِنْدَ شِرَائِهِ الْوَرَقَ مِنْ الْوَرَّاقَةِ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ يُكْشَفُ فِيهِ عَلَى عَوْرَاتِ مَنْ يَعْمَلُ فِيهَا مِنْ الصُّنَّاعِ إذْ إنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْعَلُونَ فِي أَوْسَاطِهِمْ خِرْقَةً تَصِفُ الْعَوْرَةَ لِصِغَرِهَا وَانْحِصَارِهَا عَلَى الْعَوْرَةِ وَابْتِلَالِهَا بِالْمَاءِ وَالْفَخِذُ عَنْ آخِرِهِ مَكْشُوفٌ فَإِنْ دَخَلَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَهِيَ مَعْصِيَةٌ وَذَلِكَ مُنَاقِضٌ لِمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ نِيَّتُهُ مِنْ أَنَّهُ يَعْمَلُ لِلَّهِ وَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَيَحْتَاجُ لِهَذَا الْمَعْنَى أَنْ يَتَحَرَّى وَقْتًا يَكُونُونَ فِيهِ سَالِمِينَ مِمَّا ذُكِرَ. وَلْيَحْذَرْ مِنْ أَنْ يَخْلِطَ الْوَرَقَ الْخَفِيفَ بِالْوَرَقِ الْجَيِّدِ الَّذِي يَصْلُحُ لِلنَّسْخِ؛ لِأَنَّ

стр. 1017

ذَلِكَ تَدْلِيسٌ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْخَفِيفَ لَا يَحْتَمِلُ الْكَشْطَ لِخِفَّتِهِ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِمَعْزِلٍ فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِمَّنْ يَنْسَخُ فِيهِ أَعْطَاهُ مِمَّا يُوَافِقُهُ مِنْهُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِمَّنْ يَكْتُبُ فِيهِ الرَّسَائِلَ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا يَجُوزُ أَعْطَاهُ مِنْ الْوَرَقِ الْخَفِيفِ بَعْدَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَرَّاقِ الَّذِي فِي الْوَرَّاقَةِ أَنْ لَا يَعْمَلَ شَيْئًا مِنْ الْوَرَقِ الْمَكْتُوبِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ مَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ لَهُ حُرْمَةٌ شَرْعِيَّةٌ بَلْ هُوَ الْغَالِبُ. فَإِذَا نَظَرَ فِيهِ عَرَفَ مَا فِيهِ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ أَوْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمِ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ اسْمِ مَلَكٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَيَجْتَنِبُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِحُرْمَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ؛ لِأَنَّ الصُّنَّاعَ يَدُوسُونَ ذَلِكَ بِأَرْجُلِهِمْ وَغَيْرِهَا وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنْ الِامْتِهَانِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتْرُكَ أَحَدًا مِنْ الصُّنَّاعِ يَفْعَلُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَخْرَجَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ وَأَتَى بِغَيْرِهِ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ سَتْرَ عَوْرَتِهِ مَعَ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فِي التَّحَفُّظِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَحَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ وَالْبَرَكَةُ فِيمَا هُوَ يُحَاوِلُهُ وَعُرِفَتْ عَادَتُهُ فَلَا يَأْتِي إلَيْهِ إلَّا مَنْ يُجَانِسُهُ فِيمَا هُوَ يَطْلُبُهُ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَالتَّحَفُّظِ عَلَى الدِّينِ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ ﵃ كَانَتْ أَسْبَابُهُمْ تَابِعَةً لِأَدْيَانِهِمْ وَمَنْ فَعَلَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ تَشَبَّهَ بِهِمْ وَالتَّشَبُّهُ بِالْكِرَامِ فَلَاحٌ. فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَنْظُرَ إلَى عَادَةِ أَهْلِ زَمَانِهِ فَإِنَّهُمْ عَلَى عَكْسِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ إذْ إنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ الْأَسْبَابُ وَأَدْيَانُهُمْ تَابِعَةٌ لَهَا كَمَا قَالَ ﵊ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي صِفَةِ السَّلَفِ يَبْدَءُونَ فِيهِ أَعْمَالَهُمْ قَبْلَ أَهْوَائِهِمْ وَذُكِرَ فِي صِفَةِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَتَشَبَّهْ بِهِمْ يَبْدَءُونَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ. فَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الْوَرَّاقَةِ مَثَلًا: إنْ فَعَلْت مَا ذَكَرْتُمُوهُ قَلَّ أَنْ أَجِدَ

стр. 1018

صَانِعًا يَعْمَلُ فَيَتَعَطَّلُ عَلَيَّ السَّبَبُ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْخَيْرَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - لَمْ يُعْدَمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ عُدِمَ فِي قَوْمٍ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي آخَرِينَ بَلْ نَجِدُ الْأَمْرَ عَلَى عَكْسِ هَذَا وَهُوَ أَنَّ الصُّنَّاعَ إذَا عَلِمُوا مِنْ الشَّخْصِ أَنَّهُ يُوَسِّعُ لَهُمْ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَيَتَحَذَّرُ عَلَى دِينِهِ وَدِينِهِمْ وَيُسَامِحُهُمْ وَيَتَغَاضَى لَهُمْ فِي شَيْءٍ مَا مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى أُجْرَتِهِمْ بِمَا لَا يَضُرُّهُ كَثُرَ خُطَّابُهُ وَعَزَّ أَمْرُهُ وَحَصَلَتْ لَهُ الْبَرَكَةُ فِي كُلِّ مَا يُحَاوِلُهُ. [فَصْلٌ فِي نِيَّةِ النَّاسِخِ وَكَيْفِيَّتِهَا] اعْلَمْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ النَّاسِخَ فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ يَرْبُو عَلَى الْوَرَّاقِ؛ لِأَنَّهُ فِي عِبَادَةٍ عَظِيمَةٍ إذْ إنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ نَسْخُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ فِي الْفِقْهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ. فَإِنْ كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ التِّلَاوَةِ وَهِيَ مَحْضُ الْعِبَادَةِ وَبَيْنَ الْكِتَابَةِ سِيَّمَا إنْ تَدَبَّرَ فِيمَا يَكْتُبُهُ وَتَفَكَّرَ فِي مَعَانِيهِ فَبَخٍ عَلَى بَخٍ. وَإِنْ كَانَ يَكْتُبُ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي الثَّوَابِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الْفَضِيلَةِ إلَّا مَا وَرَدَ (مَنْ كَتَبَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي كِتَابٍ بَقِيَتْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مَكْتُوبَةً فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ) وَكَفَى بِهَا نِعْمَةً. وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْذَرَ مِنْ النَّسْخِ فِي غَيْرِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ نَاقَضَ نِيَّتَهُ الَّتِي جَلَسَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ أَنَّهُ يُحَاوِلُ السَّبَبَ الَّذِي هُوَ فِيهِ بِنِيَّةِ إعَانَةِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ بِتَيْسِيرِهِ عَلَيْهِمْ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ السِّلَعِ وَغَيْرِهَا وَأَنَّ الرِّزْقَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ يَخْرُجُ إلَى سَبَبِهِ ذَلِكَ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ النِّيَّاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا حِينَ خُرُوجِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ وَيَحْتَسِبُ خُطَاهُ وَتَعَبَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ فَفِي هَذَا مِنْ بَابِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى إذْ إنَّهُ مَحْضُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَنْسَخَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْكَذِبِ

стр. 1019

كَقِصَّةِ الْبَطَّالِ وَعَنْتَرَةَ وَشَبَهِهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ أَوْ الْحِكَايَاتِ الْمُضْحِكَةِ وَشِبْهِهَا فَإِنَّهُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي. وَكَذَلِكَ لَا يَنْسَخُ لِظَالِمٍ أَوْ مَنْ يُعِينُهُ عَلَى الظُّلْمِ أَوْ مَنْ فِي كَسْبِهِ شُبْهَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ دَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْحُرُوفَ فِي كِتَابَتِهِ، وَلَا يُعَلِّقُ خَطَّهُ حَتَّى لَا يَعْرِفَهُ إلَّا مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ قَوِيَّةٌ بَلْ تَكُونُ الْحُرُوفُ بَيِّنَةً جَلِيَّةً فَلَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِنْ الْحُرُوفِ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى النُّقَطِ دُونَ أَنْ يَنْقُطَهَا؛ لِأَنَّ الْبَاءَ تَخْتَلِفُ مَعَ التَّاءِ وَالثَّاءِ، وَلَا يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِالنُّقَطِ، وَكَذَلِكَ الْجِيمُ وَالْحَاءُ وَالْخَاءُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَلْيَتَحَفَّظْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِفِعْلِهِ تَعُمُّ الْمَنْفَعَةُ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَنْقُطْ أَوْ يُعَلِّقْ خَطَّهُ عَكْسَ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَثَائِقَ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُمْ اصْطَلَحُوا عَلَى شَيْءٍ لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُمْ بَلْ بَعْضُهُمْ لَا يَعْرِفُ أَنْ يَقْرَأَ خَطَّ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ اصْطِلَاحًا يَخُصُّهُ فِي ذَلِكَ قَلَّ أَنْ يَعْرِفَهُ غَيْرُهُ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ؛ لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ ﵁ «يَا مُعَاوِيَةُ أَلْقِ الدَّوَاةَ وَحَرِّفْ الْقَلَمَ وَانْصِبْ الْبَاءَ وَفَرِّقْ السِّينَ، وَلَا تُعْوِرْ الْمِيمَ وَحَسِّنْ اللَّهَ وَمُدَّ الرَّحْمَنَ وَجَوِّدْ الرَّحِيمَ وَضَعْ قَلَمَك خَلْفَ أُذُنِك فَإِنَّهُ أَذْكَرُ لِلْمُمْلِي» وَفِي كُتُبِهِمْ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إضَاعَةُ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَعُقُودِ أَنْكِحَتِهِمْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَمُوتَ الْكَاتِبُ أَوْ يَتَعَذَّرَ وُجُودُهُ، وَلَا يَعْرِفُ غَيْرُهُ أَنْ يَقْرَأَ مَا كَتَبَهُ فَإِذَا تَحَفَّظَ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ عَمَّتْ مَنْفَعَةُ كِتَابَتِهِ لِأَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُنَقِّطْ أَوْ يُعَلِّقْ خَطَّهُ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْسَخَ بِالْحِبْرِ الَّذِي يَخْرِقُ الْوَرَقَ فَإِنَّ فِيهِ إضَاعَةَ الْمَالِ وَإِضَاعَةَ الْعِلْمِ الْمَكْتُوبِ بِهِ سِيَّمَا إنْ كَانَتْ نُسْخَةُ الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ مَعْدُومَةً أَوْ عَزِيزًا وُجُودُهَا وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ النَّسْخُ بِالْحِبْرِ الَّذِي يُمْحَى مِنْ الْوَرَقِ سَرِيعًا وَأَمَّا النَّسْخُ بِالْمِدَادِ الَّذِي تَسْوَدُّ بِهِ الْوَرَقَةُ وَتَخْتَلِطُ الْحُرُوفُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَهَذَا مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ فَلَا شَكَّ فِي مَنْعِهِ

стр. 1020

اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكْتُبَ رِسَالَةً مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ وَمَا أَشْبَهَهَا فَنَعَمْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَكِتَابِ الْقَاضِي بِحُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْوَكَالَةِ وَغَيْرِهَا فَحُكْمُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي نَسْخِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ خَيْرَ الْخَطِّ مَا قُرِئَ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا جَلَسَ لِلنَّسْخِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وُضُوءٍ فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَلْيَكُنْ فِي أَوَّلِ جُلُوسِهِ عَلَى وُضُوءٍ ثُمَّ يُغْتَفَرُ لَهُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَنْسَخُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْوُضُوءِ حِينَ يُبَاشِرُهُ فِي كُلِّ حِينٍ طَرَأَ عَلَيْهِ الْحَدَثُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ الْحَدَثِ فَيَتَوَضَّأُ فِي أَوَّلِ جُلُوسِهِ وَيُغْتَفَرُ لَهُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) وَلْيَجْتَنِبْ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَقِّ الْخَيَّاطِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُمَاطَلَةِ بِالشُّغْلِ وَهَذَا أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ أَنْ يُوفِيَ بِمَا يَقُولُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَحْضِ الْعِبَادَةِ فَلَا يَشُوبُهَا بِمَا يُنَاقِضُهَا بِوُقُوعِهِ فِي خُلْفِ الْوَعْدِ بِقَوْلِهِ: غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ، ثُمَّ لَا يُوفِي بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ مِنْ وُقُوعِ الْأَيْمَانِ مِنْهُ فِيمَا يُحَاوِلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَزَّازِ وَغَيْرِهِ. (فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَأْخُذُ النَّسْخَ مِنْ جَمَاعَةٍ فَيَنْسَخُ لِهَذَا وَلِهَذَا، وَلَا يُعْلِمُ أَحَدًا مِنْهُمْ أَنَّهُ يَنْسَخُ لِغَيْرِهِ وَذَلِكَ يُنَاقِضُ النُّصْحَ لِمَنْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِذَلِكَ وَلِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الِاسْتِشْرَافِ وَالْحِرْصِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِمَا مِنْ الذَّمِّ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْسَخَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ فِي عِبَادَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ فِي سَبَبٍ وَالْأَسْبَابُ كُلُّهَا يُنَزَّهُ الْمَسْجِدُ عَنْهَا هَذَا إذَا لَمْ يُلَوِّثْهُ فَإِنْ تُوُقِّعَ ذَلِكَ مُنِعَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا. (فَصْلٌ) وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ أَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ فِيهِ وَيَشْتَغِلُ بِحِكَايَةِ الْمُؤَذِّنِ وَالتَّهَيُّؤِ لِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ فِي جَمَاعَةٍ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ وَهُوَ يَكْتُبُ فِي أَثْنَاءِ الْوَرَقَةِ فَلَا يَتْرُكُ الْكِتَابَةَ حَتَّى يُكْمِلَهَا؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ خَطُّ الْوَرَقَةِ بِسَبَبِ قِيَامِهِ عَنْهَا فَيُمْهَلُ حَتَّى يُتِمَّهَا. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ

стр. 1021

يُسَطِّرُ فِي أَثْنَاءِ الْوَرَقَةِ فَلَا يَرْفَعُ يَدَهُ حَتَّى يُكْمِلَهَا. وَلَيْسَ هَذَا بِمَذْمُومٍ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى حُسْنِ الصَّنْعَةِ وَنُصْحِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ وَهَذَا مَا لَمْ يَخْشَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ أَنْ يَنْسَخَ الْخِتْمَةَ عَلَى غَيْرِ مَرْسُومِ الْمُصْحَفِ الَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ عَلَى مَا وَجَدَتْهُ بِخَطِّ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ﵀ الْقُرْآنُ يُكْتَبُ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ، فَلَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى اعْتِلَالِ مَنْ خَالَفَ بِقَوْلِهِ: إنَّ الْعَامَّةَ لَا تَعْرِفُ مَرْسُومَ الْمُصْحَفِ وَيَدْخُلُ عَلَيْهِمْ الْخَلَلُ فِي قِرَاءَتِهِمْ فِي الْمُصْحَفِ إذَا كُتِبَ عَلَى الْمَرْسُومِ فَيَقْرَءُونَ مَثَلًا وَجَائِي وَجَاي؛ لِأَنَّ رَسْمَهَا بِأَلْفٍ قَبْلَ الْيَاءِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١] ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] فَإِنَّهُمْ يَقْرَءُونَ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ بِإِظْهَارِ الْيَاءِ إمَّا سَاكِنَةً وَإِمَّا مَفْتُوحَةً. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ [الفرقان: ٧] مَرْسُومُ الْمُصْحَفِ فِيهَا بِلَامٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنْ الْهَاءِ فَإِذَا وَقَفَ عَلَيْهَا التَّالِي وَقَفَ عَلَى اللَّامِ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى لَا أَذْبَحَنَّهُ ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] مَرْسُومُهُمَا بِأَلْفٍ بَعْدَ لَا فَإِذَا قَرَأَهُمَا مَنْ لَا يَعْرِفُ قَرَأَهُمَا بِمَدَّةٍ بَيْنَهُمَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْمَرْسُومَ مِنْ الْأُمَّةِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَقْرَأَ فِي الْمُصْحَفِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْقِرَاءَةَ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَتَعَلَّمَ مَرْسُومَ الْمُصْحَفِ فَإِنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ وَحُكْمُهُ مَعْلُومٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فَالتَّعْلِيلُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ وَقَدْ تَعَدَّتْ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ إلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْسَخَ الْخِتْمَةَ بِلِسَانِ الْعَجَمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَلَمْ يُنْزِلْهُ بِلِسَانِ الْعَجَمِ. وَقَدْ كَرِهَ

стр. 1022

مَالِكٌ ﵀ نَسْخَ الْمُصْحَفِ فِي أَجْزَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ قَالَ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ [القيامة: ١٧] وَهَؤُلَاءِ يُفَرِّقُونَهُ، فَإِذَا كُرِهَ هَذَا فِي الْأَجْزَاءِ فَمَا بَالُك بِتَغْيِيرِهِ عَنْ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الْمُبِينِ. وَلَقَدْ سَرَى هَذَا لِبَعْضِ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، حَتَّى إنَّهُمْ لَيُعِدُّونَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِالْعَجَمِيَّةِ وَنَسْخِ الْخِتْمَةِ بِهَا مِنْ الْفَضِيلَةِ وَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُ فِي الْخِتْمَةِ الْوَاحِدَةِ بَيْنَ كَتْبِهَا بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَاللِّسَانِ الْعَجَمِيِّ فَيَكْتُبُ الْآيَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ ثُمَّ يَكْتُبُهَا بَعْدَهَا بِاللِّسَانِ الْعَجَمِيِّ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ وَالْعُلَمَاءُ ﵃، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُعَرِّجَ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. [فَصْلٌ فِي نِيَّةِ الصَّانِعِ الَّذِي يُجَلِّدُ الْمَصَاحِفَ وَالْكُتُبَ وَغَيْرَهَا] (فَصْلٌ) فِي نِيَّةِ الصَّانِعِ الَّذِي يُجَلِّدُ الْمَصَاحِفَ وَالْكُتُبَ وَغَيْرَهَا. اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ هَذِهِ الصَّنْعَةَ مِنْ أَهَمِّ الصَّنَائِعِ فِي الدِّينِ إذْ بِهَا تُصَانُ الْمَصَاحِفُ وَكُتُبُ الْأَحَادِيثِ وَالْعُلُومُ الشَّرْعِيَّةِ فَيَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى النِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فِي النَّاسِخِ؛ لِأَنَّهُ مُعِينٌ بِصَنْعَتِهِ عَلَى صِيَانَةِ مَا تَعِبَ فِيهِ النَّاسِخُ وَحَصَّلَهُ وَفِيهِ أَيْضًا جَمَالٌ لِلْكِتَابِ وَتَرْفِيعٌ لَهُ وَاحْتِرَامُهُ وَتَرْفِيعُهُ مُتَعَيَّنٌ فَإِذَا خَرَجَ الصَّانِعُ مِنْ بَيْتِهِ أَخَذَ مِنْ نِيَّاتِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ مَا يَعْتَوِرُهُ وَيَحْتَاجُ إلَيْهِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَنْوِي إعَانَةَ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ بِصِنَاعَتِهِ عَلَى صِيَانَةِ مَصَاحِفِهِمْ وَكُتُبِهِمْ ثُمَّ يَصْحَبُ مَعَ ذَلِكَ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الصَّانِعَ مَثَلًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الصُّنَّاعِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ أَوْ تَأَخَّرَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الْعَالِمِ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ يَخْرُجُ إلَى الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ إلَى التَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ وَذَلِكَ يَقْبَلُ كُلَّ مَا نَوَاهُ وَالصُّنَّاعُ لَيْسُوا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْتَغْرِقُونَ فِي الْأَسْبَابِ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَغَيْرِهِ إذْ إنَّ الصَّانِعَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْمُتَسَبِّبِينَ يَحْتَاجُ إلَى أَرْبَعَةِ عُلُومٍ: الْأَوَّلُ - عِلْمُ الصَّنْعَةِ الَّتِي يُحَاوِلُهَا. وَالثَّانِي - الْعِلْمُ بِلِسَانِ الْعِلْمِ فِيهَا. وَالثَّالِثُ - الْعِلْمُ بِمَا يَخُصُّهُ فِي نَفْسِهِ وَذَلِكَ عَامٌّ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ فِيمَا يَعْتَوِرُ كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ فِي عِبَادَتِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا، وَمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ فِي ذَلِكَ

стр. 1023

مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ وَمَا يُصْلِحُ الْعِبَادَةَ وَمَا يُفْسِدُهَا. وَالْعِلْمُ الرَّابِعُ - عِلْمُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُكَلَّفُ فِي مُخَالَطَتِهِ لِغَيْرِهِ مِنْ التَّحَفُّظِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى مَنْ خَالَطَهُ مِنْ الْوُقُوعِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي وَذَلِكَ كَثِيرٌ؛ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ عُلُومٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا فَإِمَّا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا أَوْ يُعَلِّمَهَا لِمَنْ يَطْلُبُهَا مِنْهُ إنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُتْرَكُ الْمُتَسَبِّبُ مِنْ نِيَّةِ الْعَالِمِ مِثْلُ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَتَحِيَّتِهِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّا لَا يَعْتَوِرُهُ فِي السُّوقِ أَوْ الدُّكَّانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا جَاءَ إلَى دُكَّانِهِ أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَوْ تَأَخَّرَ فِي فِعْلِ الْآدَابِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي دُخُولِهِ بَيْتَهُ وَخُرُوجِهِ مِنْهُ مِثْلَ تَقْدِيمِ الْيَمِينِ وَتَأْخِيرِ الشِّمَالِ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ مَعَ الِابْتِدَاءِ بِالتَّسْمِيَةِ وَالذِّكْرِ الْمَأْثُورِ فِي ذَلِكَ وَأَنْ يَبْدَأَ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ لِبَيْعِهِ وَشِرَائِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي دُخُولِهِ بَيْتَهُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ صِلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ فَيَبْدَأُ بِهَذِهِ الصِّلَةِ الْعَظِيمَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَأْخُذُ فِيمَا جَلَسَ إلَيْهِ. وَهَذَا مَعَ الْإِمْكَانِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ يَكُونُ الدُّكَّانُ لَيْسَ فِيهَا مَوْضِعٌ يَرْكَعُ فِيهِ فَيُعَوِّضُ عَنْ ذَلِكَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ السَّمَادِ أَحَدِ مَشَايِخِ الرِّسَالَةِ أَنَّهُ بَلَغَتْ بِهِ نَافِلَتُهُ فِي دُكَّانِهِ مَعَ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ خَمْسَمِائَةِ رَكْعَةٍ فِي الْيَوْمِ فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَفَّلُونَ فِي دَكَاكِينِهِمْ لَكِنْ مِنْهُمْ الْمُكْثِرُ وَمِنْهُمْ الْمُقِلُّ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى التَّشَبُّهِ بِهِمْ كَانَ بِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحٌ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ مَهْمَا قَدَرَ أَنْ لَا يَجْلِسَ فِي دُكَّانِهِ إلَّا وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ فَلْيَفْعَلْ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ إذَنْ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ الْمَفَاسِدَ الَّتِي تَعْتَوِرُهُ فِي صَنْعَتِهِ إذْ هِيَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ؛ لِأَنَّ بِتَجَنُّبِهَا يَحْصُلُ لَهُ الدُّخُولُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﵊ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» وَقَدْ تَقَدَّمَ فَإِذَا تَجَنَّبَ الْمَفَاسِدَ فَقَدْ نَصَحَ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَتَحْصُلُ لَهُ شَهَادَةُ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ فَإِذَا سَلِمَ مِنْ الْمَفَاسِدِ صَحَّتْ لَهُ الْغَنِيمَةُ وَإِلَّا رَجَعَ عَلَى الضِّدِّ مِنْ

стр. 1024

ذَلِكَ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنْ يُعْطِيَ الْكِتَابَ إلَى الصَّانِعِ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ عِوَضًا عَنْ أَشْيَاءَ جُمْلَةٍ وَذَلِكَ يُمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ بَيْعِ الْجِلْدِ وَالْبِطَانَةِ وَالْحَرِيرِ وَبَيْنَ أُجْرَتِهِ فِي عَمَلِ ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ مَجْهُولٌ. وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ - أَنْ يَأْتِيَ إلَى الصَّانِعِ بِالْجِلْدِ وَالْبِطَانَةِ وَالْحَرِيرِ مِنْ عِنْدِهِ وَيُؤَاجِرَهُ عَلَى عَمَلِ ذَلِكَ. وَوَجْهٌ ثَانٍ - وَهُوَ أَنَّ الصَّانِعَ يُبَيِّنُ لَهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى حِدَتِهِ وَيُعَيِّنُ ثَمَنَهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُؤَاجِرُهُ عَلَى صَنْعَتِهِ. وَوَجْهٌ ثَالِثٌ - وَهُوَ أَنْ يُوَكِّلَهُ فِي شِرَاءِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ثُمَّ يُؤَاجِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى عَمَلِهِ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ جَائِزَةٍ وَهِيَ يَسِيرَةٌ سَهْلَةُ الْمَدْرَكِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُمَا فِي ذَلِكَ ثُمَّ مَعَ هَذِهِ السُّهُولَةِ وَعَدَمِ الْمَشَقَّةِ يَتْرُكُ أَكْثَرُهُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَفْعَلُ مَا اعْتَادَهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَمَضَى عَلَى أَثَرِهِ مَنْ لَهُ عِلْمٌ لِاسْتِئْنَاسِ النُّفُوسِ بِالْعَوَائِدِ الْمُحْدَثَةِ فَتَتَعَمَّرُ ذِمَّتُهُمَا مَعًا فَصَاحِبُ الْكِتَابِ تَتَعَمَّرُ ذِمَّتُهُ بِقِيمَةِ مَا أَخَذَ مِنْ الْجِلْدِ وَبِطَانَتِهِ وَالْحَرِيرِ وَأُجْرَةِ الصَّانِعِ وَالصَّانِعُ تَتَعَمَّرُ ذِمَّتُهُ بِمَا أَخَذَ مِنْ صَاحِبِ الْكِتَابِ وَالْعَجَبُ مِنْهُمْ كَيْفَ يَأْتُونَ بِكُتُبِ الْعِلْمِ وَيُجَلِّدُونَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ فِيهَا (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْوَرَقِ الَّذِي يُبَطِّنُ بِهِ فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَى بَعْضِ الصُّنَّاعِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ الْوَرَقَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفُوا مَا فِيهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَوْ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ، وَلَا امْتِهَانُهُ حُرْمَةً لَهُ وَتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ فِيهِ أَسْمَاءُ الْعُلَمَاءِ أَوْ السَّلَفِ الصَّالِح ﵃ أَوْ الْعُلُومُ الشَّرْعِيَّةُ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ، وَلَا يُبْلَغُ بِهِ دَرَجَةُ التَّحْرِيمِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَطَالِبُ الْعِلْمِ أَوْلَى بِأَنْ يُنَزِّهَ نَفْسَهُ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْمَكْرُوهِ فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ الصَّانِعَ أَوْ يَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ شَيْئًا مِمَّا

стр. 1025

تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَلَا يَعْمَلُ عِنْدَهُ شَيْئًا أَوْ يَعْمَلُ عِنْدَهُ بَعْدَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَطِّنَ الْجِلْدَ بِالْأَوْرَاقِ الَّتِي فِيهَا الْحِسَابُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَكْرُوهٍ إلَّا أَنَّهُ يَتَثَبَّتُ فِي ذَلِكَ وَيُمْهِلُ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ ضَاعَ لِبَعْضِ النَّاسِ الدَّفْتَرُ الَّذِي هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فَيَضِيعُ مَالُهُ بِسَبَبِهِ فَإِذَا كَانَ الصَّانِعُ مِمَّنْ يَتَحَفَّظُ مِنْ هَذَا وَأَمْثَالِهِ حُفِظَتْ عَلَى النَّاسِ أَمْوَالُهُمْ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ ضَائِعَةً عَلَيْهِمْ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى عَدَدِ كَرَارِيسِ الْكِتَابِ وَأَوْرَاقِهِ فَلَا يُقَدِّمُ، وَلَا يُؤَخِّرُ الْكَرَارِيسَ، وَلَا الْأَوْرَاقَ عَنْ مَوَاضِعِهَا وَيَتَأَنَّى فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ النُّصْحِ وَتَرْكُهُ مِنْ الْغِشِّ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَحْتَاجُ الصَّانِعُ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالِاسْتِخْرَاجِ لِيَعْرِفَ بِذَلِكَ اتِّصَالَ الْكَلَامِ بِمَا بَعْدَهُ أَوْ تَكُونَ عِنْده مُشَارَكَةٌ فِي الْعِلْمِ يَعْرِفُ بِهَا ذَلِكَ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَحْتَرِزُ أَنْ يُوَلِّيَ عَمَلَهَا لِمَنْ لَا يَعْرِفُ تَمْيِيزَهَا مِنْ الصُّنَّاعِ وَالصِّبْيَانِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْكِتَابُ عَلَى صَاحِبِهِ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ هَذَا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَيَتْعَبُ فِي عَمَلِهِ ثُمَّ مَعَ التَّعَبِ الْمَوْجُودِ يَأْكُلُ الْحَرَامَ فِيمَا أَخَذَهُ مِنْ صَاحِبِهِ فَإِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الصَّانِعِ إعَادَتُهُ، وَلَوْ مِرَارًا حَتَّى يَنْصَلِحَ، وَلَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ إلَّا الْعِوَضَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ مَا تَسَلَّمَهُ إلَّا أَنْ يَعْمَلَهُ عَلَى السَّلَامَةِ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الصَّانِعِ أَنْ لَا يُجَلِّدَ كِتَابًا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ يَكُونُ مُعِينًا لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَمَنْ أَعَانَ عَلَى شَيْءٍ كَانَ شَرِيكًا لِفَاعِلِهِ هَذَا وَجْهٌ. وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ أَوْ يُقَارِبُهُ وَهُوَ تَغْبِيطُهُمْ بِدِينِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا رَأَوْا أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُعِينُهُمْ سِيَّمَا عَلَى حِفْظِ مَا فِي كُتُبِهِمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي أَتَوْا بِهِ إلَيْهِ مِنْ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِثْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَنْعِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا

стр. 1026

فِيهَا وَغَيَّرُوا وَذَلِكَ لَا تُعْلَمُ مَوَاضِعُهُ فَتُتْرَكُ كُلُّهَا فَإِنْ < m s=٠٠٢٥٢٠> أَتَوْا إلَيْهِ بِكِتَابٍ مَكْتُوبٍ بِالسُّرْيَانِيَّةِ أَوْ الْعِبْرَانِيَّةِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا فَلَا يُجَلِّدُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي الرُّقَى بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَمَا يُدْرِيك لَعَلَّهُ كُفْرٌ فَكُلُّ مَا حَاكَ فِي صَدْرِ الْإِنْسَانِ مِنْ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فَيَتَعَيَّنُ تَجَنُّبُهُ. (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى الْعَمَلِ عِنْدَهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِمَّنْ هَذَا حَالُهُ مِنْ الصُّنَّاعِ فَلَا يَعْمَلُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُعْلِمَهُ بِذَلِكَ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ أَوْ يَرْجِعَ. هَذَا إنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ رَفْعِ ذَلِكَ إلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي إنْكَارِ الْمُنْكَرِ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَفْعُهُ إلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ أَوْ رَفَعَهُ وَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ هِجْرَانُ الصَّانِعِ الَّذِي يَتَعَاطَى ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُعْلِمَهُ بِالْحُكْمِ فِيهِ حَتَّى يَشِيعَ بَيْنَ النَّاسِ وَيَعْلَمَ أَنَّ هَذَا حَرَامٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ (أَنَّ الظَّلَمَةَ يُحْشَرُونَ هُمْ وَأَعْوَانُهُمْ حَتَّى مَنْ مَدَّ لَهُمْ مَدَّةً) فَإِذَا كَانَ مَدُّ لَهُمْ مَدَّةٍ بِهَذَا الْحَالِ فَمَا بَالُك بِالصَّانِعِ الَّذِي يُجَلِّدُ لَهُمْ مَا يَصُونُونَ بِهِ مَا ارْتَكَبُوهُ مِمَّا هُوَ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعْمَلَ غِلَافًا لِدَوَاةٍ فِيهَا ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْإِعَانَةُ عَلَيْهِ بِتَجْلِيدِهَا. وَكَذَلِكَ لَا يُجَلِّدُ شَيْئًا لِظَالِمٍ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعِينَ شَرِيكٌ. الثَّانِي - أَنَّ أَكْثَرَ أَمْوَالِهِمْ حَرَامٌ وَالصَّانِعُ يَتْعَبُ فِي صَنْعَتِهِ لِيَأْكُلَ الْحَلَالَ ثُمَّ مَعَ تَعَبِهِ يَأْكُلُ الْحَرَامَ فَيَتَحَفَّظُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ وَيَنْهَى غَيْرَهُ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ النَّاسُ يَتَحَفَّظُونَ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ لَقَلَّ الظُّلْمُ وَعُرِفَ صَاحِبُهُ وَلَكِنْ قَدْ صَارَ الْأَمْرُ عِنْدَ الصَّانِعِ وَغَيْرِهِ سَوَاءً فِي الْغَالِبِ فَيُسَوُّونَ بَيْنَ مَنْ كَسْبُهُ حَلَالٌ وَحَرَامٌ، وَلَا يُعَرِّجُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. كُلُّ هَذَا سَبَبُهُ التَّغَافُلُ عَمَّا أُمِرَ الْإِنْسَانُ بِهِ وَانْضَمَّ إلَيْهِ اسْتِئْنَاسُ النُّفُوسِ بِالْعَوَائِدِ الْمُحْدَثَةِ مَعَ وُجُودِ الِاسْتِشْرَافِ لِلزِّيَادَةِ مِنْ الدُّنْيَا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ

стр. 1027

مِنْ الصُّنَّاعِ مِنْ قَوْلِهِمْ: غَدًا وَبَعْدَ غَدٍ. وَكَذَلِكَ يَجْتَنِبُ الْأَيْمَانَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ أَنْ يُبَادِرَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إلَى إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ فِي جَمَاعَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ أَنْ يُبَادِرَ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَصَاحِفَ وَكُتُبَ الْحَدِيثِ وَالْعُلُومَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي يُجَلِّدُهَا تَأْمُرُ بِذَلِكَ وَتَنْهَى عَنْ ضِدِّهِ. [فَصْلٌ فِي نِيَّةِ الْأَبْزَارِيِّ وَمُحَاوَلَتِهَا وَمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْهَا] قَدْ تَقَدَّمَ فِي نِيَّةِ الْعَطَّارِ مَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا لَكِنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْأَبْزَارِيِّ الْبَيْعُ بِالْكَيْلِ أَوْ الْجُزَافِ فَالْكَيْلُ مَعْرُوفٌ وَالْجُزَافُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يُعَايِنَ ذَلِكَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا فَيَتَحَفَّظُ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دُونَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى قَدْرِهِ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ أَنْ يُصِيبَ مَا عِنْدَهُ مِنْ السِّلَعِ شَيْءٌ مِمَّا تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ مِثْلُ بَوْلِ الْفَأْرَةِ وَابْنِ عُرْسٍ وَالْهِرِّ فَيَتَنَجَّسُ بِذَلِكَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ وَمِنْ عَادَةِ النُّفُوسِ أَنَّهَا تَشْمَئِزُّ مِمَّا بَقِيَ سَالِمًا مِنْ ذَلِكَ فَلْيَتَحَفَّظْ عَلَيْهِ بِالتَّغْطِيَةِ لَهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي دُكَّانِهِ حِينَ غَيْبَتِهِ عَنْهُ وَإِنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَهُ لِلْمُشْتَرِي لِكَرَاهَةِ بَعْضِ النَّاسِ مَا يَبْقَى مِمَّا أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ كَثُرَ فِي هَذَا الزَّمَانِ حَتَّى إنَّك لَتَجِدُ الْقِرْطَاسَ الَّذِي تَأْخُذُهُ مِنْ الْبَائِعِ فِيهِ بَوْلُ الْفَأْرَةِ مَخْلُوطٌ بِالسِّلْعَةِ الَّتِي فِيهَا كَالْكُزْبَرَةِ وَالْأَنِيسُونَ وَغَيْرِهِمَا فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. [فَصْلٌ فِي نِيَّةِ الزَّيَّاتِ] اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ الزَّيْتَ يَظْهَرُ فِيهِ التَّدْلِيسُ سَرِيعًا بِسَبَبِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْهُ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ ثُمَّ دُلِّسَ بِشَيْءٍ مَا مِنْ الرَّدِيءِ رَجَعَ كُلَّهُ رَدِيئًا ظَاهِرًا لِلْمُشْتَرِي وَغَيْرِهِ غَالِبًا ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ إذَا بَقِيَ فِي أَوْعِيَتِهِ خَفَّ وَصَفَا وَزَالَ مِنْهُ الْكَدَرُ وَلَيْسَ فِي جَمِيعِ السِّلَعِ الَّتِي يَتَّجِرُ فِيهَا الْمَرْءُ أَكْثَرُ سَلَامَةً مِنْهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَظْهَرُ

стр. 1028

فِيهِ التَّدْلِيسُ. وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ يَحْكِي عَنْ شَيْخِهِ سَيِّدِي أَبِي الْحَسَنِ الزَّيَّاتِ ﵀ أَنَّهُ كَانَ يَتَّجِرُ فِي الزَّيْتِ وَيَقُولُ مَا مَعْنَاهُ: إنِّي لَا أَتَّجِرُ فِي الزَّيْتِ إلَّا مِنْ جِهَةِ أَنِّي لَا أَثِقُ بِنَفْسِي مِنْ أَنَّهَا لَا تُدَلِّسُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالزَّيْتُ لَا يَقْبَلُ التَّدْلِيسَ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُ إذَا خُلِطَ بِهِ شَيْءٌ مَا مِنْ الرَّدِيءِ رَجَعَ كُلُّهُ رَدِيئًا وَإِذَا لَمْ يُخْلَطْ بِهِ شَيْءٌ وَبَقِيَ فِي أَوْعِيَتِهِ تَصَفَّى وَطَابَ فَآمَنُ عَلَى نَفْسِي مِنْ الْغِشِّ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَهُوَ أَحْسَنُ مَا يَتَّجِرُ فِيهِ الْمَرْءُ لِهَذَا الْمَعْنَى. (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْلِطَ جِنْسَ زَيْتٍ بِجِنْسِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الزُّيُوتَ عَلَى أَنْوَاعٍ: زَيْتُ الزَّيْتُونِ وَهُوَ أَعْظَمُهَا وَأَعَمُّهَا نَفْعًا. وَيَلِيهِ زَيْتُ السِّمْسِمِ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الشَّيْرَجُ ثُمَّ زَيْتُ الْقُرْطُمِ ثُمَّ زَيْتُ السَّلْجَمِ ثُمَّ بِزْرُ الْكَتَّانِ فَلَا يُخْلَطُ أَحَدُ هَذِهِ الزُّيُوتِ بِغَيْرِهَا. وَكَذَلِكَ لَا يُخْلَطُ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ طَيِّبُهُ بِرَدِيئِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّدْلِيسِ، ثُمَّ إنَّهُ يَعُودُ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الطَّيِّبَ يَرْجِعُ رَدِيئًا إذَا خُلِطَ بِالْقَلِيلِ مِنْ الرَّدِيءِ فَإِنْ خَلَطَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ كَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ فِي الْمَنْعِ يَضُرُّ بِهِ. وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ مَنْفَعَةِ الزُّيُوتِ فِي الْقَلْيِ بِهَا وَغَيْرُهُ وَهُوَ كَثِيرٌ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ التَّدْلِيسِ قَدْ كَثُرَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، حَتَّى إنَّك لَتَجِدُ بَعْضَ مَنْ يَقْلِي الزَّلَابِيَةَ أَوْ السَّمَكَ أَوْ غَيْرَهُمَا فِي السُّوقِ يَقْلِيهِ فِي الزَّيْتِ الْحَارِّ وَهُوَ غِشٌّ وَتَدْلِيسٌ وَمُضِرٌّ لِآكِلِهِ فِي بَدَنِهِ وَلِبَائِعِهِ فِي دِينِهِ وَهَذَا فِي الْبِلَادِ الَّتِي لَمْ تَطِبْ نُفُوسُ أَهْلِهَا بِاسْتِعْمَالِهِ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ (فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعَطَّارِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ كَيْفِيَّةُ نِيَّتِهِمَا فِيمَا يُحَاوِلَانِهِ مِنْ السِّلَعِ وَبِأَيِّ نِيَّةٍ يَجْلِسَانِ فِي الدَّكَاكِينِ وَبِأَيِّ نِيَّةٍ يَبِيعَانِ وَيَشْتَرِيَانِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الزَّيَّاتِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَمَنْ هُوَ بِقُرْبِ الْبُيُوتِ أَوْ بِالْبُعْدِ مِنْهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا كَالْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ مِنْ التَّيْسِيرِ عَلَى إخْوَانِهِ

стр. 1029

الْمُسْلِمِينَ وَالتَّهْوِينِ عَلَيْهِمْ بِرَفْعِ كُلْفَةِ الْمَشْيِ عَنْهُمْ إلَى الْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ مِنْ بُيُوتِهِمْ بِسَبَبِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ [فَصْلٌ شِرَاءِ الْخُلُولِ الَّتِي عُصِرَتْ أَوَّلًا بِنِيَّةِ الْخَمْرِ] (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ شِرَاءِ الْخُلُولِ الَّتِي عُصِرَتْ أَوَّلًا بِنِيَّةِ الْخَمْرِ ثُمَّ فَسَدَتْ عَلَى صَاحِبِهَا فَصَارَتْ خَلًّا؛ لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا. فَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَشْتَرِيَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لَهُ عَلَى كُفْرِهِ وَجَبْرٌ لِثَمَنِ مَا عَصَرَهُ عَلَى أَنَّهُ خَمْرٌ وَبَعْضُ النَّصَارَى يَجْعَلُ الْخَلَّ فِي أَوْعِيَةِ الْخَمْرِ وَيَبِيعُهُ لِلْمُسْلِمِينَ بَلْ بَعْضُ مَنْ لَا يَتَحَرَّزُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَيَتَعَيَّنُ هِجْرَانُهُ وَأَدَبُهُ وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ أَنْ لَا يَجْبُرَ عَلَيْهِ ثَمَنَ ذَلِكَ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْهُ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فِيمَنْ يَعْمَلُ الْعِنَبَ خَلًّا: إنَّهُ لَا يَكْشِفُ عَنْهُ حَتَّى يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ قَدْ صَارَ خَلًّا وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَشَفَ عَنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَآهُ خَمْرًا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ إرَاقَتُهُ وَغَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْهُ وَغَسْلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ وِعَاءٍ وَثَوْبٍ وَبَدَنٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. هَذَا وَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ إلَّا الْخَلَّ فَمَا بَالُك بِمَنْ قَصَدَ بِهِ الْخَمْرَ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْغِشِّ فِي الْخَلِّ؛ لِأَنَّ الْخَلَّ أَصْنَافٌ أَطْيَبُهُ وَأَنْفَعُهُ خَلُّ الْعِنَبِ فَيَغُشُّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَأْخُذُوا حُبُوبًا مِنْ الْعِنَبِ فَيَجْعَلُونَهَا فِي خَلٍّ سِوَاهُ وَيَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ خَلُّ الْعِنَبِ وَذَلِكَ غِشٌّ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ خَلًّا، وَلَا يَبِيعَهُ وَفِيهِ بَقِيَّةُ تَخْمِيرٍ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ خَمْرٌ بَعْدُ. وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَ النَّضُوحَ، وَلَا يَشْتَرِيهِ وَفِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ التَّخْمِيرِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ إرَاقَتُهُ وَالتَّوْبَةُ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ وَمَا كَانَ مُحَرَّمًا ذَهَبَتْ بَرَكَةُ مَنْفَعَتِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا» وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي هَذَا الزَّمَانِ فَتَجِدُ بَعْضَ النَّاسِ يَسْتَعْمِلُونَ النَّضُوحَ وَصِفَاتُ الْخَمْرِ فِيهِ بَيِّنَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا وَيَدَّعُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ نَضُوحٌ وَيَجْرِي ذَلِكَ بَيْنَهُمْ مَجْرَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْجَائِزَةِ

стр. 1030

وَالْخُلُولِ وَغَيْرِهِمَا وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ فِي الْحِسِّ وَالْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَا يَرْجِعُ نَضُوحًا بِالنِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِي السَّمْنِ أَنْ لَا يَخْلِطَهُ بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ أَوْ بِجِنْسِهِ الْقَدِيمِ أَوْ الرَّدِيءِ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ؛ لِأَنَّ الْجَدِيدَ يُسْتَعْمَلُ لِلْأَكْلِ وَالْقَدِيمَ يَنْفَعُ لِلْأَمْرَاضِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَرَاهِمِ النَّافِعَةِ وَبِحَسَبِ قِدَمِهِ تَكُونُ مَنْفَعَتُهُ وَالْغَالِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إلَّا السَّمْنَ الَّذِي لِلْأَكْلِ وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ الْجَدِيدُ مِنْهُ وَأَمَّا الْقَدِيمُ فَلَا يُعَدُّ لِلْأَكْلِ. وَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْأَغْرَاضُ فِيهِمَا فَيَتَعَيَّنُ أَنْ لَا يَخْلِطَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ فَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ وَإِلَّا فَهُوَ غِشٌّ. وَبَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ يَغُشُّونَ بِأَنْ يَخْلِطُوهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَهُوَ الشَّحْمُ، وَلَا خَفَاءَ فِي تَحْرِيمِ هَذَا. وَالسَّمْنُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: بَقَرِيٌّ وَهُوَ أَطْيَبُهُ وَجَامُوسِيٌّ وَغَنَمِيٌّ. فَالْبَقَرِيُّ عَلَامَةُ الْخَالِصِ مِنْهُ أَنَّهُ أَصْفَرُ خِلْقَةً. وَالْجَامُوسِيُّ وَالْغَنَمِيُّ أَبْيَضُ خِلْقَةً وَبَعْضُ النَّاسِ يَغُشُّ بِأَنْ يَجْعَلَ فِي الْجَامُوسِيِّ وَالْغَنَمِيِّ صَبْغًا يَصِيرُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْفَرَ. وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي الزُّبْدِ وَذَلِكَ غِشٌّ فَإِنْ وَقَعَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ لِلْمُشْتَرِي فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فَهُوَ غِشٌّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ. ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ تَغَالَى فِي الْغِشِّ، حَتَّى إنَّهُ لَيَجْعَلُ بَعْضَ حَوَائِجَ فِي اللَّبَنِ فَيَصِيرُ كُلُّهُ سَمْنًا فِي الظَّاهِرِ وَفَرْقٌ كَثِيرٌ مَا بَيْنَ مَنْفَعَةِ السَّمْنِ وَمَنْفَعَةِ اللَّبَنِ سِيَّمَا وَاللَّبَنُ إذَا قَدُمَ فَإِنَّهُ يَكْثُرُ ضَرَرُهُ وَهَذَا أَكْثَرُ غِشًّا مِمَّا قَبْلَهُ. وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَجْتَنِبَ الْغِشَّ كُلَّهُ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ وَهَذَا مُتَعَيَّنٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُتَسَبِّبِينَ فِيمَا يُحَاوِلُونَهُ مِنْ السِّلَعِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ. (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِي الْوَزْنِ أَنْ يَحْتَرِزَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ وَشَحَّتْ قَلِيلًا يُعْطِيهَا لِلْمُشْتَرِي وَيَزِيدُهُ عَمَّا شَحَّ مِنْ وَزْنِهَا جُزَافًا وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِمَا تَقَدَّمَ. وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي هَذَا الزَّمَانِ سِيَّمَا فِي هَذِهِ السِّلَعِ خَاصَّةً

стр. 1031

فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَأَ بِنَعْلِهِ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَعَاطَى عَلَيْهِ الْبَيْعَ لِئَلَّا يُنَجِّسَهُ بِذَلِكَ، وَلَا يَتْرُكَهُ مَكْشُوفًا حِينَ غَيْبَتِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُهْرَاقُ شَيْءٌ مِمَّا يَبِيعُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَجْمَعُهُ وَيَرُدُّهُ فِي وِعَائِهِ أَوْ فِي وِعَاءِ الْمُشْتَرِي وَذَلِكَ قَدْ يَتَنَجَّسُ فِي مُبَاشَرَتِهِ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ فَيُطْعِمُ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَنَجِّسَ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَدِبَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْحَشَرَاتِ الْمَسْمُومَةِ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ. ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُ الْبَائِعِ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَزِنَ تِلْكَ السِّلَعَ فِي كِفَّةِ مِيزَانِهِ أَوْ يُعَايِرَ وِعَاءَ الْمُشْتَرِي وَيَزِنَ لَهُ فِيهِ وَهَذَا الْوَجْهُ أَسْلَمُ لِتَحَقُّقِ الْبَائِعِ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ فَإِنْ كَانَ يَزِنُ فِي كِفَّةِ مِيزَانِهِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ كِفَّةُ الْمِيزَانِ سَالِمَةً مِنْ النَّجَاسَةِ وَمِمَّا تَسْتَقْذِرُهُ النُّفُوسُ وَمَعَ ذَلِكَ يُغَطِّيهَا حِينَ غَيْبَتِهِ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِمَّا اعْتَادَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ مَسْحِهِ لِكِفَّتَيْ الْمِيزَانِ بِشَيْءٍ مِنْ الْخِرَقِ الَّتِي جُمِعَتْ مِنْ الطُّرُقِ الَّتِي لَا تَخْلُو فِي الْغَالِبِ مِنْ خِرَقِ الْحَيْضِ وَمِنْ أَثَرِ ذَوِي الْعَاهَاتِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ وَإِنْ غُسِلَتْ؛ لِأَنَّ غَسْلَهَا لَا يُزِيلُ أَذَاهَا ثُمَّ إذَا فَرَّغَ السِّلْعَةَ الَّتِي فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ فِي وِعَاءِ الْمُشْتَرِي فَلْيُبَالِغْ فِي مَسْحِهَا بِيَدِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْكِفَّةِ شَيْءٌ مِمَّا وَزَنَهُ لَهُ فَإِنْ كَانَ يَسْكُبُ مِنْ كِفَّةِ الْمِيزَانِ فِي الْقَدَّاحَةِ فَلْيُبَالِغْ أَيْضًا فِي تَصْفِيَةِ الْقَدَّاحَةِ كَمَا فَعَلَ فِي الْكِفَّةِ لَكِنَّهُ يَتَرَبَّصُ قَلِيلًا حَتَّى يُنَقِّطَ مَا بَقِيَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ مَسْحِهَا كَالْكِفَّةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُرَجِّحَ لِلْمُشْتَرِي فِي الْوَزْنِ بِقَدْرِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ مَا زَادَهُ أَكْثَرُ مِمَّا بَقِيَ فِي الْكِفَّةِ أَوْ الْقَدَّاحَةِ سِيَّمَا حِينَ اسْتِعْجَالِهِ لِكَثْرَةِ الْمُشْتَرِينَ مِنْهُ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَجْعَلُ الْبَائِعُ الْقَدَّاحَةَ عَلَى وِعَاءٍ طَاهِرٍ نَظِيفٍ فَإِنْ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ تَصَفَّتْ فِي ذَلِكَ الْوِعَاءِ فَإِنْ اجْتَمَعَ فِيهِ شَيْءٌ تَصَدَّقَ بِهِ عَنْ أَصْحَابِهِ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ مَنْ يَتَحَرَّى عَلَى دِينِهِ بِمَدِينَةِ فَاسَ قَدْ جَلَسَ فِي دُكَّانِهِ يَبِيعُ مَا ذُكِرَ فَاجْتَمَعَ لَهُ فِي وِعَاءِ الْقَدَّاحَةِ مَا اجْتَمَعَ فَلَمَّا أَنْ رَآهُ قَالَ: هَذَا مِلْكُ الْغَيْرِ مُحَقَّقٌ قَدْ تَعَمَّرَتْ الذِّمَّةُ بِهِ وَإِنْ سَامَحَ بِهِ بَعْضُهُمْ فَقَدْ لَا يُسَامِحُ

стр. 1032

بِهِ الْآخَرُونَ فَتَرَكَ الدُّكَّانَ وَاجْتَمَعَ بِسَبَبٍ غَيْرِهِ. لَكِنْ مَنْ كَانَ حَالُهُ الْيَوْمَ عَلَى مِثْلِ حَالِ هَذَا السَّيِّدِ فَالْأَوْلَى فِي حَقِّهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنْ يَجْلِسَ لِذَلِكَ لِنَفْعِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَيَتَصَدَّقَ بِمَا اجْتَمَعَ فِي الْوِعَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الْبَيْعُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالشِّرَاءُ مِنْهُمْ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ. [فَصْلٌ فِي ذِكْرِ نِيَّةِ الْخُضَرِيِّ] ِّ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ كَالْكَلَامِ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ. لَكِنْ بَقِيَ الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى أَشْيَاءَ تَخُصُّهُ: فَمِنْهَا مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَيْعِ الْمُلُوخِيَّةِ أَوَّلَ دُخُولِهَا فَإِنَّهَا تُمْنَعُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي اعْتَادَهَا أَكْثَرُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَهَا حُزَمًا وَكُلُّ حُزْمَةٍ مَرْبُوطَةٌ بِالْقَشِّ أَوْ الْحَلْفَاءِ الْكَثِيرَةِ وَفِيهَا مِنْ الطِّينِ وَالْمَاءِ مَا يَزِيدُ مَجْمُوعُهُ عَلَى الْمُلُوخِيَّةِ نَفْسِهَا وَمَعَ هَذِهِ الصُّورَةِ تَكُونُ مَجْهُولَةً جُزَافًا وَوَزْنًا؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ بِقَدْرِ الْقَشِّ وَالْحَلْفَاءِ وَالطِّينِ وَالْمَاءِ مَوْجُودَةٌ فِيهَا وَالْجَهَالَةُ بِذَلِكَ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ فَيَتَحَرَّزُ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَا يُمْكِنُ بَيْعُ الْمُلُوخِيَّةِ فِي أَوَّلِ دُخُولِهَا إلَّا كَذَلِكَ لِأَجْلِ مَا اعْتَادَ مَنْ يَزْرَعُهَا فِي عَمَلِهَا كَذَلِكَ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ، وَلَا لِلْمُشْتَرِي فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخَاطَبٌ بِلِسَانِ الْعِلْمِ فِيمَا هُوَ يُحَاوِلُهُ مِنْ هَذِهِ السِّلْعَةِ وَغَيْرِهَا. فَإِنْ قَالَ مَثَلًا: إنْ تَحَرَّزَتْ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهَا، وَلَا شِرَاؤُهَا. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهَا تَرْكُهَا إلَى أَوَانٍ تَكْثُرُ فِيهِ فَإِنَّهَا إذَا كَثُرَتْ جَازَ بَيْعُهَا بِالْوَزْنِ وَالْجُزَافِ؛ لِأَنَّ مَا يُرْبَطُ بِهِ حُزَمُهَا إذَا كَثُرَتْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا يَسِيرٌ فَهُوَ تَبَعٌ لِيَسَارَتِهِ أَيْضًا فَلَوْ عَلِمَ الزَّارِعُ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ وَهِيَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ الْمَمْنُوعَةِ شَرْعًا لَمْ يَفْعَلْ فِيهَا ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ وَكَانَ يُنَظِّفُهَا وَيَرْبِطُ حُزَمَهَا كَمَا يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ عِنْدَ رُخْصِهَا وَيَبِيعُهَا بِأَكْثَرَ مِنْ سَوْمِهَا وَهِيَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ الْمَمْنُوعَةِ فَيَصِيرُ الثَّمَنُ لَهُ حَلَالًا وَتَحْصُلُ لَهُ الْبَرَكَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَيُطْعِمُ

стр. 1033

إخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ مَا هُوَ جَائِزٌ شِرَاؤُهُ وَبَيْعُهُ فَيُثَابُ عَلَيْهِ فَتَحْصُلُ الْبَرَكَةُ لِجَمَاعَةٍ لِزَارِعِهَا وَبَائِعِهَا وَلِلْخُضَرِيِّ وَلِلْمُشْتَرِي مِنْهُ وَلِآكِلِهَا. ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَتَعَاطَى الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ كَيْفَ لَا يُغَيِّرُونَ ذَلِكَ أَوْ يَتَكَلَّمُونَ عَلَيْهِ أَوْ يُبَيِّنُونَهُ لِمَنْ حَضَرَهُمْ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ عِلْمَ ذَلِكَ بَلْ بَعْضُهُمْ عَلَى عَكْسِ هَذَا الْحَالِ يَفْتَخِرُونَ بِأَكْلِهَا وَهِيَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ الْمَمْنُوعَةِ شَرْعًا فَأَيْنَ الْعِلْمُ وَأَيْنَ أَهْلُهُ وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الْعَارِفُ رَزِينٌ ﵀ فِي كِتَابِهِ وَإِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءٌ وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ مُسَمَّيَاتِ؛ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. [فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْقُلْقَاسِ] وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُهُمْ فِي بَيْعِ الْقُلْقَاسِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى نَوْعَيْنِ رُءُوسٍ وَأَصَابِعَ وَالْأَصَابِعُ أَحْسَنُهُ وَأَطْيَبُهُ فَيُدَلِّسُ بَعْضُهُمْ بِالرُّءُوسِ فَيُقَشِّرُهَا وَيُقَطِّعُهَا عَلَى قَدْرِ الْأَصَابِعِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا وَيَخْلِطُهَا مَعَهَا ثُمَّ يَبِيعُ ذَلِكَ بِسَوْمٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ وَالتَّدْلِيسِ؛ لِأَنَّ الْأَصَابِعَ وَالرُّءُوسَ مُخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ وَالطَّعْمِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِمَا وَالرَّغْبَةِ فِيهِمَا وَالْمُحَاوَلَةِ لَهُمَا غَالِبًا وَلِأَنَّ النَّارَ الَّتِي تُنْضِجُ الْأَصَابِعَ لَا تُنْضِجُ الرُّءُوسَ فَيَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ الْوَقُودِ عَلَيْهَا إذَا طَبَخَهُمَا مَعًا، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ انْحَلَّتْ الْأَصَابِعُ وَقَدْ تَكُونُ الرُّءُوسُ لَمْ تَنْضَحْ بَعْدُ وَتَدْخُلُهُ الْمُغَابَنَةُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يُرِيدُ أَنْ يَجْبُرَ الرُّءُوسَ وَالْمُشْتَرِي يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ مِنْ الْأَصَابِعِ فِي الْغَالِبِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَخَلْطُهُمَا غِشٌّ وَتَدْلِيسٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَالْوَجْهُ الْجَائِزُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَبِيعَهُ عَلَى حِدَتِهِ كُلٌّ بِسَوْمٍ يَخُصُّهُ وَهَذَا وَجْهٌ مُتَيَسِّرٌ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ. فَعَلَى هَذَا مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ الْخَلْطِ لَيْسَ ثَمَّ ضَرُورَةٌ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ لِسُهُولَةِ الْأَمْرِ فِي بَيْعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ بَلْ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ إمَّا لِلْجَهْلِ بِالْعِلْمِ أَوْ لِمُجَرَّدِ الْغِشِّ أَوْ لِلْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرَجِّحَ

стр. 1034

فِي الْوَزْنِ أَكْثَرَ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمُتَسَبِّبِينَ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ مَا يُرَجِّحُهُ الْخُضَرِيُّ يَسِيرٌ وَإِنْ كَثُرَ غَالِبًا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مَا يَزِنُ بِهِ مِنْ حَجَرِ الْكَذَّانِ أَوْ الطُّوبِ الْآجُرِّ أَنْ يَتَفَقَّدَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ إذْ إنَّهَا تَنْقُصُ سَرِيعًا فَإِنْ لَمْ يَتَفَقَّدْهَا تَعَمَّرَتْ ذِمَّتُهُ فَلْيَتَحَرَّزْ مِنْ ذَلِكَ [فَصْلٌ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النِّيَّة لِجُلُوسِهِ فِي الدُكَّانِ التَّيْسِيرَ] (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ لِجُلُوسِهِ فِي دُكَّانِهِ التَّيْسِيرَ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا أَكْثَرَ اعْتِنَاءً بِتَحْسِينِ النِّيَّةِ فِيمَا جَلَسَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الضُّعَفَاءِ مِنْ الشُّيُوخِ وَالْعَجَائِزِ وَالْفُقَرَاءِ وَالصِّغَارِ يَحْتَاجُونَ إلَى شِرَاءِ مَا عِنْدَهُ فَيُقَرِّبُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الْبَعِيدَ وَيُيَسِّرُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ وَيُعِينُهُمْ عَلَى قَضَاءِ مَآرِبِهِمْ. «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» . وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَمْدَحَ سِلْعَتَهُ، وَلَا يُثْنِيَ عَلَيْهَا بِلَفْظٍ، وَلَا كِنَايَةٍ وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ مُشَاهَدَةُ الْمُشْتَرِي وَغَيْرِهِ لَهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالْغَالِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ عَنْ الْحَدِّ فِي الْإِخْبَارِ بِخِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ فَيَقَعُ عَلَيْهِ الْعَتْبُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَدْحَ الْبَائِعِ لِسِلْعَتِهِ مَعَ صِدْقِهِ فِي ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ -. وَبَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ يَمْدَحُ سِلْعَتَهُ بِالْكَذِبِ، حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ لَيُنَادِي عَلَيْهَا وَيَذْكُرُ لَهَا اسْمًا غَيْرَ اسْمِهَا الْمَعْرُوفِ بَيْنَ النَّاسِ فَمَنْ سَمِعَهُ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ يَظُنُّ أَنَّهُ كَمَا قَالَ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ، مِثَالُهُ مَنْ يَبِيعُ الْفَقُّوسَ يُنَادِي عَلَيْهِ يَا لُوبْيَا فَمَنْ سَمِعَهُ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ صَحِيحٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَسْرِقُ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ قِيلَ: أَيَزْنِي الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ، قِيلَ: أَيَكْذِبُ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: لَا» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ «إنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ» فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذَا

стр. 1035

الذَّمِّ الْعَظِيمِ ثُمَّ يَرْتَكِبُونَهُ لَا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَلَا غَيْرِهَا بَلْ لِلْعَبَثِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ وَعَدَمِ مَنْ يَأْمُرُ أَوْ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ يَتَغَالَى فِي تَغْيِيرِ اسْمِ الشَّيْءِ الَّذِي يَبِيعُهُ فَيُنَادِي عَلَيْهِ بِاسْمٍ بَعِيدٍ مِنْهُ. مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْجُمَّيْزِ: يَا فِرْصَادُ يَا عَسَلَ نَحْلٍ يَا أَحْلَى مِنْ التِّينِ، وَكُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ. وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُ فِي السِّلْعَةِ الَّتِي يَطُوفُ بِهَا مَنَافِعَ يَخْتَلِقُهَا وَيَسْمَعُهَا مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ وَكُلُّهَا عَوَائِدُ اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا وَذَلِكَ مُذْهِبٌ لِلْبَرَكَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبَرَكَةَ تَذْهَبُ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا وَهُوَ الِاسْتِشْرَافُ فَمَا بَالُك بِهَذَا وَأَمْثَالِهِ فَيَجْمَعُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ التَّعَبَ وَالنَّصَبَ وَالْمَشَقَّةَ وَقِلَّةَ الرِّزْقِ لِعَدَمِ الْبَرَكَةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ. وَبَعْضُهُمْ تَكُونُ سِلْعَتُهُ رَدِيئَةً فَيَمْدَحُهَا وَيُثْنِي عَلَيْهَا. مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْكُرَّاثِ وَالْبَقْلِ اللَّذَيْنِ قَدْ ذَبَلَا: كُرَّاثٌ مَلِيحٌ بَقْلٌ مَلِيحٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمَعْهُودَةِ مِنْهُمْ. وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ فَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ حِينَ نِدَائِهِ عَلَى سِلْعَتِهِ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ يُنْهَى عَنْهُ وَيُؤَدَّبُ وَيُزْجَرُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى مَا شُرِعَتْ عَلَيْهِ مِنْ التَّعَبُّدِ لَا أَنَّهَا تُذْكَرُ عَلَى السِّلَعِ حِينَ بَيْعِهَا وَشِرَائِهَا وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِهِ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِيمَا اعْتَادَهُ بَعْضُهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ يَقُولُ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ يُعَوِّضُ عَنْ حِكَايَةِ الْمُؤَذِّنِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُفْسَحَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ يَقُولُ: صَلُّوا عَلَى مُحَمَّدٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ وَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُ بَيْنَ الْكَذِبِ حِينَ نِدَائِهِ عَلَى سِلْعَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ. وَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ. وَاَلَّذِي يَتَعَيَّنُ مِنْ ذَلِكَ تَوْقِيرُ النَّبِيِّ ﷺ وَاحْتِرَامُهُ

стр. 1036

وَتَعْظِيمُهُ بِأَنْ لَا يَذْكُرَ اسْمَهُ، وَلَا يُصَلِّيَ عَلَيْهِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّعَبُّدِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْعَوَائِدِ الْمُتَّخَذَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلسَّلَفِ الْمَاضِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ -. وَتُنْدَبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ فِي الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقِ وَمَوَاضِعِ الْغَفْلَةِ كَمَا أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فِيهَا سِرًّا وَعَلَنًا. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمَنْ ارْتَكَبَ مِنْ الْبَيَّاعِينَ أَوْ الطَّوَّافِينَ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ فَيُؤْمَرُ الْمُشْتَرِي أَنْ يَتَجَنَّبَهُمْ بِعَدَمِ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ لَكِنْ بَعْدَ أَنْ يُعْلِمَهُمْ أَنَّهُ مَا امْتَنَعَ مِنْ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ إلَّا لِأَجْلِ تَعَاطِيهِمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ فِي حَقِّهِمْ بِشَيْئَيْنِ: الْأَوَّلُ: عَدَمُ الْإِعَانَةِ لَهُمْ. وَالثَّانِي: الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ. وَمَنْ سَمِعَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِ مِنْهُمْ يُؤْمَرُ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ فَقَطْ. ثُمَّ إنَّ الْإِنْكَارَ عَلَى مَنْ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ الْمُخَالَفَاتِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ مَنْ قَامَ بِهِ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ. لَكِنْ إنَّمَا يَلْزَمُ الْإِنْكَارُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُفِيدُ وَيُقْبَلُ مِنْهُ. وَيُنْدَبُ لَهُ إذَا ظَنَّ أَنَّهُ يُسْمَعُ مِنْهُ. وَيُكْرَهُ لَهُ أَوْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إذَا عَلِمَ أَنَّ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ يَزِيدُ فِي الْوُقُوعِ فِي تِلْكَ الْمُخَالَفَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِثَالُهُ أَنْ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ فَيَقَعَ فِي مَعْصِيَةٍ أُخْرَى بِأَنْ يَشْتُمَ أَوْ يَقْذِفَ مَنْ نَهَاهُ وَيَشْتُمَهُ وَيَقْذِفَهُ الْآخَرُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ مِنْ بَعْضِهِمْ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ فَلْيُعْرِضْ عَمَّنْ هَذَا حَالُهُ لَكِنْ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُعَوِّضَ عَنْ ذَلِكَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا مُنْكَرٌ " ثَلَاثًا " وَقَدْ تَقَدَّمَ. ثُمَّ إنَّ مِنْ الْبَيَّاعِينَ مَنْ يَقِفُ بِمَوْضِعٍ فِي السُّوقِ أَوْ الطَّرِيقِ فَهَذَا يُمْنَعُ مِنْ فِعْلِهِ وَيُمْنَعُ الشِّرَاءُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ لِلْمُسْلِمِينَ مَوَاضِعَ مُرُورِهِمْ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ إنْ كَانَ الطَّرِيقُ ضَيِّقًا، وَلَوْ لَمْ يُضَيِّقْ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ لِوُسْعِ الطَّرِيقِ فَيُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَضْيِيقِهَا بِكَثْرَةِ الْجُلُوسِ فِيهَا وَلِأَنَّ فِي الشِّرَاءِ مِنْهُ إعَانَةً لَهُ عَلَى مَا يَتَعَاطَاهُ مِمَّا هُوَ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَفِيهِ عَدَمُ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَطُوفُ عَلَى الْبُيُوتِ وَيَدْخُلُ الْأَزِقَّةَ وَيَسْلُكُ الْمَوَاضِعَ الْبَعِيدَةَ مِنْ السُّوقِ فَهَذَا جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَمُرَّ فِي حَاجَتِهِ كَمَا يَمُرُّ غَيْرُهُ وَيُغْتَفَرُ لَهُ الْوُقُوفُ عَلَى بَابِ مَنْ يَبِيعُ لَهُ وَفِي أَثْنَاءِ مُرُورِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ

стр. 1037

وَصِيَانَةِ حَرِيمِهِمْ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْأَسْوَاقِ. لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ أَنْ لَا يَرْتَكِبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الطَّوَّافِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ أَنَّهُ يَبِيعُ لِلْمَرْأَةِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ إلَى مَوْضِعٍ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ مَنْ يَمُرُّ فِي الطَّرِيقِ فَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ فَتَشْتَرِي مِنْهُ فَهَذَا يُمْنَعُ مِنْهُ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَلْوَةٌ بِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ وَهُوَ مُحَرَّمٌ وَإِنْ كَانَا لَمْ يَقْصِدَاهُ وَأَمَّا دُخُولُهُ فِي الْبَيْتِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ وَإِنْ أَذِنَتْ لَهُ وَإِنْ كَانَ فِي حَوْزِهَا. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا وَقَعَتْ السَّلَامَةُ مِمَّا ذُكِرَ أَنْ يَغُضَّ طَرْفَهُ حِينَ بَيْعِهِ لِلْمَرْأَةِ فَلَا يَنْظُرُ إلَّا إلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ أَوْ فِي سِلْعَتِهِ. وَجَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي حَقِّ الطَّوَّافِينَ مُتَعَيَّنٌ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْبَيَّاعِينَ لَهُنَّ مِنْ الْأُجَرَاءِ مِثْلِ مَنْ يَبِيعُ الْكَتَّانَ وَاللَّبَنَ وَالزَّيْتَ الْحَارَّ وَالسَّقَّاءِ وَالطَّحَّانَ. وَمِنْ الصُّنَّاعِ كَالْمُزَيِّنِ وَالْبَنَّاءِ وَالنَّجَّارِ وَالْمُزَرِّبِ وَالْمُبَلِّطِ وَمَنْ شَابَهَهُمْ فَيَتَحَفَّظُ أَنْ يَقَعَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَحْدَثَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ. مِثَالُهُ أَنْ يَأْتِيَ مَنْ يَبِيعُ الْكَتَّانَ فَتَارَةً يَخْلُو بِالْمَرْأَةِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَارَةً تَأْتِي هِيَ وَغَيْرُهَا مِنْ النِّسَاءِ فَيَجْتَمِعْنَ عَلَيْهِ وَيَقَعُ بِسَبَبِ اجْتِمَاعِهِنَّ مَعَهُ وَمُحَادَثَتِهِنَّ لَهُ أَشْيَاءُ مَمْنُوعَةٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُنَّ يَخْرُجْنَ عَلَيْهِ دُونَ حِجَابٍ وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُنَّ عَلَيْهَا الثَّوْبُ الرَّقِيقُ الَّذِي يَصِفُ أَوْ يَشِفُّ أَوْ هُمَا مَعًا وَقَدْ يَكُونُ عَلَيْهَا الثَّوْبُ الْقَصِيرُ دُونَ سَرَاوِيلَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ عَوَائِدِهِنَّ فِي الْوَقْتِ وَمَعَ ذَلِكَ يَزْعُمْنَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَيَخْتَلِقْنَ أَحْكَامًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِنَّ بِأَنْ يَقُلْنَ: إنَّ الْكَتَّانِيَّ وَالسَّقَّاءَ وَمَنْ أَشْبَهَهُمَا لَيْسُوا مِنْ الرِّجَالِ الَّذِينَ يُسْتَحَى مِنْهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّعِينَ لَا يُوقِعُ النَّاسَ بِغَوَايَتِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُخَالَفَةِ حَتَّى يَدُسَّ لَهُمْ فِيهَا مَا يَبْعَثُهُمْ عَلَى قَبُولِهَا مِنْهُ بِأَنْ يُلْقِيَ لَهُمْ وُجُوهًا مِنْ التَّعَالِيلِ. وَهَذِهِ بَلِيَّةٌ قَدْ حَدَثَتْ فِي الْأَكْثَرِ مِنْهُنَّ. مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْأَشْرَافِ مِنْ النِّسَاءِ يَزْعُمْنَ أَنَّهُنَّ لَا يَسْتَحْيِينَ إلَّا مِنْ شَرِيفٍ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا وَبَعْضُ النِّسْوَةِ مِنْ الْأَشْرَافِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ لَا يَحْتَجِبْنَ مِنْ الْغَرِيبِ أَصْلًا وَيَتَحَدَّثْنَ مَعَهُ وَيُطِلْنَ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الْبَسْطِ مِنْهُنَّ مَعَهُ وَيَزْعُمْنَ أَنَّ الْغَرِيبَ

стр. 1038

لَيْسَ مِنْ الرِّجَالِ الَّذِينَ يُسْتَحَى مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَهَا رِيَاسَةٌ فِي الدُّنْيَا أَوْ لِزَوْجِهَا لَا تَسْتَحِي مِنْ الْغِلْمَانِ، وَلَا مِنْ الْعَوَامّ وَيَرَيْنَ بِزَعْمِهِنَّ أَنَّهُمْ أَقَلُّ مِنْ أَنْ يُسْتَحَى مِنْهُمْ. ثُمَّ سَرَى ذَلِكَ إلَى كَثِيرٍ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْوَقْتِ يَزْعُمْنَ أَنَّ الطَّوَّافِينَ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ لَيْسُوا مِنْ الرِّجَالِ الَّذِينَ يُسْتَحَى مِنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا أَمَرَ بِهِ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ حَيْثُ يَقُولُ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠] ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] إلَى آخِرِ الْآيَةِ. فَأَوْقَعَهُنَّ اللَّعِينُ بِتَسْوِيلِهِ فِي الْمُحَرَّمِ بِهَذَا النَّصِّ الصَّرِيحِ وَبِمَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ. ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ رِجَالِهِنَّ الَّذِينَ هُمْ أَرْجَحُ مِنْهُنَّ عَقْلًا وَأَقْوَمُ دِينًا أَنَّهُمْ يَأْتُونَ إلَى بُيُوتِهِمْ فَيَجِدُونَ الْكَتَّانِيَّ وَمَنْ أَشْبَهَهُ مِنْ الطَّوَّافِينَ كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ أَهْلِيهِمْ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْحَدِيثِ، وَلَا يَنْهَوْنَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهَا بَلْ انْغَمَسَ أَكْثَرُهُمْ فِي الْجَهْلِ مَعَ زَعْمِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَجْهَلُونَ وَأَنَّهُمْ عَنْ الطَّرِيقِ الْأَقْوَمِ لَا يَحِيدُونَ فَلَوْ نَبَّهَهُمْ أَحَدٌ مِمَّنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَيْقَظَهُ مِنْ هَذِهِ الْغَمَرَاتِ لَكَانَ الْجَوَابُ أَنْ يَقُولَ: إنِّي لَا أَتَّهِمُ امْرَأَتِي لِمَا أَعْلَمُ مِنْ عِفَّتِهَا وَصِيَانَتِهَا وَأَنَّ الْخِيَانَةَ لَا تَخْطِرُ بِبَالِهَا فَكَيْفَ أَخَافُ عَلَيْهَا. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ دَخَلَ اللَّعِينُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ فَأَوْقَعَهُمْ فِي الْمُخَالَفَاتِ بِسَبَبِ تَحْسِينِ ظَنِّهِمْ بِأَزْوَاجِهِمْ. وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ الظَّنَّ وَصَلَ إلَى حَدِّ الْيَقِينِ لَكَانَ ذَلِكَ مَمْنُوعًا شَرْعًا إذْ إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَلَى ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا وَهَذِهِ عَوَائِدُ قَدْ اسْتَحْكَمَتْ فَكَثُرَ بِسَبَبِهَا الْوُقُوعُ فِي الْمُخَالَفَاتِ حَتَّى إنَّك لَتَجِدُ الرَّجُلَ إذَا طَلَبَتْ مِنْهُ زَوْجَتُهُ الْكَتَّانَ أَوْ الْمَاءَ أَوْ مَا أَشْبَهَهُمَا يَتْرُكُ عِنْدَهَا ثَمَنَ ذَلِكَ حَتَّى يَعْبُرَ عَلَيْهَا الْكَتَّانِيُّ أَوْ السَّقَّاءُ فَتَشْتَرِي مِنْهُ بِنَفْسِهَا، وَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ تَكُونُ وَحْدَهَا فَيَدْخُلُ عَلَيْهَا السَّقَّاءُ

стр. 1039

أَوْ الْكَتَّانِيُّ أَوْ شِبْهُهُمَا فَتَحْصُلُ الْخَلْوَةُ بِهِ، وَنَفْسُ وُقُوعِ الْخَلْوَةِ مُحَرَّمٌ وَعِنْدَهَا وَمَعَهَا تَكْثُرُ الْمَفَاسِدُ حَتَّى لَا يُسْتَبْعَدَ وُقُوعُ الْمَعْصِيَةِ مَعَ أَنَّ دَوَامَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وُقُوعِ الْمَعْصِيَةِ الْكُبْرَى أَشَدُّ وَأَضَرُّ وَذَلِكَ أَنَّ دَوَامَ الْمَعْصِيَةِ وَإِنْ كَانَتْ صُغْرَى أَحَبُّ إلَى اللَّعِينِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ الْكُبْرَى؛ لِأَنَّ النَّاسَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ التَّوْبَةُ مِنْ الْكُبْرَى وَالْإِقْلَاعُ عَنْهَا بِخِلَافِ الصُّغْرَى، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَهَاوَنُونَ بِهَا وَهِيَ مَعَ الدَّوَامِ عَلَيْهَا تَصِيرُ كُبْرَى نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. مِثَالُهُ أَنَّ ابْنَ الْعَمِّ وَمَنْ أَشْبَهَهُ إنْ وَاقَعَ الْمَعْصِيَةَ الْكُبْرَى قَدْ لَا يَدُومُ فَيُزَيِّنُ لَهُ الشَّيْطَانُ تَرْكَهَا حَتَّى تَكْثُرَ مِنْهُ الْمُخَالَفَاتُ بِسَبَبِ دَوَامِ خُرُوجِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مَعَ الْمُحَادَثَةِ وَالْمُمَازَحَةِ وَالْخَلَوَاتِ، وَكَذَلِكَ الْجَارُ وَالْجَارَةُ وَمَنْ تَرَبَّى بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فِي حَالِ الصِّغَرِ، وَلَا تَجِدُ فِي الْغَالِبِ الْفَرْقَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ ذُكِرَ إلَّا سَلَامَةَ مَحَلِّ الْجِمَاعِ وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَيَسْتَوِي فِيهِ الزَّوْجُ وَغَيْرُهُ مَعَ أَنَّهُ عِنْدَ قُرْبِ زَوْجِهَا لَهَا بَعْضُهُمْ يُمَثِّلُ الصُّورَةَ الَّتِي رَآهَا وَتَعَلَّقَ خَاطِرُهُ بِهَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ كُلِّهَا أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْأَوَّلُ - عَدَمُ السُّؤَالِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَمَّا يَلْزَمُ الْمَرْءَ فِي تَصَرُّفِهِ. وَالثَّانِي - اسْتِحْكَامُ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ الْمُحْدَثَةِ حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهَا دِينٌ يُتَدَيَّنُ بِهِ غَالِبًا وَالثَّالِثُ تَحْسِينُ الظَّنِّ بِمَنْ أَخْبَرَ الشَّارِعُ ﵊ عَنْهُ بِأَنَّهُ نَاقِصٌ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ. وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى تَجِدُ بَعْضَهُمْ إذَا حَجَّتْ امْرَأَتُهُ أَطْلَقَ لَهَا السَّبِيلَ فِي الِاجْتِمَاعِ بِمَنْ شَاءَتْ وَالْخُرُوجِ عَلَى مَنْ شَاءَتْ لِتَحْسِينِ ظَنِّهِ بِهَا مِنْ أَجْلِ حَجِّهَا وَالْمَفَاسِدُ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَمَا أَشْبَهَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ لَكِنْ مَا وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ يُغْنِي عَنْ التَّصْرِيحِ بِغَيْرِهِ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ. وَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ ﵀ يَحْكِي عَنْ أَحَدِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ كَانَ كَبِيرَ السِّنِّ وَكَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ عُمْرُهَا مِائَةُ سَنَةٍ أَوْ نَحْوُهَا وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ إذَا جَاءَ يَدُقُّ الْبَابَ خَرَجَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ فَفَتَحَتْ لَهُ فَكَانَ يَوْمًا فِي الدَّرْسِ فَوَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ احْتَاجَ إلَى إحْضَارِ النَّقْلِ

стр. 1040

فِيهَا لِلْجَمَاعَةِ فَجَاءَ عَلَى الْعَادَةِ إلَى بَيْتِهِ لِيَنْظُرَ الْمَسْأَلَةَ فَدَقَّ الْبَابَ فَخَرَجَتْ لَهُ جَارِيَةُ زَوْجَتِهِ الَّتِي رَبَّتْهَا فَفَتَحَتْ لَهُ الْبَابَ فَسَأَلَهَا أَيْنَ فُلَانَةُ " يَعْنِي زَوْجَتَهُ "؟ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا فِي الْحَمَّامِ؛ فَقَالَ لَهَا: اُدْخُلِي الْبَيْتَ وَعُدِّي الْكُتُبَ مِنْ الصَّفِّ الْفُلَانِيِّ فَإِذَا وَصَلْت فِي الْعَدِّ إلَى الْجُزْءِ الْفُلَانِيِّ فَأْتِينِي بِهِ؛ فَقَالَتْ لَهُ: أَلَا تَدْخُلُ فَتَأْخُذُ حَاجَتَك، فَقَالَ لَهَا: وَكَيْفَ أَدْخُلُ وَأَنْتِ فِي الْبَيْتِ؛ فَقَالَتْ لَهُ: أَمِّنِي تَخَافُ؟ فَقَالَ لَهَا: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَخْلُوَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ» وَأَنَا رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ وَأَنْتِ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ فَلَا يُمْكِنُنِي الدُّخُولُ أَوْ كَمَا قَالَ. فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى كِبَرِ سِنِّ هَذَا السَّيِّدِ وَعَمَلِهِ وَصَلَاحِهِ وَإِسَاءَةِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ فَأَيْنَ الْحَالُ مِنْ الْحَالِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. [فَصْلٌ فِي الْمُزَيِّنِ] وَأَمَّا الْمُزَيِّنُ فَمَفَاسِدُهُ كَثِيرَةٌ فِي الْغَالِبِ إلَّا عِنْدَ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ السَّقَّاءَ وَالْكَتَّانِيَّ يُمْكِنُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَأْخُذَ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ اجْتِمَاعِهَا بِهِمَا بِخِلَافِ الْمُزَيِّنِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِمُبَاشَرَتِهِ لَهَا فَإِنْ كَانَتْ فِي الْبَيْتِ وَحْدَهَا فَتَعْظُمُ الْمَفَاسِدُ وَيَكْثُرُ الْخَطَرُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُزَيِّنِ أَنْ يَدْخُلَ إلَى بَيْتٍ يَكُونُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ حَتَّى يَكُونَ مَعَهَا غَيْرُهَا فِيهِ مِنْ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ أَوْ جَمَاعَةِ نِسَاءٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهَا هِيَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ فِي دُخُولِ الْبَيْتِ إلَّا بِحَضْرَةِ أَحَدِ هَؤُلَاءِ وَمَعَ ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً أَمِينًا وَيَغُضَّ طَرْفَهُ مَهْمَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يَنْظُرَ إلَّا لِمَوْضِعِ الضَّرُورَةِ، وَكَذَلِكَ هِيَ. وَيَنْوِي بِمَا يُحَاوِلُهُ مِنْ صَنْعَتِهِ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ وَأَنْ يُسْقِطَ الْحَرَجَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ. وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ إعَانَةَ الْمَلْهُوفِينَ وَالْمُضْطَرِّينَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَهْجُمُ عَلَى بَعْضِهِمْ الدَّمُ فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ لِوَقْتِهِ وَإِلَّا أَفْضَى بِهِ إلَى الْمَوْتِ. وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ إعَانَةَ إخْوَانِهِ عَلَى امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي التَّدَاوِي بِإِخْرَاجِ الدَّمِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ» وَعَدَّ فِيهَا

стр. 1041

شَرْطَةَ مِحْجَمٍ. وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ نِيَّةِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ فِي خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ وَرُجُوعِهِ إلَيْهِ وَتَلَبُّسُهُ بِهَذِهِ النِّيَّاتِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ إذَا بَدَا لَهُ، وَلَا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا. وَيَنْبَغِي مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى بَلْ الْأَوْجَبُ أَنْ تَكُونَ لِلنِّسَاءِ صَانِعَةٌ مُسْلِمَةٌ مُتَجَالَّةٌ تَفْعَلُ لَهُنَّ فِعْلَ الْمُزَيِّنِ حَتَّى لَا يَضْطَرَّهُنَّ الْأَمْرُ إلَيْهِ فَإِنْ تَعَذَّرَتْ فَالصِّبْيَانُ الْمَأْمُونُونَ الَّذِينَ هُمْ دُونَ مُرَاهَقَةِ الْبُلُوغِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَاَلَّذِينَ مِنْ الشُّيُوخِ وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ عَدَمِ الْخَلْوَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَإِذَا كَانَتْ الصَّانِعَةُ هِيَ الَّتِي تُبَاشِرُ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُجْتَنَبَ مِنْهُنَّ مَنْ كَانَتْ شَابَّةً؛ لِأَنَّهَا تَمْشِي وَهِيَ مَكْشُوفَةُ الْوَجْهِ غَالِبًا مُظْهِرَةً لِلزِّينَةِ وَالتَّبَرُّجِ وَالْغَالِبُ عَلَى مَنْ هَذَا حَالُهَا الْوُقُوعُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَلَوْ قَدَّرْنَا سَلَامَتَهَا لَكَانَ تَبَرُّجُهَا عَلَى الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ مُحَرَّمًا فَيُخَافُ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَيْهَا أَنْ تَكْتَسِبَ شَيْئًا مِنْ خِصَالِهَا وَأَحْوَالِهَا الْمَذْمُومَةِ شَرْعًا، وَكَانَ يَتَعَيَّنُ أَنْ لَا تُتْرَكَ شَابَّةٌ تَعْمَلُ هَذَا؛ لِأَنَّهُنَّ يَتَوَصَّلْنَ بِهِ إلَى الْوُقُوعِ فِي الْمُخَالَفَاتِ وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَتُعْجِبُهُ الشَّابَّةُ مِنْهُنَّ فَيُفْتَحُ لَهَا الْبَابَ عَلَى أَنَّهَا تَعْمَلُ لِأَهْلِهِ فَمَا تَشْعُرُ إلَّا وَهِيَ مَعَهُ فِي خَلْوَةٍ فَيُخَافُ مَعَ ذَلِكَ الْوُقُوعُ فِي الْمَعْصِيَةِ الْكُبْرَى وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ هَجْرُ مَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ الصَّوَانِعِ وَمَنْ اسْتَعْمَلَهَا لَمْ يَتَّصِفْ بِهِجْرَانِهَا إذْ إنَّهُ قَدْ أَعَانَهَا وَمَنْ أَعَانَهَا كَانَ شَرِيكًا لَهَا فِيمَا ارْتَكَبَتْهُ مِمَّا يُخَالِفُ الشَّرْعَ الشَّرِيفَ، أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ. وَهَذَا الْحُكْمُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا تُضْطَرُّ الْمَرْأَةُ إلَيْهِ مِنْ خُرُوجِ الدَّمِ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَتُمْنَعُ مِنْهُ. مِثَالُهُ أَنْ تَدْخُلَ الصَّانِعَةُ أَوْ الْمُزَيِّنُ أَوْ غَيْرُهُمَا لَتُفَلِّجَ أَسْنَانَهَا أَوْ تُجَرِّدَهَا لِتَبْيَضَّ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلَوْ فَعَلَتْهُ بِنَفْسِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ هَذَا وَجْهٌ. الْوَجْهُ الثَّانِي: لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَة وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَة وَفِيهِ الْمُغَيِّرَاتِ لِخَلْقِ اللَّهِ» وَهَذَا مِنْهُ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَعَلَى الْمُزَيِّنِ أَيْضًا أَنْ يَجْتَنِبَا مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ ارْتِكَابِ

стр. 1042

الْمُحَرَّمِ فِي كَوْنِ الْمَرْأَةِ يُحَفِّفُهَا الْمُزَيِّنُ وَذَلِكَ مَعْصِيَةٌ كُبْرَى مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ فِيهِ خُرُوجًا عَلَى الْمُزَيِّنِ وَاسْتِمْتَاعًا لَهُ بِهَا إذْ إنَّهُ يُبَاشِرُ بِيَدَيْهِ خَدَّيْهَا وَشَفَتَيْهَا وَذَلِكَ حَرَامٌ كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِثْلُ تَفْلِيجِ الْأَسْنَانِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا اعْتَادَهُ بَعْضُهُنَّ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ خُرُوجِهِنَّ عَلَيْهِ بِالثَّوْبِ الْقَصِيرِ دُونَ السَّرَاوِيلِ وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ وَيَجِبُ تَأْدِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَسَبِ الِاجْتِهَادِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْمُزَيِّنِ قَدْ ارْتَكَبَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا التَّوْبَةُ وَالْإِقْلَاعُ عَنْ هَذِهِ الرَّذَائِلِ الْمَمْنُوعَةِ شَرْعًا وَيَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمَا نَهْيُهُمَا فَإِنْ لَمْ يَرْجِعَا أُدِّبَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فِي ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَدَعَ امْرَأَةً تُحَفِّفُهَا، وَلَا تَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ شَعْرِ حَاجِبَيْهَا، وَلَا تَفْعَلَ هِيَ أَيْضًا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِنَفْسِهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَات وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ يَحْيَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَهُ النَّامِصَةُ فَهِيَ الَّتِي تُزِيلُ الشَّعْرَ مِنْ الْوَجْهِ وَالْمُتَنَمِّصَةُ هِيَ الَّتِي تَطْلُبُ فِعْلَ ذَلِكَ بِهَا وَهَذَا الْفِعْلُ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ: وَالنَّهْيُ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَوَاجِبِ وَمَا فِي أَطْرَافِ الْوَجْهِ. [فَصْلٌ فِي مُعَالَجَةِ الطَّبِيبِ وَالْكَحَّالِ الْكَافِرَيْنِ] (فَصْلٌ) وَأَشَدُّ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْقُبْحِ وَأَشْنَعُ مَا ارْتَكَبَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ مُعَالَجَةِ الطَّبِيبِ وَالْكَحَّالِ الْكَافِرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يُرْجَى مِنْهُمَا نُصْحٌ، وَلَا خَيْرٌ بَلْ يُقْطَعُ بِغِشِّهِمَا وَأَذِيَّتِهِمَا لِمَنْ ظَفِرَا بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَرِيضُ كَبِيرًا فِي دِينِهِ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ هُمَا مَعًا فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ عِنْدَهُمْ فِي دِينِهِمْ أَنَّ مَنْ نَصَحَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا فَقَدْ خَرَجَ عَنْ دِينِهِ وَأَنَّ مَنْ اسْتَحَلَّ السَّبْتَ فَهُوَ مُهْدَرُ الدَّمِ عِنْدَهُمْ حَلَالٌ لَهُمْ سَفْكُ دَمِهِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ رَافَقَهُ يَهُودِيٌّ فِي طَرِيقٍ فَلَمَّا أَنْ عَزَمَ عَلَى مُفَارَقَتِهِ قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: أَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّكُمْ لَا تُبَاشِرُونَ مُسْلِمًا فِي شَيْءٍ إلَّا غَشَشْتُمُوهُ فِيهِ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَقَدْ خَرَجْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَأَنْتَ قَدْ رَافَقْتنِي فِي هَذَا الطَّرِيقِ فَأَيْنَ غِشُّك؟ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ:

стр. 1043

أَمَا رَأَيْتنِي أَرْجِعُ تَارَةً عَنْ يَمِينِك وَتَارَةً عَنْ يَسَارِك؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: مَا وَجَدْت شَيْئًا أَغُشُّك بِهِ إلَّا أَنِّي أُتَابِعُ ظِلَّك وَأَطَأُ بِقَدَمِي عَلَى مَوْضِعِ رَأْسِك مِنْهُ خِيفَةَ أَنْ أَخْرُجَ عَنْ دِينِي. فَإِذَا كَانَ هَذَا أَصْلُ دِينِهِمْ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ فَكَيْفَ يُسْكَنُ إلَى قَوْلِهِمْ أَوْ يُرْجَعُ إلَى وَصْفِهِمْ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ. وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ وَهُوَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي الْوَقْتِ يَسْتَطِبُّ أَهْلَ الْكِتَابِ مَعَ تَحَقُّقِهِ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَيَقُولُ: إنَّهُ لَا يَسْكُنُ إلَى قَوْلِهِمْ بَلْ يَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى عِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَيَكُونُ قَوْلُهُمْ لَهُ تَأْنِيسًا بِسَبَبِ أَنَّهُ يَطَّلِعُ بِمُشَارَكَتِهِ لَهُمْ فِي عِلْمِ الطِّبِّ فَيَعْلَمُ بِذَلِكَ مَا يَصِفُونَهُ لَهُ فَإِنْ كَانَ غِشًّا أَوْ نُصْحًا اطَّلَعَ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ إخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ يَقْتَدُونَ بِهِ فِي مُبَاشَرَةِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ لَهُمْ وَهُمْ لَيْسُوا فِي الْمَعْرِفَةِ مِثْلَهُ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنْ الطِّبِّ أَصْلًا. الْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْغَفْلَةَ عَنْ أَنْ يَدُسُّوا عَلَيْهِ شَيْئًا فِي الْأَدْوِيَةِ وَالْعَقَاقِيرِ الَّتِي يَصِفُونَهَا فَيَسْتَعْمِلَهَا فَتَكُونَ سَبَبًا فِي ضَرَرِهِ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ لَا يُعْطُونَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا مِنْ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي تَضُرُّهُ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَظَهَرَ غِشُّهُمْ وَانْقَطَعَتْ مَادَّةُ مَعَاشِهِمْ لَكِنَّهُمْ يُضِيفُونَ لَهُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ مَا يَلِيقُ بِذَلِكَ الْمَرَضِ وَيُظْهِرُونَ الصَّنْعَةَ فِيهِ وَالنُّصْحَ وَقَدْ يَتَعَافَى الْمَرِيضُ فَيُنْسَبُ ذَلِكَ إلَى حِذْقِ الطَّبِيبِ وَمَعْرِفَتِهِ؛ لِيَقَعَ عَلَيْهِ الْمَعَاشُ كَثِيرًا بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى نُصْحِهِ فِي صَنْعَتِهِ لَكِنَّهُ يَدُسُّ فِي أَثْنَاءِ وَصْفِهِ حَاجَةً لَا يُفْطَنُ لِمَا فِيهَا مِنْ الضَّرَرِ غَالِبًا وَتَكُونُ تِلْكَ الْحَاجَةُ مِمَّا تَنْفَعُ ذَلِكَ الْمَرِيضَ وَيَنْتَعِشُ مِنْهُ فِي الْحَالِ لَكِنَّهُ يَبْقَى الْمَرِيضُ بَعْدَهَا مُدَّةً فِي صِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ فِي آخِرِ الْحَالِ وَقَدْ يَدُسُّ حَاجَةً أُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنَّهُ إنْ جَامَعَ انْتَكَسَ وَمَاتَ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي حَاجَةٍ أُخْرَى يَصِحُّ الْمَرِيضُ بَعْدَ اسْتِعْمَالِهَا لَكِنَّهُ إذَا دَخَلَ الْحَمَّامَ انْتَكَسَ وَمَاتَ. وَقَدْ يَدُسُّ حَاجَةً أُخْرَى فَإِذَا اسْتَعْمَلَهَا الْمَرِيضُ صَحَّ وَقَامَ مِنْ مَرَضِهِ لَكِنْ لَهَا مُدَّةٌ فَإِذَا انْقَضَتْ تِلْكَ

стр. 1044

الْمُدَّةُ عَادَتْ بِالضَّرَرِ عَلَيْهِ وَتَخْتَلِفُ الْمُدَّةُ فِي ذَلِكَ فَمِنْهَا مَا يَكُونُ مُدَّتُهَا سَنَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غِشِّهِمْ وَهُوَ كَثِيرٌ. ثُمَّ يَتَعَلَّلُ عَدُوُّ اللَّهِ بِأَنَّ هَذَا مَرَضٌ آخَرُ دَخَلَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِي فِيهِ حِيلَةٌ فَلَوْ سَلِمَ مِنْهُ لَعَاشَ وَصَحَّ وَيُظْهِرُ التَّأَسُّفَ وَالْحُزْنَ عَلَى مَا أَصَابَ الْمَرِيضَ ثُمَّ يَصِفُ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْيَاءَ تَنْفَعُ لِمَرَضِهِ لَكِنَّهَا لَا تُفِيدُ بَعْدَ أَنْ فَاتَ الْأَمْرُ فِيهِ فَيَنْصَحُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ نُصْحُهُ فَمَنْ يَرَى ذَلِكَ مِنْهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ النَّاصِحِينَ وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْغَاشِّينَ. وَقَدْ قِيلَ: كُلُّ الْعَدَاوَةِ قَدْ تُرْجَى إزَالَتُهَا ... إلَّا عَدَاوَةَ مَنْ عَادَاك فِي الدِّينِ وَقَدْ يَسْتَعْمِلُونَ النُّصْحَ فِي وَصْفِهِمْ، وَلَا يَغُشُّونَ بَعْضَ النَّاسِ بِشَيْءٍ إذَا كَانُوا مِمَّنْ لَا خَطَرَ لَهُمْ فِي الدِّينِ، وَلَا عِلْمَ كَمَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ الْغِشِّ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَنْصَحُوا لَمَا حَصَلَتْ لَهُمْ الشُّهْرَةُ بِالْمَعْرِفَةِ بِالطِّبِّ وَلَتَعَطَّلَ عَلَيْهِمْ مَعَاشُهُمْ وَقَدْ يُتَفَطَّنُ لِغِشِّهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِ مَعْرِفَتِهِمْ وَنُصْحِهِمْ فَيَسْتَعْمِلُونَ ذَلِكَ مَعَ هَذَا الصِّنْفِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ أَعْنِي مَنْ لَا خَطَرَ لَهُ فِي الدِّينِ كَالْعَوَامِّ وَالْعَبِيدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمِنْ غِشِّهِمْ نُصْحُهُمْ لِبَعْضِ مَنْ يُبَاشِرُونَهُ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا لِيَشْتَهِرُوا بِذَلِكَ وَتَحْصُلُ لَهُمْ الْحُظْوَةُ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ كَثِيرٍ مِمَّنْ شَابَهَهُمْ وَيَتَسَلَّطُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَلَى قَتْلِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَهَذَا النَّوْعُ مَوْجُودٌ ظَاهِرٌ. وَقَدْ يَنْصَحُونَ الْعُلَمَاءَ وَالصَّالِحِينَ وَذَلِكَ مِنْهُمْ غِشٌّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِكَيْ تَحْصُلَ لَهُمْ الشُّهْرَةُ وَتَظْهَرَ صَنْعَتُهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِمْ فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى إتْلَافِ مَنْ يُرِيدُونَ إتْلَافَهُ مِنْهُمْ وَهَذَا مِنْهُمْ مَكْرٌ عَظِيمٌ. فَالْحَاصِلُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ أَنَّهُمْ يُظْهِرُونَ صَنْعَتَهُمْ فِي قَوْمٍ لِتَمْشِيَةِ مَعَاشِهِمْ وَيَسْتَعْمِلُونَ دِينَهُمْ فِي آخَرِينَ وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَتَعَيَّنُ أَنْ لَا يُرْكَنَ إلَيْهِ، وَلَا يُسْكَنَ إلَى وَصْفِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا خَطَرٌ عَظِيمٌ إذْ إنَّ كُلَّ صَنْعَةٍ إذَا أَخْطَأَ صَاحِبُهَا فِيهَا قَدْ يُمْكِنُ تَلَافِيهَا إلَّا هَذَا فَإِنَّ الْخَطَأَ فِيهَا إتْلَافٌ لِلنُّفُوسِ وَكُلُّ مَنْ لَهُ عَقْلٌ لَا يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ فَإِنَّ مَنْ خَاطَرَ بِنَفْسِهِ يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ فِي عُمُومِ النَّهْيِ

стр. 1045

فِيمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ. وَقَدْ حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ عِلْمَ الطِّبِّ عَلَى بَعْضِ شُيُوخِ الْمَغَارِبَةِ بِمِصْرَ قَالَ: وَكَانَ بَعْضُ الرُّؤَسَاءِ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ لَهُ طَبِيبٌ يَهُودِيٌّ فَغَضِبَ عَلَيْهِ وَهَجَرَهُ وَطَرَدَهُ فَبَقِيَ الْيَهُودِيُّ يَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِالنَّاسِ وَهُوَ لَا يُقْبِلُ عَلَيْهِ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَاَللَّهِ لَأَذْبَحَنَّهُ ذَبْحًا، فَمَا زَالَ الْيَهُودِيُّ يَتَحَيَّلُ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَصَفَحَ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّهُ مَرِضَ ذَلِكَ الرَّئِيسُ مَرَضًا شَدِيدًا قَالَ: فَكُنْت يَوْمًا أَقْرَأُ عَلَى الشَّيْخِ فِي بَيْتِهِ إذْ جَاءَهُ جَمَاعَةٌ يَطْلُبُونَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُمْ إلَى بَيْتِ الْمَرِيضِ فَأَبَى فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى أَنْعَمَ لَهُمْ فَخَرَجَ مَعَهُمْ وَقَالَ لِي: اجْلِسْ هُنَا حَتَّى آتِي فَمَا هُوَ إلَّا قَلِيلٌ وَرَجَعَ وَهُوَ يُرْعِدُ فَقُلْت: مَا الْخَبَرُ فَقَالَ لِي: سَأَلْتهمْ عَمَّا وَصَفَهُ الْيَهُودِيُّ لَهُ فَوَجَدْته قَدْ ذَبَحَهُ ذَبْحًا فَمَا كُنْت لِأَدْخُلَ عَلَيْهِ إذْ إنَّهُ لَا يُرْتَجَى وَلِئَلَّا يَنْسِبَ الْيَهُودِيُّ ذَلِكَ إلَيَّ وَقَالَ لِي: لَا بَقَاءَ لَهُ بَعْدَ الْيَوْمِ فَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَأَصْبَحَ مَيِّتًا وَهَذَا بَعْضُ تَنْبِيهٍ عَلَى غِشِّهِمْ وَخِيَانَتِهِمْ وَأَحْوَالُهُمْ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ أَوْ تَرْجِعَ إلَى قَانُونٍ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّ الْخَيْرَ يَنْحَصِرُ وَالشَّرَّ لَا يَنْحَصِرُ. فَلْيَنْظُرْ الْعَاقِلُ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْعَاقِلَ مَنْ اتَّعَظَ بِغَيْرِهِ فَكُنْ عَاقِلًا أَوْ مُقَلِّدًا لِلْعُقَلَاءِ وَإِيَّاكَ وَاتِّبَاعَ أَخِي الْجَهَالَةِ فَإِنَّهُ مُؤْذٍ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ. وَبَعْضُ النَّاسِ يَتَحَفَّظُ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَى زَعْمِهِ فَيَأْخُذُ طَبِيبًا مُسْلِمًا وَطَبِيبًا نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا فَيَعْرِضُ مَا يَصِفُهُ الْكَافِرُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ أَيْضًا. وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ - مَا تَقَدَّمَ قَبْلُ مِنْ أَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يَغْفُلُ عَنْ بَعْضِ جُزْئِيَّاتِ مَا وَصَفَهُ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ. الثَّانِي - مَا فِيهِ مِنْ اقْتِدَاءِ الْغَيْرِ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. الثَّالِثُ - مَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِمَا يُعْطِيه لَهُمْ. الرَّابِعُ - مَا فِيهِ مِنْ ذِلَّةِ الْمُسْلِمِ لَهُمْ. الْخَامِسُ - مَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ شَأْنِهِمْ سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَرِيضُ الَّذِي يُبَاشِرُونَهُ رَئِيسًا فَإِنَّهُمْ يَتَفَاخَرُونَ بِمُعَالَجَتِهِ وَيَتَعَزَّزُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ وَصْلَتِهِمْ بِهِ وَالتَّرَدُّدِ لِبَابِهِ وَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ ﵊ بِتَصْغِيرِ شَأْنِهِمْ وَهَذَا عَكْسُهُ. السَّادِسُ - مَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ وَالشَّنَاعَةِ إنْ كَانَ

стр. 1046

الْمَرِيضُ امْرَأَةً مُسْلِمَةً؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ عَدُوُّ اللَّهِ يَتَمَتَّعُ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَيَجُسُّهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُسْلِمَةَ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُظْهِرَ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهَا عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ الْيَهُودِيَّةِ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ مِنْهُنَّ فَمَا بَالُك بِالرَّجُلِ وَقَدْ تَحْتَاجُ الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ إلَى كَشْفِ بَعْضِ بَدَنِهَا لِيَرَى مَوْضِعَ الْأَلَمِ مِنْهَا فَيُبَاشِرُ ذَلِكَ عَدُوُّ اللَّهِ وَعَدُوُّ رَسُولِهِ ﷺ وَهَذَا أَمْرٌ فَظِيعٌ يَقْبُحُ سَمَاعُهُ فَكَيْفَ بِتَعَاطِيهِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا أَنَّ الْكَافِرَ يَصِفُ لِبَعْضِ النَّاسِ زَوْجَةَ الْمُسْلِمِ أَوْ ابْنَتَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خِصَالِهِمْ الْمَذْمُومَةِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ الْغَيْرَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ عَافَانَا اللَّهُ مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ أَجَازَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَشْفَ الْعَوْرَةِ لِلطَّبِيبِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَرِيضُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً. فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مَعَ وُجُودِ الضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو لِمُبَاشَرَةِ الْكَافِرِ مَعَ وُجُودِ الطَّبِيبِ الْمُسْلِمِ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. [فَصْلٌ لَا يَأْخُذَ مِنْ الْأَطِبَّاءِ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ] (فَصْلٌ) فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُتَحَرَّزَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى مَرِيضِهِ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْأَطِبَّاءِ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِهَذَا الشَّأْنِ مِنْ الشُّبَّانِ وَغَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ مَعَهُمْ الْإِجَازَاتُ بِصِنَاعَةِ الطِّبِّ أَوْ الْكُحْلِ أَوْ غَيْرِهِمَا فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُعَوَّلُ عَلَى نَفْسِ مَعْرِفَتِهِ وَدِينِهِ وَتَجْرِبَتِهِ لِلْأُمُورِ وَمَا يَعْتَوِرُهُ فِي صَنْعَتِهِ وَالشُّبَّانُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ كَبِيرُ أَمْرٍ فِي التَّجْرِبَةِ وَالدُّرْبَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْخَطَأَ فِي هَذَا كَبِيرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَخْطَأَ الطَّبِيبُ قَتَلَ أَوْ الْكَحَّالُ أَعْمَى. فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى مَنْ هُوَ أَصْلُحُ فِي الْوَقْتِ مِنْ أَطِبَّاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالتَّجْرِبَةِ وَالدِّينِ فَيُسْكَنُ إلَى وَصْفِهِ. وَمَا وُصِفَ فِي أَمْرِ الطَّبِيبِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ فِي الْكَحَّالِ أَيْضًا إذْ إنَّ الْكَحَّالَ يُبَاشِرُ وَجْهَ الْمَرْأَةِ بِيَدَيْهِ وَيَنْظُرُ لَهَا بِعَيْنَيْهِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا ذَا مَعْرِفَةٍ وَدِينٍ أَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إلَى حَالِ أَهْلِ وَقْتِهِ فِي ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ

стр. 1047

فَيَتَعَيَّنُ تَرْكُ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوُجُوهِ وَلِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمَنُونَ عَلَى حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ أَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يُشْرِفُ مِنْهُ عَلَى بَعْضِ جِيرَانِ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ قَالَ: فَرَأَيْت شَابًّا يَهُودِيًّا دَخَلَ بَيْتًا فِي الرَّبْعِ الَّذِي كَانَ مُشْرِفًا عَلَيْهِ وَكَانَ فِيهِ نِسَاءٌ مُجْتَمَعَاتٌ فَخَرَجَتْ إحْدَاهُنَّ إلَى الْكَحَّالِ وَخَلَا بِهَا فَكَحَّلَ عَيْنَيْهَا ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا مَا يُصِيبُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ " فَلَا أَدْرِي أَرَادَ الْوَطْءَ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ " قَالَ: فَلَمْ أَتَمَالَكْ نَفْسِي حَتَّى أَخَذْت عَصًا وَنَزَلْت إلَى بَابِ الْمَوْضِعِ فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ الْيَهُودِيُّ ضَرَبْته الضَّرْبَ الْمُوجِعَ وَتَوَّبْتُهُ أَنْ لَا يَعُودَ قَالَ: وَلَوْ كَانَ مَعِي غَيْرِي أَشْهَدْت عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ؛ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذَا الْحَالِ مَا أَشْنَعَهُ وَأَقْبَحَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُسْلِمَةَ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَكْشِفَ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ الْكِتَابِيَّةِ فَكَيْفَ بِوُقُوعِ هَذَا الْأَمْرِ الْفَظِيعِ وَكُلُّ ذَلِكَ سَبَبُهُ التَّسَامُحُ وَالتَّغَافُلُ عَنْ التَّوَقِّي مِنْ خُلْطَةِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ وَاسْتِعْمَالِهِمْ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَعَادَ الْأَمْرُ كَمَا تَرَى، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. فَعَلَى هَذَا فَمَنْ اسْتَعْمَلَهُمْ وَأَصَابَهُ شَيْءٌ فِي بَدَنِهِ أَوْ عَيْنَيْهِ كَانَ غَيْرَ مَأْجُورٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي إدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى نَفْسِهِ إذْ إنَّهُمْ لَا يُؤْمَنُونَ. ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْأُنْسِ وَالْوُدِّ لَهُمْ، وَإِنْ قَلَّ إلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الدِّينِ وَمَعَ ذَلِكَ يُخْشَى عَلَى دِينِ بَعْضِ مِنْ يَسْتَطِبُّهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ أَثِقُ بِقَوْلِهِ مِنْ الْإِخْوَانِ أَنَّهُ مَرِضَ عِنْدَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ فَأَبَى الْمَرِيضُ إلَّا أَنْ يُؤْتَى إلَيْهِ بِفُلَانٍ الْيَهُودِيِّ فَجِيءَ بِهِ إلَيْهِ وَبَقِيَ يُوَاظِبُهُ قَالَ: فَرَأَيْت الْيَهُودِيَّ الَّذِي يُبَاشِرُهُ فِي النَّوْمِ وَهُوَ يَقُولُ لِي: دِينُ مُوسَى ﵇ هُوَ الدِّينُ الْقَدِيمُ وَالدِّينُ الَّذِي يَتَعَيَّنُ التَّمَسُّكُ بِهِ فَهُوَ الدِّينُ الْأَقْوَمُ، وَبَقِيَ يُشَنِّعُ وَيَقُولُ قَالَ: فَانْتَبَهْت مِنْ نَوْمِي وَأَنَا مَذْعُورٌ وَالْتَزَمْت أَنْ لَا يَدْخُلَ لِي مَنْزِلًا أَبَدًا وَبَقِيت إذَا لَقِيته فِي طَرِيقٍ أَسْلُكُ غَيْرَهُ وَأَخَافُ أَنْ يَصِلَ إلَيَّ شَيْءٌ مِنْ وَبَالِهِ فَهَذَا قَدْ رُحِمَ بِسَبَبِ أَنَّهُ

стр. 1048

كَانَ مُعْتَنًى بِهِ فَيَخَافُ مَنْ اسْتَطَبَّهُمْ وَلَمْ يَكُنْ مُعْتَنًى بِهِ أَنْ يَهْلِكَ مَعَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا الْخَوْفُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْخَطِرِ لَكَانَ مُتَعَيَّنًا تَرْكُهُ فَكَيْفَ مَعَ وُجُود مَا تَقَدَّمَ. [فَصْلٌ فِي الِاشْتِغَالِ بِطِبِّ الْأَبَدَانِ وَتَكْحِيلُ الْعُيُونِ وَمَعْرِفَةُ الْحِسَابِ] (فَصْلٌ) ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى اشْتِغَالِهِمْ بِتَحْصِيلِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ طِبُّ الْأَبَدَانِ وَتَكْحِيلُ الْعُيُونِ وَمَعْرِفَةُ الْحِسَابِ؛ لِأَنَّهُمْ تَوَصَّلُوا بِسَبَبِهَا إلَى إتْلَافِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ غَالِبًا فِي أَبْدَانِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُهِمُّهُ صَلَاحُ بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ فَإِنْ اعْتَلَّ بَدَنُهُ احْتَاجَ إلَى مُبَاشَرَةِ الطَّبِيبِ لَهُ وَالْكَحَّالِ لِعَيْنَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ احْتَاجَ لِمَنْ يَحْصُرُهُ وَيَحْسِبُهُ وَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الْإِخْلَالَ بِالدِّينِ؛ لِأَنَّهُ بِوُقُوعِ الْخَلَلِ فِي أَحَدِهِمَا يَقَعُ الْخَلَلُ فِي الدِّينِ غَالِبًا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ قَائِمًا فَإِذَا حَصَلَ لَهُ الْخَلَلُ فِي بَدَنِهِ رَجَعَ إلَى الْجُلُوسِ فَإِنْ اشْتَدَّ عَلَيْهِ رَجَعَ إلَى الِاضْطِجَاعِ، وَكَذَلِكَ يُفْطِرُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ. وَكَذَلِكَ الْمُكَلَّفُ يَكُونُ مَعَهُ مَا يَتَسَبَّبُ فِيهِ فِي سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ مِثْلُ الزِّرَاعَةِ وَالتِّجَارَةِ وَغَيْرِهِمَا فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِ بِالظُّلْمِ وَالْغَرَامَةِ يَتَقَرَّبُونَ بِذَلِكَ إلَى مَخْدُومِهِمْ مِنْ الظَّلَمَةِ فَيَضْطَرُّ الْمُتَسَبِّبُ الْمِسْكِينُ إلَى أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْحِيَلَ فِي التَّسَبُّبِ بِسَبَبٍ آخَرَ لِيَقْتَاتَ مِنْهُ فَيَحْصُلَ لَهُ بَطَالَةُ الْوَقْتِ وَخُلُوِّهِ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالْفِكْرِ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ لِشُغْلِهِ بِالْفِكْرَةِ فِي أَمْرِ قُوتِهِ. وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ الرِّفْقُ فِي النَّفَقَةِ، وَلَا الزِّيَادَةُ فِي الْكَسْبِ أَوْ كَمَا قَالَ. فَهَذَا مِنْهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْإِقْلَالَ مِنْ التَّكَسُّبِ فِي الدُّنْيَا أَبْرَكُ وَأَنْجَحُ لِأَجْلِ التَّفَرُّغِ لِلِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَثُرَ عَلَى الْمُكَلَّفِ التَّنَقُّلُ مِنْ سَبَبٍ إلَى سَبَبٍ اشْتَغَلَ بِذَلِكَ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ. وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ﵀ لِمَنْ قَالَ لَهُ: لِمَ تَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ وَكَانَ عَلَى كَتِفِهِ جِرَابٌ؟ فَقَالَ: إلَى بَلَدٍ أَمْلَأُ هَذَا بِدِرْهَمٍ أَوْ كَمَا قَالَ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ السِّعْرَ إذَا رَخُصَ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى كَبِيرِ تَسَبُّبٍ، وَلَا عَمَلٍ فَيَبْقَى الْمَرْءُ مُقْبِلًا عَلَى الِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ آخِرَتِهِ مُعْرِضًا عَمَّا يَشْغَلُهُ عَنْ ذَلِكَ. وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى

стр. 1049

قَالَ أَهْلُ الطَّرِيقِ: مَنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ كُلِّفَ مِنْ الْعَمَلِ أَكْثَرَ مِنْ الْفَقِيرِ الْمُنْقَطِعِ وَمَا ذَاكَ إلَّا؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَمِيلُ مَعَ أَكْثَرِ مَا تَعْمَلُهُ فَإِنْ كَثُرَتْ أَسْبَابُ الدُّنْيَا عَلَيْهَا مَالَتْ إلَيْهَا وَإِنْ كَثُرَ شُغْلُهَا بِأَسْبَابِ الْآخِرَةِ مَالَتْ إلَيْهَا. وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالُوا: إنَّ مَنْ نَقَصَ فِي عَشَائِهِ عَنْ الْمُعْتَادِ أَنَّهُ يُطِيلُ الْقِيَامَ أَوْ يُحْيِي اللَّيْلَ كُلَّهُ ضِدَّ مَا تُرِيدُهُ النَّفْسُ مِنْ الرَّاحَةِ عِنْدَ الشِّبَعِ، فَإِذَا أَطَالَ الْقِيَامَ أَوْ أَحْيَا اللَّيْلَ كُلَّهُ كَانَتْ الطَّاعَةُ أَغْلَبَ عَلَى الْجَوَارِحِ فَتَنْقَادُ النَّفْسُ إلَيْهَا أَكْثَرَ وَيَحْصُلُ لَهُ مَعَ ذَلِكَ فَضِيلَةُ الْجِهَادِ، وَلَا جِهَادَ أَعْظَمُ مِنْ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ لِمَا وَرَدَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «رَجَعْتُمْ مِنْ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» أَوْ كَمَا قَالَ ﵊؛ لِأَنَّ جِهَادَ النُّفُوسِ دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ إذْ إنَّهُ عَمَلٌ بَيْنَ الْمُكَلَّفِ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَبَيْنَ أَهْلِهِ وَإِخْوَانِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ ضَرُورَةٌ دَاعِيَةٌ إلَى مُبَاشَرَتِهِمْ لِوُجُودِ هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ الْكَثِيرَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ؛ لِأَنَّك قَدْ تَجِدُ فِي الْمَدَارِسِ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ مَنْ لَهُ الْيَدُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَقَدْ جُبِلُوا عَلَى الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ لِإِخْوَانِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَكِنَّهَا عَوَائِدُ اُنْتُحِلَتْ وَأَنِسَتْ النُّفُوسُ بِهَا مَعَ وُجُودِ الشَّيْطَانِ الْمُغْوِي وَالْهَوَى الْمُرْدِي أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ. مَعَ أَنَّ أَصْلَ الطِّبِّ إنَّمَا هُوَ بِالتَّجْرِبَةِ وَعَنْهَا أُخِذَ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ طَبِيبٌ مَعْرُوفٌ بِذَلِكَ أَوْ كَحَّالٌ وَقَدْ تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ الْمُشْتَرِينَ لَدَيْهِ الْمَعْرِفَةُ التَّامَّةُ الْجَيِّدَةُ فِي هَذَا الشَّأْنِ وَمَا ذَاكَ إلَّا بِسَبَبِ كَثْرَةِ التَّجَارِبِ فَمَنْ كَثُرَتْ تَجَارِبُهُ كَثُرَتْ مَعْرِفَتُهُ فِيهِ، وَقَدْ تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ الْقَوَابِلِ وَالْعَجَائِزِ يَعْرِفْنَ جُمْلَةً مِنْ ذَلِكَ الْمَعْرِفَةِ الْجَيِّدَةِ وَهَذَا رَاجِعٌ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ كَثْرَةِ التَّجَارِبِ. وَالْغَالِبُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَرْجِعُونَ إلَى اسْتِعْمَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعَ تَيَقُّنِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ أَنَّ الطَّبِيبَ الْكَافِرَ يُبَاشِرُهُمْ وَلَيْسَ فِي عَقْلِهِ

стр. 1050

بِسَبَبِ أَنَّهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَةَ وَيَسْكَرُ بِهَا ثُمَّ يَمْشِي إلَى مَنْ يُبَاشِرُهُمْ مِنْ الْمَرْضَى فَيَصِفُ لَهُمْ مَا يَصِفُ وَهُوَ فِي غَيْرِ وَعْيِهِ، وَلَا يَعْرِفُ مَا زَادَ عَلَى الْمَرِيضِ، وَلَا مَا نَقَصَ، وَلَا مَا قِيلَ لَهُ، وَلَا مَا كَتَبَ أَوْ وَصَفَ وَهَذَا أَمْرٌ خَطَرٌ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ. وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حَيْثُ سَدَّ هَذَا الْبَابَ بِقَوْلِهِ: مَاتَ النَّصْرَانِيُّ وَالسَّلَامُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَكَوْنُهُ أَقَامَهُمْ مِنْ أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: قَدْ أَغْنَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَنْكُمْ وَنَهَى عَنْ اسْتِعْمَالِهِمْ وَمُبَاشَرَتِهِمْ وَأَمَرَ أَنْ لَا يُسَاكِنُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَرْفَعُوا عَلَيْهِمْ جِدَارًا بَلْ يَكُونُوا بِمَعْزِلٍ عَنْهُمْ كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُ لِسَدِّ ذَرِيعَةِ أَنْ يَقَعَ بَعْضُ مَا جَرَى مِنْ الضَّرَرِ مِنْهُمْ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: لُعِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ فَإِنَّهُمْ ... بَلَغُوا بِمَكْرِهِمُو بِنَا الْآمَالَا خَرَجُوا أَطِبَّاءً وَحُسَّابًا لِكَيْ ... يَتَقَسَّمُوا الْأَرْوَاحَ وَالْأَمْوَالَا [فَصْلٌ طِبُّ الْأَبَدَانِ وَالرُّقَى الْوَارِدَةُ] ُ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُلِمَ فَلَا يَخْلُو أَمْرُ الْمَرِيضِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ أَعْلَاهَا وَأَحْسَنُهَا وَأَرْفَعُهَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَالتَّفْوِيضُ إلَيْهِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى سَعَةِ فَضْلِهِ وَعَظِيمِ كَرَمِهِ دُونَ أَنْ يَخْتَلِجَ فِي بَاطِنِهِ شَيْءٌ أَوْ يَسْتَعْمِلَ سَبَبًا ظَاهِرًا بَلْ يَكُونُ كَالْمَيِّتِ عَلَى الْمُغْتَسَلِ بَيْنَ يَدَيْ غَاسِلِهِ، وَهَذَا إنْ وُجِدَ فَهُوَ الْكِبْرِيتُ الْأَحْمَرُ وَهُوَ الَّذِي نُقِلَ عَنْ حَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي، قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي، قَالَ: أَلَا آمُرُ لَك بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي، قَالَ: أَلَا آمُرُ لَك بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِك، قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ إنِّي أَمَرْت بَنَاتِي بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ

стр. 1051

تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا» وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ. وَمِثْلُهُ مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ لَمَّا أَنْ مَرِضَ فَعَادُوهُ وَقَالُوا: أَلَا نَدْعُو لَك بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. وَمِثْلُهُ أَيْضًا مَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ لَمَّا أَنْ قِيلَ لَهُ: أَلَا نَأْتِيك بِالطَّبِيبِ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَوْ عَلِمْت أَنَّ شِفَائِي فِي رَفْعِ يَدِي إلَى شَحْمَةِ أُذُنِي مَا رَفَعْتهَا وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: أَذْنَبْت ذَنْبًا فَأَنَا أَبْكِي عَلَيْهِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، قِيلَ لَهُ: وَمَا هُوَ الذَّنْبُ؟ قَالَ: طَلَعَ لِي طُلُوعٌ؛ فَرَقَيْتُهُ فَاسْتَرَاحَ فَجَعَلَ الرُّقْيَةَ ذَنْبًا يُسْتَغْفَرُ مِنْهُ فَمَا بَالُك بِالطِّبِّ عِنْدَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ السَّنِيَّةِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ. فَهَذِهِ هِيَ الدَّرَجَةُ الْعُلْيَا فَإِنْ عَجَزَ الْمَرِيضُ عَنْ هَذِهِ الدَّرَجَةِ فَلْيَمْتَثِلْ السُّنَّةَ فِي اسْتِعْمَالِ الْأَدْوِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي وَقَعَ النَّصُّ عَلَيْهَا مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ. وَهِيَ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَدْفَعُ الْمَوْتَ لَدَفَعَهُ السَّنَا» وَقَالَ ﵊ «الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إلَّا السَّامَ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ هِيَ الشُّونِيزُ وَهِيَ الْكَمُّونُ الْأَسْوَدُ وَالسَّامُّ الْمَوْتُ. مَعَ أَنَّهُ قَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ: إنَّ الْأَطِبَّاءَ يَقُولُونَ: إنَّهَا تَنْفَعُ لَسَبْعَةَ عَشَرَ مَرَضًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مَحْمُولًا عَلَيْهَا. قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا أَنْ يَسْأَلَ الْأَطِبَّاءَ عَنْهَا فَإِنْ أَخْبَرُوهُ أَنَّهَا تَنْفَعُ لِذَلِكَ الْمَرَضِ اسْتَعْمَلَهَا وَإِلَّا فَلَا أَوْ كَمَا قَالَ. وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ يَأْبَى ذَلِكَ وَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ أَقُولَ بِهَذَا الْقَوْلِ، صَاحِبُ النُّورِ الْأَكْمَلِ ﷺ أَخْبَرَ بِشَيْءٍ فَنَعْرِضُهُ عَلَى رَأْيِ أَصْحَابِ الظُّلْمَةِ. فَقِيلَ لَهُ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَبَيْنَ مَا قَالَتْ الْأَطِبَّاءُ؟ فَقَالَ الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - أَنْ تَكُونَ الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ تَنْفَعُ لِجَمِيعِ الْأَمْرَاضِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ نَظَرَ بِالنُّورِ الْأَكْمَلِ الَّذِي وَهَبَهُ اللَّهُ وَمَنَّ عَلَيْهِ بِهِ فَرَآهَا تَنْفَعُ لِجَمِيعِ الْأَمْرَاضِ، وَأَهْلُ الطِّبِّ نَظَرُوا بِظُلْمَةِ الْفِكْرِ الَّذِي

стр. 1052

عِنْدَهُمْ فَلَمْ يَعْرِفُوا أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ. الْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ كَانَتْ تَنْفَعُ لَسَبْعَةَ عَشَرَ مَرَضًا كَمَا قَالَهُ الْأَطِبَّاءُ ثُمَّ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ تَنْفَعُ لِجَمِيعِ الْأَمْرَاضِ كَمَا خُصَّتْ بِخَصَائِصَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأُمَمِ إكْرَامًا لِلنَّبِيِّ ﷺ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ﵀ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ. لَكِنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى نِيَّةِ الْمَرِيضِ فِيمَا يُحَاوِلُهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ مَا يَصْدُرُ مِنْ الشَّارِعِ ﷺ يُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ وَقُوَّةِ التَّصْدِيقِ، فَعَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ يَنْجَحُ السَّعْيُ وَيَظْفَرُ صَاحِبُهَا بِالْمُرَادِ. وَقَدْ حَكَى سَيِّدِي الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ فِي هَذَا الْمَعْنَى حِكَايَةً فَقَالَ: إنَّ شَابًّا كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَ شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ الزَّيَّاتِ ﵀ فَتَكَلَّمَ يَوْمًا عَلَى الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ وَأَنَّهَا شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَبَيَّنَ ذَلِكَ وَأَوْضَحَهُ وَعَلَّلَهُ فَبَعْدَ أَيَّامٍ انْقَطَعَ الشَّابُّ عَنْ الْمَجْلِسِ ثُمَّ حَضَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلَهُ الشَّيْخُ ﵀ عَنْ مُوجِبِ غَيْبَتِهِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا بِعَيْنَيْهِ فَقَالَ الشَّيْخُ: وَمَا عَمِلْت لَهُمَا؟ فَقَالَ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ، قَالَ: وَكَيْفَ وَجَدْت حَالَك عَلَيْهَا؟ قَالَ: لَمَّا عَمِلْتهَا فِي عَيْنَيَّ كَادَتْ عَيْنَايَ أَنْ تَطِيرَا وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَيَّ وَكَثُرَ الْأَلَمُ فَقُلْت مُخَاطِبًا لَهُمَا: اذْهَبَا أَوْ لَا تَذْهَبَا أَوْجِعَا أَوْ لَا تُوجِعَا فَالشَّيْخُ مَا نَقَلَ إلَّا حَقًّا وَالنَّبِيُّ ﷺ مَا قَالَ إلَّا صِدْقًا أَوْ كَمَا قَالَ؛ فَالْتَفَتَ الشَّيْخُ ﵀ إلَى جُلَسَائِهِ وَقَالَ لَهُمْ: اجْعَلُوا بَالَكُمْ مَنْ مَرِضَ مِنْكُمْ بِالْعَيْنَيْنِ فَلَا يَكْتَحِلُ بِالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَا نَجَّاهُ إلَّا قُوَّةُ يَقِينِهِ فَأَشَارَ الشَّيْخُ ﵀ إلَى أَنَّ الْأَدْوِيَةَ الْمَأْثُورَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْأَصْلُ فِيهَا قُوَّةُ الْيَقِينِ وَالتَّصْدِيقِ فَمَنْ قَوَى يَقِينُهُ سَهُلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَحَصَلَ لَهُ الطِّبُّ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ، وَلَا مَشَقَّةٍ وَمَنْ لَمْ يَقْوَ يَقِينُهُ وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَحْوَالِنَا الْآنَ فَلْيَرْجِعْ إلَى وَصْفِ الْأَطِبَّاءِ الْعَارِفِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُخَلِّي نَفْسَهُ مِنْ التَّدَاوِي بِمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ لِلتَّبَرُّكِ بِهَا فَيَسْتَعْمِلُ عَسَلَ النَّحْلِ وَغَيْرَهُ مِمَّا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ الْمُبَارَكَةِ. وَقَدْ قَالَ ﵊ «مَنْ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ الشَّهْرِ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى

стр. 1053

وَعِشْرِينَ كَانَ لَهُ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ. وَقَالَ ﵊ «إنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْكَيِّ مَكْرُوهٍ بِدَلِيلِ كَيِّ النَّبِيِّ ﷺ أُبَيًّا يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى أَكْحَلِهِ لَمَّا رُمِيَ. وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ كَوَى نَفْسَهُ» حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَالْحَلِيمِيُّ. وَكَوَى سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الَّذِي اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَقَدْ اكْتَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ. وَقَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَعْرَفَ النَّاسِ بِالطِّبِّ فَسُئِلَتْ عَنْ مُوجِبِ ذَلِكَ فَقَالَتْ: مِنْ كَثْرَةِ أَمْرَاضِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى لَهُ: وَحُكِيَ أَنَّ طَبِيبًا عَارِفًا نَصْرَانِيًّا قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: لَيْسَ فِي كِتَابِكُمْ مِنْ عِلْمِ الطِّبِّ شَيْءٌ وَالْعِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمُ الْأَدْيَانِ وَعِلْمُ الْأَبَدَانِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: جَمَعَ اللَّهُ الطِّبَّ فِي نِصْفِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِنَا فَقَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ قَوْلُهُ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ، وَلَا يُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِكُمْ شَيْءٌ مِنْ الطِّبِّ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: رَسُولُنَا ﷺ جَمَعَ الطِّبَّ فِي أَلْفَاظٍ يَسِيرَةٍ؛ فَقَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ «الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ وَالْحِمْيَةُ رَأْسُ كُلِّ دَوَاءٍ وَأَعْطِ كُلَّ جِسْمٍ مَا عَوَّدْته» فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: مَا تَرَكَ كِتَابُكُمْ، وَلَا نَبِيُّكُمْ لِجَالِينُوسَ طِبًّا. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُقَالُ: إنَّ مُعَالَجَةَ الطَّبِيبِ نِصْفَانِ: نِصْفٌ دَوَاءٌ وَنِصْفٌ حِمْيَةٌ، فَإِنْ اجْتَمَعَا فَكَأَنَّك بِالْمَرِيضِ وَقَدْ بَرِئَ وَصَحَّ وَإِلَّا فَالْحِمْيَةُ بِهِ أَوْلَى إذْ لَا يَنْفَعُ دَوَاءٌ مَعَ تَرْكِ الْحِمْيَةِ وَقَدْ تَنْفَعُ الْحِمْيَةُ مَعَ تَرْكِ الدَّوَاءِ. وَلَقَدْ قَالَ ﷺ «أَصْلُ كُلِّ دَوَاءٍ الْحِمْيَةُ» وَالْمَعْنَى بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا تُغْنِي عَنْ كُلِّ دَوَاءٍ. وَلِذَلِكَ يُقَالُ: إنَّ أَهْلَ الْهِنْدِ جُلُّ مُعَالَجَتِهِمْ الْحِمْيَةُ يُمْنَعُ الْمَرِيضُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْكَلَامِ عِدَّةَ أَيَّامٍ فَيَبْرَأُ وَيَصِحُّ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَكْبَرُ الدَّوَاءِ تَقْدِيرُ الْغِذَاءِ. وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا شَافِيًا يُغْنِي عَنْ كُلِّ كَلَامِ الْأَطِبَّاءِ فَقَالَ «مَا مَلَأَ

стр. 1054

ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ حَسْبُ ابْنَ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَوْ سَمِعَ بُقْرَاطُ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ لَعَجِبَ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ. وَقَالُوا: لَيْسَ لِلْبِطْنَةِ أَنْفَعُ مِنْ جَوْعَةٍ تَتْبَعُهَا. وَآكَدُ مَا عَلَى الْمَرِيضِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قُوَّةُ الْيَقِينِ وَالتَّصْدِيقُ نَحْوٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ فَيَمْشِي عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تُؤَثِّرُ بِذَوَاتِهَا، وَلَا بِخَاصِّيَّةٍ فِيهَا بَلْ بِمَحْضِ اعْتِقَادِهِ بِأَنَّهُ لَا فَاعِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِشَيْءٍ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ فِي شَيْءٍ فَالدَّوَاءُ لَا يَنْفَعُ بِنَفْسِهِ بَلْ الشِّفَاءُ وَغَيْرُهُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَخْلُقُهُ عِنْدَهُ إنْ شَاءَ وَيَمْنَعُهُ إنْ شَاءَ وَيُمْرِضُ بِهِ إنْ شَاءَ وَمِثْلُهُ الْخُبْزُ لَا يُشْبِعُ بِنَفْسِهِ وَالْمَاءُ لَا يَرْوِي وَالنَّارُ لَا تُحْرِقُ وَالسِّكِّينُ لَا تَقْطَعُ فَلَوْ شَاءَ أَنْ لَا يُشْبِعَ بِالْخُبْزِ لَفَعَلَ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ لَا يَرْوِيَ بِالْمَاءِ لَفَعَلَ. وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى لَهُ قَالَ خَرَّجَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵀ بِإِسْنَادِهِ إلَى «أَبِي رِمْثَةَ قَالَ أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ مَعَ أَبِي فَرَأَى الَّتِي بِظَهْرِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أُعَالِجُهَا فَإِنِّي طَبِيبٌ؟ قَالَ: لَا أَنْتَ رَفِيقٌ وَاَللَّهُ الطَّبِيبُ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ فِي هَذَا الْخَبَرِ قَالَ: «فَقَالَ لَهُ: أَرِنِي هَذِهِ الَّتِي بِظَهْرِك فَإِنِّي رَجُلٌ طَبِيبٌ؛ قَالَ: اللَّهُ الطَّبِيبُ بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ رَفِيقٌ طَبِيبُهَا الَّذِي خَلَقَهَا» . قَالَ الْحَلِيمِيُّ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْمُعَالِجَ لِلْمَرِيضِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَإِنْ كَانَ حَاذِقًا مُتَقَدِّمًا فِي صَنْعَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُحِيطُ عِلْمًا بِنَفْسِ الدَّوَاءِ وَإِنْ عَرَفَهُ وَمَيَّزَهُ فَلَا يَعْرِفُ مِقْدَارَهُ، وَلَا مِقْدَارَ مَا اسْتَوَى عَلَيْهِ مِنْ بَدَنِ الْعَلِيلِ وَقُوَّتِهِ، وَلَا يُقْدِمُ عَلَى مُعَالَجَتِهِ إلَّا مُصَمِّمًا عَالِمًا بِالْأَغْلَبِ مِنْ رَأْيِهِ وَفَهْمِهِ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ فِي مَنْزِلَةِ الدَّوَاءِ كَمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي عِلْمِ الدَّاءِ فَهُوَ كَذَلِكَ رُبَّمَا يُصِيبُ وَرُبَّمَا يُخْطِئُ وَرُبَّمَا يَزِيدُ فَيَغْلُو وَرُبَّمَا يُنْقِصُ فَيَلْغُو. فَاسْمُ الرَّفِيقِ إذَنْ أَوْلَى بِهِ مِنْ اسْمِ الطَّبِيبِ؛ لِأَنَّهُ يَرْفُقُ بِالْعَلِيلِ فَيَحْمِيه مِمَّا يُخْشَى أَنْ لَا يَتَحَمَّلَهُ بَدَنُهُ وَبِسَقْيِهِ

стр. 1055

مَا يَرَى أَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ. فَأَمَّا الطَّبِيبُ فَهُوَ الْعَالِمُ بِحَقِيقَةِ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ وَالْقَادِرُ عَلَى الصِّحَّةِ وَالشِّفَاءِ وَلَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إلَّا الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ أَحَدٌ سِوَاهُ. ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ﵀: فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنْ لَا طَبِيبَ، وَلَا شَافِيَ، وَلَا مُصَحِّحَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ خَلَقَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ فَهُوَ الطَّبِيبُ فَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَيَنْقَطِعُ إلَيْهِ وَيَعْتَصِمُ بِهِ وَيَلْجَأُ فِي مَرَضِهِ وَصِحَّتِهِ إلَيْهِ ثِقَةً بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ أَيَّامَ الْمَرَضِ وَأَيَّامَ الصِّحَّةِ فَلَوْ حَرَصَ الْخَلْقُ عَلَى تَقْلِيلِ ذَلِكَ أَوْ زِيَادَتِهِ لَمَا قَدَرُوا. قَالَ اللَّهُ ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] ثُمَّ يَتَنَاوَلُ الدَّوَاءَ وَيَسْتَعْمِلُهُ كَمَا يَسْتَعْمِلُ جَمِيعَ الْأَسْبَابِ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ فَإِنَّ اللَّهَ إنْ أَوْصَلَهُ إلَى الدَّوَاءِ بَرِئَ وَإِنْ حَجَبَهُ بِمَانِعٍ يَمْنَعُهُ وَقَدَّرَ بِمَوْتِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ. لَكِنَّهُ مَأْجُورٌ عَلَى مَا أُمِرَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ وَفِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ. قَالَ اللَّهُ الْعَظِيمُ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: «قَالَتْ الْأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَعْ دَاءً إلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً إلَّا دَاءً وَاحِدًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ؟ قَالَ الْهَرَمُ» قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أَصَابَ دَوَاءٌ الدَّاءَ بَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى» هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي إبَاحَةِ الدَّوَاءِ وَالِاسْتِرْقَاءِ وَشُرْبِ الدَّوَاءِ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي خُزَامَةَ بْنِ مَعْمَرٍ قَالَ «سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَأَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا أَتَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ -
следующие страницы →