Полный текст (1 246 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا» وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ.
وَمِثْلُهُ مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ لَمَّا أَنْ مَرِضَ فَعَادُوهُ وَقَالُوا: أَلَا نَدْعُو لَك بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي.
وَمِثْلُهُ أَيْضًا مَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ لَمَّا أَنْ قِيلَ لَهُ: أَلَا نَأْتِيك بِالطَّبِيبِ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَوْ عَلِمْت أَنَّ شِفَائِي فِي رَفْعِ يَدِي إلَى شَحْمَةِ أُذُنِي مَا رَفَعْتهَا وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: أَذْنَبْت ذَنْبًا فَأَنَا أَبْكِي عَلَيْهِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، قِيلَ لَهُ: وَمَا هُوَ الذَّنْبُ؟ قَالَ: طَلَعَ لِي طُلُوعٌ؛ فَرَقَيْتُهُ فَاسْتَرَاحَ فَجَعَلَ الرُّقْيَةَ ذَنْبًا يُسْتَغْفَرُ مِنْهُ فَمَا بَالُك بِالطِّبِّ عِنْدَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ السَّنِيَّةِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ. فَهَذِهِ هِيَ الدَّرَجَةُ الْعُلْيَا
فَإِنْ عَجَزَ الْمَرِيضُ عَنْ هَذِهِ الدَّرَجَةِ فَلْيَمْتَثِلْ السُّنَّةَ فِي اسْتِعْمَالِ الْأَدْوِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي وَقَعَ النَّصُّ عَلَيْهَا مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ. وَهِيَ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَدْفَعُ الْمَوْتَ لَدَفَعَهُ السَّنَا» وَقَالَ ﵊ «الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إلَّا السَّامَ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ هِيَ الشُّونِيزُ وَهِيَ الْكَمُّونُ الْأَسْوَدُ وَالسَّامُّ الْمَوْتُ.
مَعَ أَنَّهُ قَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ: إنَّ الْأَطِبَّاءَ يَقُولُونَ: إنَّهَا تَنْفَعُ لَسَبْعَةَ عَشَرَ مَرَضًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مَحْمُولًا عَلَيْهَا.
قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا أَنْ يَسْأَلَ الْأَطِبَّاءَ عَنْهَا فَإِنْ أَخْبَرُوهُ أَنَّهَا تَنْفَعُ لِذَلِكَ الْمَرَضِ اسْتَعْمَلَهَا وَإِلَّا فَلَا أَوْ كَمَا قَالَ.
وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ يَأْبَى ذَلِكَ وَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ أَقُولَ بِهَذَا الْقَوْلِ، صَاحِبُ النُّورِ الْأَكْمَلِ ﷺ أَخْبَرَ بِشَيْءٍ فَنَعْرِضُهُ عَلَى رَأْيِ أَصْحَابِ الظُّلْمَةِ. فَقِيلَ لَهُ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَبَيْنَ مَا قَالَتْ الْأَطِبَّاءُ؟ فَقَالَ الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - أَنْ تَكُونَ الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ تَنْفَعُ لِجَمِيعِ الْأَمْرَاضِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ نَظَرَ بِالنُّورِ الْأَكْمَلِ الَّذِي وَهَبَهُ اللَّهُ وَمَنَّ عَلَيْهِ بِهِ فَرَآهَا تَنْفَعُ لِجَمِيعِ الْأَمْرَاضِ، وَأَهْلُ الطِّبِّ نَظَرُوا بِظُلْمَةِ الْفِكْرِ الَّذِي
стр. 1052
عِنْدَهُمْ فَلَمْ يَعْرِفُوا أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ كَانَتْ تَنْفَعُ لَسَبْعَةَ عَشَرَ مَرَضًا كَمَا قَالَهُ الْأَطِبَّاءُ ثُمَّ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ تَنْفَعُ لِجَمِيعِ الْأَمْرَاضِ كَمَا خُصَّتْ بِخَصَائِصَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأُمَمِ إكْرَامًا لِلنَّبِيِّ ﷺ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ﵀ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ. لَكِنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى نِيَّةِ الْمَرِيضِ فِيمَا يُحَاوِلُهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ مَا يَصْدُرُ مِنْ الشَّارِعِ ﷺ يُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ وَقُوَّةِ التَّصْدِيقِ، فَعَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ يَنْجَحُ السَّعْيُ وَيَظْفَرُ صَاحِبُهَا بِالْمُرَادِ.
وَقَدْ حَكَى سَيِّدِي الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ فِي هَذَا الْمَعْنَى حِكَايَةً فَقَالَ: إنَّ شَابًّا كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَ شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ الزَّيَّاتِ ﵀ فَتَكَلَّمَ يَوْمًا عَلَى الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ وَأَنَّهَا شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَبَيَّنَ ذَلِكَ وَأَوْضَحَهُ وَعَلَّلَهُ فَبَعْدَ أَيَّامٍ انْقَطَعَ الشَّابُّ عَنْ الْمَجْلِسِ ثُمَّ حَضَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلَهُ الشَّيْخُ ﵀ عَنْ مُوجِبِ غَيْبَتِهِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا بِعَيْنَيْهِ فَقَالَ الشَّيْخُ: وَمَا عَمِلْت لَهُمَا؟ فَقَالَ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ، قَالَ: وَكَيْفَ وَجَدْت حَالَك عَلَيْهَا؟ قَالَ: لَمَّا عَمِلْتهَا فِي عَيْنَيَّ كَادَتْ عَيْنَايَ أَنْ تَطِيرَا وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَيَّ وَكَثُرَ الْأَلَمُ فَقُلْت مُخَاطِبًا لَهُمَا: اذْهَبَا أَوْ لَا تَذْهَبَا أَوْجِعَا أَوْ لَا تُوجِعَا فَالشَّيْخُ مَا نَقَلَ إلَّا حَقًّا وَالنَّبِيُّ ﷺ مَا قَالَ إلَّا صِدْقًا أَوْ كَمَا قَالَ؛ فَالْتَفَتَ الشَّيْخُ ﵀ إلَى جُلَسَائِهِ وَقَالَ لَهُمْ: اجْعَلُوا بَالَكُمْ مَنْ مَرِضَ مِنْكُمْ بِالْعَيْنَيْنِ فَلَا يَكْتَحِلُ بِالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَا نَجَّاهُ إلَّا قُوَّةُ يَقِينِهِ فَأَشَارَ الشَّيْخُ ﵀ إلَى أَنَّ الْأَدْوِيَةَ الْمَأْثُورَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْأَصْلُ فِيهَا قُوَّةُ الْيَقِينِ وَالتَّصْدِيقِ فَمَنْ قَوَى يَقِينُهُ سَهُلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَحَصَلَ لَهُ الطِّبُّ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ، وَلَا مَشَقَّةٍ وَمَنْ لَمْ يَقْوَ يَقِينُهُ وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَحْوَالِنَا الْآنَ فَلْيَرْجِعْ إلَى وَصْفِ الْأَطِبَّاءِ الْعَارِفِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُخَلِّي نَفْسَهُ مِنْ التَّدَاوِي بِمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ لِلتَّبَرُّكِ بِهَا فَيَسْتَعْمِلُ عَسَلَ النَّحْلِ وَغَيْرَهُ مِمَّا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ الْمُبَارَكَةِ.
وَقَدْ قَالَ ﵊ «مَنْ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ الشَّهْرِ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى
стр. 1053
وَعِشْرِينَ كَانَ لَهُ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ.
وَقَالَ ﵊ «إنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْكَيِّ مَكْرُوهٍ بِدَلِيلِ كَيِّ النَّبِيِّ ﷺ أُبَيًّا يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى أَكْحَلِهِ لَمَّا رُمِيَ.
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ كَوَى نَفْسَهُ» حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَالْحَلِيمِيُّ. وَكَوَى سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الَّذِي اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَقَدْ اكْتَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ.
وَقَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَعْرَفَ النَّاسِ بِالطِّبِّ فَسُئِلَتْ عَنْ مُوجِبِ ذَلِكَ فَقَالَتْ: مِنْ كَثْرَةِ أَمْرَاضِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى لَهُ: وَحُكِيَ أَنَّ طَبِيبًا عَارِفًا نَصْرَانِيًّا قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: لَيْسَ فِي كِتَابِكُمْ مِنْ عِلْمِ الطِّبِّ شَيْءٌ وَالْعِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمُ الْأَدْيَانِ وَعِلْمُ الْأَبَدَانِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: جَمَعَ اللَّهُ الطِّبَّ فِي نِصْفِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِنَا فَقَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ قَوْلُهُ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ، وَلَا يُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِكُمْ شَيْءٌ مِنْ الطِّبِّ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: رَسُولُنَا ﷺ جَمَعَ الطِّبَّ فِي أَلْفَاظٍ يَسِيرَةٍ؛ فَقَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ «الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ وَالْحِمْيَةُ رَأْسُ كُلِّ دَوَاءٍ وَأَعْطِ كُلَّ جِسْمٍ مَا عَوَّدْته» فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: مَا تَرَكَ كِتَابُكُمْ، وَلَا نَبِيُّكُمْ لِجَالِينُوسَ طِبًّا.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُقَالُ: إنَّ مُعَالَجَةَ الطَّبِيبِ نِصْفَانِ: نِصْفٌ دَوَاءٌ وَنِصْفٌ حِمْيَةٌ، فَإِنْ اجْتَمَعَا فَكَأَنَّك بِالْمَرِيضِ وَقَدْ بَرِئَ وَصَحَّ وَإِلَّا فَالْحِمْيَةُ بِهِ أَوْلَى إذْ لَا يَنْفَعُ دَوَاءٌ مَعَ تَرْكِ الْحِمْيَةِ وَقَدْ تَنْفَعُ الْحِمْيَةُ مَعَ تَرْكِ الدَّوَاءِ.
وَلَقَدْ قَالَ ﷺ «أَصْلُ كُلِّ دَوَاءٍ الْحِمْيَةُ» وَالْمَعْنَى بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا تُغْنِي عَنْ كُلِّ دَوَاءٍ. وَلِذَلِكَ يُقَالُ: إنَّ أَهْلَ الْهِنْدِ جُلُّ مُعَالَجَتِهِمْ الْحِمْيَةُ يُمْنَعُ الْمَرِيضُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْكَلَامِ عِدَّةَ أَيَّامٍ فَيَبْرَأُ وَيَصِحُّ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَكْبَرُ الدَّوَاءِ تَقْدِيرُ الْغِذَاءِ. وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا شَافِيًا يُغْنِي عَنْ كُلِّ كَلَامِ الْأَطِبَّاءِ فَقَالَ «مَا مَلَأَ
стр. 1054
ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ حَسْبُ ابْنَ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَوْ سَمِعَ بُقْرَاطُ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ لَعَجِبَ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ. وَقَالُوا: لَيْسَ لِلْبِطْنَةِ أَنْفَعُ مِنْ جَوْعَةٍ تَتْبَعُهَا.
وَآكَدُ مَا عَلَى الْمَرِيضِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قُوَّةُ الْيَقِينِ وَالتَّصْدِيقُ نَحْوٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ فَيَمْشِي عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تُؤَثِّرُ بِذَوَاتِهَا، وَلَا بِخَاصِّيَّةٍ فِيهَا بَلْ بِمَحْضِ اعْتِقَادِهِ بِأَنَّهُ لَا فَاعِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِشَيْءٍ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ فِي شَيْءٍ فَالدَّوَاءُ لَا يَنْفَعُ بِنَفْسِهِ بَلْ الشِّفَاءُ وَغَيْرُهُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَخْلُقُهُ عِنْدَهُ إنْ شَاءَ وَيَمْنَعُهُ إنْ شَاءَ وَيُمْرِضُ بِهِ إنْ شَاءَ وَمِثْلُهُ الْخُبْزُ لَا يُشْبِعُ بِنَفْسِهِ وَالْمَاءُ لَا يَرْوِي وَالنَّارُ لَا تُحْرِقُ وَالسِّكِّينُ لَا تَقْطَعُ فَلَوْ شَاءَ أَنْ لَا يُشْبِعَ بِالْخُبْزِ لَفَعَلَ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ لَا يَرْوِيَ بِالْمَاءِ لَفَعَلَ.
وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى لَهُ قَالَ خَرَّجَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵀ بِإِسْنَادِهِ إلَى «أَبِي رِمْثَةَ قَالَ أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ مَعَ أَبِي فَرَأَى الَّتِي بِظَهْرِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أُعَالِجُهَا فَإِنِّي طَبِيبٌ؟ قَالَ: لَا أَنْتَ رَفِيقٌ وَاَللَّهُ الطَّبِيبُ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ فِي هَذَا الْخَبَرِ قَالَ: «فَقَالَ لَهُ: أَرِنِي هَذِهِ الَّتِي بِظَهْرِك فَإِنِّي رَجُلٌ طَبِيبٌ؛ قَالَ: اللَّهُ الطَّبِيبُ بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ رَفِيقٌ طَبِيبُهَا الَّذِي خَلَقَهَا» .
قَالَ الْحَلِيمِيُّ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْمُعَالِجَ لِلْمَرِيضِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَإِنْ كَانَ حَاذِقًا مُتَقَدِّمًا فِي صَنْعَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُحِيطُ عِلْمًا بِنَفْسِ الدَّوَاءِ وَإِنْ عَرَفَهُ وَمَيَّزَهُ فَلَا يَعْرِفُ مِقْدَارَهُ، وَلَا مِقْدَارَ مَا اسْتَوَى عَلَيْهِ مِنْ بَدَنِ الْعَلِيلِ وَقُوَّتِهِ، وَلَا يُقْدِمُ عَلَى مُعَالَجَتِهِ إلَّا مُصَمِّمًا عَالِمًا بِالْأَغْلَبِ مِنْ رَأْيِهِ وَفَهْمِهِ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ فِي مَنْزِلَةِ الدَّوَاءِ كَمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي عِلْمِ الدَّاءِ فَهُوَ كَذَلِكَ رُبَّمَا يُصِيبُ وَرُبَّمَا يُخْطِئُ وَرُبَّمَا يَزِيدُ فَيَغْلُو وَرُبَّمَا يُنْقِصُ فَيَلْغُو. فَاسْمُ الرَّفِيقِ إذَنْ أَوْلَى بِهِ مِنْ اسْمِ الطَّبِيبِ؛ لِأَنَّهُ يَرْفُقُ بِالْعَلِيلِ فَيَحْمِيه مِمَّا يُخْشَى أَنْ لَا يَتَحَمَّلَهُ بَدَنُهُ وَبِسَقْيِهِ
стр. 1055
مَا يَرَى أَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ.
فَأَمَّا الطَّبِيبُ فَهُوَ الْعَالِمُ بِحَقِيقَةِ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ وَالْقَادِرُ عَلَى الصِّحَّةِ وَالشِّفَاءِ وَلَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إلَّا الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ أَحَدٌ سِوَاهُ.
ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ﵀: فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنْ لَا طَبِيبَ، وَلَا شَافِيَ، وَلَا مُصَحِّحَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ خَلَقَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ فَهُوَ الطَّبِيبُ فَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَيَنْقَطِعُ إلَيْهِ وَيَعْتَصِمُ بِهِ وَيَلْجَأُ فِي مَرَضِهِ وَصِحَّتِهِ إلَيْهِ ثِقَةً بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ أَيَّامَ الْمَرَضِ وَأَيَّامَ الصِّحَّةِ فَلَوْ حَرَصَ الْخَلْقُ عَلَى تَقْلِيلِ ذَلِكَ أَوْ زِيَادَتِهِ لَمَا قَدَرُوا.
قَالَ اللَّهُ ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] ثُمَّ يَتَنَاوَلُ الدَّوَاءَ وَيَسْتَعْمِلُهُ كَمَا يَسْتَعْمِلُ جَمِيعَ الْأَسْبَابِ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ فَإِنَّ اللَّهَ إنْ أَوْصَلَهُ إلَى الدَّوَاءِ بَرِئَ وَإِنْ حَجَبَهُ بِمَانِعٍ يَمْنَعُهُ وَقَدَّرَ بِمَوْتِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ. لَكِنَّهُ مَأْجُورٌ عَلَى مَا أُمِرَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ وَفِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ. قَالَ اللَّهُ الْعَظِيمُ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: «قَالَتْ الْأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَعْ دَاءً إلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً إلَّا دَاءً وَاحِدًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ؟ قَالَ الْهَرَمُ» قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أَصَابَ دَوَاءٌ الدَّاءَ بَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى» هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي إبَاحَةِ الدَّوَاءِ وَالِاسْتِرْقَاءِ وَشُرْبِ الدَّوَاءِ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي خُزَامَةَ بْنِ مَعْمَرٍ قَالَ «سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَأَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا أَتَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ -
стр. 1056
فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنْ لَا شَافِيَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ لَا شَافِيَ إلَّا أَنْتَ فَيَعْتَقِدَ الشِّفَاءَ لَهُ وَبِهِ وَمِنْهُ وَأَنَّ الْأَدْوِيَةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ لَا تُوجِبُ شِفَاءً وَإِنَّمَا هِيَ أَسْبَابٌ وَوَسَائِطُ يَخْلُقُ اللَّهُ عِنْدَهَا فِعْلَهُ وَهِيَ الصِّحَّةُ الَّتِي لَا يَخْلُقُهَا أَحَدٌ سِوَاهُ فَكَيْفَ يَنْسِبُهَا عَاقِلٌ إلَى جَمَادٍ مِنْ الْأَدْوِيَةِ أَوْ سِوَاهَا، وَلَوْ شَاءَ رَبُّك لَخَلَقَ الشِّفَاءَ بِدُونِ سَبَبٍ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الدُّنْيَا دَارَ أَسْبَابٍ جَرَتْ السُّنَّةُ فِيهَا بِمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ عَلَى تَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ. وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ جِبْرِيلُ ﷺ وَأَوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ «بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيك وَاَللَّهُ يَشْفِيك» فَبَيَّنَ أَنَّ الرُّقْيَةَ مِنْهُ وَهِيَ سَبَبٌ لِفِعْلِ اللَّهِ وَهُوَ الشِّفَاءُ.
وَهَذِهِ هِيَ الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ أَعْنِي الرُّقَى بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِالْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ وَذَلِكَ سُنَّةٌ.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ ﵀: يُنْهَى عَنْ الرُّقَى إذَا كَانَتْ بِاللُّغَةِ الْعَجَمِيَّةِ أَوْ بِمَا لَا يُدْرَى مَعْنَاهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ كُفْرٌ.
وَلَا بَأْسَ بِالتَّدَاوِي بِالنَّشْرَةِ تُكْتَبُ فِي وَرَقٍ أَوْ إنَاءٍ نَظِيفٍ سُوَرٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ بَعْضُ سُوَرٍ أَوْ آيَاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ مِنْ سُورَةٍ أَوْ سُوَرٍ مِثْلُ آيَاتِ الشِّفَاءِ.
فَقَدْ نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ ﵀ أَنَّ وَلَدَهُ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا قَالَ: حَتَّى أَيِسْتُ مِنْهُ وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَيَّ فَرَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَشَكَوْت لَهُ مَا بِوَلَدِي فَقَالَ لِي: أَيْنَ أَنْتَ مِنْ آيَاتِ الشِّفَاءِ؟ فَانْتَبَهْت فَفَكَّرْت فِيهَا فَإِذَا هِيَ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] . ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] . ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] . ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] . ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] . ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] قَالَ: فَكَتَبْتهَا فِي صَحِيفَةٍ ثُمَّ حَلَلْتهَا بِالْمَاءِ وَسَقَيْته إيَّاهَا فَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ أَوْ كَمَا قَالَ وَمَا زَالَ الْأَشْيَاخُ مِنْ الْأَكَابِرِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَكْتُبُونَ الْآيَاتِ مِنْ الْقُرْآنِ
стр. 1057
وَالْأَدْعِيَةَ فَيُسْقَوْنَهَا لِمَرْضَاهُمْ وَيَجِدُونَ الْعَافِيَةَ عَلَيْهَا.
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيُّ ﵀ لَا تَزَالُ الْأَوْرَاقُ لِلْحُمَّى وَلِغَيْرِهَا عَلَى بَابِ الزَّاوِيَةِ فَمَنْ كَانَ بِهِ أَلَمٌ أَخَذَ وَرَقَةً مِنْهَا فَاسْتَعْمَلَهَا فَيَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَكَانَ الْمَكْتُوبُ فِيهَا (اللَّهُ أَزَلِيٌّ لَمْ يَزَلْ، وَلَا يَزَالُ يُزِيلُ الزَّوَالَ وَهُوَ لَا يُزَالُ، وَلَا حَوْلَ، وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ أَكْثَرَ تَدَاوِيهِ بِالنَّشْرَةِ يَعْمَلُهَا لِنَفْسِهِ وَلِأَوْلَادِهِ وَلِأَصْحَابِهِ فَيَجِدُونَ عَلَى ذَلِكَ الشِّفَاءَ. وَأَخْبَرَ ﵀ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهَا لَهُ فِي الْمَنَامِ. ثُمَّ أَخْبَرَ مَرَّةً ثَانِيَةً أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: مَا تَعْلَمُ مَا أَعْمَلُهُ مَعَك وَمَعَ أَصْحَابِك فِي هَذِهِ النَّشْرَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ خَادِمُهُ ﵀. وَهِيَ هَذِهِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلَى آخِرِ السُّورَةِ. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] . ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] إلَى آخِرِ السُّورَةِ. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] كَامِلَةً. وَالْمُعَوِّذَتَانِ ثُمَّ تَكْتُبُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمُحْيِي وَأَنْتَ الْمُمِيتُ وَأَنْتَ الْخَالِقُ وَأَنْتَ الْبَارِئُ وَأَنْتَ الْمُبْتَلِي وَأَنْتَ الْمُعَافِي وَأَنْتَ الشَّافِي خَلَقْتنَا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ وَجَعَلْتنَا فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ. اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَسْمَائِك الْحُسْنَى وَصِفَاتِك الْعُلْيَا يَا مَنْ بِيَدِهِ الِابْتِلَاءُ وَالْمُعَافَاةُ وَالشِّفَاءُ وَالدَّوَاءُ.
أَسْأَلُك بِمُعْجِزَاتِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ ﷺ وَبَرَكَاتِ خَلِيلِك إبْرَاهِيمَ ﵊ وَحُرْمَةِ كَلِيمِك مُوسَى ﵊ اشْفِهِ) وَأَعْطَاهُ ﵊ نَشْرَةً أُخْرَى لِلْعَيْنِ وَهَذِهِ نُسْخَتُهَا تَكْتُبُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَا ضُرَّ إلَّا ضُرُّك، وَلَا نَفْعَ إلَّا نَفْعُك، وَلَا ابْتِلَاءَ إلَّا ابْتِلَاؤُك، وَلَا مُعَافَاةَ إلَّا مُعَافَاتُك فَأَنْت الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي لَا يُجَاوِزُك ظُلْمُ ظَالِمٍ مِنْ إنْسٍ، وَلَا جِنٍّ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِك التَّامَّةِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ، وَلَا فَاجِرٌ مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ أَسْأَلُك بِصِفَاتِك الْعُلْيَا الَّتِي لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى وَصْفِهَا وَبِأَسْمَائِك الْحُسْنَى الَّتِي لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُحْصِيَهَا وَأَسْأَلُك بِذَاتِك
стр. 1058
الْجَلِيلَةِ وَنُورِ وَجْهِك الْكَرِيمِ وَبَرَكَاتِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ ﷺ خَاتَمِ أَنْبِيَائِك أَنْ تَشْفِيَهُ وَتُعَافِيَهُ وَتَرُدَّ مَا بِهِ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا) وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَكْمَلَ.
وَصِفَةُ اسْتِعْمَالِهَا أَنْ يُكْتَبَ بِزَعْفَرَانٍ فِي إنَاءٍ نَظِيفٍ أَوْ فِي وَرَقَةٍ ثُمَّ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ بِالْمَاءِ أَوْ تُحَلُّ الْوَرَقَةُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَشْرَبُ ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَى الرِّيقِ ثُمَّ يَجْعَلُ يَدَيْهِ فِي الْبَلَلِ الَّذِي بَقِيَ فِي الْإِنَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا مَا أَمْكَنَهُ مِنْ بَدَنِهِ.
وَقَدْ مَرِضَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَمِي إلَى الشَّيْخِ ﵀ وَكَانَ يَرَى فِي مَنَامِهِ أَشْيَاءَ تُرَوِّعُهُ وَيَفْزَعُ مِنْهَا فَشَكَا إلَيْهِ ﵀ مَا بِهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ نَشْرَةً فِي إنَاءٍ نَظِيفٍ بِزَعْفَرَانٍ وَيَشْرَبَهَا عَلَى الرِّيقِ وَهِيَ لِلسِّحْرِ وَالْغَمِّ وَالْأَمْرَاضِ. وَهَذِهِ نُسْخَتُهَا (تُكْتَبُ سُورَةُ يس وَالْوَاقِعَةِ وَالْفَاتِحَةِ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَانِ وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ وَآمَنَ الرَّسُولُ إلَى آخِرِ الْبَقَرَةِ وَقُلْ ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] فَإِذَا شَرِبَهَا يَأْخُذُ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً بَعْدَ أَنْ يَرْقِيَهَا بِرُقْيَةِ الزَّيْتِ الْمَرْقِيِّ وَيَأْكُلَهَا فَإِنَّ السِّحْرَ يَذْهَبُ عَنْهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالزَّيْتُ الْمَرْقِيُّ صِفَتُهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الزَّيْتِ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَهُ فِي إنَاءٍ نَظِيفٍ وَيَأْخُذَ عُودًا أَوْ غَيْرَهُ وَيُحَرِّكَ بِهِ الزَّيْتَ وَيَقْرَأَ عَلَيْهِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ. وَ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلَى آخِرِ السُّورَةِ. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وَ ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] إلَى آخِرِ السُّورَةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ. وَيَكْتُبُ لَهُ مَعَ هَذِهِ النَّشْرَةِ حِرْزًا يُعَلِّقُهُ عَلَيْهِ وَهَذِهِ نُسْخَتُهُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] إلَى آخِرِهَا. ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلَى آخِرِ السُّورَةِ. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] . ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلَى آخِرِ السُّورَةِ
стр. 1059
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] إلَى آخِرِ السُّورَةِ. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] . ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] . ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] . ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] . ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] إلَى آخِرِ السُّورَةِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] إلَى آخِرِ السُّورَةِ. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ. ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] . اللَّهُمَّ لَا حِجَابَ إلَّا حِجَابُك، وَلَا سِتْرَ إلَّا سِتْرُك فَاحْجُبْ عَنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ " بِاسْمِ الشَّخْصِ وَاسْمِ أَبِيهِ " بِفَضْلِك كُلَّ سِحْرٍ وَشَرَّ كُلِّ إنْسٍ وَجَانٍّ وَأَسْأَلُك اللَّهُمَّ بِاسْمِك الْأَعْظَمِ وَكَلِمَاتِك التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ، وَلَا فَاجِرٌ أَنْ تَمْنَعَ بِهَذَا الْحِرْزِ الْمُنَزَّلِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِنْ شَرِّ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَشَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ مَا عُلِمَ مِنْهُ وَمَا لَمْ يَعْلَمْهُ إلَّا أَنْتَ وَسَاكِنِهِ وَجَمِيعِ مَا فِيهِ بِرَحْمَتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلَى يَوْمِ الدِّينِ) فَاسْتَعْمَلَ النَّشْرَةَ الْمَذْكُورَةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ هَذَا الْحِرْزَ الْمَذْكُورَ فَبَرِئَ مِمَّا كَانَ بِهِ. وَالزَّيْتُ الْمَرْقِيُّ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَنْفَعُ لِجَمِيعِ الْأَمْرَاضِ وَأَنَّ صِفَةَ اسْتِعْمَالِهِ أَنْ يَجْلِسَ فِي الشَّمْسِ قَلِيلًا وَيَدْهُنَ بِهِ الْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الْأَلَمُ فَيَبْرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ الْوَجَعُ شَدِيدًا جَعَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ الِادِّهَانِ بِهِ إمَّا الْمَصْطَكَى وَإِمَّا الشُّونِيزُ وَهُوَ الْكَمُّونُ الْأَسْوَدُ بَعْدَ دَقِّهِ.
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِوَجَعِ الْأَسْنَانِ]
ِ مَرِضَ ﵀ بِوَجَعِ الْأَسْنَانِ حَتَّى امْتَنَعَ مِنْ الْأَكْلِ وَالْكَلَامِ بِسَبَبِهِ وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ يَمْرَضُ بِذَلِكَ وَيَتَدَاوَى لَهُ فَوَقَعَ لَهُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَنَّهُ لَا يَتَدَاوَى لَعَلَّهُ يَدْخُلُ بِذَلِكَ مَعَ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَتَرَكَ التَّدَاوِي
стр. 1060
بِهَذِهِ النِّيَّةِ فَزَادَ الْأَمْرُ بِهِ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي مَنَامِهِ فَشَكَا لَهُ مَا بِهِ فَقَالَ لَهُ ﵊: لَوْ عَلِمْت مَا لَك مِنْ الْأَجْرِ مَا شَكَوْت وَلَكِنْ خُذْ السَّعْتَرَ الْبَرِّيَّ وَالْمِلْحَ الْجَيْدَرانِيَّ وَدُقَّ السَّعْتَرَ وَغَرْبِلْهُ بِخِرْقَةٍ وَخُذْ مِنْهُ الثُّلُثَيْنِ وَمِنْ الْمِلْحِ الْجَيْدَرانِيِّ بَعْدَ دَقِّهِ الثُّلُثَ وَاخْلِطْهُمَا مَعًا فَإِذَا جِئْت عِنْدَ النَّوْمِ اسْتَكْ بِخِرْقَةِ صُوفٍ وَإِنْ كَانَتْ تُقَرِّحُ الْأَسْنَانَ لَكِنْ مَا عَلَيْك ثُمَّ ذَرْ عَلَى الْأَسْنَانِ الَّتِي تُؤْلِمُك مِنْهُ قَلِيلًا تَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَفَعَلَ ذَلِكَ فَبَرِئَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ اسْتَعْمَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَبْرَأُ. وَالسَّعْتَرُ الْبَرِّيُّ هُوَ السَّعْتَرُ الشَّامِيُّ وَالْمِلْحُ الْجَيْدَرانِيُّ هُوَ الْمِلْحُ الأندراني.
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلدَّوْخَةِ الَّتِي فِي الرَّأْسِ]
ِ شَكَا بَعْضُ النَّاسِ بِدَوْخَةٍ فِي رَأْسِهِ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ فَأَعْطَاهُ هَذَا الدَّوَاءَ لِهَذَا الْمَرَضِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ قِرْفَةً وَزَنْجَبِيلًا وَقُرُنْفُلًا وَجَوْزَةَ طِيبٍ وَسُنْبُلًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ وَوَزْنُ دِرْهَمَيْنِ مِنْ الشُّونِيزِ يُدَقُّ الْجَمِيعُ ثُمَّ يُطْبَخُ وَيُعْقَدُ بِعَسَلِ النَّحْلِ فَإِذَا قَرُبَ اسْتِوَاؤُهُ عُصِرَ عَلَيْهِ قَلِيلٌ مِنْ اللَّيْمُونِ وَيَكُونُ الْعَسَلُ النَّحْلُ غَالِبًا عَلَيْهِ فَفَعَلَهُ فَبَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلْحَصْبَةِ]
ِ مَرِضَ بَعْضُ الْفُقَرَاءِ بِالْحَصْبَةِ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ فَأَعْطَاهُ هَذَا الدَّوَاءَ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ عَسَلِ النَّحْلِ وَشَيْئًا مِنْ خَلِّ الْعِنَبِ وَشَيْئًا مِنْ الزَّيْتِ الْمَرْقِيِّ وَيَخْلِطُ الْجَمِيعَ وَيَدَّهِنُ بِهِ فَعَمِلَهُ فَبَرِئَ.
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِضَعْفِ الْبَصَرِ]
ِ مَرِضَ بَعْضُ النَّاسِ بِعَيْنَيْهِ مَرَضًا شَدِيدًا حَتَّى إنَّهُ كَانَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَيْهِ بِالنَّهَارِ حَتَّى يُغَطِّيَ عَيْنَيْهِ بِشَيْءٍ يَقِي مِنْ ضَوْءِ النَّهَارِ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ حَجَرَ كُحْلِ الْإِثْمِدِ وَيُحْمِيَهُ
стр. 1061
فِي النَّارِ فَإِذَا حَمِيَ أَخْرَجَهُ وَأَطْفَأَهُ فِي الزَّيْتِ الْمَرْقِيِّ ثُمَّ يَطْحَنُهُ وَيَكْتَحِلَ بِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَبَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِنُزُولِ الدَّمِ وَالْقُولَنْجِ]
ِ مَرِضَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَمِي إلَيْهِ ﵀ بِذَلِكَ فَشَكَا مَا بِهِ لَهُ ﵀ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ فَأَشَارَ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ وَزْنَ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ عَسَلِ النَّحْلِ وَوَزْنَ دِرْهَمٍ وَنِصْفٍ مِنْ الزَّيْتِ الْمَرْقِيُّ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ حَبَّةً مِنْ الشُّونِيزِ وَيَخْلِطَ الْجَمِيعَ ثُمَّ يُفْطِرَ عَلَيْهِ وَيَفْعَلَ مِثْلَهُ عِنْدَ النَّوْمِ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَبْرَأَ وَتُعْمَلُ لَهُ التَّلْبِينَةُ وَيَسْتَعْمِلُهَا بَعْدَ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ صِفَتُهَا. وَيَكُونُ غِذَاؤُهُ مَسْلُوقَةَ الدَّجَاجِ أَوْ لَحْمَ الضَّأْنِ فَجَاءَ إلَى الْمَرِيضِ بَعْضُ مَنْ يَشْتَغِلُ بِالطِّبِّ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَمَا يَتَدَاوَى بِهِ وَمَا هُوَ غِذَاؤُهُ فَأَخْبَرَهُ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَقَالَ لَهُ لَا تَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ غَيْرُ مَعْصُومٍ فَقَالَ لَهُ الْمَرِيضُ: لَا أَقْدِرُ عَلَى تَرْكِ مَا أَشَارَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ رَاجِعْهُ فَإِنْ بَقِيَ عَلَى قَوْلِهِ فَافْعَلْ فَرَاجَعَهُ فَخَرَجَ الْجَوَابُ عَلَى لِسَانِ خَادِمِهِ ﵀ بِأَنَّ الشَّيْخَ انْزَعَجَ وَقَالَ: إنْ أَرَدْت أَنْ تَفْعَلَهُ فَافْعَلْهُ وَإِنْ لَمْ تُرِدْ فَارْمِهِ فِي الْبَحْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ " يَعْنِي نَفْسَهُ " مَا أَعْطَاك شَيْئًا وَإِنَّمَا أَعْطَاكَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَخْبَرْنَاك حَيْثُ جِئْت بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَسَتَلْقَاهَا فَأَقْبَلَ الْمَرِيضُ عَلَى مَا أَشَارَ بِهِ الشَّيْخُ ﵀ فَفَعَلَهُ فَبَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ تَعِبَ فِيهِ الْأَطِبَّاءُ.
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلشَّعْرِ الَّذِي يَخْرُجُ فِي الْعَيْنِ]
ِ اشْتَدَّ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ الشَّعْرُ الَّذِي يَخْرُجُ فِي عَيْنَيْهِ فَشَكَا ذَلِكَ لِلشَّيْخِ ﵀ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُشِيرُ بِأَخْذِ الْإِثْمِدِ وَيَشْوِيه فِي النَّارِ ثُمَّ يَدُقُّهُ وَيَعْجِنُهُ بِالزَّيْتِ الْمَرْقِيِّ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَيَشْوِيه فِي النَّارِ ثُمَّ يَدُقُّهُ وَيَعْجِنُهُ بِالزَّيْتِ
стр. 1062
الْمَذْكُورِ يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَدُقُّهُ وَيَكْتَحِلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا إنْ قَدَرَ فَفَعَلَ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ سَابِعِ مَرَّةٍ جَاءَ لِيَدُقَّهُ فَلَمْ يَقْدِرْ لِكَثْرَةِ رُطُوبَتِهِ وَنُعُومَتِهِ فَعَمِلَ مِنْهُ مِثْلَ الْمِيلِ الَّذِي يُكْتَحَلُ بِهِ وَجَعَلَ يَكْتَحِلُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ كَمَا تَقَدَّمَ فَبَرِئَ وَزَادَ بَصَرُهُ حُسْنًا وَقُوَّةً.
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِضَعْفِ الْمَعِدَةِ]
ِ مَرِضَ بَعْضُ النَّاسِ بِمَعِدَتِهِ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى الرِّيقِ وَزْنَ دِرْهَمٍ مِنْ الْوَرْدِ الْمُرَبَّى وَيَكُونَ مَلْتُوتًا بِالْمُصْطَكَى بَعْدَ دَقِّهَا وَيَجْعَلَ فِيهِ سَبْعَ حَبَّاتٍ مِنْ الشُّونِيزِ يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فَفَعَلَهُ فَبَرِئَ.
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلنَّزْلَةِ]
ِ مَرِضَ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الزُّكَامُ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ الْقِرْفَةَ وَالْفُلَيَّةَ وَبِزْرَ قَطُونَا والكثيراء وَالْأَنِيسُونَ وَالشُّونِيزَ وَأَنْ يَدُقَّ الشُّونِيزَ وَيَخْلِطَ الْجَمِيعَ وَيَشُمَّهُ فَأَخَذَ هَذَا الْجَمِيعَ وَدَقَّهُ وَجَعَلَهُ فِي خِرْقَةٍ وَشَمَّهُ فَبَرِئَ.
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِقَطْعِ الدَّمِ إذَا جَرَى عَقِيبَ السِّقْطِ كَثِيرًا]
وَقَعَ ذَلِكَ لَزَوْجَةِ بَعْضِ النَّاسِ وَكَانَ قَدْ جَرَى لَهَا دَمٌ كَثِيرٌ حَتَّى أَضْعَفَهَا فَشَكَا ذَلِكَ لِلشَّيْخِ ﵀ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى الرِّيقِ عَسَلَ النَّحْلِ بَعْدَ لَتِّهِ بِالشُّونِيزِ يَفْعَلُ ذَلِكَ أُسْبُوعَيْنِ وَيَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْهُ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً يَأْكُلُهَا بَعْدَ مَا يَرْقِيهَا بِرُقْيَةِ الزَّيْتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَيَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ قِرَاءَةَ آيَةِ السِّحْرِ مِنْ الْبَقَرَةِ وَهِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]
стр. 1063
إلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] وَسُورَةِ الْوَاقِعَةِ فَفَعَلَتْ فَصَحَّتْ وَبَرِئَتْ.
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِوَجَعِ الظَّهْرِ]
ِ مَرِضَ بَعْضُ النَّاسِ بِظَهْرِهِ فَشَكَا ذَلِكَ لِلشَّيْخِ ﵀ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَسَلَ النَّحْلَ وَالشُّونِيزَ وَدُهْنَ الْأَلْيَةِ وَالزَّيْتَ الْمَرْقِيَّ وَرَقِيقَ الْبَيْضَةِ وَيَخْلِطَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَمُدَّهُ عَلَى الْمَوْضِعِ وَيَذَرَّ عَلَيْهِ دَقِيقَ الْعَدَسِ بِقِشْرِهِ مَعَ الْحَرْمَلِ بَعْدَمَا يُدَقُّ دَقًّا نَاعِمًا حَتَّى يَعُودَ مِثْلَ الدَّقِيقِ فَفَعَلَهُ فَبَرِئَ.
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلْحَرَارَةِ الَّتِي تَكُونُ تَحْتَ الْقَدَمِ]
ِ مَرِضَ بَعْضُ النَّاسِ بِحَرَارَةٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَشَكَا ذَلِكَ لِلشَّيْخِ ﵀ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَدْهُنَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُؤْلِمُهُ بِدُهْنِ الْوَرْدِ الشَّيْرَجِيِّ وَيَجْعَلَ مَعَهُ خَلَّ عِنَبٍ وَيَجْعَلَهُ فِي الشَّمْسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ أَنْ يَرْقِيَ ذَلِكَ بِرُقْيَةِ الزَّيْتَ الْمُتَقَدِّم ذِكْرُهَا فَأَوَّلُ يَوْمٍ دَهَنَ بِهِ بَرِئَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِسَلَسِ الرِّيحِ]
ِ مَرِضَ بَعْضُ النَّاسِ بِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلشَّيْخِ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الشُّونِيزِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَمِنْ الْخُزَامَى دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا وَمِنْ الْكَمُّونِ الْأَبْيَضِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَمِثْلَهُ مِنْ السَّعْتَرِ الشَّامِيِّ وَمِثْلَهُ مِنْ الْفُلَيَّةِ وَوَزْنَ دِرْهَمٍ مِنْ الْبَلُّوطِ وَهُوَ ثَمَرَةُ الْفُؤَادِ وَأُوقِيَّةً مِنْ الزَّيْتِ الْمَرْقِيِّ وَيَجْعَلَ فِيهِ مِنْ الْعَسَلِ النَّحْلِ مَا يُعْتَدُّ بِهِ وَهُوَ رُبُعُ رِطْلٍ وَيَأْخُذَ مِنْهُ غَدْوَةَ النَّهَارِ وَزْنَ دِرْهَمَيْنِ عَلَى الرِّيقِ وَعِنْدَ النَّوْمِ وَزْنَ دِرْهَمٍ وَنِصْفٍ فَاسْتَعْمَلَهُ فَبَرِئَ ثُمَّ إنَّهُ ﵊ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ فِي النَّوْمِ لِذَلِكَ الشَّخْصِ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهَذَا
стр. 1064
الدَّوَاءِ: إنَّهُ يَنْفَعُ لِأَدْوَاءَ وَهِيَ الرِّيحُ وَسَلَسُ الرِّيحِ وَالْمَعِدَةُ وَبُرُودَتُهَا وَوَجَعُ الْفُؤَادِ وَلِأَلَمِ الْحَيْضِ وَأَلَمِ النِّفَاسِ وَلِتَعَقُّدِ الرِّيَاحِ.
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلشِّدَّةِ إذَا وَقَعَتْ بِالْإِنْسَانِ أَوْ تَوَقَّعَهَا]
وَقَعَ بَعْضُ النَّاسِ فِي شِدَّةٍ كَبِيرَةٍ فَشَكَا ذَلِكَ لِلشَّيْخِ ﵀ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُشِيرُ عَلَى الشَّخْصِ بِأَنْ يُسَبِّحَ مِائَةَ مَرَّةٍ وَيُحَمِّدَ مِائَةَ مَرَّةٍ وَيُكَبِّرَ مِائَةَ مَرَّةٍ وَيَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَيَقُولَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ، ثُمَّ يُصَلِّيَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَيَدْعُوَ بَعْدَهَا بِمَا يَظْهَرُ لَهُ ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقْرَأَ فِي الْخَتْمَةِ خَمْسِينَ آيَةً مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ رَكْعَةً ثُمَّ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ وَهُوَ (اللَّهُمَّ لَا فَرَجَ إلَّا فَرْجُك فَفَرِّجْ عَنَّا كُلَّ شِدَّةٍ وَكُرْبَةٍ يَا مَنْ بِيَدِهِ مَفَاتِيحُ الْفَرَجِ وَاكْفِنَا شَرَّ مَنْ يُرِيدُ ضُرَّنَا مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَادْفَعْهُ عَنَّا بِيَدِك الْقَوِيَّةِ بِإِذْنِك وَقُدْرَتِك إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فَفَعَلَهُ فَذَهَبَتْ تِلْكَ الشِّدَّةُ الَّتِي كَانَ فِيهَا ذَلِكَ الشَّخْصُ وَكَانَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﵊ يَقُولُ فِي النَّوْمِ لِلَّذِي أَخْبَرَهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ: إنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا صَادِقًا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ شِدَّتَهُ فِي يَوْمِهِ، وَلَوْ كَانَتْ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِوَجَعِ الْيَدَيْنِ]
ِ مَرِضَ بَعْضُ النَّاسِ بِوَجَعِ الْيَدَيْنِ فَذَكَرَ لِلشَّيْخِ ﵀ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الزَّيْتِ الْمَرْقِيِّ أُوقِيَّةً وَمِنْ دُهْنِ الْأَلْيَةِ رُبُعَ أُوقِيَّةٍ وَمِنْ دُهْنِ الْبَابُونَجِ رُبُعَ أُوقِيَّةٍ وَمِنْ دُهْنِ الْبَنَفْسَجِ رُبُعَ أُوقِيَّةٍ وَمِنْ عَسَلِ النَّحْلِ رُبُعَ أُوقِيَّةٍ؛ وَتَكُونُ هَذِهِ الْأَدْهَانُ مَرْقِيَّةً بِرُقْيَةِ الزَّيْتِ وَمِنْ الْخُزَامَى دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا وَمِنْ الشُّونِيزِ دِرْهَمَيْنِ وَمِنْ الزَّاجِ دِرْهَمًا وَنِصْفًا وَيَجْعَلَ
стр. 1065
الْكُلَّ عَلَى النَّارِ حَتَّى يَخْتَلِطَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَيَدَّهِنَ بِهِ فَإِنْ زَالَ وَإِلَّا جَعَلَ فِي الْحِنَّاءِ وَطَلَى بِهِ الْيَدَ فَإِنَّهَا تَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِبُرُودَةِ الْمَعِدَةِ]
ِ مَرِضَ بَعْضُ النَّاسِ بِذَلِكَ فَشَكَا لِلشَّيْخِ ﵀ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ أُوقِيَّةً وَنِصْفًا مِنْ عَسَلِ النَّحْلِ وَدِرْهَمَيْنِ مِنْ الشُّونِيزِ وَدِرْهَمَيْنِ مِنْ الْأَنِيسُونِ وَنِصْفَ أُوقِيَّةٍ مِنْ النُّعْنُعِ الْأَخْضَرِ وَمِنْ الْقُرُنْفُلِ نِصْفَ دِرْهَمٍ وَمِنْ الْقِرْفَةِ نِصْفَ دِرْهَمٍ وَشَيْئًا مِنْ قِشْرِ اللَّيْمُونِ مَعَ قَلِيلٍ مِنْ الْخَلِّ وَيَعْقِدَ ذَلِكَ عَلَى النَّارِ فَاسْتَعْمَلَهُ فَبَرِئَ
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلْمَغَصِ]
ِ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ يَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَبِيتَ إلَّا وَيَكُونَ عِنْدَهُ مِنْ الْكَرَاوْيَا شَيْءٌ فَإِنَّهَا تَنْفَعُ لِلرِّيحِ وَالْمَغَصِ وَالْقُولَنْجِ حِينَ اسْتِعْمَالِهَا وَقَدْ جَرَّبَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ فَوَجَدَهُ كَمَا قَالَ
[صِفَةُ دَوَاءٍ يُفْعَلُ لِعُسْرِ النِّفَاسِ]
ِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀: يُكْتَبُ فِي آنِيَةٍ جَدِيدَةٍ (اُخْرُجْ أَيُّهَا الْوَلَدُ مِنْ بَطْنٍ ضَيِّقٍ وَمِنْ تَحْتِ ضِيقٍ إلَى سِعَةِ هَذِهِ الدُّنْيَا اُخْرُجْ بِقُدْرَةِ الَّذِي جَعَلَك فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ. ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] إلَى آخِرِ السُّورَةِ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وَتَشْرَبُهَا النُّفَسَاءُ وَيُرَشُّ مِنْهُ عَلَى وَجْهِهَا. قَالَ ﵀ أَخَذْته عَنْ بَعْضِ السَّادَةِ الْمُبَارَكِينَ فَمَا كَتَبْته لِأَحَدٍ إلَّا نَجَحَ فِي وَقْتِهِ
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلثِّقَلِ]
ِ كَانَ ﵀ إذَا شَكَا لَهُ أَحَدٌ بِمَرَضِ الثِّقَلِ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَأْخُذَ لَبِنَةً مِنْ الطُّوبِ
стр. 1066
النِّيءِ وَيَجْعَلَهَا فِي الْفُرْنِ حَتَّى تَحْمَى ثُمَّ يَخْرُجَهَا وَيَجْعَلَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الْفُلَيَّةِ وَيَأْخُذَ خِرْقَةً فَيَبُلَّهَا بِالْمَاءِ ثُمَّ يَجْعَلَهَا فَوْقَ ذَلِكَ ثُمَّ يَجْلِسَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَيَتَحَمَّلَ حَرَارَتَهَا مَا قَدَرَ عَلَيْهِ إلَى أَنْ تَبْرُدَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَرَّةً فِي كُلِّ يَوْمٍ حَتَّى يَبْرَأَ وَقَدْ جَرَّبَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَبَرِئَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلْبُرُودَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الدِّمَاغِ]
ِ يَأْخُذُ مَنْ يَشْتَكِي ذَلِكَ مِحْجَمَةً طَاهِرَةً فَيَجْعَلُ فِيهَا شَيْئًا مِنْ الرَّمَادِ أَوْ الرَّمْلِ ثُمَّ يَأْخُذَ جَمْرَةً مِنْ النَّارِ فَيَجْعَلَهَا فَوْقَ ذَلِكَ ثُمَّ يَأْخُذَ خِرْقَةً صَغِيرَةً وَيَبُلَّهَا بِالْمَاءِ وَيُدِيرَهَا عَلَى فَمِ الْمِحْجَمَةِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى الْعُضْوُ بِهَا ثُمَّ يَجْعَلَ فَمَ الْمِحْجَمَةِ عَلَى صُدْغِهِ الْأَيْمَنِ وَيَشُدَّ عَلَيْهِ وَيُمِيلَ رَأْسَهُ عَلَيْهَا وَيُمْسِكَ الْمِحْجَمَةَ بِيَدِهِ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَيُمْسِكَهَا بِحَائِلٍ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْحَرَارَةِ إلَى يَدِهِ الَّتِي يُمْسِكُهَا بِهَا يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا كُلَّ مَرَّةٍ بِجَمْرَةٍ حَتَّى تَنْطَفِئَ تِلْكَ الْجَمْرَةُ ثُمَّ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَلَى الصُّدْغِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ كَذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ عَلَى أَعْلَى الْجَبْهَةِ مِنْ وَسَطِهَا ثُمَّ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ عَلَى مَوْضِعِ الْحِجَامَةِ مِنْ الْقَفَا، فَإِنْ بَقِيَ فِي الدِّمَاغِ مِنْ الْبُرُودَةِ شَيْءٌ فَتُعَادُ الْمِحْجَمَةُ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ يَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ جَرَّبَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ فَبَرِئَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَهَذَا يُغْنِي عَنْ أَخْذِ الدَّوَاءِ لِتِلْكَ الْبُرُودَةِ وَعَنْ الْكَيِّ بِالنَّارِ.
فَهَذِهِ هِيَ النَّشْرَةُ وَالْأَدْوِيَةُ الَّتِي يُتَدَاوَى بِهَا، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهَا.
[النَّشْرَةُ الَّتِي يَعْمَلُهَا الْمُعَزِّمُونَ]
وَأَمَّا النَّشْرَةُ الَّتِي يَعْمَلُهَا الْمُعَزِّمُونَ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَتْ فَلَيْسَتْ مِنْ هَذِهِ فِي شَيْءٍ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ، وَلَوْ كَانَ أَكْثَرُ كَلَامِهِمْ مَعْرُوفًا؛ لِأَنَّهُمْ يَتَلَفَّظُونَ مَعَ ذَلِكَ بِلَفْظٍ لَا يُعْرَفُ كَمَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْوَرَقَةِ الَّتِي يَكْتُبُهَا مَنْ انْغَمَسَ فِي الْجَهْلِ فِي آخِرِ جُمُعَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ مَا فِيهَا مَعْرُوفًا لَكِنْ مَنَعُوهَا لِأَجْلِ اللَّفْظَةِ الَّتِي فِيهَا وَهِيَ مَعْلُومَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ﵀: وَمَا يُدْرِيك لَعَلَّهُ كُفْرٌ
стр. 1067
وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ كُلُّ مَا أَشْبَهَهُ مِثْلُ مَنْ يَكْتُبُ فِي وَرَقَةٍ أَوْ يَنْقُشُ فِي شَقَفَةٍ أَوْ فِي جِدَارٍ شَيْئًا بِلَفْظٍ لَا يُعْرَفُ وَيَزْعُمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَدْفَعُ السِّحْرَ أَوْ الْعَيْنَ أَوْ الْبَقَّ أَوْ الْبُرْغُوثَ أَوْ النَّمْلَ أَوْ الْحَيَّةَ أَوْ الْعَقْرَبَ أَوْ الْفَأْرَةَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهُ يَنْفَعُ لِمَا ذَكَرُوهُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ وَإِنْ تَحَقَّقَتْ الْمَنْفَعَةُ فِيهِ.
[التَّدَاوِي بِالْيَسِيرِ مِنْ الْخَمْرِ]
وَقَدْ مَنَعَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ التَّدَاوِي بِالْيَسِيرِ مِنْ الْخَمْرِ، وَكَذَلِكَ التَّدَاوِي بِالنَّجَاسَاتِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا» فَحُصُولُ الشِّفَاءِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْأَدْوِيَةِ الْجَائِزِ اسْتِعْمَالُهَا مَظْنُونٌ فَكَيْفَ يَسُوغُ أَنْ يُعْمَدَ إلَى فِعْلِ شَيْءٍ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شِفَاءٌ هَذَا بَعِيدٌ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الْإِيمَانِ.
وَأَمَّا النَّفْثُ عَقِيبَ الرَّقْيِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ وَفَائِدَةُ النَّفْثِ التَّبَرُّكُ بِتِلْكَ الرُّطُوبَةِ أَوْ الْهَوَاءِ أَوْ النَّفَسِ الْمُبَاشِرِ لِلرُّقْيَةِ وَالذِّكْرِ الْحَسَنِ كَمَا يُتَبَرَّكُ بِغُسَالَةِ مَا يُكْتَبُ مِنْ الذِّكْرِ وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى.
وَكَانَ مَالِكٌ ﵀ يَنْفُثُ إذَا رَقَى نَفْسَهُ وَكَانَ يَكْرَهُ الرُّقْيَةَ بِالْحَدِيدَةِ وَالْمِلْحِ الَّذِي يُعْقَدُ وَاَلَّذِي يَكْتُبُ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ وَالْعَقْدُ عِنْدَهُ أَشَدُّ كَرَاهَةً لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُشَابَهَةِ السِّحْرِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا قَرَصَ أَحَدَهُمْ ثُعْبَانٌ أَوْ عَقْرَبٌ أَخَذُوا سِكِّينًا وَجَعَلُوهَا عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَصَلَ السُّمُّ إلَيْهِ وَذَلِكَ يُعْرَفُ بِقَوْلِ الْمَلْسُوعِ وَيُمِرُّونَهَا عَلَى بَدَنِ الْمَلْسُوعِ إلَى مَوْضِعِ اللَّسْعَةِ وَيَتَكَلَّمُونَ حِينَئِذٍ بِكَلَامٍ أَعْجَمِيٍّ لَا يُعْرَفُ.
وَمِنْ ذَلِكَ الطَّاسَةُ الَّتِي يَعْمَلُهَا بَعْضُهُمْ أَوْ الْإِنَاءُ وَقَدْ صَوَّرُوا فِيهَا تَصَاوِيرَ مَمْنُوعَةً وَيَعْمَلُونَ فِيهَا الْمَاءَ وَيَسْقُونَهُ لِلْمَلْسُوعِ أَوْ مَنْ عَضَّهُ كَلْبٌ وَذَلِكَ كُلُّهُ لَا يَسُوغُ؛ لِأَنَّ التَّصَاوِيرَ مُحَرَّمَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ الشِّفَاءُ فِيهِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ تَكَلَّمَ فِي مَجْلِسِهِ فَقَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رُقَى أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ
стр. 1068
اللَّهِ ﷺ أَحْيَانًا تُوجِعُنِي عَيْنِي فَآتِي إلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ فَيَرْقِيهَا فَأَسْتَرِيحُ أَوْ كَمَا. قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إنَّ الشَّيْطَانَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى عَيْنِك فَيُوجِعُهَا ثُمَّ يُوَسْوِسُ لَك حَتَّى تَأْتِيَ إلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَتَكَلَّمَ بِكَلَامِهِ رَفَعَ الشَّيْطَانُ يَدَهُ عَنْ عَيْنِك أَوْ كَمَا قَالَ وَنَهَاهُ عَنْ أَنْ يَعُودَ لِمِثْلِهَا» لَقَدْ فَتَحَ ﵁ الْبَابَ وَأَوْضَحَ وَبَيَّنَ كَيْفِيَّةَ تَلَقِّي أَمْرِ الشَّارِعِ ﵊ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ عَنْ رَبِّهِ وَذَلِكَ مِنْهُ ﵊ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِوَحْيِ إلْهَامٍ وَإِمَّا بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ وَكِلَاهُمَا يَتَعَيَّنُ قَبُولُهُ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا جَرَى فِي قِصَّةِ «الَّذِي شَكَا لِلنَّبِيِّ ﷺ بَطْنَ أَخِيهِ فَأَمَرَهُ ﵊ أَنْ يَسْقِيَهُ عَسَلًا فَفَعَلَ، ثُمَّ شَكَا لَهُ فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا فَفَعَلَ، ثُمَّ شَكَا لَهُ فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا فَفَعَلَ، ثُمَّ شَكَا لَهُ فَقَالَ ﵊ صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك اسْقِهِ عَسَلًا فَسَقَاهُ فَبَرِئَ» .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ فِي مَعْنَى ذَلِكَ: إنَّ الْعَسَلَ الَّذِي شَرِبَهُ الْمَرِيضُ بِبَطْنِهِ كَانَ فِيهِ الشِّفَاءُ فَلَمْ يَزَلْ يُخْرِجُ مَادَّةَ الْمَرَضِ حَتَّى لَمْ يُبْقِ شَيْئًا فَحِينَئِذٍ انْقَطَعَ انْطِلَاقُ بَطْنِهِ وَكَانَ الَّذِي ظَهَرَ لِأَخِيهِ أَنَّ الْعَسَلَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِسَبَبِهِ شِفَاءٌ وَكَانَ الشِّفَاءُ قَدْ حَصَلَ
[فَصْلٌ فِي الطَّبِيبِ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الْمَسْجِدِ]
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الْمَسْجِدِ أَنْ يَنْوِيَ تِلْكَ النِّيَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي حَقِّ الْعَالِمِ حِينَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ عِلْمَانِ: عِلْمُ الْأَدْيَانِ وَعِلْمُ الْأَبَدَانِ، وَكِلَاهُمَا إذَا تَخَلَّصَتْ النِّيَّةُ فِيهِ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ فَيَدْخُلُ فِي عَمَلِهِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يُرِيدُ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنْ الدُّنْيَا وَيَنْوِي بِذَلِكَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ فِي التَّطَبُّبِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ إعَانَةِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَكَشْفِ الْكَرْبِ عَنْهُمْ وَمُشَارَكَتِهِمْ فِي مَصَائِبِهِمْ وَالنَّوَازِلِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ.
وَيَنْوِي السَّتْرَ عَلَى عَوْرَاتِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَطَّلِعُ إلَّا عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِمَّا دَعَتْ الضَّرُورَةُ الشَّرْعِيَّةُ إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ.
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى يُؤْمَرُ الْمَرِيضُ وَمَنْ
стр. 1069
تَوَلَّى أَمْرَهُ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَا إلَّا مَنْ يُرْتَضَى حَالُهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
وَيَنْوِي الشَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ أَعْطَاهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا وَأَخَذَهُ فَيَأْخُذُهُ بِنِيَّةِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ كَمَا مَضَى فِي حَقِّ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ فِي كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِمَا الْمَعْلُومِ وَتَرْكِهِ وَانْقِطَاعِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي بَابِهِ.
فَالطَّبِيبُ مُشَارِكٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. أَعْنِي فِي مُبَاشَرَتِهِ مَنْ يُعْطِيهِ وَمَنْ لَا يُعْطِيهِ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ عِنْدَهُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ بَلْ يَكُونُ الَّذِي لَا يُعْطِيه عِنْدَهُ أَعْظَمَ؛ لِأَنَّهُ تَمَحَّضَ لِلَّهِ تَعَالَى وَانْتَفَتْ عَنْهُ حُظُوظُ النَّفْسِ. ثُمَّ يُضِيفُ إلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ النِّيَّاتِ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ لِيَتَضَاعَفَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الثَّوَابُ وَذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى مَا مَرَّ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ تَرَكَ كُلَّ مَا هُوَ فِيهِ وَاشْتَغَلَ بِأَدَاءِ فَرْضِ رَبِّهِ .
وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمَرِيضِ وَعَلَى وَلِيِّهِ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَا مِنْ الْأَطِبَّاءِ إلَّا مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِالدِّينِ وَالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِمَا يَصِفُهُ فِي مُهَجِ الْمَرْضَى. وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا جَلَسَ عِنْدَ الْمَرِيضِ أَنْ يُؤْنِسَهُ بِبَشَاشَةِ الْوَجْهِ وَطَلَاقَتِهِ وَيُهَوِّنَ عَلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْمَرَضِ وَيَقْصِدَ بِذَلِكَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ أَحْكَمَتْ أَنَّ الْمَرِيضَ يُطَوِّلُ لَهُ الزَّائِرُ فِي أَجَلِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ
[فَصْلٌ لَا يَقْعُدَ مَعَ الطَّبِيبِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُظَنُّ الْمَرِيضَ لَا يُرِيدُ مجالسته]
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْعُدَ مَعَ الطَّبِيبِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ أَنَّ الْمَرِيضَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ بِهِ أَمْرَاضٌ لَا يُرِيدُ أَنْ يُطْلِعَ عَلَيْهَا أَحَدًا سِيَّمَا الْعُلَمَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ «مِنْ كُنُوزِ الْبِرِّ كِتْمَانُ الْمَصَائِبِ» فَإِذَا اُضْطُرُّوا إلَى ذِكْرِ مَا نَزَلَ بِهِمْ اقْتَصَرُوا فِيهِ عَلَى الطَّبِيبِ خَاصَّةً وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ الْمَاضِيَةِ بَيْنَ الْأُمَّةِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّقَلِّيُّ ﵀: الشَّكْوَى كُلُّهَا مَذْمُومَةٌ إلَّا لِثَلَاثٍ: طَالِبِ عِلْمٍ يَشْكُو إلَى عَالِمٍ دَاءَ فَهْمِهِ، وَمُرِيدٍ يَشْكُو إلَى شَيْخِهِ دَاءَ قَلْبِهِ، وَعَلِيلٍ يَشْكُو إلَى طَبِيبٍ دَاءَ بَدَنِهِ.
فَعَلَى هَذَا فَغَيْرُ الطَّبِيبِ لَا مَعْنَى لِاطِّلَاعِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ
стр. 1070
ذَلِكَ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الطَّبِيبِ مَنْ هُوَ مُبَاشِرٌ لِلْمَرِيضِ وَعَالِمٌ بِحَالِ مَرَضِهِ وَالْمَرِيضُ لَا يَسْتَحْيِ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ فَلَا بَأْسَ إذَنْ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الطَّبِيبُ أَمِينًا عَلَى أَسْرَارِ الْمَرْضَى فَلَا يُطْلِعُ أَحَدًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمَرِيضُ إذْ إنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي اطِّلَاعِ غَيْرِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ أَذِنَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ الْمَرِيضِ فِي أَمْرِهِ بِذَلِكَ اسْتِجْلَابَ خَوَاطِرِ الْإِخْوَانِ وَمَنْ يَتَبَرَّكُ بِدُعَائِهِ لَهُ بِظَهْرِ الْغَيْبِ فَهَذَا مُسْتَثْنًى مِمَّا تَقَدَّمَ.
وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يُشَهِّيَ الْمَرِيضَ فِي الْأَغْذِيَةِ ثُمَّ يَنْظُرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمَرِيضُ فَإِنْ رَأَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَنْفَعَةً لَهُ أَوْ عَدَمَ ضَرَرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ حَالًا أَوْ مَآلًا وَسَّعَ لَهُ فِيهِ وَإِنْ رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ، وَلَا نَفْعٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يُسَامِحَهُ فِيهِ فَرُبَّمَا اشْتَهَتْ نَفْسُ الْمَرِيضِ شَيْئًا وَيَكُونُ سَبَبًا لِرَاحَتِهَا وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِكَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، وَإِنْ رَأَى أَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَدَلَ عَنْهُ لِغَيْرِهِ وَتَلَطَّفَ بِالْمَرِيضِ فِي مَنْعِهِ لَهُ مِنْهُ وَمَعَ ذَلِكَ يَعِدُهُ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ تَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ وَلِئَلَّا يَنْزَعِجَ فَيَزِيدَ مَرَضُهُ.
وَيُقَالُ: إنَّ النَّفْسَ أَعْرَفُ بِمَا يُصْلِحُهَا مِنْ الطَّبِيبِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فَيَكُونُ الطَّبِيبُ يُرَاعِي هَذَا الْمَعْنَى وَمَا أَشْبَهَهُ مَعَ وُجُودِ التَّلَطُّفِ بِالْمَرِيضِ وَالْإِشْفَاقِ عَلَيْهِ. فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ وَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ «اللَّهُ الطَّبِيبُ، بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ رَفِيقٌ» وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يَنْظُرَ فِي حَالِ الْمَرِيضِ فَإِنْ كَانَ مَلِيًّا أَعْطَاهُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ وَإِنْ كَثُرَتْ النَّفَقَةُ فِيهَا وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا أَعْطَاهُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ مَا تَصِلُ قُدْرَتُهُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ وَلَا مَشَقَّةٍ، وَهَذَا النَّوْعُ مَوْجُودٌ كَثِيرٌ
[فَصْلٌ عَلَى الطَّبِيبِ حِينَ جُلُوسِهِ عِنْدَ الْمَرِيضِ أَنْ يَتَأَنَّى عَلَيْهِ]
(فَصْلٌ) وَمِنْ آكَدِ مَا عَلَى الطَّبِيبِ حِينَ جُلُوسِهِ عِنْدَ الْمَرِيضِ أَنْ يَتَأَنَّى عَلَيْهِ بَعْدَ سُؤَالِهِ لَهُ حَتَّى يُخْبِرَهُ الْمَرِيضُ بِحَالِهِ ثُمَّ يُعِيدَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ رُبَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْإِخْبَارُ بِمَا هُوَ فِيهِ لِجَهْلِهِ بِهِ أَوْ لِشُغْلِهِ بِقُوَّةِ أَلَمِهِ وَإِنْ كَانَ الطَّبِيبُ عَارِفًا بِالْمَرَضِ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْهُ فَيَتَأَنَّى عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ.
وَذَلِكَ
стр. 1071
بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُ الْأَطِبَّاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَإِنَّهُمْ لَا يُمْهِلُونَ عَلَى الْمَرِيضِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ ذِكْرِ حَالِهِ لَهُ بَلْ عِنْدَ مَا يَشْرَعُ فِي ذِكْرِ حَالِهِ يُجِيبُ الطَّبِيبُ وَيَكْتُبُ وَالْمَرِيضُ بَعْدُ لَمْ يَفْرُغْ مِنْ ذِكْرِ حَالِهِ لَهُ ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ يَزْعُمُ بِرَأْيِهِ أَنَّ هَذَا مِنْ قُوَّةِ الْمَعْرِفَةِ وَالْحِذْقِ وَكَثْرَةِ الدِّرَايَةِ بِالصِّنَاعَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَجَلَةَ فِي حَقِّ غَيْرِ الطَّبِيبِ قَبِيحَةٌ لِمُخَالَفَتِهَا لِآدَابِ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ فَكَيْفَ بِهَا فِي حَقِّ الطَّبِيبِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ الْمَرِيضِ إلَى آخِرِهِ فَلَعَلَّ آخِرَهُ يَنْقُضُ أَوَّلَهُ أَوْ بَعْضَهُ وَلَرُبَّمَا غَلِطَ الْمَرِيضُ فِي ذِكْرِ حَالِهِ أَوْ عَجَزَ عَنْ التَّعْبِيرِ عَنْهُ فَإِذَا كَانَ الطَّبِيبُ مِمَّنْ يَتَأَنَّى عَلَى الْمَرِيضِ وَيُعِيدُ عَلَيْهِ السُّؤَالَ بِرِفْقٍ وَتَلَطُّفٍ أَمِنَ مِنْ الْغَلَطِ فَإِنَّ الْغَلَطَ فِي هَذَا خَطَرٌ، إذْ إنَّهُ قَدْ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ وَأَصْلُ الطِّبِّ كُلِّهِ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ مَعْرِفَةُ الْمَرَضِ فَإِذَا عُرِفَ الْمَرَضُ سَهُلَ تَدَاوِيهِ فِي الْغَالِبِ فَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى يَتَعَيَّنُ عَلَى الطَّبِيبِ التَّرَبُّصُ وَالتَّأَنِّي لَعَلَّهُ يَعْرِفُ الْمَرَضَ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ تَخْمِينٍ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الطَّبِيبِ إنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ الْمَرَضَ أَوْ عَرَفَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِدَوَائِهِ أَنْ لَا يَكْتُبَ أَوْرَاقًا بِأَشْرِبَةٍ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إضَاعَةُ مَالٍ.
وَقَدْ وَقَعَ لِي مَعَ بَعْضِ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ إلَيَّ فِي مَرَضٍ كَانَ بِي وَيَصِفُ أَشْرِبَةً وَأَدْوِيَةً يُنْفَقُ فِيهَا نَفَقَةٌ جَيِّدَةٌ فَطَالَ الْأَمْرُ عَلَيَّ فَقَطَعْته وَعَوَّضْت مَوْضِعَ تِلْكَ النَّفَقَةِ خُبْزًا أَتَصَدَّقُ بِهِ بِنِيَّةِ امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي دَفْعِ ذَلِكَ الْمَرَضِ فَمَا كَانَ إلَّا قَلِيلٌ وَفَرَّجَ اللَّهُ عَنِّي وَحَصَلَتْ الْعَافِيَةُ. فَلَمَّا أَنْ خَرَجْت لَقِيت الطَّبِيبَ فَسَأَلْته عَمَّا كَانَ يَكْتُبُهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَأَيُّ مَنْفَعَةٍ كَانَتْ فِيهَا لِذَلِكَ الْمَرَضِ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا فِيهَا شَيْءٌ إلَّا أَنَّهُ يَقْبُحُ بِالطَّبِيبِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ عِنْدِ الْمَرِيضِ، وَلَا يَصِفُ لَهُ شَيْئًا؛ لِئَلَّا يُوحِشَهُ بِذَلِكَ وَهَذَا مِنْ بَابِ إضَاعَةِ الْمَالِ.
وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَرِيضُ فَقِيرًا فَمَنْعٌ عَلَى مَنْعٍ. وَهَذَا إنْ كَانَ مَا وَصَفَهُ لَا يَقَعُ بِسَبَبِهِ ضَرَرٌ لِلْمَرِيضِ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَيُمْنَعُ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يَسْأَلَ
стр. 1072
مَنْ يَخْدُمُ الْمَرِيضَ، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِ الْمَرِيضِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمُعَالِجَ رُبَّمَا عَرَفَ مَا بِالْمَرِيضِ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ مِثْلَهُ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِهِ مِنْ الْكَشْفِ وَالتَّثَبُّتِ مَا يَقْرُبُ مِنْ الْيَقِينِ بِمَعْرِفَةِ الْمَرَضِ.
وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ عِنْدَهُ عَلَى أَصْنَافٍ، وَلَا يَجْعَلَهُمْ صِنْفًا وَاحِدًا فَصِنْفٌ يَأْخُذُ مِنْهُمْ وَصِنْفٌ لَا يَأْخُذُ مِنْهُمْ وَصِنْفٌ إذَا وَصَفَ لَهُمْ شَيْئًا أَعْطَى لَهُمْ مَا يُنْفِقُونَهُ فِيهِ:
فَالْأَوَّلُ - إذَا بَاشَرَ مَنْ لَهُ سَعَةٌ فِي دُنْيَاهُ.
وَالثَّانِي - مُبَاشَرَةُ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ الْمَسْتُورِينَ فِي حَالِ دُنْيَاهُمْ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَبَرَّكَ بِالْمُبَادَرَةِ إلَى طِبِّهِمْ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ شَيْئًا فَإِنْ بَذَلُوا لَهُ شَيْئًا رَدَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا فَلَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ إذَنْ.
وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ - مُبَاشَرَةُ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى كِفَايَتِهِمْ فِي حَالِ الصِّحَّةِ فَهَؤُلَاءِ يُعْطِيهِمْ ثَمَنَ مَا يَصِفُهُ لَهُمْ إنْ كَانَتْ لَهُ جِدَةٌ. وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ الْأَطِبَّاءِ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ أَوْ بَعْضُهَا
[فَصْلٌ يَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِحَالِ الْمَرِيضِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ]
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِحَالِ الْمَرِيضِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ فِي مِزَاجِهِ وَمُرَبَّاهُ وَإِقْلِيمِهِ وَمَا اعْتَادَهُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَدْوِيَةِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَبِالسُّؤَالِ مِنْ الْمَرِيضِ أَوْ مِمَّنْ يَلُوذُ بِهِ فَيَعْمَلُ عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَقَدْ جَرَى بِمَدِينَةِ فَاسَ أَنَّ السُّلْطَانَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا وَكَانَ فِي وَقْتِهِ طَبِيبٌ عَارِفٌ حَاذِقٌ فَاسْتَطَبَّهُ فَلَمْ يَفِدْ شَيْئًا فَوَجَدَ السُّلْطَانُ عَلَى الطَّبِيبِ وَأَرَادَ أَنْ يُحَرِّفَ بِهِ فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: إنْ أَرَدْت أَنْ تَسْتَرِيحَ فَاخْرُجْ إلَى الْبَرِّيَّةِ وَادْخُلْ فِي بَيْتٍ مِنْ شَعْرٍ وَافْرِشْ الْمَوْضِعَ الَّذِي تَضْطَجِعُ فِيهِ بِالْعَزَفِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْحَلْفَاءِ الَّذِي يُوقَدُ بِهِ النَّارُ وَأَزِلْ مَا عَلَيْك مِنْ الثِّيَابِ وَالْتَفَّ فِي كِسَاءٍ وَاضْطَجِعْ عَلَى الْعَزَفِ وَأْمُرْ مَنْ يَطْبُخُ لَك مُفْتَلَّةً دَاخِلَ بَيْتِ الشَّعْرِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ أَوْ اُطْبُخْهَا أَنْتَ بِنَفْسِك وَاسْتَنْشِقْ دُخَانَ تِلْكَ النَّارِ الَّتِي تَحْتَ الْقِدْرِ فَإِذَا نَضِجَ الطَّعَامُ فَكُلْ
стр. 1073
مِنْهُ وَهُوَ حَارٌّ حَتَّى تَشْبَعَ ثُمَّ نَمْ - فَفَعَلَ فَوَجَدَ الْعَافِيَةَ وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ كَانَتْ مُرَبَّاهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ سُلْطَانًا. وَقَدْ نَطَقَ الْحَدِيثُ بِهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ مَا وَرَدَ عَنْهُ ﵊ حَيْثُ قَالَ «وَأُعْطِ كُلَّ جَسَدٍ مَا عَوَّدْته» وَقَدْ تَقَدَّمَ
[فَصْلٌ الطَّبِيبُ إذَا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ عَافِيَةُ الْمَرِيضِ]
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ إذَا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ عَافِيَةُ الْمَرِيضِ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَلْيَسْأَلْ عَنْ وَالِدَيْ الْمَرِيضِ فَيَطْلُبْهُ بِمُقْتَضَى حَالِ الْأَبَوَيْنِ فَإِنَّهُ أَيْضًا سَبَبٌ لِلْعَافِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مُرَبَّى الْمَرِيضِ.
وَقَدْ جَرَى فِي إفْرِيقِيَّةَ فِي أَيَّامِ الْمَلِكِ الْمُسْتَنْصِرِ أَنَّ مَلِكَ الْفِرِنْجِ بِصِقِلِّيَّةَ أَرْسَلَ إلَيْهِ يَطْلُبُ مِنْهُ طَبِيبًا حَاذِقًا عَارِفًا وَذَكَرَ أَنَّ وَلَدَهُ مَرِيضٌ وَقَدْ عَجَزَ الْأَطِبَّاءُ الَّذِينَ عِنْدَهُ عَنْ بُرْئِهِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ طَبِيبًا عَلَى مَا طَلَبَ فَلَمَّا أَنْ وَصَلَ اجْتَمَعَ الْأَطِبَّاءُ مَعَهُ عِنْدَ الْمَرِيضِ فَأَمَرَ أَنْ يُعْمَلَ لَهُ كَذَا فَقَالُوا: عَمِلْنَاهُ فَقَالَ: كَذَا وَكَذَا، إلَى أَنْ فَرَغَتْ الْأَدْوِيَةُ الَّتِي تَدَاوَى بِهَا ذَلِكَ الْمَرِيضُ فَانْفَصَلَ الْمَجْلِسُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ ثُمَّ إنَّ الطَّبِيبَ أَرْسَلَ إلَى أُمِّ الْمَرِيضِ وَهُوَ يَقُولُ: أُرِيدُ أَنْ أَجْتَمِعَ بِك دُونَ ثَالِثٍ، فَفَعَلَتْ؛ فَقَالَ لَهَا: إنْ كُنْت تُرِيدِينَ عَافِيَةَ وَلَدِك فَأَخْبِرِينِي ابْنُ مَنْ هُوَ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يُعْرَفْ أَبُوهُ لَا يَسْتَرِيحُ؟ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَاهُ بَدْوِيٌّ كَانَ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا فَأَعْجَبَهَا فَمَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَحَمَلَتْ بِذَلِكَ الْوَلَدِ فَقَالَ لَهَا: قَدْ اسْتَرَاحَ وَلَدُك، فَأَرْسَلَ إلَى الْمَلِكِ الْمُسْتَنْصِرِ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَ لَهُ جَمَلًا صَغِيرًا يَقْرُبُ مِنْ ابْنِ اللَّبُونِ فَقَالَ الْمُسْتَنْصِرُ إذْ ذَاكَ عَجَبًا: مِنْ أَيْنَ جَاءَ هَذَا الْبَدْوِيُّ؟ فَلَمَّا أَنْ وَصَلَ الْجَمَلُ إلَى الطَّبِيبِ نَحَرَهُ وَشَوَى مِنْهُ شَيْئًا بَيْنَ يَدَيْ الْمَرِيضِ وَشَمَّمَهُ إيَّاهُ وَأَطْعَمَهُ مِنْهُ فَاسْتَقَلَّ مِنْ مَرَضِهِ وَوَجَدَ الْعَافِيَةَ عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَصْلٌ كَبِيرٌ مِنْ أُصُولِ الطِّبِّ يَنْبَغِي أَنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ
[فَصْلٌ عَلَى الطَّبِيبِ النَّظَرُ فِي الْقَارُورَةِ]
(فَصْلٌ) وَآكَدُ مَا عَلَى الطَّبِيبِ وَاَلَّذِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي الْقَارُورَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ قَبْلُ تَخْمِينٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَرَضِ وَالْقَارُورَةُ أَبْيَنُ مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا لَوْنًا إلَّا الْمَاءَ، فَإِنَّهُ عَزَّ
стр. 1074
وَجَلَّ خَلَقَهُ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ لَوْنًا فَلَوْنُهُ لَوْنُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ أَبْيَضَ أَوْ أَصْفَرَ أَوْ أَحْمَرَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ يَرْجِعُ الْمَاءُ فِي لَوْنِهِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَاءُ إذَا دَخَلَ فِي جَوْفِ الْمَرِيضِ تَغَيَّرَ إلَى حَالَةِ الْمَرَضِ الَّذِي يَشْكُو بِهِ الْمَرِيضُ فَيَعْرِفُ الطَّبِيبُ إذْ ذَاكَ الْعِلَّةَ أَوْ يَقْرُبُ فِيهَا مِنْ الْيَقِينِ حَتَّى إنَّ بَعْضَ الْأَطِبَّاءِ الْعَارِفِينَ بِهَذِهِ الصَّنْعَةِ إذَا وَصَفَ لَهُمْ الْمَرِيضُ مَا بِهِ أَوْ وَصَفَ لَهُمْ عَنْهُ لَا يَأْخُذُونَ بِهِ، وَلَا يُعَوِّلُونَ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ الْغَلَطِ وَالْوَهْمِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الْقَارُورَةِ فَإِنَّهَا لَا تُخْطِئُ فِي الْغَالِبِ فَيَعْرِفُ الطَّبِيبُ إذَا رَآهَا مَا بِالْمَرِيضِ مِنْ الشَّكْوَى فَيَعْمَلُ الطَّبِيبُ عَلَى مُقْتَضَى مَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ مَرِضَ سَيِّدِي أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عَجْلَانَ ﵀ بِمَدِينَةِ تُونُسَ وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ وَقْتِهِ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ فَسُئِلَ أَنْ يُؤْتَى لَهُ بِالطَّبِيبِ فَامْتَنَعَ فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى أَنْعَمَ لَهُمْ فَجَاءُوا بِالطَّبِيبِ فَنَظَرَ إلَى الْقَارُورَةِ فَقَالَ: يَا سَيِّدِي تَشْتَكِي بِكَذَا وَكَذَا قَالَ نَعَمْ قَالَ تَشْتَكِي بِكَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ كَذَلِكَ إلَى أَنْ عَدَّ لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ مَرَضًا. وَكَانَ الشَّيْخُ ﵀ يُخْفِي ذَلِكَ، وَلَا يَذْكُرُهُ لِأَحَدٍ. لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «مِنْ كُنُوزِ الْبِرِّ كِتْمَانُ الْمَصَائِبِ» وَقَدْ تَقَدَّمَ.
لَكِنْ لَمَّا أَنْ ذَكَرَ لَهُ الطَّبِيبُ ذَلِكَ وَهُوَ حَقٌّ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَسْكُتَ خَشْيَةَ أَنْ يُظَنَّ بِالطَّبِيبِ أَنَّهُ قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ أَوْ أَنَّهُ كَذَبَ فِيمَا قَالَ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ الْكِتْمَانِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ بِهِ عَنْهُ قَدْ عُوِّضَ عَنْهُ ثَوَابًا آخَرَ وَهُوَ عَدَمُ تَكْذِيبِ الطَّبِيبِ وَدَفْعُ سُوءِ الظَّنِّ عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَإِظْهَارُ مَعْرِفَتِهِ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ. فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ كَيْفَ اسْتَخْرَجَ الطَّبِيبُ مِنْ الْقَارُورَةِ الْوَاحِدَةِ هَذِهِ الْأَمْرَاضَ كُلَّهَا.
وَقَدْ كَانَ بِمِصْرَ قَبْلَ هَذَا الزَّمَانِ بِقَلِيلٍ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يَجِدُ النَّاسَ مُجْتَمَعِينَ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِقَارُورَةٍ فَيَنْظُرُ فِي كُلِّ قَارُورَةٍ وَيَصِفُ الْمَرَضَ وَالدَّوَاءَ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَإِذَا جَاءَهُ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ قَارُورَةٍ يَصِفُ مَا بِمَرِيضِهِ لَا يُجَاوِبُهُ بِشَيْءٍ وَيَقُولُ: حَتَّى
стр. 1075
تَأْتِيَ الْقَارُورَةُ فَإِنَّ الْوَاصِفَ وَالْمَرِيضَ قَدْ يُخْطِئَانِ وَالْقَارُورَةُ لَا تُخْطِئُ. فَإِذَا كَانَ الطَّبِيبُ عَارِفًا اسْتَخْرَجَ مِنْ مَاءِ الْمَرِيضِ كُلِّيَّاتِ مَا هُوَ فِيهِ وَجُزْئِيَّاتِهِ حَتَّى إنَّهُ لَيَظْهَرُ لَهُ مِنْ مَائِهِ هَلْ هُوَ شَابٌّ أَوْ كَبِيرُ السِّنِّ أَوْ كَهْلٌ أَوْ صَغِيرٌ أَوْ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى أَوْ حَامِلٌ أَوْ غَيْرُ حَامِلٍ وَهَلْ هُوَ يَسْكُنُ فِي سُفْلٍ أَوْ عُلُوٍّ فَإِذَا كَانَ يَظْهَرُ لَهُ فِي مَاءِ الْمَرِيضِ مِثْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ حَتَّى السُّلَّمُ الَّذِي يَصْعَدُ فِيهِ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَعْرِفَ مَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ خَلَطَ.
وَقَدْ كَانَ بِمَدِينَةِ فَاسَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ وَكَانَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. وَهَذَا كُلُّهُ بِخِلَافِ مَا الْحَالُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَإِنَّك إذَا أَتَيْت بِالْقَارُورَةِ إلَى الطَّبِيبِ وَنَظَرَ فِيهَا شَرَعَ يَسْأَلُ إذْ ذَاكَ عَمَّا يَشْكُو بِهِ الْمَرِيضُ فَلَا فَائِدَةَ إذَنْ فِي نَظَرِهِ إلَيْهَا بَلْ يَكُونُ الطَّبِيبُ يَحْكُمُ وَيَجْزِمُ بِأَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْمَاءِ يَشْكُو بِكَذَا وَكَذَا، وَكَانَ سَبَبُهُ كَذَا وَكَذَا، وَمُعَالَجَتُهُ كَذَا وَكَذَا، لَكِنَّ الْقَارُورَةَ لَهَا شُرُوطٌ كَثِيرَةٌ. مِنْهَا أَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يُؤْخَذُ بَعْدَ انْتِبَاهِ الْمَرِيضِ مِنْ نَوْمِهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَنَامُ لَا قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى النَّوْمِ فَأَوَّلُ مَا يَبُولُ مِنْ اللَّيْلِ. وَأَنْ يَكُونَ الْمَاءُ كَامِلًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ مِنْ شُرُوطِهَا بِخِلَافِ مَا هُمْ يَفْعَلُونَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ فِي الْقَارُورَةِ بَعْضَ الْمَاءِ وَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ لَا يُظْهِرُ بِهِ الطَّبِيبُ أَمْرَ الْقَارُورَةِ فَلَا يُعَوِّلُ عَلَيْهَا فَإِذَا اجْتَمَعَ وَهُوَ الْغَالِبُ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَدَمُ الْمَاءِ عَلَى جِهَتِهِ وَعَدَمُ مَعْرِفَةِ الطَّبِيبِ بَقِيَ حَالُ الْمَرِيضِ مُتَزَايِدًا وَتَكْثُرُ عَلَيْهِ النَّفَقَاتُ وَيَطُولُ عَلَيْهِ الْأَمَدُ وَرُبَّمَا آلَ بِهِ الْأَمْرُ إلَى الْهَلَاكِ لِعَدَمِ الصَّنْعَةِ وَسُوءِ الْمُحَاوَلَةِ
[فَصَلِّ الأشتغال بِعِلْمِ الطِّبّ]
(فَصْلٌ) وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَمَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِلْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِهَذَا الْعِلْمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ لِقِلَّةِ مَنْ يَشْتَغِلُ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إنَّهُ لَيَكَادُ الِاشْتِغَالُ بِهِ أَنْ يَكُونَ فَرْضَ عَيْنٍ فَإِذَا اشْتَغَلَ طَالِبٌ بِهِ نَفَعَ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وَمَعَارِفَهُ وَإِخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ وَبَقِيَ فِي قُرْبَةٍ نَفْعُهَا مُتَعَدٍّ وَأَنْتَ
стр. 1076
تَجِدُ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَنْ فِيهِ قَابِلِيَّةٌ لِلْفَهْمِ لِذَكَائِهِ وَحِذْقِهِ ثُمَّ يَتْرُكُ الِاشْتِغَالَ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِهِ
[عَلَى الطَّبِيبِ أَنْ يَتْرُكَ مَا اعْتَادَهُ بَعْضُ مَنْ انْغَمَسَ فِي الْجَهْلِ مِنْ الْأَطِبَّاءِ]
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الطَّبِيبِ أَنْ يَتْرُكَ مَا اعْتَادَهُ بَعْضُ مَنْ انْغَمَسَ فِي الْجَهْلِ مِنْ الْأَطِبَّاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصُّنَّاعِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ الْعَلِيلُ الْعَافِيَةَ وَكَانَ الْمَرِيضُ مِمَّنْ لَهُ جِدَةٌ فِي الدُّنْيَا وَثَرْوَةٌ فَإِنَّهُمْ يَخْلَعُونَ عَلَى الطَّبِيبِ خِلْعَةَ حَرِيرٍ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَالِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْبَسَهَا، وَلَا أَنْ يَقْبَلَهَا، وَلَا أَنْ يَبِيعَهَا لِمَنْ يَلْبَسُهَا مِنْ الرِّجَالِ إلَّا أَنْ يَقْبَلَهَا وَيُفَصِّلَهَا لِلنِّسَاءِ فَنَعَمْ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَلْبَسَهَا حِينَ خُلِعَتْ عَلَيْهِ، وَلَا بَعْدَهُ
[فَصْلٌ عَلَى الْمَرِيضِ أَوْ وَلِيِّهِ امْتِثَالُ السُّنَّةِ فِي الصَّدَقَةِ]
(فَصْلٌ) وَآكَدُ مَا عَلَى الْمَرِيضِ أَوْ وَلِيِّهِ امْتِثَالُ السُّنَّةِ فِي الصَّدَقَةِ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «دَاوُوا مَرَضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَادْفَعُوا الْبَلَاءَ بِالصَّدَقَةِ وَاسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِالصَّدَقَةِ» وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى حَالِ الْمَرَضِ وَالْمَرِيضِ فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ شَدِيدًا فَلْيُكْثِرْ مِنْ الصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانَ مَلِيًّا فَكَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَجُهْدُ الْمُقِلِّ، لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ ﵂ فِي التَّمْرَةِ الَّتِي تَصَدَّقَتْ بِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ فَشَقَّتْهَا نِصْفَيْنِ وَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفًا» .
وَالْمَقْصُودُ مِنْ الصَّدَقَةِ أَنَّ الْمَرِيضَ يَشْتَرِي نَفْسَهُ مِنْ رَبِّهِ بِقَدْرِ مَا تُسَاوِي نَفْسُهُ عِنْدَهُ وَالصَّدَقَةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَأْثِيرٍ عَلَى الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ ﷺ صَادِقٌ وَالْمُخْبَرَ عَنْهُ كَرِيمٌ مَنَّانٌ، ثُمَّ إنَّ الثَّوَابَ حَاصِلٌ بِنَفْسِ الصَّدَقَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ صَحَّ صَاحِبُهَا مِنْ مَرَضِهِ فَبَخٍ عَلَى بَخٍ وَهُوَ الْغَالِبُ فِي حَقِّ مَنْ امْتَثَلَ السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَجِدُ صَدَقَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَلْ مُضَاعَفَةً إلَى سَبْعِمِائَةٍ كَمَا وَرَدَ ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] وَالصَّدَقَةُ لِلْمَرِيضِ عَامَّةٌ فِي الْأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
ثُمَّ إنَّهَا لَيْسَتْ خَاصَّةً بِالْمَرِيضِ وَإِنَّمَا تَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ.
وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى عُمُومِهَا بِقَوْلِهِ ﵊ -
стр. 1077
«كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ» وَالسُّلَامَى بِضَمِّ السِّينِ مَعَ فَتْحِ الْمِيمِ وَالْقَصْرِ هِيَ أَعْضَاءُ ابْنِ آدَمَ فَكَأَنَّهُ ﵊ يَقُولُ: عَلَى كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَيُعْطِي ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَحْتَاجُ الْمَرْءُ إلَى ثَلَثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ صَدَقَةً عَلَى عَدَدِ الْأَعْضَاءِ وَهَذَا عَسِيرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْدِرُ عَلَى هَذَا.
وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ ﵊ مَا بَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى أَتَمَّ بَيَانٍ حِينَ «سَأَلَهُ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - حَيْثُ قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ حَتَّى قَالَ: رَكْعَتَا الضُّحَى تُجْزِئُ عَنْهُ» فَعَلَى هَذَا فَرَكْعَتَا الضُّحَى لِمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ تُجْزِئُ عَنْ ثَلَثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ صَدَقَةً ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وَلِأَجْلِ مَا فِيهِمَا مِنْ هَذِهِ الْبَرَكَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتهمَا فَعَلَى هَذَا فَرَكْعَتَا الضُّحَى تُجْزِئُ مَنْ عَجَزَ وَمَنْ قَدَرَ فَالْأَمْرُ لَهُ بِقَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ الصَّدَقَةَ مُحَالَةٌ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الْمَحْسُوسِ مِنْ إنْفَاقِ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ الدِّرْهَمُ وَالدِّينَارُ كَانَ اللِّسَانُ كَانَتْ الْعَيْنَانِ كَانَتْ الْيَدَانِ كَانَتْ الرِّجْلَانِ. أَلَا تَرَى إلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ ﵊ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» فَكُلُّ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ نَفَقَتُهَا طَاعَةُ اللَّهِ بِهَا فَاللِّسَانُ صَدَقَتُهُ وَنَفَقَتُهُ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تِلَاوَةُ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِرَاءَةُ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَدَرْسُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِرْشَادُ الضَّالِّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ، ثُمَّ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللِّسَانَ مِنْهَا إشَارَةً إلَى بَاقِيهَا
[فَصْلٌ آكُدُ الْأُمُورِ عَلَى الْمَرِيضِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهِيَ الْوَصِيَّةُ]
(فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُسَافِرِ أَنَّهُ لَا يُسَافِرُ حَتَّى يُوصِيَ لِأَجْلِ مَا يَتَوَقَّعُ فِي سَفَرِهِ فَهُوَ فِي الْمَرِيضِ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى؛ لِأَنَّ الْمَظِنَّةَ فِيهِ أَقْوَى. ثُمَّ إذَا أَوْصَى فَلْتَكُنْ نِيَّتُهُ فِي ذَلِكَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ»
стр. 1078
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ وَإِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي.
هَذَا وَهُوَ صَحِيحٌ فَمَا بَالُك بِالْمَرِيضِ فَآكُدُ الْأُمُورِ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهِيَ الْوَصِيَّةُ لِأَجْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ هِيَ نَشْرَةٌ لِلْمَرِيضِ وَسَبَبٌ لِعَافِيَتِهِ فِي الْغَالِبِ وَقَدْ وَقَعَ هَذَا النَّوْعُ كَثِيرًا قَوْمٌ يُوصُونَ ثُمَّ يَخْلُقُ اللَّهُ لَهُمْ الْعَافِيَةَ فَيَصِحُّونَ مِنْ مَرَضِهِمْ.
وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لَا يُنَافِي مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ مِنْ أَنَّ الْمَرِيضَ تُفْسِحُ لَهُ الْعُوَّادُ فِي عُمْرِهِ بِأَنْ يَقُولُوا لَهُ: لَا بَأْسَ عَلَيْك وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ مَأْمُورٌ بِالْوَصِيَّةِ سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَرِيضُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فَيَتَأَكَّدُ الْأَمْرُ فِي حَقِّهِ لِلْأَثَرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: إنَّكُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِكُمْ
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الشَّرَابِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ الْمَرِيضُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
ِ فَإِذَا وَصَفَ الطَّبِيبُ شَرَابَ الْمَرِيضِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَوْ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي كَيْفِيَّةِ الشَّرَابِ الَّذِي وَصَفَهُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَرْوَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ زُهْرٍ ﵀ الْأَشْرِبَةُ الْمَعْرُوفَةُ الْمَعْهُودَةُ مَوْجُودَةٌ فِي أَكْثَرِ الْقُرَى وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَعْرِفُونَ تَقْوِيمَهَا وَتَرْكِيبَهَا غَيْرَ أَنِّي أَقُولُ وَاحِدَةً إنَّ النَّاسَ إنَّمَا يَبِيعُونَ الْأَسْمَاءَ مِثْلَ شَرَابِ الْوَرْدِ فَإِنَّهُمْ إذَا أَقَامُوهُ إنْ أُقِيمَ بِحَيْثُ يَنْفَعُ جَاءَ لَوْنُهُ إلَى السَّوَادِ فَهُمْ لَا يَضَعُونَ فِيهِ مِنْ الْوَرْدِ إلَّا مَا يُغَيِّرُهُ فَإِذَا أَفْتَى الطَّبِيبُ مَثَلًا بِأُوقِيَّةٍ مِنْ شَرَابِ الْوَرْدِ أَعْطَاهُ الشَّرَابِيُّ شَرَابًا عَقَدَ مِنْهُ بِالْمَاءِ شَرَابًا لَا طَعْمَ لِلْوَرْدِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِشَرَابِ الاسطوخودس وَغَيْرِهِ فَيَكُونُ الْمَرِيضُ يَحْسَبُ أَنَّ مَا يَشْرَبُ شَرَابُ الْوَرْدِ أَوْ شَرَابُ الاسطوخودس وَهُوَ إنَّمَا شَرِبَ السُّكَّرَ أَوْ الْعَسَلَ الَّذِي أُزِيلَتْ رَغْوَتُهُ فَلَا يَنْفَعُ الْمَرِيضَ بِشَيْءٍ.
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِالْأَدْهَانِ إلَّا نَفَرًا يَسِيرًا فَإِنَّك تَسْمَعُ دُهْنَ الْبَنَفْسَجِ
стр. 1079
أَوْ دُهْنَ الْوَرْدِ، وَلَا رَائِحَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي وَاحِدٍ مِنْ الدُّهْنَيْنِ فَلِهَذَا يَجِبُ أَنْ تُخْتَبَرَ الْأَشْرِبَةُ بِطَعْمِهَا وَكُلُّ شَرَابٍ يُتَّخَذُ فَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُنْقَعَ فِي الْمَاءِ مَعَ الْأَدْوِيَةِ ثُمَّ يُرْفَعَ عَلَى نَارٍ لَيِّنَةٍ حَتَّى يَأْخُذَ الْمَاءُ طَعْمَ ذَلِكَ الدَّوَاءِ وَرَائِحَتَهُ وَيَتَغَيَّرَ لَوْنُ الْمَاءِ تَغْيِيرًا ظَاهِرًا، فَحِينَئِذٍ يُصَفَّى وَيُضَافُ إلَى صَافِي السُّكَّرِ أَوْ الْعَسَلِ وَيُعْقَدُ شَرَابًا وَلَيْسَ عَلَى الْحَقِيقَةِ ذَلِكَ بِوَزْنِ الصُّنُوجِ وَإِنَّمَا هُوَ بِأَنْ يَكْتَسِبَ الطَّعْمَ أَوْ الرَّائِحَةَ وَيَتَغَيَّرَ اللَّوْنُ وَلِهَذَا السَّبَبِ قَلَّمَا أُفْتِي بِشَرَابٍ مَعْلُومٍ وَإِنَّمَا أُفْتِي بِأَدْوِيَةٍ تُطْبَخُ عَلَى مَا أَكُونُ أَرْسُمُ. وَأَمَّا الْأَدْهَانُ فَاخْتِبَارُهَا بِنَحْوِ هَذَا، وَأَفْضَلُ أَدْهَانِ الْأَدْوِيَةِ مَا كَانَ طَعْمُ الدَّوَاءِ وَرَائِحَتُهُ يُوجَدَانِ فِي الدُّهْنِ وَإِنْ كَانَ لَهُ لَوْنٌ ظَاهِرٌ أَنْ يَتَبَيَّنَ فِي الدُّهْنِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ ﵀ بِخِلَافِ مَا الْحَالُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ فَإِنَّك تَجِدُ الْأَشْرِبَةَ عِنْدَهُمْ فِي غَايَةِ الصَّفَاءِ وَالشُّرُوقِ. وَلَوْ أَنَّ بَعْضَهُمْ عَمِلَ شَرَابًا عَلَى مُقْتَضَى الصَّنْعَةِ أَوْ بَعْضِهَا لَأَخَذَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى يَدِهِ بَلْ يُؤْذُونَهُ أَوْ يُقِيمُونَهُ مِنْ السُّوقِ وَكُلُّ ذَلِكَ سَبَبُهُ عَدَمُ الْمَعْرِفَةِ بِالصَّنْعَةِ عَلَى وَجْهِهَا.
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ زَهْرٍ ﵀: أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّ وَالِدَهُ ﵀ كَانَ يَقُولُ: إذَا صَفَا شَرَابُ الصَّيْدَلَانِيِّ كَدُرَ دِينُهُ، وَالصَّيْدَلَانِيّ هُوَ الْعَطَّارُ وَهُوَ عِنْدَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَبِيعُ الْأَشْرِبَةَ فَإِذَا عَمِلَ الشَّرَابَ صَافِيًا فَقَدْ غَشَّ النَّاسَ بِذَلِكَ وَإِذَا غَشَّ كَدُرَ دِينُهُ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا كَانَ الطَّبِيبُ حَاذِقًا وَالصَّيْدَلَانِيّ صَادِقًا وَالْمَرِيضُ مُوَافِقًا قَلَّ لُبْثُ الْعِلَّةِ.
وَقَدْ أَعْطَى ابْنُ زَهْرٍ ﵀ قَانُونًا كُلِّيًّا فِي عَمَلِ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَالْأَدْهَانِ فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيَقِفْ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ الْمُشْتَرِي لِلشَّرَابِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَالْعَقَاقِيرِ مَنْ يَكُونُ مَعْرُوفًا بِالدِّينِ وَالنَّصِيحَةِ وَيَكُونُ عِنْدَهُ مَعْرِفَةٌ بِصَلَاحِ الشَّرَابِ وَفَسَادِهِ لِأَجْلِ أَنَّ الْمَرِيضَ أَقَلُّ شَيْءٍ مِنْ الْغِشِّ يَكُونُ فِيمَا يَسْتَعْمِلُهُ مِنْ الشَّرَابِ وَغَيْرِهِ يُكَدِّرُ عَلَيْهِ وَقَدْ يَئُولُ إلَى التَّلَفِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَإِنْ كَانَ الشَّرَابِيُّ عِنْدَهُ مَعْرِفَةٌ بِالطِّبِّ أَوْ بِطَرَفٍ مِنْهُ فَيَتَأَكَّدُ
стр. 1080
الْقَصْدُ إلَيْهِ وَإِيثَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ.
وَيَنْبَغِي لِلشَّرَابِيِّ أَنْ يَتَأَنَّى فِيمَا يُطْلَبُ مِنْهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَغَيْرِهَا وَيَسْأَلَ مَنْ يَطْلُبُ ذَلِكَ مِنْهُ وَيُكَرِّرَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ فَرُبَّمَا غَلِطَ الطَّبِيبُ أَوْ غَفَلَ عَنْ شَيْءٍ فَيَكُونُ الشَّرَابِيُّ يَسْتَدْرِكُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ الشَّرَابِيُّ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا فَيَنْبَغِي مِنْ بَابِ الْأَكْمَلِ وَالْأَحْسَنِ أَنْ لَا يَتَسَبَّبَ فِي هَذَا السَّبَبِ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ فَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ التَّوَقُّفُ فِي السُّؤَالِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ بِوَصْفِهِ عَارِفٌ
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَثَلًا يَطْلُبُ أُوقِيَّتَيْنِ مِنْ شَرَابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَثَمَنُهُمَا وَاحِدٌ فَيَجْعَلُ الْأُوقِيَّتَيْنِ أَوَّلًا فِي الْمِيزَانِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ هَذَا وَمِنْ هَذَا عَلَى الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ وَهَذَا قَدْ مَنَعَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِلْجَهَالَةِ الْمَوْجُودَةِ فِيهِ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَزِنَ لَهُ أَوَّلًا أُوقِيَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَحَدِ الشَّرَابَيْنِ ثُمَّ يَزِنَ لَهُ بَعْدَهَا أُوقِيَّةً أُخْرَى مِنْ الشَّرَابِ الْآخَرِ. وَهَذَا أَمْرٌ سَهْلٌ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ مَشَقَّةٍ
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ لَهُ أَمْرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ الْأَسْوَاقِ مَنْ يَشْتَغِلُ بِهَذَا السَّبَبِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى عِنْدَهُمْ أَبْوَالُهُمْ طَاهِرَةٌ، وَلَا يَتَدَيَّنُونَ بِتَرْكِ نَجَاسَةٍ إلَّا دَمَ الْحَيْضِ فَقَطْ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالشَّرَابُ الْمَأْخُوذُ مِنْ النَّصَارَى الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُتَنَجِّسٌ.
وَأَمَّا الْيَهُودُ فَإِنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِغِشِّ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا أُخِذَ مِنْهُمْ شَرَابٌ فَغَالِبُ الظَّنِّ فِيهِ أَنَّهُ مَغْشُوشٌ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ مَنْعُهُمْ مِنْ الْإِقَامَةِ فِي الْأَسْوَاقِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِعُلَمَائِنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مِنْ الْأَمْرِ بِإِقَامَتِهِمْ مِنْ الْأَسْوَاقِ فِي غَيْرِ هَذَا فَكَيْفَ بِهِ فِي هَذَا السَّبَبِ الَّذِي يَتَمَكَّنُونَ بِهِ مِنْ ضَرَرِ مَرْضَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ هَذَا لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا عَلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ بَلْ هُوَ مُتَعَيِّنٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ.
وَيَنْبَغِي لِلشَّرَابِيِّ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى أَوْعِيَةِ الشَّرَابِ بِأَنْ يَصُونَهَا بِالتَّغْطِيَةِ وَأَنْ يَتَفَقَّدَهَا وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ سِيَّمَا فِي
стр. 1081
زَمَنِ الْحَرِّ الَّذِي يَكْثُرُ فِيهِ الْخَشَاشُ خِيفَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَسِيَ تَغْطِيَةَ بَعْضِهَا أَوْ غَطَّاهَا بَعْضَ تَغْطِيَةٍ فَانْكَشَفَتْ. فَقَدْ يَدْخُلُ فِيهَا حَيَوَانٌ فَيَمُوتُ فِيهَا أَوْ يَخْرُجُ مِنْهُ فَضْلَةٌ فَيَتَنَجَّسُ أَوْ يَدْخُلُهُ نَمْلٌ وَقَدْ يَكُونُ النَّمْلُ أَكَلَ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ ثُعْبَانًا أَوْ عَقْرَبًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمَسْمُومَاتِ الَّتِي تَقْتُلُ أَوْ يَحْدُثُ بِسَبَبِهَا أَمْرَاضٌ لِمَنْ يَتَنَاوَلُهَا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ ذَلِكَ التَّحَفُّظَ الْكُلِّيَّ وَمَنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَإِنْ بَيَّنَ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ مَاتُوا بِهَذَا النَّوْعِ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إرَاقَةُ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ وَغَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْهُ غَسْلًا بَلِيغًا وَإِرَاقَتُهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ الصَّدَقَةِ بِمِثْلِهِ إذَا كَانَ سَالِمًا؛ لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ وَنُصْحُ الْمُسْلِمِينَ وَاجِبٌ وَثَوَابُ الْوَاجِبِ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ الْمَنْدُوبِ
[فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا قَدُمَ الشَّرَابُ عِنْدَهُ أَنْ لَا يَبِيعَهُ]
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا قَدُمَ الشَّرَابُ عِنْدَهُ أَنْ لَا يَبِيعَهُ حَتَّى يُبَيِّنَ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ قَدِيمٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْفَاكِهَةَ الْجَدِيدَةَ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْأَشْرِبَةِ ذَهَبَتْ فَائِدَةُ مَا عُمِلَ بِالْفَاكِهَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي الْعَقَاقِيرِ وَالْأَدْوِيَةِ: إنَّهَا إذَا كَانَتْ قَدِيمَةً لَا تُفِيدُ مَنْ اسْتَعْمَلَهَا أَوْ تُفِيدُ بَعْضَ فَائِدَةٍ هَذَا هُوَ الْغَالِبُ بِخِلَافِ مَا يَنْدُرُ مِثْلُ خِيَارِ شَنْبَرٍ وَمَا أَشْبَهَهُ فَإِنَّهُ كُلَّمَا قَدُمَ كَانَ أَحْسَنَ مِنْ جَدِيدِهِ
[فَصْلٌ فِي بائع الْأَشْرِبَة]
(فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّبِيبِ إذَا جَاءَ لِلْمَرِيضِ لَا يُحْضِرُ مَعَهُ أَحَدٌ إلَّا مَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَمِثْلُهُ فِي الشَّرَابِيِّ فَلَا يُسَامِحُ أَحَدًا فِي الْجُلُوسِ عِنْدَهُ لِلْمَعَانِي الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فِي الطَّبِيبِ وَلْيَحْرِصْ عَلَى ذَلِكَ مَهْمَا أَمْكَنَهُ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ كَتُومًا لِلسِّرِّ فِيمَا يُحْكَى لَهُ مِنْ حَالِ الْمَرِيضِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَقّ الطَّبِيبِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا وُصِفَ لَهُ مَا بِالْمَرِيضِ أَنْ لَا يُحِيلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَطِبَّاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا يُمَكِّنُهُمْ مِنْ الْجُلُوسِ عِنْدَهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَالِهِمْ السَّيِّئِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الشَّرَابُ يُشْتَرَى لِصَحِيحٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الشَّرَابِيِّ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالطِّبِّ بَلْ لَا يَضُرُّ أَنْ يَكُونَ صَبِيًّا إذَا كَانَ عَارِفًا بِمَا يُطْلَبُ مِنْهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ
стр. 1082
وَبِالْوَزْنِ وَإِعْطَاءِ الْحَقِّ
(فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ نِيَّةِ الطَّبِيبِ فَالشَّرَابِيُّ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ الشَّرَابِيُّ بِمُبَاشَرَتِهِ لِعَمَلِ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَالْعَقَاقِيرِ فَلْتَكُنْ نِيَّتُهُ فِي ذَلِكَ إعَانَةُ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ لِيَكُونَ بِهَذِهِ النِّيَّةِ دَائِمًا فِي عِبَادَةٍ نَفْعُهَا مُتَعَدٍّ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﵊ «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» بَلْ إعَانَةُ الْمَرْضَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ إعَانَةِ كَثِيرٍ مِنْ أَصِحَّائِهِمْ لِكَثْرَةِ ضَرُورَاتِهِمْ وَقِلَّةِ مَنْ يَعْرِفُ مُحَاوَلَةَ أَمْرَاضِهِمْ
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ عِنْدَهُ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الطَّبِيبِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَ النُّضُوحَ، وَلَا يَتَسَبَّبَ فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ وَلِلطَّبِيبِ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الطَّبِيبَ لَا يَأْتِي لِلْمَرِيضِ حَتَّى يَطْلُبَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا يَرُدُّهُ أَمْرُهُ ﵊ بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَذَلِكَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ طَبِيبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَرِيضُ مِمَّنْ هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِشَيْءٍ مِمَّا يُخَالِفُ الشَّرْعَ الشَّرِيفَ فَتَتْرُكُ عِيَادَتُهُ حَتَّى يُقْلِعَ عَنْ ذَلِكَ وَيَتُوبَ مِنْهُ التَّوْبَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ بَلْ يَحْصُلُ لِلْمَرِيضِ بِعِيَادَةِ الشَّرَابِيِّ وَالطَّبِيبِ مِنْ السُّرُورِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ عِيَادَةِ غَيْرِهِمَا لِمُشَارَكَتِهِمَا لَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْمَرَضِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْمَرِيضُ يَسْتَحِي أَنْ يُرْسِلَ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمَا وَيَحْمِلُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَشَقَّةَ فَيَكُونُ إتْيَانُهُمَا لَهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمَا رَفْعَ كُلْفَةٍ عَنْهُ وَإِدْخَالَ سُرُورٍ عَلَيْهِ. وَقَدْ يَكُونُ الْمَرِيضُ فَقِيرًا مُنْقَطِعًا وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُرْسِلُهُ
[فَصْلٌ السُّنَّةَ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ]
(فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السُّنَّةَ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ تَرْكُ طُولِ الْمُكْثِ عِنْدَهُ وَالطَّبِيبُ وَالشَّرَابِيُّ بِخِلَافِ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ الْمَرِيضِ إلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ فِي إطَالَةِ مُكْثِهِمَا عِنْدَهُ يَتَبَيَّنُ لَهُمَا مِنْ حَالِهِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمَا قَدْ عَرَفَا الْمَرَضَ وَمُحَاوَلَتَهُ
стр. 1083
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا نَزَلَ مِنْ دُكَّانِهِ لِضَرُورَةٍ أَنْ لَا يَتْرُكَ صَبِيًّا صَغِيرًا يَبِيعُ وَيَشْتَرِي لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَنَّهُ يَكُونُ مُشَارِكًا فِي عِلْمِ الطِّبِّ لِئَلَّا يَكُونَ الطَّبِيبُ قَدْ غَلِطَ فِيمَا وَصَفَ كَمَا تَقَدَّمَ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الصَّبِيِّ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِشَيْءٍ مِنْ الطِّبِّ فَلَا بَأْسَ
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ وَلِغَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ أَهَمُّ الْأُمُورِ عِنْدَهُ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الدِّينِ وَالنَّظَرَ فِيمَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْآكَدُ عَلَيْهِ فَيُقَدِّمَهُ عَلَى غَيْرِهِ.
مِثَالُهُ مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مِنْ أَنَّ الشَّرَابَيَّ وَالطَّبِيبَ قَدْ يَكُونَانِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ الْمُتَعَدِّيَةِ النَّفْعِ إلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الشَّرِيفَةِ فَإِذَا سَمِعَا الْأَذَانَ تَرَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا هُوَ فِيهِ وَاشْتَغَلَ بِحِكَايَةِ الْمُؤَذِّنِ وَالْأَخْذِ فِي أَسْبَابِ أَدَاءِ الْفَرْضِ فِي جَمَاعَةٍ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ بِفُرُوضِهِ وَسُنَنِهِ وَآدَابِهِ رَجَعَ إلَى مَا كَانَ بِصَدَدِهِ فَلَا يَزَالُ فِي عَمَلِ خَيْرٍ مُتَجَدِّدٍ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤]
[فَصْلٌ غِشّ الشَّرَابِيّ]
(فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَطَّارِينَ مِنْ الْغِشِّ فِي سَبَبِهِمْ فَالشَّرَابِيُّ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ الْغِشُّ مُحَرَّمًا عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ غِشَّ الشَّرَابِيِّ يَئُولُ إلَى إزْهَاقِ النُّفُوسِ وَالزِّيَادَةِ فِي الْأَمْرَاضِ أَوْ طُولِهَا لِأَنَّ غَالِبَ مَا يُشْتَرَى مِنْهُ لِلْمَرِيضِ وَالْمَرِيضُ إذَا اسْتَعْمَلَ مَا لَا يُوَافِقُهُ تَضَرَّرَ بِذَلِكَ غَالِبًا وَقَدْ تَعْسُرُ مُدَاوَاتُهُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَأْخُذَ حَاجَةً حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ سَلَامَتَهَا مِنْ الْغِشِّ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَآكَدُ مَا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَ فِي دُكَّانِهِ دِمَاءَ اللِّسَانِ الْبَلَدِيِّ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ رَدِيئَةٍ:
أَحَدُهَا - الْمَكْسُ
وَالثَّانِي - أَنَّ الْمَكَّاسَ فِي الْوَقْتِ يَهُودِيٌّ
وَالثَّالِثُ - غِشُّهُمْ فِيهِ غَالِبًا فَيَتَأَكَّدُ الْمَنْعُ لِذَلِكَ.
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَزْغَلُونَ حَاجَةً تُسَمَّى شيرخشك بِحَاجَةٍ أُخْرَى تُسَمَّى ببيرخشك وَهُمَا مُتَشَابِهَانِ فِي الصِّفَةِ مُتَقَارِبَانِ فِي النَّفْعِ.
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَيْعِهِمْ الزَّنْجَبِيلَ بَعْدَ خَلْطِهِمْ لَهُ بِأَشْيَاءَ يَغُشُّونَهُ بِهَا مِمَّا تُشْبِهُهُ فِي الصِّفَةِ.
стр. 1084
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَدْلِيسِهِمْ الزَّنْجَبِيلَ الْمُرَبَّى بِخَلْطِهِ بِغَيْرِهِ فَتَقِلُّ مَنْفَعَتُهُ وَالْغَالِبُ أَنَّهُ إنَّمَا يُشْتَرَى لِلتَّدَاوِي وَإِذَا كَانَ مَغْشُوشًا بِغَيْرِهِ قَدْ يَعُودُ بِالضَّرَرِ عَلَى مَنْ اسْتَعْمَلَهُ.
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَدْلِيسِهِمْ شَحْمَ القاوند يَجْعَلُ غَيْرَهُ فِيهِ إذْ إنَّهُ يَنْفَعُ لِلزَّمْنَى فَيَخْلِطُونَ بِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فَيَعُودُ بِالضَّرَرِ عَلَى مَنْ اسْتَعْمَلَهُ وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْغِشِّ فِي بَيْعِ الْخُولَانِ الْهِنْدِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ أَنْ يُوجَدَ خَالِصًا فَمَنْ اسْتَعْمَلَ غَيْرَهُ مِمَّا يُشْبِهُهُ عَادَ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ وَغَالِبُ مَنْ يَحْتَاجُهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ لِلْعَيْنَيْنِ
(فَصْلٌ) وَأَمَّا إنْ كَانَ الشَّرَابِيُّ يَشْتَرِي مِنْ قَاعَاتِ الشَّرَابِيِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى نَفْسِهِ وَدِينِهِ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يُقَلِّلُونَ الْفَاكِهَةَ فِي الْأَشْرِبَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَأْخُذَ الْوَرْدَ الْمُرَبَّى الَّذِي يَعْمَلُهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يُقَلِّلُونَ الْوَرْدَ فِيهِ وَيَعْمَلُونَهُ بِحُثَالَةِ السُّكَّرِ وَالْأَشْيَاءِ الرَّدِيئَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يُقَامُونَ مِنْ أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ فَكَيْفَ يُبَاشِرُونَ مَا يَسْتَعْمِلُهُ مَرَضَاهُمْ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَغَيْرِهَا فَمِنْ بَابٍ أَوْلَى بِالْمَنْعِ وَفِي الْقَاعَاتِ وَالْمَطَابِخِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ بَعْضُ الصُّنَّاعِ الَّذِينَ فِي الْقَاعَاتِ لَا يَعْرِفُونَ قِوَامَ الْأَشْرِبَةِ، وَلَا مَا يُصْلِحُهَا، وَلَا مَا يُفْسِدُهَا فَيَعْمَلُونَهَا كَيْفَمَا اُتُّفِقَ وَيَبِيعُونَهَا لِلنَّاسِ كَذَلِكَ.
وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَشْتَرِيَ الشَّرَابَ مِمَّنْ لَا يَتَحَفَّظُ مِنْهُمْ عَلَى دِينِهِ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَعْقِدُ شَرَابَهُ بالجلاسة وَالتَّرْنِيقِ وَالسُّكَّرِ الْأَحْمَرِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَهُ بِالسُّكَّرِ الطَّيِّبِ فَلَوْ نَفَرَ الْمُشْتَرِي مِنْ سَوَادِ شَرَابِهِمْ قَالُوا لَهُ: هَذَا مِنْ كَثْرَةِ الْفَاكِهَةِ فِيهِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَضَمُّوا إلَى مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ الْغِشِّ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمًا آخَرَ وَهُوَ الْكَذِبُ.
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّ الشَّرَابَ عِنْدَهُمْ عَلَى صِنْفَيْنِ: شَرَابٌ لِأَهْلِ الْبَلَدِ وَشَرَابٌ لِلتُّجَّارِ وَأَهْلِ الْأَرْيَافِ فَالشَّرَابُ الَّذِي يُبَاعُ لِلتُّجَّارِ وَأَهْلِ الْأَرْيَافِ رَدِيءٌ فَيَعْرِضُونَ عَلَيْهِمْ الْعَيْنَ مِنْ النَّوْعِ الطَّيِّبِ فَإِذَا وَصَلَ التُّجَّارُ وَأَهْلُ الْأَرْيَافِ إلَى الْبَلَدِ
стр. 1085
الَّذِي قَصَدُوهُ وَجَدُوهُ رَدِيئًا عَلَى غَيْرِ الْعَيْنِ الَّتِي رَأَوْهَا، وَلَا يُمْكِنُهُمْ الرُّجُوعُ فَمِنْهُمْ مَنْ يَحْذَرُ عَلَى دِينِهِ فَلَا يَبِيعُهُ إلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ فَيَغْرَمُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ غَالِبًا وَهَذَا نَادِرٌ وُقُوعُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُدَلِّسُ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي كَمَا دَلَّسَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ هُوَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَأَنْوَاعُ الْغِشِّ فِي هَذَا النَّوْعِ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَمَا وَقَعَ التَّنْبِيهُ بِهِ يَدُلُّ عَلَى بَاقِيهِ بِالضِّمْنِ. وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَنْصَحَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ بِخَلَاصِ ذِمَّتِهِ وَأَنْ يَنْصَحَ إخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَقْصِدُونَهُ مِنْهُ مِنْ وَضْعِ الْأَشْيَاءِ مَوَاضِعَهَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مَا يُفْعَلُ فِي الْمَطَابِخِ]
ِ اعْلَمْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ الْمَطَابِخَ هِيَ الْأَصْلُ لِلْأَشْرِبَةِ وَفِيهَا أُمُورٌ عَدِيدَةٌ عَجِيبَةٌ يَتَعَيَّنُ التَّنْبِيهُ عَلَى بَعْضِهَا لِيُتَحَفَّظَ مِنْهَا إذْ الْعِلْمُ قَائِمٌ يَأْمُرُ وَيَنْهَى فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَنْدَ إذَا أُتِيَ بِهِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَزِنُونَهُ فِيهِ يَنْكَسِرُ بَعْضُهُ غَالِبًا وَقَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ قَبْلُ؛ فَيَقَعُ بَعْضُهُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَخْتَلِطُ بِزِبْلِ الدَّوَابِّ وَالتُّرَابِ الْمُتَنَجِّسِ ثُمَّ يَضُمُّونَهُ بِمَا اخْتَلَطَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فِي الْأَفْرَادِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ إذَا طُبِخَ وَغُلِيَ وَصُفِّيَ مِنْ الْعُيُونِ طَهُرَ (فَصْلٌ) ثُمَّ إنَّ الْقَنْدَ إذَا كُسِّرَ صَحِيحُهُ فِي الْمَطْبَخِ وَجُعِلَ فِي الْجِفَانِ بَعْدَ طَبْخِهِ وَصَفُّوهُ فِي بَيْتِ التَّعْلِيقِ حَطُّوهُ فِيهِ مَكْشُوفًا فَقَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ بَوْلِ الْفَأْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْحَشَرَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَيْهِ سِيَّمَا الْأَيَّامُ الَّتِي يَكْثُرُ الْخَشَاشُ فِيهَا فَإِذَا أَرَادُوا دَفْنَهُ عَمَدُوا بِهِ إلَى طِينٍ فِي بَيْتِ الدَّفْنِ مُعَدٍّ لِتَغْطِيَتِهِ بِهِ وَذَلِكَ الطِّينُ مَعَ كَوْنِهِ فِي بُيُوتٍ مُظْلِمَةٍ مَكْشُوفَةٍ يَدْخُلُ الصُّنَّاعُ إلَى بَيْتِ الْخَلَاءِ حُفَاةً وَيَمْشُونَ كَذَلِكَ فِي الطَّرَقَاتِ عَلَى النَّجَاسَاتِ - وَبَيْتُ الْخَلَاءِ وَالطُّرُقَاتُ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ - ثُمَّ يَمْشُونَ بِتِلْكَ الْأَقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ الطِّينِ فَيَدُوسُونَهُ بِهَا وَالْغَالِبُ أَنَّ الْفَأْرَةَ
стр. 1086
قَدْ سَكَنَتْ وَوَلَدَتْ فِي ذَلِكَ الطِّينِ فَإِذَا دَاسُوهُ بِأَرْجُلِهِمْ قَتَلُوا أَوْلَادَهَا فَيَخْتَلِطُونَ بِالطِّينِ عَلَى أَنَّهُمْ لَوْ أَخْرَجُوهُمْ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الطِّينَ قَدْ تَنَجَّسَ بِمَوْتِهِمْ ثُمَّ يَجْعَلُونَهُ عَلَى وُجُوهِ الْجِفَانِ طَرِيًّا عِنْدَ دَفْنِهِ فَيَتَشَرَّبُ السُّكَّرَ مِنْ ذَلِكَ الطِّينِ الْمُتَنَجِّسِ ثُمَّ يُعِيدُونَهُ إلَى بَيْتِ التَّعْلِيقِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ
[فَصْلٌ الْخَابِيَةُ الَّتِي يُطْبَخُ فِيهَا السُّكَّرُ]
فَصْلٌ وَأَمَّا الْخَابِيَةُ الَّتِي يُطْبَخُ فِيهَا السُّكَّرُ فَإِنَّهُمْ إذَا مَشَوْا فَوْقَهَا حُفَاةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَعَ كَوْنِهَا مُنْغَسِلَةً وَأَرَادُوا غَسْلَهَا يَغْسِلُونَ أَرْجُلَهُمْ مَعَهَا.
وَأَمَّا الْقَطَّارَةُ فَأَوْعِيَتُهَا مُفَتَّحَةٌ مَكْشُوفَةٌ مَأْوًى لِلْفَأْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْحَشَرَاتِ، ثُمَّ إنَّهُمْ يَسْمِطُونَهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِيَأْخُذُوا مِنْهَا مَا يَبِسَ فِيهَا لَا لِأَجْلِ تَطْهِيرِهَا فَيَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ غُسَالَةٌ رَدِيئَةٌ لِأَجْلِ قَذَارَتِهَا بِسَبَبِ مَا يَلْحَقُهَا وَهِيَ مَكْشُوفَةٌ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُظْلِمَةِ الَّتِي لَا تَخْلُو مِنْ الْحَشَرَاتِ، وَبَوْلُهَا غَالِبًا فِي تِلْكَ الْأَوْعِيَةِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَسِيلُ مِنْ الْأَبَالِجِ فِي بَيْتِ الْقَنْدِ الَّذِي فِي الْمَطْبَخِ إذَا مَضَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ مَعَ مَا يُغْسَلُ مِنْهُ وَهُمْ كُلَّمَا دَخَلُوا أَوْ خَرَجُوا هُنَاكَ دَاسُوا عَلَيْهِ بِأَرْجُلِهِمْ حُفَاةً كَمَا تَقَدَّمَ فَإِذَا أَرَادُوا طَبْخَ هَذِهِ الْغُسَالَةِ جَمَعُوا الْجَمِيعَ وَغَلَوْهُ عَلَى النَّارِ وَجَعَلُوا فِيهِ قَلِيلًا مِنْ اللَّبِنِ لِتَعْلُوَ تِلْكَ الْأَوْسَاخُ عَلَى وَجْهِ الْخَابِيَةِ فَيُزِيلُونَهَا ثُمَّ يُوقِدُونَ عَلَيْهِ النَّارَ حَتَّى يَثْخُنَ ثُمَّ يَدْعُونَهُ فِي الْأَمْطَارِ الْمَكْشُوفَةِ وَيَتْرُكُونَهُ مَكْشُوفًا وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْأَمْطَارِ الْفَأْرَةُ أَوْ زِبْلُهَا أَوْ غَيْرُهَا مِنْ الدَّبِيبِ، فَمِنْهُ مَا يُوجَدُ صَحِيحًا وَمِنْهُ مَا يُوجَدُ وَقَدْ تَزَلَّعْ فَيُزِيلُونَهُ وَيَشِحُّ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الْغَالِبُ بِإِرَاقَتِهَا فَيَبِيعُهَا لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ مُتَنَجِّسَةٌ، وَلَا يُبَيِّنُ، وَلَوْ بَيَّنَ لَمْ يَجُزْ ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الصُّنَّاعِ فِي الْغَالِبِ يَطْبُخُونَهَا، وَلَا يَأْخُذُونَ قِوَامَهَا لِئَلَّا تَنْقُصَ فَيَبْقَى فِيهَا مَائِيَّةٌ فَتَحْمُضُ سَرِيعًا فَمَنْ سَافَرَ بِهَا خَسِرَهَا لِسُرْعَةِ حُمُوضَتِهَا (فَصْلٌ) وَأَمَّا الْقَطَّارَةُ الطَّيِّبَةُ عِنْدَهُمْ فَقَلَّ أَنْ يُخْرِجُوهَا عَلَى وَجْهِهَا بَلْ يَخْلِطُونَ فِي كُلِّ مَطَرٍ مِنْهَا عِنْدَ بَيْعِهِ شَيْئًا مِنْ مَصْلِ الْعُيُونِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ عَصًا
стр. 1087
يُحَرِّكُونَ بِهَا كُلَّ مَطَرٍ حَتَّى يَدْخُلَ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَلَتْ فَوْقَ الْمَطَرِ رَغْوَةٌ صَفْرَاءُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ الْقَطَّارَةُ سَوْدَاءَ فَتَرِقُّ بِذَلِكَ وَيَحْسُنُ لَوْنُهَا فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صَفَاءِ قَنْدِهَا وَأَنَّهَا قَطَّارَةٌ طَيِّبَةٌ عَلَى وَجْهِهَا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ
[فَصْلٌ فِي التَّرْنِيق]
فَصْلٌ وَأَمَّا التَّرْنِيقُ فَيَجْعَلُونَ رَدِيئَهُ فِي قَعْرِ الْجِفَانِ وَطَيِّبَهُ فِي أَعْلَاهَا ثُمَّ يَجْعَلُونَهَا فِي الْهَوَاءِ حَتَّى يَيْبَسَ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلُهَا طَرِيٌّ رَدِيءٌ فَيَظُنُّ مُشْتَرِيهَا أَنَّهَا كُلَّهَا مِثْلُ أَعْلَاهَا يَابِسٌ نَقِيٌّ
(فَصْلٌ) وَأَمَّا السُّكَّرُ الْعَالِي فَلِبَعْضِهِمْ فِيهِ صِنَاعَةٌ عَجِيبَةٌ عِنْدَ مُحَاوِلَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّ قُمْعَ السُّكَّرِ يُرَى ظَاهِرُهُ أَبْيَضَ فَإِذَا أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي وَمَضَى بِهِ وَكَسَرَهُ وَجَدَ بَاطِنَهُ أَحْمَرَ؛ لِأَنَّ التَّاجِرَ إذَا أَرَادَ شِرَاءَهُ إنَّمَا يُقَلِّبُ ظَاهِرَهُ فَإِنْ تَسَلَّخَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ قَبْلَ بَيْعِهِ أَصْلَحُوهُ بِصِنَاعَتِهِمْ الرَّدِيئَةِ فَمَنْ رَآهُ يَظُنُّهُ أَنَّهُ صَحِيحٌ مِنْ أَصْلِهِ فَإِذَا بَقِيَ قَلِيلًا خِيفَ عَلَيْهِ سِيَّمَا عِنْدَ رُكُوبِ الْبَحْرِ وَطُولِ السَّفَرِ وَكَثْرَةِ الشَّيْلِ وَالْحَطِّ
[فَصْلٌ قَطْرُ النَّبَاتِ]
فَصْلٌ وَأَمَّا قَطْرُ النَّبَاتِ فَلِبَعْضِهِمْ فِيهِ أَيْضًا غِشٌّ آخَرُ وَذَلِكَ أَنَّ الطَّرِيَّ مِنْهُ هُوَ الْمَرْغُوبُ فِيهِ بِخِلَافِ قَدِيمِهِ فَإِنَّهُ مَرْغُوبٌ عَنْهُ فَيَأْتِي الْمُشْتَرِي فَيَجِدُهُ فِي قُدُورِهِ فَيَرْغَبُ فِي شِرَائِهِ فَإِذَا أَخَذَهُ مِنْهُمْ عَوَّضُوهُ عَنْهُ بِالْقَدِيمِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ فَيَجِدُهُ فِي الْقَدْرِ فَيَرْغَبُ فِيهِ فَيَشْتَرِيه مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ طَرِيٌّ وَهُوَ قَدِيمٌ، ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى يَفْرُغَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْقَدِيمِ وَهَذَا غِشٌّ وَتَدْلِيسٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ بَلْ لَوْ طَالَ مُكْثُهُ فِي قُدُورِهِ خَالِصًا لَتَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبَيِّنُوا عِنْدَ بَيْعِهِ أَنَّهُ قَدْ صَارَ قَدِيمًا؛ لِأَنَّ الطَّرِيَّ مِنْهُ لَيْسَ كَالْقَدِيمِ
(فَصْلٌ) وَأَمَّا السُّكَّرُ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ ظَاهِرُ أَسْفَلِ الْقِمْعِ أَحْمَرَ يَأْخُذُ بَعْضُهُمْ شَيْئًا مِنْ السُّكَّرِ الْأَبْيَضِ فَيَحُكُّ بِهِ ظَاهِرَ السُّكَّرِ الْأَحْمَرِ بِصَنْعَةٍ لَهُمْ فِيهِ
стр. 1088
فَيَرْجِعُ كَأَنَّهُ أَبْيَضُ فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّ بَاطِنَهُ مِثْلُ ظَاهِرِهِ.
وَهَذِهِ نُبَذٌ مِمَّا يَغُشُّ بِهِ بَعْضُهُمْ وَمَا وَقَعَ التَّنْبِيهُ بِهِ يُغْنِي عَنْ تَتَبُّعِ الْمَسَائِلِ الْبَاقِيَةِ، وَالْأَمْرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ أَرَادَ خَلَاصَ ذِمَّتِهِ وَبَرَاءَتَهَا مِنْ التَّبِعَاتِ وَوُقُوعَ الْبَرَكَةِ لَهُ حَالًا وَمَآلًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَزِيدُ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا يَسِيرًا فِي أُجْرَةِ الصُّنَّاعِ وَالْمُؤَنِ كَشِرَاءِ الْأَوْعِيَةِ الَّتِي يُغَطِّي بِهَا وَزِيَادَةِ ثَمَنِ الْمَاءِ الَّذِي يَغْسِلُونَ بِهِ مَا يَنُوبُهُمْ وَإِجَارَةِ مَنْ يَقُومُ بِتَغْطِيَةِ الْأَوْعِيَةِ وَصِيَانَتِهَا وَإِجَارَةِ أَمِينٍ يَلْحَظُ بِنَظَرِهِ الصُّنَّاعَ فَيَأْمُرُهُمْ بِغَسْلِ أَقْدَامِهِمْ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُنَبَّهَ عَلَى مِثْلِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ وَاجِبٌ وَالْوَاجِبُ قَلَّ أَنْ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ أَهَمُّ أُمُورِهِ عَلَيْهِ مَا كَانَ مِنْ الْفَرَائِضِ وَهَذَا فَرْضٌ فَأَشْبَهَ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ قَبْلُ فِي أُمُورِ الْوَرَّاقَةِ مِنْ أَنَّ صَاحِبَهَا يَشْتَرِطُ عَلَى الصُّنَّاعِ فِعْلَ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ وَإِنْ كَانَتْ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ لَكِنْ لَمَّا أَنْ اعْتَادَ بَعْضُ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ تَرْكَهَا اُحْتِيجَ إلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مِنْ أَمْرِ الْمَطَابِخِ، وَلَوْ كَانَ الصَّانِعُ يَتَحَفَّظُ عَلَى دِينِهِ وَمُسْتَأْجِرُهُ يَطْلُبُ مِنْهُ دَوَامَ الْعَمَلِ وَيَشِحُّ عَلَيْهِ بِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا فَهُوَ آثِمٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَدْخُلُ إيقَاعُهَا بِشُرُوطِهَا فِي الْإِجَارَةِ، وَلَوْ شُرِطَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُعْطِيَهُ الْأُجْرَةَ كَامِلَةً وَيَحْرُمُ عَلَى الصَّانِعِ أَنْ يُطِيعَهُ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالْجُمُعَةِ وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَا يَعْمَلُ عِنْدَ مَنْ هَذَا حَالُهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِجْرَانِهِ فَكَيْفَ يَعْمَلُ عِنْدَهُ وَفِي نَفْسِ الْعَمَلِ عِنْدَهُ إعَانَةٌ لَهُ.
(فَصْلٌ) وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ يَدَّعِي مِنْ أَصْحَابِ الْمَطَابِخِ أَنَّ مَا ذُكِرَ قَبْلُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ لِكَثْرَةِ الْأَوْعِيَةِ لِاحْتِيَاجِهِمْ إلَى ثَمَنِ الْأَغْطِيَةِ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الصُّنَّاعِ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ مَا يُقَالُ لَهُمْ مِمَّا يُؤْمَرُونَ بِهِ أَوْ يُنْهَوْنَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ رَاجِعٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ فَيَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ خَلَاصُ ذِمَّتِهِ وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ وَالْخَيْرُ الْمُتَعَدِّي فِيمَا هُوَ بِسَبِيلِهِ بِسَبَبِ نُصْحِهِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ مَرْضَاهُمْ يَحْتَاجُونَ لِلْغِذَاءِ
стр. 1089
بِالسُّكَّرِ وَالْأَشْرِبَةِ فَكُلُّ مَرِيضٍ تَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ سُكَّرِهِ أَوْ مِنْ الشَّرَابِ الَّذِي عَمِلَهُ بِهِ لَهُ فِيهِ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ اسْتَعْمَلَهُ مِنْ الْأَصِحَّاءِ لِضَرُورَةٍ أَوْ غَيْرِهَا هَذَا لَوْ كَانَ فِي زَمَانِ كُلِّ مَنْ يُبَاشِرُ مَا ذُكِرَ يَتَحَفَّظُ فِيهِ وَيَفْعَلُ الْأَمْرَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْيَوْمُ فَقَدْ عَزَّ وُجُودُ هَذَا فَمَنْ فَعَلَهُ كَانَ مَشْهُودًا لَهُ بِالْجَنَّةِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ فَكَأَنَّمَا أَحْيَانِي وَمَنْ أَحْيَانِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ» فَقَدْ شَهِدَ لَهُ ﵊ بِالْمَعِيَّةِ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ هَذَا وَهُوَ إنَّمَا أَحْيَا سُنَّةً وَاحِدَةً فَمَا بَالُك بِمَنْ أَحْيَا فَرَائِضَ عَدِيدَةً سِيَّمَا وَنَفْعُهَا مُتَعَدٍّ وَالْخَيْرُ الْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ عَلَى الْمَرْءِ نَفْسِهِ مَعَ أَنَّ الْخَيْرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يُعْدَمْ مِنْ النَّاسِ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَإِنْ عُدِمَ فِي قَوْمٍ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي آخَرِينَ وَمَنْ سَأَلَ وَفَحَصَ عَمَّنْ يَشْتَرِي مِنْهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَجِدَ مَنْ هُوَ مُتَحَفِّظٌ عَلَى دِينِهِ لَكِنْ قَدْ يُعَزُّ وُجُودُهُ فِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ السُّكَّرَ السَّالِمَ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَوْجُودٌ وَهُوَ الَّذِي يُعْمَلُ فِي بَعْضِ بِلَادِ الصَّعِيدِ وَيُسَمَّى الْقِفْطِيَّ وَالثَّمَنُ مُتَقَارِبٌ، وَلَوْ غَلَا ثَمَنُهُ لَتَعَيَّنَ شِرَاؤُهُ لِمَنْ يُرِيدُهُ، وَلَوْ فُقِدَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّضَ عَنْهُ بِمَا يُعْمَلُ مِنْ عَسَلِ النَّحْلِ بَعْدَ أَنْ تَبْرُدَ حَرَارَتُهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَعْتَدِلَ وَلِأَجْلِ عَدَمِ النَّظَرِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى أَعْنِي التَّحَفُّظَ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَالنَّظَرُ فِي خَلَاصِ الذِّمَّةِ قَلَّ أَنْ تَرَى مَنْ يَتَسَبَّبُ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إلَّا وَهُوَ يَشْكُو مِنْ عَدَمِ الْفَائِدَةِ أَوْ قِلَّتِهَا أَوْ الْخَسَارَةِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ أَوْ يُعْدَمُ رَأْسُ الْمَالِ وَيُقَوَّمُ وَدُيُونُ النَّاسِ فِي ذِمَّتِهِ؛ كُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ عَدَمِ النَّظَرِ فِي أُمُورِ نَفْسِهِ وَفِكَاكِهَا بِنُصْحِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَلَوْ وَقَعَ النُّصْحُ وَزَادَ عَلَى نَفْسِهِ فِي النَّفَقَةِ قَلِيلًا كَمَا تَقَدَّمَ لَجَاءَتْ الْبَرَكَاتُ تَتْرَى وَلَكَثُرَتْ الْخَيْرَاتُ لَدَيْهِ وَهُوَ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] فَكُلُّ إنْسَانٍ يَرْجِعُ عَمَلُهُ إلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُرِيَنَا الْحَقَّ حَقًّا وَيَرْزُقَنَا اتِّبَاعَهُ وَيُرِيَنَا
стр. 1090
الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَيَرْزُقَنَا اجْتِنَابَهُ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الطَّاحُونِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْفَصْلُ مُتَقَدِّمًا عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ الْقُوتُ الَّذِي بِهِ الْقَوَامُ لَكِنْ لَمَّا أَنْ كَانَ الْفَصْلُ الَّذِي قَبْلَهُ أَوْ أَكْثُرُهُ مُخْتَصًّا بِالْمَرْضَى قُدِّمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَرِيضِ آكَدُ وَضَرُورَتَهُ أَشَدُّ وَالْفَحْصُ عَمَّا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ فِي حَقِّهِ مُتَأَكِّدٌ وَمُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الصَّحِيحِ وَإِنْ كَانَا مَعًا مُتَأَكِّدَيْنِ. فَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الطَّاحُونِ أَنْ يُحْضِرَ نِيَّتَهُ وَيُحْسِنَهَا وَيُنَمِّيَهَا مَهْمَا اسْتَطَاعَ ثُمَّ يَنْوِيَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ تِلْكَ النِّيَّاتِ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا الْعَالِمُ مِنْ بَيْتِهِ وَيَرْجِعُ إلَيْهِ لِيَكُونَ فِي سَبَبِهِ وَهُوَ فِي عِبَادَةٍ مُقْبِلًا عَلَى مَوْلَاهُ فَيَقْصِدُ بِمَا هُوَ فِيهِ أَنْ يُيَسِّرَ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ أَقْوَاتَهُمْ لِكَوْنِهِ يَفْعَلُهَا عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ فَيَكْفِيهِمْ مُؤْنَةَ الْفِكْرِ فِيمَا هُمْ يَتَوَقَّعُونَهُ فِي الطَّحِينِ مِنْ الْمَفَاسِدِ وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ وَالْأَجْرُ الْعَظِيمُ.
أَلَا تَرَى إلَى مَا نُقِلَ فِي الْقِدْرِ إذَا أَعَارَهَا الْإِنْسَانُ كَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَا طُبِخَ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْمِلْحُ إذَا أَعْطَى مِنْهُ شَيْئًا كَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَا طُيِّبَ بِذَلِكَ الْمِلْحِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَمَا بَالُك بِتَخْلِيصِ الْقُوتِ الَّذِي بِهِ قَوَامُ الْبِنْيَةِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي تَعْتَرِيهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّوَابَ فِي هَذَا أَعْظَمُ وَكَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَا يُبَاشِرُهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ إذَنْ بَيْنَ صَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَالتَّطَوُّعِ بِهِمَا وَبَيْنَ سَبَبِهِ بَلْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ مَقْصُورَانِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ سَبَبِهِ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ عَامٌّ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ إذْ إنَّهُ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْدِرُ عَلَى عَمَلِ الطَّاحُونِ فِي بَيْتِهِ وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ أَيْضًا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَطْحَنَ بِيَدِهِ وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ أَيْضًا يَقْدِرُ عَلَى شِرَاءِ جَارِيَةٍ أَوْ عَبْدٍ يَطْحَنَانِ لَهُ وَصَاحِبُ الطَّاحُونِ قَدْ رَفَعَ هَذِهِ الْكُلْفَةَ عَنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَكُونُ تَطَلُّعُهُ وَتَشَوُّقُهُ لِلرِّزْقِ لِرَبِّهِ لَا إلَى السَّبَبِ فَإِنْ شَاءَ أَنْ
следующие страницы →