← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11407

تلبيس إبليس - ط المنهاج

ابن الجوزي

Полный текст (575 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قال: إن كان هذا اعتقاده، فهو كافر، إلّا أنّه ربّما يكون متقوّلا عليه. وبإسناد عن عليّ بن المحسن القاضي، عن أبي القاسم إسماعيل بن محمّد بن زنجي، عن أبيه، أنّ بنت السمري أدخلت على حامد الوزير، فسألها عن الحلّاج، فقالت: حملني أبي إليه، فقال: قد زوّجتك من ابني سليمان، وهو مقيم بنيسابور، فمتى جرى شيء تنكرينه من جهته، فصومي يومك، واصعدي في آخر النّهار إلى السّطح، وقومي على الرّماد، واجعلي فطرك عليه، وعلى ملح جريش، واستقبليني بوجهك، واذكري لي ما أنكرتيه منه، فإنّي أسمع وأرى. قالت: وكنت ليلة نائمة في السّطح، فأحسست به قد غشيني، فانتبهت مذعورة لما كان منه، فقال: إنّما جئتك لأوقظك للصّلاة، فلمّا نزلنا، قالت ابنته: اسجدي له. فقلت: أو يسجد أحد لغير الله؟ فسمع كلامي، فقال: نعم، إله في السّماء، وإله في الأرض. قال المصنف: اتّفق علماء العصر على إباحة دم الحلّاج، فأوّل من قال: إنّه حلال الدّم: أبو عمر القاضي، ووافقه العلماء، وإنّما سكت عنه أبو العبّاس بن سريج، قال: وقال: لا أدري ما يقول، والإجماع دليل معصوم من الخطإ. وبإسناد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله أجاركم أن تجتمعوا على ضلالة كلّكم» (١). وبإسناد عن أبي القاسم يوسف بن يعقوب النعماني قال: سمعت والدي يقول: سمعت أبا بكر محمّد بن داود الفقيه الأصبهانيّ يقول: إن كان ما أنزل الله على نبيّه ﷺ حقّا، فما يقول الحلّاج باطل، وكان شديدا عليه.

стр. 247

قال المصنّف: وقد تعصّب للحلّاج جماعة من الصّوفيّة؛ جهلا منهم، وقلّة مبالاة بإجماع الفقهاء. وبإسناد عن محمّد بن الحسين النّيسابوريّ قال: سمعت إبراهيم بن محمّد النصر آباذي كان يقول: إن كان بعد النّبيّين والصّدّيقين موحّد، فهو الحلّاج. وعلى هذا أكثر قصّاص زماننا، وصوفيّة وقتنا، جهلا من الكلّ بالشّرع، وبعدا عن معرفة النّقل، وقد جمعت في أخبار الحلّاج كتابا بيّنت فيه حيله ومخاريقه، وما قال العلماء فيه، والله المعين على قمع الجهّال. وبإسناد عن أبي نعيم الحافظ قال: سمعت عمر البنّا البغداديّ بمكّة يحكي أنّه لمّا كانت محنة غلام الخليل، ونسبة الصّوفيّة إلى الزّندقة، أمر الخليفة بالقبض عليهم، فأخذ النّوريّ في جماعة، فأدخلوا على الخليفة، فأمر بضرب أعناقهم، فتقدّم النّوريّ مبتدرا إلى السّيّاف ليضرب عنقه، فقال له السّيّاف: ما دعاك إلى البدار؟ قال: آثرت حياة أصحابي على حياتي هذه اللّحظة، فتوقّف السّيّاف، فرفع الأمر إلى الخليفة، فردّ أمرهم إلى قاضي القضاة إسماعيل بن إسحاق، فأمر بتخليتهم. وبإسناد إلى أبي العبّاس أحمد بن عطاء قال: كان يسعى بالصّوفيّة ببغداد غلام الخليل إلى الخليفة، فقال: هاهنا قوم زنادقة، فأخذ أبو الحسين النّوري، وأبو حمزة الصّوفيّ، وأبو بكر الزّقّاق، وجماعة من أقران هؤلاء، واستتر الجنيد بن محمّد بالفقه على مذهب أبي ثور، فأدخلوا إلى الخليفة، فأمر بضرب أعناقهم، فأوّل من بدر أبو الحسين النّوريّ، فقال له السّيّاف: لم بادرت أنت من بين أصحابك ولم ترع؟ قال: أحببت أن أوثر أصحابي بالحياة مقدار هذه السّاعة، فردّ الخليفة أمرهم إلى القاضي، فأطلقوا. قال المصنف: ومن أسباب هذه القصّة، قول النّوريّ: أنا أعشق الله، والله يعشقني،

стр. 248

فشهد عليه بهذا، ثمّ تقدّم النّوريّ إلى السّيّاف ليقتل إعانة على نفسه، فهو خطأ أيضا. وبإسناد عن ابن باكويه، قال: سمعت أبا عمرو تلميذ الرّقّي قال: سمعت الرّقّيّ يقول: كان لنا بيت ضيافة، فجاءنا فقير، عليه خرقتان يكنى بأبي سليمان، فقال: الضّيافة. فقلت لابني: امض به إلى البيت، فأقام عندنا تسعة أيّام، فأكل في كلّ ثلاثة أيّام أكلة، فسألته المقام، فقال: الضّيافة ثلاثة أيّام. فقلت له: لا تقطع عنّا أخبارك، فغاب عنّا اثنتي عشرة سنة، ثمّ قدم، فقلت: من أين؟ فقال: رأيت شيخا يقال له: أبو شعيب المقفّع مبتلى، فأقمت عنده أخدمه سنة، فوقع في نفسي أن أسأله: أيّ شيء كان أصل بلائه؟ فلمّا دنوت منه ابتدأني قبل أن أسأله، فقال: وما سؤالك عمّا لا يعنيك، فصبرت حتّى تمّ لي ثلاث سنين، فقال في الثّالثة: لا بدّ لك، فقلت له: إن رأيت. فقال: بينما أنا أصلّي باللّيل، إذ لاح لي من المحراب نور، فقلت له: اخسأ يا ملعون، فإنّ ربّي غنيّ عن أن يبرز للخلق ثلاث مرّات. قال: ثمّ سمعت نداء من المحراب: يا أبا شعيب، فقلت: لبّيك. فقال: تحبّ أن أقبضك في وقتك، أو نجازيك على ما مضى لك، أو نبتليك ببلاء نرفعك به في عليّين؟ فاخترت البلاء، فسقطت عيناي ويداي ورجلاي، قال: فمكثت أخدمه تمام اثنتي عشرة سنة. فقال يوما من الأيّام: ادن منّي، فدنوت منه، فسمعت أعضاءه يخاطب بعضها بعضا: ابرز، حتّى برزت أعضاؤه كلّها بين يديه وهو يسبّح ويقدّس، ثمّ مات. قال المصنف: وهذه الحكاية توهم أنّ الرّجل رأى الله ، فلمّا أنكر عوقب، وقد ذكرنا أنّ قوما يقولون: إنّ الله يرى في الدّنيا. وقد حكى أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي في كتاب «المقالات» قال: قد حكى

стр. 249

قوم من المشبّهة أنّهم يجيزون رؤية الله تعالى بالأبصار في الدّنيا، وأنّهم لا ينكرون أن يكون بعض من تلقاهم في السّكك، وإنّ قوما يجيزون مع ذلك مصافحته وملازمته، وملامسته، ويدعون أنّهم يزورونه، ويزورهم، وهم يسمّون بالعراق: أصحاب الباطن، وأصحاب الوساوس، وأصحاب الخطرات. قال المصنف: وهذا فوق القبيح، نعوذ بالله من الخذلان. ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الطهارة: قال المصنّف: قد ذكرنا تلبيسه على العبّاد في الطّهارة، إلّا أنّه قد زاد في حقّ الصّوفيّة على الحدّ، فقوّى وساوسهم في استعمال الماء الكثير حتّى بلغني أنّ ابن عقيل دخل رباطا فتوضّأ، فضحكوا لقلّة استعماله الماء، وما علموا أنّ من أشبع الوضوء برطل من الماء كفاه. وبلغنا عن أبي حامد الشّيرازي أنّه قال لفقير: من أين تتوضّأ؟ فقال: من النّهر، بي وسوسة في الطّهارة. قال: كان عهدي بالصّوفيّة يسخرون من الشّيطان، والآن يسخر بهم الشّيطان، ومنهم من يمشي بالمداس على البواري، وهذا الّذي لا بأس به، إلّا أنّه ربّما نظر المبتدئ إلى من يقتدي به، فيظنّ ذلك شريعة، وما كان خيار السّلف على هذا، والعجب ممّن يبالغ في الاحتراز إلى هذا الحدّ متّصفا بتنظيف ظاهره، وباطنه محشوّ بالوسخ والكدر، والله الموفّق. ذكر تلبيس إبليس عليهم في الصلاة: قال المصنف: وقد ذكرنا تلبيسه على العبّاد في الصّلاة، وهو بذلك يلبّس على الصّوفيّة ويزيد، وقد ذكر محمّد بن طاهر المقدسيّ أنّ من سنّتهم الّتي ينفردون بها، وينتسبون إليها صلاة ركعتين بعد لبس المرقعة والتّوبة، واحتجّ عليه بحديث ثمامة بن أثال: «أنّ النّبيّ ﷺ

стр. 250

أمره حين أسلم أن يغتسل» (١). قال المصنّف: وما أقبح الجاهل إذ تعاطى ما ليس من شغله، فإنّ ثمامة كان كافرا فأسلم، وإذا أسلم الكافر، وجب عليه الغسل في مذهب جماعة من الفقهاء، منهم: أحمد ابن حنبل. وأمّا صلاة ركعتين، فما أمر بها أحد من العلماء لمن أسلم، وليس في حديث ثمامة ذكر صلاة ركعتين، فيقاس عليه، وهل هذا إلّا ابتداع في الواقع سمّوه سنّة. ثمّ من أقبح الأشياء قوله: إنّ الصّوفيّة ينفردون بسنن؛ لأنّها إن كانت منسوبة إلى الشّرع، فالمسلمون كلّهم فيها سواء، والفقهاء أعرف بها، فما وجه انفراد الصّوفيّة بها، وإن كانت بآرائهم فإنّما انفردوا بها؛ لأنّهم اخترعوها. ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في المساكن: قال المصنّف: أمّا بناء الأربطة، فإنّ قوما من المتعبّدين الماضين اتّخذوها للانفراد بالتّعبّد، وهؤلاء إذا صحّ قصدهم، فهم على الخطإ من ستّة أوجه: أحدها: أنّهم ابتدعوا هذا البناء، وإنّما بنيان أهل الإسلام المساجد. والثاني: أنّهم جعلوا للمساجد نظيرا يقلّل جمعها. والثالث: أنّهم أفاتوا أنفسهم نقل الخطا إلى المساجد. والرابع: أنّهم تشبّهوا بالنّصارى بانفرادهم في الأديرة. والخامس: أنّهم تعذّبوا، وهم شباب، وأكثرهم محتاج إلى النّكاح. والسادس: أنّهم جعلوا لأنفسهم علما ينطق بأنّهم زهّاد، فيوجب ذلك زيارتهم والتّبرّك

стр. 251

بهم، وإن كان قصدهم غير صحيح، فإنّهم قد بنوا دكاكين للكوبة، ومناخا للبطالة، وأعلاما لإظهار الزّهد. وقد رأينا جمهور المتأخّرين منهم مستريحين في الأربطة من كدّ المعاش، متشاغلين بالأكل، والشّرب، والغناء، والرّقص، يطلبون الدّنيا من كلّ ظالم، ولا يتورّعون من عطاء ماكس، وأكثر أربطتهم قد بناها الظّلمة، ووقفوا عليها الأموال الخبيثة، وقد لبّس عليهم إبليس أنّ ما يصل إليكم رزقكم، فأسقطوا عن أنفسكم كلفة الورع. فمهمّتهم دوران المطبخ، والطّعام، والماء المبرد، فأين جوع بشر، وأين ورع سريّ، وأين جدّ الجنيد؟ وهؤلاء أكثر زمانهم ينقضي في التّفكّه بالحديث، أو زيارة أبناء الدّنيا، فإذا أفلح أحدهم، أدخل رأسه في زرمانقته، فغلبت عليه السّوداء، فيقول: حدّثني قلبي عن ربّي، ولقد بلغني أنّ رجلا قرأ القرآن في رباط، فمنعوه، وأنّ قوما قرؤوا الحديث في رباط، فقالوا لهم: ليس هذا موضعه، والله الموفّق. ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الخروج عن الأموال والتجرد عنها: كان إبليس يلبّس على أوائل الصّوفيّة لصدقهم في الزّهد، فيريهم عيب المال، ويخوّفهم من شرّه، فيتجرّدون من الأموال، ويجلسون على بساط الفقر، وكانت مقاصدهم صالحة، وأفعالهم في ذلك خطأ؛ لقلّة العلم. فأمّا الآن، فقد كفي إبليس هذه المؤنة، فإنّ أحدهم إذا كان له مال، أنفقه تبذيرا وضياعا، والحديث بإسناد عن محمّد بن الحسين السّليميّ، قال: سمعت أبا نصر الطّوسيّ قال: سمعت جماعة من مشايخ الرّيّ يقولون: ورث أبو عبد الله المقري من أبيه خمسين ألف دينار سوى الضّياع، والعقار، فخرج عن ذلك كلّه، وأنفقه على الفقراء. وقد روي مثل هذا عن جماعة كثيرة، وهذا الفعل لا ألوم صاحبه إذا كان يرجع إلى

стр. 252

كفاية قد ادّخرها لنفسه، أو إن كانت له صناعة يستغني بها عن النّاس، أو كان المال عن شبهة، فتصدّق به. أمّا إذا أخرج المال الحلال كلّه، ثمّ احتاج إلى ما في أيدي النّاس، وأفقر عياله، فهو إمّا أن يتعرّض لمنن الإخوان، أو لصدقاتهم، أو أن يأخذ من أرباب الظّلم والشّبهات، فهذا هو الفعل المذموم المنهيّ عنه. ولست أتعجّب من المتزهّدين الّذين فعلوا هذا مع قلّة علمهم، وإنّما العجب من أقوام لهم عقل وعلم كيف حثّوا على هذا، وأمروا به مع مصادمته للعقل والشّرع، وقد ذكر الحارث المحاسبيّ في هذا كلاما طويلا، وشيّده أبو حامد الغزاليّ ونصره، والحارث عندي أعذر من أبي حامد؛ لأنّ أبا حامد كان أفقه غير أنّ دخوله في التّصوّف أوجب عليه نصرة ما دخل فيه. فمن كلام الحارث المحاسبيّ في هذا أنّه قال: أيّها المفتون، متى زعمت أنّ جمع المال الحلال أعلى وأفضل من تركه، فقد أزريت بمحمّد ﷺ والمرسلين، وزعمت أنّ محمّدا ﷺ لم ينصح الأمّة، إذ نهاهم عن جمع المال، وقد علم أنّ جمعه خير لهم، وزعمت أنّ الله لم ينظر لعباده حين نهاهم عن جمع المال، وقد علم أنّ جمعه خير لهم، وما ينفعك الاحتجاج بمال الصّحابة. ودّ بن عوف في القيامة أنّه لم يؤت من الدّنيا إلّا قوتا. قال: ولقد بلغني أنّه لمّا توفّي عبد الرّحمن بن عوف، فقال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : إنّا نخاف على عبد الرّحمن فيما ترك، قال كعب: سبحان الله! وما تخافون على عبد الرّحمن، كسب طيّبا، وأنفق طيّبا، فبلغ ذلك أبا ذرّ، فخرج مغضبا يريد كعبا، فمرّ بلحي بعير، فأخذه بيده، ثمّ انطلق يطلب كعبا، فقيل لكعب: إنّ أبا ذرّ طلبك، فخرج هاربا

стр. 253

حتّى دخل على عثمان يستغيث به، وأخبره الخبر، فأقبل أبو ذرّ يقتصّ الأثر في طلب كعب حتّى انتهى إلى دار عثمان، فلمّا دخل قام كعب، فجلس خلف عثمان هاربا من أبي ذرّ، فقال له أبو ذرّ: هيه يابن اليهوديّة، تزعم أنّه لا بأس بما ترك عبد الرّحمن بن عوف، لقد خرج رسول الله ﷺ يوما، فقال: «الأكثرون هم الأقلّون يوم القيامة، إلّا من قال هكذا وهكذا». ثمّ قال: «يا أبا ذرّ، وأنت تريد الأكثر، وأنا أريد الأقلّ» (١)، فرسول الله ﷺ يريد هذا، وأنت تقول يابن اليهوديّة: لا بأس بما ترك عبد الرّحمن بن عوف، كذبت وكذب من قال بقولك، فلم يردّ عليه حرفا حتّى خرج. قال الحارث: فهذا عبد الرّحمن مع فضله يوقف في عرصة القيامة بسبب مال كسبه من حلال للتّعفّف، ولصنائع المعروف، فيمنع من السّعي إلى الجنّة مع فقراء المهاجرين، وصار يحبو في آثارهم حبوا، وقد كان الصّحابة ﵃ إذا لم يكن عندهم شيء فرحوا، وأنت تدّخر المال، وتجمعه خوفا من الفقر، وذلك من سوء الظّنّ بالله، وقلّة اليقين بضمانه، وكفى به دائما، وعساك تجمع المال لنعيم الدّنيا، وزهرتها، ولذّاتها؟ وقد بلغنا أنّ رسول الله ﷺ قال: «من أسف على دنيا فاتته، قرب من النّار مسيرة سنة» (٢). وأنت تأسف على ما فاتك غير مكترث بقربك من عذاب الله ، ويحك! هل تجد في دهرك من الحلال كما وجدت الصّحابة، وأين الحلال فتجمعه، ويحك! إنّي لك ناصح، أرى لك أنّك تقنع بالبلغة، ولا تجمع المال لأعمال البرّ، فقد سئل بعض أهل العلم عن الرّجل يجمع المال لأعمال البرّ، فقال: تركه أبرّ منه. وبلغنا أنّ بعض خيار التّابعين سئل عن رجلين أحدهما طلب الدّنيا حلالا، فأصابها،

стр. 254

فوصل بها رحمه، وقدّم منها لنفسه، والآخر جانبها، ولم يطلبها، ولم يبذلها، فأيّهما أفضل؟ فقال: بعيد - والله - ما بينهما، الّذي جانبها أفضل كما بين مشارق الأرض ومغاربها. قال المصنّف: فهذا كلّه كلام الحارث المحاسبيّ، ذكره أبو حامد، وشيّده وقوّاه بحديث ثعلبة، فإنّه أعطي المال، فمنع الزّكاة (١). قال أبو حامد: فمن راقب أحوال الأنبياء والأولياء، وأقوالهم، لم يشكّ في أنّ فقد المال أفضل من وجوده، وإن صرف إلى الخيرات، إذ أقلّ ما فيه اشتغالهم بإصلاحه عن ذكر الله ، فينبغي للمريد أن يخرج من ماله حتّى لا يبقى له إلّا قدر ضرورته، فما بقي له درهم يلتفت إليه قلبه، فهو محجوب عن الله . قال المصنّف: وهذا كلّه بخلاف الشّرع، والعقل، وسوء فهم للمراد بالمال. أمّا شرف المال، فإنّ الله عظّم قدره، وأمر بحفظه، إذ جعله قواما للآدميّ الشّريف، فهو شريف، فقال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً﴾ [النساء: ٥]، ونهى أن يسلّم المال إلى غير رشيد، فقال: ﴿وَاِبْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. وقد صحّ عن رسول الله ﷺ أنّه نهى عن إضاعة المال (٢)، وقال لسعد: «لأن تترك ورثتك أغنياء، خير لك من أن تتركهم عالة يتكفّفون النّاس» (٣).

стр. 255

وقال: «ما نفعني مال كمال أبي بكر» (١). والحديث بإسناد مرفوع، عن عمرو بن العاص، قال: بعث إليّ رسول الله ﷺ فقال: «خذ عليك ثيابك وسلاحك، ثمّ ائتني»، فأتيته، فقال: «إنّي أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة»، فقلت: يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال؛ ولكنّي أسلمت رغبة في الإسلام. فقال: «يا عمرو، نعم المال الصّالح للرّجل الصّالح» (٢). والحديث بإسناد عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله ﷺ دعا له بكلّ خير، وكان في آخر دعائه أن قال: «اللهمّ أكثر ماله، وولده، وبارك له» (٣). وبإسناد عن عبد الرّحمن بن كعب بن مالك أنّ عبيد الله بن كعب بن مالك قال: سمعت كعب بن مالك يحدّث حديث توبته، قال: فقلت: يا رسول الله، إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ، وإلى رسوله ﷺ ، فقال: «أمسك بعض مالك، فهو خير لك» (٤). قال المصنّف: فهذه الأحاديث مخرّجة في الصّحاح، وهي خلاف ما تعتقده المتصوّفة، من أنّ إكثار المال حجاب وعقوبة، وأنّ حبسه ينافي التّوكّل. ولا ينكر أنّه يخاف من فتنته، وإنّ خلقا كثيرا اجتنبوه لخوف ذلك، وأنّ جمعه من وجه يعزّ، وسلامة القلب من الافتتان به يبعده، واشتغال القلب مع وجوده بذكر الآخرة

стр. 256

يندر، ولهذا خيف فتنته. فأمّا كسب المال، فإنّ من اقتصر على كسب البلغة من حلّها، فذلك أمر لا بدّ منه. وأمّا من قصد جمعه، والاستكثار منه من الحلال، نظرنا في مقصوده، فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة، فبئس المقصود، وإن قصد إعفاف نفسه، وعائلته، وادّخر لحوادث زمانه وزمانهم، وقصد التّوسعة على الإخوان، وإغناء الفقراء، وفعل المصالح، أثيب على قصده، وكان جمعه بهذه النّيّة أفضل من كثير من الطّاعات. وقد كان نيّات خلق كثير من الصّحابة ﵃ أجمعين - في جمع المال سليمة؛ لحسن مقاصدهم لجمعه، فحرصوا عليه، وسألوا زيادته. وبإسناد عن ابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ أقطع الزّبير حضر فرسه بأرض يقال لها: ثوير، فأجرى فرسه حتّى قام، ثمّ رمى سوطه، فقال: «أعطوه حيث بلغ السّوط» (١)، وكان سعد بن عبادة يدعو فيقول: اللهمّ وسّع عليّ. قال المصنف: وأبلغ من هذا أنّ يعقوب ﵊، لمّا قال له بنوه: ﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥]، مال إلى هذا، وأرسل ابنه بنيامين معهم، وأنّ شعيبا طمع في زيادة ما يناله، فقال: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧]. وأنّ أيّوب ﵇ لمّا عوفي، نثر عليه رجل جراد من ذهب، فأخذ يحثو في ثوبه يستكثر منه، فقيل له: «أما شبعت؟ قال: يا ربّ، من يشبع من فضلك» (٢)، وهذا أمر مركوز في الطّباع، فإذا قصد به الخير، كان خيرا محضا. وأمّا كلام المحاسبيّ، فخطأ يدلّ على الجهل بالعلم، وقوله: إنّ الله نهى عباده

стр. 257

عن جمع المال، وأنّ رسول الله ﷺ نهى أمّته عن جمع المال، فهذا محال، وإنّما النّهي عن سوء القصد بالجمع، أو عن جمعه من حلّه. وما ذكره من حديث كعب، وأبي ذرّ، فمحال من وضع الجهّال، وخفاء صحّته عنه ألحقه بالقوم، وقد روي بعض هذا، وإن كان طريقه لا يثبت. وبإسناد عن مالك بن عبد الله الزّياديّ، عن أبي ذرّ أنّه جاء يستأذن على عثمان، فأذن له، وبيده عصاه، فقال عثمان: يا كعب، إنّ عبد الرّحمن توفّي وترك مالا، فما ترى فيه؟ فقال: إن كان يصل فيه حقّ الله تعالى، فلا بأس، فرفع أبو ذرّ عصاه، فضرب كعبا، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أحبّ لو أنّ لي هذا الجبل ذهبا أنفقه، ويتقبّل منّي أذر خلفي ستّ أواق»، أنشدك بالله يا عثمان، أسمعت هذا؟ ثلاث مرّات. قال: نعم (١). قال المصنف: وهذا الحديث لا يثبت، وابن لهيعة: مطعون فيه. قال يحيى: لا يحتجّ بحديثه. والصّحيح: في التّاريخ أنّ أبا ذرّ توفّي سنة خمس وعشرين، وعبد الرّحمن توفّي سنة اثنتين وثلاثين، فقد عاش بعد أبي ذرّ سبع سنين، ثمّ لفظ ما ذكروه من حديثهم يدلّ على أنّ حديثهم موضوع. ثمّ كيف تقول الصّحابة ﵃: إنّا نخاف على عبد الرّحمن، أو ليس الإجماع منعقدا على إباحة جمع المال من حلّه، فما وجه الخوف مع الإباحة، أو يأذن الشّرع في شيء، ثمّ يعاقب عليه، هذا قلّة فهم وفقه، ثمّ تعلّقه بعبد الرّحمن وحده دليل على أنّه لم يسر سيرة الصّحابة، فإنّه قد خلّف طلحة ثلاث مئة بهار، في كلّ بهار ثلاثة قناطير، والبهار: الحمل، وكان مال الزّبير خمسين ألف ألف، ومئتي ألف، وخلّف بن مسعود ﵁ تسعين ألفا،

стр. 258

وأكثر الصّحابة كسبوا الأموال، وخلّفوها، ولم ينكر أحد منهم على أحد. وأما قوله: إنّ عبد الرّحمن يحبو حبوا يوم القيامة، فهذا دليل على أنّه لا يعرف الحديث، أو كان هذا مناما، وليس هو في اليقظة. أعوذ بالله من أن يحبو عبد الرّحمن في القيامة، أفترى من يسبق إذا حبا عبد الرّحمن بن عوف، وهو من العشرة المشهود لهم بالجنّة، ومن أهل بدر المغفور لهم، ومن أصحاب الشّورى. ثمّ الحديث يرويه عمارة بن زاذان، وقال البخاريّ: ربّما اضطرب حديثه. وقال أحمد: يروي عن أنس أحاديث مناكير. وقال أبو حاتم الرّازيّ: لا يحتجّ به. وقال الدّارقطنيّ: ضعيف. أخبرنا أبو الحصين مرفوعا إلى عمارة، عن ثابت، عن أنس ﵁، قال: بينما عائشة ﵂ في بيتها سمعت صوتا في المدينة، فقالت: ما هذا؟ فقالوا: عير لعبد الرّحمن ابن عوف قدمت من الشّام تحمل من كلّ شيء، قال: وكانت سبع مئة بعير، فارتجّت المدينة من الصّوت. فقالت عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قد رأيت عبد الرّحمن بن عوف يدخل الجنّة حبوا»، فبلغ ذلك عبد الرّحمن بن عوف، فقال: إن استطعت لأدخلنّها قائما، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله (١). وقوله: ترك المال الحلال أفضل من جمعه، ليس كذلك، بل متى صحّ القصد، فجمعه أفضل بلا خلاف عند العلماء. والحديث الّذي ذكره عن رسول الله ﷺ : «من أسف على دنيا فاتته … إلخ» (٢)،

стр. 259

محال، ما قاله رسول الله ﷺ قطّ. وقوله: هل تجد في دهرك حلالا، فيقال له: وما الّذي أصاب الحلال، والنّبيّ ﷺ يقول: «الحلال بيّن، والحرام بيّن» (١)، أترى يريد بالحلال وجود حبّة مذ خرجت من المعدن ما تقلّبت في شبهة، هذا يبعد، وما طولبنا به. بل لو باع المسلم يهوديّا، كان الثّمن حلالا بلا شكّ، هذا مذهب الفقهاء، وأعجب لسكوت أبي حامد، بل لنصرته ما حكى، وكيف يقول: إنّ فقد المال أفضل من وجوده وإن صرف إلى الخيرات، ولو ادّعي الإجماع على خلاف هذا لصحّ، ولكنّ تصوّفه غير فتواه. وعن المروزيّ قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبد الله: إنّي في كفاية، فقال: الزم السّوق، تصل به الرّحم، وتعود المرضى. وقوله: ينبغي للمريد أن يخرج من ماله، قد بيّنا أنّه إن كان حراما، أو فيه شبهة، أو إن يقنع هو باليسير، أو بالكسب جاز له أن يخرج منه، وإلّا فلا وجه لذلك، وأمّا ثعلبة فما ضرّه المال، إنّما ضرّه البخل بالواجب. وأمّا الأنبياء، فقد كان لإبراهيم ﵊ زرع ومال، ولشعيب ولغيره، وكان سعيد بن المسيب ﵁ يقول: لا خير فيمن لا يطلب المال يقضي به دينه، ويصون به عرضه، ويصل به رحمه، فإن مات، تركه ميراثا لمن بعده، وخلّف ابن المسيب أربع مئة دينار، وقد ذكرنا ما خلّفت الصّحابة. وقد خلّف سفيان الثّوريّ ﵁ مئتين، وكان يقول: المال في هذا الزّمان سلاح، وما زال السّلف يمدحون المال، ويجمعونه للنّوائب، وإعانة الفقراء. وإنّما تجافاه قوم منهم إيثارا للتّشاغل بالعبادات، وجمع الهمم، فقنعوا باليسير، لو قال

стр. 260

هذا القائل أنّ التّقلّل منه أولى، قرب الأمر، ولكنّه زاحم به مرتبة الإثم. واعلم أنّ الفقر مرض، فمن ابتلي به فصبر، أثيب على صبره، ولهذا يدخل الفقراء الجنّة قبل الأغنياء بخمس مئة عام لمكان صبرهم على البلاء، والمال نعمة، والنّعمة تحتاج إلى شكر، والغنيّ وإن تعبّد وخاطر كالمفتي والمجاهد، والفقير كالمعتزلة في زاوية. وقد ذكر أبو عبد الرّحمن السّلميّ في كتاب «سنن الصّوفيّة» باب كراهية أن يخلّف الفقير شيئا، فذكر حديث الّذي مات من أهل الصّفّة، وخلّف دينارين، فقال رسول الله: «كيّتان» (١). قال المصنف: وهذا احتجاج من لا يفهم الحال، فإنّ ذلك الفقير كان يزاحم الفقراء في أخذ الصّدقة، وحبس ما معه، فلذلك قال: «كيّتان»، ولو كان المكروه نفس ترك المال لما قال رسول الله ﷺ لسعد: «إنّك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون النّاس» (٢)، ولما كان أحد من الصّحابة يخلّف شيئا. وقد قال عمر بن الخطّاب ﵁: «حثّ رسول الله ﷺ على الصّدقة، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : «وما أبقيت لأهلك؟»، فقلت: مثله (٣)، فلم ينكر عليه رسول الله ﷺ . قال ابن جرير الطبريّ: وفي هذا الحديث دليل على بطلان ما يقوله جهلة المتصوّفة أن ليس للإنسان ادّخار شيء في يومه لغده، وأنّ فاعل ذلك قد أساء الظّنّ بربه، ولم يتوكّل عليه حقّ توكّله.

стр. 261

قال ابن جرير: وكذلك قوله ﵊: «اتّخذوا الغنم، فإنّها بركة» (١)، فيه دلالة على فساد قول من زعم من المتصوّفة أنّه لا يصحّ لعبد التّوكّل على ربّه إلّا بأن يصبح ولا شيء عنده من عين، ولا عرض، ويمسي كذلك، ألا ترى كيف ادّخر رسول الله ﷺ لأزواجه قوت سنة (٢). وقد خرج أقوام من أموالهم الطّيّبة، ثمّ عادوا يتعرّضون للأوساخ، ويطلبون، وهذا لأنّ حاجة الإنسان لا تنقطع، والعاقل يعدّ للمستقبل، وهؤلاء مثلهم في إخراج المال عند بداية تزهّدهم مثل من روى في طريق مكّة، فبدّد الماء الّذي معه. والحديث بإسناد عن جابر بن عبد الله، قال: قدم أبو حصين السّلميّ بذهب من معدنهم، فقضى دينا كان عليه، وفضل معه مثل بيضة الحمامة، فأتى بها رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ضع هذه حيث أراك الله، أو حيث رأيت، قال: فجاءه عن يمينه، فأعرض عنه، ثمّ جاء عن يساره، فأعرض عنه، ثمّ جاءه من بين يديه، فنكس رسول الله ﷺ رأسه، فلمّا أكثر عليه، أخذها من يديه، فحذفه بها، لو أصابته لعقرته، ثمّ أقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقال: «يعمد أحدكم إلى ماله فيتصدّق به، ثمّ يقعد فيتكفّف النّاس، وإنّما الصّدقة عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول» (٣). وقد رواه أبو داود في «سننه» من حديث محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله، قال: كنّا عند رسول الله ﷺ ، إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله، أصبت هذا من معدن، فخذها، فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، ثمّ أتاه من قبل ركنه الأيمن، فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثمّ أتاه من قبل ركنه الأيسر، فأعرض عنه

стр. 262

رسول الله ﷺ ، ثمّ أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله ﷺ فحذفه بها، فلو أصابته لأقصعته، أو لعقرته، فقال رسول الله ﷺ : «يأتي أحدكم بما يملك، فيقول: هذه صدقة، ثمّ يقعد يتكفّف النّاس، خير الصّدقة ما كان عن ظهر غنى». وفي رواية أخرى: «خذ عنّا مالك، لا حاجة لنا به» (١). وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: دخل رجل المسجد، فأمر رسول الله ﷺ أن يطرحوا ثيابا، فطرحوا، فأمر له منها بثوبين، ثمّ حثّ على الصّدقة، فجاء فطرح أحد الثّوبين، فصاح به: «خذ ثوبك» (٢). قال المصنف: ونقلت من خطّ أبي الوفاء بن عقيل: قال: قال ابن شاذان: دخل جماعة من الصّوفيّة على الشّبلي، فأنفذ إلى بعض المياسير يسأله مالا ينفقه عليهم، فردّ الرّسول وقال: يا أبا بكر، أنت تعرف الحقّ، فهلّا طلبت منه، فقال للرّسول: ارجع إليه، وقل له: الدّنيا سفلة، اطلبها من سفلة مثلك، واطلب الحقّ من الحقّ، فبعث إليه بمئة دينار. قال ابن عقيل: إن كان أنفذ إليه المئة دينار للافتداء من هذا الكلام القبيح وأمثاله، فقد أكل الشبليّ الخبيث من الرّزق، وأطعم أضيافه منه. وقد كان لبعضهم بضاعة فأنفقها، وقال: ما أريد أن تكون ثقتي إلّا بالله، وهذا قلّة فهم؛ لأنّهم يظنّون أنّ التّوكّل قطع الأسباب، وإخراج الأموال. أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا الخطيب، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: أنبأنا جعفر الخلديّ في كتابه قال: سمعت الجنيد يقول: دققت على أبي يعقوب الزيّات بابه في جماعة

стр. 263

من أصحابنا، فقال: ما كان لكم شغل في الله يشغلكم عن المجيء إليّ. فقلت له: إذا كان مجيئنا إليك من شغلنا به فلم ننقطع عنه، فسألته عن مسألة في التّوكّل، فأخرج درهما كان عنده، ثمّ أجابني، فأعطى التّوكّل حقّه، ثمّ قال: استحييت من الله أن أجيبك وعندي شيء. قال المصنف: لو فهم هؤلاء معنى التّوكّل، وأنّه ثقة القلب بالله ، لا إخراج صور المال، ما قال هؤلاء هذا الكلام، ولكن قلّ فهمهم، وقد كان سادات الصّحابة والتّابعين يتّجرون ويجمعون الأموال، وما قال مثل هذا أحد منهم. وقد روّينا عن أبي بكر الصّدّيق ﵁ أنّه قال حين أمر بترك الكسب لأجل شغله بالخلافة: فمن أين أطعم عيالي؟ وهذا القول منكر عند الصّوفيّة، يخرجون قائله من التّوكّل، وكذلك ينكرون على من قال: هذا الطّعام يضرّني، وقد رووا في ذلك حكاية عن أبي طالب الرّازي قال: حضرت مع أصحابنا في موضع، فقدموا اللّبن، وقال لي: كل، فقلت: لا آكله، فإنّه يضرّني، فلمّا كان بعد أربعين سنة، صلّيت يوما خلف المقام، ودعوت الله ، وقلت: اللهمّ إنّك تعلم أنّي ما أشركت بك طرفة عين، فسمعت هاتفا يهتف بي، ويقول: ولا يوم اللّبن. قال المصنّف: وهذه الحكاية الله أعلم بصحّتها - وأعلم أنّ من يقول: هذا يضرّني، لا يريد أنّ ذلك يفعل الضّرر بنفسه، وإنّما يريد أنّه سبب الضّرر، كما قال الخليل صلوات الله وسلامه عليه: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقد صحّ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «ما نفعني مال كمال أبي بكر» (١)، وقوله: «ما نفعني»، مقابل لقول القائل: ما ضرّني.

стр. 264

وصحّ عنه ﷺ أنّه قال: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان قطعت أبهري» (١). وقد ثبت أنّه لا رتبة أولى من رتبة النّبوّة، وقد نسب النّفع إلى المال، والضّرر إلى الطّعام، فالتّحاشي عن سلوك طريقه ﷺ ، تعاط على الشّريعة، فلا يلتفت إلى هذيان من هذى في مثل هذا. قال المصنف: وقد بيّنّا أنّه كان أوائل الصّوفيّة يخرجون من أموالهم زهدا فيها، وذكرنا أنّهم قصدوا بذلك الخير إلّا أنّهم غلطوا في هذا الفعل. كما ذكرناه من مخالفتهم بذلك الشّرع والعقل؛ فأمّا متأخّروهم، فقد مالوا إلى الدّنيا، وجمع المال من أيّ وجه كان؛ إيثارا للرّاحة، وحبّا في الشّهوات. فمنهم من يقدر على الكسب، ولا يعمل، ويجلس في الرّباط، أو المسجد، ويعتمد على صدقات النّاس، وقلبه معلّق بطرق الباب. ومعلوم «أنّ الصّدقة لا تحلّ لغنيّ، ولا لذي مرّة سويّ» (٢). ولا يبالون من بعث إليه، فربّما بعث الظّالم والماكس، فلم يردّوه، وقد وضعوا في ذلك بينهم كلمات منها تسمية ذلك ب «الفتوح»، ومنها: إنّ رزقنا لا بدّ أن يصل إلينا. ومنها: إنّه من الله، فلا يردّ عليه، ولا نشكر سواه. وهذا كلّه خلاف الشّريعة، وجهل بها، وعكس ما كان السّلف الصّالح عليه، فإنّ النّبيّ ﷺ قال: «الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينها أمور مشتبهات، لا يعلمهنّ كثير من النّاس، فمن اتّقى الشّبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه» (٣). وقد قاء أبو بكر الصّدّيق ﵁ من أكل الشّبهة.

стр. 265

وكان الصّالحون لا يقبلون عطاء ظالم، ولا ممّن في ماله شبهة، وكثير من السّلف لم يقبل صلة الإخوان عفافا وتنزّها. وعن أبي بكر المروزيّ قال: ذكرت لأبي عبد الله رجلا من المحدثين، فقال ﵀: أيّ رجل كان لولا خلّة واحدة، ثمّ سكت، ثمّ قال: ليس كلّ الخلال يكملها الرّجل. فقلت له: أليس كان صاحب سنّة؟ فقال: لعمري، لقد كتبت عنه، ولكن خلة واحدة كان لا يبالي ممّن أخذ. قال المصنف: ولقد بلغنا أنّ بعض الصّوفيّة دخل على بعض الأمراء الظّلمة، فوعظه، فأعطاه شيئا، فقبله، فقال الأمير: كلّنا صيّادون، وإنّما الشّباك تختلف، ثمّ أين هؤلاء من الأنفة من الميل للدّنيا، فإنّ النّبيّ ﷺ قال: «اليد العليا خير من اليد السّفلى» (١)، واليد العليا هي المعطية، هكذا فسّره العلماء، وهو الحقيقة، وقد تأوّله بعض القوم، فقال: العليا هي الآخذة. قال ابن قتيبة: ولا أرى هذا إلّا تأويل قوم استطابوا السّؤال. قال المصنف: ولقد كان أوائل الصّوفيّة ينظرون في حصول الأموال من أيّ وجه، ويفتّشون عن مطاعمهم، وسئل أحمد بن حنبل عن السري السقطي، فقال: الشّيخ المعروف بطيب المطعم. وقال السري: صحبت جماعة في الغزو، فاكترينا دارا، فنصب فيها تنّور، فتورّعوا أن يأكلوا من خبز ذلك التّنّور، فأمّا من يرى ما قد تجدّد من صوفيّة زماننا من كونهم لا يبالون من أين أخذوا، فإنّه يعجب. ولقد دخلت بعض الأربطة، فسألت عن شيخ، فقيل لي: قد مضى إلى الأمير فلان، يهنّئه بخلعة قد خلعت عليه، وكان ذلك الأمير من كبار الظّلمة، فقلت: ويحكم! ما كفاكم أن فتحتم الدّكّان حتّى تطوفوا على رؤوسكم بالسّلع، يقعد أحدكم عن الكسب مع قدرته عليه معوّلا على الصّدقات والصّلات، ثمّ لا يكفيه حتّى يأخذ ممّن كان، ثمّ لا يكفيه حتّى

стр. 266

يدور على الظّلمة فيستعطي منهم، ويهنّئهم بملبوس لا يحلّ، وولاية لا عدل فيها، والله، إنّكم أضرّ على الإسلام من كلّ مضرّ. فصل [جمع المال من الشبهات] قال المصنّف: وقد صار جماعة من أشياخهم يجمعون المال من الشّبهات، ثمّ ينقسمون، فمنهم من يدّعي الزّهد مع كثرة المال، وحرصه على الجمع، وهذه الدّعوى مضادّة للحال، ومنهم من يظهر الفقر مع جمعه المال، وأكثر هؤلاء يضيّقون على الفقراء بأخذهم الزّكاة، ولا يجوز لهم ذلك. وقد كان أبو الحسن البسطامي شيخ رباط بن المجيان يلبس الصّوف صيفا وشتاء، وتقصده النّاس يتبرّكون به، فمات، فخلّف أربعة آلاف دينار. قال المصنف: وهذا فوق القبيح، وقد صحّ عن النّبيّ ﷺ أنّ رجلا من أهل الصّفّة مات، فخلّف دينارين، فقال ﷺ : «كيّتان» (١). ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في لباسهم: قال المصنّف: لمّا سمع أوائل القوم أنّ النّبيّ ﷺ كان يرقّع ثوبه (٢). وأنّه قال لعائشة ﵂: «لا تخلعي ثوبا حتّى ترقعيه» (٣)، وأنّ عمر بن الخطّاب ﵁ كان في ثوبه رقاع، وأنّ أويسا القرنيّ كان يلتقط الرّقاع من المزابل، فيغسلها في الفرات، ثمّ يخيطها فيلبسها، اختاروا المرقّعات، وقد أبعدوا في القياس، فإنّ رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يؤثرون البذاذة، ويعرضون عن الدّنيا زهدا، وكان أكثرهم يفعل هذا لأجل الفقر، كما روّينا

стр. 267

عن مسلمة بن عبد الملك أنّه دخل على عمر بن عبد العزيز، وعليه قميص وسخ، فقال لامرأته فاطمة: اغسلي قميص أمير المؤمنين، فقالت: والله، ما له قميص غيره، فأمّا إذا لم يكن هذا لفقر، وقصد البذاذة، فما له من معنى. قال المصنف: فأمّا صوفيّة زماننا، فإنّهم يعمدون إلى ثوبين أو ثلاثة، كلّ واحد منها على لون، فيجعلونها خرقا، ويلفّقونها، فيجمع ذلك الثّوب وصفين: الشّهرة والشّهوة، فإنّ لبس مثل هذه المرقّعات أشهى عند خلق كثير من الدّيباج، وبها يشتهر صاحبها أنّه من الزّهّاد، أفتراهم يصيرون بصورة الرّقاع كالسّلف؟ كذا قد ظنّوا، وإنّ إبليس قد لبّس عليهم، وقال: أنتم صوفيّة؛ لأنّ الصّوفيّة كانوا يلبسون المرقّعات، وأنتم كذلك، أتراهم ما علموا أنّ التّصوّف معنى لا صورة، وهؤلاء قد فاتهم التّشبيه في الصّورة والمعنى. أمّا الصّورة، فإنّ القدماء كانوا يرقعون ضرورة، ولا يقصدون التّحسّن بالمرقّع، ولا يأخذون أثوابا جددا مختلفة الألوان، فيقطعون من كلّ ثوب قطعة، ويلفّقونها على أحسن التّرقيع، ويخيطونها، ويسمّونها مرقعة، وأمّا عمر ﵁ لمّا قدم بيت المقدس حين سأل القسّيسون والرّهبان عن أمير المسلمين، فعرضوا عليهم أمراء العساكر، مثل: أبي عبيدة، وخالد بن الوليد، وغيرهما، فقالوا: ليس هذا المصوّر عندنا، ألكم أمير أو لا؟ فقالوا: لنا أمير غير هؤلاء. فقالوا: هو أمير هؤلاء؟ قالوا: نعم، هو عمر بن الخطّاب ﵁، فقالوا: أرسلوا إليه ننظره، فإن كان هو، سلّمنا إليكم من غير قتال، وإن لم يكن هو، فلا، فلو حصرتمونا ما تقدرون علينا، فأرسل المسلمون إلى عمر ﵁، وأعلموه بذلك، فقدم عليهم، وعليه ثوب مرقع سبع عشرة رقعة، بينها رقعة من أديم، فلمّا رأوه الرّوحانيّون والقسوس على هذه الصّفة، سلّموا بيت المقدس إليه من غير قتال، فأين هذا ممّا يفعله جهّال الصّوفيّة في زماننا، فنسأل الله العفو والعافية، وأمّا المعنى فإنّ أولئك كانوا أصحاب رياضة وزهد.

стр. 268

فصل [لابسو الصوف] قال المصنف: ومن هؤلاء المذمومين من يلبس الصّوف تحت الثّياب، ويلوّح بكمّه حتّى يرى لباسه، وهذا لصّ ليليّ، ومنهم من يلبس الثّياب اللّيّنة على جسده، ثمّ يلبس الصّوف فوقها، وهذا لصّ نهاريّ مكشوف. وجاء آخرون، فأرادوا التّشبّه بالصّوفيّة، وصعب عليهم البذاذة، وأحبّوا التّنعّم، ولم يروا الخروج من صورة التّصوّف؛ لئلّا يتعطّل المعاش، فلبسوا الفوط الرّفيعة، واعتمّوا بالرّومي الرّفيع إلّا أنّه بغير طراز، فالقميص والعمامة على أحدهم بثمن خمسة أثواب من الحرير. وقد لبّس إبليس عليهم أنّكم صوفيّة بنفيس النّفس، وإنّما أرادوا أن يجمعوا بين رسوم التّصوّف، وتنعّم أهل الدّنيا، ومن علاماتهم مصادقة الأمراء، ومفارقة الفقراء كبرا وتعظيما. وقد كان عيسى ابن مريم - صلوات الله وسلامه عليه - يقول: «يا بني إسرائيل، ما لكم تأتونني وعليكم ثياب الرّهبان، وقلوبكم قلوب الذّئاب الضّواري، البسوا لباس الملوك، وألينوا قلوبكم بالخشية». أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا محمّد بن أحمد الحدّاد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، ثنا أحمد بن جعفر بن معبد، ثنا يحيى بن مطرّف، ثنا أبو ظفر، ثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، قال: إنّ من النّاس ناسا إذا لقوا القرّاء، ضربوا معهم بسهم، وإذا لقوا الجبابرة وأبناء الدّنيا، أخذوا معهم بسهم، فكونوا من قرّاء الرّحمن، بارك الله فيكم. أخبرنا محمّد، نا حمد، نا أبو نعيم، ثنا الحسين بن محمّد بن العبّاس الفقيه، ثنا أحمد ابن محمّد الدّلّال، ثنا أبو حاتم، ثنا هدبة، ثنا حزم، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: إنّكم

стр. 269

في زمان أشهب، لا يبصر زمانكم إلّا البصير، إنّكم في زمان كثير تفاحشهم، قد انتفخت ألسنتهم في أفواههم، فطلبوا الدّنيا بعمل الآخرة، فاحذروهم على أنفسكم، لا يوقعوكم في شباكهم. أخبرنا المحمّدان (ابن نصّار، وابن عبد الباقي)، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني مهنا الشّامي، ثنا ضمرة، عن سعيد بن شبل، قال: نظر مالك بن دينار إلى شابّ ملازم للمسجد، فجلس إليه. فقال له: هل لك أن أكلّم بعض العشّارين يجرون عليك شيئا، وتكون معهم؟ قال: ما شئت يا أبا يحيى. قال: فأخذ كفّا من تراب، فجعله على رأسه. أخبرنا المحمّدان قالا: نا حمد، نا أحمد، نا أبو نعيم، ثنا فاروق بن عبد الكبير الخطّابي، ثنا هشام بن عليّ السّيرافي، ثنا فطر بن حمّاد بن واقد، ثنا أبي، ثنا مالك بن دينار، قال: كان فتى يتقرّى، فكان يأتيني، فابتلي، فولي الجسر، فبينما هو يصلّي إذ مرّت سفينة فيها بطّ، فنادى بعض أعوانه: قرّب لنأخذ للعامل بطة، فأشار بيده: سبحان الله! أي بطّتين. قال: فكان أبي إذا حدّث بهذا الحديث بكى وأضحك الجلساء. أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، أنا ابن باكويه، قال: سمعت محمّد بن خفيف، يقول: قلت لرويم: أوصني. فقال: هو بذل الرّوح، وإلّا فلا تشتغل بترّهات الصّوفيّة. أخبرنا ابن ناصر، نا أبو عبد الله الحميديّ، نا أبو بكر أحمد بن محمّد الأردستاني، ثنا عبد الرّحمن السّلميّ، قال: سمعت أبي، يقول: بلغني أنّ رجلا قال للشّبلي: قد ورد جماعة من أصحابك، وهم في الجامع، فمضى، فرأى عليهم المرقّعات والفوط، فأنشأ يقول: أمّا الخيام فإنّها كخيامهم … وأرى نساء الحيّ غير نسائها

стр. 270

قال المصنف ﵀: قلت: واعلم أنّ هذه البهرجة في تشبيه هؤلاء بأولئك لا تخفى إلّا على كلّ غبيّ في الغاية، فأمّا أهل الفطنة فيعلمون أنّه تنميس بارد، والأمر في ذلك على نحو قول الشّاعر: تشبّهت حور الظّباء بهم … إن سكنت فيك ولا مثل سكن أصامت بناطق ونافر … بآنس وذو خلا بذي شجن مشتبه أعرفه وإنّما … مغالطا قلت لصحبي دار من قال المصنف: وإنّما كره لبس الفوط المرقّعات لأربعة أوجه: أحدها: أنّه ليس من لباس السّلف، وإنّما كان السّلف يرقّعون ضرورة. والثاني: أنّه يتضمّن ادّعاء الفقر، وقد أمر الإنسان أن يظهر نعمة الله عليه. والثالث: أنّه إظهار للزّهد، وقد أمرنا بستره. والرابع: أنّه تشبّه بهؤلاء المتزحزحين عن الشّريعة، ومن تشبّه بقوم فهو منهم. وقد أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا أبو النّضر، ثنا عبد الرّحمن بن ثابت بن ثوبان، ثنا حسّان بن عطيّة، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «من تشبّه بقوم فهو منهم» (١). وقد أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمّد بن طاهر، قال: أخبرني أبي، قال: لمّا دخلت بغداد في رحلتي الثّانية، قصدت الشّيخ أبا محمّد عبد الله بن أحمد السّكري لأقرأ عليه أحاديث - وكان من المنكرين على هذه الطّائفة - فأخذت في القراءة، فقال: أيّها الشّيخ، إنّك لو كنت من هؤلاء الجهّال الصّوفيّة لعذرتك، أنت رجل من أهل العلم تشتغل بحديث

стр. 271

رسول الله ﷺ ، وتسعى في طلبه، فقلت: أيّها الشّيخ، وأيّ شيء أنكرت عليّ حتّى أنظر، فإن كان له أصل في الشّريعة لزمته، وإن لم يكن له أصل في الشّريعة تركته. فقال: ما هذه الشّوازك الّتي في مرقعتك؟ فقلت: أيّها الشّيخ، هذه أسماء بنت أبي بكر ﵁ تخبر أنّ رسول الله ﷺ كان له جبّة مكفوفة الجيب، والكمّين، والفرجين بالدّيباج، وإنّما وقع الإنكار؛ لأنّ هذه الشوازك ليست من جنس الثّوب، والدّيباج ليس من الجبّة، فاستدللنا بذلك على أنّ لهذا أصلا في الشّرع يجوز مثله. قال المصنف: قلت: لقد أصاب السّكريّ في إنكاره، وقلّ فقه ابن طاهر في الرّدّ عليه، فإنّ الجبّة المكفوفة الجيب والكمّين، قد جرت العادة بلبسها كذلك، فلا شهرة في لبسها. فأمّا الشوازك فتجمع شهرة الصّورة، وشهرة دعوى الزّهد، وقد أخبرتك أنّهم يقطعون الثّياب الصّحاح ليجعلوها شوازك، لا عن ضرورة، يقصدون الشّهرة لحسن ذلك، والشّهرة بالزّهد، ولهذا وقعت الكراهية، وقد كرهها جماعة من مشايخهم كما بيّنّا. أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامريّ، نا أبو سعيد بن أبي صادق، ثنا أبو عبد الله بن باكويه، قال: سمعت الحسين بن أحمد الفارسيّ يقول: سمعت أبا الحسين ابن هند يقول: سمعت جعفرا الحذّاء، يقول: لمّا فقد القوم الفوائد من القلوب، اشتغلوا بالظّواهر وتزيينها، يعني بذلك: أصحاب المصبغات والفوط. أخبرنا ابن حبيب، نا ابن صادق، ثنا ابن باكويه، أخبرنا أبو يعقوب الخرّاط، قال: سمعت النّوريّ يقول: كانت المرقّعات غطاء على الدّرّ، فصارت جيفا على مزابل. قال ابن باكويه: وأخبرني أبو الحسن الحنظليّ، قال: نظر محمّد بن محمّد بن عليّ الكتّاني إلى أصحاب المرقّعات، فقال: إخواني، إن كان لباسكم موافقا لسرائركم، لقد

стр. 272

أحببتم أن يطّلع النّاس عليها، وإن كانت مخالفة لسرائركم، فقد هلكتم وربّ الكعبة. أخبرنا محمّد بن ناصر، أنبأنا أبو بكر بن خلف، ثنا محمّد بن الحسين السّلمي، قال: سمعت نصر بن أبي نصر يقول: قال أبو عبد الله محمّد بن عبد الخالق الدّينوري لبعض أصحابه: لا يعجبنّك ما ترى من هذه اللّبسة الظّاهرة عليهم، فما زيّنوا الظّواهر إلّا بعد أن خرّبوا البواطن. وقال ابن عقيل: دخلت يوما الحمّام، فرأيت على بعض أوتاد السلخ جبّة مشوزكة مرقعة بفوط. فقلت للحمامي: أرى سلخ الحيّة فمن داخل؟ فذكر لي بعض من يتصوّف للبلاء حوشا للأموال. قال المصنف: وفي الصّوفيّة من يرقّع المرقعة حتّى تصير كثيفة خارجة عن الحدّ. أخبرنا أبو منصور القزّاز، قال: أخبرنا أحمد بن عليّ بن ثابت، نا القاضي أبو محمّد الحسن بن رامين الإستراباذي، نا أبو محمّد عبد الله بن محمّد الشّيرازي، نا جعفر الخلديّ، ثنا ابن خبّاب أبو الحسين صاحب ابن الكريني قال: أوصى لي ابن الكريني بمرقعته، فوزنت فردة كمّ من أكمامها، فإذا فيها أحد عشر رطلا. قال جعفر: وكانت المرقعات تسمّى في ذلك الوقت: الكيل. فصل [لبس المرقع] وقد قرّروا أنّ هذه المرقّعة لا تلبس إلّا من يد شيخ. وجعلوا لها إسنادا متّصلا، كلّه كذب ومحال، وقد ذكر محمّد بن طاهر في كتابه، فقال: باب السّنّة في لبس الخرقة من يد الشّيخ، فجعل هذا من السّنّة، واحتجّ بحديث أمّ خالد أنّ النّبيّ ﷺ أتي بثياب فيها خميصة سوداء، فقال: «من ترون أكسو هذه؟»، فسكت القوم، فقال رسول الله ﷺ : «ائتوني بأمّ

стр. 273

خالد». قالت: فأتي بي، فألبسنيها بيده، وقال: «أبلي وأخلقي» (١). قال المصنّف: وإنّما ألبسها رسول الله ﷺ لكونها صبيّة، وكان أبوها خالد بن سعيد بن العاص، وأمّها همينة بنت خلف، قد هاجروا إلى أرض الحبشة، فولدت لهما هناك أمّ خالد، واسمها: أمة، ثمّ قدموا، فأكرمها رسول الله ﷺ لصغر سنّها، وكما اتفق، فلا يصير هذا سنّة، وما كان من عادة رسول الله ﷺ إلباس النّاس، ولا فعل هذا أحد من أصحابه، ولا تابعيهم. ثمّ ليس من السّنّة عند الصّوفيّة أن يلبس الصّغير دون الكبير، ولا أن تكون الخرقة سوداء، بل مرقّعة، أو فوطة، فهلّا جعلوا السّنّة لبس الخرق السّود كما جاء في حديث أمّ خالد. وذكر محمّد بن طاهر في كتابه، فقال: باب السّنّة فيما شرط الشّيخ على المريد في لبس المرقّعة، واحتجّ بحديث عبادة: «بايعنا رسول الله ﷺ على السّمع والطّاعة في العسر واليسر» (٢). قال المصنف: فانظر إلى هذا الفقه الدّقيق، وأين اشتراط الشّيخ على المريد من اشتراط رسول الله ﷺ الواجب الطّاعة على البيعة الإسلاميّة اللّازمة. فصل [لبس المصبغات] وأمّا لبسهم المصبّغات، فإنّها إن كانت زرقاء، فقد فاتهم فضيلة البياض، وإن كانت فوطا، فهو ثوب شهرة، وشهرته أكثر من شهرة الأزرق، وإن كانت مرقعة، فهي أكثر شهرة، وقد أمر الشّرع بالثّياب البيض، ونهى عن لباس الشّهرة.

стр. 274

فأمّا أمره بالثّياب البيض، فأخبرنا هبة الله بن محمّد، نا الحسن بن عليّ التّميمي، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثني أبي، ثنا عليّ بن عاصم، نا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «البسوا من ثيابكم البيض، فإنّها من خير ثيابكم، وكفّنوا فيها موتاكم» (١). قال عبد الله، وحدّثني أبي، ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، ثني حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن سمرة بن جندب، عن النّبيّ ﷺ قال: «البسوا الثّياب البيض، فإنّها أطهر وأطيب، وكفّنوا فيها موتاكم» (٢). قال الترمذيّ: هذان حديثان صحيحان، وفي الباب عن ابن عمر. قال: وهذا الّذي يستحبّه أهل العلم. وقال أحمد بن حنبل، وإسحاق: أحبّ الثّياب إلينا أن نكفّن فيها: البياض. وقد ذكر محمّد بن طاهر في كتابه، فقال: باب السّنّة في لبسهم المصبغات، واحتجّ بأنّ النّبيّ - صلوات الله عليه وسلامه - لبس حلّة حمراء (٣). وأنّه دخل يوم الفتح، وعليه عمامة سوداء (٤). قال المصنّف: قلت: ولا ينكر أنّ رسول الله ﷺ لبس هذا، ولا أنّ لبسه غير جائز، وقد روي أنّه كان يعجبه الحبرة (٥)، وإنّما المسنون الّذي يأمر به، ويداوم عليه، وقد كانوا يلبسون الأسود والأحمر، فأمّا الفوط، والمرقّع، فإنّه لبس شهرة.

стр. 275

فصل [النهي عن لباس الشهرة] وأمّا النّهي عن لباس الشّهرة وكراهته. فأخبرنا أبو منصور بن خيرون، أنبأنا أبو بكر الخطيب، نا ابن رزقويه، ثنا جعفر بن محمّد الخلديّ، ثنا محمّد بن عبد الله أبو جعفر الحضرميّ، ثنا روح بن عبد المؤمن، ثنا وكيع بن محرز النّاجي، ثنا عثمان بن جهم، عن زرّ بن حبيش، عن أبي ذرّ، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «من لبس ثوب شهرة، أعرض الله عنه حتّى يضعه» (١). أخبرنا عبد الحقّ بن عبد الخالق، قال: أنبأنا المبارك بن عبد الجبّار، نا أبو الفرج الحسين بن عليّ الطّناجيري (ح)، وأنبأنا هبة الله بن محمّد، أنبأنا الحسن بن عليّ التّميمي، قالا: أخبرنا أبو حفص بن شاهين، ثنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة، ثنا محمّد بن الهيثم، ثنا أحمد بن أبي شعيب الحرّاني، ثنا مخلد بن يزيد، عن أبي نعيم، عن عبد الرّحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، وزيد بن ثابت ﵁، عن النّبيّ ﷺ : «أنّه نهى عن الشّهرتين. فقيل: يا رسول الله، وما الشّهرتان؟ قال: «رقّة الثّياب، وغلظها، ولينها، وخشونتها، وطولها، وقصرها، ولكن سداد بين ذلك واقتصاد» (٢). أخبرنا محمّد بن ناصر، نا محمّد بن عليّ بن ميمون، نا عبد الوهّاب بن محمّد الغندجاني، نا أبو بكر بن عبدان، ثنا محمّد بن سهل، ثنا محمّد بن إسماعيل البخاريّ، قال: قال موسى بن حمّاد بن سلمة، عن ليث، عن مهاجر، عن ابن عمر، قال: «من لبس ثوبا مشهورا، أذلّه الله يوم القيامة» (٣).

стр. 276

قال المصنف: وقد روي لنا مرفوعا قال: أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا حجّاج، ثنا شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن مهاجر الشّاميّ، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس ثياب شهرة، ألبسه الله ثوب المذلّة يوم القيامة» (١). أخبرنا محمّد بن ناصر، نا المبارك بن عبد الجبّار، وعبد القادر بن محمّد بن يوسف، قالا: أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، نا أبو بكر بن بخيت، ثنا أبو جعفر بن ذريح، ثنا هنّاد، ثنا أبو معاوية، عن ليث، عن مهاجر أبي الحسن، عن ابن عمر ﵄ قال: «من لبس شهرة من الثّياب، ألبسه الله ثوب ذلّة». وعن ليث، عن شهر، عن أبي الدّرداء ﵁، قال: من ركب مشهورا من الدّوابّ، أعرض الله عنه ما دام عليه، وإن كان كريما. قال المصنف: وقد روّينا أنّ ابن عمر ﵄ رأى على ولده ثوبا قبيحا دونا، فقال: لا تلبس هذا، فإنّ هذا ثوب شهرة. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، نا إسماعيل بن مسعدة، ثنا حمزة بن يوسف، نا أبو أحمد بن عديّ، ثنا أحمد بن محمّد بن الهيثم الدّوريّ، ثنا محمّد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: حدّثنا محمّد بن مزاحم، ثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيّان، عن ابن بريدة، عن أبيه بريدة، قال: شهدت مع رسول الله ﷺ فتح خيبر، وكنت فيمن صعد الثّلمة، فقاتلت حتّى رؤي مكاني، وأبليت وعليّ ثوب أحمر، فما علمت أنّي ركبت في الإسلام ذنبا أعظم منه للشّهرة. وقال سفيان الثّوريّ: كانوا يكرهون الشّهرتين: الثّياب الجياد الّتي يشتهر بها، ويرفع

стр. 277

النّاس إليه فيها أبصارهم، والثّياب الرّديئة الّتي يحتقر فيها، ويستبذل. وقال معمر: عتبت أيّوب على طول قميصه، فقال: إنّ الشّهرة فيما مضى كانت في طوله، وهي اليوم في تشميره. فصل [حكم لبس الصوف] قال المصنف: ومن الصّوفيّة من يلبس الصّوف، ويحتجّ بأنّ النّبيّ ﷺ لبس الصّوف، وبما روي في فضيلة لبس الصّوف. فأمّا لبس رسول الله ﷺ الصّوف، فقد كان يلبسه في بعض الأوقات، لم يكن لبسه شهرة عند العرب. وأمّا ما يروى في فضل لبسه، فمن الموضوعات الّتي لا يثبت منها شيء، ولا يخلو لابس الصّوف من أحد أمرين: إمّا أن يكون متعوّدا لبس الصّوف، وما يجانسه من غليظ الثّياب، فلا يكره ذلك له؛ لأنّه لا يشتهر به. وإمّا أن يكون مترفا لم يتعوّده، فلا ينبغي له لبسه من وجهين: أحدهما: أنّه يحمل بذلك على نفسه ما لا تطيق، ولا يجوز له ذلك. والثاني: أنّه يجمع بلبسه بين الشّهرة، وإظهار الزّهد. وقد أخبرنا أحمد بن منصور الهمذاني، نا أبو عليّ أحمد بن سعد بن علي العجلي، نا أبو ثابت هجير بن منصور بن عليّ الصّوفي إجازة، ثنا أبو محمّد جعفر بن محمّد بن الحسين بن إسماعيل الأبهري، ثنا ابن روزبة، ثنا محمّد بن إسماعيل بن محمّد الطّائي، ثنا بكر بن سهل الدّمياطي، ثنا محمّد بن عبد الله بن سليمان، ثنا داود، ثنا عبّاد بن العوّام، عن

стр. 278

عباد بن كثير، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس الصّوف ليعرفه النّاس، كان حقّا على الله أن يكسوه ثوبا من جرب حتّى تتساقط عروقه» (١). أنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أنبأنا أبو عثمان الصّابونيّ، وأبو بكر البيهقيّ، قالا: أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الحاكم، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن يحيى، ثنا العبّاس بن منصور، ثنا سهل بن عمّار، ثنا نوح بن عبد الرّحمن الصّيرفيّ، ثنا محمّد بن عبيد الهمذانيّ، ثني عبّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عبّاس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الأرض لتعجّ إلى ربّها من الّذين يلبسون الصّوف رياء» (٢). أخبرنا محمّد بن ناصر، نا جعفر بن أحمد، نا الحسن بن عليّ التّميمي، ثنا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا عبد الصّمد، ثنا خالد بن شوذب، قال: شهدت الحسن، وأتاه فرقد، فأخذ الحسن بكسائه، فمدّه إليه، وقال: يا فريقد، يابن أمّ فريقد، إنّ البرّ ليس في هذا الكساء، وإنّما البرّ ما وقر في الصّدر، وصدّقه العمل. أنبأنا محمّد بن عبد الباقي، نا أبو محمّد الجوهريّ، نا أبو عمر بن حيّويه، نا أحمد بن معروف، ثنا الحسين بن الفهم، ثنا محمّد بن سعد، قال: حدّثنا عمرو بن عاصم، ثنا يزيد بن عوانة، ثني أبو شدّاد المجاشعيّ، قال: سمعت الحسن - وذكر عنده الّذين يلبسون الصّوف - فقال: ما لهم تعاقدوا ثلاثا: أكنّوا الكبر في قلوبهم، وأظهروا التّواضع في لباسهم، والله، لأحدهم أشدّ عجبا بكسائه من صاحب المطرف بمطرفه. أنبأنا ابن الحصين، أنبأنا أبو عليّ التّميميّ، نا أبو حفص بن شاهين، ثنا محمّد بن سعيد

стр. 279

ابن يحيى البزوريّ، ثنا عبد الله بن أيّوب المخرمي، قال: حدّثنا عبد المجيد (يعني: ابن أبي روّاد)، عن ابن طهمان (يعني: إبراهيم)، عن أبي مالك الكوفيّ، عن الحسن، أنّه جاءه رجل ممّن يلبس الصّوف، وعليه جبّة صوف، وعمامة صوف، ورداء صوف، فجلس فوضع بصره في الأرض، فجعل لا يرفع رأسه، وكأنّ الحسن خال فيه العجب، فقال الحسن: إنّ قوما جعلوا كبرهم في صدورهم، شنّعوا - والله - دينهم بهذا الصّوف، ثمّ قال: إنّ رسول الله ﷺ كان يتعوّذ من زيّ المنافقين. قالوا: يا أبا سعيد، وما زيّ المنافقين؟ قال: خشوع اللّباس بغير خشوع القلب. قال ابن عقيل: هذا كلام رجل قد عرف النّاس، ولم يغرّه اللّباس، ولقد رأيت الواحد من هؤلاء يلبس الجبّة الصّوف، فإذا قال له القائل: يا أبا فلان، ظهر منه ومن أوباشه الإنكار، فعلم أنّ الصّوف قد عمل عند هؤلاء ما لا يعمله الدّيباج عند الأوباش. أخبرنا محمّد بن عبد الباقي بن أحمد، نا حمد بن أحمد الحدّاد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمّد بن إسحاق، ثنا إسماعيل بن أبي الحارث، ثنا هارون بن معروف، عن ضمرة، قال: سمعت رجلا يقول: قدم حمّاد بن أبي سليمان البصرة، فجاءه فرقد السبخيّ، وعليه ثوب صوف، فقال له حمّاد: ضع عنك نصرانيّتك هذه، فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم (يعني: النّخعي)، فيخرج علينا وعليه معصفرة. أخبرنا محمّد بن القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا عبد الله بن محمّد، ثنا إبراهيم بن شريك الأسديّ، ثنا شهاب بن عبّاد، ثنا حمّاد، عن خالد الحذّاء، أنّ أبا قلابة قال: إيّاكم وأصحاب الأكسية. أخبرنا محمّد بن ناصر، وعمر بن ظفر، قالا: نا محمّد بن الحسن الباقلانيّ، نا القاضي أبو العلاء الواسطيّ، ثنا أبو نصر أحمد بن محمّد النيازكي، نا أبو الحسين أحمد بن محمّد البزّاز، ثنا محمّد بن إسماعيل البخاريّ، ثنا عليّ بن حجر، ثنا صالح بن عمر الواسطيّ، عن

стр. 280

أبي خالد قال: جاء عبد الكريم أبو أميّة إلى أبي العالية، وعليه ثياب صوف. فقال له أبو العالية: إنّما هذه ثياب الرّهبان، وكان المسلمون إذا تزاوروا تجمّلوا. أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد بن عبد الله الأصبهانيّ، نا أبو نعيم، ثنا أبو محمّد بن حيّان، ثنا أحمد بن الحسين الحذّاء، ثنا أحمد بن إبراهيم الدّورقيّ، ثنا الفيض ابن إسحاق، قال: سمعت الفضيل يقول: تزيّنت لهم بالصّوف، فلم ترهم يرفعون بك رأسا، تزيّنت لهم بالقرآن، فلم ترهم يرفعون بك رأسا، تزيّنت لهم بشيء بعد شيء، كلّ ذلك إنّما هو لحبّ الدّنيا. أنبأنا ابن الحصين قال: نا أبو علي بن المذهب، قال: أخبرنا أبو حفص بن شاهين، قال: ثنا إسماعيل بن عليّ، قال: ثنا الحسن بن علي بن شبيب، قال: ثنا أحمد بن الحواري، قال: قال أبو سليمان: يلبس أحدهم عباءة بثلاثة دراهم ونصف، وشهوته في قلبه بخمسة دراهم، أما يستحيي أن يجاوز شهوته لباسه، ولو ستر زهده بثوبين أبيضين من أبصار النّاس كان أسلم له. قال أحمد بن أبي الحواري قال لي سليمان بن أبي سليمان، وكان يعدل بأبيه: أيّ شيء أرادوا بلباس الصّوف؟ قلت: التّواضع. قال: لا يتكبّر أحدهم إلّا إذا لبس الصّوف. أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاريّ، نا عبد الله بن أحمد السّمرقنديّ، ثنا أبو بكر الخطيب، نا الحسن بن الحسين النعاليّ، نا أبو سعيد أحمد بن محمّد بن رميح، ثنا روح بن عبد المجيد، ثنا أحمد بن عمر بن يونس، قال: أبصر الثّوريّ رجلا صوفيّا، فقال له الثّوريّ: هذا بدعة. أخبرنا محمّد بن عبد الباقي، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا عبد المنعم بن عمر، ثنا أحمد بن محمّد بن زياد، قال: سمعت أبا داود، يقول: قال سفيان الثّوريّ لرجل

стр. 281

عليه صوف: لباسك هذا بدعة. أنبأنا زاهر بن طاهر، أنبأنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقيّ، نا أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الحاكم، قال: أخبرني محمّد بن عمر، ثنا محمّد بن المنذر، قال: سمعت أحمد بن شدّاد يقول: سمعت الحسن بن الرّبيع يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول لرجل رأى عليه صوفا مشهورا: أكره هذا، أكره هذا. أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، نا عبد الواحد بن بكر، ثنا عليّ بن أبي عثمان بن زهير، ثنا عثمان بن أحمد، ثنا الحسن بن عمرو، قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: دخل عليّ الموصليّ على المعافى وعليه جبّة صوف، فقال له: ما هذه الشّهرة يا أبا الحسن؟ فقال: يا أبا مسعود، أخرج أنا وأنت، فانظر أيّنا أشهر. فقال له المعافى: ليس شهرة البدن كشهرة اللّباس. أخبرنا إسماعيل بن أبي بكر المقرئ، نا طاهر بن أحمد، نا عليّ بن محمّد بن بشران، نا عثمان بن أحمد الدّقّاق، ثنا الحسن بن عمرو، قال: سمعت بشر بن الحارث، يقول: دخل بديل على أيّوب السّختيانيّ وقد مدّ على فراشه سبنيّة حمراء تدفع التّراب، فقال بديل: ما هذا؟ فقال أيّوب: هذا خير من الصّوف الّذي عليك. أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه، ثنا علان بن أحمد، ثنا حبيب بن الحسن، ثنا الفضل بن أحمد، ثنا محمّد بن يسار، قال: سمعت بشر بن الحارث، وسئل عن لبس الصّوف، فشقّ عليه، وتبيّن الكراهة في وجهه، ثمّ قال: لبس الخزّ والمعصفر أحبّ إليّ من لبس الصّوف في الأمصار. أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار، قال: أخبرنا أبي، نا الحسين بن عليّ الطّناجيري، نا أحمد بن منصور النّوشري، ثنا محمّد بن مخلد، ثنا أحمد بن منصور، ثني يزيد السّقا رفيق

стр. 282

محمّد بن إدريس الأنباريّ، قال: رأيت فتى عليه مسوح، قال: فقلت له: من لبس هذا من العلماء؟ من فعل هذا من العلماء؟ قال: قد رآني بشر بن الحارث فلم ينكر عليّ. قال يزيد: فذهبت إلى بشر، فقلت له: يا أبا نصر، رأيت فلانا عليه جبّة مسوح، فأنكرت عليه، فقال: قد رآني أبو نصر فلم ينكر عليّ. قال: فقال لي بشر: لم يستشرني يا أبا خالد، لو قلت له، لقال لي: لبس فلان، ولبس فلان. أخبرنا أحمد بن منصور الهمذانيّ، نا أبو عليّ أحمد بن سعد بن عليّ العجليّ، نا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصّوفيّ إجازة، نا أبو محمّد جعفر بن محمّد بن الحسين بن إسماعيل الصّوفيّ، ثنا ابن روزبه، ثنا عبد الله بن أحمد بن نصر القنطريّ، ثنا إبراهيم بن محمّد الإمام، ثنا هشام بن خالد، قال: سمعت أبا سليمان الدّارانيّ يقول لرجل لبس الصّوف: إنّك قد أظهرت آلة الزّاهدين، فماذا أورثك هذا الصّوف؟ فسكت الرّجل، فقال له: يكون ظاهرك قطنيّا، وباطنك صوفيّا. أخبرنا يحيى بن عليّ المدبر، نا أبو بكر محمّد بن علي الخيّاط، نا الحسن بن الحسين بن حمكان، سمعت أبا محمّد الحسن بن عثمان بن عبدويه البزاز، يقول: سمعت أبا بكر بن الزّيّات البغداديّ، يقول: سمعت بن سيرويه يقول: دخل أبو محمّد بن أخي معروف الكرخي على أبي الحسن بن بشار، وعليه جبّة صوف. فقال له أبو الحسن: يا أبا محمّد، صوّفت قلبك أو جسمك، صوّف قلبك، وألبس القوهي على القوهي. أخبرنا عبد الوهّاب بن المبارك الحافظ، نا جعفر بن أحمد بن السّراج، نا عبد العزيز بن حسن الضّراب، قال: حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن مروان، ثنا أبو بكر بن أبي الدّنيا، ثنا أحمد بن سعيد، قال: سمعت النّضر بن شميل يقول: قلت لبعض الصّوفيّة: تبيع جبّتك الصّوف؟ فقال: إذا باع الصّياد شبكته بأيّ شيء يصطاد.

стр. 283

قال أبو جعفر بن جرير الطّبريّ: ولقد أخطأ من آثر لباس الشّعر والصّوف على لباس القطن والكتّان، مع وجود السّبيل إليه من حلّه، ومن أكل البقول والعدس، واختاره على خبز البرّ، ومن ترك أكل اللّحم خوفا من عارض شهوة النّساء. فصل [لباس السلف] قال المصنف: وقد كان السّلف يلبسون الثّياب المتوسّطة، لا المرتفعة، ولا الدّون، ويتخيّرون أجودها للجمعة والعيدين، ولقاء الإخوان، ولم يكن غير الأجود عندهم قبيحا. وقد أخرج مسلم في «صحيحه» من حديث عمر بن الخطّاب ﵁، أنّه رأى حلّة سيراء تباع عند باب المسجد، فقال لرسول الله ﷺ : لو اشتريتها ليوم الجمعة، وللوفود إذا قدموا عليك. فقال رسول الله ﷺ : «إنّما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة» (١)، فما أنكر عليه ذكر التّجمّل بها، وإنّما أنكر عليه لكونها حريرا. قال المصنف ﵀: وقد ذكرنا عن أبي العالية أنّه قال: كان المسلمون إذا تزاوروا تجمّلوا. أخبرنا أبو بكر بن عبد الباقي، أنبأنا الحسن بن عليّ الجوهريّ، نا أبو عمر بن حيويه، نا أحمد بن معروف، نا الحسين بن الفهم، ثنا محمّد بن سعد، نا إسماعيل بن إبراهيم الأسندي، عن ابن عون، عن محمّد قال: كان المهاجرون والأنصار يلبسون لباسا مرتفعا، وقد اشترى تميم الدّاريّ حلّة بألف، ولكنّه كان يصلّي بها. قال ابن سعد: وأخبرنا عفّان، ثنا حمّاد بن زيد، ثنا أيّوب، عن محمّد بن سيرين، أنّ تميما الدّاريّ اشترى حلّة بألف درهم، وكان يقوم فيها باللّيل إلى صلاته.

стр. 284

قال: وحدّثنا عفّان، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، أنّ تميما الدّاريّ كانت له حلّة قد ابتاعها بألف كان يلبسها اللّيلة الّتي ترجى فيها ليلة القدر، وأخبرنا الفضل بن دكين، ثنا همّام عن قتادة، أنّ ابن سيرين أخبره أنّ تميما الدّاريّ اشترى رداء بألف، فكان يصلّي بأصحابه فيه. قال المصنف ﵀ قلت: وقد كان ابن مسعود من أجود النّاس ثوبا، وأطيبهم ريحا، وكان الحسن البصريّ يلبس الثّياب الجياد. قال كلثوم بن جوشن: خرج الحسن وعليه جبّة يمنيّة، ورداء يمنيّ، فنظر إليه فرقد، فقال: يا أستاذ، لا ينبغي لمثلك أن يكون هكذا. فقال الحسن: يا بن أمّ فرقد، أما علمت أنّ أكثر أصحاب النّار أصحاب الأكسية، وكان مالك بن أنس يلبس الثّياب العدنيّة الجياد. وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى بنحو الدّينار، وقد كانوا يؤثرون البذاذة إلى حدّ، وربّما لبسوا خلقان الثّياب في بيوتهم، فإذا خرجوا تجمّلوا، ولبسوا ما لا يشتهرون به من الدّون، ولا من الأعلى. أخبرنا أحمد بن منصور الهمذانيّ، نا أبو عليّ أحمد بن سعد بن عليّ العجليّ، ثنا أبو ثابت هجير بن منصور بن عليّ الصّوفيّ إجازة، نا أبو محمّد جعفر بن محمّد الحسين الصّوفيّ، ثنا ابن روزبة، ثنا أبو سليمان محمّد بن الحسين بن علي بن إبراهيم الحرّانيّ، ثنا محمّد بن الحسن بن قتيبة، ثنا محمّد بن خلف، ثنا عيسى بن حازم، قال: كان لباس إبراهيم بن أدهم كتانا قطنا فروة، لم أر عليه ثياب صوف، ولا ثياب شهرة. أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، قال: سمعت محمّد بن إبراهيم، يقول: سمعت محمّد بن ريان يقول: رأى عليّ ذو النّون خفّا أحمر، فقال: انزع هذا يا بنيّ، فإنّه شهرة، ما لبسه رسول الله ﷺ ، إنّما لبس النّبيّ ﷺ خفّين

стр. 285

أسودين ساذجين. أخبرنا محمّد بن ناصر، نا محمّد بن عليّ بن ميمون، ثنا عبد الكريم بن محمّد المحامليّ، نا عليّ بن عمر الدّارقطنيّ، نا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن سالم، نا أبو سعيد عبد الله بن شبيب المدنيّ، ثني الزّبير عن أبي غزية الأنصاريّ، عن فليخ بن سليمان، عن الرّبيع بن يونس، قال: قال أبو جعفر المنصور: العري الفادح خير من الزّيّ الفاضح. فصل [لباس الشكوى] قال المصنّف: واعلم أنّ اللّباس الّذي يزري بصاحبه يتضمّن إظهار الزّهد، وإظهار الفقر، وكأنّه لسان شكوى من الله ، ويوجب احتقار اللّابس، وكلّ ذلك مكروه، ومنهيّ عنه. أخبرنا محمّد بن ناصر، نا عليّ بن الحسين بن أيّوب، نا أبو علي بن شاذان، ثنا أبو بكر بن سلمان النّجاد، ثنا أبو بكر بن عبد الله بن محمّد القرشي، ثنا عبيد الله بن عمر القواريريّ، ثنا هشام بن عبد الملك، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن أبيه، قال: «أتيت رسول الله ﷺ وأنا قشف الهيئة، فقال: «هل لك مال؟». قلت: نعم. قال: «من أيّ المال؟». قلت: من كلّ المال قد آتاني الله من الإبل، والخيل، والرّقيق، والغنم. قال: «فإذا آتاك الله مالا، فلير عليك» (١). أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا مسكين بن بكير، ثني الأوزاعيّ، عن حسّان بن عطيّة، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر، قال: أتانا رسول الله ﷺ زائرا في منزلي، فرأى رجلا شعثا، فقال: «أما كان يجد هذا ما
следующие страницы →