عليه صوف: لباسك هذا بدعة.
أنبأنا زاهر بن طاهر، أنبأنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقيّ، نا أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الحاكم، قال: أخبرني محمّد بن عمر، ثنا محمّد بن المنذر، قال: سمعت أحمد بن شدّاد يقول: سمعت الحسن بن الرّبيع يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول لرجل رأى عليه صوفا مشهورا: أكره هذا، أكره هذا.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، نا عبد الواحد بن بكر، ثنا عليّ بن أبي عثمان بن زهير، ثنا عثمان بن أحمد، ثنا الحسن بن عمرو، قال:
سمعت بشر بن الحارث يقول: دخل عليّ الموصليّ على المعافى وعليه جبّة صوف، فقال له: ما هذه الشّهرة يا أبا الحسن؟ فقال: يا أبا مسعود، أخرج أنا وأنت، فانظر أيّنا أشهر.
فقال له المعافى: ليس شهرة البدن كشهرة اللّباس.
أخبرنا إسماعيل بن أبي بكر المقرئ، نا طاهر بن أحمد، نا عليّ بن محمّد بن بشران، نا عثمان بن أحمد الدّقّاق، ثنا الحسن بن عمرو، قال: سمعت بشر بن الحارث، يقول: دخل بديل على أيّوب السّختيانيّ وقد مدّ على فراشه سبنيّة حمراء تدفع التّراب، فقال بديل: ما هذا؟ فقال أيّوب: هذا خير من الصّوف الّذي عليك.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه، ثنا علان بن أحمد، ثنا حبيب بن الحسن، ثنا الفضل بن أحمد، ثنا محمّد بن يسار، قال:
سمعت بشر بن الحارث، وسئل عن لبس الصّوف، فشقّ عليه، وتبيّن الكراهة في وجهه، ثمّ قال: لبس الخزّ والمعصفر أحبّ إليّ من لبس الصّوف في الأمصار.
أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار، قال: أخبرنا أبي، نا الحسين بن عليّ الطّناجيري، نا أحمد بن منصور النّوشري، ثنا محمّد بن مخلد، ثنا أحمد بن منصور، ثني يزيد السّقا رفيق
стр. 282
محمّد بن إدريس الأنباريّ، قال: رأيت فتى عليه مسوح، قال: فقلت له: من لبس هذا من العلماء؟ من فعل هذا من العلماء؟ قال: قد رآني بشر بن الحارث فلم ينكر عليّ.
قال يزيد: فذهبت إلى بشر، فقلت له: يا أبا نصر، رأيت فلانا عليه جبّة مسوح، فأنكرت عليه، فقال: قد رآني أبو نصر فلم ينكر عليّ. قال: فقال لي بشر: لم يستشرني يا أبا خالد، لو قلت له، لقال لي: لبس فلان، ولبس فلان.
أخبرنا أحمد بن منصور الهمذانيّ، نا أبو عليّ أحمد بن سعد بن عليّ العجليّ، نا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصّوفيّ إجازة، نا أبو محمّد جعفر بن محمّد بن الحسين بن إسماعيل الصّوفيّ، ثنا ابن روزبه، ثنا عبد الله بن أحمد بن نصر القنطريّ، ثنا إبراهيم بن محمّد الإمام، ثنا هشام بن خالد، قال: سمعت أبا سليمان الدّارانيّ يقول لرجل لبس الصّوف: إنّك قد أظهرت آلة الزّاهدين، فماذا أورثك هذا الصّوف؟ فسكت الرّجل، فقال له: يكون ظاهرك قطنيّا، وباطنك صوفيّا.
أخبرنا يحيى بن عليّ المدبر، نا أبو بكر محمّد بن علي الخيّاط، نا الحسن بن الحسين بن حمكان، سمعت أبا محمّد الحسن بن عثمان بن عبدويه البزاز، يقول: سمعت أبا بكر بن الزّيّات البغداديّ، يقول: سمعت بن سيرويه يقول: دخل أبو محمّد بن أخي معروف الكرخي على أبي الحسن بن بشار، وعليه جبّة صوف. فقال له أبو الحسن: يا أبا محمّد، صوّفت قلبك أو جسمك، صوّف قلبك، وألبس القوهي على القوهي.
أخبرنا عبد الوهّاب بن المبارك الحافظ، نا جعفر بن أحمد بن السّراج، نا عبد العزيز بن حسن الضّراب، قال: حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن مروان، ثنا أبو بكر بن أبي الدّنيا، ثنا أحمد بن سعيد، قال: سمعت النّضر بن شميل يقول: قلت لبعض الصّوفيّة: تبيع جبّتك الصّوف؟ فقال: إذا باع الصّياد شبكته بأيّ شيء يصطاد.
стр. 283
قال أبو جعفر بن جرير الطّبريّ: ولقد أخطأ من آثر لباس الشّعر والصّوف على لباس القطن والكتّان، مع وجود السّبيل إليه من حلّه، ومن أكل البقول والعدس، واختاره على خبز البرّ، ومن ترك أكل اللّحم خوفا من عارض شهوة النّساء.
فصل [لباس السلف]
قال المصنف: وقد كان السّلف يلبسون الثّياب المتوسّطة، لا المرتفعة، ولا الدّون، ويتخيّرون أجودها للجمعة والعيدين، ولقاء الإخوان، ولم يكن غير الأجود عندهم قبيحا.
وقد أخرج مسلم في «صحيحه» من حديث عمر بن الخطّاب ﵁، أنّه رأى حلّة سيراء تباع عند باب المسجد، فقال لرسول الله ﷺ : لو اشتريتها ليوم الجمعة، وللوفود إذا قدموا عليك. فقال رسول الله ﷺ : «إنّما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة» (١)، فما أنكر عليه ذكر التّجمّل بها، وإنّما أنكر عليه لكونها حريرا.
قال المصنف ﵀: وقد ذكرنا عن أبي العالية أنّه قال: كان المسلمون إذا تزاوروا تجمّلوا.
أخبرنا أبو بكر بن عبد الباقي، أنبأنا الحسن بن عليّ الجوهريّ، نا أبو عمر بن حيويه، نا أحمد بن معروف، نا الحسين بن الفهم، ثنا محمّد بن سعد، نا إسماعيل بن إبراهيم الأسندي، عن ابن عون، عن محمّد قال: كان المهاجرون والأنصار يلبسون لباسا مرتفعا، وقد اشترى تميم الدّاريّ حلّة بألف، ولكنّه كان يصلّي بها.
قال ابن سعد: وأخبرنا عفّان، ثنا حمّاد بن زيد، ثنا أيّوب، عن محمّد بن سيرين، أنّ تميما الدّاريّ اشترى حلّة بألف درهم، وكان يقوم فيها باللّيل إلى صلاته.
стр. 284
قال: وحدّثنا عفّان، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، أنّ تميما الدّاريّ كانت له حلّة قد ابتاعها بألف كان يلبسها اللّيلة الّتي ترجى فيها ليلة القدر، وأخبرنا الفضل بن دكين، ثنا همّام عن قتادة، أنّ ابن سيرين أخبره أنّ تميما الدّاريّ اشترى رداء بألف، فكان يصلّي بأصحابه فيه.
قال المصنف ﵀ قلت: وقد كان ابن مسعود من أجود النّاس ثوبا، وأطيبهم ريحا، وكان الحسن البصريّ يلبس الثّياب الجياد.
قال كلثوم بن جوشن: خرج الحسن وعليه جبّة يمنيّة، ورداء يمنيّ، فنظر إليه فرقد، فقال: يا أستاذ، لا ينبغي لمثلك أن يكون هكذا. فقال الحسن: يا بن أمّ فرقد، أما علمت أنّ أكثر أصحاب النّار أصحاب الأكسية، وكان مالك بن أنس يلبس الثّياب العدنيّة الجياد.
وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى بنحو الدّينار، وقد كانوا يؤثرون البذاذة إلى حدّ، وربّما لبسوا خلقان الثّياب في بيوتهم، فإذا خرجوا تجمّلوا، ولبسوا ما لا يشتهرون به من الدّون، ولا من الأعلى.
أخبرنا أحمد بن منصور الهمذانيّ، نا أبو عليّ أحمد بن سعد بن عليّ العجليّ، ثنا أبو ثابت هجير بن منصور بن عليّ الصّوفيّ إجازة، نا أبو محمّد جعفر بن محمّد الحسين الصّوفيّ، ثنا ابن روزبة، ثنا أبو سليمان محمّد بن الحسين بن علي بن إبراهيم الحرّانيّ، ثنا محمّد بن الحسن بن قتيبة، ثنا محمّد بن خلف، ثنا عيسى بن حازم، قال: كان لباس إبراهيم بن أدهم كتانا قطنا فروة، لم أر عليه ثياب صوف، ولا ثياب شهرة.
أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، قال:
سمعت محمّد بن إبراهيم، يقول: سمعت محمّد بن ريان يقول: رأى عليّ ذو النّون خفّا أحمر، فقال: انزع هذا يا بنيّ، فإنّه شهرة، ما لبسه رسول الله ﷺ ، إنّما لبس النّبيّ ﷺ خفّين
стр. 285
أسودين ساذجين.
أخبرنا محمّد بن ناصر، نا محمّد بن عليّ بن ميمون، ثنا عبد الكريم بن محمّد المحامليّ، نا عليّ بن عمر الدّارقطنيّ، نا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن سالم، نا أبو سعيد عبد الله بن شبيب المدنيّ، ثني الزّبير عن أبي غزية الأنصاريّ، عن فليخ بن سليمان، عن الرّبيع بن يونس، قال: قال أبو جعفر المنصور: العري الفادح خير من الزّيّ الفاضح.
فصل [لباس الشكوى]
قال المصنّف: واعلم أنّ اللّباس الّذي يزري بصاحبه يتضمّن إظهار الزّهد، وإظهار الفقر، وكأنّه لسان شكوى من الله ، ويوجب احتقار اللّابس، وكلّ ذلك مكروه، ومنهيّ عنه.
أخبرنا محمّد بن ناصر، نا عليّ بن الحسين بن أيّوب، نا أبو علي بن شاذان، ثنا أبو بكر بن سلمان النّجاد، ثنا أبو بكر بن عبد الله بن محمّد القرشي، ثنا عبيد الله بن عمر القواريريّ، ثنا هشام بن عبد الملك، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن أبيه، قال: «أتيت رسول الله ﷺ وأنا قشف الهيئة، فقال: «هل لك مال؟». قلت: نعم. قال:
«من أيّ المال؟». قلت: من كلّ المال قد آتاني الله من الإبل، والخيل، والرّقيق، والغنم. قال: «فإذا آتاك الله مالا، فلير عليك» (١).
أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا مسكين بن بكير، ثني الأوزاعيّ، عن حسّان بن عطيّة، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر، قال: أتانا رسول الله ﷺ زائرا في منزلي، فرأى رجلا شعثا، فقال: «أما كان يجد هذا ما
стр. 286
يسكّن به رأسه»، ورأى رجلا عليه ثياب وسخة، فقال: «أما كان يجد هذا ما يغسل به ثيابه» (١).
أخبرنا عبد الوهّاب بن المبارك، ومحمّد بن ناصر، قالا: نا أبو الحسين بن عبد الجبّار، نا أبو محمّد بن الحسن بن عليّ الجوهريّ، وأبو القاسم عليّ بن المحسّن التّنوخيّ، قالا: نا أبو عمرو محمّد بن العبّاس بن حيّويه، ثنا أبو بكر بن الأنباري، ثني أبي، ثنا أبو عكرمة الضّبيّ، ثنا مسعود بن بشر، عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى، قال: مضى عليّ بن أبي طالب إلى الرّبيع بن يزاد يعوده، فقال له: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك عاصما أخي، قال: ما شأنه؟ قال: ترك الملاذّ، ولبس العباءة، فغمّ أهله، وأحزن ولده، فقال: عليّ عاصما، فلمّا حضر بشّ في وجهه، وقال: أترى الله أحلّ لك الدّنيا، وهو يكره أخذك منها؟! أنت - والله - أهون على الله من ذلك، فو الله لابتذالك نعم الله بالفعال، أحبّ إليه من ابتذالك بالمقال.
فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي أراك تؤثر لبس الخشن، وأكل الشّعير، فتنفّس الصّعداء، ثمّ قال: ويحك يا عاصم! إنّ الله افترض على أئمّة العدل أن يقدروا أنفسهم بالعوامّ لئلّا يتبيّغ بالفقير فقره.
قال أبو بكر الأنباريّ: المعنى: لئلّا يزيد ويغلو، يقال: تبيّغ به الدّم، إذا زاد وجاوز الحدّ.
قال المصنّف: فإن قال قائل: تجويد اللّباس هوى للنّفس، وقد أمرنا بمجاهدتها، وتزيّن للخلق، وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق.
فالجواب: إنّه ليس كلّ ما تهواه النّفس يذمّ، ولا كلّ التّزيّن للنّاس يكره، وإنّما ينهى عن ذلك إذا كان الشّرع قد نهى عنه، أو كان على وجه الرّياء في باب الدّين، فإنّ الإنسان يحبّ
стр. 287
أن يرى جميلا، وذلك حظّ النّفس، ولا يلام فيه، ولهذا يسرّح شعره، وينظر في المرآة، ويسوّي عمامته، ويلبس بطانة الثّوب الخشن إلى داخل، وظهارته الحسنة إلى خارج، وليس في شيء من هذا ما يكره، ولا يذمّ.
أخبرنا المبارك بن عليّ الصّيرفيّ، نا عليّ بن محمّد بن العلّاف، نا عبد الملك بن محمّد بن بشران، نا أحمد بن إبراهيم الكنديّ، نا محمّد بن جعفر الخرائطيّ، ثنا بنان بن سليمان، ثنا عبد الرّحمن بن هانئ، عن العلاء بن كثير، عن مكحول، عن عائشة قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم، وفي الدّار ركوة فيها ماء، فجعل ينظر في الماء، ويسوّي شعره ولحيته، فقلت: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: «نعم، إذا خرج الرّجل إلى إخوانه فليهيّئ من نفسه، فإنّ الله جميل يحبّ الجمال» (١).
أخبرنا محمّد بن ناصر، أنبأنا عبد المحسن بن محمّد بن عليّ، ثنا مسعود بن ناصر بن أبي زيد، نا أبو إسحاق بن محمّد بن أحمد، نا أبو القاسم عبد الله بن أحمد الفقيه، نا الحسن بن سفيان، ثنا عبد الرّحمن بن محمّد بن عبيد الله العرزمي؛ عن أبيه، عن أمّ كلثوم، عن عائشة، قالت: «خرج رسول الله ﷺ ، فمرّ بركوة لنا فيها ماء، فنظر إلى ظلّه فيها، ثمّ سوّى لحيته ورأسه، ثمّ مضى، فلمّا رجع قلت: يا رسول الله، تفعل هذا؟ قال: «وأيّ شيء فعلت؟ نظرت في ظلّ الماء، فهيّأت من لحيتي ورأسي، إنّه لا باس أن يفعله الرّجل المسلم إذا خرج إلى إخوانه أن يهيّئ نفسه» (٢).
قال المصنّف ﵀: فإن قيل: فما وجه ما رويتم عن سريّ السّقطيّ، أنّه قال: لو أحسست بإنسان يدخل عليّ فقلت كذا بلحيتي - وأمرّ يده على لحيته كأنّه يريد أن يسوّيها
стр. 288
من أجل دخول الدّاخل عليه - لخشيت أن يعذّبني الله على ذلك بالنّار.
فالجواب: أنّ هذا محمول منه على أنّه كان يقصد بذلك الرّياء في باب الدّين من إظهار التّخشّع وغيره، فأمّا إذا قصد تحسين صورته لئلّا يرى منه ما لا يستحسن، فإنّ ذلك غير مذموم، فمن اعتقده مذموما، فما عرف الرّياء، ولا فهم المذموم.
أخبرنا سعد الخير بن محمّد الأنصاريّ، نا عليّ بن عبد الله بن محمّد النّيسابوريّ، نا أبو الحسين عبد الغافر بن محمّد الفارسيّ، نا محمّد بن عيسى بن عمرويه، ثنا إبراهيم بن محمّد بن سفيان، ثنا مسلم بن الحجّاج، ثنا محمّد بن المثنّى، ثني يحيى بن حمّاد، قال:
أخبرنا شعبة، عن أبان بن تغلب، عن فضيل الفقيمي، عن إبراهيم النّخعيّ، عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النّبيّ ﷺ قال: «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر»، فقال رجل: إنّ أحدنا يحبّ أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة، قال: «إنّ الله جميل يحبّ الجمال، الكبر بطر الحقّ، وغمط النّاس» (١)، انفرد به مسلم، ومعناه: الكبر كبر من بطر الحقّ.
وغمط: بمعنى ازدرى واحتقر.
فصل [ثياب الشهرة]
وقال المصنف ﵀: وقد كان في الصّوفيّة من يلبس الثّياب المرتفعة.
أخبرنا محمّد بن ناصر، نا أبو طاهر محمّد بن أحمد بن أبي الصقر، نا عليّ بن الحسن بن جحاف، قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء، كان أبو العبّاس بن عطاء يلبس المرتفع من البزّ كالدّبيقي، ويسبج بسبج اللّؤلؤ، ويؤثر ما طال من الثّياب.
قال المصنّف ﵀: قلت: وهذا في الشّهرة كالمرقّعات، وإنّما ينبغي أن تكون ثياب أهل الخير وسطا، فانظر إلى الشّيطان كيف يتلاعب بهؤلاء بين طرفي نقيض.
стр. 289
فصل [إفساد الثوب]
قال المصنّف ﵀: وقد كان في الصّوفيّة من إذا لبس ثوبا، خرق بعضه، وربّما أفسد الثّوب الرّفيع القدر.
أخبرنا أبو منصور عبد الرّحمن بن محمّد القزّاز، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، نا الحسن بن غالب المقري، قال: سمعت عيسى بن عليّ الوزير، يقول: كان ابن مجاهد يوما عند أبي، فقيل له: الشّبليّ، فقال: يدخل. فقال ابن مجاهد: سأسكته السّاعة بين يديك، وكان من عادة الشّبليّ إذا لبس شيئا، خرق فيه موضعا، فلمّا جلس، قال له ابن مجاهد: يا أبا بكر، أين في العلم فساد ما ينتفع به؟ فقال له الشّبليّ: أين في العلم: ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ [ص: ٣٣].
قال: فسكت ابن مجاهد، فقال له أبي: أردت أن تسكته فأسكتك، ثمّ قال له: قد أجمع النّاس أنّك مقرئ الوقت، فأين في القرآن: «إنّ الحبيب لا يعذّب حبيبه»، فسكت ابن مجاهد، فقال له أبي: قل يا أبا بكر، فقال: قوله تعالى: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]، فقال ابن مجاهد: كأنّني ما سمعتها قطّ.
قال المصنف ﵀: قلت: هذه الحكاية أنا مرتاب بصحّتها؛ لأنّ الحسن بن غالب كان لا يوثق به.
أخبرنا القزاز، نا أبو بكر الخطيب، قال: ادّعى الحسن بن غالب أشياء تبيّن لنا فيها كذبه واختلاقه، فإن كانت صحيحة، فقد أبانت عن قلّة فهم الشّبليّ حين احتجّ بهذه، وقلّة فهم ابن مجاهد حين سكت عن جوابه، وذلك أنّ قوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ (٣٣)؛ لأنّه لا يجوز أن ينسب إلى نبيّ معصوم أنّه فعل الفساد.
стр. 290
والمفسّرون قد اختلفوا في معنى الآية:
فمنهم من قال: مسح على أعناقها وسوقها، وقال: أنت في سبيل الله، فهذا إصلاح.
ومنهم من قال: عقرها، وذبح الخيل، وأكل لحمها جائز، فلمّا فعل شيئا فيه جناح، فأمّا إفساد ثوب صحيح لا لغرض صحيح، فإنّه لا يجوز، ومن الجائز أن يكون في شريعة سليمان جواز ما فعل، ولا يكون في شرعنا.
أخبرنا محمّد بن ناصر الحافظ، أنبأنا محمّد بن أبي الصّقر، ثنا عليّ بن الحسن بن جحاف الدّمشقيّ، قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء: كان مذهب أبي عليّ الرّوذباريّ تخريق أكمامه، وتفتيق قميصه، قال: فكان يخرق الثّوب المثمّن، فيرتدي بنصفه، ويأتزر بنصفه، حتّى إنّه دخل الحمّام يوما وعليه ثوب، ولم يكن مع أصحابه ما يأتزرون به، فقطعه على عددهم، فاتّزروا به، وتقدّم إليهم أن يدفعوا الخرق إذا خرجوا للحمّام.
قال ابن عطاء: قال لي أبو سعيد الكازرونيّ: كنت معه في هذا اليوم، وكان الرّداء الّذي قطعه يقوّم بنحو ثلاثين دينارا.
قال المصنّف ﵀: ونظير هذا التّفريط ما أنبأنا به زاهر بن طاهر قال: أنبأنا أبو بكر البيهقيّ، نا أبو عبد الله الحاكم، قال: سمعت عبد الله بن يوسف يقول: سمعت أبا الحسن البوشنجيّ يقول: كانت لي قبجة طلبت بمئة درهم، فحضرني ليلة غريبان، فقلت للوالدة:
عندك شيء لضيفيّ؟ قالت: لا، إلّا الخبز، فذبحت القبّجة، وقدّمتها إليهما.
قال المصنّف ﵀: قد كان يمكنه أن يستقرض، ثمّ يبيعها ويعطي، فلقد فرّط.
أخبرنا محمّد بن عبد الباقي بن أحمد، قال: أنبأنا رزق الله بن عبد الوهّاب، قال: أنبأنا أبو عبد الرّحمن السّلميّ، قال: سمعت جدّي يقول: دخل أبو الحسن الدّرّاج البغداديّ الرّيّ، وكان يحتاج إلى لفاف لرجله، فدفع إليه رجل منديلا دبيقيّا، فشقّه نصفين، وتلفّف
стр. 291
به، فقيل له: لو بعته واشتريت منه لفافا، وأنفقت الباقي، فقال ﵀: أنا لا أخون المذهب.
قال المصنّف: وقد كان أحمد الغزالي ببغداد، فخرج إلى المحول، فوقف على ناعورة تئنّ، فرمى طيلسانه عليها، فدارت، فتقطّع الطّيلسان.
قال المصنّف ﵀: قلت: فانظر إلى هذا الجهل والتّفريط، والبعد عن العلم، فإنّه قد صحّ عن رسول الله ﷺ : «أنّه نهى عن إضاعة المال» (١)، ولو أنّ رجلا قطع دينارا صحيحا، وأنفقه، كان عند الفقهاء مفرّطا، فكيف بهذا التّبذير المحرّم.
ونظير هذا تمزيقهم الثّياب المطروحة عند الوجد على ما سيأتي ذكره إن شاء الله، ثمّ يدّعون أنّ هذه حالة، ولا خير في حالة تنافي الشّرع، أفتراهم عبيد نفوسهم أم أمروا أن يعملوا بآرائهم، فإن كانوا عرفوا أنّهم يخالفون الشّرع بفعلهم هذا، ثمّ فعلوه، إنّه لعناد، وإن كانوا لا يعرفون فلعمري إنّه لجهل شديد.
أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: سمعت محمّد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله الرّازيّ يقول: لمّا تغيّر الحال على أبي عثمان وقت وفاته، مزّق ابنه أبو بكر قميصا كان عليه، ففتح أبو عثمان عينه، وقال: يا بنيّ، خلاف السّنّة في الظّاهر، ورياء باطن في القلب.
فصل [المبالغة في تقصير الثوب]
قال المصنّف: وفي الصّوفيّة من يبالغ في تقصير ثوبه، وذلك شهرة أيضا.
أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، ثنا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا محمّد بن أبي عديّ، عن العلاء، عن أبيه، أنّه سمع أبا سعيد: سئل عن الإزار، فقال:
стр. 292
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إزار المسلم إلى أنصاف السّاقين، لا جناح - أو: لا حرج - عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من ذلك ففي النّار» (١).
أخبرنا المحمّدان (ابن ناصر، وابن عبد الباقي)، قالا: نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، ثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمّد بن إسحاق، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، قال: كتب إليّ عبد الرّزّاق، عن معمر قال: كان في قميص أيّوب بعض التّذييل، فقيل له: فقال: الشّهرة اليوم في التّشمير.
وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ، قال: دخلت يوما على أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وعليّ قميص أسفل من الرّكبة، وفوق السّاق، فقال: أيّ شيء هذا؟! وأنكره، وقال:
هذا بالمرّة لا ينبغي.
فصل [لبس الخرقة بدل العمامة]
قال المصنّف: وقد كان في الصّوفيّة من يجعل على رأسه خرقة مكان العمامة، وهذا أيضا شهرة؛ لأنّه على خلاف لباس أهل البلد، وكلّ ما فيه شهرة فهو مكروه.
أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار، نا أبو الحسين بن عليّ، نا أحمد بن منصور النّوشري، ثنا محمّد بن مخلد، ثني محمّد بن يوسف، قال: قال عبّاس بن عبد العظيم العنبريّ، قال بشر بن الحارث: إنّ ابن المبارك دخل المسجد يوم جمعة، وعليه قلنسوة، فنظر النّاس ليس عليهم قلانس، فأخذها فوضعها في كمّه.
فصل [الاستكثار من الثياب]
قال المصنف: وقد كان في الصّوفيّة من استكثر من الثّياب وسوسة، فيجعل للخلاء
стр. 293
ثوبا، وللصّلاة ثوبا. وقد روي هذا عن جماعة، منهم أبو يزيد، وهذا لا بأس به إلّا أنّه لا ينبغي خشية أن يتّخذ سنّة.
أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، ثنا أبو حامد أحمد بن محمّد بن عبد الوهّاب، ثنا محمّد بن إسحاق النّيسابوريّ، ثنا محمّد بن الصّباح، ثنا حاتم (يعني: ابن إسماعيل)، ثني جعفر، عن أبيه، أنّ عليّ بن الحسين قال: يا بنيّ، لو اتّخذت ثوبا للغائط، رأيت الذّباب يقع على الشّيء، ثمّ يقع على الثّوب، ثمّ أتيته، فقال: ما كان لرسول الله ﷺ ، ولا لأصحابه إلّا ثوب فرفضه.
فصل [اتخاذ ثوب للجمعة والعيد]
قال المصنّف: وقد كان فيهم من لا يكون له سوى ثوب واحد زهدا في الدّنيا، وهذا أحسن إلّا أنّه إذا أمكن اتّخاذ ثوب للجمعة والعيد، كان أصلح وأحسن.
أخبرنا عبد الأوّل بن عيسى، نا عبد الرّحمن بن محمّد بن المظفّر، نا عبد الله بن أحمد ابن حيّويه، نا إبراهيم بن خزيم بن حميد، ثني ابن أبي شيبة، ثنا محمّد بن عمر، عن عبد الحميد بن جعفر، عن محمّد بن يحيى بن حبّان، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، قال: خطبنا رسول الله ﷺ في يوم جمعة، فقال: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعة سوى ثوب مهنته» (١).
أخبرنا محمّد بن عبد الباقي، نا أبو محمّد الجوهريّ، نا أبو عمر بن حيّويه، نا أحمد بن معروف الخشّاب، نا الحارث بن أبي أسامة، ثنا محمّد بن سعد، نا محمّد بن عمر، ثني عبد الرّحمن بن أبي الزّناد، عن عبد المجيد بن سهل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال محمّد
стр. 294
ابن عمر: وحدّثني غير محمّد بن عبد الرّحمن أيضا ببعض ذلك، قالوا: «كان للرّسول ﷺ برد يمنيّ، وإزار من نسج عمان، فكان يلبسهما في يوم الجمعة ويوم العيد، ثمّ يطويان» (١).
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في مطاعمهم ومشاربهم:
قال المصنّف ﵀: قد بالغ إبليس في تلبيسه على قدماء الصّوفيّة، فأمرهم بتقليل المطعم، وخشونته، ومنعهم شرب الماء البارد، فلمّا بلغ إلى المتأخّرين، استراح من التّعب، واشتغل بالتّعجّب من كثرة أكلهم، ورفاهية عيشهم.
ذكر طرف ممّا فعله قدماؤه:
قال المصنّف ﵀: كان في القوم من يبقى الأيّام لا يأكل إلى أن تضعف قوّته، وفيهم من يتناول كلّ يوم الشّيء اليسير الّذي لا يقيم البدن، فروي لنا عن سهل بن عبد الله أنّه كان في بدايته يشتري بدرهم دبسا، وبدرهمين سمنا، وبدرهم دقيق الأرز، فيخلطه، ويجعله ثلاث مئة، وستّين كرة، فيفطر كلّ ليلة على واحدة.
وحكى عنه أبو حامد الطوسي قال: كان سهل يقتات ورق النّبق مدّة، وأكل دقاق التبن مدّة ثلاث سنين، واقتات بثلاث دراهم في ثلاث سنين.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامريّ، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، ثني أبو الفرج بن حمزة التكريتي، ثني أبو عبد الله الحصري، قال: سمعت أبا جعفر الحدّاد يقول:
أشرف عليّ أبو تراب يوما وأنا على بركة ماء، ولي ستّة عشر يوما ولم آكل شيئا، ولم أشرب فيها ماء، فقال: ما جلوسك هاهنا؟ فقلت: أنا بين العلم واليقين، وأنا أنظر من يغلب، فأكون معه، فقال: سيكون لك شأن.
стр. 295
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا ابن أبي صادق، ثنا ابن باكويه، نا عبد العزيز بن الفضل، ثنا عليّ بن عبد الله العمري، ثنا محمّد بن فليح، ثني إبراهيم بن البنا البغداديّ، قال: صحبت ذا النّون من إخميم إلى الإسكندريّة، فلمّا كان وقت إفطاره، أخرجت قرصا وملحا كان معي، وقلت: هلمّ. فقال لي: ملحك مدقوق. قلت: نعم. قال: لست تفلح، فنظرت إلى مزوده، فإذا فيه قليل سويق شعير يستفّ منه.
أخبرنا ابن ظفر، نا ابن السّرّاج، نا عبد العزيز بن عليّ الأزجي، نا ابن جهضم، ثنا محمّد بن عيسى بن هارون الدّقّاق، ثنا أحمد بن أنس بن أبي الحواريّ، سمعت أبا سليمان يقول: الزّبد بالعسل إسراف.
قال ابن جهضم: وحدّثنا محمّد بن يوسف البصريّ قال: سمعت أبا سعيد صاحب سهل يقول: بلغ أبا عبد الله الزّبيري، وزكريا السّاجي، وابن أبي أوفى أنّ سهل بن عبد الله يقول: أنا حجّة الله على الخلق، فاجتمعوا عنده، فأقبل عليه الزّبيريّ، فقال له: بلغنا أنّك قلت: «أنا حجّة الله على الخلق»، فبماذا؟ أنبيّ أنت؟ أصدّيق أنت؟ قال سهل: لم أذهب حيث تظنّ، ولكن إنّما قلت هذا لأخذي الحلال، فتعالوا كلّكم حتّى نصحّح الحلال.
قالوا: فأنت قد صحّحته. قال: نعم. قال: وكيف؟ قال سهل: قسمت عقلي ومعرفتي وقوتي على سبعة أجزاء، فأتركه حتّى يذهب منها ستّة أجزاء، ويبقى جزء واحد، فإذا خفت أن يذهب ذلك الجزء، ويتلف معه نفسي خفت أن أكون قد أعنت عليها وقتلتها، دفعت إليها من البلغة ما يردّ السّتّة الأجزاء.
أخبرنا ابن حبيب، نا ابن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: أخبرني أبو عبد الله بن مفلح، قال: أخبرني أبي، أخبرني أبو عبد الله بن زيد، قال لي: منذ أربعين سنة ما أطعمت نفسي طعاما إلّا في وقت ما أحلّ الله لها الميتة.
стр. 296
أخبرنا ابن ناصر، نا أبو الفضل محمّد بن عليّ بن أحمد السهلكي، ثني أبو الحسن عليّ بن محمّد القوهي، ثنا عيسى بن آدم أخي أبي يزيد، قال: جاء رجل إلى أبي يزيد قال:
أريد أن أجلس في مسجدك الّذي أنت فيه. قال: لا تطيق ذلك. فقال: إن رأيت أن توسع لي في ذلك، فأذن له فجلس يوما لا يطعم، فصبر، فلمّا كان في اليوم الثّاني، قال له: يا أستاذ، لا بدّ ممّا لا بدّ منه. فقال: يا غلام، لا بدّ من الله. قال: يا أستاذ، نريد القوت. قال: يا غلام، القوت عندنا إطاعة الله. فقال: يا أستاذ، أريد شيئا يقيم جسدي في طاعته . فقال: يا غلام، إنّ الأجسام لا تقوم إلّا بالله .
أخبرنا المحمّدان (ابن ناصر، وابن عبد الباقي)، قالا: نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، قال: سمعت محمّد بن الحسين يقول: سمعت محمّد بن عبد الله بن شاذان يقول:
سمعت أبا عثمان الأدميّ، يقول: سمعت إبراهيم الخوّاص يقول: حدّثني أخ لي كان يصحب أبا تراب، نظر إلى صوفيّ مدّ يده إلى قشر البطيخ، وكان قد طوى ثلاثة أيّام، فقال له: تمدّ يدك إلى قشر البطيخ؟ أنت لا يصلح لك التّصوّف، الزم السّوق.
أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، أنبأنا رزق الله بن عبد الوهّاب، نا أبو عبد الرّحمن السّلميّ، قال: سمعت أبا القاسم القيرواني يقول: سمعت بعض أصحابنا يقول: أقام أبو الحسن النّصيبيّ بالحرم أيّاما مع أصحاب لهم سبعة لم يأكلوا، فخرج بعض أصحابه ليتطهّر، فرأى قشر بطيخ فأخذه فأكله، فرآه إنسان فاتّبعه بشيء، وجاء برفق، فوضعه بين يدي القوم، فقال الشّيخ: من جنى منكم هذه الجناية؟ فقال الرّجل: أنا وجدت قشر بطيخ فأكلته. فقال: كن مع جنايتك ومع هذا الزقّ، وخرج من الحرم ومعه أصحابه، وتبعه الرّجل. فقال: ألم أقل لك: كن مع جنايتك. فقال الرّجل: أنا تائب إلى الله تعالى ممّا جرى منّي. فقال الشّيخ: لا كلام بعد التّوبة.
أخبرنا عمر بن ظفر، نا ابن السّرّاج، نا أبو القاسم الأزجيّ، نا أبو الحسن بن جهضم،
стр. 297
ثنا إبراهيم بن محمّد الشنوزي، قال: سمعت بنان بن محمّد، يقول: كنت بمكّة مجاورا، فرأيت بها إبراهيم الخوّاص، وأتى عليّ أيّام لم يفتح عليّ بشيء، وكان بمكّة مزيّن يحبّ الفقراء، وكان من أخلاقه إذا جاءه الفقير يحتجم، اشترى له لحما، فطبخه فأطعمه، فقصدته، وقلت: أريد أن أحتجم، فأرسل من يشتري لحما، وأمر بإصلاحه، وجلست بين يديه، فجعلت نفسي تقول: ترى يكون فراغ القدر مع فراغ الحجامة، ثمّ استيقظت وقلت:
يا نفس، إنّما جئت تحتجمين لا لتطعمي، عاهدت الله تعالى ألّا ذقت من طعامه شيئا، فلمّا فرغ، انصرفت، فقال: سبحان الله! أنت تعرف الشّرط.
فقلت: ثمّ عقد، فسكت، وجئت إلى المسجد الحرام، ولم يقدر لي شيء آكله، فلمّا كان من الغد، بقيت إلى آخر النّهار، ولم يتّفق أيضا، فلمّا قمت لصلاة العصر، سقطت وغشي عليّ، واجتمع حولي ناس، وحسبوا أنّي مجنون، فقام إبراهيم، وفرّق النّاس، وجلس عندي يحدّثني.
ثمّ قال: تأكل شيئا؟ قلت: قرب اللّيل. فقال: أحسنتم يا مبتدئون، اثبتوا على هذا تفلحوا، ثمّ قام، فلمّا صلّينا العشاء الآخرة إذا هو قد جاءني، ومعه قصعة فيها عدس، ورغيفان، ودورق ماء، فوضعه بين يدي، وقال: كل ذلك، فأكلت الرّغيفين والعدس، فقال:
فيك فضل تأكل شيئا آخر؟ قلت: نعم، فمضى، وجاء بقصعة عدس ورغيفين، فأكلتهما، وقلت: قد اكتفيت، فاضطجعت، فما قمت ليلتي، ونمت إلى الصّباح ما صلّيت، ولا طفت.
أنبأنا أبو المظفّر عبد المنعم بن عبد الكريم، ثنا أبي، قال: سمعت محمّد بن عبد الله الصّوفيّ يقول: سمعت منصور بن عبد الله الأصفهانيّ يقول: سمعت أبا عليّ الرّوذباري يقول: إذا قال الصّوفيّ بعد خمسة أيّام: أنا جائع، فألزموه السّوق، وأمروه بالكسب.
أنبأنا عبد المنعم، ثنا أبي، قال: سمعت ابن باكويه، يقول: سمعت أبا أحمد الصّغير يقول: أمرني أبو عبد الله بن خفيف أن أقدّم إليه كلّ ليلة عشر حبّات زبيب لإفطاره،
стр. 298
فأشفقت عليه ليلة، فحملت إليه خمسة عشرة حبّة، فنظر إليّ، وقال: من أمرك بهذا؟ وأكل عشر حبّات، وترك الباقي.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا عليّ بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت أبا عبد الله ابن خفيف، يقول: كنت في ابتدائي بقيت أربعين شهرا أفطر كلّ ليلة بكفّ باقلّاء، فمضيت يوما، فافتصدت، فخرج من عرقي شبه ماء اللّحم، وغشي عليّ، فتحيّر الفصّاد، وقال: ما رأيت جسدا لا دم فيه إلّا هذا.
فصل [ترك أكل اللحم]
قال المصنّف: وقد كان فيهم قوم لا يأكلون اللّحم حتّى قال بعضهم: أكل درهم من اللّحم يقسّي القلب أربعين صباحا، وكان فيهم من يمتنع من الطّيّبات كلّها، ويحتجّ بما أخبرنا به عليّ بن عبد الواحد الدّينوري، نا أبو الحسن القزوينيّ، نا أبو حفص بن الزّيّات، ثنا ابن ماجة، ثنا أزهر بن جميل، ثنا بزيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : «احرموا أنفسكم طيب الطّعام، فإنّما قوي الشّيطان أن يجري في العروق بها» (١).
وفيهم من كان يمتنع من شرب الماء الصّافي، وفيهم من يمتنع من شرب الماء البارد، فيشرب الحارّ، ومنهم من كان يجعل ماءه في دنّ مدفون في الأرض، فيصير حارّا، ومنهم من يعاقب نفسه بترك الماء مدّة.
وأخبرنا محمّد بن ناصر، أنبأنا أبو الفضل محمّد بن عليّ السهلكيّ، قال: سمعت عبد الواحد بن بكر الرّويانيّ، ثني محمّد بن سعدان، ثني عيسى بن موسى البسطاميّ، قال:
стр. 299
سمعت أبي يقول: قال: سمعت عمّي خادم أبي يزيد يقول: ما أكلت شيئا ممّا يأكله بنو آدم أربعين سنة. قال: وأسهل ما لاقت نفسي منّي أنّي سألتها أمرا من الأمور فأبت، فعزمت ألّا أشرب الماء سنة، فما شربت الماء سنة.
وحكى أبو حامد الغزاليّ عن أبي يزيد أنّه قال: دعوت نفسي إلى الله ، فجمحت، فعزمت عليها ألّا أشرب الماء سنة، ولا أذوق النّوم سنة، فوفّت لي بذلك.
فصل [ترتيب مطاعم الصوفية]
قال المصنف: وقد رتّب أبو طالب المكّيّ للقوم ترتيبات في المطاعم، فقال: أستحبّ للمريد ألّا يزيد على رغيفين في يوم وليلة. قال: ومن النّاس من كان يعمل في الأقوات فيقلها، وكان بعضهم يزن قوته بكربة من كرب النّخل، وهي تجفّ كلّ يوم قليلا، فينقص من قوته بمقدار ذلك. قال: ومنهم من كان يعمل في الأوقات، فيأكل كلّ يوم، ثمّ يتدرّج إلى يومين وثلاثة، قال: والجوع ينقص دم الفؤاد فيبيضه، وفي بياضه نوره، ويذيب شحم الفؤاد، وفي ذوبانه رقّته، وفي رقّته مفتاح المكاشفة.
قال المصنّف رحمه الله تعالى: وقد صنّف لهم أبو عبد الله محمّد بن عليّ التّرمذيّ كتابا سمّاه: «رياضة النّفوس» قال فيه: فينبغي للمبتدئ في هذا الأمر أن يصوم شهرين متتابعين توبة من الله، ثمّ يفطر، فيطعم اليسير، ويأكل كسرة كسرة، ويقطع الإدام والفواكه واللذّة، ومجالسة الإخوان، والنّظر في الكتب، وهذا كلّه أفراح للنّفس، فيمنع النّفس لذّتها حتّى تمتلئ غمّا.
قال المصنّف: وقد أخرج لهم بعض المتأخّرين الأربعينيّة، يبقى أحدهم أربعين يوما لا يأكل الخبز، ولكنّه يشرب الزّيوتات، ويأكل الفواكه الكثيرة اللّذيذة، فهذه نبذة من ذكر أفعالهم في مطاعمهم يدلّ مذكورها على مغفّلها.
стр. 300
فصل في بيان تلبيس إبليس عليهم في هذه الأفعال وإيضاح الخطإ فيها
قال المصنّف ﵀: أمّا ما نقل عن سهل، ففعل لا يجوز؛ لأنّه حمل على النّفس ما لا تطيق، ثمّ إنّ الله أكرم الآدميّين بالحنطة، وجعل قشورها لبهائمهم، فلا تصلح مزاحمة البهائم في أكل التبن، وأيّ غذاء في التبن، ومثل هذه الأشياء أشهر من أن تحتاج إلى ردّ.
وقد حكى أبو حامد عن سهل أنّه كان يرى أنّ صلاة الجائع الّذي قد أضعفه الجوع قاعدا أفضل من صلاته قائما إذا قوّاه الأكل.
قال المصنّف ﵀: وهذا خطأ، بل إذا تقوّى على القيام، كان أكله عبادة؛ لأنّه يعين على العبادة، وإذا تجوّع إلى أن يصلّي قاعدا، فقد تسبّب إلى ترك الفرائض، فلم يجز له، ولو كان المتناول ميتة ما جاز هذا، فكيف وهو حلال، ثمّ أيّ قربة في هذا الجوع المعطّل أدوات العبادة.
وأمّا قول الحداد: وأنا أنظر من يغلب: العلم أم اليقين؟ فإنّه جهل محض؛ لأنّه ليس بين العلم واليقين تضادّ، إنّما اليقين أعلى مراتب العلم، وأين من العلم واليقين ترك ما تحتاج إليه النّفس من المطعم والمشرب، وإنّما أشار بالعلم إلى ما أمره الشّرع، وأشار باليقين إلى قوّة الصّبر، وهذا تخليط قبيح، وهؤلاء قوم شدّدوا فيما ابتدعوا، وكانوا كقريش في تشدّدهم حتّى سمّوا بالحمس، فجحدوا الأصل، وشدّدوا في الفرع.
وقول الآخر: «ملحك مدقوق، لست تفلح»، من أقبح الأشياء، وكيف يقال عمّن استعمل ما أبيح له: «لست تفلح»، وأمّا سويق الشّعير، فإنّه يورث القولنج.
وقول الآخر: الزّبد بالعسل إسراف؛ قول مرذول؛ لأنّ الإسراف ممنوع منه شرعا،
стр. 301
وهذا مأذون فيه، وقد صحّ عن رسول الله ﷺ : «أنّه كان يأكل القثّاء بالرّطب» (١)، «وكان يحبّ الحلوى والعسل» (٢).
وأمّا ما روّينا عن سهل أنّه قال: قسمت قوتي وعقلي سبعة أجزاء، ففعل يذمّ به، ولا يمدح عليه إذ لم يأمر الشّرع بمثله، وهو إلى التّحريم أقرب؛ لأنّه ظلم للنّفس، وترك لحقّها.
وكذلك قول الّذي قال: ما أكلت إلى وقت أن يباح لي أكل الميتة: فإنّه فعل برأيه المرذول، وحمل على النّفس مع وجود الحلال.
وقول أبي يزيد: «القوت عندنا لله»، كلام ركيك، فإنّ البدن قد بني على الحاجة إلى الطّعام حتّى إنّ أهل النّار في النّار يحتاجون إلى الطّعام.
وأمّا التّقبيح على من أخذ قشر البطيخ بعد الجوع الطّويل، فلا وجه له، والّذي طوى ثلاثا، لم يسلم من لوم الشّرع، وكذلك الّذي عاهد ألّا يأكل حين احتجم حتّى وقع في الضّعف، فإنّه فعل ما لا يحلّ له، وقول إبراهيم له: «أحسنتم يا مبتدئون»، خطأ أيضا، فإنّه كان ينبغي أن يلزمه بالفطر، ولو كان في رمضان، إذ من له أيّام لم يأكل، وقد احتجم وغشي عليه، لا يجوز له أن يصوم.
أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر بن ثابت، ثني الأزهريّ، ثنا عليّ بن عمر، ثنا أبو حامد الحضرميّ، ثنا عبد الرّحمن بن يونس السّرّاج، ثنا بقيّة بن الوليد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصابه جهد في رمضان، فلم يفطر فمات، دخل النّار» (٣).
стр. 302
قال المصنّف ﵀: قلت: كلّ رجاله ثقات، وقد أخبرنا به عاليا محمّد بن عبد الباقي، نا أبو يعلى محمّد بن الحسين، نا عليّ بن عمر، ثنا أحمد بن محمّد الأسديّ، ثنا عبد الرّحمن بن يونس فذكره، وقال: من أصابه جهد في رمضان، فلم يفطر، دخل النّار.
قال المصنّف ﵀: وأمّا تقليل ابن خفيف، ففعل قبيح لا يستحسن، وما يورد هذه الأخبار عنهم إيرادا مستحسنا لها إلّا جاهل بأصول الشّرع، فأمّا العالم المتمكّن، فإنّه لا يهوله قول معظّم، فكيف بفعل جاهل مبرسم.
وأمّا كونهم لا يأكلون اللّحم، فهذا مذهب البراهمة الّذين لا يرون ذبح الحيوان، والله أعلم بمصالح الأبدان، فأباح اللّحم لتقويتها، فأكل اللّحم يقوّي القوّة، وتركه يضعفها، ويسيء الخلق، وقد «كان رسول الله ﷺ يأكل اللّحم، ويحبّ الذّراع من الشّاة» (١)، ودخل يوما، فقدّم إليه طعام من طعام البيت، فقال: «لم أر لكم برمة تفور» (٢).
وكان الحسن البصريّ يشتري كلّ يوم لحما، وعلى هذا كان السّلف إلّا أن يكون فيهم فقير، فيبعد عهده باللّحم لأجل الفقر، وأمّا من منع نفسه الشّهوات، فإنّ هذا على الإطلاق لا يصلح؛ لأنّ الله لمّا خلق بني آدم على الحرارة والبرودة واليبوسة والرّطوبة، وجعل صحّته موقوفة على تعادل الأخلاط: الدّم، والبلغم، والمرّة الصّفراء، والمرّة السّوداء، فتارة يزيد بعض الأخلاط فتميل الطّبيعة إلى ما ينقصه، مثل أن تزيد الصّفراء، فيميل الطّبع إلى الحموضة، أو ينقص البلغم، فتميل النّفس إلى المرطبات، فقد ركّب في الطّبع الميل إلى ما تميل إليه النّفس وتوافقه، فإذا مالت النّفس إلى ما يصلحها، فمنعت، فقد قوبلت حكمة الباري بردّها، ثمّ يؤثر ذلك في البدن، فكان هذا الفعل مخالفا للشّرع والعقل.
стр. 303
ومعلوم أنّ البدن مطيّة الآدميّ، ومتى لم يرفق بالمطيّة، لم تبلغ، وإنّما قلّت علوم هؤلاء، فتكلّموا بآرائهم الفاسدة، فإن أسندوا، فإلى حديث ضعيف، أو موضوع، أو يكون فهمهم منه رديئا، ولقد عجبت لأبي حامد الغزالي الفقيه كيف نزل مع القوم من رتبة الفقه إلى مذاهبهم حتّى إنّه قال: لا ينبغي للمريد إذا تاقت نفسه إلى الجماع أن يأكل، ويجامع فيعطي نفسه شهوتين، فتقوى عليه.
قال المصنّف ﵀: وهذا قبيح في الغاية، فإنّ الإدام شهوة فوق الطّعام، فينبغي ألّا يأكل إداما، والماء شهوة أخرى.
أو ليس في الصّحيح أنّ رسول الله ﷺ : «طاف على نسائه بغسل واحد» (١)، فهلّا اقتصر على شهوة واحدة. أو ليس في «الصّحيحين» أنّ رسول الله ﷺ : «كان يأكل القثّاء بالرّطب» (٢)، وهاتان شهوتان، أوما أكل عند أبي الهيثم بن التّيّهان خبزا، وشواء، وبسرا، وشرب ماء باردا؟ أوما كان الثّوريّ يأكل اللّحم والعنب والفالوذج، ثمّ يقوم فيصلّي، أوما تعلف الفرس الشّعير والتبن والقتّ، وتطعم النّاقة الخبط والحمض، وهل البدن إلّا ناقة.
وإنّما نهى بعض القدماء عن الجمع بين إدامين على الدّوام؛ لئلّا يتّخذ ذلك عادة، فيحوج إلى كلفة، وإنّما تجتنب فضول الشّهوات؛ لئلّا يكون سببا لكثرة الأكل، وجلب النّوم، ولئلّا تتعوّد فيقل الصّبر عنها، فيحتاج الإنسان إلى تضييع العمر في كسبها، وربّما تناولها من غير وجهها، وهذا طريق السّلف، في ترك فضول الشّهوات.
стр. 304
والحديث الّذي احتجّوا به: «احرموا أنفسكم طيب الطّعام» (١)، حديث موضوع عملته يدا بزيع الرّاوي.
وأمّا إذا اقتصر الإنسان على خبز الشّعير والملح الجريش، فإنّه ينحرف مزاجه؛ لأنّ خبز الشّعير يابس مجفّف، والملح يابس قابض يضرّ الدّماغ والبصر، وتقليل المطعم يوجب تنشيف المعدة، وضيقها، وقد حكى يوسف الهمدانيّ عن شيخه عبد الله الحوفيّ أنّه كان يأكل خبز البلّوط بغير إدام، وكان أصحابه يسألونه أن يأكل شيئا من الدّهن والدّسومات، فلا يفعل.
قال المصنّف ﵀: وهذا يورث القولنج الشّديد، واعلم أنّ المذموم من الأكل إنّما هو فرط الشّبع، وأحسن الآداب في المطعم أدب الشّارع ﷺ .
أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أبو بكر بن حمدان، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا أبو المغيرة، ثنا سليمان بن سليم الكنانيّ، ثنا يحيى بن جابر الطّائي، قال: سمعت المقدام بن معدي كرب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا بدّ، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» (٢).
قال المصنّف ﵀: قلت: فقد أمر الشّرع بما يقيم النّفس حفظا لها، وسعيا في مصلحتها، ولو سمع أبقراط هذه القسمة في قوله: ثلث، وثلث، وثلث، لدهش من هذه الحكمة؛ لأنّ الطّعام والشّراب يربوان في المعدّة، فيتقارب ملؤها، فيبقى للنّفس من الثّلث قريب، فهذا أعدل الأمور، فإن نقص منه قليلا، لم يضرّ، وإن زاد النّقصان أضعف القوّة، وضيّق المجاري على الطّعام.
стр. 305
فصل [الجوع]
قال المصنّف ﵀: واعلم أنّ الصّوفيّة إنّما يأمرون بالتّقلّل شبّانهم ومبتدئيهم، ومن أضرّ الأشياء على الشّابّ: الجوع، فإنّ المشايخ يصبرون عليه، والكهول أيضا، فأمّا الشّبّان فلا صبر لهم على الجوع، وسبب ذلك أنّ حرارة الشّباب شديدة، فلذلك يجود هضمه، ويكثر تحلّل بدنه، فيحتاج إلى كثرة الطّعام كما يحتاج السّراج الجديد إلى كثرة الزّيت، فإذا صابر الشّابّ الجوع وتأبّته في أوّل النّشوء، قمع نشوء نفسه، فكان كمن يعرقب أصول الحيطان، ثمّ تمتدّ يد المعدّة لعدم الغذاء إلى أخذ الفضول المجتمعة في البدن، فتغذّيه بالأخلاط، فيفسد الدّهن والجسم، وهذا أصل عظيم يحتاج إلى تأمّل.
فصل [حكم التقلل الشديد من الطعام]
قال المصنّف ﵀: وذكر العلماء التّقلّل الّذي يضعف البدن.
أخبرنا محمّد بن ناصر الحافظ، نا أبو الحسين بن عبد الجبّار، نا عبد العزيز بن عليّ الأزجيّ، نا إبراهيم بن جعفر السّاجي، نا أبو بكر أحمد بن محمّد بن هارون الخلّال، نا عبد الله بن إبراهيم بن يعقوب الجيلي، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، قال له عقبة بن مكرم: هؤلاء الّذين يأكلون قليلا، ويقلّلون من مطعمهم. فقال: ما يعجبني، سمعت عبد الرّحمن بن مهديّ يقول: فعل قوم هذا، فقطعهم عن الفرض.
قال الخلّال: وأخبرني أبو بكر أحمد بن محمّد بن عبد الله بن صدقة، ثنا إسحاق بن داود بن صبيح، قال: قلت لعبد الرّحمن بن مهديّ: يا أبا سعيد، إنّ ببلدنا قوما من هؤلاء الصّوفيّة. فقال: لا تقرب هؤلاء، فإنّا قد رأينا من هؤلاء قوما أخرجهم الأمر إلى الجنون، وبعضهم أخرجهم إلى الزّندقة، ثمّ قال: خرج سفيان الثّوريّ في سفر فشيّعته، وكان معه سفرة فيها فالوذج، وكان فيها حمل.
стр. 306
قال الخلّال: وأخبرني المروزيّ، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وقال له رجل: إنّي منذ خمس عشرة سنة، قد ولع بي إبليس، وربّما وجدت وسوسة أتفكّر في الله ، فقال: لعلّك كنت تدمن الصّوم، أفطر، وكل دسما، وجالس القصّاص.
قال المصنّف ﵀: وفي هؤلاء القوم من يتناول المطاعم الرّديئة، ويهجر الدّسم، فيجتمع في معدته أخلاط فجّة، فتتغذّى المعدة منها مدّة؛ لأنّ المعدة لا بدّ لها من شيء تهضمه، فإذا هضمت ما عندها من الطّعام، ولم تجد شيئا، تناولت الأخلاط، فهضمتها، وجعلتها غذاء، وذلك الغذاء الرّديء يخرج إلى الوساوس، والجنون، وسوء الأخلاق.
وهؤلاء المتقلّلون يتناولون مع التّقلّل أردأ المأكولات، فتكثر أخلاطهم، فتشتغل المعدة بهضم الأخلاط، ويتّفق لهم تعوّد التّقلّل بالتّدريج، فتضيق المعدة، فيمكنهم الصّبر عن الطّعام أيّاما، ويعينهم على هذا قوّة الشّباب، فيعتقدون الصّبر عن الطّعام كرامة، وإنّما السّبب ما عرّفتك.
وقد أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم، قال: حدّثني أبي قال: كانت امرأة قد طعنت في السّنّ، فسئلت عن حالها؟ فقالت: كنت في حال الشّباب أجد من نفسي أحوالا أظنّها قوّة الحال، فلمّا كبرت، زالت عنّي، فعلمت أنّ ذلك كان قوّة الشّباب، فتوهّمتها أحوالا، قال:
سمعت أبا عليّ الدّقّاق يقول: ما سمع أحد هذه الحكاية من الشّيوخ إلّا رقّ لهذه العجوز، وقال: إنّها كانت منصفة.
وقال المصنّف: فإن قيل: كيف تمنعون من التّقلّل وقد رويتم أنّ عمر ﵁ كان يأكل كلّ يوم إحدى عشرة لقمة، وأنّ ابن الزّبير كان يبقى أسبوعا لا يأكل، وأنّ إبراهيم التّيميّ بقي شهرين.
قلنا: قد يجري للإنسان من هذا الفنّ في بعض الأوقات غير أنّه لا يدوم عليه، ولا يقصد التّرقّي إليه، وقد كان في السّلف من يجوع عوزا، وفيهم من كان الصّبر له عادة لا
стр. 307
تضرّ بدنه، وفي العرب من يبقى أياما لا يزيد على شرب اللّبن، ونحن لا نأمر بالشّبع، إنّما ننهى عن جوع يضعف القوّة، ويؤذي البدن، وإذا ضعف البدن، قلّت العبادة، فإن حملت البدن قوّة الشّباب، جاء الشّيب فأقذع بالرّاكب.
وقد أخبرنا محمّد بن ناصر الحافظ، نا عبد القادر بن يوسف، نا أبو إسحاق البرمكيّ، ثنا أبو يعقوب بن سعد النّسائيّ، ثنا جدّي الحسن بن سفيان، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا عبد الله ابن وهب، ثنا سفيان بن عيينة، عن مالك بن أنس ﵁ قال: كان يطرح لعمر بن الخطّاب ﵁ عنه الصّاع من التّمر، فيأكله حتّى حشفه.
وقد روّينا عن إبراهيم بن أدهم: أنّه اشترى زبدا، وعسلا، وخبزا حوّاري. فقيل له: هذا كلّه تأكله؟! فقال: إذا وجدنا، أكلنا أكل الرّجال، وإذا عدمنا صبرنا صبر الرّجال.
قال المصنّف ﵀: وأمّا الشّرب من الماء الصّافي: فقد تخيّره رسول الله ﷺ .
أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا أبو عامر العقديّ وغيره، ثنا فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، عن جابر بن عبد الله، أنّ رسول الله ﷺ : «أتى قوما من الأنصار يعود مريضا، فاستسقى وجدول قريب منه، فقال: «إن كان عندكم ماء بات في شنّ وإلّا كرعنا» (١)، أخرجه البخاريّ.
وأخبرنا أبو منصور القزّاز، نا أبو بكر الخطيب، نا أبو عمر بن مهديّ، ثنا الحسين ابن إسماعيل المحامليّ، ثنا محمّد بن عمرو بن أبي مذعور، ثنا عبد العزيز بن محمّد، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: «أنّ رسول الله ﷺ كان يستقى له الماء العذب من بئر السّقيا» (٢).
стр. 308
قال المصنّف: وينبغي أن يعلم أنّ الماء الكدر يولّد الحصى في الكلى، والسّدد في الكبد، وأمّا الماء البارد فإنّه إذا كانت برودته معتدلة، فإنّه يشدّ المعدة، ويقوّي الشّهوة، ويحسّن اللّون، ويمنع عفن الدّم، وصعود البخارات إلى الدّماغ، ويحفظ الصّحّة، وإذا كان الماء حارّا، أفسد الهضم، وأحدث التّرهّل، وأذبل البدن، وأدّى إلى الاستسقاء والدّقّ، فإن سخّن بالشّمس، خيف منه البرص.
وقد كان بعض الزّهّاد يقول: إذا أكلت الطّيب، وشربت الماء البارد، متى تحبّ الموت، وكذلك قال أبو حامد الغزّاليّ: إذا أكل الإنسان ما يستلذّه، قسا قلبه، وكره الموت، وإذا منع نفسه شهواتها، وحرمها لذّاتها، اشتهت نفسه الإفلات من الدّنيا بالموت.
قال المصنّف ﵀: واعجبا كيف يصدر هذا الكلام من فقيه، أترى لو تقلّبت النّفس في أيّ فنّ كان من التّعذيب ما أحبّت الموت، ثمّ كيف يجوز لنا تعذيبها وقد قال :
﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ورضي منّا بالإفطار في السّفر رفقا بها، وقال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أو ليست مطيّتنا الّتي عليها وصولنا:
وكيف لا نأوي لها وهي الّتي … بها قطعنا السّهل والحزونا
وأمّا معاقبة أبي يزيد نفسه بترك الماء سنة، فإنّها حالة مذمومة لا يراها مستحسنة إلّا الجهّال، ووجه ذمّها أنّ للنّفس حقّا، ومنع الحقّ مستحقّه ظلم، ولا يحلّ للإنسان أن يؤذي نفسه، ولا أن يقعد في الشّمس في الصّيف بقدر ما يتأذّى، ولا في الثّلج في الشّتاء، والماء يحفظ الرّطوبات الأصليّة في البدن، وينفذ الأغذية، وقوام النّفس بالأغذية، فإذا منعها أغذية الآدميّين، ومنعها الماء، فقد أعان عليها، وهذا من أفحش الخطإ، وكذلك منعه إيّاها النّوم.
قال ابن عقيل: وليس للنّاس إقامة العقوبات، ولا استيفاؤها من أنفسهم، يدلّ عليه أنّ إقامة الإنسان الحدّ على نفسه لا يجزئ، فإن فعله، أعاده الإمام، وهذه النّفوس ودائع
стр. 309
الله حتّى إنّ التّصرّف في الأموال لم يطلق لأربابها إلّا على وجوه مخصوصة.
قال المصنّف ﵀: قلت: وقد روّينا في حديث الهجرة أنّ النّبيّ ﷺ تزوّد طعاما وشرابا، وأنّ أبا بكر فرش له في ظلّ صخرة، وحلب له لبنا في قدح، ثمّ صبّ ماء على القدح حتّى برد أسفله، وكلّ ذلك من الرّفق بالنّفس.
وأمّا ما رتّبه أبو طالب المكّيّ، فحمل على النّفس بما يضعفها، وإنّما يمدح الجوع إذا كان بمقدار، وذكر المكاشفة من الحديث الفارغ.
وأمّا ما صنّفه التّرمذيّ، فكان ابتداء شرع برأيه الفاسد، وما وجه صيام شهرين متتابعين عند التّوبة، وما فائدة قطع الفواكه المباحة، وإذا لم ينظر في الكتب، فبأيّ سيرة يقتدي.
وأمّا الأربعينيّة، فحديث فارغ، رتّبوه على حديث لا أصل له: «من أخلص لله أربعين صباحا، لم يجبّ الإخلاص أبدا» (١)، فما وجه تقديره بأربعين صباحا، ثمّ لو قدرنا ذلك، فالإخلاص عمل القلب، فما بال المطعم، ثمّ ما الّذي حسّن منع الفاكهة، ومنع الخبز، وهل هذا كلّه إلّا جهل.
وقد أنبأنا عبد المنعم بن القشيري، قال: حدّثنا أبي، قال: حجج الصّوفيّة أظهر من حجج كلّ أحد، وقواعد مذهبهم أقوى من قواعد كلّ مذهب؛ لأنّ النّاس إمّا أصحاب نقل وأثر، وإمّا أرباب عقل وفكر، وشيوخ هذه الطّائفة ارتقوا عن هذه الجملة، والّذي للنّاس غيب، فلهم ظهور، فهم أهل الوصال، والنّاس أهل الاستدلال، فينبغي لمريدهم أن يقطع العلائق، وأوّلها الخروج من المال، ثمّ الخروج من الجاه، وألّا ينام إلّا غلبة، وأن يقلّل غذاءه بالتّدريج.
стр. 310
قال المصنّف ﵀: قلت: من له أدنى فهم، يعرف أنّ هذا الكلام تخليط، فإنّ من خرج عن النّقل والعقل، فليس بمعدود في النّاس، وليس أحد من الخلق إلّا وهو مستدلّ، وذكر الوصال حديث فارغ، نسأل الله العصمة من تخليط المريدين والأشياخ، والله الموفّق.
أخبرنا يحيى بن عليّ المدبر، نا أبو بكر محمّد بن عليّ الخيّاط، ثنا الحسن بن الحسين ابن حمكان، ثنا عبدان بن يزيد العطّار (ح)، وأخبرنا محمّد بن أبي منصور، أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه، ثنا محمّد بن أحمد الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمّد بن عيسى البروجردي، ثنا عمير بن مرداس، قالا: حدّثنا محمّد بن بكير الحضرميّ، ثنا القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري، عن عبيد الله بن عمر، عن عليّ بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيّب قال: جاء عثمان بن مظعون إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، غلبني حديث النّفس، فلم أحبّ أن أحدث شيئا حتّى أذكر لك ذلك. فقال رسول الله ﷺ : «وما تحدّثك نفسك يا عثمان؟. قال: تحدّثني نفسي بأن أختصي. فقال: «مهلا يا عثمان، فإنّ خصاء أمّتي الصّيام». قال: يا رسول الله، فإنّ نفسي تحدّثني أن أترهّب في الجبال. قال: «مهلا يا عثمان، فإنّ ترهّب أمّتي الجلوس في المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة». قال: يا رسول الله، فإنّ نفسي تحدّثني بأنّ أسيح في الأرض. قال: «مهلا يا عثمان، فإنّ سياحة أمّتي الغزو في سبيل الله، والحجّ والعمرة». قال: يا رسول الله، فإنّ نفسي تحدّثني بأن أخرج من مالي كلّه. قال: «مهلا يا عثمان، فإنّ صدقتك يوما بيوم، وتكفّ نفسك وعيالك، وترحم المسكين واليتيم، وتطعمه أفضل من ذلك». قال: يا رسول الله، فإنّ نفسي تحدّثني بأن أطلق خولة امرأتي. قال: «مهلا يا عثمان، فإنّ هجرة أمّتي من هجر ما حرّم الله عليه، أو هاجر إليّ في حياتي، أو زار قبري بعد موتي، أو مات، وله امرأة، أو امرأتان، أو ثلاث، أو أربع». قال: يا رسول الله، فإنّ نفسي تحدّثني ألّا أغشاها. قال: «مهلا يا عثمان، فإنّ الرّجل المسلم إذا
стр. 311
غشي أهله، فإن لم يكن من وقعته تلك ولد، كان له وصيف في الجنّة، فإن كان من وقعته تلك ولد، فإن مات قبله، كان له فرطا وشفيعا يوم القيامة، وإن كان بعده، كان له نورا يوم القيامة». قال: يا رسول الله، فإنّ نفسي تحدّثني ألّا آكل اللّحم. قال: «مهلا يا عثمان، فإنّي أحبّ اللّحم، وآكله إذا وجدته، ولو سألت ربّي أن يطعمني إيّاه كلّ يوم لأطعمني». قال: يا رسول الله، فإنّ نفسي تحدّثني ألّا أمسّ طيبا. قال: «مهلا يا عثمان، فإنّ جبريل أمرني بالطّيب غبّا، ويوم الجمعة لا مترك له، يا عثمان، لا ترغب عن سنّتي، فمن رغب عن سنّتي، ثمّ مات قبل أن يتوب، صرفت الملائكة وجهه عن حوضي» (١).
قال المصنّف ﵀: هذا حديث عمير بن مرداس.
أخبرنا محمّد بن عبد الباقي، نا أبو محمّد بن أبي طاهر الجوهريّ، نا أبو عمر بن حيّويه، نا أحمد بن معروف، نا الحسين بن الفهم، ثنا محمّد بن سعد، نا الفضل بن دكين، ثنا إسرائيل، ثنا أبو إسحاق، عن أبي بردة، قال: دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النّبيّ ﷺ ، فرأينها سيّئة الهيئة، فقلن لها: ما لك؟ فما في قريش رجل أغنى من بعلك.
قالت: ما لنا منه شيء، أمّا ليله فقائم، وأمّا نهاره فصائم، فدخلن إلى النّبيّ ﷺ ، فذكرن ذلك له، فلقيه، فقال: «يا عثمان، أما لك بي أسوة؟». فقال: بأبي وأمّي أنت، وما ذاك؟ قال:
«تصوم النّهار، وتقوم اللّيل». قال: إنّي لأفعل، قال: «إنّ لعينك عليك حقّا، وإنّ لجسدك عليك حقّا، وإنّ لأهلك عليك حقّا، فصلّ ونم، وصم وأفطر» (٢).
قال ابن سعد: وأخبرنا عارم بن الفضل، ثنا حمّاد بن زيد، ثنا معاوية بن عبّاس الجرميّ، عن أبي قلابة، أنّ عثمان بن مظعون اتّخذ بيتا، فقعد يتعبّد فيه، فبلغ ذلك
стр. 312
النّبيّ ﷺ ، فأتاه بعضادتي باب البيت الّذي هو فيه، وقال: «يا عثمان، إنّ الله لم يبعثني بالرّهبانيّة - مرّتين أو ثلاثا - وإنّ خير الدّين عند الله الحنيفيّة السّمحة» (١).
أخبرنا محمّد بن ناصر، ثنا محمّد بن علي بن ميمون، نا عبد الوهّاب بن محمّد الغندجاني، نا أبو بكر بن عبدان، نا محمّد بن سهل، ثنا البخاريّ، قال: قال موسى بن إسماعيل، نا حمّاد بن يزيد بن مسلم، ثنا معاوية بن قرّة، عن كهمس الهلاليّ، قال:
«أسلمت، وأتيت النّبيّ ﷺ ، فأخبرته بإسلامي، فمكثت حولا، ثمّ أتيته، وقد ضمرت، ونحل جسمي، فخفض فيّ البصر، ثمّ صعّده. قلت: أما تعرفني، قال: «ومن أنت؟». قلت:
أنا كهمس الهلاليّ. قال: «فما بلغ بك ما أرى؟». قلت: ما أفطرت بعدك نهارا، ولا نمت ليلا. قال: «ومن أمرك أن تعذّب نفسك؟ صم شهر الصّبر، ومن كلّ شهر يوما». قلت:
زدني. قال: «صم شهر الصّبر، ومن كلّ شهر يومين». قلت: زدني. قال: «صم شهر الصّبر، ومن كلّ شهر ثلاثة أيّام» (٢).
أنبأنا محمّد بن عبد الملك بن خيرون، أنبأنا أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت، ثنا أبو حازم عمر بن أحمد العبدوي، نا أبو أحمد محمّد بن الغطريف، ثنا أبو بكر الذّهبيّ، ثنا حميد بن الرّبيع، ثنا عبيدة بن حميد، عن الأعمش، عن جرير بن حازم، عن أيّوب، عن أبي قلابة، بلغ به النّبيّ ﷺ أنّ ناسا من أصحابه احتموا النّساء واللّحم، اجتمعوا، فذكرنا ترك النّساء واللّحم، فأوعد فيه وعيدا شديدا، وقال: «لو كنت تقدّمت فيه لفعلت»، ثمّ قال: «إنّي لم أرسل بالرّهبانيّة، إنّ خير الدّين الحنيفيّة السّمحة» (٣).
قال المصنّف ﵀: وقد روّينا في حديث آخر عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «إنّ الله
стр. 313
يحبّ أن يرى آثار نعمته على عبده في مأكله ومشربه» (١).
وقال بكر بن عبد الله: من أعطي خيرا، فرؤي عليه، سمّي حبيب الله، محدّثا بنعمة الله .
فصل [التقلل الزائد في الحد]
قال المصنّف ﵀: وهذا الّذي نهينا عنه من التّقلّل الزّائد في الحدّ، قد انعكس في صوفيّة زماننا، فصارت همّتهم في المأكل كما كانت همّة متقدّميهم في الجوع، لهم الغداء والعشاء والحلوى، وكلّ ذلك أو أكثره حاصل من أموال وسخة، وقد تركوا كسب الدّنيا، وأعرضوا عن التّعبّد، وافترشوا فراش البطانة، فلا همّة لأكثرهم إلّا الأكل واللّعب، فإن أحسن محسن منهم قالوا: طرح شكرا، وإن أساء مسي قالوا: استغفر، ويسمّون ما يلزمه إيّاه واجبا، وتسمية ما لم يسمّه الشّرع واجبا جناية عليه.
أخبرنا عبد الرّحمن بن محمّد القزّاز، نا أحمد بن عليّ بن ثابت، نا أحمد بن محمّد بن يعقوب، نا محمّد بن عبد الله بن محمّد الحافظ النّيسابوري، ثنا أبو زكريا يحيى بن محمّد العنبريّ، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا محمّد بن عبدوس السّرّاج البغداديّ، قال: قام أبو مرحوم القاصّ بالبصرة يقصّ على النّاس، فأبكى، فلمّا فرغ من قصصه قال: من يطعمنا أرزه في الله؟ فقام شابّ من المجلس، فقال: أنا، فقال: اجلس يرحمك الله، فقد عرفنا موضعك، ثمّ قام الثّانية ذلك الشّابّ، فقال: اجلس، فقد عرفنا موضعك، فقام الثّالثة: فقال أبو مرحوم لأصحابه: قوموا بنا إليه، فقاموا معه، فأتوا منزله، قال: فأتينا بقدر من باقلّاء، فأكلنا بلا ملح، ثمّ قال أبو مرحوم: عليّ بخوان خماسيّ، وخمسة مكاكيك أرز، وخمسة أمنان سمن،
стр. 314
وعشرة أمنان سكر، وخمسة أمنان صنوبر، وخمسة أمنان فستق، فجيء بها كلّها، فقال أبو مرحوم لأصحابه: يا إخواني، كيف أصبحت الدّنيا؟ قالوا: مشرق لونها، مبيضة شمسها.
فقال: يا إخواني، أجروا فيها أنهارها. قال: فأتي بذلك السّمن، فأجري فيها، ثمّ أقبل أبو مرحوم على أصحابه، فقال: يا إخواني، كيف أصبحت الدّنيا؟ قالوا: مشرق لونها، مبيضّة شمسها، مجراة فيها أنهارها، فقال: يا إخواني، اغرسوا فيها أشجارها. قال: فأتي بذلك الفستق، والصنوبر، ثمّ أقبل أبو مرحوم على أصحابه، فقال: يا إخواني، كيف أصبحت الدّنيا؟ قالوا: مشرق لونها، مبيضّة شمسها، وقد أجريت فيها أنهارها، وقد غرست فيها أشجارها، وقد تدلّت لنا ثمارها، فقال: يا إخواني، ارموا الدّنيا بحجارتها. قال: فأتي بذلك السكر، فألقي فيها، ثمّ أقبل أبو مرحوم على أصحابه، فقال: يا إخواني كيف أصبحت الدّنيا؟ قالوا: مشرق لونها، مبيضّة شمسها، وقد أجريت فيها أنهارها، وقد غرست فيها أشجارها، وقد تدلّت لنا ثمارها. فقال: يا إخواني، ما لنا وللدّنيا، اضربوا فيها براحتها. قال:
فجعل الرّجل يضرب فيها براحته، ويدفعه بالخمس. قال أبو الفضل أحمد بن سلمة: ذكرته لأبي حاتم الرّازيّ، فقال: أمله عليّ، فأمليته عليه، فقال: هذا شأن الصّوفيّة.
قال المصنّف ﵀: قلت: وقد رأيت منهم من إذا حضر دعوة، بالغ في الأكل، ثمّ اختار من الطّعام، فربّما ملأ كمّيه من غير إذن صاحب الدّار، وذلك حرام بالإجماع، ولقد رأيت شيخا منهم قد أخذ شيئا من الطّعام ليحمله معه، فوثب صاحب الدّار، فأخذه منه.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في السّماع والرقص والوجد:
قال المصنّف ﵀: اعلم أنّ سماع الغناء يجمع شيئين:
أحدهما: أنّه يلهي القلب عن التّفكّر في عظمة الله ، والقيام بخدمته.
والثاني: أنّه يميله إلى اللّذّات العاجلة الّتي تدعو إلى استيفائها من جميع الشّهوات
стр. 315
الحسّيّة، ومعظمها النّكاح، وليس تمام لذّته إلّا في المتجدّدات، ولا سبيل إلى كثرة المتجدّدات من الحلّ، فلذلك يحثّ على الزّنا، فبين الغناء والزّنا تناسب، من جهة أنّ الغناء لذّة الرّوح، والزّنا أكبر لذّات النّفس، ولهذا جاء في الحديث: «الغناء رقية الزّنا» (١).
وقد ذكر أبو جعفر الطّبريّ: أنّ الّذي اتّخذ الملاهي رجل من ولد قابيل يقال له:
ثوبال. اتّخذ في زمان مهلائيل بن قينان آلات اللهو من المزامير والطّبول والعيدان، فانهمك ولد قابيل في اللهو، وتناهى خبرهم إلى من بالجبل من نسل شيث، فنزل منهم قوم، وفشت الفاحشة، وشربت الخمور.
قال المصنّف ﵀: وهذا، لأنّ الالتذاذ بشيء يدعو على التذاذه بغيره خصوصا ما يناسبه، ولمّا يئس إبليس أن يسمع من المتعبّدين شيئا من الأصوات المحرّمة؛ كالعود، نظر إلى المغنى الحاصل بالعود، فدرجه في ضمن الغناء بغير العود، وحسّنه لهم، وإنّما مراده التّدريج من شيء إلى شيء.
والفقيه من نظر في الأسباب والنّتائج، وتأمّل المقاصد، فإنّ النّظر إلى الأمرد مباح إن أمن ثوران الشّهوة، فإن لم يؤمن لم يجز، وتقبيل الصّبيّة الّتي لها من العمر ثلاث سنين جائز، إذ لا شهوة تقع هناك في الأغلب، فإن وجد شهوة، حرم ذلك، وكذلك الخلوة بذوات المحارم، فإن خيف من ذلك حرم، فتأمّل هذه القاعدة.
قال المصنّف ﵀: وقد تكلّم النّاس في الغناء فأطالوا، فمنهم من حرّمه، ومنهم من أباحه من غير كراهة، ومنهم من كرهه مع الإباحة.
وفصل الخطاب أن نقول: ينبغي أن ينظر في ماهيّة الشّيء، ثمّ يطلق عليه التّحريم، أو الكراهة، أو غير ذلك.
стр. 316
والغناء اسم يطلق على أشياء، منها: غناء الحجيج في الطّرقات، فإنّ أقواما من الأعاجم يقدمون للحجّ، فينشدون في الطّرقات أشعارا يصفون فيها الكعبة، وزمزم، والمقام، وربّما ضربوا مع إنشادهم بطبل، فسماع تلك الأشعار مباح، وليس إنشادهم إيّاها ممّا يطرب ويخرج عن الاعتدال، وفي معنى هؤلاء: الغزاة، فإنّهم ينشدون أشعارا يحرّضون بها على الغزو، وفي معنى هذا إنشاد المبارزين للقتال للأشعار تفاخرا عند النّزال، وفي معنى هذا أشعار الحداة في طريق مكّة؛ كقول قائلهم:
بشّرها دليلها وقالا … غدا ترين الطّلح والجبالا
وهذا يحرّك الإبل والآدميّ، إلّا أنّ ذلك التّحريك لا يوجب الطّرب المخرج عن حدّ الاعتدال.
وأصل الحداء، ما أنبأنا به يحيى بن الحسن بن البناء، نا أبو جعفر بن المسلمة، نا المخلص، نا أحمد بن سليمان الطّوسيّ، ثنا الزّبير بن بكّار، ثني إبراهيم بن المنذر، ثنا أبو البختري وهب، عن طلحة المكّيّ، عن بعض علمائهم: «أنّ رسول الله ﷺ مال ذات ليلة بطريق مكّة إلى حاد مع قوم، فسلّم عليهم، فقال: «إنّ حادينا نام فسمعنا حاديكم، فملت إليكم، فهل تدرون أنّى كان الحداء؟». قالوا: لا والله، قال: «إنّ أباهم مضر خرج إلى بعض رعاته، فوجد إبله قد تفرّقت، فأخذ عصا فضرب بها كفّ غلامه، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح: يا يداه، يا يداه، فسمعت الإبل ذلك، فعطفت عليه، فقال مضر: لو اشتقّ مثل هذا لانتفعت به الإبل، واجتمعت، فاشتقّ الحداء» (١).
قال المصنّف ﵀: وقد كان لرسول الله ﷺ حاد يقال له: أنجشة، يحدو فتعنق الإبل، فقال رسول الله ﷺ : «يا أنجشة، رويدك سوقا بالقوارير» (٢).
стр. 317
وفي حديث سلمة بن الأكوع، قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر، فسرنا ليلا، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيّاتك؟ وكان عامر رجلا شاعرا، فنزل يحدو بالقول يقول:
اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فألقين سكينة علينا … وثبّت الأقدام إن لاقينا
قال رسول الله ﷺ : «من هذا السّائق؟». قالوا: عامر بن الأكوع، فقال: «يرحمه الله» (١).
قال المصنّف ﵀: وقد روّينا عن الشّافعيّ ﵁ أنّه قال: أمّا استماع الحداء، ونشيد الأعراب، فلا بأس به.
قال المصنّف ﵀: ومن إنشاد العرب قول أهل المدينة عند قدوم رسول الله ﷺ عليهم:
طلع البدر علينا … من ثنيّات الوداع
وجب الشّكر علينا … ما دعا الله داع (٢)
ومن هذا الجنس كانوا ينشدون أشعارهم بالمدينة، وربّما ضربوا عليه الدّفّ عند إنشاده.
ومنها ما أخبرنا به ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، حدّثني أبي، ثنا أبو المغيرة، ثنا الأوزاعيّ، ثني الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة ﵂:
«أنّ أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيّام منى تضربان بدفّين، ورسول الله ﷺ
стр. 318
مسجّى عليه بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف رسول الله ﷺ عن وجهه، وقال: «دعهنّ يا أبا بكر، فإنّها أيّام عيد» (١)، أخرجاه في «الصّحيحين».
قال المصنّف ﵀: والظّاهر من هاتين الجاريتين صغر السّنّ؛ لأنّ عائشة كانت صغيرة، وكان رسول الله ﷺ يسرّب إليها الجواري، فيلعبن معها (٢).
وقد أخبرنا محمّد بن ناصر، نا أبو الحسين بن عبد الجبّار، نا أبو إسحاق البرمكيّ، أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، ثنا أبو بكر الخلّال، أخبرنا منصور بن الوليد بن جعفر بن محمّد، حدّثهم قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل حديث الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، عن جوار يغنّين: أيّ شيء هذا الغناء؟ قال: غناء الرّكب: أتيناكم، أتيناكم.
قال الخلّال: وحدّثنا أحمد بن فرج الحمصيّ، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا أبو عقيل، عن نهبة، عن عائشة ﵂، قالت: كانت عندنا جارية يتيمة من الأنصار، فزوّجناها رجلا من الأنصار، فكنت فيمن أهداها إلى زوجها، فقال رسول الله ﷺ : «يا عائشة، إنّ الأنصار أناس فيهم غزل: فما قلت؟». قالت: دعونا بالبركة، فقال: «أفلا قلتم:
أتيناكم أتيناكم … فحيّونا نحيّيكم
ولولا الذّهب الأحم … ر ما حلّت بواديكم
ولولا الحبّة السّمرا … ء لم تسمن عذاريكم (٣)
أخبرنا أبو الحصين، نا أبو المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا أسود بن عامر، نا أبو بكر، عن أجلح، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعائشة ﵂: «أهديتم الجارية إلى بيتها؟». قالت: نعم. قال: «فهلّا بعثتم
стр. 319
معها من يغنّيهم يقول:
أتيناكم أتيناكم … فحيّونا نحيّيكم
فإنّ الأنصار قوم فيهم غزل» (١).
قال المصنّف ﵀: فقد بان بما ذكرنا ما كانوا يغنّون به، وليس ممّا يطرب، ولا كانت دفوفهنّ على ما يعرف اليوم، ومن ذلك أشعار ينشدها المتزهّدون بتطريب وتلحين تزعج القلوب إلى ذكر الآخرة، ويسمّونها الزّهديّات؛ كقول بعضهم:
يا غاديا في غفلة ورائحا … إلى متى تستحسن القبائحا
وكم إلى كم لا تخاف موقفا … يستنطق الله به الجوارحا
يا عجبا منك وأنت مبصر … كيف تجنّبت الطّريق الواضحا
فهذا مباح أيضا، وإلى مثله أشار أحمد بن حنبل في الإباحة فيما أنبأنا به أبو عبد العزيز كاوس، نا المظفّر بن الحسن الهمذاني، نا أبو بكر بن لال، ثنا الفضل الكنديّ، قال: سمعت عبدوس يقول: سمعت أبا حامد الخلقاني يقول لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، هذه القصائد الرّقاق الّتي في ذكر الجنّة والنّار، أيّ شيء تقول فيها؟ فقال: مثل أي شيء؟ قلت:
يقولون:
إذا ما قال لي ربّي … أما استحييت تعصيني
وتخفي الذّنب من خلقي … وبالعصيان تأتيني
قال: أعد عليّ، فأعدت عليه، فقال: ودخل بيته، وردّ الباب، فسمعت نحيبه من داخل البيت، وهو يقول:
إذا ما قال لي ربّي … أما استحييت تعصيني
стр. 320
وتخفي الذّنب من خلقي … وبالعصيان تأتيني
ومن الأشعار أشعار تنشدها النواح، يثيرون بها الأحزان والبكاء، فينهى عنها لما في ضمنها.
فأمّا الأشعار الّتي ينشدها المغنّون المتهيّئون للغناء، ويصفون فيها المستحسنات، والخمر، وغير ذلك ممّا يحرّك الطّباع، ويخرجها عن الاعتدال، ويثير كامنها، من حبّ اللهو، وهو الغناء المعروف في هذا الزّمان مثل قول الشّاعر:
ذهبيّ اللّون تحسب من … وجنتيه النّار تقتدح
خوّفوني من فضيحته … ليته وافى وأفتضح
وقد أخرجوا لهذه الأغاني ألحانا مختلفة، كلّها تخرج سامعها عن حيّز الاعتدال، وتثير حبّ الهوى، ولهم شيء يسمّونه البسيط يزعج القلوب عن مهل، ثمّ يأتون بالنّشيد بعده، فيعجعج القلوب، وقد أضافوا إلى ذلك ضرب القضيب، والإيقاع به على وفق الإنشاد والدّفّ بالجلاجل، والشّبابة النّائبة عن الزّمر، فهذا الغناء المعروف اليوم.
فصل [الغناء]
قال المصنّف ﵀: وقبل أن نتكلّم في إباحته، أو تحريمه، أو كراهته، نقول: ينبغي للعاقل أن ينصح نفسه وإخوانه، ويحذر تلبيس إبليس في إجراء هذا الغناء مجرى الأقسام المتقدّمة الّتي يطلق عليها اسم الغناء، فلا يحمل الكلّ محملا واحدا، فيقول: قد أباحه فلان، وكرهه فلان، فنبدأ بالكلام في النّصيحة للنّفس والإخوان، فنقول:
معلوم أنّ طباع الآدميّين تتقارب، ولا تكاد تتفاوت، فإذا ادّعى الشّابّ السّليم البدن، الصّحيح المزاج، أنّ رؤية المستحسنات لا تزعجه، ولا تؤثر عنده، ولا تضرّه في دينه، كذّبناه، لما نعلم من استواء الطّباع، فإن ثبت صدقه، عرفنا أنّ به مرضا خرج به عن حيّز