والغناء اسم يطلق على أشياء، منها: غناء الحجيج في الطّرقات، فإنّ أقواما من الأعاجم يقدمون للحجّ، فينشدون في الطّرقات أشعارا يصفون فيها الكعبة، وزمزم، والمقام، وربّما ضربوا مع إنشادهم بطبل، فسماع تلك الأشعار مباح، وليس إنشادهم إيّاها ممّا يطرب ويخرج عن الاعتدال، وفي معنى هؤلاء: الغزاة، فإنّهم ينشدون أشعارا يحرّضون بها على الغزو، وفي معنى هذا إنشاد المبارزين للقتال للأشعار تفاخرا عند النّزال، وفي معنى هذا أشعار الحداة في طريق مكّة؛ كقول قائلهم:
بشّرها دليلها وقالا … غدا ترين الطّلح والجبالا
وهذا يحرّك الإبل والآدميّ، إلّا أنّ ذلك التّحريك لا يوجب الطّرب المخرج عن حدّ الاعتدال.
وأصل الحداء، ما أنبأنا به يحيى بن الحسن بن البناء، نا أبو جعفر بن المسلمة، نا المخلص، نا أحمد بن سليمان الطّوسيّ، ثنا الزّبير بن بكّار، ثني إبراهيم بن المنذر، ثنا أبو البختري وهب، عن طلحة المكّيّ، عن بعض علمائهم: «أنّ رسول الله ﷺ مال ذات ليلة بطريق مكّة إلى حاد مع قوم، فسلّم عليهم، فقال: «إنّ حادينا نام فسمعنا حاديكم، فملت إليكم، فهل تدرون أنّى كان الحداء؟». قالوا: لا والله، قال: «إنّ أباهم مضر خرج إلى بعض رعاته، فوجد إبله قد تفرّقت، فأخذ عصا فضرب بها كفّ غلامه، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح: يا يداه، يا يداه، فسمعت الإبل ذلك، فعطفت عليه، فقال مضر: لو اشتقّ مثل هذا لانتفعت به الإبل، واجتمعت، فاشتقّ الحداء» (١).
قال المصنّف ﵀: وقد كان لرسول الله ﷺ حاد يقال له: أنجشة، يحدو فتعنق الإبل، فقال رسول الله ﷺ : «يا أنجشة، رويدك سوقا بالقوارير» (٢).
стр. 317
وفي حديث سلمة بن الأكوع، قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر، فسرنا ليلا، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيّاتك؟ وكان عامر رجلا شاعرا، فنزل يحدو بالقول يقول:
اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فألقين سكينة علينا … وثبّت الأقدام إن لاقينا
قال رسول الله ﷺ : «من هذا السّائق؟». قالوا: عامر بن الأكوع، فقال: «يرحمه الله» (١).
قال المصنّف ﵀: وقد روّينا عن الشّافعيّ ﵁ أنّه قال: أمّا استماع الحداء، ونشيد الأعراب، فلا بأس به.
قال المصنّف ﵀: ومن إنشاد العرب قول أهل المدينة عند قدوم رسول الله ﷺ عليهم:
طلع البدر علينا … من ثنيّات الوداع
وجب الشّكر علينا … ما دعا الله داع (٢)
ومن هذا الجنس كانوا ينشدون أشعارهم بالمدينة، وربّما ضربوا عليه الدّفّ عند إنشاده.
ومنها ما أخبرنا به ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، حدّثني أبي، ثنا أبو المغيرة، ثنا الأوزاعيّ، ثني الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة ﵂:
«أنّ أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيّام منى تضربان بدفّين، ورسول الله ﷺ
стр. 318
مسجّى عليه بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف رسول الله ﷺ عن وجهه، وقال: «دعهنّ يا أبا بكر، فإنّها أيّام عيد» (١)، أخرجاه في «الصّحيحين».
قال المصنّف ﵀: والظّاهر من هاتين الجاريتين صغر السّنّ؛ لأنّ عائشة كانت صغيرة، وكان رسول الله ﷺ يسرّب إليها الجواري، فيلعبن معها (٢).
وقد أخبرنا محمّد بن ناصر، نا أبو الحسين بن عبد الجبّار، نا أبو إسحاق البرمكيّ، أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، ثنا أبو بكر الخلّال، أخبرنا منصور بن الوليد بن جعفر بن محمّد، حدّثهم قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل حديث الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، عن جوار يغنّين: أيّ شيء هذا الغناء؟ قال: غناء الرّكب: أتيناكم، أتيناكم.
قال الخلّال: وحدّثنا أحمد بن فرج الحمصيّ، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا أبو عقيل، عن نهبة، عن عائشة ﵂، قالت: كانت عندنا جارية يتيمة من الأنصار، فزوّجناها رجلا من الأنصار، فكنت فيمن أهداها إلى زوجها، فقال رسول الله ﷺ : «يا عائشة، إنّ الأنصار أناس فيهم غزل: فما قلت؟». قالت: دعونا بالبركة، فقال: «أفلا قلتم:
أتيناكم أتيناكم … فحيّونا نحيّيكم
ولولا الذّهب الأحم … ر ما حلّت بواديكم
ولولا الحبّة السّمرا … ء لم تسمن عذاريكم (٣)
أخبرنا أبو الحصين، نا أبو المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا أسود بن عامر، نا أبو بكر، عن أجلح، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعائشة ﵂: «أهديتم الجارية إلى بيتها؟». قالت: نعم. قال: «فهلّا بعثتم
стр. 319
معها من يغنّيهم يقول:
أتيناكم أتيناكم … فحيّونا نحيّيكم
فإنّ الأنصار قوم فيهم غزل» (١).
قال المصنّف ﵀: فقد بان بما ذكرنا ما كانوا يغنّون به، وليس ممّا يطرب، ولا كانت دفوفهنّ على ما يعرف اليوم، ومن ذلك أشعار ينشدها المتزهّدون بتطريب وتلحين تزعج القلوب إلى ذكر الآخرة، ويسمّونها الزّهديّات؛ كقول بعضهم:
يا غاديا في غفلة ورائحا … إلى متى تستحسن القبائحا
وكم إلى كم لا تخاف موقفا … يستنطق الله به الجوارحا
يا عجبا منك وأنت مبصر … كيف تجنّبت الطّريق الواضحا
فهذا مباح أيضا، وإلى مثله أشار أحمد بن حنبل في الإباحة فيما أنبأنا به أبو عبد العزيز كاوس، نا المظفّر بن الحسن الهمذاني، نا أبو بكر بن لال، ثنا الفضل الكنديّ، قال: سمعت عبدوس يقول: سمعت أبا حامد الخلقاني يقول لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، هذه القصائد الرّقاق الّتي في ذكر الجنّة والنّار، أيّ شيء تقول فيها؟ فقال: مثل أي شيء؟ قلت:
يقولون:
إذا ما قال لي ربّي … أما استحييت تعصيني
وتخفي الذّنب من خلقي … وبالعصيان تأتيني
قال: أعد عليّ، فأعدت عليه، فقال: ودخل بيته، وردّ الباب، فسمعت نحيبه من داخل البيت، وهو يقول:
إذا ما قال لي ربّي … أما استحييت تعصيني
стр. 320
وتخفي الذّنب من خلقي … وبالعصيان تأتيني
ومن الأشعار أشعار تنشدها النواح، يثيرون بها الأحزان والبكاء، فينهى عنها لما في ضمنها.
فأمّا الأشعار الّتي ينشدها المغنّون المتهيّئون للغناء، ويصفون فيها المستحسنات، والخمر، وغير ذلك ممّا يحرّك الطّباع، ويخرجها عن الاعتدال، ويثير كامنها، من حبّ اللهو، وهو الغناء المعروف في هذا الزّمان مثل قول الشّاعر:
ذهبيّ اللّون تحسب من … وجنتيه النّار تقتدح
خوّفوني من فضيحته … ليته وافى وأفتضح
وقد أخرجوا لهذه الأغاني ألحانا مختلفة، كلّها تخرج سامعها عن حيّز الاعتدال، وتثير حبّ الهوى، ولهم شيء يسمّونه البسيط يزعج القلوب عن مهل، ثمّ يأتون بالنّشيد بعده، فيعجعج القلوب، وقد أضافوا إلى ذلك ضرب القضيب، والإيقاع به على وفق الإنشاد والدّفّ بالجلاجل، والشّبابة النّائبة عن الزّمر، فهذا الغناء المعروف اليوم.
فصل [الغناء]
قال المصنّف ﵀: وقبل أن نتكلّم في إباحته، أو تحريمه، أو كراهته، نقول: ينبغي للعاقل أن ينصح نفسه وإخوانه، ويحذر تلبيس إبليس في إجراء هذا الغناء مجرى الأقسام المتقدّمة الّتي يطلق عليها اسم الغناء، فلا يحمل الكلّ محملا واحدا، فيقول: قد أباحه فلان، وكرهه فلان، فنبدأ بالكلام في النّصيحة للنّفس والإخوان، فنقول:
معلوم أنّ طباع الآدميّين تتقارب، ولا تكاد تتفاوت، فإذا ادّعى الشّابّ السّليم البدن، الصّحيح المزاج، أنّ رؤية المستحسنات لا تزعجه، ولا تؤثر عنده، ولا تضرّه في دينه، كذّبناه، لما نعلم من استواء الطّباع، فإن ثبت صدقه، عرفنا أنّ به مرضا خرج به عن حيّز
стр. 321
الاعتدال، فإن تعلّل فقال: إنّما أنظر إلى هذه المستحسنات معتبرا، فأتعجّب من حسن الصّنعة في دعج العينين، ورقّة الأنف، ونقاء البياض، قلنا له: في أنواع المباحات ما يكفي في العبرة، وهاهنا ميل طبعك يشغلك عن الفكرة، ولا يدع لبلوغ شهوتك وجود فكرة، فإنّ ميل الطّبع شاغل عن ذلك.
وكذا من قال: إنّ هذا الغناء المطرب المزعج للطّباع، المحرّك لها إلى العشق وحبّ الدّنيا، لا يؤثّر عندي، ولا يلفت قلبي إلى حبّ الدّنيا الموصوفة فيه، فإنّا نكذّبه لموضع اشتراك الطّباع، ثمّ إن كان قلبه عامرا بالخوف من الله ، غائبا عن الهوى، لأحضر هذا المسموع الطّبع، وإن كانت قد طالت غيبته في سفر الخوف، وأقبح القبيح البهرجة، ثمّ كيف تمرّ البهرجة على من يعلم السّرّ وأخفى.
ثمّ إن كان الأمر كما زعم هذا المتصوّف، فينبغي ألّا نبيحه إلّا لمن هذه صفته، والقوم قد أباحوه على الإطلاق للشّابّ المبتدئ، والصّبيّ الجاهل، حتّى قال أبو حامد الغزّاليّ: إنّ التّشبيب بوصف الخدود، والأصداغ، وحسن القدّ، والقامة، وسائر أوصاف النّساء.
الصّحيح: إنّه لا يحرم.
قال المصنّف ﵀: فأمّا من قال: إنّي لا أسمع الغناء للدّنيا، وإنّما آخذ منه إشارات، فهو يخطئ من وجهين:
أحدهما: أنّ الطّبع يسبق إلى مقصوده، قبل أخذ الإشارات، فيكون كمن قال: إنّي أنظر إلى هذه المرأة المستحسنة لأتفكّر في الصّنعة.
والثاني: أن يقلّ فيه وجود شيء يشار به إلى الخالق، وقد جلّ الخالق ﵎، أن يقال في حقّه أنّه يعشق، ويقع الهيمان به، وإنّما نصيبنا من معرفته الهيبة والتّعظيم فقط، وإذ قد انتهت النّصيحة، فنذكر ما قيل في الغناء.
стр. 322
أمّا مذهب أحمد ﵀: فإنّه كان الغناء في زمانه إنشاد قصائد الزّهد، إلّا أنّهم لمّا كانوا يلحّنونها اختلفت الرّواية عنه؛ فروى عنه ابنه عبد الله أنّه قال: الغناء ينبت النّفاق في القلب، لا يعجبني.
وروى عنه إسماعيل بن إسحاق الثّقفيّ، أنّه سئل عن استماع القصائد فقال: أكرهه، وهو بدعة، ولا يجالسون.
وروى عنه أبو الحارث أنّه قال: التّغبير بدعة، فقيل له: إنّه يرقّق القلب. فقال: هو بدعة.
وروى عنه يعقوب الهاشميّ: التّغبير بدعة محدث.
وروى عنه يعقوب بن غياث: أكره التّغبير، وأنّه نهى عن استماعه.
قال المصنّف: فهذه الرّوايات كلّها دليل على كراهية الغناء.
قال أبو بكر الخلّال: كره أحمد القصائد لمّا قيل له: إنّهم يتماجنون.
ثمّ روى عنه ما يدلّ على أنّه لا بأس بها.
قال المروزي: سألت أبا عبد الله عن القصائد.
فقال: بدعة.
فقلت له: إنّهم يهجرون.
فقال: لا يبلغ بهم هذا كلّه.
قال المصنّف: وقد روّينا أنّ أحمد سمع قوّالا عند ابنه صالح، فلم ينكر عليه. فقال له صالح: يا أبت، أليس كنت تنكر هذا؟ فقال: إنّما قيل لي إنّهم يستعملون المنكر فكرهته، فأمّا هذا فإنّي لا أكرهه.
стр. 323
قال المصنّف ﵀: قلت: وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلّال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء، وإنّما أشار إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزّهديّات.
وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه أحمد، ويدلّ على ما قلت أنّ أحمد بن حنبل سئل عن رجل مات وترك ولدا وجارية مغنّية، فاحتاج الصّبيّ إلى بيعها، فقال: لا تباع على أنّها مغنّية. فقيل له: إنّها تساوي ثلاثين ألف درهم، ولعلّها إذا بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارا. فقال: لا تباع إلّا على أنّها ساذجة.
قال المصنّف: وإنّما قال هذا لأنّ الجارية المغنيّة لا تغنّي بقصائد الزّهديّات، بل بالأشعار المطربة المثيرة للطّبع إلى العشق، وهذا دليل على أنّ الغناء محظور؛ إذ لو لم يكن محظورا، ما أجاز تفويت المال على اليتيم، وصار هذا كقول أبي طلحة للنّبيّ ﷺ :
«عندي خمر لأيتام». فقال: «أرقها» (١).
فلو جاز استصلاحها، لما أمره بتضييع أموال اليتامى.
وروى المروزيّ، عن أحمد بن حنبل، أنّه قال: كسب المخنّث خبيث يكسبه بالغناء؛ وهذا لأنّ المخنّث لا يغنّي بالقصائد الزّهديّة، إنّما يغنّي بالغزل والنّوح.
فبان من هذه الجملة أنّ الرّوايتين عن أحمد في الكراهة وعدمها، تتعلّق بالزّهديّات الملحّنة، فأمّا الغناء المعروف اليوم فمحظور عنده، كيف ولو علم ما أحدث النّاس من الزّيادات.
قال المصنّف: وأمّا مذهب مالك بن أنس ﵀ فأخبرنا به ابن ناصر، نا أبو الحسين بن عبد الجبّار، نا أبو إسحاق البرمكيّ، نا عبد العزيز بن جعفر، ثنا أبو بكر الخلال، وأخبرنا عاليا سعيد بن الحسن بن البنا، نا أبو نصر محمّد بن محمّد الزّينبيّ، نا أبو بكر محمّد بن
стр. 324
عمر الورّاق، نا محمّد بن السّري بن عثمان التّمّار، قالا: أخبرنا عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن إسحاق بن عيسى الطّبّاع، قال: سألت مالك بن أنس، عن ما يترخّص فيه أهل المدينة من الغناء. فقال: إنّما يفعله الفسّاق.
أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريريّ، قال: أنبأنا أبو الطّيّب الطّبريّ، قال: أمّا مالك بن أنس، فإنّه نهى عن الغناء، وعن استماعه، وقال: إذا اشترى جارية فوجدها مغنّية، كان له ردّها بالعيب، وهو مذهب سائر أهل المدينة، إلّا إبراهيم بن سعد وحده، فإنّه قد حكى زكريّا السّاجيّ أنّه كان لا يرى به بأسا.
وأمّا مذهب أبي حنيفة ﵁: أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري، عن أبي الطّيّب الطّبريّ، قال: كان أبو حنيفة يكره الغناء مع إباحته شرب النّبيذ، ويجعل سماع الغناء من الذّنوب.
قال: وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة: إبراهيم، والشعبيّ، وحمّاد، وسفيان الثّوريّ، وغيرهم، لا اختلاف بينهم في ذلك.
قال: ولا يعرف بين أهل البصرة خلاف في كراهة ذلك، والمنع منه، إلّا ما روى عبيد الله بن الحسن العنبريّ، أنّه كان لا يرى به بأسا.
وأمّا مذهب الشافعيّ رحمة الله عليه: قال: حدّثنا إسماعيل بن أحمد، نا حمد بن أحمد الحدّاد، نا أبو نعيم الأصفهانيّ، ثنا محمّد بن عبد الرّحمن، ثنا أحمد بن محمّد بن الحارث، ثنا محمّد بن إبراهيم بن جنّاد، ثنا الحسن بن عبد العزيز الجرويّ، قال: سمعت محمّد بن إدريس الشّافعيّ يقول: خلّفت بالعراق شيئا أحدثته الزّنادقة يسمّونه: التّغبير، يشغلون به النّاس عن القرآن.
قال المصنّف ﵀: وقد ذكر أبو منصور الأزهريّ: المغبّرة قوم يغبّرون بذكر الله
стр. 325
بدعاء، وتضرّع، وقد سمّوا ما يطربون فيه من الشّعر في ذكر الله : تغبيرا، كأنّهم إذا شاهدوها بالألحان، طربوا ورقصوا، فسمّوا مغبّرة لهذا المعنى.
وقال الزّجّاج: سمّوا مغبّرين لتزهيدهم النّاس في الفاني من الدّنيا، وترغيبهم في الآخرة.
وحدّثنا هبة الله بن أحمد الحريريّ، عن أبي الطّيّب طاهر بن عبد الله الطّبريّ، قال: قال الشّافعيّ: الغناء لهو مكروه يشبه الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه تردّ شهادته.
قال: وكان الشّافعيّ يكره التّغبير.
قال الطّبريّ: فقد أجمع علماء الأمصار على كراهية الغناء والمنع منه، وإنّما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد، وعبيد الله العنبريّ، وقد قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالسّواد الأعظم» (١). «فإنّه من شذّ شذّ في النّار» (٢). وقال: «من فارق الجماعة، مات ميتة جاهليّة» (٣).
قال المصنّف: قلت: وقد كان رؤساء أصحاب الشّافعيّ ﵃ ينكرون السّماع، وأمّا قدماؤهم فلا يعرف بينهم خلاف، وأمّا أكابر المتأخّرين، فعلى الإنكار.
منهم: أبو الطّيّب الطّبريّ، وله في ذمّ الغناء والمنع كتاب مصنّف، حدّثنا به عنه أبو القاسم الحريريّ.
ومنهم: القاضي أبو بكر محمّد بن مظفر الشّاميّ، أنبأنا عبد الوهّاب بن المبارك الأنماطيّ عنه، قال: لا يجوز الغناء ولا سماعه، ولا الضّرب بالقضيب. قال: ومن أضاف
стр. 326
إلى الشّافعيّ هذا، فقد كذب عليه.
وقد نصّ الشّافعيّ في كتاب: «أدب القضاء» على أنّ الرّجل إذا دام على سماع الغناء، ردّت شهادته، وبطلت عدالته.
قال المصنّف ﵀: قلت: فهذا قول علماء الشّافعيّة، وأهل التّديّن منهم، وإنّما رخّص في ذلك من متأخّريهم، من قلّ علمه، وغلبه هواه.
وقال الفقهاء من أصحابنا: لا تقبل شهادة المغنّي والرّقّاص، والله الموفّق.
فصل في ذكر الأدلة على كراهية الغناء والنوح والمنع منهما
قال المصنف: وقد استدلّ أصحابنا بالقرآن، والسّنّة، والمعنى:
فأمّا الاستدلال من القرآن فثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله : ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦].
أخبرنا عبد الوهّاب بن المبارك، ويحيى بن عليّ، قالا: نا أبو محمّد الصريفينيّ، نا أبو بكر بن عبدان، ثنا عبد الله بن منيع، ثنا عبيد الله بن عمر، ثنا صفوان بن عيسى، قال: قال حميد الخرّاط: أخبرنا عن عمّار بن معاوية، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصّهباء، قال:
سألت ابن مسعود عن قول الله : ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، قال: هو - والله - الغناء.
أخبرنا عبد الله بن عليّ المقريّ، ومحمّد بن ناصر الحافظ، قالا: نا طراد بن محمّد، نا ابن بشران، نا ابن صفوان، ثنا أبو بكر القرشيّ، ثنا زهير بن حرب، ثنا جرير، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، قال: هو الغناء وأشباهه.
стр. 327
أخبرنا عبد الله بن محمّد الحاكم، ويحيى بن عليّ المدبر، قالا: نا أبو الحسين بن النقور، نا ابن حيويه، ثنا البغوي، ثنا هدبة، ثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهد: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، قال: الغناء.
أخبرنا ابن ناصر، نا المبارك بن عبد الجبّار، نا أبو إسحاق البرمكيّ، نا أحمد بن جعفر بن سلم، نا أحمد بن محمّد بن عبد الخالق، ثنا أبو بكر المروزيّ، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا عبدة، ثنا إسماعيل، عن سعيد بن يسار، قال: سألت عكرمة عن لهو الحديث، قال: الغناء.
وكذلك قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وإبراهيم النّخعيّ.
الآية الثانية: قوله : ﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ (٦١) [النجم: ٦١].
أخبرنا عبد الله بن عليّ، نا طراد بن محمّد، نا ابن بشران، نا ابن صفوان، ثنا أبو بكر القرشي، ثنا عبيد الله بن عمر، ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾، قال: هو الغناء؛ بالحميريّة: سمد لنا: غنّى لنا.
وقال مجاهد: هو الغناء، يقول أهل اليمن: سمد فلان؛ إذا غنّى.
الآية الثّالثة: قوله : ﴿وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤].
أخبرنا موهوب بن أحمد، نا ثابت بن بندار، نا عمر بن إبراهيم الزهريّ، نا عبد الله بن إبراهيم بن ماسي، ثنا الحسين بن الكميت، ثنا محمّد بن نعيم، عن القاسم الجرميّ، عن سفيان الثّوريّ، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾، قال: هو الغناء والمزامير.
وأمّا السّنّة: أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، نا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن
стр. 328
نافع، عن ابن عمر ﵁ أنّه سمع صوت زمّارة راع، فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدّل راحلته عن الطّريق، وهو يقول: يا نافع، أتسمع؟ فأقول: نعم. فيمضي، حتّى قلت: لا، فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطّريق، وقال: «رأيت رسول الله ﷺ سمع زمّارة راع، فصنع مثل هذا» (١).
قال المصنّف ﵀: إذا كان هذا فعلهم في حقّ صوت لا يخرج عن الاعتدال، فكيف بغناء أهل الزّمان وزمّورهم؟
أخبرنا محمّد بن ناصر، نا المبارك بن عبد الجبّار، نا الحسين بن محمّد النّصيبيّ، ثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد، ثنا أبو بكر بن الأنباريّ، ثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزّاز، ثنا ابن أبي مريم، ثنا يحيى بن أيّوب، عن عبيد الله بن زحر، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن شراء المغنّيات وبيعهنّ وتعليمهنّ، وقال: «ثمنهنّ حرام». وقرأ: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٦) [لقمان: ٦] (٢).
أخبرنا عبد الله بن عليّ المقري، نا أبو منصور محمّد بن المقري، نا أبو القاسم عبد الملك بن محمّد بن بشران، نا عمر بن محمّد بن عبد الرحمن الجمحيّ، ثنا منصور بن أبي الأسود، عن أبي المهلّب، عن عبيد الله بن زحر، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع المغنّيات، وعن التّجارة فيهنّ، وعن تعليمهنّ الغناء، وقال: «ثمنهنّ حرام». وقال في هذا، أو نحوه. أو: وقال: «شبهه نزلت عليّ»:
стр. 329
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [لقمان: ٦] (١).
وقال: «ما من رجل يرفع عقيرة صوته للغناء، إلّا بعث الله شيطانين يرتدفانه، أعني: هذا عن ذا الجانب، وهذا من ذا الجانب، ولا يزالان يضربان بأرجلهما في صدره، حتّى يكون هو الّذي يسكت» (٢).
وروت عائشة ﵂ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «إنّ الله حرّم المغنّية وبيعها، وثمنها، وتعليمها، والاستماع إليها». ثمّ قرأ: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (٣).
وروى عبد الرحمن بن عوف، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «إنّما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة، وصوت عند مصيبة» (٤).
أخبرنا ظفر بن عليّ، نا أبو علي الحسن بن أحمد المقتدي، نا أبو نعيم الحافظ، نا حبيب بن الحسن، عن الحسن بن علي بن الوليد، ثنا محمّد بن كليب، ثنا خلف بن خليفة، عن أبان المكتب، عن محمّد بن عبد الرحمن، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال:
دخلت مع رسول الله ﷺ ، فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه، فأخذه رسول الله ﷺ فوضعه في حجره، ففاضت عيناه، فقلت: يا رسول الله، أتبكي وتنهانا عن البكاء؟ فقال: «لست أنهى عن البكاء، إنّما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة لعب ولهو ومزامير الشّيطان، وصوت عند مصيبة ضرب وجه، وشقّ جيوب، ورنّة شيطان» (٥).
أخبرنا عبد الله بن علي المقري، نا جدّي أبو منصور محمّد بن أحمد الخيّاط، نا عبد
стр. 330
الملك بن محمّد بن بشران، ثنا أبو عليّ أحمد بن الفضل بن خزيمة، ثنا محمّد بن سويد الطّحّان، ثنا عاصم بن عليّ، ثنا عبد الرحمن بن ثابت، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن مالك بن يخامر الثّقة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس ﵁، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «بعثت بهدم المزمار والطّبل» (١).
أخبرنا ابن الحصين، نا أبو طالب بن غيلان، نا أبو بكر الشافعيّ، ثنا عبد الله بن محمّد بن ناجية، ثنا عبّاد بن يعقوب، ثنا موسى بن عمير، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ، قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت بكسر المزامير» (٢).
أخبرنا أبو الفتح الكروخيّ، نا أبو عامر الأزديّ، وأبو بكر الغروجيّ، قالا: نا الجراحيّ، ثنا المحبوبيّ، ثنا الترمذيّ، ثنا صالح بن عبد الله، ثنا الفرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، عن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فعلت أمّتي خمس عشرة خصلة حلّ بها البلاء - فذكر منها -: إذا اتّخذت القيان والمعازف» (٣).
قال التّرمذيّ: وحدّثنا عليّ بن حجر، نا محمّد بن يزيد، عن المسلم بن سعيد، عن رميح الجذاميّ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اتّخذ الفيء دولا، والأمانة مغنما، والزّكاة مغرما، وتعلّم لغير الدّين، وأطاع الرّجل امرأته وعقّ أمّه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرّجل مخافة شرّه، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمّة أوّلها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، وزلزلة، وخسفا، ومسخا، وقذفا،
стр. 331
وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع» (١).
وقد روي عن سهل بن سعد، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «يكون في أمّتي خسف وقذف ومسخ». قيل: يا رسول الله، متى؟ قال: «إذا ظهرت المعازف والقينات، واستحلّت الخمر» (٢).
أنبأنا أبو الحسن سعد الخير بن محمّد الأنصاريّ في «كتاب السّنن» لابن ماجه، قال:
نا أبو العبّاس أحمد بن محمّد الأسد أباديّ، نا أبو منصور المقومي، نا أبو طلحة القاسم بن المنذر، نا أبو الحسن بن إبراهيم القطّان، ثنا محمّد بن يزيد بن ماجه، ثنا الحسين بن أبي الربيع الجرجانيّ، ثنا عبد الرّزّاق، أخبرني يحيى بن العلاء، أنّه سمع بشر بن نمير، أنّه سمع مكحولا يقول: إنّه سمع يزيد بن عبد الله، يقول: إنّه سمع صفوان بن أميّة قال: كنّا مع رسول الله ﷺ فجاء عمرو بن قرّة، فقال: يا رسول الله، إنّ الله قد كتب عليّ الشّقوة، فما أراني أرزق إلّا من دفّي بكفّي، فأذن لي في الغناء في غير فاحشة.
فقال له رسول الله ﷺ : «لا آذن لك، ولا كرامة، ولا نعمة عين، كذبت يا عدوّ الله، لقد رزقك الله حلالا طيّبا، فاخترت ما حرّم الله عليك من رزقه، مكان ما أحلّ الله لك من حلال، ولو كنت تقدّمت إليك لفعلت بك وفعلت، قم عنّي وتب إلى الله أما إنّك لو قلت بعد التّقدمة إليك، ضربتك ضربا وجيعا، وحلقت رأسك مثلة، ونفيتك من أهلك، وأحللت سلبك نهبة لفتيان المدينة».
فقام عمرو وبه من الشّرّ والخزي ما لا يعلمه إلّا الله فلمّا ولّى قال رسول الله ﷺ : «هؤلاء العصاة، من مات منهم بغير توبة، حشره الله عريانا لا يستتر
стр. 332
من النّاس بهدبة (١) كلّما قام صرع» (٢).
وأمّا الآثار: فقال ابن مسعود: الغناء ينبت النّفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل.
وقال: إذا ركب الرّجل الدّابّة، ولم يسمّ، ردفه الشّيطان، وقال: تغنّه. فإن لم يحسن، قال له: تمنّه.
ومرّ ابن عمر ﵁ بقوم محرمين، وفيهم رجل يتغنّى، قال: ألا لا سمع الله لكم.
ومرّ بجارية صغيرة تغنّي فقال: لو ترك الشّيطان أحدا، لترك هذه.
وسأل رجل القاسم بن محمّد عن الغناء فقال: أنهاك عنه، وأكرهه لك.
قال: أحرام هو؟ انظر يا ابن أخي، إذا ميّز الله الحقّ من الباطل، ففي أيّهما يجعل الغناء.
وعن الشعبيّ قال: لعن المغنّي والمغنّى له.
أخبرنا عبد الله بن علي المقري ومحمّد بن ناصر قالا: نا طراد بن محمّد، نا أبو الحسين بن بشران، نا أبو علي بن صفوان، ثنا أبو بكر القرشي، ثني الحسين بن عبد الرحمن، ثني عبد الله بن عبد الوهاب قال: أخبرني أبو حفص عمر بن عبيد الله الأرموي، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدّب لولده: ليكن أوّل ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي، الّتي بدؤها من الشّيطان، وعاقبتها سخط الرحمن فإنّه بلغني عن الثّقات من حملة العلم، أنّ حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج بها، ينبت النّفاق في القلب، كما ينبت الماء العشب.
ولعمري لتوقّي ذلك بترك حضور تلك المواطن، أيسر على ذي الذّهن من الثّبوت على النّفاق في قلبه.
стр. 333
وقال فضيل بن عياض: الغناء رقية الزّنا.
وقال الضّحّاك: الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرّبّ.
وقال يزيد بن الوليد: يا بني أميّة، إيّاكم والغناء، فإنّه يزيد الشّهوة، ويهدم المروءة، وإنّه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السّكر، فإن كنتم لابدّ فاعلين فجنّبوه النّساء؛ فإنّ الغناء داعية الزّنا.
قال المصنف ﵀: قلت: وكم قد فتنت الأصوات بالغناء من عابد وزاهد، وقد ذكرنا جملة من أخبارهم في كتابنا المسمّى ب «ذمّ الهوى».
أخبرنا محمّد بن ناصر، نا ثابت بن بندار، نا أبو الحسين محمّد بن عبد الواحد بن رزمة، نا أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي، ثني محمّد بن يحيى، عن معن، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: كان لسليمان بن عبد الملك في بادية له، فسمر ليلة على ظهر سطح، ثمّ تفرّق عنه جلساؤه، فدعا بوضوء، فجاءت به جارية له، فبينما هي تصبّ عليه إذ استمدّها بيده، وأشار إليها، فإذا هي ساهية مصغية بسمعها، مائلة بجسدها كلّه إلى صوت غناء تسمعه في ناحية المعسكر، فأمرها، فتنحّت واستمع هو الصّوت، فإذا صوت رجل يغنّي، فأنصت له حتّى فهم ما يغنّي به من الشّعر.
ثمّ دعا جارية من جواريه غيرها، فتوضّأ، فلمّا أصبح أذن للنّاس إذنا عامّا، فلمّا أخذوا مجالسهم أجرى ذكر الغناء، ومن كان يسمعه، وليّن فيه، حتّى ظنّ القوم أنّه يشتهيه، فأفاضوا في التّليين والتّحليل والتّسهيل، فقال: هل بقي أحد يسمع منه؟ فقام رجل من القوم فقال: يا أمير المؤمنين عندي رجلان من أهل أيلة حاذقان.
قال: وأين منزلك من العسكر؟
فأومأ إلى الناحية الّتي كان الغناء منها.
стр. 334
فقال سليمان: يبعث إليهما.
فوجد الرسول أحدهما، فأقبل به حتّى أدخله على سليمان، فقال له: ما اسمك؟
قال: سمير.
فسأله عن الغناء كيف هو فيه، فقال: حاذق محكم.
قال: ومتى عهدك به؟
قال: في ليلتي الماضية.
قال: وفي أيّ نواحي العسكر كنت؟
فذكر له النّاحية الّتي سمع منها الصّوت.
قال: فما غنّيت؟
فذكر الشّعر الّذي سمعه سليمان، فأقبل سليمان فقال: هدر الجمل. فضبعت النّاقة، وهبّ التيس، فشكرت الشاة، وهدل الحمام، فزافت الحمامة، وغنّى الرّجل، فطربت المرأة، ثمّ أمر به فخصي.
وسأل عن الغناء: أين أصله، وأكثر ما يكون؟
قالوا: بالمدينة، وهو في المخنّثين وهم الحذّاق به، والأئمّة به، فكتب إلى عامله على المدينة، وهو أبو بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم: أن اخص من قبلك من المخنّثين المغنّين.
قال المصنف ﵀: وأمّا المعنى فقد بيّنّا أنّ الغناء يخرج الإنسان عن الاعتدال، ويغيّر العقل.
وبيان ذلك: أنّ الإنسان إذا طرب، فعل ما يستقبحه في حال صمته من غيره، من
стр. 335
تحريك رأسه، وتصفيق يديه، ودقّ الأرض برجليه، إلى غير ذلك ممّا يفعله أصحاب العقول السّخيفة، والغناء يوجب ذلك، بل يقارب فعله فعل الخمر في تغطية العقل، فينبغي أن يقع المنع منه.
أخبرنا عمر بن ظفر، نا جعفر بن أحمد، نا عبد العزيز بن عليّ الأزجيّ، نا ابن جهضم، ثنا يحيى بن المؤمل، ثنا أبو بكر الشقاق، ثنا أبو سعيد الخراز، قال: ذكر عند محمّد بن منصور أصحاب القصائد فقال: هؤلاء الفرّارون من الله لو ناصحوا الله ورسوله وصدقوه، لأفادهم في سرائرهم ما يشغلهم عن كثرة التّلاقي.
أخبرنا محمّد بن ناصر، نا عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف، نا محمّد بن علي العشاري، قال: قال أبو عبد الله بن بطّة العكبريّ: سألني سائل عن استماع الغناء، فنهيته عن ذلك، وأعلمته أنّه ممّا أنكرته العلماء، واستحسنه السّفهاء، وإنّما تفعله طائفة سمّوا بالصّوفيّة، وسمّاهم المحقّقون الجبريّة، أهل همم دنيئة، وشرائع بدعيّة، يظهرون الزّهد، وكلّ أسبابهم ظلمة، يدّعون الشّوق والمحبّة بإسقاط الخوف والرّجاء، يسمعونه من الأحداث، والنّساء، ويطربون ويصعقون ويتغاشون ويتماوتون ويزعمون أنّ ذلك من شدّة حبّهم لربّهم وشوقهم إليه، تعالى الله عمّا يقوله الجاهلون علوّا كبيرا.
في ذكر الشّبه الّتي تعلّق بها من أجاز سماع الغناء:
فمنها: حديث عائشة ﵂ أنّ الجاريتين كانتا تضربان عندها بدفّين، وفي بعض ألفاظه: «دخل عليّ أبو بكر، وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنّيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، فقال أبو بكر: أمزمور الشّيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟! فقال رسول الله ﷺ : دعهما يا أبا بكر، إنّ لكلّ قوم عيدا، وهذا عيدنا» (١). وقد سبق ذكر الحديث.
стр. 336
ومنها: حديث عائشة ﵂ أنّها زفّت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال النّبيّ ﷺ : «يا عائشة ما كان معهم من اللهو؟ فإنّ الأنصار يعجبهم اللهو» (١). وقد سبق.
ومنها: حديث فضالة بن عبيد عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «لله أشدّ أذنا إلى الرّجل الحسن الصّوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته» (٢).
قال ابن طاهر: وجه الحجّة أنّه أثبت تحليل استماع الغناء، إذ لا يجوز أن يقاس على محرّم.
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ عن النّبي ﷺ أنّه قال: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبيّ يتغنّى بالقرآن» (٣).
ومنها: حديث حاطب عن النّبي ﷺ أنّه قال: «فصل ما بين الحلال والحرام الضّرب بالدّفّ» (٤).
والجواب: أمّا حديثا عائشة ﵂ فقد سبق الكلام عليهما، وبيّنّا أنّهم كانوا ينشدون الشّعر، وسمّي بذلك غناء، لنوع يثبت في الإنشاد وترجيع، ومثل ذلك لا يخرج الطّباع عن الاعتدال.
وكيف يحتجّ بذلك الواقع في الزّمان السّليم عند قلوب صافية، على هذه الأصوات المطربة الواقعة في زمان كدر عند نفوس قد تملّكها الهوى؟ ما هذا إلّا مغالطة للفهم.
أوليس قد صحّ في الحديث عن عائشة، أنّها قالت: لو رأى رسول الله ما أحدث النّساء لمنعهنّ المساجد.
стр. 337
وإنّما ينبغي للمفتي أن يزن الأحوال، كما ينبغي للطّبيب أن يزن الزّمان والسّنّ والبلد ثمّ يصف على مقدار ذلك.
وأين الغناء بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، من غناء أمرد مستحسن بآلات مستطابة، وصناعة تجذب إليها النّفس، وغزليّات يذكر فيها الغزال والغزالة والخال والخدّ والقدّ والاعتدال؟
فهل يثبت هناك طبع؟ هيهات، بل ينزعج شوقا إلى المستلذّ، ولا يدّعي أنّه لا يجد ذلك إلا كاذب أو خارج عن حدّ الآدميّة، ومن ادّعى أخذ الإشارة من ذلك إلى الخالق، فقد استعمل في حقّه ما لا يليق به، على أنّ الطّبع يسبقه إلى ما يجد من الهوى.
وقد أجاب أبو الطّيّب الطبريّ عن هذا الحديث بجواب آخر: فأخبرنا أبو القاسم الحريريّ عنه أنّه قال: هذا الحديث حجّتنا؛ لأنّ أبا بكر سمّى ذلك مزمور الشّيطان، ولم ينكر النّبيّ ﷺ على أبي بكر قوله، وإنّما منعه من التّغليظ في الإنكار؛ لحسن رفعته، لا سيما في يوم العيد، وقد كانت عائشة ﵂ صغيرة في ذلك الوقت، ولم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلّا ذمّ الغناء.
وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمّد يذمّ الغناء، ويمنع من سماعه، وقد أخذ العلم عنها.
قال المصنف ﵀: وأمّا اللهو المذكور في الحديث الآخر، فليس بصريح في الغناء، فيجوز أن يكون إنشاد الشّعر أو غيره.
وأمّا التّشبيه بالاستماع إلى القينة فلا يمتنع أن يكون المشبّه حراما، فإنّ الإنسان لو قال: وجدت للعسل لذّة أكثر من لذّة الخمر. كان كلاما صحيحا، وإنّما وقع التّشبيه بالإصغاء في الحالتين، فيكون أحدهما حلالا، أو حراما لا يمنع من التّشبيه.
стр. 338
وقد قال ﵊: «إنّكم لترون ربّكم كما ترون القمر» (١). فشبّه أيضا الرّؤية بإيضاح الرؤية، وإن كان وقع الفرق بأنّ القمر في جهة يحيط به نظر النّاظر، والحقّ منزّه عن ذلك.
والفقهاء يقولون في ماء الوضوء: لا ننشّف الأعضاء منه؛ لأنّه أثر عبادة، فلا يسنّ مسحه كدم الشّهيد، فقد جمعوا بينهما من جهة اتّفاقهما في كونهما عبادة، وإن افترقا في الطّهارة والنّجاسة.
واستدلال ابن طاهر بأنّ القياس لا يكون إلّا على مباح، فقه الصّوفيّة، لا علم الفقهاء.
وأمّا قوله: يتغنّى بالقرآن، فقد فسّره سفيان بن عيينة، فقال: معناه: يستغني به. وفسّره الشّافعيّ فقال: معناه: يتحزّن به، ويترنّم. وقال غيرهما: يجعله مكان غناء الرّكبان إذا ساروا.
وأمّا الضّرب بالدّفّ، فقد كان جماعة من التّابعين يكسرون الدّفوف، وما كانت هكذا، فكيف لو رأوا هذه؟
وكان الحسن البصريّ يقول: ليس الدّفّ من سنّة المرسلين في شيء.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلّام: من ذهب به إلى الصّوفيّة، فهو خطأ التّأويل على رسول الله ﷺ ، وإنّما معناه عندنا النّكاح، واضطراب الصّوت، والذّكر في النّاس.
قال المصنّف ﵀: قلت: ولو حمل على الدّفّ حقيقة على أنّه قد قال أحمد بن حنبل:
أرجو ألا يكون بالدّفّ بأس في العرس ونحوه، وأكره الطّبل.
أخبرنا عبد الله بن علي المقرّيّ، نا نصر بن أحمد بن البطر، نا أبو محمّد عبد الله بن
стр. 339
عبيد الله المؤدّب، ثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، ثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة، ثنا عمرو بن مرزوق، ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد البجليّ، قال: طلبت ثابت بن سعد - وكان بدريّا - فوجدته في عرس له.
قال: وإذا جوار يغنّين ويضربن بالدّفوف، فقلت: ألا تنهى عن هذا؟ قال: لا. إنّ رسول الله ﷺ رخّص لنا في هذا.
أخبرنا عبد الله بن علي، نا جدي أبو منصور، محمّد بن أحمد الخياط، نا عبد الملك بن بشران، ثنا أبو علي أحمد بن الفضل بن خزيمة، ثنا أحمد بن القاسم الطائي، ثنا ابن سهم ثنا عيسى بن يونس، عن خالد بن إلياس، عن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «أظهروا النّكاح، واضربوا عليه بالغربال. يعني:
الدّفّ» (١).
قال المصنف ﵀: وكلّ ما احتجّوا به، لا يجوز أن يستدلّ به على جواز هذا الغناء المعروف المؤثّر في الطّباع، وقد احتجّ لهم أقوام مفتونون بحبّ التّصوّف بما لا حجّة فيه؛ فمنهم أبو نعيم الأصفهانيّ؛ فإنّه قال: كان البراء بن مالك يميل إلى السّماع، ويستلذّ بالتّرنّم.
قال المصنف ﵀: وإنّما ذكر أبو نعيم هذا عن البراء؛ لأنّه روي عنه أنّه استلقى يوما فترنّم، فانظر إلى هذا الاحتجاج البارد، فإنّ الإنسان لا يخلو من أن يترنّم، فأين التّرنّم من السّماع للغناء المطرب.
وقد استدلّ لهم محمّد بن طاهر بأشياء، لولا أن يعثر على مثلها جاهل فيغترّ، لم يصلح ذكرها؛ لأنّها ليست بشيء:
стр. 340
فمنها: أنّه قال في كتابه: «باب الاقتراح على القوّال والسّنّة فيه»، فجعل الاقتراح على القوّال سنّة، واستدلّ بما روى عمرو بن الشريد عن أبيه، قال: استنشدني رسول الله ﷺ من شعر أميّة، فأخذ يقول: هي هي (١). حتّى أنشدته مائة قافية.
وقال ابن طاهر: باب الدّليل على استماع الغزل، قال العجّاج: سألت أبا هريرة ﵁:
«طاف الخيالات فهاجا سقما». فقال أبو هريرة ﵁: كان ينشد مثل هذا بين يدي رسول الله ﷺ (٢).
قال المصنف ﵀: فانظر إلى احتجاج ابن طاهر، ما أعجبه! كيف يحتجّ على جواز الغناء، بإنشاد الشّعر، وما مثله إلّا كمثل من قال: يجوز أن يضرب بالكفّ على ظهر العود، فجاز أن يضرب بأوتاره. أو قال: يجوز أن يعصر العنب، ويشرب منه في يومه، فجاز أن يشرب منه بعد أيّام. وقد نسي أنّ إنشاد الشّعر لا يطرب كما يطرب الغناء.
وقد أنبأنا أبو زرعة بن محمّد بن طاهر، عن أبيه، قال: أخبرنا أبو محمّد التميميّ، قال:
سألت الشريف أبا علي بن أبي موسى الهاشمي عن السّماع فقال: ما أدري ما أقول فيه، غير أنّي حضرت ذات يوم شيخنا أبا الحسن عبد العزيز بن الحارث التّميميّ، سنة سبعين وثلاث مئة، في دعوة عملها لأصحابه، حضرها أبو بكر الأبهريّ شيخ المالكيّين، وأبو القاسم الدّاركيّ شيخ الشافعيّين، وأبو الحسن طاهر بن الحسين شيخ أصحاب الحديث، وأبو الحسين بن سمعون شيخ الوعّاظ والزّهّاد، وأبو عبد الله بن مجاهد شيخ المتكلّمين، وصاحبه أبو بكر بن الباقلاني، في دار شيخنا أبي الحسن التميمي شيخ الحنابلة، فقال أبو علي: لو سقط السّقف عليهم، لن يبقى بالعراق من يفتي في حادثة بسنّة.
стр. 341
ومعهم أبو عبد الله غلام، وكان يقرأ القرآن بصوت حسن، فقيل له: قل شيئا، فقال:
وهم يسمعون:
خطّت أناملها في بطن قرطاس … رسالة بعبير لا بأنفاس
أن زر فديتك قف لي غير محتشم … فإنّ حبّك لي قد شاع في النّاس
فكان قولي لمن أدّى رسالتها … قف لي لأمشي على العينين والرّاس
قال أبو علي: فبعد ما رأيت هذا، لا يمكنني أن أفتي في هذه المسألة بحظر ولا إباحة.
قال المصنّف ﵀: وهذه الحكاية إن صدق فيها محمّد بن طاهر، فإنّ شيخنا ابن ناصر الحافظ كان يقول: ليس محمّد بن طاهر بثقة، حملت هذه الأبيات على أنّه أنشدها، لا أنّه غنّى بها بقضيب ومخدّة؛ إذ لو كان كذلك لذكره، ثمّ فيها كلام مجمل.
قوله: لا يمكنني أن أقول فيها بحظر، ولا إباحة؛ لأنّه إن كان مقلّدا لهم، فينبغي أن يفتي بالإباحة، وإن كان ينظر في الدّليل، فيلزمه مع حضورهم أن يفتي بالحظر، ثمّ بتقدير صحّتها، أفلا يكون اتّباع المذهب أولى من اتّباع أرباب المذاهب.
وقد ذكرنا عن أبي حنيفة ومالك والشافعيّ وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين، ما يكفي في هذا، وشيّدنا ذلك بالأدلّة.
وقال ابن طاهر في كتابه: باب إكرامهم للقوّال وإفرادهم الموضع له. واحتجّ بأنّ النّبيّ ﷺ رمى بردة كانت عليه إلى كعب بن زهير، لمّا أنشده: بانت سعاد (١). وإنّما ذكرت هذا ليعرف قدر فقه هذا الرّجل واستنباطه، وإلّا فالزّمان أشرف من أن يضيع بمثل هذا التّخليط.
وأنبأنا أبو زرعة، عن أبيه محمّد بن طاهر، نا أبو سعيد إسماعيل بن محمّد الحجاجي،
стр. 342
ثنا أبو محمّد عبد الله بن أحمد المقري، ثنا أبي، ثنا علي بن أحمد، ثنا محمّد بن العباس بن بلال، قال: سعيد بن محمّد قال: حدّثني إبراهيم بن عبد الله - وكان النّاس يتبرّكون به - قال:
حدّثنا المزنيّ قال: مررنا مع الشافعي وإبراهيم بن إسماعيل على دار قوم وجارية تغنّيهم:
خليلي ما بال المطايا كأنّنا … نراها على الأعقاب بالقوم تنكص
فقال الشافعي: ميلوا بنا نسمع.
فلمّا فرغت، قال الشافعيّ لإبراهيم: أيطربك هذا؟
قال: لا.
قال: فما لك حسّ.
قال المصنف ﵀: قلت: وهذا محال على الشّافعيّ ﵁، وفي الرواية مجهولون، وابن طاهر لا يوثق به، وقد كان الشّافعيّ أجلّ من هذا كلّه.
ويدلّ على صحّة ما ذكرناه، ما أخبرنا به أبو القاسم الحريريّ، عن أبي الطّيّب الطّبريّ قال: أمّا سماع الغناء من المرأة الّتي ليست بمحرم، فإنّ أصحاب الشّافعيّ قالوا: لا يجوز، سواء كانت حرّة أو مملوكة.
قال: وقال الشافعي: وصاحب الجارية إذا جمع النّاس لسماعها، فهو سفيه تردّ شهادته. ثمّ غلّظ القول فيه فقال: وهو دياثة.
قال المصنّف ﵀: وإنّما جعل صاحبها سفيها فاسقا؛ لأنّه دعا النّاس إلى الباطل، ومن دعا إلى الباطل كان سفيها فاسقا.
قال المصنّف ﵀: قلت: وقد أخبرنا محمّد بن القاسم البغداديّ، عن أبي محمّد التّميمي، عن أبي عبد الرّحمن السلميّ، قال: اشترى سعد بن عبد الله الدمشقيّ جارية قوّالة للفقراء، وكانت تقول لهم القصائد.
стр. 343
قال المصنّف ﵀: قلت: وقد ذكر أبو طالب المكّيّ في كتابه قال: أدركنا مروان القاضي، وله جوار يسمعن التّلحين قد أعدّهنّ للصّوفيّة، قال: وكانت لعطاء جاريتان تلحّنان، وكان إخوانه يسمعون التّلحين منهما.
قال المصنّف ﵀: قلت: أمّا سعد الدّمشقيّ فرجل جاهل، والحكاية عن عطاء محال وكذب، وإن صحّت الحكاية عن مروان فهو فاسق، والدليل على ما قلنا ما ذكرنا عن الشّافعيّ ﵁ وهؤلاء القوم جهلوا العلم فمالوا إلى الهوى.
وقد أنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أنبأنا أبو عثمان الصّابونيّ، وأبو بكر البيهقيّ، قالا: أنبأنا الحاكم أبو عبد الله النّيسابوريّ، قال: أكثر ما التقيت أنا وفارس بن عيسى الصوفي، في دار أبي بكر الإبريسمي، للسّماع من هزارة - رحمها الله - فإنّها كانت من مستورات القوّالات.
قال المصنّف: قلت: وهذا أقبح شيء من مثل الحاكم، كيف خفي عليه أنّه لا يحلّ له أن يسمع من امرأة ليست بمحرم، ثمّ يذكر هذا في كتاب «تاريخ نيسابور» وهو كتاب علم، من غير تحاش عن ذكر مثله، لقد كفاه هذا، قدحا عدالته.
قال المصنف ﵀: فإن قيل: ما تقول فيما أخبركم به إسماعيل بن أحمد السمرقنديّ، نا عمر بن عبد الله، نا أبو الحسين بن بشران، نا عثمان بن أحمد، نا حنبل بن إسحاق، ثنا هارون بن معروف، ثنا جرير، عن مغيرة، قال: كان عون بن عبد الله يقصّ، فإذا فرغ، أمر جارية له تقصّ وتطرب.
قال المغيرة: فأرسلت إليه، أو أردت أن أرسل إليه: إنّك من أهل بيت صدق، وإنّ الله لم يبعث نبيّه ﷺ بالحمق، وإنّ صنيعك هذا صنيع أحمق.
فالجواب: إنّا لا نظنّ بعون أنّه أمر الجارية أن تقصّ على الرّجال، بل أحبّ أن يسمعها منفردا وهي ملكه، فقال له مغيرة الفقيه هذا القول، وكره أن تطرب الجارية
стр. 344
له، فما ظنّك بمن يسمعهنّ الرّجال، ويرقصهنّ ويطربهنّ.
وقد ذكر أبو طالب المكيّ أنّ عبد الله بن جعفر كان يسمع الغناء.
قال المصنّف ﵀: وإنّما كان يسمع إنشاد جواريه، وقد أردف ابن طاهر الحكاية الّتي ذكرها عن الشافعيّ، وقد ذكرناها آنفا بحكاية عن أحمد بن حنبل، رواها من طريق عبد الرحمن السلميّ، قال: حدّثنا الحسين بن أحمد، قال: سمعت أبا العبّاس الفرغانيّ، يقول: سمعت صالح بن أحمد بن حنبل يقول: كنت أحبّ السّماع، وكان أبي أحمد يكره ذلك، فوعدت ليلة ابن الخبّازة، فمكث عندي إلى أن علمت أنّ أبي قد نام، وأخذ يغنّي، فسمعت حسّ أبي فوق السّطح، فصعدت فرأيت أبي فوق السّطح يسمع، وذيله تحت إبطه، يتبختر على السّطح كأنّه يرقص.
قال المصنف ﵀: هذه الحكاية قد بلغتنا من طرق؛ ففي بعض الطّرق عن صالح قال:
كنت أدعو ابن الخبّازة القصائدي، وكان يقول ويلحن، وكان أبي في الزّقاق يذهب ويجيء ويسمع إليه، وكان بيننا وبينه باب، وكان يقف من وراء الباب يستمع.
وقد أخبرنا بها أبو منصور القزاز، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، نا أحمد بن علي بن الحسين التوزي، ثنا يوسف بن عمر القواس، قال: سمعت أبا بكر بن مالك القطيعي، يحكي - أظنّه عن عبد الله بن أحمد - قال: كنت أدعو ابن الخبّازة القصائدي، وكان يقول ويلحن، وكان أبي ينهاني عن التّغنّي، فكنت إذا كان ابن الخبّازة عندي، أكتمه عن أبي؛ لئلا يسمع، فكان ذات ليلة عندي، وكان يغنّي، فعرضت لأبي عندنا حاجة، وكانا في زقاق، فجاء، فسمعه يغنّي، فتسمّع، فوقع في سمعه شيء من قوله، فخرجت لأنظر، فإذا بأبي ذاهبا وجائيا، فرددت الباب، فدخلت، فلمّا كان من الغد قال لي: يا بنيّ، إذا كان هذا نعم الكلام. أو معناه.
стр. 345
قال المصنّف ﵀: وهذا ابن الخبّازة كان ينشد القصائد الزّهديّات الّتي فيها ذكر الآخرة، ولذلك استمع إليه أحمد.
وقول من قال: ينزعج. فإنّ الإنسان قد يزعجه الطّرب، فيميل يمينا وشمالا.
وأمّا رواية ابن طاهر الّتي فيها: فرأيته وذيله تحت إبطه، يتبختر على السّطح كأنّه يرقص، فإنّما هو من تغيير الرّواة، وتغييرهم لما يظنّونه المعنى، تصحيحا لمذهبهم في الرّقص.
وقد ذكرنا القدح في السّلميّ، وفي ابن طاهر الرّاويين لهذه اللّفظات، وقد احتجّ لهم أبو طالب المكيّ، على جواز السّماع بمنامات، وقسّم السّماع إلى أنواع، وهو تقسيم صوفيّ لا أصل له.
وقد ذكرنا أنّ من ادّعى أنّه يسمع الغناء، ولا يؤثّر عنده تحريك النّفس إلى الهوى، فهو كاذب.
وقد أخبرنا أبو القاسم الحريريّ، عن أبي الطّيّب الطّبريّ، قال: قال بعضهم: إنّا لا نسمع الغناء بالطّبع الّذي يشترك فيه الخاصّ والعامّ. قال: وهذا تجاهل منه عظيم؛ لأمرين:
أحدهما: أنّه يلزمه على هذا أن يستبيح العود والطّنبور وسائر الملاهي؛ لأنّه يسمعه بالطّبع الّذي لا يشاركه فيه أحد من الناس، فإن لم يستبح ذلك، فقد نقض قوله، وإن استباح فقد فسق.
والثاني: أنّ هذا المدّعي لا يخلو من أن يدّعي أنّه فارق طبع البشر، وصار بمنزلة الملائكة، فإن قال هذا، فقد تخرّص على طبعه، وعلم كلّ عاقل كذبه إذا رجع إلى نفسه، ووجب ألا يكون مجاهدا لنفسه، ولا مخالفا لهواه، ولا يكون له ثواب على ترك اللّذّات والشّهوات، وهذا لا يقوله عاقل، وإن قال: أنا على طبع البشر المجبول على الهوى
стр. 346
والشّهوة، قلنا له: فكيف تسمع الغناء المطرب بغير طبعك، أو تطرب لسماعه لغير ما غرس في نفسك.
أخبرنا ابن ناصر، نا أحمد بن علي بن خلف، ثنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال:
سمعت أبا القاسم الدّمشقيّ، يقول: سئل أبو علي الروذباريّ عمّن سمع الملاهي، ويقول:
هي لي حلال؛ لأنّي قد وصلت إلى درجة لا تؤثّر فيّ اختلاف الأحوال. فقال: نعم. قد وصل لعمري، ولكن إلى سقر.
قال المصنف ﵀: فإن قيل: قد بلغنا عن جماعة أنّهم سمعوا عن المنشد شيئا، فأخذوه على مقصودهم فانتفعوا به. قلنا: لا ينكر أن يسمع الإنسان بيتا من الشّعر أو حكمة، فيأخذها إشارة فتزعجه بمعناها، لا لأنّ الصّوت مطرب، كما سمع بعض المريدين صوت مغنية تقول:
كلّ يوم تتلوّن … غير هذا بك أجمل
فصاح ومات، فهذا لم يقصد سماع المرأة، ولم يلتفت إلى التّلحين، وإنّما قتله المعنى، ثمّ ليس سماع كلمة أو بيت لم يقصد سماعه، كالاستعداد لسماع الأبيات المذكورة الكثيرة المطربة، مع انضمام الضّرب بالقضيب والتّصفيق، إلى غير ذلك.
إن ذلك السّامع لم يقصد السّماع، ولو سألنا: هل يجوز لي أن أقصد سماع ذلك؟ منعناه.
قال المصنف ﵀: وقد احتجّ لهم أبو حامد الطوسيّ بأشياء، نزل فيها عن رتبته عن الفهم، مجموعها أنّه قال: ما يدلّ على تحريم السّماع نصّ ولا قياس. وجواب هذا ما قد أسلفناه، وقال: لا وجه لتحريم سماع صوت طيّب، فإذا كان موزونا فلا يحرم أيضا، وإذا لم يحرم الآحاد فلا يحرم المجموع؛ فإنّ أفراد المباحات إذا اجتمعت، كان المجموع مباحا.
стр. 347
قال: ولكن ينظر فيما يفهم من ذلك، فإن كان فيه شيء محظور، حرم نثره ونظمه، وحرم التّصويت له.
قال المصنف ﵀: قلت: وإنّي لأتعجّب من مثل هذا الكلام؛ فإنّ الوتر بمفرده أو العود وحده من غير وتر، لو ضرب لم يحرم، ولم يطرب، فإذا اجتمعا، وضرب بهما على وجه مخصوص حرم وأزعج، وكذلك ماء العنب جائز شربه، وإذا حدثت فيه شدّة مطربة حرم.
وكذلك هذا المجموع يوجب طربا، يخرج من الاعتدال، فيمنع منه ذلك.
وقال ابن عقيل: الأصوات على ثلاثة أضرب: محرّم ومكروه ومباح.
فالمحرّم: الزّمر والنّاي والسرنا والطّنبور والمعزفة والرّباب وما ماثلها، نصّ الإمام أحمد بن حنبل على تحريم ذلك، ويلحق به الجرافة والجنك؛ لأنّ هذه تطرب، فتخرج عن حدّ الاعتدال، وتفعل في طباع الغالب من الناس ما يفعله المسكر، وسواء استعمل على حزن يهيجه أو سرور؛ لأنّ النّبيّ ﷺ : «نهى عن صوتين أحمقين: صوت عند نغمة، وصوت عند مصيبة» (١).
والمكروه: القضيب، لكنّه ليس بمطرب في نفسه، وإنّما يطرب بما يتبعه، وهو تابع للقول، والقول مكروه، ومن أصحابنا من يحرّم القضيب كما يحرّم آلات اللهو، فيكون فيه وجهان كالقول نفسه.
والمباح: الدّفّ، وقد ذكرنا عن أحمد أنّه قال: أرجو ألا يكون بالدّفّ بأس في العرس ونحوه، وأكره الطّبل.
стр. 348
وقد قال أبو حامد: من أحبّ الله وعشقه واشتاق إلى لقائه، فالسّماع في حقّه مؤكّد؛ لعشقه.
قال المصنف ﵀: قلت: وهذا قبيح أن يقال عن الله يعشق، وقد بيّنّا فيما تقدّم خطأ هذا القول، ثمّ أيّ توكيد لعشقه في قول المغنّي:
ذهبيّ اللّون تحسب من … وجنتيه النّار تقتدح
قال المصنف ﵀ قلت: وسمع ابن عقيل بعض الصّوفيّة يقول: إنّ مشايخ هذه الطّائفة كلّما وقفت طباعهم، حداها الحادي إلى الله بالأناشيد. فقال ابن عقيل: لا كرامة لهذا القائل؛ إنّما تحدى القلوب بوعد الله في القرآن، ووعيده، وسنّة الرّسول ﷺ ؛ لأنّ الله قال: ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ [الأنفال: ٢]، وما قال: وإذا أنشدت عليه القصائد طربت.
فأمّا تحريك الطّباع بالألحان، فقاطع عن الله، والشّعر يتضمّن صفة المخلوق والمعشوق، ممّا يتعدّد عنه فتنه، ومن سوّلت له نفسه التقاط العبر من محاسن البشر، وحسن الصّوت فمفتون.
بل ينبغي النّظر إلى المحالّ الّتي أحالنا عليها الإبل والخيل والرّياح ونحو ذلك؛ فإنّها منظورات لا تهيج طبعا، بل تورث استعظاما للفاعل، وإنّما خدعكم الشّيطان، فصرتم عبيد شهواتكم، ولم تقفوا، حتّى قلتم هذه الحقيقة، وأنتم زنادقة في زيّ عبّاد، شرهون، في زيّ زهّاد، مشبّهة تعتقدون أنّ الله يعشق ويهام فيه، ويؤلف، ويؤنس به.
وبئس التّوهّم؛ لأنّ الله خلق الذّوات مشاكلة؛ لأنّ أصولها مشاكلة؛ فهي تتآنس وتتآلف بأصولها العنصريّة، وتراكيبها المثليّة في الأشكال الحديثة، فمن هاهنا جاء التّلاوم والميل وعشق بعضهم بعضا، وعلى قدر التّقارب في الصّورة يتأكّد الأنس.
стр. 349
والواحد منّا يأنس بالماء؛ لأنّ فيه ماء، وهو بالنّبات آنس؛ لقربه من الحيوانيّة بالقوّة النّمائيّة، وهو بالحيوان آنس لمشاركته في أخصّ النّوع به أو أقربه إليه، فأين المشاركة للخالق والمخلوق حتّى يحصل الميل إليه والعشق والشّوق؟ وما الّذي بين الطّين والماء وبين خالق السّماء من المناسبة؟
وإنّما هؤلاء يصوّرون الباري صورة تثبت في القلوب، وما ذاك الله ذاك صنم شكّله الطّبع والشّيطان، وليس لله وصف تميل إليه الطّباع، ولا تشتاق إليه الأنفس، وإنّما مباينة الإلهيّة للمحدث، أوجبت في الأنفس هيبة وحشمة، فما يدّعيه عشّاق الصّوفيّة لله في محبّة الله، إنّما هو وهم اعتراض، وصورة شكلت في نفوس، فحجبت عن عبادة القديم، فيجدون بتلك الصّورة أنسا، فإذا غابت بحكم ما يقتضيه العقل، أقلقهم الشّوق إليها، فنالهم من الوجد وتحرّك الطّبع والهيمان، ما ينال الهائم في العشق.
فنعوذ بالله من الهواجس الرّديئة، والعوارض الطّبيعيّة، الّتي يجب بحكم الشّرع محوها عن القلوب، كما يجب كسر الأصنام.
قال المصنف ﵀: وقد كان جماعة من قدماء الصّوفيّة، ينكرون على المبتدئ السّماع؛ لعلمهم بما يثير من قلبه.
أخبرنا عمر بن ظفر القمريّ، نا جعفر بن أحمد، نا عبد العزيز بن علي الأزجي، ثنا ابن جهضم، ثني أبو عبد الله المقري، ثنا عبد الله بن صالح، قال: قال لي جنيد: إذا رأيت المريد يسمع السّماع، فاعلم أنّ فيه بقايا من اللّعب.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعيد بن أبي صادق، نا أبو عبد الله بن باكويه، قال:
سمعت أحمد بن محمّد البردعيّ يقول: سمعت أبا الحسين النّوريّ يقول لبعض أصحابه:
إذا رأيت المريد يسمع القصائد، ويميل إلى الرّفاهية، فلا ترج خيره.
стр. 350
قال المصنف ﵀: هذا قول مشايخ القوم، وإنّما ترخّص المتأخّرون حبّ اللهو، فتعدّى شرّهم من وجهين:
أحدهما: سوء ظنّ العوام بقدمائهم؛ لأنّهم يظنّون أنّ الكلّ كانوا هكذا.
والثاني: أنّهم جرّأوا العوامّ على اللّعب، فليس للعامّيّ حجّة في لعبه، إلّا أن يقول:
فلان يفعل كذا ويفعل كذا.
فصل [فتنة السماع]
قال المصنف ﵀: وقد نشب السّماع بقلوب خلق منهم، فآثروه على قراءة القرآن، ورقّت قلوبهم عنده، بما لا ترقّ عند القرآن، وما ذاك إلّا لتمكّن هوى باطن، تمكّن منه، وغلبة طبع، وهم يظنّون غير هذا.
أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر الخطيب، نا عبد الكريم بن هوازن (ح) وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم، ثنا أبي وقال: سمعت أبا حاتم محمّد بن أحمد بن يحيى السّجستانيّ قال: سمعت أبا نصر السّرّاج يقول: حكى لي بعض إخواني، عن أبي الحسين الدّرّاج قال: قصدت يوسف بن الحسين الرّازي من بغداد، فلمّا دخلت الرّيّ، سألت عن منزله، وكلّ من أسأله عنه يقول: إيش تفعل بذلك الزّنديق؟ فضيّقوا صدري، حتّى عزمت على الانصراف، فبتّ تلك الليلة في مسجد، ثمّ قلت: جئت إلى هذه البلدة، فلا أقلّ من زيارته.
فلم أزل أسأل عنه، حتّى دفعت إلى مسجده، وهو قاعد في المحراب، بين يديه رجل على يديه مصحف، وهو يقرأ، فدنوت، فسلّمت، فردّ السّلام وقال: من أين؟ قلت: من بغداد، قصدت زيارة الشّيخ. فقال: تحسن أن تقول شيئا؟ فقلت: نعم. وقلت:
رأتك تبني دائما في قطيعتي … ولو كنت ذا حزم لهدّمت ما تبني
стр. 351
فأطبق المصحف، ولم يزل يبكي، حتّى ابتلّت لحيته وثوبه، حتّى رحمته من كثرة بكائه، ثمّ قال لي: يا بنيّ! تلوم أهل الرّيّ على قولهم: يوسف بن الحسين زنديق، ومن وقت الصلاة هو ذا، أقرأ القرآن، لم تقطر من عيني قطرة، وقد قامت عليّ القيامة بهذا البيت.
وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن، نا أبي، قال: سمعت أبا عبد الرحمن السّلميّ، يقول: فأخرجت إلى مرو في حياة الأستاذ أبي سهل الصّعلوكي، وكان له قبل خروجي أيّام الجمع بالغدوات مجلس درس القرآن والختمات، فوجدته عند خروجي قد رفع ذلك المجلس، وعقد لابن الفرغانيّ في ذلك الوقت مجلس القوّال - يعني المغنّي - فتداخلني من ذلك شيء، فكنت أقول: قد استبدل مجلس الختمات بمجلس القوّال.
فقال لي يوما: أيّ شيء تقول النّاس؟ فقلت: يقولون: رفع مجلس القرآن، ووضع مجلس القوّال. فقال: من قال لأستاذه: لم. لم يفلح.
قال المصنف ﵀: هذه عادة الصّوفيّة، يقولون: الشّيخ يسلم له حاله، وما لنا أحد يسلم إليه حاله؛ فإنّ الآدميّ يردّ عن مراداته بالشّرع والعقل، والبهائم بالسّوط.
وقد اعتقد قوم من الصّوفيّة، أنّ هذا الغناء الّذي ذكرنا عن قوم تحريمه، وعن آخر كراهته، مستحبّ في حقّ قوم.
وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن القشيريّ، قال: حدّثنا أبي، قال: سمعت أبا عليّ الدّقّاق يقول: السّماع حرام على العوامّ؛ لبقاء نفوسهم، مباح للزّهّاد؛ لحصول مجاهداتهم، مستحبّ لأصحابنا؛ لحياة قلوبهم.
قال المصنف ﵀: قلت: وهذا غلط من خمسة أوجه:
أحدها: أنّا قد ذكرنا عن أبي حامد الغزاليّ، أنّه يباح سماعه لكلّ أحد، وأبو حامد كان
стр. 352
أعرف من هذا القائل.
والثاني: أنّ طباع النّفوس لا تتغيّر، وإنّما المجاهدة تكفّ عملها؛ فمن ادّعى تغيّر الطّباع ادّعى المحال، فإذا جاء ما يحرّك الطّباع، واندفع الّذي كان يكفّها عنه، عادت العادة.
والثالث: أنّ العلماء اختلفوا في تحريمه وإباحته، وليس فيهم من نظر في السّامع؛ لعلمهم أنّ الطّباع تتساوى؛ فمن ادّعى خروج طبعه عن طباع الآدميّين ادّعى المحال.
والرابع: أنّ الإجماع انعقد على أنّه ليس بمستحبّ، وإنّما غايته الإباحة؛ فادّعاء الاستحباب خروج عن الإجماع.
والخامس: أنّه يلزم من هذا، أن يكون سماع العود مباحا أو مستحبّا عند من لا يغيّر طبعه؛ لأنّه إنّما حرّم لأنّه يؤثّر في الطّباع، ويدعوها إلى الهوى، فإذا أمن ذلك، فينبغي أن يباح، وقد ذكرنا هذا عن أبي الطّيّب الطّبريّ.
فصل [شبهة أن السماع قربة]
قال المصنف ﵀: وقد ادّعى قوم منهم، أنّ هذا السّماع قربة إلى الله .
قال أبو طالب المكي: حدّثني بعض أشياخنا، عن الجنيد، أنّه قال: تنزل الرّحمة على هذه الطّائفة في ثلاثة مواطن: عند الأكل؛ لأنّهم لا يأكلون إلّا عن فاقة، وعند المذاكرة؛ لأنّهم يتجاوزون في مقامات الصّدّيقين وأحوال النّبيّين، وعند السّماع؛ لأنّهم يسمعون بوجد، ويشهدون حقّا.
قال المصنف ﵀: قلت: وهذا إن صحّ عن الجنيد، وأحسنّا به الظّنّ، كان محمولا على ما يسمعونه من القصائد الزّهديّة؛ فإنّها توجب الرّقّة والبكاء، فأمّا أن تنزل الرّحمة عن وصف سعدى وليلى، ويحمل ذلك على صفات الباري فلا يجوز اعتقاد هذا، ولو صحّ أخذ الإشارة من ذلك، كانت الإشارة مستغرقة في جنب غلبة الطّباع.
стр. 353
ويدلّ على ما حملنا الأمر عليه، أنّه لم يكن ينشد في زمان الجنيد، مثل ما ينشد اليوم، إلّا أنّ بعض المتأخّرين، قد حمل كلام الجنيد على كلّ ما يقال.
فحدثني أبو جعفر أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب السّباك، عن شيخنا عبد الوهّاب بن المبارك الحافظ، قال: كان أبو الوفا الفيروزأبادي شيخ رباط الزّوزني صديقا لي، فكان يقول لي: والله إنّي لأدعو لك، وأذكرك وقت وضع المخدّة والقول.
قال: فكان الشّيخ عبد الوهّاب يتعجّب ويقول: أترون هذا يعتقد أنّ ذلك وقت إجابة؟ إنّ هذا لعظيم.
وقال ابن عقيل: قد سمعنا منهم أنّ الدّعاء عند حدو الحادي، وعند حضور المخدّة مجاب، وذلك أنّهم يعتقدون أنّه قربة يتقرّب بها إلى الله تعالى.
قال: وهذا كفر؛ لأنّ من اعتقد الحرام أو المكروه قربة، كان بهذا الاعتقاد كافرا.
قال: والنّاس بين تحريمه وكراهيّته.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمّد القزّاز، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرني علي بن أيوب، قال: أخبرنا محمّد بن عمران بن موسى، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد الكاتب، قال: حدّثنا الحسين بن فهم، قال: حدّثني أبو همّام، قال: حدّثني ابن أعين، قال: قال صالح المرّيّ: أبطأ الصّرعى نهضة صريع هوى يدّعيه إلى الله قربة، وأثبت النّاس قدما يوم القيامة، آخذهم بكتاب الله، وسنّة نبيّه محمّد ﷺ .
أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيريّ، قال: حدّثنا أبي، قال سمعت أبا عبد الرحمن السلميّ، يقول: سمعت محمّد بن عبد الله بن شاذان، يقول: سمعت أبا بكر النّهاوندي، يقول: سمعت عليّا السّائح يقول: سمعت أبا الحارث الأولاسيّ، يقول: رأيت إبليس في المنام على بعض سطوح أولاس، وأنا على سطح، وعلى يمينه جماعة، وعلى
стр. 354
يساره جماعة، وعليهم ثياب لطاف، فقال لطائفة منهم: قولوا وغنّوا. فاستغرقني طيبه، حتّى هممت أن أطرح نفسي من السّطح، ثمّ قال: ارقصوا، فرقصوا أطيب ما يكون، ثمّ قال لي:
يا أبا الحارث، ما أصبت منكم شيئا أدخل به عليكم إلّا هذا.
تلبيس إبليس على الصوفية في الوجد
قال المصنف ﵀: هذه الطّائفة إذا سمعت الغناء تواجدت، وصفّقت، وصاحت، ومزّقت الثّياب، وقد لبّس عليهم إبليس في ذلك وبالغ.
وقد احتجّوا بما أخبرنا به أبو الفتح محمّد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن محمّد بن الفضل الكرمانيّ، قال: أخبرنا أبو الحسن سهل بن علي الخشاب، قال: أخبرنا أبو نصر عبد الله بن علي السراج الطوسيّ، قال: وقد قيل له: إنّه لما نزلت:
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤٣) [الحجر: ٤٣]، صاح سلمان الفارسيّ صيحة، ووقع على رأسه، ثمّ خرج هاربا ثلاثة أيّام.
واحتجّوا بما أخبرنا به عبد الوهّاب بن المبارك الحافظ، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبّار، قال: أخبرنا أبو بكر محمّد بن علي الخيّاط، قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن يوسف بن دوست، قال: أخبرنا الحسين بن صفوان، قال: حدّثنا أبو بكر عبد الله بن محمّد القرشيّ، قال: أخبرنا علي بن الجعد، قال: حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن عيسى بن سليم، عن أبي وائل، قال: خرجنا مع عبد الله ومعنا الربيع بن خثيم، فمررنا على حدّاد، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النّار، فنظر الرّبيع إليها، فمال ليسقط، ثمّ إنّ عبد الله مضى حتّى أتينا على أنون على شاطئ الفرات، فلمّا رآه عبد الله والنّار تلتهب في جوفه، قرأ هذه الآية:
﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ (١٢) [الفرقان: ١٢]، إلى قوله: ﴿ثُبُوراً كَثِيراً﴾ (١٤) [الفرقان: ١٤]، فصعق الرّبيع، واحتملناه إلى أهله، ورابطه عبد الله حتّى يصلّي
стр. 355
الظّهر، فلم يفق، ثمّ رابطه إلى العصر، فلم يفق، ثمّ رابطه إلى المغرب، فأفاق، فرجع عبد الله إلى أهله.
قالوا: وقد اشتهر عن خلق كثير من العباد، أنّهم كانوا إذا سمعوا القرآن فمنهم من يموت، ومنهم من يصعق ويغشى عليه، ومنهم من يصيح، وهذا كثير في كتب الزّهد.
والجواب: أمّا ما ذكره عن سلمان، فمحال وكذب، ثمّ ليس له إسناد، والآية نزلت بمكّة، وسلمان إنّما أسلم بالمدينة، ولم ينقل عن أحد من الصّحابة مثل هذا أصلا.
وأمّا حكاية الرّبيع بن خثيم، فإنّ راويها عيسى بن سليم، وفيه مغمز.
أنبأنا عبد الوهّاب بن المبارك الحافظ، قال: أخبرنا أبو بكر محمّد بن المظفر الشّامي، قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمّد العتيقي، قال: أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن أحمد الصيدلاني، قال: أخبرنا أبو جعفر بن عمرو بن موسى العقيلي، قال: قال أحمد بن حنبل:
عيسى بن سليم عن أبي وائل لا أعرفه.
قال العقيلي: وحدّثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني ابن آدم قال:
سمعت حمزة الزّيّات قال لسفيان: إنّهم يروون عن الرّبيع بن خثيم، أنّه صعق.
قال: ومن يروي هذا؟ إنّما كان يرويه ذاك القاصّ - يعني: عيسى بن سليم - فلقيته فقلت: عمّن تروي أنت ذا؟ منكرا عليه.
قال المصنف ﵀: قلت: فهذا سفيان الثّوريّ ينكر أن يكون الرّبيع بن خثيم جرى له هذا؛ لأنّ الرّجل كان على السّمت الأوّل، وما كان في الصّحابة من يجري له مثل هذا ولا التّابعين.
ثمّ نقول على تقدير الصّحّة: إنّ الإنسان قد يغشى عليه من الخوف، فيسكنه الخوف ويسكته، فيبقى كالميّت، وعلامة الصّادق أنّه لو كان على حائط لوقع؛ لأنّه غائب.