فأطبق المصحف، ولم يزل يبكي، حتّى ابتلّت لحيته وثوبه، حتّى رحمته من كثرة بكائه، ثمّ قال لي: يا بنيّ! تلوم أهل الرّيّ على قولهم: يوسف بن الحسين زنديق، ومن وقت الصلاة هو ذا، أقرأ القرآن، لم تقطر من عيني قطرة، وقد قامت عليّ القيامة بهذا البيت.
وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن، نا أبي، قال: سمعت أبا عبد الرحمن السّلميّ، يقول: فأخرجت إلى مرو في حياة الأستاذ أبي سهل الصّعلوكي، وكان له قبل خروجي أيّام الجمع بالغدوات مجلس درس القرآن والختمات، فوجدته عند خروجي قد رفع ذلك المجلس، وعقد لابن الفرغانيّ في ذلك الوقت مجلس القوّال - يعني المغنّي - فتداخلني من ذلك شيء، فكنت أقول: قد استبدل مجلس الختمات بمجلس القوّال.
فقال لي يوما: أيّ شيء تقول النّاس؟ فقلت: يقولون: رفع مجلس القرآن، ووضع مجلس القوّال. فقال: من قال لأستاذه: لم. لم يفلح.
قال المصنف ﵀: هذه عادة الصّوفيّة، يقولون: الشّيخ يسلم له حاله، وما لنا أحد يسلم إليه حاله؛ فإنّ الآدميّ يردّ عن مراداته بالشّرع والعقل، والبهائم بالسّوط.
وقد اعتقد قوم من الصّوفيّة، أنّ هذا الغناء الّذي ذكرنا عن قوم تحريمه، وعن آخر كراهته، مستحبّ في حقّ قوم.
وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن القشيريّ، قال: حدّثنا أبي، قال: سمعت أبا عليّ الدّقّاق يقول: السّماع حرام على العوامّ؛ لبقاء نفوسهم، مباح للزّهّاد؛ لحصول مجاهداتهم، مستحبّ لأصحابنا؛ لحياة قلوبهم.
قال المصنف ﵀: قلت: وهذا غلط من خمسة أوجه:
أحدها: أنّا قد ذكرنا عن أبي حامد الغزاليّ، أنّه يباح سماعه لكلّ أحد، وأبو حامد كان
стр. 352
أعرف من هذا القائل.
والثاني: أنّ طباع النّفوس لا تتغيّر، وإنّما المجاهدة تكفّ عملها؛ فمن ادّعى تغيّر الطّباع ادّعى المحال، فإذا جاء ما يحرّك الطّباع، واندفع الّذي كان يكفّها عنه، عادت العادة.
والثالث: أنّ العلماء اختلفوا في تحريمه وإباحته، وليس فيهم من نظر في السّامع؛ لعلمهم أنّ الطّباع تتساوى؛ فمن ادّعى خروج طبعه عن طباع الآدميّين ادّعى المحال.
والرابع: أنّ الإجماع انعقد على أنّه ليس بمستحبّ، وإنّما غايته الإباحة؛ فادّعاء الاستحباب خروج عن الإجماع.
والخامس: أنّه يلزم من هذا، أن يكون سماع العود مباحا أو مستحبّا عند من لا يغيّر طبعه؛ لأنّه إنّما حرّم لأنّه يؤثّر في الطّباع، ويدعوها إلى الهوى، فإذا أمن ذلك، فينبغي أن يباح، وقد ذكرنا هذا عن أبي الطّيّب الطّبريّ.
فصل [شبهة أن السماع قربة]
قال المصنف ﵀: وقد ادّعى قوم منهم، أنّ هذا السّماع قربة إلى الله .
قال أبو طالب المكي: حدّثني بعض أشياخنا، عن الجنيد، أنّه قال: تنزل الرّحمة على هذه الطّائفة في ثلاثة مواطن: عند الأكل؛ لأنّهم لا يأكلون إلّا عن فاقة، وعند المذاكرة؛ لأنّهم يتجاوزون في مقامات الصّدّيقين وأحوال النّبيّين، وعند السّماع؛ لأنّهم يسمعون بوجد، ويشهدون حقّا.
قال المصنف ﵀: قلت: وهذا إن صحّ عن الجنيد، وأحسنّا به الظّنّ، كان محمولا على ما يسمعونه من القصائد الزّهديّة؛ فإنّها توجب الرّقّة والبكاء، فأمّا أن تنزل الرّحمة عن وصف سعدى وليلى، ويحمل ذلك على صفات الباري فلا يجوز اعتقاد هذا، ولو صحّ أخذ الإشارة من ذلك، كانت الإشارة مستغرقة في جنب غلبة الطّباع.
стр. 353
ويدلّ على ما حملنا الأمر عليه، أنّه لم يكن ينشد في زمان الجنيد، مثل ما ينشد اليوم، إلّا أنّ بعض المتأخّرين، قد حمل كلام الجنيد على كلّ ما يقال.
فحدثني أبو جعفر أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب السّباك، عن شيخنا عبد الوهّاب بن المبارك الحافظ، قال: كان أبو الوفا الفيروزأبادي شيخ رباط الزّوزني صديقا لي، فكان يقول لي: والله إنّي لأدعو لك، وأذكرك وقت وضع المخدّة والقول.
قال: فكان الشّيخ عبد الوهّاب يتعجّب ويقول: أترون هذا يعتقد أنّ ذلك وقت إجابة؟ إنّ هذا لعظيم.
وقال ابن عقيل: قد سمعنا منهم أنّ الدّعاء عند حدو الحادي، وعند حضور المخدّة مجاب، وذلك أنّهم يعتقدون أنّه قربة يتقرّب بها إلى الله تعالى.
قال: وهذا كفر؛ لأنّ من اعتقد الحرام أو المكروه قربة، كان بهذا الاعتقاد كافرا.
قال: والنّاس بين تحريمه وكراهيّته.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمّد القزّاز، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرني علي بن أيوب، قال: أخبرنا محمّد بن عمران بن موسى، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد الكاتب، قال: حدّثنا الحسين بن فهم، قال: حدّثني أبو همّام، قال: حدّثني ابن أعين، قال: قال صالح المرّيّ: أبطأ الصّرعى نهضة صريع هوى يدّعيه إلى الله قربة، وأثبت النّاس قدما يوم القيامة، آخذهم بكتاب الله، وسنّة نبيّه محمّد ﷺ .
أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيريّ، قال: حدّثنا أبي، قال سمعت أبا عبد الرحمن السلميّ، يقول: سمعت محمّد بن عبد الله بن شاذان، يقول: سمعت أبا بكر النّهاوندي، يقول: سمعت عليّا السّائح يقول: سمعت أبا الحارث الأولاسيّ، يقول: رأيت إبليس في المنام على بعض سطوح أولاس، وأنا على سطح، وعلى يمينه جماعة، وعلى
стр. 354
يساره جماعة، وعليهم ثياب لطاف، فقال لطائفة منهم: قولوا وغنّوا. فاستغرقني طيبه، حتّى هممت أن أطرح نفسي من السّطح، ثمّ قال: ارقصوا، فرقصوا أطيب ما يكون، ثمّ قال لي:
يا أبا الحارث، ما أصبت منكم شيئا أدخل به عليكم إلّا هذا.
تلبيس إبليس على الصوفية في الوجد
قال المصنف ﵀: هذه الطّائفة إذا سمعت الغناء تواجدت، وصفّقت، وصاحت، ومزّقت الثّياب، وقد لبّس عليهم إبليس في ذلك وبالغ.
وقد احتجّوا بما أخبرنا به أبو الفتح محمّد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن محمّد بن الفضل الكرمانيّ، قال: أخبرنا أبو الحسن سهل بن علي الخشاب، قال: أخبرنا أبو نصر عبد الله بن علي السراج الطوسيّ، قال: وقد قيل له: إنّه لما نزلت:
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤٣) [الحجر: ٤٣]، صاح سلمان الفارسيّ صيحة، ووقع على رأسه، ثمّ خرج هاربا ثلاثة أيّام.
واحتجّوا بما أخبرنا به عبد الوهّاب بن المبارك الحافظ، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبّار، قال: أخبرنا أبو بكر محمّد بن علي الخيّاط، قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن يوسف بن دوست، قال: أخبرنا الحسين بن صفوان، قال: حدّثنا أبو بكر عبد الله بن محمّد القرشيّ، قال: أخبرنا علي بن الجعد، قال: حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن عيسى بن سليم، عن أبي وائل، قال: خرجنا مع عبد الله ومعنا الربيع بن خثيم، فمررنا على حدّاد، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النّار، فنظر الرّبيع إليها، فمال ليسقط، ثمّ إنّ عبد الله مضى حتّى أتينا على أنون على شاطئ الفرات، فلمّا رآه عبد الله والنّار تلتهب في جوفه، قرأ هذه الآية:
﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ (١٢) [الفرقان: ١٢]، إلى قوله: ﴿ثُبُوراً كَثِيراً﴾ (١٤) [الفرقان: ١٤]، فصعق الرّبيع، واحتملناه إلى أهله، ورابطه عبد الله حتّى يصلّي
стр. 355
الظّهر، فلم يفق، ثمّ رابطه إلى العصر، فلم يفق، ثمّ رابطه إلى المغرب، فأفاق، فرجع عبد الله إلى أهله.
قالوا: وقد اشتهر عن خلق كثير من العباد، أنّهم كانوا إذا سمعوا القرآن فمنهم من يموت، ومنهم من يصعق ويغشى عليه، ومنهم من يصيح، وهذا كثير في كتب الزّهد.
والجواب: أمّا ما ذكره عن سلمان، فمحال وكذب، ثمّ ليس له إسناد، والآية نزلت بمكّة، وسلمان إنّما أسلم بالمدينة، ولم ينقل عن أحد من الصّحابة مثل هذا أصلا.
وأمّا حكاية الرّبيع بن خثيم، فإنّ راويها عيسى بن سليم، وفيه مغمز.
أنبأنا عبد الوهّاب بن المبارك الحافظ، قال: أخبرنا أبو بكر محمّد بن المظفر الشّامي، قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمّد العتيقي، قال: أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن أحمد الصيدلاني، قال: أخبرنا أبو جعفر بن عمرو بن موسى العقيلي، قال: قال أحمد بن حنبل:
عيسى بن سليم عن أبي وائل لا أعرفه.
قال العقيلي: وحدّثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني ابن آدم قال:
سمعت حمزة الزّيّات قال لسفيان: إنّهم يروون عن الرّبيع بن خثيم، أنّه صعق.
قال: ومن يروي هذا؟ إنّما كان يرويه ذاك القاصّ - يعني: عيسى بن سليم - فلقيته فقلت: عمّن تروي أنت ذا؟ منكرا عليه.
قال المصنف ﵀: قلت: فهذا سفيان الثّوريّ ينكر أن يكون الرّبيع بن خثيم جرى له هذا؛ لأنّ الرّجل كان على السّمت الأوّل، وما كان في الصّحابة من يجري له مثل هذا ولا التّابعين.
ثمّ نقول على تقدير الصّحّة: إنّ الإنسان قد يغشى عليه من الخوف، فيسكنه الخوف ويسكته، فيبقى كالميّت، وعلامة الصّادق أنّه لو كان على حائط لوقع؛ لأنّه غائب.
стр. 356
فأمّا من يدّعي الوجد ويتحفّظ من أن تزلّ قدمه، ثمّ يتعدّى إلى تخريق الثّياب وفعل المنكرات في الشّرع، فإنّا نعلم قطعا أنّ الشّيطان يلعب به.
وأخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمّد بن علي بن الفتح، قال: أخبرنا محمّد بن الحسين النيسابوري، قال: سمعت أحمد بن محمّد ابن زكريا، يقول: سمعت أحمد بن عطاء، يقول: كان للشلبيّ يوم الجمعة نظرة، ومن بعدها صيحة، فصاح يوما صيحة تشوّش من حوله من الخلق، وكان بجنب حلقته حلقة أبي عمران الأشيب، فجرّد أبو عمران وأهل حلقته.
قال المصنّف ﵀: واعلم - وفّقك الله - أنّ قلوب الصّحابة كانت أصفى القلوب، وما كانوا يزيدون عند الوجد على البكاء والخشوع، فجرى من بعض غرائبهم نحو ما أنكرناه، فبالغ رسول الله ﷺ في الإنكار عليه.
فأخبرنا محمّد بن ناصر الحافظ، قال: أنبأنا أحمد بن علي بن خلف، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الحافظ (ح) وأنبأنا ابن الحصين قال: أنبأنا أبو علي بن المذهب قال: أخبرنا أبو حفص بن شاهين، قال: حدّثنا عثمان بن أحمد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد ابن محمّد بن عبد الحميد الجعفي، قال: حدثنا عبد المتعال بن طالب قال: حدثنا يوسف ابن عطية، عن ثابت، عن أنس قال: وعظ رسول الله ﷺ يوما فإذا رجل قد صعق، فقال النّبيّ ﷺ : «من ذا الملبّس علينا ديننا؟ إن كان صادقا فقد شهر نفسه، وإن كان كاذبا، فمحقه الله» (١).
قال ابن شاهين: وحدّثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، قال: حدّثنا عبيد الله بن يوسف الجبيريّ، قال: حدّثنا روح بن عطاء، عن أبي ميمونة، عن أبيه، عن أنس بن مالك،
стр. 357
قال: ذكر عنده هؤلاء الّذين يصعقون عند القراءة، فقال أنس: «لقد رأيتنا ووعظنا رسول الله ﷺ ذات يوم حتّى سمعنا للقوم خنينا، حين أخذته الموعظة، وما سقط منهم أحد».
قال المصنف ﵀: وهذا حديث العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب (١).
قال أبو بكر الآجري: ولم يقل صرخنا، ولا ضربنا صدورنا، كما يفعل كثير من الجهّال الّذين يتلاعب بهم الشّيطان.
أخبرنا عبد الله بن علي المقري، قال: أخبرنا أبو ياسر أحمد بن بندار بن إبراهيم، قال:
أخبرنا محمّد بن عمر بن بكر النّجّار، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الله البصري، قال: حدّثنا حصين بن عبد الرحمن، قال: قلت لأسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله - صلّى الله عليه وآله - عند قراءة القرآن؟
قالت: كانوا كما ذكرهم الله - أو كما وصفهم تدمع عيونهم، وتقشعرّ جلودهم.
فقلت لها: إنّ هاهنا رجالا إذا قرئ على أحدهم القرآن غشي عليه.
فقالت: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم.
أخبرنا محمّد بن ناصر، نا جعفر بن محمّد السراج، نا الحسن بن علي التميمي، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا الوليد بن شجاع، ثنا إسحاق الحلبي، ثنا فرات، عن عبد الكريم، عن عكرمة، قال: سألت أسماء بنت أبي بكر: هل كان أحد من السّلف يغشى عليه من الخوف؟ قالت: لا، ولكنّهم كانوا يبكون.
стр. 358
أخبرنا ابن ناصر، نا جعفر بن أحمد، نا الحسن بن علي التميمي (ح) وأخبرنا محمّد بن عبد الباقي بن أحمد، نا حمد بن أحمد الحداد، نا أبو نعيم الحافظ، قالا: أخبرنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا سريج بن يونس، ثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن أبي حازم، قال: مرّ ابن عمر ﵁ برجل ساقط من العراق، فقال: ما شأنه؟ فقالوا: إذا قرئ عليه القرآن يصيبه هذا. قال: إنّا لنخشى الله وما نسقط.
أخبرنا سعيد بن أحمد بن البنّاء، نا أبو سعد محمّد بن علي الرّستميّ، نا أبو الحسين بن بشران، ثنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار، ثنا سعدان بن نصر، ثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله ابن أبي بردة، عن ابن عباس: أنّه ذكر الخوارج وما يلقون عند تلاوة القرآن، فقال: إنّهم ليسوا بأشدّ اجتهادا من اليهود والنّصارى، وهم مضلّون.
أنبأنا ابن الحصين، نا أبو علي بن المذهب، نا أبو حفص بن شاهين، ثنا محمّد بن بكر ابن عبد الرزاق، نا إبراهيم بن فهد، عن إبراهيم بن الحجاج الشامي، ثنا شبيب بن مهران، عن قتادة، قال: قيل لأنس بن مالك: إنّ ناسا إذا قرئ عليهم القرآن يصعقون. فقال: ذاك فعل الخوارج.
أخبرنا محمّد بن ناصر، نا عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف، نا عمر بن علي بن الفتح، نا أحمد بن محمّد الكاتب، ثنا عبد الله بن المغيرة، ثنا أحمد بن سعيد الدمشقي، قال: بلغ عبد الله بن الزّبير، أنّ ابنه عامرا صحب قوما يصعقون عند قراءة القرآن، فقال له: يا عامر، لأعرفنّ ما صحبت الّذين يصعقون عند القرآن، لأوسعنّك جلدا.
أخبرنا محمّد بن عبد الباقي بن أحمد، نا حمد بن أحمد الحداد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمّد بن العباس، ثنا الزّبير بن بكّار، ثني عبد الله بن مصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزّبير، قال: ثني أبي، عن عامر بن عبد الله بن الزّبير، قال: جئت إلى أبي فقال لي: أين كنت؟ فقلت: وجدت أقواما ما رأيت خيرا منهم،
стр. 359
يذكرون الله فيرعد أحدهم حتّى يغشى عليه من خشية الله فقعدت معهم، قال: لا تقعد معهم بعدها.
فرآني كأنّي لم يأخذ ذلك فيّ، فقال: رأيت رسول الله ﷺ يتلو القرآن، ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن، ولا يصيبهم هذا، أفتراهم أخشع لله من أبي بكر وعمر؟ فرأيت أن ذلك كذلك، فتركتهم.
أخبرنا محمّد بن عبد الباقي، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، نا محمّد بن أحمد، في كتابه، ثنا محمّد بن أيوب، ثنا حفص بن عمر النمري، ثنا حماد بن زيد، ثنا عمرو بن مالك، قال: بينا نحن عند أبي الجوزاء يحدّثنا، إذ خرص رجل، فاضطرب، فوثب أبو الجوزاء يسعى قبله، فقيل له: يا أبا الجوزاء، إنّه رجل به الموتة.
فقال: إنّما كنت أراه من هؤلاء القفّازين، ولو كان منهم لأمرت به فأخرج من المسجد، إنّما ذكرهم الله تعالى فقال: ﴿تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣]، أو قال:
﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣].
أخبرنا أبو محمّد بن علي المقري، نا أحمد بن بندار بن إبراهيم، نا محمّد بن عمر بن بكر النجار، نا أحمد بن جعفر بن حمدان، ثنا إبراهيم بن عبد الله البصري، ثنا أبو عمر حفص بن عمر الضرير، نا حماد بن زيد، ني عمرو بن مالك البكري، قال: قرأ قارئ عند أبي الجوزاء، قال: فصاح رجل من أخريات القوم - أو قال: من القوم - فقام إليه أبو الجوزاء، فقيل له: يا أبا الجوزاء، إنّه رجل به شيء.
فقال: ظننت أنّه من هؤلاء القفّازين، فلو كان منهم، لوضعت رجلي على عنقه.
وقال أبو عمر: أخبرنا جرير بن حازم، أنّه شهد محمّد بن سيرين، وقيل له: إنّ هاهنا رجالا إذا قرئ على أحدهم القرآن غشي عليه.
стр. 360
فقال محمّد بن سيرين: يقعد أحدهم على جدار، ثمّ يقرأ عليه القرآن من أوّله إلى آخره، فإن وقع فهو صادق!
قال أبو عمر: وكان محمّد بن سيرين يذهب إلى أنّه تصنّع، وليس بحقّ من قلوبهم.
أخبرنا محمّد بن عبد الباقي، ثنا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا أبو محمّد بن حيان، ثنا محمّد بن العباس، ثنا زياد، عن يحيى، عن عمران بن عبد العزيز، قال: سمعت محمّد بن سيرين، وسئل عمّن يستمع القرآن فيصعق، فقال: ميعاد ما بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائط، فيقرأ عليهم القرآن من أوّله إلى آخره، فإن سقطوا فهم كما يقولون.
أخبرنا ابن ناصر، نا أبو طاهر عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف، نا محمّد بن علي العشاري، نا محمّد بن عبد الله الدقاق، نا الحسين بن صفوان، ثنا أبو بكر القرشي، ثنا محمّد بن علي، عن إبراهيم بن الأشعث، قال: سمعت أبا عصام الرمليّ، عن رجل، عن الحسن، أنّه وعظ يوما، فتنفّس رجل في مجلسه، فقال الحسن: إن كان لله تعالى فقد شهرت نفسك، وإن كان لغير الله فقد هلكت.
أخبرنا ابن ناصر، نا جعفر بن أحمد، نا الحسن بن علي، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله ابن أحمد، ثني أبي، ثنا روح، ثنا السري بن يحيى، ثنا عبد الكريم بن رشيد، قال: كنت في حلقة الحسن، فجعل رجل يبكي، وارتفع صوته، فقال الحسن: إنّ الشّيطان ليبكي هذا الآن.
أخبرنا محمّد بن ناصر، نا أبو غالب عمر بن الحصين الباقلاني، نا أبو العلاء الواسطي، نا محمّد بن الحسين الأزدي، ثنا إبراهيم بن رحمون، ثنا إسحاق بن إبراهيم البغدادي، قال:
سمعت أبا صفوان يقول: قال الفضيل بن عياض لابنه، وقد سقط: يا بنيّ، إن كنت صادقا لقد فضحت نفسك، وإن كنت كاذبا فقد أهلكت نفسك.
стр. 361
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعيد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، ثنا محمّد بن أحمد النجّار، ثنا المرتعش، قال: رأيت أبا عثمان سعيد بن عثمان الواعظ، وقد تواجد إنسان بين يديه، فقال له: يا بنيّ، إن كنت صادقا فقد أظهرت كلّ ما لك، وإن كنت كاذبا فقد أشركت بالله.
قال المصنف ﵀: فإن قال قائل: إنّما يفرض الكلام في الصّادقين، لا في أهل الرّياء، فما تقول فيمن أدركه الوجد، ولم يقدر على دفعه؟
فالجواب: إنّ أوّل الوجد انزعاج في الباطن، فإن كفّ الإنسان نفسه كيلا يطّلع على حاله، يئس الشّيطان منه، فبعد عنه، كما كان أيّوب السختيانيّ إذا تحدّث، فرقّ قلبه، مسح أنفه، وقال: ما أشدّ الزّكام!
وإن أهمل الإنسان نفسه، ولم يبال بظهور وجده، أو أحبّ اطّلاع الناس على نفسه، نفخ فيه الشّيطان، فانزعج على قدر نفخه، كما أخبرنا هبة الله بن محمّد، نا الحسن بن عليّ، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله، ثني أبي، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب، عن امرأة عبد الله، قالت: جاء عبد الله ذات يوم، وعندي عجوز ترقيني من الحموة، فأدخلتها تحت السّرير، قالت: فدخل، فجلس إلى جنبي، فرأى في عنقي خيطا، فقال: ما هذا الخيط؟
قلت: خيط رقى لي فيه رقية.
فأخذه وقطعه ثمّ قال: إنّ آل عبد الله لأغنياء عن الشّرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إنّ في الرّقى والتّمائم والتّولة شركا».
قالت: فقلت له: لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهوديّ يرقيها، فكان إذا رقاها سكنت؟
стр. 362
قال: إنّما ذاك من عمل الشّيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقيتها كفّ عنها، إنّما كان يكفيك أن تقولي كما قال رسول الله: «أذهب البأس، ربّ النّاس، اشف أنت الشّافي، لا شفاء إلّا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» (١).
قال المصنّف ﵀: التّولة ضرب من السّحر يحبّب المرأة إلى زوجها.
أخبرنا محمّد بن عبد الباقي بن أحمد، نا الحسن بن عبد الملك بن يوسف، نا أبو محمّد الخلال، ثنا أبو عمر بن حيويه، ثنا أبو بكر بن أبي داود، ثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، ثنا أبي، قال: ثنا سفيان، عن عكرمة بن عمّار، عن شعيب ابن أبي السّنّي، عن أبي عيسى أو عيسى، قال: ذهبت إلى عبد الله بن عمر، فقال أبو السّوّار: يا أبا عبد الرّحمن، إنّ قوما عندنا إذا قرئ عليهم القرآن يركض أحدهم من خشية الله. قال: كذبت. قال: بلى، وربّ هذه البنية.
قال: ويحك! إن كنت صادقا فإنّ الشّيطان ليدخل جوف أحدهم، والله، ما هكذا كان أصحاب محمّد ﷺ .
فإن قال قائل: فنفرض أنّ الكلام فيمن اجتهد في دفع الوجد، فلم يقدر عليه، وغلبه الأمر، فمن أين يدخل الشّيطان؟
فالجواب: إنّا لا ننكر ضعف بعض الطّباع عن الدّفع، إلّا أنّ علامة الصّادق أنّه لا يقدر على أن يدفع، ولا يدري ما يجري عليه، فهو من جنس قوله : ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣].
وقد أخبرنا محمّد بن عبد الباقي، نا حمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا محمّد بن إسحاق الثّقفيّ، ثني حاتم بن اللّيث الجوهريّ، ثنا خالد بن خداش،
стр. 363
قال: قرئ على عبد الله بن وهب كتاب «أهوال القيامة»، فخرّ مغشيّا عليه، فلم يتكلّم بكلمة حتّى مات بعد ذلك بأيّام.
قال المصنّف ﵀: قلت: وقد مات خلق كثير من سماع الموعظة، وأغشي عليهم.
قلنا: هذا التّواجد الّذي يتضمّن حركات المتواجدين، وقوّة صياحهم وتخبّطهم، فظاهره أنه متعمّل، والشّيطان معين عليه.
قال المصنّف ﵀: فإن قيل: فهل في حقّ المخلص نقص بهذه الحالة الطّارئة عليه؟ قيل: نعم من جهتين:
إحداهما: أنّه لو قوي العلم أمسك.
والثّانية: أنّه قد خولف به طريق الصّحابة والتّابعين، ويكفي هذا نقصا.
أخبرنا عبد الله بن علي المقري، نا هبة الله بن عبد الرزّاق السّني، وأخبرنا عيسى بن أحمد بن البناء، ثنا أبو سعد محمّد بن علي الرّستميّ، قالا: نا أبو الحسين بن بشران، نا أبو علي إسماعيل بن محمّد الصفّار، ثنا سعدان بن نصر، ثنا سفيان بن عيينة، قال: سمعت خلف بن حوشب يقول: كان خوّات يرعد عند الذّكر، فقال له إبراهيم: إن كنت تملكه، فما أبالي ألّا أعتدّ بك، وإن كنت لا تملكه، فقد خالفت من كان قبلك. وفي رواية: فقد خالفت من هو خير منك.
قال المصنّف ﵀ قلت: إبراهيم هو: النّخعيّ الفقيه، وكان متمسّكا بالسّنّة شديد الاتّباع للأثر، وقد كان خوّات من الصّالحين البعداء عن التّصنّع، وهذا خطاب إبراهيم له، فكيف بمن لا يخفى حاله في التّصنّع.
فإذا طرب أهل التّصوّف لسماع الغناء صفّقوا.
أخبرنا محمّد بن عبد الباقي، نا رزق الله بن عبد الوهّاب التّميميّ، نا أبو عبد الرّحمن
стр. 364
السّلميّ، قال: سمعت أبا سليمان المغربيّ يقول: سمعت أبا عليّ بن الكاتب، يقول: كان ابن بنان يتواجد، وكان أبو سعيد الخرّاز يصفق له.
قال المصنّف ﵀: قلت: والتّصفيق منكر يطرب، ويخرج عن الاعتدال، وتتنزّه عن مثله العقلاء، ويتشبّه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت من التّصدية. وهي الّتي ذمّهم الله بها فقال: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]، فالمكاء: الصّفير، والتّصدية: التّصفيق.
أخبرنا عبد الوهّاب الحافظ، نا أبو الفضل بن خيرون، نا أبو عليّ بن شاذان، نا أحمد ابن كامل، ثني محمّد بن سعد، ثني أبي، ثني عمّي، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاس:
﴿مُكاءً﴾، يعني: التّصفير. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾، يقول: التّصفيق.
قال المصنّف ﵀: قلت: وفيه أيضا تشبّه بالنّساء، والعاقل يأنف من أن يخرج عن الوقار إلى أفعال الكفّار والنّسوة.
فإذا قوي طربهم رقصوا، وقد احتجّ بعضهم بقوله تعالى الأيّوب: ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢].
قال المصنّف ﵀: قلت: وهذا الاحتجاج بارد؛ لأنّه لو كان أمر بضرب الرّجل فرحا كان لهم فيه شبهة، وإنّما أمر بضرب الرّجل لينبع الماء.
قال ابن عقيل: أين الدّلالة في مبتلى أمر عند كشف البلاء، بأن يضرب برجله الأرض لينبع الماء إعجازا، من الرّقص؟ ولئن جاز أن يكون تحريك رجل قد أحلّها تحكّم الهوامّ، دلالة على جواز الرّقص في الإسلام، جاز أن يجعل قوله تعالى لموسى: ﴿اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ﴾ [البقرة: ٦٠]، دلالة على ضرب الجماد بالقضبان، نعوذ بالله من التّلاعب بالشّرع.
стр. 365
واحتجّ بعض ناصريهم بأنّ رسول الله ﷺ قال لعليّ: «أنت منّي، وأنا منك» (١).
فحجل، وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي»، فحجل، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا».
فحجل (٢).
ومنهم من احتجّ بأنّ الحبشة زفنت، والنّبيّ ﷺ ينظر إليهم.
فالجواب: أمّا الحجل فهو نوع من المشي، يفعل عند الفرح، فأين هو من الرّقص، وكذلك زفن الحبشة نوع من المشي بتشبيب، يفعل عند اللّقاء بالحرب.
واحتجّ لهم أبو عبد الرّحمن السّلميّ على جواز الرّقص، بما أخبرنا به أبو نصر محمّد ابن منصور الهمذانيّ، نا إسماعيل بن أحمد بن عبد الملك المؤذّن، نا أبو صالح أحمد بن عبد الملك، وأبو سعيد محمّد بن عبد العزيز، وأبو محمّد عبد الحميد بن عبد الرّحمن، قالوا: ثنا أبو عبد الرحمن السّلميّ، ثنا أبو العبّاس أحمد بن سعيد المعداني، ثنا محمّد بن سعيد المروزيّ، ثنا عبّاس التّرقفيّ، ثنا عبد الله بن عمرو الورّاق، ثنا الحسن بن علي بن منصور، ثنا أبو عتّاب المصريّ، عن إبراهيم بن محمّد الشّافعيّ، أنّ سعيد بن المسيّب مرّ في بعض أزقّة مكّة، فسمع الأخصر الحدّاء يتغنّى في دار العاص بن وائل بهذا:
تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشت … به زينب في نسوة عطرات
فلمّا رأت ركب النّميريّ أعرضت … وهنّ من أن يلقينه حذرات
قال: فضرب برجله الأرض زمانا، وقال: هذا مما يلذّ سماعه، وكانوا يروون الشّعر لسعيد بن المسيّب.
قال المصنّف: قلت: هذا إسناده مقطوع مظلم، لا يصحّ عن ابن المسيّب، ولا هذا شعره.
стр. 366
كان ابن المسيّب أوقر من هذا، وهذه الأبيات مشهورة لمحمّد بن عبد الله بن نمير النّميريّ الشّاعر، ولم يكن نمريّا، وإنّما نسب إلى اسم جدّه، وهو ثقفيّ، وزينب الّتي يشبّب بها هي ابنة يوسف أخت الحجّاج، وسأله عبد الملك بن مروان عن الرّكب؛ ما كان؟ فقال:
كانت أحمرة عجافا حملت عليها قطرانا من الطّائف. فضحك، وأمر الحجّاج ألّا يؤذيه.
قال المصنّف ﵀: ثمّ لو قدّرنا أنّ ابن المسيّب ضرب برجله الأرض، فليس في ذلك حجّة على جواز الرّقص، فإنّ الإنسان قد يضرب الأرض برجله، أو يدقّها بيده لشيء يسمعه، ولا يسمّى ذلك رقصا.
فما أقبح هذا التّعلّق! وأين ضرب الأرض بالقدم مرّة أو مرّتين من رقصهم الّذي يخرجون به عن سمت العقلاء؟ ثمّ دعونا من الاحتجاج، تعالوا نتقاضى إلى العقول: أيّ معنى في الرّقص إلّا اللّعب الّذي يليق بالأطفال؟! وما الّذي فيه من تحريك القلوب إلى الآخرة؟!
هذا والله مكابرة باردة.
ولقد حدّثني بعض المشايخ عن الغزّالي أنّه قال: الرّقص حماقة بين الكتفين لا تزول إلّا بالتّعب، وقال أبو الوفاء بن عقيل: قد نصّ القرآن على النّهي عن الرّقص، فقال :
﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ [الإسراء: ٣٧]، وذمّ المختال فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ (١٨) [لقمان: ١٨].
والرّقص: أشدّ المرح والبطر، أولسنا الّذين قسنا النّبيذ على الخمر؛ لاتّفاقهما في الإطراب والسّكر؟ فما بالنا لا نقيس القضيب، وتلحين الشّعر معه على الطّنبور والمزمار والطّبل؛ لاجتماعهم في الإطراب؟
وهل شيء يزري بالعقل والوقار، ويخرج عن سمت الحلم والأدب، أقبح من ذي
стр. 367
لحية يرقص؟ فكيف إذا كانت شيبة ترقص وتصفّق على وقاع الألحان والقضبان، خصوصا إذا كانت أصوات نسوان ومردان؟ وهل يحسن بمن بين يديه الموت والسؤال والحشر والصّراط، ثمّ هو إلى إحدى الدّارين صائر؛ أن يشمس بالرّقص شمس البهائم، ويصفّق تصفيق النّسوة؟
والله، لقد رأيت مشايخ في عصري، ما بان لهم سنّ في تبسّم، فضلا عن ضحك، مع إدمان مخالطتي لهم، كالشّيخ أبي القاسم بن زيدان، وعبد الملك بن بشران، وأبي طاهر بن العلّاف، والجنيد، والدّينوريّ.
فإذا تمكّن الطّرب من الصّوفيّة في حال رقصهم جذب أحدهم بعض الجلوس ليقوم معه، ولا يجوز على مذهبهم للمجذوب أن يقعد، فإذا قام قام الباقون تبعا له، فإذا كشف أحدهم رأسه، كشف الباقون رءوسهم موافقة له، ولا يخفى على عاقل أنّ كشف الرّأس مستقبح، وفيه إسقاط مرءوة وترك أدب، وإنّما يقع في المناسك تعبّدا لله وذلّا له.
فصل [الغيبة عند السماع]
فإذا اشتدّ طربهم رموا ثيابهم على المغنّي، فمنهم من يرمي بها صحاحا، ومنهم من يخرقها، ثمّ يرمي بها، وقد احتجّ لهم بعض الجهّال، فقال: هؤلاء في غيبة، فلا يلامون، فإنّ موسى ﵇ لمّا غلب عليه الغمّ بعبادة قومه العجل، رمى الألواح، فكسرها، ولم يدر ما صنع.
والجواب أن نقول: من يصحّح عن موسى بأنّه رماها رمي الكاسر، والّذي ذكر في القرآن إلقاؤها فحسب، فمن أين لنا أنّها تكسّرت؟ ثمّ لو قيل: تكسّرت، فمن أين لنا أنّه قصد كسرها؟ ثمّ لو صحّحنا ذلك عنه قلنا: كان في غيبة حتّى لو كان بين يديه حينئذ بحر
стр. 368
من نار لخاضه، ومن يصحّح لهؤلاء غيبتهم وهم يعرفون المغنّي من غيره، ويحذرون من بئر إن كانت عندهم.
ثمّ كيف يقاس أحوال الأنبياء على أحوال هؤلاء السّفهاء؟
ولقد رأيت شابّا من الصّوفيّة يمشي في الأسواق، ويصيح والغلمان يمشون خلفه، وهو يبربر ويخرج إلى الجمعة، فيصيح صيحات، وهو يصلّي الجمعة، فسئلت عن صلاته، فقلت: إن كان وقت صياحه غائبا، فقد بطل وضوؤه، وإن كان حاضرا، فهو متصنّع، وكان هذا الرّجال جلدا لا يعمل شيئا، بل يدار له بزنبيل في كلّ يوم، فيجمع له ما يأكل هو وأصحابه، فهذه حالة المتأكّلين لا المتوكّلين.
ثمّ لو قدّرنا أنّ القوم يصيحون عن غيبة، فإنّ تعرّضهم لما يغطّي على العقول من سماع ما يطرب منهيّ عنه، كالتّعرّض لكلّ ما غالبه الأذى.
وقد سئل ابن عقيل عن تواجدهم وتخريق ثيابهم، فقال: خطأ وحرام، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال (١)، وعن شقّ الجيوب (٢).
فقال له قائل: فإنّهم لا يعقلون ما يفعلون؟
قال: إن حضروا هذه الأمكنة مع علمهم أنّ الطّرب يغلب عليهم، فيزيل عقولهم أثموا بما يدخل عليهم من التّخريق وغيره، ممّا يفسد ولا يسقط عنهم خطاب الشّرع؛ لأنّهم مخاطبون قبل الحضور بتجنّب هذه المواضع الّتي تفضي إلى ذلك، كما هم منهيّون عن شرب المسكر، فإذا سكروا وجرى منهم إفساد الأموال لم يسقط الخطاب لسكرهم، كذلك هذا الطّرب الّذي يسمّيه أهل التّصوّف وجدا، إن صدقوا فيه، فسكر طبع، وإن كذبوا
стр. 369
فنبيذ، ومع الصّحو فلا سلامة فيه من الحالين، وتجنّب مواضع الرّيب واجب.
واحتجّ لهم ابن طاهر في تخريقهم الثّياب بحديث عائشة ﵂ قالت: «نصبت حجلة لي فيها رقم، فمدّها النبّيّ ﷺ ، فشقّها» (١).
قال المصنّف ﵀: فانظر إلى فقه هذا الرّجل المسكين؛ كيف يقيس حال من يمزّق ثيابه فيفسدها، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال على مدّ ستر ليحطّ فانشقّ لا عن قصد، أو كان عن قصد لأجل الصّور الّتي كانت فيه.
وهذا من التّشديد في حقّ الشّارع، عن المنهيّات، كما أمر بكسر الدّنان في الخمور، فإن ادّعى مخرّق ثيابه أنّه غائب. قلنا: الشّيطان غيّبك؛ لأنّك لو كنت مع الحقّ لحفظك، فإنّ الحقّ لا يفسد.
وقد أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا محمّد بن علي بن حبيش، ثنا عبد الله بن الصّقر، ثنا الصّلت بن مسعود، ثنا جعفر بن سليمان، قال:
سمعت أبا عمران الجونيّ، يقول: وعظ موسى بن عمران ﵇ يوما، فشقّ رجل منهم قميصه، فأوحى الله لموسى: قل لصاحب القميص لا يشقّ قميصه، أيشرح لي عن قلبه؟
وقد تكلّم مشايخ الصّوفيّة في الخرق المرميّة، فقال محمّد بن طاهر: الدّليل على أنّ الخرقة إذا طرحت، صارت ملكا لمن طرحت بسببه حديث جرير: جاء قوم مجتابي النمار، فحضّ رسول الله ﷺ على الصّدقة، فجاء رجل من الأنصار بصرّة، فتتابع النّاس حتّى رأيت كومتين من ثياب وطعام (٢).
стр. 370
قال: والدّليل على أنّ الجماعة إذا قدموا عند تفريق الخرقة، أسهم لهم حديث أبي موسى: قدم على رسول الله ﷺ بغنيمة وسلب، فأسهم لنا (١).
قال المصنّف ﵀: لقد تلاعب هذا الرّجل بالشّريعة، واستخرج بسوء فهمه ما يظنّه يوافق مذهب المتأخّرين من الصّوفيّة، فإنّا ما عرفنا هذا في أوائلهم، وبيان فساد استخراجه أنّ هذا الّذي خرق الثّوب، ورمى به إن كان حاضرا فما جاز له تخريقه، وإن كان غائبا، فليس له تصرّف جائز شرعا لا هبة، ولا تمليكا.
وكذلك يزعمون بأنّ ثوبه كان كالشّيء الّذي يقع من الإنسان ولا يدري به، فلا يجوز لأحد أن يتملّكه، وإن كان رماه في حال حضوره لا على أحد، فلا وجه لتملّكه، ولو رماه إلى المغنّي لم يتملّكه؛ لأنّ التّملّك لا يكون إلّا بعقد شرعيّ، والرّمي ليس بعقد.
ثمّ نقدّر أنّه ملك للمغنّي، فما وجه تصرّف الباقين فيه؟
ثمّ إذا تصرّفوا فيه، خرقوه خرقا، وذلك لا يجوز لوجهين:
أحدهما: أنّه تصرّف فيما لا يملكونه.
والثّاني: أنّه إضاعة للمال، ثمّ ما وجه إسهام من لم يحضر؟
فأمّا حديث أبي موسى، فقال العلماء منهم الخطّابي: يحتمل أن يكون رسول الله ﷺ أجازه عن رضى ممّن شهد الواقعة، أو من الخمس الّذي هو حقّه، وعلى مذهب الصّوفيّة تعطى هذه الخرقة لمن جاء.
وهذا مذهب خارج عن إجماع المسلمين، وما أشبه ما وقع هؤلاء بآرائهم الفاسدة إلّا بما وضعت الجاهليّة من أحكام البحيرة والسّائبة والوصيلة والحامي.
стр. 371
قال ابن طاهر: أجمع مشايخنا على أنّ الخرقة المخرّقة، وما انبعث من الخرق الصّحاح الموافقة لها أنّ ذلك كلّه يكون بحكم الجمع، يفعلون فيه ما يراه المشايخ.
واحتجّوا بقول عمر ﵁: «الغنيمة لمن شهد الواقعة»، وخالفهم شيخنا أبو إسماعيل الأنصاريّ، فجعل الخرقة على ضربين: ما كان مجروجا قسم على الجميع، وما كان سليما دفع إلى القوّال، واحتجّ بحديث سلمة: من قتل الرّجل؟ قالوا: سلمة بن الأكوع. قال: «له سلبه أجمع» (١).
فالقتل إنّما وجد من جهة القوّال، فالسّلب له.
قال المصنّف ﵀: انظروا إخواني - عصمنا الله وإيّاكم من تلبيس إبليس - إلى تلاعب هؤلاء الجهلة بالشّريعة، وإجماع مشايخهم الّذي لا يساوي إجماعهم بعرة، فإنّ مشايخ الفقهاء أجمعوا على أنّ الموهوب لمن وهب له، سواء كان مخرّقا أو سليما، ولا يجوز لغيره التّصرّف فيه.
ثمّ إنّ سلب القتيل كلّ ما عليه، فما بالهم جعلوه ما رمي به، ثمّ ينبغي أن يكون الأمر على عكس ما قاله الأنصاريّ؛ لأنّ المجروح من الثّياب ما كان بسبب الوجد، فينبغي أن يكون المجروح للمغنّي دون الصّحيح، وكلّ أقوالهم في هذا محال وهذيان.
وقد حكى لي أبو عبد الله التّكريتيّ الصّوفيّ، عن أبي الفتوح الإسفرايينيّ، وكنت أنا قد رأيته وأنا صغير السّنّ، وقد حضر في جمع كثير في رباط، وهناك المخادّ والقضبان ودف بجلاجل، فقام يرقص حتّى وقعت عمامته فبقي مكشوف الرّأس. قال التّكريتيّ: إنّه رقص يوما في خفّ له، ثمّ ذكر أنّ الرّقص في الخفّ خطأ عند القوم، فانفرد وخلعه، ثمّ نزع مطرفا كان عليه، فوضعه بين أيديهم كفّارة لتلك الجناية، فاقتسموه خرقا.
стр. 372
قال ابن طاهر: والدّليل على أنّ الّذي يطرح الخرقة لا يجوز أن يشتريها من الجمع حديث عمر: «لا تعودنّ في صدقتك» (١).
قال المصنّف: انظر إلى بعد هذا الرّجل عن فهم معاني الأحاديث، فإنّ الخرقة المطروحة باقية على ملك صاحبها، فلا يحتاج إلى أن يشتريها.
فصل [تقطيع الثياب]
وأمّا تقطيعهم الثّياب المطروحة خرقا وتفريقها، فقد بيّنا أنّه إن كان صاحب الثّوب رماه إلى المغنّي لم يملكه بنفس الرّمي حتّى يملكه إيّاه، فإذا ملّكه إيّاه فما وجه تصرّف الغير فيه؟
ولقد شهدت بعض فقهائهم يخرق الثّياب ويقسّمها، ويقول: هذا الخرق ينتفع بها، وليس هذا بتفريط! فقلت: وهل التّفريط إلّا هذا؟! ورأيت شيخا آخر منهم يقول: خرّقت خرقا في بلدنا، فأصاب رجل منها خريقة فعملها كفنا، فباعه بخسمة دنانير، فقلت له: إنّ الشّرع لا يجيز هذه الرّعونات، لمثل هذه النّوادر.
وأعجب من هذين الرّجلين أبو حامد الطّوسيّ، فإنّه قال: يباح لهم تمزيق الثّياب، إذا خرّقت قطعا مربّعة تصلح لترقيع الثّياب والسّجّادات، فإنّ الثّوب يمزّق حتّى يخاط منه قميص، ولا يكون ذلك تضييعا!
ولقد عجبت من هذا الرّجل: كيف سلبه حبّ مذهب التّصوّف عن أصول الفقه ومذهب الشّافعيّ، فنظر إلى انتفاع خاصّ، ثمّ ما معنى قول: مربّعة، فإنّ المطاولة ينتفع بها أيضا! ثمّ لو مزّق الثّوب قرامل لانتفع بها، ولو كسر السّيف نصفين لانتفع بالنّصف.
стр. 373
غير أنّ الشّرع يتلمّح الفوائد العامّة، ويسمّي ما نقص منه للانتفاع إتلافا، ولهذا ينهى عن كسر الدّرهم الصّحيح؛ لأنّه يذهب منه قيمة بالإضافة إلى المكسور، وليس العجب من تلبيس إبليس على الجهّال منهم، بل على الفقهاء الّذين اختاروا بدع الصّوفيّة على حكم أبي حنيفة والشّافعيّ ومالك وأحمد، رضوان الله عليهم أجمعين.
فصل [غرامة المستغفر]
ولقد أغربوا فيما ابتدعوا، وأقاموا لهم الأعذار من إلى هواهم مال، ولقد ذكر محمّد بن طاهر في كتابه: «باب: السّنّة في أخذ شيء من المستغفر»، واحتجّ بحديث كعب ابن مالك في توبته: «يجزئك الثّلث» (١)، ثمّ قال: «باب: الدّليل على أنّ من وجبت عليه غرامة فلم يؤدّها ألزموه أكثر منها»، واستدلّ بحديث معاوية بن حيدة عن النّبيّ ﷺ أنّه قال في الزّكاة: «من منعها، فأنا آخذها وشطر ماله» (٢).
قال المصنّف ﵀: قلت: فانظر إلى تلاعب هؤلاء، وجهل هذا المحتجّ لهم، وتسمية ما يلزم بعضهم بما لا يلزمه غرامة، وتسمية ذلك واجبا، وليس لنا غرامة، ولا وجوب إلّا بالشّرع، ومتى اعتقد الإنسان ما ليس بواجب واجبا كفر.
ومن مذهبهم كشف الرّؤوس عند الاستغفار، وهذه بدعة تسقط المروءة، وتنافي الوقار، ولولا ورود الشّرع بكشفه في الإحرام ما كان له وجه.
وأمّا حديث كعب بن مالك؛ فإنّه قال: إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي، فقال له رسول الله ﷺ : «يجزئك الثّلث» (٣)، لا على سبيل الإلزام له، وإنّما تبرّع بذلك، فأخذه منه.
стр. 374
وأين إلزام الشّرع تارك الزّكاة ممّا يزيد عليها عقوبة من إلزامهم المريد غرامة لا تجب عليه، فإذا امتنع ضاعفوها، وليس إليهم الإلزام إنّما ينفرد بالإلزام الشّرع وحده.
وهذا كلّه جهل وتلاعب بالشّريعة، فهؤلاء الخوارج عليها حقّا.
ذكر تلبيس إبليس على كثير من الصّوفيّة في صحبة الأحداث:
قال المصنّف: اعلم أنّ أكثر الصّوفيّة المتصوّفة قد سدّوا على أنفسهم باب النّظر إلى النّساء الأجانب، لبعدهم عن مصاحبتهنّ، وامتناعهم عن مخالطتهنّ، واشتغلوا بالتّعبّد عن النّكاح، واتّفقت صحبة الأحداث لهم على وجه الإرادة، وقصد الزّهادة، فأمالهم إبليس إليهم.
واعلم أنّ الصّوفيّة في صحبة الأحداث على سبعة أقسام:
القسم الأوّل: أخبث القوم، وهم ناس تشبّهوا بالصّوفيّة، ويقولون بالحلول.
أخبرنا محمّد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان، نا أبو عليّ الحسين بن محمّد بن الفضل الكرمانيّ، نا سهل بن علي الخشّاب، نا أبو نصر عبد الله بن علي السرّاج، قال:
بلغني أنّ جماعة من الحلوليّة زعموا أنّ الحقّ تعالى اصطفى أجساما حلّ فيها بمعاني الرّبوبيّة، ومنهم من قال: هو حالّ في المستحسنات.
وذكر أبو عبد الله بن حامد من أصحابنا أنّ طائفة من الصّوفيّة قالوا: إنّهم يرون الله في الدّنيا، وأجازوا أن يكون في صفة الآدميّ، ولم يأبوا كونه حالّا في الصّورة الحسنة حتّى استشهدوه في رؤيتهم الغلام الأسود.
القسم الثّاني: قوم يتشبّهون بالصّوفيّة في ملبسهم، ويقصدون الفسق.
القسم الثّالث: قوم يستبيحون النّظر إلى المستحسن.
وقد صنّف أبو عبد الرّحمن السّلميّ كتابا سمّاه «سنن الصّوفيّة»، فقال في أواخر
стр. 375
الكتاب: باب: في جوامع رخصهم، فذكر فيه الرّقص والغناء، والنّظر إلى الوجه الحسن، وذكر فيه ما روي عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «اطلبوا الخير عند حسان الوجوه» (١)، وأنّه قال:
«ثلاثة تجلو البصر: النّظر إلى الخضرة، والنّظر إلى الماء، والنّظر إلى الوجه الحسن» (٢).
قال المصنّف ﵀: وهذان الحديثان لا أصل لهما عن رسول الله ﷺ .
أمّا الحديث الأوّل: فأخبرنا به عبد الأوّل بن عيسى، نا عبد الرّحمن بن محمّد بن المظفّر، نا عبد الله بن أحمد بن حمويه، نا إبراهيم بن خريم، ثنا عبد بن حميد، ثنا يزيد بن هارون، ثنا محمّد بن عبد الرّحمن بن المجبر، عن نافع، عن ابن عمر أنّ النّبيّ ﷺ قال:
«اطلبوا الخير عند حسان الوجوه».
قال يحيى بن معين: محمّد بن عبد الرّحمن ليس بشيء.
قال المصنّف: قلت: وقد روي هذا الحديث من طرق. قال العقيليّ: لا يثبت عن النّبيّ ﷺ في هذا شيء.
وأمّا الحديث الآخر: فأنبأنا أبو منصور بن خيرون، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا محمّد بن أحمد بن يعقوب، نا محمّد بن نعيم الضّبّيّ، نا أبو بكر محمّد بن أحمد بن هارون، نا أحمد بن عمرو بن عبيد الريحانيّ، قال: سمعت أبا البختريّ وهب بن وهب يقول: كنت أدخل على الرّشيد، وابنه القاسم بين يديه، فكنت أدمن النّظر إليه، فقال: أراك تدمن النّظر إلى القاسم، تريد أن تجعل انقطاعه إليك. قلت: أعيذك بالله، يا أمير المؤمنين، أن ترميني بما ليس فيّ، وأمّا إدمان النّظر إليه، فإنّ جعفرا الصّادق ثنا عن أبيه، عن جدّه، عن
стр. 376
عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث يزدن في قوّة النّظر:
النّظر إلى الخضرة، وإلى الماء الجاري، وإلى الوجه الحسن».
قال المصنّف ﵀: هذا حديث موضوع، ولا يختلف العلماء في أبي البختريّ أنّه كذّاب وضّاع، وأحمد بن عمر بن عبيد أحد المجهولين.
ثمّ قد كان ينبغي لأبي عبد الرحمن السّلميّ، إذ ذكر النّظر إلى المستحسن، أن يقيّده بالنّظر إلى وجه الزّوجة أو المملوكة، فأمّا إطلاقه، ففيه سوء ظنّ. وقال شيخنا محمّد بن ناصر الحافظ: كان ابن طاهر المقدسيّ قد صنّف كتابا في جواز النّظر إلى المرد.
قال المصنّف ﵀: قلت: والفقهاء يقولون: من ثارت شهوته عند النّظر إلى الأمرد، حرم عليه أن ينظر إليه، ومتى ادّعى الإنسان أنّه لا تثور شهوته عند النّظر إلى الأمرد المستحسن فهو كاذب، وإنّما أبيح على الإطلاق لئلّا يقع الحرج في كثرة المخالطة بالمنع، فإذا وقع الإلحاح في النّظر، دلّ على العمل بمقتضى ثوران الهوى.
قال سعيد بن المسيّب: إذا رأيتم الرّجل يلحّ النّظر إلى غلام أمرد، فاتّهموه.
القسم الرّابع: قوم يقولون: نحن لا ننظر نظر شهوة، وإنّما ننظر نظر اعتبار، فلا يضرّنا النّظر، وهذا محال منهم، فإنّ الطّباع تتساوى، فمن ادّعى تنزّه نفسه عن أبناء جنسه في الطّبع، ادّعى المحال، وقد كشفنا هذا في أوّل كلامنا في السّماع.
أخبرتنا شهدة بنت أحمد الأبري، قالت: بإسناد مرفوع إلى محمّد بن جعفر الصّوفيّ، قال: قال أبو حمزة الصّوفيّ: حدّثني عبد الله بن الزّبير الحنفيّ، قال: كنت جالسا مع أبي النّضر الغنويّ، وكان من المبرّزين العابدين، فنظر إلى غلام جميل، فلم تزل عيناه واقعتين عليه حتّى دنا منه، فقال: سألتك بالله السّميع، وعزّه الرّفيع، وسلطانه المنيع، إلّا وقفت عليّ أروي من النّظر إليك، فوقف قليلا، ثمّ ذهب ليمضي، فقال له: سألتك بالحكيم المجيد،
стр. 377
الكريم المبدئ المعيد، إلّا وقفت، فوقف ساعة، فأقبل يصعد النّظر إليه ويصوّبه، ثمّ ذهب ليمضي، فقال: سألتك بالواحد الأحد، الجبّار الصّمد، الّذي لم يلد ولم يولد، إلّا وقفت، فوقف ساعة، فنظر إليه طويلا، ثمّ ذهب ليمضي، فقال: سألتك باللّطيف الخبير السّميع البصير، وبمن ليس له نظير إلّا وقفت، فوقف، فأقبل ينظر إليه، ثمّ أطرق رأسه إلى الأرض، ومضى الغلام، فرفع رأسه بعد طويل، وهو يبكي، فقال: قد ذكّرني هذا بنظري إليه وجها جلّ عن التّشبيه، وتقدّس عن التّمثيل، وتعاظم عن التّحديد، والله، لأجهدنّ نفسي في بلوغ رضاه بمجاهدتي جميع أعدائه، وموالاتي لأوليائه حتّى أصير إلى ما أردته من نظر إلى وجهه الكريم، وبهائه العظيم، ولوددت أنّه قد أراني وجهه، وحبسني في النّار ما دامت السّماوات والأرض، ثمّ غشي عليه.
وحدّثنا محمّد بن عبد الله الرّازيّ، قال: سمعت خيرا النّساج يقول: كنت مع محارب ابن حسّان الصّوفيّ في مسجد الخيف، ونحن محرمون، فجلس إلينا غلام جميل من أهل المغرب، فرأيت محاربا ينظر إليه نظرا أنكرته، فقلت له بعد أن قام: إنّك محرم في شهر حرام، في بلد حرام، في مشعر حرام، وقد رأيتك تنظر إلى هذا الغلام نظرا لا ينظره إلّا المفتونون، فقال لي: تقول هذا، يا شهوانيّ القلب والطّرف، ألم تعلم أنّه قد منعني من الوقوع في شرك إبليس ثلاث؟ فقلت: وما هي؟ قال: سرّ الإيمان، وعفّة الإسلام، وأعظمها الحياء من الله تعالى أن يطّلع عليّ وأنا جاثم على منكر نهاني عنه، ثمّ صعق حتّى اجتمع النّاس علينا.
قال المصنّف ﵀: قلت: انظروا إلى جهل الأحمق الأوّل، ورمزه إلى التّشبيه، وإن تلفّظ بالتّنزيه، إلى حماقة هذا الثّاني الّذي ظنّ أنّ المعصية هي الفاحشة فقط، وما علم أنّ نفس النّظر بشهوة يحرم، ومحا عن نفسه أثر الطّبع بدعواه الّتي تكذّبها شهوة النّظر.
وقد حدّثني بعض العلماء: أنّ صبيّا أمرد حكى له، قال: قال لي فلان الصّوفيّ، وهو
стр. 378
يحبّني: يا بنيّ، لله فيك إقبال والتفات، حيث جعل حاجتي إليك!
وحكى أنّ جماعة من الصّوفيّة دخلوا على أحمد الغزالي، وعنده أمرد وهو خال به، وبينهما ورد، وهو ينظر إلى الورد تارة، وإلى الأمرد تارة، فلما جلسوا قال بعضهم: لعلّنا كدرنا. فقال: إي والله! فتصايح الجماعة على سبيل التّواجد!
وحكى أبو الحسين بن يوسف: أنّه كتب إليه في رقعة: إنّك تحبّ غلامك التّركيّ، فقرأ الرّقعة، ثمّ استدعى الغلام، فصعّد إليه النّظر، فقبّله بين عينيه، وقال: هذا جواب الرّقعة.
قال المصنّف ﵀: قلت: إنّي لا أعجب من فعل هذا الرّجل وإلقائه جلباب الحياء عن وجهه، وإنّما أعجب من البهائم الحاضرين: كيف سكتوا عن الإنكار عليه؟! ولكنّ الشّريعة بردت في قلوب كثير من النّاس.
وأخبرنا: أبو القاسم الحريريّ، أنبأنا أبو الطّيّب الطّبريّ قال: بلغني عن هذه الطّائفة الّتي تسمع السّماع أنّها تضيف إليه النّظر إلى وجه الأمرد، وربّما زيّنته بالحليّ والمصبغات من الثّياب والحواشي، وتزعم أنّها تقصد به الازدياد في الإيمان بالنّظر والاعتبار والاستدلال بالصّنعة على الصّانع، وهذه النّهاية في متابعة الهوى، ومخادعة العقل، ومخالفة العلم، قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٢١) [الذاريات: ٢١]، وقال: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (١٧) [الغاشية: ١٧]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، فعدلوا عمّا أمرهم الله به من الاعتبار إلى ما نهاهم عنه.
وإنّما تفعل هذه الطّائفة ما ذكرناه بعد تناول الألوان الطّيّبة والمآكل الشّهيّة، فإذا استوفت منها نفوسهم طالبتهم بما يتبعها من السّماع والرّقص والاستمتاع بالنّظر إلى وجوه المرد، ولو أنّهم تقلّلوا من الطّعام لم يحنّوا إلى سماع ونظر.
стр. 379
قال أبو الطّيّب: وقد أخبر بعضهم في شعره عن أحوال المستمعين للغناء، وما يجدونه حال السّماع، فقال:
أتذكر وقتنا وقد اجتمعنا … على طيب السّماع إلى الصّباح
ودارت بيننا كأس الأغاني … فأسكرت النّفوس بغير راح
فلم نرفيهم إلّا نشاوى … سرورا والسّرور هناك صاحي
إذا لبّى أخو اللّذّات فيه … منادي اللهو: حيّ على الفلاح
ولم نملك سوى المهجات شيئا … أرّقناها لألحاظ ملاح
قال: فإذا كان السّماع تأثيره في قلوبهم ما ذكره هذا القائل: فكيف يجدي السّماع نفعا، أو يفيد فائدة.
قال ابن عقيل: قول من قال: لا أخاف من رؤية الصّور المستحسنة ليس بشيء؛ فإنّ الشّريعة جاءت عامّة الخطاب لا تميّز الأشخاص، وآيات القرآن تنكر هذه الدّعاوى، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، وقال:
﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ (١٩) [الغاشية: ١٧ - ١٩].
فلم يحلّ النّظر إلّا على صور لا ميل للنّفس إليها، ولا حظّ فيها، بل عبرة لا يمازجها شهوة، ولا تعتريها لذّة، فأمّا صور الشّهوات، فإنّها تعبّر عن العبرة بالشّهوة، وكلّ صورة ليست بعبرة لا ينبغي أن ينظر إليها؛ لأنّها قد تكون سببا للفتنة، ولذلك ما بعث الله تعالى امرأة بالرّسالة، ولا جعلها قاضيا، ولا إماما، ولا مؤذّنا، كلّ ذلك لأنّها محلّ فتنة وشهوة، وربّما قطعت عمّا قصدته الشّريعة بالنّظر، وكلّ من قال: أنا أجد من الصّور المستحسنة عبرا كذّبناه، وكلّ من ميّز نفسه بطبيعة تخرجه عن طباعنا بالدّعوى كذّبناه، وإنّما هذه خدع الشّيطان للمدّعين.
стр. 380
القسم الخامس: قوم صحبوا المردان، ومنعوا أنفسهم من الفواحش، يعتقدون ذلك مجاهدة، وما يعلمون أنّ نفس صحبتهم، والنّظر إليهم بشهوة معصية، وهذه من خلال الصّوفيّة المذمومات، وقد كان قدماؤهم على غير هذا، وقيل: كانوا على هذا بدليل، وهو ما أخبر أحمد بن عليّ بن ثابت، قال: أنشدنا أبو علي الرّوذباري:
أنزه في روض المحاسن مقلتي … وأمنع نفسي أن تنال محرّما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنّه … على الجبل الصّلد الأصمّ تهدّما
قال المصنّف ﵀: وسيأتي حديث يوسف بن الحسين، وقوله: عاهدت ربّي ألّا أصحب حدثا مئة مرّة، ففسخها عليّ قوام القدود، وغنج العيون.
أخبرتنا شهدة الكاتبة بإسناد عن أبي المختار الضّبّيّ، قال: حدّثني أبي، قال: قلت:
لأبي الكميت الأندلسيّ، وكان جوّالا في أرض الله: حدّثني بأعجب ما رأيت من الصّوفيّة.
قال: صحبت رجلا منهم يقال له: مهرجان، وكان مجوسيّا، فأسلم وتصوّف، فرأيت معه غلاما جميلا لا يفارقه، وكان إذا جاء اللّيل قام فصلّى، ثمّ ينام إلى جانبه، ثمّ يقوم فزعا، فيصلّي ما قدّر له، ثمّ يعود فينام إلى جانبه حتّى فعل ذلك مرارا، فإذا أسفر الصّبح، أو كاد يسفر أوتر، ثمّ رفع يديه، وقال: اللهمّ إنّك تعلم أنّ اللّيل قد مضى عليّ سليما، فلم أقترف فيه فاحشة، ولا كتبت عليّ الحفظة فيه معصية، وإنّ الّذي أضمره بقلبي لو حملته الجبال لتصدّعت، أو كان بالأرض لتدكدكت، ثمّ يقول: يا ليل، اشهد بما كان منّي فيك، فقد منعني خوف الله عن طلب الحرام، والتّعرّض للآثام، ثمّ يقول: سيّدي، أنت تجمع بيننا على تقى، فلا تفرّق بيننا يوم تجمع فيه الأحباب، فأقمت معه مدّة طويلة أراه يفعل ذلك في كلّ ليلة، وأسمع هذا القول منه، فلمّا هممت بالانصراف من عنده، قلت: سمعتك تقول:
إذا انقضى اللّيل كذا وكذا، فقال: وسمعتني؟ قلت: نعم. قال: فو الله، يا أخي، لا أداري من قلبي، ما لو داراه سلطان من رعيّته، لكان الله حقيقا بالمغفرة له، فقلت: وما الّذي يدعوك
стр. 381
إلى صحبة من تخاف على نفسك العنت من قبله؟
وقال أبو محمّد بن جعفر بن عبد الله الصّوفيّ: قال أبو حمزة الصّوفيّ: رأيت ببيت المقدس فتى من الصّوفيّة يصحب غلاما مدّة طويلة، فمات الفتى، وطال حزن الغلام عليه، حتّى صار جلدا وعظما من الضّنى والكمد، فقلت له يوما: لقد طال حزنك على صديقك حتّى أظنّ أنّك لا تسلو بعده أبدا.
فقال: كيف أسلو عن رجل أجّل الله أن يصيبه معي طرفة عين أبدا، وصانني عن نجاسة الفسوق في خلال صحبتي له وخلواتي معه في اللّيل والنّهار.
قال المصنّف ﵀: هؤلاء قوم رآهم إبليس لا ينجذبون معه إلى الفواحش، فحسّن لهم بداياتها، فتعجّلوا لذّة النّظر والصّحبة والمحادثة، وعزموا على مقاومة النّفس في صدّها عن الفاحشة، فإن صدقوا وتمّ لهم ذلك، فقد اشتغل القلب الّذي ينبغي أن يكون شغله بالله تعالى لا بغيره، وصرف الزّمان الّذي ينبغي أن يخلو فيه القلب بما ينفع به في الآخرة، بمجاهدة الطّبع في كفّه عن الفاحشة.
وهذا كلّه جهل وخروج عن آداب الشّرع، فإنّ الله أمر بغضّ البصر؛ لأنّه طريق إلى القلب، ليسلم القلب لله تعالى من شائب تخاف منه، وما مثل هؤلاء إلّا كمثل من أقبل إلى سباع في غيضة متشاغلة عنه لا تراه، فأثارها وحاربها وقاومها، فيا بعد سلامته من جراحة، إن لم يهلك.
وفي هؤلاء من قويت مجاهدته مدّة، ثمّ ضعفت، فدعته نفسه إلى الفاحشة، فامتنع حينئذ من صحبة المرد.
أخبرتنا شهدة الكاتبة، عن عمر بن يوسف الباقلّانيّ، قال: قال أبو حمزة: قلت لمحمّد بن العلاء الدّمشقيّ، وكان سيّد الصّوفيّة، وقد رأيته يماشي غلاما وضيئا مدّة، ثمّ
стр. 382
فارقه، فقلت له: لم هجرت ذلك الفتى الّذي كنت أراه معك بعد أن كنت له مواصلا وإليه مائلا؟ فقال: والله، لقد فارقته عن غير قلى ولا ملل.
قلت: ولم فعلت ذلك؟ قال: رأيت قلبي يدعوني إلى أمر إذا خلوت به، وقرب مني، لو أتيته سقطت من عين الله فهجرته لذلك تنزيها لله تعالى ولنفسي من مصارع الفتن.
ومنهم من تاب وأطال البكاء من إطلاق نظره:
أخبرنا المحمّدان (ابن ناصر وابن عبد الباقي) بإسناد عن محمّد بن محمّد بن عبيد الله، قال: سمعت أخي أبا عبد الله محمّد بن محمّد يقول: سمعت خيرا النّسّاج يقول:
كنت مع أميّة بن الصّامت الصّوفيّ؛ إذ نظر إلى غلام فقرأ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤) [الحديد: ٤].
ثمّ قال: وأين الفرار من سجن الله، وقد حصّنه بملائكة غلاظ شداد؟ تبارك الله، فما أعظم ما امتحنني به من نظري إلى هذا الغلام! ما شبهت نظري إليه إلّا بنار وقعت على قصب في يوم ريح، فما أبقت، ولا تركت.
ثمّ قال: أستغفر الله من بلاء جنته عيناي على قلبي، لقد خفت ألّا أنجو من معرّته، وألّا أتخلّص من إثمه، ولو وافتني القيامة بعمل سبعين صدّيقا. ثمّ بكى حتّى كاد يقضي نحبه، فسمعته يقول في بكائه: يا طرفي، لأشغلنّك بالبكاء عن النّظر إلى البلاء.
ومنهم من تلاعب به المرض من شدّة المحبّة:
أخبرتنا شهدة الكاتبة بإسناد: عن أبي حمزة الصّوفيّ قال: كان عبد الله بن موسى من رؤساء الصّوفيّة ووجوههم، فنظر إلى غلام حسن في بعض الأسواق فبلي به، وكاد يذهب عقله عليه صبابة وحبّا، وكان يقف كلّ يوم في طريقه حتّى يراه إذا أقبل، وإذا انصرف، فطال به البلاء، وأقعده عن الحركة الضّنى، وكان لا يقدر أن يمشي خطوة.
стр. 383
فأتيته يوما لأعوده، فقلت: يا أبا محمّد، ما قصّتك؟ وما هذا الأمر الّذي بلغ بك ما أرى؟ فقال: أمور امتحنني الله بها، فلم أصبر على البلاء فيها، ولم يكن لي بها طاقة، وربّ ذنب يستصغره الإنسان هو عند الله أعظم من كبير، وحقيق بمن تعرّض للنّظر الحرام أن تطول به الأسقام. ثمّ بكى.
قلت: ما يبكيك؟ قال: أخاف أن يطول في النّار شقائي. فانصرفت عنه، وأنا راحم له؛ لما رأيت به من سوء الحال.
قال أبو حمزة: ونظر محمّد بن عبد الله بن الأشعث الدّمشقيّ، وكان من خيار عباد الله، إلى غلام جميل، فغشي عليه، فحمل إلى منزله، واعتاده السّقم، حتّى أقعده من رجليه، وكان لا يقوم عليهما زمانا طويلا، فكنّا نأتيه نعوده ونسأله عن حاله وأمره، وكان لا يخبرنا بقصّته، ولا بسبب مرضه، وكان النّاس يتحدّثون بحديث نظره، فبلغ ذلك الغلام، فأتاه عائدا، فهشّ إليه، وتحرّك وضحك في وجهه، واستبشر برؤيته، فما زال يعوده حتّى قام على رجليه، وعاد إلى حالته.
فسأله الغلام يوما أن يسير معه إلى منزله، فأبى أن يفعل ذلك، فسألني أن أسأله أن يتحوّل إليه، فسألته، فأبى أن يفعل، فقلت للشّيخ: وما الّذي تكره من ذلك؟ فقال: لست بمعصوم من البلاء، ولا آمن من الفتنة، وأخاف أن يقع عليّ من الشّيطان محنة، فتجري بيني وبينه معصية، فأكون من الخاسرين.
وفيهم من همّت نفسه إلى الفاحشة فقتل نفسه:
حدّثني أبو عبد الله الحسين بن محمّد الدّامغانيّ، قال: كان ببلاد فارس صوفيّ كبير، فابتلي بحدث، فلم يملك نفسه أن دعته إلى فاحشة، فراقب الله ثمّ ندم على هذه الهمّة، وكان منزله على مكان عال، ووراء منزله بحر من الماء، فلمّا أخذته النّدامة، صعد
стр. 384
السّطح، ورمى إلى الماء، وتلا قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، فغرق في البحر.
قال المصنّف ﵀: انظر إلى إبليس؛ كيف درج هذا المسكين من رؤية هذا الأمرد، وإلى إدمان النّظر إليه، إلى أن مكّن المحبّة من قلبه، إلى أن حرّضه على الفاحشة، فلمّا رأى استعصامه، حسّن له بالجهل قتل نفسه، فقتل نفسه، ولعلّه همّ بالفاحشة، ولم يعزم، والهمّة معفوّ عنها؛ لقوله ﵇: «عفي لأمّتي عمّا حدّثت به نفوسها» (١).
ثمّ إنّه ندم على همّته، والنّدم توبة، فأراه إبليس أنّ من تمام النّدم قتل نفسه، كما فعل بنو إسرائيل، فأولئك أمروا بذلك بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، ونحن نهينا عنه بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فلقد أتى بكبيرة عظيمة.
وفي «الصّحيحين» عن النّبيّ ﷺ ، أنّه قال: «من تردّى من جبل، فقتل نفسه، فهو يتردّى في نار جهنّم، خالدا مخلّدا فيها أبدا» (٢).
فصل [الفتنة بالمحبة]
وفيهم من فرّق بينه وبين حبيبه، فقتل حبيبه.
بلغني عن بعض الصّوفيّة: أنّه كان من رباط عندنا ببغداد، ومعه صبيّ في البيت الّذي هو فيه، فشنّعوا عليه، وفرّقوا بينهما، فدخل الصّوفيّ إلى الصّبيّ، ومعه سكّين فقتله، وجلس عنده يبكي، فجاء أهل الرّباط، فرأوه، فسألوه عن الحال، فأقرّ بقتل الصّبيّ، فرفعوه إلى صاحب الشّرطة فأقرّ، فجاء والد الصّبيّ يبكي، فجلس الصّوفيّ يبكي ويقول له: بالله عليك، إلّا ما أقدتني به. فقال: الآن قد عفوت عنك. فقام الصّوفيّ إلى قبر الصّبيّ، فجعل يبكي
стр. 385
عليه، ثمّ لم يزل يحجّ عن الصّبيّ ويهدي له الثّواب.
ومن هؤلاء من قارب الفتنة، فوقع فيها، ولم تنفعه دعوى الصّبر والمجاهدة، والحديث بإسناد: عن إدريس بن إدريس، قال: حضرت بمصر قوما من الصّوفيّة، ولهم غلام أمرد يغنّيهم، قال: فغلب على رجل منهم أمره، فلم يدر ما يصنع، فقال: يا هذا، قل: لا إله إلّا الله. فقال الغلام: لا إله إلّا الله، فقال: أقبّل الفم الّذي قال: لا إله إلّا الله.
القسم السّادس: قوم لم يقصدوا صحبة المردان، وإنّما يتوب الصبيّ، ويتزهّد ويصحبهم على طريق الإرادة، فلبّس إبليس عليهم، ويقول: لا تمنعوه من الخير. ثمّ يتكرّر نظرهم إليه؛ لا عن قصد، فيثير في القلب الفتنة، إلى أن ينال الشّيطان منهم قدر ما يمكنه، وربّما وثقوا بدينهم، فاستفزّهم الشّيطان، فرماهم إلى أقصى المعاصي، كما فعل ببرصيصا.
قال المصنّف ﵀: وقد ذكرنا قصّته في أوّل الكتاب، وغلطهم من جهة تعرّضهم بالفتن، وصحبة من لا تؤمن الفتنة في صحبته.
القسم السّابع: قوم علموا أنّ صحبة المردان، والنّظر إليهم لا يجوز، غير أنّهم لم يصبروا عن ذلك.
والحديث بإسناد عن الرّازيّ، يقول: قال يوسف بن الحسين: كلّ ما رأيتموني أفعله، فافعلوه، إلّا صحبة الأحداث؛ فإنّها أفتن الفتن، ولقد عاهدت ربّي أكثر من مائة مرّة، ألا أصحب حدثا. ففسخها على حسن الخدود، وقوام القدود، وغنج العيون، وما سألني الله معهم من معصية، وأنشد صريع الغواني في معنى ذلك شعرا:
إنّ ورد الخدود والحدق النّج … ل، وما في الثّغور من أقحوان
واعوجاج الأصداغ في ظاهر الخدّ … وما في الصّدور من رمّان
تركتني بين الغواني صريعا … فلهذا أدعى: صريع الغواني
стр. 386
قال المصنّف ﵀: قلت: هذا الرّجل قد فضح نفسه في شيء ستره الله عليه، وأخبر أنّه كلّما رأى فتنة، نقض التّوبة، فأين عزائم التّصوّف في حمل النّفس على المشاقّ؟ ثمّ ظنّ بجهله أنّ المعصية هي الفاحشة فقط، ولو كان له علم لعلم أنّ صحبتهم، والنّظر إليهم معصية، فانظر إلى الجهل؛ كيف يصنع بأربابه؟!
والحديث بإسناد: عن محمّد بن عمر، أنّه قال: حكي لي عن أبي مسلم الخشوعيّ، أنّه نظر إلى غلام جميل فأطال، ثمّ قال: سبحان الله! ما أهجم طرفي عن مكروه نفسه! وأدمنه على سخط سيّده! وأغراه بما قد نهي عنه! وأبهجه بالأمر الّذي قد حذّر عنه! لقد نظرت إلى هذا نظرا لا أحسب إلّا أنّه سيفضحني عند جميع من عرفني في عرصات القيامة، ولقد تركني نظري هذا، وأنا أستحيي من الله تعالى، وإن غفر لي. ثمّ صعق.
وبإسناد: عن أبي بكر محمّد بن عبد، يقول: سمعت أبا الحسين النّوريّ، يقول: رأيت غلاما جميلا ببغداد، فنظرت إليه، ثمّ أردت أن أردّد النّظر، فقلت له: تلبسون النّعال الصّرّارة، وتمشون في الطّرقات؟ فقال: أحسنت الحشر بالعلم.
وكلّ من فاته العلم تخبّط، فإن حصل له وفاته العمل به، كان أشدّ تخبيطا، ومن استعمل أدب الشّرع في قوله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، سلم في البداية بما صعب أمره في النّهاية.
وقد ورد الشّرع بالنّهي عن مجالسة المردان، وأوصى العلماء بذلك.
والحديث بإسناده: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجالسوا أبناء الملوك؛ فإنّ النّفوس تشتاق إليهم، ما لا تشتاق إلى الجواري العواتق» (١).
والحديث بإسناده: عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ عن
стр. 387
رسول الله ﷺ قال: «لا تملأوا أعينكم من أولاد الملوك، فإنّ لهم فتنة أشدّ من فتنة العذارى» (١).
والحديث بإسناد عن الشّعبيّ، قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة، فأجلسه النّبيّ ﵊ وراء ظهره، وقال: «كانت خطيئة داود ﵇ النّظر» (٢).
وعن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يحدّ الرّجل النّظر إلى الغلام الأمرد» (٣).
وقال عمر بن الخطّاب: «ما أتى على عالم من سبع ضار، أخوف عليه من غلام أمرد».
وبإسناد: عن الحسن بن ذكوان، أنّه قال: لا تجالسوا أولاد الأغنياء؛ فإنّ لهم صورا كصور النّساء، وهم أشدّ فتنة من العذارى.
وبإسناد: عن محمّد بن حمير، عن النّجيب الصّريّ، قال: كان يقال: لا يبيت الرّجل في بيت مع المرد.
وبإسناد: عن عبد العزيز بن أبي السّائب، عن أبيه قال: لأنا أخوف على عابد من غلام من سبعين عذراء.
وعن أبي عليّ الرّوذباريّ قال: سمعت جنيدا يقول: جاء رجل إلى أحمد بن حنبل، ومعه غلام حسن الوجه، فقال له: من هذا؟ قال: ابني. فقال أحمد: لا تجئ به معك مرّة أخرى.
فلمّا قام قال له محمّد بن عبد الرّحمن الحافظ، وفي رواية الخطيب: فقيل له: أيّد الله
стр. 388
الشّيخ: إنّه رجل مستور وابنه أفضل منه. فقال أحمد: الّذي قصدنا إليه من هذا الباب ليس يمنع منه سترهما، على هذا رأينا أشياخنا، وبه أخبرونا عن أسلافهم.
وبإسناد: عن أبي بكر المروزيّ قال: جاء حسن البزّاز إلى أحمد بن حنبل، ومعه غلام حسن الوجه، فتحدّث معه، فلمّا أراد أن ينصرف، قال له أبو عبد الله: يا أبا عليّ، لا تمش مع هذا الغلام في طريق. فقال له: إنّه ابن أختي. قال: وإن كان، لا يهلك النّاس فيك.
وبإسناد: عن شجاع بن مخلد؛ أنّه سمع بشر بن الحارث يقول: احذروا هؤلاء الأحداث.
وبإسناد: عن فتح الموصليّ، أنّه قال: صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدّون من الأبدال، كلّهم أوصوني عند فراقي لهم: اتّق معاشرة الأحداث.
وبإسناد: عن الحلبيّ، أنّه قال: نظر سلّام الأسود إلى رجل ينظر إلى حدث، فقال له: يا هذا، أبق على جاهك عند الله؛ فإنّك لا تزال ذا جاه ما دمت له معظّما.
وبإسناد: عن أبي منصور عبد القادر بن طاهر يقول: من صحب الأحداث، وقع في الأحداث.
وعن أبي عبد الرّحمن السّلميّ قال: قال مظفّر القرميسينيّ: من صحب الأحداث على شرط السّلامة والنّصيحة، أدّاه ذلك إلى البلاء، فكيف بمن يصحبهم على غير وجه السّلامة؟!
وقد كان السّلف يبالغون في الإعراض عن المرد.
وقد روينا عن رسول الله ﷺ أنّه أجلس الشّابّ الحسن الوجه وراء ظهره، والحديث بإسناد: عن عطاء بن مسلم قال: كان سفيان لا يدع أمرد يجالسه.
وروى إبراهيم بن هانئ، عن يحيى بن معين، قال: ما طمع أمرد بصحبتي، ولأحمد بن
стр. 389
حنبل قال: في طريق.
وبإسناد: عن أبي يعقوب قال: كنّا مع أبي نصر بن الحارث، فوقفت عليه جارية، ما رأينا أحسن منها، فقالت: يا شيخ، أين مكان باب حرب؟ فقال لها: هذا الباب الّذي يقال له: باب حرب.
ثمّ جاء بعدها غلام، ما رأينا أحسن منه، فسأله فقال: يا شيخ، أين مكان باب حرب؟ فأطرق الشّيخ رأسه، فردّ عليه الغلام السّؤال، وغمّض عينيه، فقلنا للغلام: تعال، إيش تريد؟ فقال: باب حرب. فقلنا له: ها هو بين يديك.
فلمّا غاب قلنا للشّيخ: يا أبا نصر، جاءتك جارية، فأجبتها وكلّمتها، وجاءك غلام فلم تكلّمه؟! فقال: نعم، يروى عن سفيان الثّوريّ: أنّه قال: مع الجارية شيطان، ومع الغلام شيطانان، فخشيت على نفسي من شيطانيه.
وبإسناد: عن عبد الله بن المبارك يقول: دخل سفيان الثّوريّ الحمّام، فدخل عليه غلام صبيح، فقال: أخرجوه، أخرجوه، فإنّي أرى مع كلّ امرأة شيطانا، ومع كلّ غلام بضعة عشر شيطانا.
وبإسناد: عن محمّد بن أحمد بن أبي القاسم قال: دخلنا على محمّد بن الحسين صاحب يحيى بن معين، وكان يقال: إنّه ما رفع رأسه إلى السّماء منذ أربعين سنة، وكان معنا غلام حدث في المجلس بين يديه، فقال له: قم من حذائي. فأجلسه من خلفه.
وبإسناد: عن أبي أمامة، قال: وكنّا عند شيخ يقرئ، فبقي عنده غلام يقرأ عليه، فأردت الانصراف، فأخذ بثوبي وقال: اصبر حتّى يفرغ هذا الغلام. وكره أن يخلو مع هذا الغلام.
وبإسناد: عن أبي علي الرّوذباريّ قال: قال لي أبو العبّاس أحمد المؤدّب: يا أبا عليّ، من أين أخذ صوفيّة عصرنا هذا الأنس بالأحداث؟ فقلت له: يا سيّدي، أنت بهم أعرف،
стр. 390
وقد تصحبهم السّلامة إلى كثير من الأمور. فقال: هيهات، قد رأينا من كان أقوى إيمانا منهم، إذا رأى الحدث قد أقبل، فرّ كفراره من الزّحف، وإنّما ذلك حسب الأوقات الّتي تغلب الأحوال على أهلها، فتأخذها عن تصرّف الطّباع، ما أكثر الخطر! ما أكثر الغلط!
وصحبة الأحداث أقوى حبائل إبليس، الّتي يصيد بها الصّوفيّة.
أخبرنا ابن ناصر عن أبي عبد الرّحمن السّلميّ قال: سمعت أبا بكر الرّازيّ، يقول: قال يوسف بن الحسين: نظرت في آفات الخلق، فعرفت من أين أتوا؟ ورأيت آفة الصّوفيّة في صحبة الأحداث، ومعاشرة الأضداد، وإرفاق النّسوان.
وبإسناد: عن أبي الفرج الرّستميّ الصّوفيّ، يقول: رأيت إبليس في النّوم، فقلت له:
كيف رأيتنا أعرضنا عن الدّنيا ولذّاتها وأموالها، فليس لك إلينا طريق؟ فقال: كيف رأيت ما اشتملت به قلوبكم باستماع الغناء، ومعاشرة الأحداث؟
وبإسناد: عن أبي سعيد الخرّاز يقول: رأيت إبليس في النّوم يمرّغني ناحية، فقلت:
تعال، فقال: إيش أعمل بكم؟ أنتم طرحتم عن نفوسكم، ما أخادع به النّاس. قلت: ما هو؟ قال: الدّنيا، فلمّا ولّى، التفت إليّ فقال: غير أنّ فيكم لطيفة، قلت: وما هي؟ قال: صحبة الأحداث. قال أبو سعيد: وقلّ من يتخلّص منها من الصّوفيّة.
عن أبي عبد الله بن الجلاء قال: كنت أنظر إلى غلام نصرانيّ حسن الوجه، فمرّ بي أبو عبد الله البلخيّ، فقال: إيش وقوفك؟ فقلت: يا عم، أما ترى هذه الصّورة كيف تعذّب بالنّار؟
فضرب بيده بين كتفي، وقال: لتجدنّ غبّها ولو بعد حين. قال: فوجدت غبّها بعد أربعين سنة، أن أنسيت القرآن.
وبإسناد: عن أبي الأذان وقال: كنت مع أستاذي أبي بكر الزّقاق، فمرّ حدث فنظرت