← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11408

تلبيس ابليس - ط الكتاب العربي

ابن الجوزي

Полный текст (479 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

عن المنكر أثر إنكاره وإذا لم يكن متنزها لم يكد يعمل إنكاره فينبغي للمنكر أن ينزه نفسه ليؤثر إنكاره. قال ابن عقيل: رأينا في زماننا أبا بكر الاقفالي في أيام القائم إذا نهض لإنكار منكر استتبع معه مشايخ لا يأكلون إلا من صنعة أيديهم كأبي بكر الخباز شيخ صالح أضر من اطلاعه في التنور وتبعه: وجماعة ما فيهم من يأخذ صدقة ولا يدنس بقبول عطاء صوام النهار قوام الليل أرباب بكاء فإذا تبعه مخلط رده وقال متى لقينا الجيش بمخلط انهزم الجيش.

стр. 177

الباب التاسع:- في ذكر تلبيس إبليس على الزهاد والعباد قد يسمع العامي ذم الدنيا في القرآن المجيد والأحاديث فيرى أن النجاة تركها ولا يدري ما الدنيا المذمومة فيلبس عليه إبليس: بأنك لا تنجو في الآخرة إلا بترك الدنيا فيخرج على وجهه إلى الجبال فيبعد عن الجمعة والجماعة والعلم ويصير كالوحش ويخيل إليه أن هذا هو الزهد الحقيقي. كيف لا وقد سمع عن فلان أنه هام على وجهه وعن فلان أنه تعبد في جبل وربما كانت له عائلة فضاعت أو والدة فبكت لفراقه وربما لم يعرف أركان الصلاة كما ينبغي وربما كانت عليه مظالم لم يخرج منها، وإنما يتمكن إبليس من التلبيس على هذا لقلة علمه ومن جهله رضاه عن نفسه بما يعلم ولو أنه وفق لصحبة فقيه يفهم الحقائق لعرفه أن الدنيا لا تذم لذاتها وكيف يذم ما من الله تعالى به وما هو ضرورة في بقاء الآدمي وسبب في إعانته على تحصيل العلم والعبادة من مطعم ومشرب وملبس ومسجد يصلي فيه وإنما المذموم أخذ الشيء من غير حله أو تناوله على وجه السرف لا على مقدار الحاجة. ويصرف النفس فيه بمقتضى رعوناتها لا بإذن الشرع، وإن الخروج إلى الجبال المنفردة منهي عنه فإن النبي ﷺ نهى أن يبيت الرجل وحده وأن التعرض لتركه الجماعة والجمعة خسران لا ربح والبعد عن العلم والعلماء يقوي سلطان الجهل.

стр. 178

وفراق الوالد والوالدة في مثل هذا عقوق والعقوق من الكبائر، وأما من سمع عنه أنه خرج إلى جبل فأحوالهم تحتمل أنهم لم يكن لهم عيال ولا والد ولا والدة فخرجوا إلى مكان يتعبدون فيه مجتمعين، ومن لم يحتمل حالهم وجها صحيحا فهم على الخطأ من كانوا، وقد قال بعض السلف: خرجنا إلى جبل نتعبد فجاءنا سفيان الثوري فردنا. تلبيسه على الزهاد ومن تلبيسه على الزهاد: إعراضهم عن العلم شغلا بالزهد فقد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير وبيان ذلك: أن الزاهد لا يتعدى نفعه عتبة بابه والعالم نفعه متعد. وكم قد رد إلى الصواب من متعبد. فصل ومن تلبيسه عليهم: أنه يوهمهم أن الزهد ترك المباحات فمنهم من لا يزيد على خبز الشعير، ومنهم من لا يذوق الفاكهة، ومنهم من يقلل المطعم حتى ييبس بدنه ويعذب نفسه بلبس الصوف ويمنعها الماء البارد وما هذه طريقة الرسول ﷺ ولا طريق أصحابه وأتباعهم. وإنما كانوا يجوعون إذا لم يجدوا شيئا فإذا وجدوا أكلوا. وقد كان رسول الله ﷺ يأكل اللحم ويحبه ويأكل الدجاج ويحب الحلوى ويستعذب له الماء البارد، ويختار الماء البائت فإن الماء الجاري يؤذي المعدة ولا يروي. وقد كان رجل يقول: أنا لا آكل الخبيص لأني لا أقوم بشكره، فقال الحسن البصري: هذا رجل أحمق وهل يقوم بشكر الماء البارد. وقد كان سفيان الثوري إذا سافر حمل في سفرته اللحم المشوي والفالوذج. وينبغي للإنسان أن يعلم أن نفسه مطيته ولا بد من الرفق بها ليصل بها إلى المقصود فليأخذ ما يصلحها وليترك ما يؤذيها من الشبع والإفراط في تناول الشهوات فإن ذلك يؤذي البدن والدين.

стр. 179

ثم إن الناس يختلفون في طباعهم فإن الأعراب إذا لبسوا الصوف واقتصروا على شرب اللبن لم نلمهم لأن مطايا أبدانهم تحمل ذلك. وأهل السواد إذا لبسوا الصوف وأكلوا الكوامخ لم نلمهم أيضا ولا نقول في هؤلاء من قد حمل على نفسه لأن هذه عادة القوم. فأما إذا كان البدن مترفا قد نشأ على التنعم فإنا ننهي صاحبه أن يحمل عليه ما يؤذيه. فإن تزهد وآثر ترك الشهوات إما لأن الحلال لا يحتمل السرف أو لأن الطعام اللذيذ يوجب كثرة التناول فيكثر النوم والكسل فهذا يحتاج أن يعلم ما يضر تركه وما لا يضر فيأخذ قدر القوام من غير أن يؤذي النفس. وقد ظن قوم أن الخبز القفاز يكفي في قوام البدن ولو كفى إلا أن الاقتصار يؤدي من جهة أن أخلاط البدن تفتقر إلى الحامض والحلو والحار والبارد والممسك والمسهل. وقد جعل أسباب مثل أن يقل عندها البلغم الذي لا بد في قوامها منه فتشتاق إلى اللبن ويكثر عندها الصفراء فتميل إلى الحموضة فمن كفها عن التصرف على مقتضى ما قد وضع في طبعها مما يصلحها فقد آذاها إلا أن يكفها عن الشبع والشره وما يخاف عاقبته فإن ذلك يفسدها. فأما الكف المطلق فخطأ فافهم هذا ولا يلتفت إلى قول الحارث المحاسبي وأبي طالب المكي فيما ذكرا من تقليل المطعم ومجاهدة النفس بترك مباحاتها فإن اتباع الشارع وصحابته أولى. وكان ابن عقيل يقول: ما أعجب أموركم في المتدين إما أهواء متبعة أو رهبانية مبتدعة، بين تجرير أذيال المرح في الصبا واللعب. وبين إهمال الحقوق وإطراح العيال واللحوق بزوايا المساجد فهلا عبدوا على عقل وشرع. فصل ومن تلبيسه عليهم أنه يوهمهم أن الزهد هو القناعة بالدون من المطعم

стр. 180

والملبس فحسب. فهم يقنعون بذلك وقلوبهم راغبة في الرياسة وطلب الجاه فتراهم يترصدون لزيارة الأمراء إياهم ويكرمون الأغنياء دون الفقراء ويتخاشعون عند لقاء الناس كأنهم قد خرجوا من مشاهدة، وربما رد أحدهم المال لئلا يقال قد بدا له من الزهد وهم من ترغد الناس إليهم وتقبيل أي ديهم في أوسع باب من ولايات الدنيا لأن غاية الدنيا الرياسة. تلبيسه على العباد وأكثر ما يلبس به إبليس على العباد والزهاد خفي الرياء. فأما الظاهر من الرياء فلا يدخل في التلبيس مثل إظهار النحول وصفار الوجه وشعث الشعر ليستدل به على الزهد. وكذلك خفض الصوت لإظهار الخشوع وكذلك الرياء بالصلاة والصدقة ومثل هذه الظواهر لا تخفى. وإنما نشير إلى خفي الرياء. وقد قال النبي ﷺ «إنما الأعمال بالنيات» ومتى لم يرد بالعمل وجه الله لم يقبل. قال مالك بن دينار: قولوا لمن لم يكن صادقا لا تتعب. واعلم أن المؤمن لا يريد بعمله إلا الله ، وإنما يدخل عليه خفي الرياء فيلبس الأمر فنجانه منه صعبة. وفي الحديث مرفوعا عن يسار قال لي يوسف بن أسباط: تعلموا صحة العمل من سقمه فإني تعلمت في اثنتين وعشرين سنة. وفي الحديث مرفوعا عن إبراهيم الحنظلي قال سمعت بقية بن الوليد يقول سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: تعلمت المعرفة من راهب يقال له سمعان، دخلت عليه في صومعته فقلت له: يا سمعان، منذ كم أنت في صومعتك هذه؟ قال: منذ سبعين سنة. قلت: ما طعمك؟ قال: يا حنيفي وما دعاك إلى هذا قلت: أحببت أن أعلم. قال: في كل ليلة حمصة. قلت: فما الذي يهيج من

стр. 181

قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة. قال: ترى الذين بحذائك؟ قلت: نعم. قال: إنهم يأتونني في كل سنة يوما واحدا فيزينون صومعتي ويطوفون حولها يعظمونني بذلك، وكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها تلك الساعة، فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة، فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعز الأبد. فوقر في قلبي المعرفة. فقال: أزيدك؟ قلت: نعم. قال: انزل عن الصومعة فنزلت فأدلى إلى ركوة فيها عشرون حمصة، فقال لي: ادخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك. فلما دخلت الدير اجتمعت النصارى فقالوا: يا حنيفي، ما الذي أدلى إليك الشيخ؟ قلت: من قوته. قالوا: وما تصنع به؟ نحن أحق، ساوم. قلت: عشرين دينارا. فأعطوني عشرين دينارا، فرجعت إلى الشيخ فقال: أخطأت، لو ساومتهم عشرين ألفا لأعطوك، هذا عز من لا يعبده، فانظر كيف تكون بعز من تعبده يا حنيفي، أقبل على ربك. قلت: ولخوف الرياء ستر الصالحون أعمالهم حدرا عليها وبهرجوها بضدها، فكان ابن سيرين يضحك بالنهار ويبكي بالليل، وكان في ذيل أيوب السختياني بعض الطول، وكان ابن أدهم إذا مرض يرى عنده ما يأكله الأصحاء. وبالإسناد عن عبد الله بن المبارك عن بكار بن عبد الله أنه سمع وهب بن منبه يقول: كان رجل من أفضل أهل زمانه، وكان يزار فيعظمهم، فاجتمعوا إليه ذات يوم فقال: إنا قد خرجنا من الدنيا وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان وقد خفت أن يكون قد دخل علينا في هذه حالة من الطغيان أكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم، أرانا يحب أحدنا أن تقضى له حاجته، وإن اشترى بيعا أن يقارب لمكان دينه، وإن لقي حيي ووقر لمكان دينه فشاع ذلك الكلام حتى بلغ الملك فعجب به فركب إليه ليسلم عليه وينظر إليه فلما رآه الرجل قيل له: هذا الملك قد أتاك ليسلم عليك. فقال: وما يصنع قال للكلام الذي وعظت به، فسأل غلامه: هل عندك طعام؟ فقال: شيء من ثمر الشجر مما كنت تفطر به. فأمر به

стр. 182

فأتى على مسح فوضع بين يديه، فأخذ يأكل منه وكان يصوم النهار ولا يفطر، فوقف عليه الملك فسلم عليه فأجابه بإجابة خفية وأقبل على طعامه يأكله، فقال الملك: أين الرجل؟ فقيل له: هو هذا. قال: هذا الذي يأكل؟ قالوا: نعم. قال: فما عند هذا من خير. فأدبر، فقال الرجل: الحمد لله الذي صرفك عني بما صرفك به. وفي رواية أخرى عن وهب، أنه لما أقبل الملك قدم الرجل طعامه فجعل يجمع البقول في اللقمة الكبيرة ويغمسها في الزيت فيأكل أكلا عنيفا. فقال له الملك: كيف أنت يا فلان؟ فقال: كالناس. فرد الملك عنان دابته وقال: ما في هذا من خير. فقال: الحمد لله الذي أذهبه عني وهو لائم لي. وبإسناد عن عطاء قال: أراد أبو الوليد بن عبد الملك أن يولي يزيد بن مرثد فبلغ ذلك يزيد فلبس فروة فجعل الجلد على ظهره والصوف خارجا وأخذ بيده رغيفا وعرقا وخرج بلا رداء ولا قلنسوة ولا نعل ولا خف فجعل يمشي في الأسواق ويأكل. فقيل للوليد: إن يزيد قد اختلط وأخبر بما فعل فتركه ومثل هذا كثير. فصل ومن الزهاد من يستعمل الزهد ظاهرا وباطنا، لكنه قد علم أنه لا بد أن يتحدث بتركه للدنيا أصحابه أو زوجته. فيهون عليه الصبر كما هان على الراهب الذي ذكرنا قصته مع إبراهيم بن أدهم. ولو أراد الإخلاص في زهده لأكل مع أهله قدر ما ينمحي به جاه النفس ويقطع الحديث عنه فقد كان داود بن أبي هند، صام عشرين سنة ولم يعلم به أهله. كان يأخذ غذاءه ويخرج إلى السوق فيتصدق به في الطريق، فأهل السوق يظنون أنه قد أكل في البيت، وأهل البيت يظنون أنه قد أكل في السوق هكذا كان الناس.

стр. 183

نقد مسالك الزهاد ومن المتزهدين: من قوته الانقطاع في مسجد أو رباط أو جبل فلذته علم الناس بانفراده وربما احتج لانقطاعه بأني أخاف أن أرى في خروجي المنكرات. وله في ذلك مقاصد: منها الكبر واحتقار الناس، ومنها أنه يخاف أن يقصروا في خدمته، ومنها حفظ ناموسه ورياسته فإن مخالطة الناس تذهب ذلك وهو يريد أن يبقى إطراؤه وذكره. وربما كان مقصوده ستر عيوبه ومقابحه وجهله بالعلم فيرى هذا. ويحب أن يزار ولا يزور ويفرح بمجيء الأمراء إليه واجتماع العوام على بابه وتقبيلهم يده. فهو يترك عيادة المرضى وشهود الجنائز وبقول أصحابه: اعذروا الشيخ فهذه عادته - لا كانت عادة تخالف الشريعة. ولو احتاج هذا الشخص إلى القوت ولم يكن عنده من يشتريه له صبر على الجوع لئلا يخرج لشراء ذلك بنفسه فيضيع جاهه لمشيه بين العوام ولو أنه خرج فاشترى حاجته لانقطعت عنه الشهرة ولكن في باطنه حفظ الناموس. وقد كان رسول الله ﷺ يخرج إلى السوق ويشتري حاجته ويحملها بنفسه. وكان أبو بكر ﵁ يحمل الثياب على كتفه فيبيع ويشتري. والحديث بإسناد عن محمد بن القاسم قال: روي عن عبد الله بن حنظلة قال: مر عبد الله بن سلام وعلى رأسه حزمة حطب فقال له ناس: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله؟ قال: أردت أن أدفع به الكبر وذلك أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من الكبر». فصل قال المصنف: وهذا الذي ذكرته من الخروج لشراء الحاجة ونحوها من

стр. 184

التبدل كان عادة السلف القدماء وقد تغيرت تلك العادة كما تغيرت الأحوال والملابس. فلا أرى للعالم أن يخرج اليوم لشراء حاجته لأن ذلك يكشف نور العلم عند الجهلة وتعظيمه عندهم مشروع. ومراعاة قلوبهم في مثل هذا يخرج إلى الرياء واستعمال ما يوجب الهيبة في القلوب لا يمنع منه. وليس كل ما كان في السلف مما لا يتغير به قلوب الناس يومئذ ينبغي أن يفعل اليوم. قال الأوزاعي: كنا نضحك ونمزح فإذا صرنا يقتدى بنا فلا أرى ذلك يسعنا وقد روينا عن إبراهيم بن أدهم أن أصحابه كانوا يوما يتمازحون فدق رجل الباب فأمرهم بالسكوت والسكون. فقالوا له: تعلمنا الرياء؟! فقال: إني أكره أن يعصى الله فيكم. قال المصنف: وإنما خاف قول الجهلة: انظروا إلى هؤلاء الزهاد كيف يفعلون وذلك أن العوام لا يحتملون مثل هذا للمتعبدين. فصل ومن هؤلاء قوم لو سئل أحدهم أن يلبس اللين من ثوبه ما فعل لئلا يتوكس جاهه في الزهد ولو خرج روحه لا يأكل والناس يرونه ويحفظ نفسه في التبسم فضلا عن الضحك. ويوهمه إبليس أن هذا لإصلاح الخلق وإنما هو رياء يحفظ به قانون الناموس فتراه مطأطئ الرأس عليه آثار الحزن فإذا خلا رأيته ليث شرى. فصل وقد كان السلف يدفعون عنهم كل ما يوجب الإشارة إليهم ويهربون من المكان الذي يشار إليهم فيه والحديث بإسناد عن عبد الله بن خفيف قال: قال يوسف بن أسباط: خرجت من سبج راجلا حتى أتيت المصيصة وجرابي على

стр. 185

عنقي، فقام ذا حانوته يسلم علي وذا يسلم، فطرحت جرابي ودخلت المسجد أصلي ركعتين أحد قوابي واضطلع رجل في وجهي فقلت في نفسي كم بقاء قلبي على هذا، فأخذت جرابي ورجعت بعرفي وعنائي إلى سبج فما رجعت إلى قلبي سنتين. فصل ومن الزهاد من يلبس الثوب المخرق ولا يخيطه ويترك إصلاح عمامته وتسريح لحيته ليرى أنه ما عنده من الدنيا خير. وهذا من أبواب الرياء، فإن كان صادقا في إعراضه عن أغراضه كما قيل لداود الطائي: ألا تسرح لحيتك! فقال: إني عنها لمشغول. فليعلم أنه سلك غير الجادة، إذ ليست هذه طريقة رسول الله ﷺ ولا أصحابه، فإنه كان يسرح شعره وينظر في المرآة ويدهن ويتطيب وهو أشغل الخلق بالآخرة. وكان أبو بكر وعمر ﵄ يخضبان بالحناء والكتم. وهما أخوف الصحابة وأزهدهم. فمن ادعى رتبة تزيد على السنة وأفعال الأكابر لم يلتفت إليه. فصل ومن الزهاد من يلزم الصمت الدائم وينفرد عن مخالطة أهله فيؤذيهم بقبح أخلاقه وزيادة انقباضه وينسى قول النبي ﷺ : «إن لأهلك عليك حقا». وقد كان رسول الله ﷺ يمزح فيلاعب الأطفال ويحدث أزواجه، وسابق عائشة إلى غير ذلك من الأخلاق اللطيفة فهذا المتزهد الجاعل زوجته كالأيم وولده كاليتيم لانفراده عنهم وقبح أخلاقه لأنه يرى أن ذلك يشغله عن الآخرة ولا يدري لقلة

стр. 186

علمه أن الانبساط إلى الأهل من العون على الآخرة. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لجابر: «هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك». وربما غلب على هذا المتزهد التجفف فترك مباضعة الزوجة فيضيع فرضا بنافلة غير ممدوحة. فصل ومن الزهاد من يرى عمله فيعجبه فلو قيل له: أنت من أوتاد الأرض رأى ذلك حقا. ومنهم من يترصد لظهور كرامته ويخيل إليه أنه لو قرب من الماء قدر أن يمشي عليه، فإذا عرض له أمر فدعا فلم يجب تذمر في باطنه فكأنه أجير يطلب أجر عمله. ولو رزق الفهم لعلم أنه عبد مملوك والمملوك لا يمن بعمله، ولو نظر إلى توفيقه للعمل لرأى وجوب الشكر فخاف من التقصير فيه. وقد كان ينبغي أن يشغله خوفه على العمل من التقصير فيه عن النظر إليه كما كانت رابعة تقول: أستغفر الله من قلة صدقي في قولي. وقيل لها: هل عملت عملا ترين أنه يقبل منك؟ فقالت: إذا كان فمخافتي أن يرد علي. فصل ومن تلبيس إبليس على قوم من الزهاد الذي دخل عليهم فيه من قلة العلم أنهم يعملون بواقعاتهم ولا يلتفتون إلى قول الفقيه، قال ابن عقيل: كان أبو إسحاق الخراز صالحا، وهو أول من لقنني كتاب الله وكان من عادته الإمساك عن الكلام في شهر رمضان، فكان يخاطب بآي القرآن فيما يعرض إليه من الحوائج فيقول: في أذنه ﴿ادخلوا عليهم الباب﴾، ويقول لابنه في عشية الصوم: ﴿من بقلها وقثائها﴾ آمرا أن يشترى البقل، فقلت له: هذا الذي تعتقده عبادة هو معصية. فصعب عليه، فقلت: إن هذا القرآن العزيز أنزل في بيان أحكام

стр. 187

شرعية فلا يستعمل في أغراض دنيوية، وما هذا إلا بمثابة صرك السدر والأشنان في ورق المصحف أو توسدك له. فهجرني ولم يصغ إلى الحجة. قال المصنف قالت: وقد يسمع الزاهد القليل العلم أشياء من العوام فيفتي به. حدثني أبو حكيم إبراهيم بن دينار الفقيه أن رجلا استفتاء فقال: ما تقول في امرأة طلقت ثلاثا فولدت ذكرا هل تحل لزوجها؟ قال: فقلت: لا. وكان عندي الشريف الدحالي وكان مشهورا بالزهد عظيم القدر بين العوام، فقال لي: بل تحل. فقلت: ما قال بهذا أحد. فقال: والله لقد أفتيت بهذا من ههنا إلى البصرة. قال المصنف: فانظر ما يصنع الجهل بأهله ويضاف إليه حفظ الجاه خوفا أن يرى الزاهد بعين الجهل. وقد كان السلف ينكرون على الزاهد مع معرفته بكثير من العلم أن يفتي لأنه لم يجمع شروط الفتوى فكيف لو رأوا تخبيط المتزهدين اليوم في الفتوى بالواقعات وبالإسناد عن إسماعيل بن شبة قال: دخلت على أحمد بن حنبل وقد قدم أحمد بن حرب من مكة فقال لي أحمد بن حنبل: من هذا الخراساني الذي قد قدم؟ قلت: من زهده كذا وكذا، ومن ورعه كذا وكذا. فقال: لا ينبغي لمن يدعي ما يدعيه أن يدخل نفسه في الفتيا. احتقار العلماء وذمهم ومن تلبيسه على الزهاد احتقارهم العلماء وذمهم إياهم، فهم يقولون المقصود العمل ولا يفهمون أن العلم نور القلب. ولو عرفوا مرتبة العلماء في حفظ الشريعة وأنها مرتبة الأنبياء لعدوا أنفسهم كالبكم عند الفصحاء والعمي عن البصراء، والعلماء أدلة الطريق والخلق وراءهم، وسليم هؤلاء يمشي وحده. وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال لعلي بن

стр. 188

أبي طالب ﵁: «والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم». تفسح العلماء في بعض المباحات ومما يعيبون به العلماء تفسح العلماء في بعض المباحات التي يتقوون بها على دراسة العلم. وكذلك يعيبون جامع الأموال، ولو فهموا معنى المباح لعلموا أنه لا يذم فاعله، وغاية الأمر أن غيره أولى منه، أفيحسن لمن صلى الليل أن يعيب على من أدى الفرض ونام! ولقد روينا بإسناد عن محمد بن جعفر الخولاني قال: حدثني أبو عبد الله الخواص وكان من اصحاب حاتم الأصم قال: دخلنا مع حاتم البلخي إلى الري ومعه ثلاثمائة وعشرون رجلا من أصحابه يريد الحج، وعليهم الصوف والزرمانقات ليس فيهم من معه جراب ولا طعام، فنزلنا على رجل من التجار متنسك فضافنا تلك الليلة فلما كان من الغد قال حاتم: يا أبا عبد الرحمن لك حاجة فإني أريد أن أعود فقيها لنا هو عليل. فقال حاتم: إن كان لكم فقيه عليل فعيادة الفقيه لها فضل كبير، والنظر إلى الفقيه عبادة، وأنا أجيء معك. وكان العليل محمد بن مقاتل قاضي الري، فقال له: مر بنا يا أبا عبد الرحمن فجاؤوا إلى باب داره فإذا البواب فبقي حاتم متفكرا يقول: رب دار عالم على هذه الحال. ثم أذن لهم فدخلوا فإذا بدار قوراء وآلة حسنة وبزة وفرش وستور، فبقي حاتم متفكرا ينظر حتى دخلوا إلى المجلس الذي فيه محمد بن مقاتل، وإذا بفراش حسن وطيء وهو عليه راقد، وعند رأسه مذبة وناس وقوف، فقعد الرازي وبقي حاتم قائما فأومأ إليه محمد بن مقاتل بيده أن اجلس، فقال حاتم: لا أجلس. فقال له ابن مقاتل: فلك حاجة؟ قال: نعم. قال: وما هي؟ قال: مسألة أسألك عنها. قال: فاسألني. قال حاتم: قم فاستو جالسا حتى أسألك عنها. فأمر غلمانه فأسندوه. فقال حاتم: علمك هذا من أين جئت به؟ فقال: حدثني الثقات عن الثقات من الأئمة. قال:

стр. 189

عمن أخذوه من التابعين، قال: والتابعون ممن أخذوه، قال: عن أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: وأصحاب رسول الله ﷺ عمن أخذوه؟ قال: عن رسول الله ﷺ ، قال: ورسول الله ﷺ من أين جاء به؟ قال: عن جبريل عن الله . فقال حاتم: ففيم أداه جبريل عن الله إلى النبي ﷺ وأداه النبي ﷺ إلى الصحابة وأداه الصحابة إلى تابعيهم وأداه التابعون إلى الأئمة وأداه الأئمة إلى الثقات وأداه الثقات إليكم، هل سمعت في هذا العلم من كانت داره في الدنيا أحسن وفراشه ألين وزينته أكثر كان له المنزلة عن الله أكبر؟ قال: لا، قال: فكيف سمعت؟ قال: سمعت من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة وأحب المساكين وقدم لآخرته كان عند الله له منزلة أكثر وإليه أقرب، قال حاتم: وأنت بمن اقتديت؟ أبالنبي ﷺ وبأصحابه والتابعين من بعدهم والصالحين على أثرهم، أو بفرعون ونمروذ فإنهما أول من بنى بالجص والآجر. يا علماء السوء، إن الجاهل المتكالب على الدنيا الراغب فيها يقول: هذا العالم على هذه الحالة أو أكون أنا! قال: فخرج من عنده وازداد محمد بن مقاتل مرضا وبلغ أهل الري ما جرى بين حاتم وبين ابن مقاتل، فقالوا لحاتم أن محمد بن عبيد الطنافسي بقزوين أكثر شيئا من هذا فصار إليه فدخل عليه وعنده الخلق يحدثهم فقال له: رحمك الله، أنا رجل أعجمي جئتك لتعلمني مبدأ ديني ومفتاح صلاتي، كيف أتوضأ للصلاة؟ فقال: نعم وكرامة، يا غلام إناء فيه ماء فجاءه بإناء فيه ماء، فقعد محمد بن عبيد فتوضأ ثلاثا، ثم قال له: هكذا. فتوضأ. قال حاتم: مكانك رحمك الله حتى أتوضأ بين يديك ليكون أوكد لما أريد. فقام الطنافسي وقعد حاتم مكانه فتوضأ وغسل وجهه ثلاثة حتى إذا بلغ الذراع غسل أربعا، فقال الطنافسي: أسرفت! قال حاتم: فبماذا أسرفت؟! قال: غسلت ذارعك أربعا. قال: يا سبحان الله، أنا في كف ماء أسرفت، وأنت في جميع هذا الذي أراه كله لم تسرف! فعلم الطنافسي أنه أراده بذلك، فدخل البيت ولم يخرج إلى الناس أربعين يوما. وخرج حاتم إلى الحجاز فلما صار إلى المدينة أحب أن يخصم علماء المدينة، فلما دخل المدينة قال: يا قوم، أي مدينة هذه؟ قالوا: مدينة

стр. 190

الرسول ﷺ . قال: فأين قصر رسول الله ﷺ حتى أذهب إليه فأصلي فيه ركعتين. قالوا ما كان لرسول الله ﷺ قصر إنما كان له بيت لاط، قال: فأين قصور أهله وأصحابه وأزواجه؟ قالوا: ما كان لهم قصور، إنما كان لهم بيوت لاطئة. فقال حاتم: فهذه مدينة فرعون. قال: فسبوه وذهبوا به إلى الوالي، وقالوا: هذا العجمي يقول: هذه مدينة فرعون. فقال الوالي: لم قلت ذلك؟ قال حاتم: لا تعجل علي أيها الأمير، أنا رجل غريب دخلت هذه المدينة، فسألت أي مدينة هذه، قالوا مدينة رسول الله ﷺ . وسألت عن قصر رسول الله ﷺ وقصور أصحابه قالوا: إنما كانت لهم بيوت لاطئة. وسمعت الله يقول: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾. فأنتم بمن تأسيتم، برسول الله ﷺ أو بفرعون؟. قال المصنف: قلت: الويل للعلماء من الزاهد الجاهل الذي يقتنع بعمله فيرى الفضل فرضا. فإن الذي أنكره مباح والمباح مأذون فيه والشرع لا يأذن في شيء ثم يعاتب عليه. فما أقبح الجهل ولو أنه قال لهم: لو قصر تم فيما أنتم فيه لتقتدي الناس بكم كان أقرب حالة ولو سمع هذا بأن عبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم، وفلانا وفلانا من الصحابة خلفوا مالا عظيما أتراه ماذا يقول وقد اشترى تميم الداري حلة بألف درهم وكان يقوم فيها بالليل ففرض على الزاهد التعلم من العلماء فإذا لم يتعلم فليسكت والحديث بإسناد عن مالك بن دينار ﵁ قال: إن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز. وبإسناد عن حبيب الفارسي يقول: والله إن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز. قال المصنف: قلت المراد بالقراء الزهاد، وهذا اسم قديم لهم معروف والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.

стр. 191

الباب العاشر: في ذكر تلبيسه على الصوفية: من جملة الزهاد قال المصنف: الصوفية من جملة الزهاد وقد ذكرنا تلبيس إبليس على الزهاد إلا أن الصوفية انفردوا عن الزهاد بصفات وأحوال وتوسموا بسمات فاحتجنا إلى إفرادهم بالذكر، والتصوف طريقة كان ابتداؤها الزهد الكلي ثم ترخص المنتسبون إليها بالسماع والرقص فمال إليهم طلاب الآخرة من العوام لما يظهرونه من التزهد. ومال إليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب فلا بد من كشف تلبيس إبليس عليهم في طريقة القوم ولا ينكشف ذلك إلا بكشف أصل هذه الطريقة وفروعها وشرح أمورها والله الموفق للصواب. (فصل) قال المصنف: كانت النسبة في زمن رسول الله ﷺ إلى الإيمان والإسلام. فيقال مسلم ومؤمن. ثم حدث اسم زاهد وعابد. ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد فتخلوا عن الدنيا وانقطعوا إلى العبادة واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها. وأخلاقا تخلقوا بها ورأوا أن أول من انفرد به بخدمة الله عند بيته الحرام رجل يقال له صوفة واسمه الغوث بن مر فانتسبوا إليه لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله فسموا بالصوفية. أنبأنا محمد بن ناصر عن أبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال. قال قال أبو

стр. 192

محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ قال: سألت وليد بن القاسم إلى أي شيء ينسب الصوفي؟ فقال: كان قوم في الجاهلية يقال لهم صوفة انقطعوا إلى الله وقطنوا الكعبة، فمن تشبه بهم فهم الصوفية. قال عبد الغني: فهؤلاء المعروفون بصوفة ولد الغوث بن مر بن أخي تميم بن مر. وبالإسناد إلى الزبير بن بكار قال: كانت الإجازة بالحج للناس من عرفة إلى الغوث بن مر بن أد بن طابخة ثم كانت في ولده، وكان يقال لهم صوفة. وكان إذا حانت الإجازة قالت العرب: أجز صوفة. قال الزبير: قال أبو عبيدة: وصوفة يقال لكل من ولي البيت شيئا من غير أهله، أو قام بشيء من أمر المناسك يقال لهم صوفة وصوفان. قال الزبير: حدثني أبو الحسن الأثرم عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: إنما سمي الغوث بن مر (صوفة) لأنه ما كان يعيش لأنه ولد، فنذرت لئن عاش لتعلقن برأسه صوفة ولتجعلنه ربيط الكعبة، ففعلت، فقيل له صوفة ولولده من بعده. قال الزبير: وحدثني إبراهيم بن المنذري عن عبد العزيز بن عمران قال: أخبرني عقال بن شبة قال: قالت أم تميم بن مر وقد ولدت نسوة فقالت: لله علي إن ولدت غلاما لأعبدنه للبيت. فولدت الغوث بن مر، فلما ربطته عند البيت أصابه الحر فمرت به وقد سقط واسترخى. فقالت: ما صار ابني إلا صوفة. فسمي صوفة. وكان الحج وإجازة الناس من عرفة إلى منى ومن منى إلى مكة لصوفة. فلم تزل الإجازة في عقب صوفة حتى أخذتها عدوان فلم تزل في عدوان حتى أخذتها قريش.

стр. 193

نقد مسالك الصوفية قال المصنف: وقد ذهب قوم إلى أن التصوف منسوب إلى أهل الصفة، وإنما ذهبوا إلى هذا لأنهم رأوا أهل الصفة على ما ذكرنا من صفة صوفة في الانقطاع إلى الله وملازمة الفقر فإن أهل الصفة كانوا فقراء يقدمون على رسول الله ﷺ وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله ﷺ وقيل أهل الصفة. والحديث بإسناد عن الحسن قال: بنيت صفة لضعفاء المسلمين فجعل المسلمون يوصلون إليها ما استطاعوا من خير، وكان رسول الله ﷺ يأتيتهم فيقول: «السلام عليكم يا أهل الصفة. فيقولون: وعليك السلام يا رسول الله. فيقول: كيف أصبحتم؟ فيقولون: بخير يا رسول الله». وبإسناد عن نعيم بن المجمر عن أبيه عن أبي ذر قال: كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله ﷺ فيأمر كل رجل فينصرف برجل فيبقى من بقي من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤثرنا النبي ﷺ بعشائه فننتعش فإذا فرغنا قال رسول الله ﷺ : ناموا في المسجد. قال المصنف: وهؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة. وإنما أكلو من الصدقة ضرورة. فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا. ونسبة الصوفي إلى أهل الصفة غلط لأنه لو كان كذلك لقيل صفي، وقد ذهب إلى أنه من الصوفانة وهي بقلة رعناء قصيرة، فنسبوا إليها لاجتزائهم بنبات الصحراء، وهذا أيضا غلط لأنه لو نسبوا إليها لقيل صوفاني. وقال آخرون هو منسوب إلى صوفة القفا. وهي الشعرات النابتة في مؤخره، كأن الصوفي عطف به إلى الحق وصرفه عن الخلق. وقال آخرون: بل هو منسوب إلى الصوف، وهذا يحتمل. والصحيح الأول. وهذا الاسم ظهر للقوم قبل سنة مائتين ولما أظهره أوائلهم تكلموا فيه

стр. 194

وعبروا عن صفته بعبارات كثيرة وحاصلها أن التصوف عندهم رياضة النفس ومجاهدة الطبع برده عن الأخلاق الرذيلة، وحمله على الأخلاق الجميلة من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق إلى غير ذلك من الخصال الحسنة التي تكسب المدائح في الدنيا والثواب في الأخرى. والحديث بإسناد عن الطوسي يقول: سمعت أبا بكر بن المثاقف يقول: سألت الجنيد بن محمد عن التصوف، فقال الخروج عن كل خلق رديء، والدخول في كل خلق سني. وبإسناد عن عبد الواحد بن بكر قال: سمعت محمد بن خفيف يقول: قال رويم كل الخلق قعدوا على الرسوم، وقعدت هذه الطائفة على الحقائق، وطالب الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشرع وهم طالبوا أنفسهم بحقيقة الورع ومداومة الصدق. قال المصنف: وعلى هذا كان أوائل القوم فلبس إبليس عليهم في أشياء ثم لبس على من بعدهم من تابعيهم فكلما مضى قرن زاد طعمه في القرن الثاني فزاد تلبيسه عليهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن. وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عن العلم وأراهم أن المقصود العمل، فلما أطفأ مصباح العلم عندهم تخبطوا في الظلمات، فمنهم من أراه أن المقصود من ذلك ترك الدنيا في الجملة فرفضوا ما يصلح أبدانهم، وشبهوا المال بالعقارب، ونسوا أنه خلق للمصالح، وبالغوا في الحمل على النفوس حتى أنه كان فيهم من لا يضطجع وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم على غير

стр. 195

الجادة. وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة وهو لا يدري. ثم جاء أقوام فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوساوس والخطرات وصنفوا في ذلك مثل الحارث المحاسبي وجاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف والتصفيق وتميزوا بزيادة النظافة والطهارة. ثم مازال الأمر ينمي والأشياخ يضعون لهم أوضاعا ويتكلمون بواقعاتهم. ويتفق بعدهم عن العلماء لا بل رؤيتهم ما هم فيه أو في العلوم حتى سموه العلم الباطن وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر. ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة فادعى عشق الحق والهيمان فيه، فكأنهم تخايلوا شخصا مستحسن الصورة فهاموا به، وهؤلاء بين الكفر والبدعة. ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق، ففسدت عقائدهم، فمن هؤلاء من قال بالحلو ومنهم من قال بالاتحاد. ومازال إبليس يخبطهم بفنون البدع حتى جعلوا لأنفسهم سننا. وجاء أبو عبد الرحمن السلمي فصنف لهم كتاب السنن وجمع لهم حقائق التفسير، فذكر عنهم فيه العجب في تفسيرهم القرآن بما يقع لهم من غير إسناد ذلك إلى أصل من أصول العلم، وإنما حملوه على مذاهبهم. والعجب من ورعهم في الطعام وانبساطهم في القرآن. وقد أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن القزاز قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: قال لي محمد بن يوسف القطان النيسابوري قال: كان أبو عبد الرحمن السلمي غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئا يسيرا، فلما مات الحاكم أبو

стр. 196

عبد الله بن البيع حدث عن الأصم بتاريخ يحيى بن معين وبأشياء كثيرة سواه، وكان يضع للصوفية الأحاديث. قال المصنف: وصنف لهن أبو نصر السراج كتابا سماه لمع الصوفية ذكر فيه من الاعتقاد القبيح والكلام المرذول ما سنذكر منه جملة إن شاء الله تعالى. وصنف لهم أبو طالب المكي قوت القلوب فذكر فيه الأحاديث الباطلة وما لا يستند فيه إلى أصل من صلوات الأيام والليالي وغير ذلك من الموضوع وذكر فيه الاعتقاد الفاسد. وردد فيه قول - قال بعض المكاشفين - وهذا كلام فارغ، وذكر فيه عن بعض الصوفية إن الله يتجلى في الدنيا لأوليائه. أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: قال أبو طاهر محمد بن العلاف قال: دخل أبو طالب المكي إلى البصرة بعد وفاة أبي الحسين بن سالم فانتمى إلى مقالته وقدم بغداد فاجتمع الناس عليه في مجلس الوعظ فخلط في كلامه فحفظ عنه أنه قال: ليس على المخلوق أضر من الخالق، فبدعة الناس وهجروه فامتنع من الكلام على الناس بعد ذلك. قال الخطيب: وصنف أبو طالب المكي كتابا سماه قوت القلوب على لسان الصوفية وذكر فيه أشياء منكرة مستبشعة في الصفات. قال المصنف: وجاء أبو نعيم الأصبهاني فصنف لهم كتاب الحلية. وذكر في حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة ولم يستح أن يذكر في الصوفية أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وسادات الصحابة ﵃. فذكر عنهم فيه العجب، وذكر منهم شريحا القاضي والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وكذلك ذكر السلمي في طبقات الصوفية الفضيل وإبراهيم بن أدهم ومعروفا الكرخي وجعلهم من الصوفية بأن أشار إلى أنهم من الزهاد. فالتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد ويدل على الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد وقد ذموا التصوف على ما سيأتي ذكره، وصنف لهم عبد الكريم بن هوازن القشيري كتاب الرسالة فذكر فيها العهجائب من الكلام في

стр. 197

الفناء والبقاء والقبض والبسط والوقت والحال والوجد والوجود والجمع والتفرقة والصحو والسكر والذوق والشرب والمحو والإثبات والتجلي والمحاضرة والمكاشفة واللوائح والطوالع واللوامع والتكوين والتمكين والشريعة والحقيقة إلى غير ذلك من التخليط الذي ليس بشيء وتفسيره أعجب منه. وجاء محمد بن ظاهر المقدسي فصنف لهم صفوة التصوف فذكر فيه أشياء يستحي العاقل من ذكرها، سنذكر منها ما يصلح ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى. وكان شيخنا أبو الفضل بن ناصر الحافظ يقول: كان ابن طاهر يذهب مذهب الإباحة. قال: وصنف كتابا في جواز النظر إلى المراد، أورد فيه حكاية عن يحيى بن معين قال: رأيت جارية بمصر مليحة صلى الله عليها! فقيل له: تصلي عليها؟! فقال: صلى الله عليها وعلى كل مليح. قال شيخنا ابن ناصر: وليس ابن طاهر بمن يحتج به. وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم كتاب الأحياء على طريقة القوم، وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها، وتكلم في علم المكاشفة، وخرج عن قانون الفقه، وقال: إن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم صلوات الله عليه أنوار هي حجب الله ولم يرد هذه المعروفات. وهذا من جنس كلام الباطنية. وقال في كتابه المفصح بالأحوال: إن الصوفية في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصورة إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق. قال المصنف: وكان السبب في تصنيف هؤلاء مثل هذه الأشياء قلة علمهم بالسنني والإسلام والآثار وإقبالهم على ما استحسنوه من طريقة القثوم. وإنما استحسنوها لأنه قد ثبت في النفوس مدح الزهد وما رأوا حالة أحسن من حالة هؤلاء القوم في الصورة ولا كلاما أرق من كلامهم. وفي سير السلف نوع

стр. 198

خشونة ثم أن ميل الناس إلى هؤلاء القوم شديد لما ذكرنا من أنها طريقة ظاهرها النظافة والتعبد وفي ضمنها الراحة والسماع والطباع تميل إليها. وقد كان أوائل الصوفية ينفرون من السلاطين والأمراء فصاروا أصدقاء. (فصل) وجمهور هذه التصانيف التي صنفت لهم لا تستند إلى أصل وإنما هي واقعات تلقفها بعضهم عن بعض ودونوها وقد سموها بالعلم الباطن. والحديث بإسناد إلى أبي يعقوب إسحق بن حية قال سمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن الوساوس والخطرات، فقال: ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون. قال المصنف: وقد روينا في أول كتبنا هذا عن ذي النون نحو هذا وروينا عن أحمد بن حنبل أنه سمع كلام الحارث المحاسبي فقال لصاحب له: لا أرى لك أن تجالسهم. وعن سعيد بن عمرو البردعي قال: شهدت أبا زرعة وسئل عن الحارث المحاسبي وكتبه، فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه الكتب كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة، قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة. بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمة، صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم يأتوننا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبد الرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم ومرة بشقيق، ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع. أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: أول من تكلم في بلدته في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية ذو النون المصري، فأنكر عليه ذلك عبد الله بن عبد الحكم وكان رئيس مصر، وكان يذهب مذهب مالك وهجره لذلك علماء مصر لما شاع خبره أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف حتى رموه بالزندقة. قال السلمي:

стр. 199

وأخرج أبو سليمان الدارني من دمشق: وقالوا أنه يزعم أنه يرى الملائكة وأنهم يكلمونه، وشهد قوم على أحمد بن أبي الحواري أنه يفضل الأولياء على الأنبياء فهرب من دمشق إلى مكة، وأنكر أهل بسطام على أبي يزيد البسطامي ما كان يقول حتى أنه ذكر للحسين بن عيسى أنه يقول: لي معراج كما كان للنبي ﷺ معراج. فأخرجوه من بسطام، وأقام بمكة سنتين ثم رجع إلى جرجان فأقام بها إلى أن مات الحسين بن عيسى ثم رجع إلى بسطام. قال السلمي وحكى رجل عن سهل بن عبد الله التستري أنه يقول: إن الملائكة والجن والشياطين يحضرونه وإنه يتكلم عليهم، فأنكر ذلك عليهم العوام حتى نسبوه إلى القبائح، فخرج إلى البصرة فمات فيها. قال السلمي: وتكلم الحارث المحاسبي في شيء من الكلام والصفات فهجره أحمد بن حنبل فاختفى إلى أن مات. قال المصنف: وقد ذكر أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن أحمد بن حنبل أنه قال: حذروا من الحارث أشد التحذير، الحارث أصل البلية. يعني في حوادث كلام جهم ذاك جالسة فلان وفلان وأخرجهم إلى رأي جهم ما زال مأوى أصحاب الكلام حارث بمنزلة الأسد المرابط أنظر أي يوم يثب على الناس. أوائل الصوفية يقرون بأن التعويل على الكتاب والسنة قال المصنف: وقد كان أوائل الصوفية يقرون بأن التعويل على الكتاب والسنة وإنما لبس الشيطان عليهم لقلة علمهم. وبإسناد عن جعفر الخلدي يقول: سمعت الجنيد يقول: قال أبو سليمان الداراني قال: ربما تقع في نفسي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة وبإسناد عن طيفور البسطامي يقول: سمعت موسى بن عيسى يقول: قال

стр. 200

لي أبي قال أبو يزيد: لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود. وبإسناد عن أبي موسى يقول: سمعت أب يزيد البسطامي قال: من ترك قراءة القرآن والتقشف ولزوم الجماعة وحضور الجنائز وعيادة المرضى وادعى بهذا الشأن فهو مبتدع. وبإسناد عن عبد الحميد الحبلي يقول: سمعت سريا يقول: من ادعى باطن علم ينقض ظاهر حكم فهو غالط. وعن الجنيد أنه قال: مذهبنا هذا مقيد بالأصول الكتاب والسنة، وقال أيضا: علمنا منوط بالكتاب والسنة، من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه، لا يقتدى به. وقال أيضا: ما أخذنا التصوف عن القيل والقال لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات لأن التصوف من صفاء المعاملة مع الله وأصله التفرق عن الدنيا كما قال حارثة: عرفت نفسي في الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري. وعن أبي بكر الشفاف: من ضيع حدود الأمر والنهي في الظاهر حرم مشاهدة القلب في الباطن، وقال الحسين النوري لبعض أصحابه: من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد علم الشرع فلا تقربنه، ومن رأيته يدعي حالة لا يدل عليها دليل ولا يشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه على دينه. وعن الجريري قال: أمرنا هذا كله مجموع على فضل واحد هو أن تلزم قلبك المراقبة ويكون العلم على ظاهرك قائما. وعن أبي جعفر قال: من لم يزن أقواله وأفعاله وأحواله بالكتاب والسنة ولم يتهم خاظره فلا تعده في ديوان الرجال.

стр. 201

(فصل) قال المصنف: وإذ قد ثبت هذا من أقوال شيوخهم وقعت من بعض أشياخهم غلطات لبعدهم عن العلم فإن كان ذلك صحيحا عنهم توجه الرد عليهم إذ لا محاباة في الحق وإن لم يصح عنهم حذرنا من مثل هذا القول وذلك المذهب من أي شخص صدر. فأما المشبهون بالقوم وليسوا منهم فأغلاظهم كثيرة. ونحن نذكر بعض ما بلغنا من أغلاط القوم والله يعلم أننا لم نقصد ببيان غلط الغالط إلا تنزيه الشريعة والغيرة عليها من الدخل وما علينا من القائل والفاعل وإنما نؤدي بذلك أمانة العلم ومازال العلماء يبين كل واحد منهم غلط صاحبه قصدا لبيان الحق لا لإظهار عيب الغالط ولا اعتبار بقول جاهل يقول: كيف يرد على فلان الزاهد المتبرك به. لأن الانقياد إنما يكون إلى ما جاءت به الشريعة لا إلى الأشخاص، وقد يكون الرجل من الأولياء وأهل الجنة وله غلطات فلا تمنع منزلته بيان زلله. واعلم أن من نظر إلى تعظيم شخص ولم ينظر بالدليل إلى ما صدر عنه كان كمن ينظر إلى ما جرى على يد المسيح صلوات الله عليه من الأمور الخارقة، ولم ينظر إليه فادعي فيه الألوهية. ولو نظر إليه وأنه لا يقوم إلا بالطعام لم يعطه إلا ما يستحقه. وقد أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي بإسناد إلى يحيى بن سعيد قال: سألت شعبة وسفيان بن سعيد وسفيان بن عيينة ومالك بن أنس عن الرجل لا يحفظ أو يتهم في الحديث، فقالوا جميعا: يبين أمره. وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يمدح الرجل ويبالغ ثم يذكر غلطه في الشيء بعد الشيء وقال: نعم الرجل فلان، لزلا أن خلة فيه. وقال عن سري السقطي الشيخ المعروف بطيب المطعم، ثم حكى له عنه أنه قال إن الله لما خلق الحروف سجدت الباء فقال: نفروا الناس عنه.

стр. 202

سياق ما يروى عن الجماعة منهم من سوء الاعتقاد: ذكر تلبيس إبليس في السماع وغيره عن أبي عبد الله الرملي قال: تكلم أبو حمزة في جامع طرسوس فقبلوه، فبينا هو ذات يوم يتكلم إذ صاح غراب على سطح الجامع، فزعق أبو حمزة وقال: لبيك لبيك. فنسبوه إلى الزندقة وقالوا حلولي زنديق. وبيع فرسه بالمناداة على باب الجامع (هذا فرس الزنديق). وبإسناد إلى أبي بكر الفرغاني أنه قال: كان أبو حمزة إذا سمع شيئا يقول: لبيك لبيك، فأطلقوا عليه أنه حلولي. ثم قال أبو علي وإنما جعله داعيا من الحق أيقظه للذكر. وعن أبي علي الروزباري قال: أطلق على أبي حمزة أنه حلولي وذلك أنه كان إذا سمع صوتا مثل هبوب الرياح وخرير الماء وصياح الطيور كان يصيح ويقول: لبيك لبيك فرموه بالحلول. قال السراج: وبلغني عن أبي حمزة أنه دخل دار الحارث المحاسبي فصاحت الشاة (ماع) فشهق أبو حمزة شهقة وقال: لبيك سيدي. فغضب الحارث المحاسبي وعمد إلى سكين وقال: إن لم تتب من هذا الذي أنت فيه أذبحك! قال أبو حمزة: إذا أنت لم تحسن تسمع هذا الذي أنا فيه فلم تأكل النخالة بالرماد. وقال السراج: وأنكر جماعة من العلماء على أبي سعيد أحمد بن عيسى الخراط ونسبوه إلى الكفر بألفاظ وجدوها في كتاب صنفه وهو كتاب السر، ومنه قوله: «عبد طائع ما أذن له فلزم التعظيم لله فقدس الله نفسه» قال: وأبو العباس أحمد بن عطاء نسب إلى الكفر والزندقة قال: وكم من مرة قد أخذ الجنيد مع علمه وشهد عليه بالكفر والزندقة وكذلك أكثرهم. وقال السراج: ذكر عن أبي بكرة محمد بن موسى الفرغاني الواسطي أنه قال من ذكر افترى ومن صبر اجترى. وإياك أن تلاحظ حبيبا أو كليما أو خليلا وأنت تجد إلى ملاحظة الحق

стр. 203

سبيلا. فقيل له: أولا أصلي عليهم، فقال: صلى عليهم بلا وقار ولا تجعل لها في قلبك مقدار. قال السراج: وبلغني أن جماعة من الحلوليين زعموا أن الحق اصطفى أجساما حل فيها بمعاني الربوبية، وأزال عنها معاني البشرية ومنهم من قال بالنظر إلى الشواهد المستحسنات ومنهم من قال حال في المستحسنات. قال: وبلغني عن جماعة من أهل الشام أنهم يدعون الرؤية بالقلوب في الدنيا كالرؤية بالعيان في الآخرة. قال السراج: وبلغني أن أبا الحسين النوري شهد عليه غلام الخليل أنه سمعه يقول: أنا أعشق الله وهو يعشقني، فقال النوري: سمعت الله يقول: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ وليس العشق بأكثر من المحبة. قال القاضي أبو يعلى: وقد ذهبت الحلولية إلى أن الله يعشق. قال المصنف: وهذا جهل من ثلاثة أوجه: أحدهما من حيث الاسم فإن العشق عند أهل اللغة لا يكون إلا لما ينكح، والثاني أن صفات الله منقولة فهو يحب ولا يقال يعشق كما يقال يعلم ولا يقال يعرف والثالث من أين له أن الله تعالى يحبه فهذه دعوى بلا دليل وقد قال النبي ﷺ من قال إني في الجنة فهو في النار. وعن أبي عبد الرحمن السلمي حكي عن عمرو المكي أنه قال: كنت أماشي الحسين بن منصور في بعض أزقة مكة وكنت أقرأ القرآن فسمع قراءتي،

стр. 204

فقال: يمكنني أن أقول مثل هذا ففارقته. وعن محمد بن يحيى الرازي قال: سمعت عمرو بن عثمان يلعن الحلاج ويقول: لو قدرت عليه لقتلته بيدي، فقلت بأي شيء وجد عليه الشيخ؟ فقال: قرأت آية من كتاب الله فقال يمكنني أن أقول أو أؤلف مثله وأتكلم به. وبإسناد عن أبي القاسم الرازي يقول قال أبو بكر بن ممشاد قال: حضر عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة فما كان يفارقها لا بالليل ولا بالنهار ففتشوا المخلاة فوجدوا فيها كتابا للحلاج عنوانه (من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان)، فوجه إلى بغداد فأحضر وعرض عليه. فقال: هذا خطي وأنا كتبته. فقالوا: كنت تدعي النبوة فصرت تدعي الربوبية؟! فقال: ما أدعي الربوبية ولكن هذا عين الجمع عندنا، هل الكاتب إلا الله تعالى واليد فيه آلة. فقيل له: هل معك أحد؟ فقال: نعم ابن عطاء وأبو محمد الجريري وأبو بكر الشبلي. وأبو محمد الجريري يتستر والشبلي يتستر فإن كان فابن عطاء فأحضر الجريري وسئل فقال قائل: هذا كافر يقتل من يقول هذا. وسئل الشبلي فقال: من يقول هذا يمنع. وسئل ابن عطاء عن مقالة الحلاج فقال بمقالته وكان سبب قتله. وبإسناد عن ابن باكويه قال: أسمعت عيسى بن بردل القزويني وقد سئل أبو عبد الله بن خفيف عن معنى هذه الأبيات: سبحان من أظهر ناسوتهسر سنا لاهوته الثاقب ثم بدا في خلقه ظاهرافي صورة الآكل والشارب حتى لقد عاينه خلقهكلحظة الحاجب بالحاجب فقال الشيخ: على قائله لعنة الله. قال عيسى بن فورك هذا شعر الحسين

стр. 205

بن منصور قال: إن كان هذا اعتقاده فهو كافر إلا أنه ربما يكون متقولا عليه. وبإسناد عن علي بن المحسن القاضي عن أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن زنجي عن أبيه أن ابنة السمري أدخلت على حامد الوزير. فسألها عن الحلاج فقالت: حملني أبي إليه فقال: قد زوجتك من ابني سليمان وهو مقيم بنيسابور فمتى جرى شيء تنكرينه من جهته فصومي يومك واصعدي في آخر النهار إلى السطح وقومي على الرماد واجعلي فطرك عليه وعلى ملح جريش واستقبليني بوجهك واذكري لي ما أنكرتيه منه فإني أسمع وأرى. قالت: وكنت ليلة نائمة في السطح فأحسست به قد غشيني فانتبهت مذعورة لما كان منه. فقال إنما جئتك لأوقظك للصلاة. فلما نزلنا قالت ابنته: اسجدي له. فقلت: أو يسجد أحد لغير الله. فسمع كلامي. فقال: نعم إله في السماء وإله في الأرض. قال المصنف: اتفق علماء العصر على إباحة دم الحلاج، فأول من قال إنه حلال الدم أبو عمرو القاضي ووافقه العلماء. وإنما سكت عنه أبو العباس سريج قال: وقال لا أدري ما يقول. والإجماع دليل معصوم من الخطأ وبإسناد عن أبي هريرة. قال: «قال رسول الله ﷺ : إن الله أجاركم أن تجتمعوا على ضلالة كلكم». وبإسناد عن أبي القاسم يوسف بن يعقوب النعماني قال: سمعت والدي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن داود الفقيه الأصبهاني يقول: إن كان ما أنزل الله على نبيه ﷺ حقا فما يقول الحلاج باطل وكان شديدا عليه. قال المصنف: وقد تعصب للحلاج جماعة من الصوفية جهلا منهم وقلة مبالاة بإجماع الفقهاء. وبإسناده عن محمد بن الحسين النيسابوري قال: سمعت إبراهيم بن محمد النصر ابادي كان يقول: إن كان بعد النبيين والصديقين موحد

стр. 206

فهو الحلاج، قلت: وعلى هذا أكثر قصاص زماننا وصوفية وقتنا جهلا من الكل بالشرع وبعدا عن معرفة النقل. وقد جمعت في أخبار الحلاج كتابا بينت فيه حيله ومخاريفه وما قال العلماء فيه والله المعين على قمع الجهال. وبإسناد عن أبي نعيم الحافظ قال سمعت عمر البنا البغدادي بمكة يحكي أنه لما كانت محنة غلام الخليل ونسبه الصوفية إلى الزندقة. أمر الخليفة بالقبض عليهم فأخذ النوري في جماعة فأدخلوا على الخليفة فأمر بضرب أعناقهم فتقدم النوري مبتدرا إلى السياف ليضرب عنقه. فقال له السياف: ما دعاك إلى البدار. قال آثرت حياة أصحابي على حياتي هذه اللحظة فتوقف السياف، فرفع الأمر إلى الخليفة فرد أمرهم إلى قاضي القضاة إسماعيل بن إسحاق فأمر بتخليتهم. وبإسناد إلى أبي العباس أحمد بن عطاء قال: كان يسعى بالصوفية ببغداد غلام الخليل إلى الخليفة فقال: ههنا قوم زنادقة. فأخذ أبو الحسين النوري، وأبو حمزة الصوفية، وأبو بكر الدقاق، وجماعة من أقران هؤلاء، واستتر الجنيد بن محمد بالفقه على مذهب أبي ثور. فأحلوا إلى الخليفة، فأمر بضرب أعناقهم، فأول من بدر أبو الحسين النوري، فقال السياف: لم بادرت أنت من بين أصحابك ولم ترع؟ قال: أحببت أن أؤثر أصحابي بالحياة مقدار هذه الساعة. فرد الخليفة أمرهم إلى القاضي فأطلقوا. قال المصنف: ومن أسباب هذه القصة قول النوري: أنا أعشق الله والله يعشقني. فشهد عليه بهذا، ثم تقدم النوري إلى السياف ليقتل إعانة على نفسه فهو خطأ أيضا. وبإسناد عن ابن باكويه قال: سمعت أبا عمرو تلميذ الرقي قال: سمعت الرقي يقول: كان لنا بيت ضيافة فجاءنا فقير عليه خرقتان يكنى بأبي سليمان فقال: الضيافة. فقلت لابني امض به إلى البيت، فأقام عندنا تسعة أيام فأكل في كل ثلاثة أيام أكلة، فسمته المقام فقال: الضيافة ثلاثة أيام، فقلت

стр. 207

له: لا تقطع عنا أخبارك. فغاب عنا اثنتي عشرة سنة ثم قدم فقلت من أين؟ فقال: رأيت شيخا يقال له أبو شعيب المقفع مبتلي فأقمت عنده أخدمه سنة، فوقع في نفسي أن أسأله أي شيء كان أصل بلائه، فلما دنوت منه ابتدأني قبل أن أسأله فقال: وما سؤالك عما لا يعنيك؟ فصبرت حتى تم لي ثلاث سنين، فقال في الثالثة: لا بد لك، فقلت له إن رأيت، فقال: إنما أنا أصلي بالليل إذ لا ح لي من المحراب نور فقلت إخسأ يا ملعون فإن ربي غني عن أن يبرز للخلق ثلاث مرات، قال ثم سمعت نداء من المحراب يا أبا شعيب، فقلت لبيك فقال تحب أن أقبضك في وقتك أو نجازيك على ما مضى لك أو نبتليك ببلاء نرفعك به عليين، فاخترت البلاء فسقطت عيناي ويداي ورجلاي، قال فمكثت أخدمه تمام اثنتي عشرة سنة، فقال يوما من الأيام: ادن مني، فدنوت منه، فسمعت أعضاءه يخاطب بعضها بعضا: ابرز. حتى برزت أعضاؤه كلها بين يديه وهو يسبح ويقدس ثم مات. قال المصنف: وهذه الحكاية توهم أن الرجل رأى الله فلما أنكر عوقب. وقد ذكرنا أن قوما يقولون أن الله يرى في الدنيا. وقد حكى أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي في كتاب المقالات قال: قد حكى قوم من المشبهة أنهم يجيزون رؤية الله تعالى بالأبصار في الدنيا وأنهم لا ينكرون أن يكون بعض من تلقاهم في السكك، وإن قوما يجيزون مع ذلك مصافحته وملازمته وملامسته ويدعون أنهم يزورونه ويزورهم وهم يسمون بالعراق أصحاب الباطن وأصحاب الوساوس وأصحاب الخطرات. قال المصنف: وهذا فوق القبيح نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 208

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الطهارة قال المصنف: قد ذكرنا تلبيسه على العباد في الطهارة إلا أنه قد زاد في حق الصوفية على الحد فقوى وساوسهم في استعمال الماء الكثير حتى بلغني أن ابن عقيل دخل رباطا فتوضأ فضحكوا لقلقة استعماله الماء وما علموا أن من أشبع الوضوء برطل كفاه. وبلغنا عن أبي حامد الشيرازي أنه قال لفقير: من أين تتوضأ؟ فقال: من النهر، بي وسوسة في الطهارة، قال: كان عهدي بالصوفية يسخرون من الشيطان، والآن يسخر بهم الشيطان، ومنهم من يمشي بالمداس على البواري، وهذا لا بأس به إلا أنه ربما نظر المبتدئ إلى من يقتدي به فيظن ذلك شريعة وما كان خيار السلف على هذا، والعجب ممن يبالغ في الاحتراز إلى هذا الحد متصفا بتنظيف ظاهره وباطنه محشو بالوسخ والكدر والله الموفق. ذكر تلبيس إبليس عليهم في الصلاة قال المصنف: وقد ذكرنا تلبيسه على العباد في الصلاة وهو بذلك يلبس على الصوفية ويزيد، وقد ذكر محمد بن طاهر المقدسي أن من سنتهم التي ينفردون بها وينتسبون إليها صلاة ركعتين بعد لبس المرقعة والتوبة واحتج عليه بحديث تمامة بن أثال أن النبي ﷺ أمره حين أسلم أن يغتسل. قال المصنف: وما أقبح بالجاهل إذا تعاطى ما ليس من شغله فإن ثمامة كان كافرا فأسلم وإذا أسلم الكافر وجب عليه الغسل في مذهب جماعة من الفقهاء منهم أحمد بن حنبل، وأما صلاة ركعتين فما أمر بها أحد من العلماء لمن أسلم وليس من حديث ثمامة ذكر صلاة فيقاس عليه. وهل هذا إلا ابتداع في الواقع سموه سنة. ثم من أقبح الأشياء قوله أن الصوفية ينفردون بسنن، لأنها إن كانت منسوبة إلى الشرع فالمسلمون كلهم فيها سواء والفقهاء أعرف بها فما وجه انفراد الصوفية بها وإن كانت بآرائهم فإنما انفردوا بها لأنهم اخترعوها.

стр. 209

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في المساكن قال المصنف: أما بناء الأربطة فإن قوما من المتعبدين الماضين اتخذوها للانفراد بالتعبد، وهؤلاء إذا صح قصدهم فهم على الخطأ من ستة أوجه، أحدها أنهم ابتدعوا هذا البناء وإنما بنيان أهل الإسلام المساجد. والثاني أنهم جعلوا للمساجد نظيرا يقلل جمعها. والثالث أنهم أفاتوا أنفسهم نقل الخطا إلى المساجد. والرابع أنهم تشبهوا بالنصارى بانفرادهم بالأديرة. والخامس أنهم تعذبوا وهم شباب وأكثرهم محتاج إلى النكاح. والسادس أنهم جعلوا لأنفسهم علما ينطق بأنهم زهاد فيوجب ذلك زيارتهم والتبرك بهم. وإن كان قصدهم غير صحيح فإنهم قد بنوا دكاكين للكوبة ومناخا للبطالة وأعلاما لإظهار الزهد. وقد رأينا جمهور المتأخرين منهم مستريحين في الأربطة من كد المعاش متشاغلين بالأكل والشرب والغناء والرقص يطلبون الدنيا من كل ظالم ولا يتورعون من عطاء ماكس. وأكثر أربطتهم قد بناها الظلمة ووقفوا عليها الأموال الخبيثة. وقد لبس عليهم إبليس أن ما يصل إليكم رزقكم فأسقطوا عن أنفسكم كلفة الورع. فمهمتهم دوران المطبخ والطعام والماء المبرد. فأين جوع بشر، وأين ورع سرى، وأين جد الجنيد. وهؤلاء أكثر زمانهم ينقضي في التفكه بالحديث أو زيارة أبناء الدنيا فإذا أفلح أحدهم أدخل رأسه في زرمانقته فغلبت عليه السوداء فيقول حدثني قلبي عن ربي. ولقد بلغني أن رجلا قرأ القرآن في رباط فمنعوه وأن قوما قرأوا الحديث في رباط فقالوا لهم ليس هذا موضعه والله الموفق.

стр. 210

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الخروج عن الأموال والتجرد عنها كان إبليس يلبس على أوائل الصوفية لصدقهم في الزهد فيريهم عيب المال ويخوفهم من شره فيتجردون من الأموال ويجلسون على بساط الفقر وكانت مقاصدهم صالحة وأفعالهم في ذلك خطأ لقلة العلم. فأما الآن فقد كفى إبليس هذه المؤنة فإن أحدهم إذا كان له مال أنفقه تبذيرا وضياعا والحديث بإسناد عن محمد بن الحسين السليمي قال سمعت أبا نصر الطوسي قال: سمعت جماعة من مشايخ الري يقولون ورث أبو عبد الله المقري من أبيه خمسين ألف دينار سوى الضياع والعقار فخرج عن ذلك كله وأنفقه على الفقراء. وقد روى مثل هذا عن جماعة كثيرة وهذا الفعل لا ألوم صاحبه إذا كان يرجع إلى كفاية قد ادخرها لنفسه أو إن كانت له صناعة يستغني بها عن الناس أو كان المال عن شبهة فتصدق به أما أخرج المال الحلال كله ثم احتاج إلى ما في أيدي الناس وأفقر عياله فهو إما أن يتعرض لمنن الأخوان أو لصدقاتهم أو أن يأخذ من أرباب الظلم والشبهات فهذا هو الفعل المذموم المنهي عنه. ولست أتعجب من المتزهدين الذين فعلوا هذا مع قلة علمهم وإنما العجب من أقوام لهم عقل وعلم كيف حثوا على هذا وأمروا به مع مصادمته للعقل والشرع وقد ذكر الحارث المحاسبي في هذا كلاما طويلا وشيده أبو حامد الغزالي ونصره، والحارث عندي أعذر من أبي حامد لأن أبا حامد كان أفقه غير أن دخوله في التصوف أوجب عليه نصرة ما دخل فيه. فمن كلام الحارث المحاسبي في هذا أنه قال: أيها المفتون متى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى وأفضل من تركه، فقد أزريت بمحمد ﷺ والمرسلين، وزعمت أن محمدا ﷺ لم ينصح الأمة إن نهاهم عن جمع المال وقد علم أن جمعه خير لهم، وزعمت أن الله لم ينظر لعباده حين نهاهم عن جمع المال وقد علم أن جمعه خير لهم وما ينفعك الاحتجاج بمال الصحابة. وابن عوف في القيامة أن لو لم يؤت من الدنيا إلا قوتا. قال ولقد بلغني أنه لما توفي عبد الرحمن بن عوف

стр. 211

قال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : إنا نخاف على عبد الرحمن فيما ترك، قال كعب: سبحان الله، وما تخافون على عبد الرحمن، كسب طيبا وأنفق طيبا. فبلغ ذلك أبا ذر فخرج مغضبا يريد كعبا فمر بلحى بعير فأخذه بيده ثم انطلق يطلب كعبا فقيل لكعب إن أبا ذر طلبك فخرج هاربا حتى دخل على عثمان يستغيث به، وأخبره الخبر، فأقبل أبو ذر يقتص الأثر في طلب كعب حتى انتهى إلى دار عثمان فلما دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هاربا من أبي ذر، فقال له أبو ذر: هيه يا ابن اليهودية، تزعم أنه لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف، لقد خرج رسول الله ﷺ يوما فقال الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا ثم قال: يا أبا ذر وأنت تريد الأكثر وأنا أريد الأقل فرسول الله ﷺ يريد هذا وأنت تقول يا ابن اليهودية لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف. كذبت وكذب من قال بقولك، فلم يرد عليه حرفا حتى خرج. قال الحارث: فهذا عبد الرحمن مع فضله يوقف في عرصة القيامة بسبب مال كسبه من حلال التعفف ولصنائع المعروف فيمنع من السعي إلى الجنة مع فقراء المهاجرين وصار يحبو في آثارهم حبوا. وقد كان الصحابة ﵃ إذا لم يكن عندهم شيء فرحوا وأنت تدخر المال وتجمعه خوفا من الفقر وذلك من سوء الظن بالله وقلة اليقين بضمانه وكفى به دائما، وعساك تجمع المال لنعيم الدنيا وزهرتها ولذاتها وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «من أسف على دنيا فاتته قرب من النار مسيرة سنة». وأنت تأسف على ما فاتك غير مكترث بقربك من عذاب الله . ويحك هل تجد في دهرك من الحلال كما وجدت الصحابة وأين الحلال فتجمعه. ويحك إني لك ناصح أرى لك أنك تقنع بالبلغة ولا تجمع المال لأعمال البر، فقد سئل بعض أهل العلم عن الرجل يجمع المال لأعمال البر فقال تركه أبر منه. وبلغنا أن بعض خيار التابعين سئل عن رجلين أحدهما طلب الدنيا حلالا فأصابها فوصل بها رحمه وقدم منها لنفسه والآخر جانبها ولم يطلبها ولم يبذلها فأيهما

стр. 212

أفضل؟ فقال: بعيد والله ما بينهما، الذي جانبها أفضل كما بين مشارق الأرض ومغاربها. قال المصنف: فهذا كلام كله كلام الحارث المحاسبي ذكره أبو حامد شيده وقواه بحديث ثعلبة، فإنه أعطى المال فمنع الزكاة. قال أبو حامد: فمن راقب أحوال الأنبياء والأولياء وأقوالهم لم يشك في أن فقد المال أفضل من وجوده وإن صرف إلى الخيرات، إذ أقل ما فيه اشتغالهم بإصلاحه عن ذكر الله فينبغي للمريد أن يخرج من ماله حتى لا يبقى له إلا قدر ضرورته فما بقي له درهم يلتفت إليه قلبه فهو محجوب عن الله . قال المصنف: وهذا كله بخلاف الشرع والعقل وسوء فهم للمراد بالمال. نقد مسالك الصوفية في تجردهم في رد هذا الكلام أما شرف المال فإنه الله عظم قدره وأمر بحفظه إذ جعله قواما للآدمي الشريف فهو شريف، فقال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ ونهى الله أن يسلم المال إلى غير رشيد، فقال: ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن إضاعة المال وقال لسعد: «لأن تترك وثتك أغنياء خير لك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس». وقال: «ما نفعني مال كمال أبي بكر». والحديث بإسناد مرفوع عن عمرو بن العاص. قال: «بعث إلي رسول الله ﷺ فقال: «خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني»، فأتيته فقال: «إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة»، فقلت يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، فقال: «يا عمرو نعم المال الصالح للرجل الصالح»». والحديث بإسناد عن أنس بن مالك، أن

стр. 213

رسول الله ﷺ دعا له بكل خير، وكان آخر دعائه أن قال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له. وبإسناد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن عبيد الله بن كعب بن مالك قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديث توبته، قال: فقلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ فقال: «أمسك بعض مالك فهو خير لك». قال المصنف: فهذه الأحاديث مخرجة في الصحاح وهي على خلاف ما تعتقده المتصوفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة وأن حبسه ينافي التوكل. ولا ينكر أنه يخاف من فتنته وأن خلقا كثيرا اجتنبوه لخوف ذلك وأن جمعه من وجهة يعز وسلامة القلب من الافتتان به يبعد واشتغال القلب مع وجوده بذكر الآخرة يندر ولهذا خيف فتنة. فأما كسب المال فإن من اقتصر على كسب البلغة من حلها فذلك أمر لا بد منه. وأما من قصد جمعه والاستكثار منه من الحلال نظرنا في مقصوده، فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته وادخر لحوادث زمانه وزمانهم وقصد التوسعة على الأخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أثيب على قصده، وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات. وقد كانت نيات خلق كثير من الصحابة ﵃ أجمعين في جمع المال سليمة لحسن مقاصدهم لجمعه فحرصوا عليه وسألوا زيادته. وبإسناد عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه بأرض يقال لها ثرثر. فأجرى فرسه حتى قام، ثم رمى سوطه فقال: «أعطوه حيث بلغ السوط». وكان سعد بن عبادة يدعو فيقول: اللهم وسع علي. قال المصنف: وأبلغ من هذا أن يعقوب ﵊ لما قال له بنوه ﴿ونزداد كيل بعير﴾ مال إلى هذا وأرسل ابنه بنيامين معهم. وأن شعيبا

стр. 214

طمع في زيادة ما يناله فقال: ﴿فإن أتممت عشرا فمن عندك﴾. وأن أيوب ﵇ لما عوفي نثر عليه رجل جراد من ذهب فأخذ يحثو في ثوبه يستكثر منه فقيل له: أما شبعت؟ قال: يا رب من يشبع من فضلك!. وهذا أمر مركوز في الطباع فإذا قصد به الخير كان خيرا محضا. وأما كلام المحاسبي فخطأ يدل على الجهل بالعلم وقوله: إن الله نهى عباده عن جمع المال. وأن رسول الله ﷺ نهى أمته عن جمع المال. فهذا محال إنما النهي عن سوء القصد بالجمع أو عن جمعه من غير حله. وما ذكره من حديث كعب وأبي ذر فمحال من وضع الجهال، وخفاء صحته عنه ألحقه بالقوم. وقد روي بعض هذا وإن كان طريقه لا يثبت. وبإسناد عن مالك بن عبد الله الزيادي عن أبي ذر أنه جاء يستأذن على عثمان فأذن له وبيده عصاه، فقال عثمان: يا كعب إن عبد الرحمن توفي وترك مالا فما ترى فيه؟ فقال: إن كان يصل فيه حق الله تعالى فلا بأس، فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبا وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أحب لو أن لي هذا الجبل ذهبا أنفقه ويتقبل مني، أذر خلفي ست أواقي»، أنشدك بالله يا عثمان أسمعت هذا؟ ثلاث مرات قال نعم. قال المصنف: وهذا الحديث لا يثبت وابن لهيعة مطعون فيه. قال يحيى: لا يحتج بحديثه. والصحيح في التاريخ أن أبا ذر توفي سنة خمس وعشرين، وعبد الرحمن توفي سنة اثنتي وثلاثين، فقد عاش بعد أبي ذر سبع سنين. ثم لفظ ما ذكروه من حديثهم يدل على أن حديثهم موضوع، ثم كيف تقول الصحابة ﵃، إنا نخاف على عبد الرحمن، أو ليس الإجماع منعقدا على إباحة جمع المال من حله فما وجه الخوف مع الإباحة، أو يأذن الشرع في

стр. 215

شيء ثم يعاقب عليه، هذا قلة فهم وفقه. ثم تعلقه بعبد الرحمن وحده دليل على أنه لم يسير سير الصحابة، فإنه خلف طلحة ثلاثمائة بهار في كل بهار ثلاثة قناطير، والبهار الحمل، وكان مال الزبير خمسين ألف ألف ومائتي ألف، وخلف ابن مسعود ﵁ تسعين ألفا، وأكثر الصحابة كسبوا الأموال وخلفوها ولم ينكر أحد منهم على أحد. وأما قوله: إن عبد الرحمن يحبو حبوا يوم القيامة، فهذا دليل على أنه لا يعرف الحديث، أو كان هذا مناما وليس هو في اليقظة أعوذ بالله من أن يحبو عبد الرحمن في القيامة، أفترى، من يسبق إذا حبا عبد الرحمن بن عوف وهو من العشرة المشهود لهم بالجنة. ومن أهل بدر المغفور لهم ومن أصحاب الشورى. ثم الحديث يرويه عمارة بن ذاذان، وقال البخاري: ربما اضطرب حديثه. وقال أحمد: يروى عن أنس أحاديث مناكير، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، وقال الدارقطني: ضعيف، أخبرنا ابن الحصين مرفوعا إلى عمارة عن ثابت عن أنس ﵁ قال: بينما عائشة ﵂ في بيتها سمعت صوت في المدينة فقالت: ما هذا؟ فقالوا: عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام، تحمل كل شيء، قال وكانت سبعمائة بعير، فارتجت المدينة من الصوت. فقالت عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قد رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا»، فبلغ ذلك عبد
следующие страницы →