← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11408

تلبيس ابليس - ط الكتاب العربي

ابن الجوزي

Полный текст (479 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : إنا نخاف على عبد الرحمن فيما ترك، قال كعب: سبحان الله، وما تخافون على عبد الرحمن، كسب طيبا وأنفق طيبا. فبلغ ذلك أبا ذر فخرج مغضبا يريد كعبا فمر بلحى بعير فأخذه بيده ثم انطلق يطلب كعبا فقيل لكعب إن أبا ذر طلبك فخرج هاربا حتى دخل على عثمان يستغيث به، وأخبره الخبر، فأقبل أبو ذر يقتص الأثر في طلب كعب حتى انتهى إلى دار عثمان فلما دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هاربا من أبي ذر، فقال له أبو ذر: هيه يا ابن اليهودية، تزعم أنه لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف، لقد خرج رسول الله ﷺ يوما فقال الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا ثم قال: يا أبا ذر وأنت تريد الأكثر وأنا أريد الأقل فرسول الله ﷺ يريد هذا وأنت تقول يا ابن اليهودية لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف. كذبت وكذب من قال بقولك، فلم يرد عليه حرفا حتى خرج. قال الحارث: فهذا عبد الرحمن مع فضله يوقف في عرصة القيامة بسبب مال كسبه من حلال التعفف ولصنائع المعروف فيمنع من السعي إلى الجنة مع فقراء المهاجرين وصار يحبو في آثارهم حبوا. وقد كان الصحابة ﵃ إذا لم يكن عندهم شيء فرحوا وأنت تدخر المال وتجمعه خوفا من الفقر وذلك من سوء الظن بالله وقلة اليقين بضمانه وكفى به دائما، وعساك تجمع المال لنعيم الدنيا وزهرتها ولذاتها وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «من أسف على دنيا فاتته قرب من النار مسيرة سنة». وأنت تأسف على ما فاتك غير مكترث بقربك من عذاب الله . ويحك هل تجد في دهرك من الحلال كما وجدت الصحابة وأين الحلال فتجمعه. ويحك إني لك ناصح أرى لك أنك تقنع بالبلغة ولا تجمع المال لأعمال البر، فقد سئل بعض أهل العلم عن الرجل يجمع المال لأعمال البر فقال تركه أبر منه. وبلغنا أن بعض خيار التابعين سئل عن رجلين أحدهما طلب الدنيا حلالا فأصابها فوصل بها رحمه وقدم منها لنفسه والآخر جانبها ولم يطلبها ولم يبذلها فأيهما

стр. 212

أفضل؟ فقال: بعيد والله ما بينهما، الذي جانبها أفضل كما بين مشارق الأرض ومغاربها. قال المصنف: فهذا كلام كله كلام الحارث المحاسبي ذكره أبو حامد شيده وقواه بحديث ثعلبة، فإنه أعطى المال فمنع الزكاة. قال أبو حامد: فمن راقب أحوال الأنبياء والأولياء وأقوالهم لم يشك في أن فقد المال أفضل من وجوده وإن صرف إلى الخيرات، إذ أقل ما فيه اشتغالهم بإصلاحه عن ذكر الله فينبغي للمريد أن يخرج من ماله حتى لا يبقى له إلا قدر ضرورته فما بقي له درهم يلتفت إليه قلبه فهو محجوب عن الله . قال المصنف: وهذا كله بخلاف الشرع والعقل وسوء فهم للمراد بالمال. نقد مسالك الصوفية في تجردهم في رد هذا الكلام أما شرف المال فإنه الله عظم قدره وأمر بحفظه إذ جعله قواما للآدمي الشريف فهو شريف، فقال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ ونهى الله أن يسلم المال إلى غير رشيد، فقال: ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن إضاعة المال وقال لسعد: «لأن تترك وثتك أغنياء خير لك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس». وقال: «ما نفعني مال كمال أبي بكر». والحديث بإسناد مرفوع عن عمرو بن العاص. قال: «بعث إلي رسول الله ﷺ فقال: «خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني»، فأتيته فقال: «إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة»، فقلت يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، فقال: «يا عمرو نعم المال الصالح للرجل الصالح»». والحديث بإسناد عن أنس بن مالك، أن

стр. 213

رسول الله ﷺ دعا له بكل خير، وكان آخر دعائه أن قال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له. وبإسناد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن عبيد الله بن كعب بن مالك قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديث توبته، قال: فقلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ فقال: «أمسك بعض مالك فهو خير لك». قال المصنف: فهذه الأحاديث مخرجة في الصحاح وهي على خلاف ما تعتقده المتصوفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة وأن حبسه ينافي التوكل. ولا ينكر أنه يخاف من فتنته وأن خلقا كثيرا اجتنبوه لخوف ذلك وأن جمعه من وجهة يعز وسلامة القلب من الافتتان به يبعد واشتغال القلب مع وجوده بذكر الآخرة يندر ولهذا خيف فتنة. فأما كسب المال فإن من اقتصر على كسب البلغة من حلها فذلك أمر لا بد منه. وأما من قصد جمعه والاستكثار منه من الحلال نظرنا في مقصوده، فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته وادخر لحوادث زمانه وزمانهم وقصد التوسعة على الأخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أثيب على قصده، وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات. وقد كانت نيات خلق كثير من الصحابة ﵃ أجمعين في جمع المال سليمة لحسن مقاصدهم لجمعه فحرصوا عليه وسألوا زيادته. وبإسناد عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه بأرض يقال لها ثرثر. فأجرى فرسه حتى قام، ثم رمى سوطه فقال: «أعطوه حيث بلغ السوط». وكان سعد بن عبادة يدعو فيقول: اللهم وسع علي. قال المصنف: وأبلغ من هذا أن يعقوب ﵊ لما قال له بنوه ﴿ونزداد كيل بعير﴾ مال إلى هذا وأرسل ابنه بنيامين معهم. وأن شعيبا

стр. 214

طمع في زيادة ما يناله فقال: ﴿فإن أتممت عشرا فمن عندك﴾. وأن أيوب ﵇ لما عوفي نثر عليه رجل جراد من ذهب فأخذ يحثو في ثوبه يستكثر منه فقيل له: أما شبعت؟ قال: يا رب من يشبع من فضلك!. وهذا أمر مركوز في الطباع فإذا قصد به الخير كان خيرا محضا. وأما كلام المحاسبي فخطأ يدل على الجهل بالعلم وقوله: إن الله نهى عباده عن جمع المال. وأن رسول الله ﷺ نهى أمته عن جمع المال. فهذا محال إنما النهي عن سوء القصد بالجمع أو عن جمعه من غير حله. وما ذكره من حديث كعب وأبي ذر فمحال من وضع الجهال، وخفاء صحته عنه ألحقه بالقوم. وقد روي بعض هذا وإن كان طريقه لا يثبت. وبإسناد عن مالك بن عبد الله الزيادي عن أبي ذر أنه جاء يستأذن على عثمان فأذن له وبيده عصاه، فقال عثمان: يا كعب إن عبد الرحمن توفي وترك مالا فما ترى فيه؟ فقال: إن كان يصل فيه حق الله تعالى فلا بأس، فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبا وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أحب لو أن لي هذا الجبل ذهبا أنفقه ويتقبل مني، أذر خلفي ست أواقي»، أنشدك بالله يا عثمان أسمعت هذا؟ ثلاث مرات قال نعم. قال المصنف: وهذا الحديث لا يثبت وابن لهيعة مطعون فيه. قال يحيى: لا يحتج بحديثه. والصحيح في التاريخ أن أبا ذر توفي سنة خمس وعشرين، وعبد الرحمن توفي سنة اثنتي وثلاثين، فقد عاش بعد أبي ذر سبع سنين. ثم لفظ ما ذكروه من حديثهم يدل على أن حديثهم موضوع، ثم كيف تقول الصحابة ﵃، إنا نخاف على عبد الرحمن، أو ليس الإجماع منعقدا على إباحة جمع المال من حله فما وجه الخوف مع الإباحة، أو يأذن الشرع في

стр. 215

شيء ثم يعاقب عليه، هذا قلة فهم وفقه. ثم تعلقه بعبد الرحمن وحده دليل على أنه لم يسير سير الصحابة، فإنه خلف طلحة ثلاثمائة بهار في كل بهار ثلاثة قناطير، والبهار الحمل، وكان مال الزبير خمسين ألف ألف ومائتي ألف، وخلف ابن مسعود ﵁ تسعين ألفا، وأكثر الصحابة كسبوا الأموال وخلفوها ولم ينكر أحد منهم على أحد. وأما قوله: إن عبد الرحمن يحبو حبوا يوم القيامة، فهذا دليل على أنه لا يعرف الحديث، أو كان هذا مناما وليس هو في اليقظة أعوذ بالله من أن يحبو عبد الرحمن في القيامة، أفترى، من يسبق إذا حبا عبد الرحمن بن عوف وهو من العشرة المشهود لهم بالجنة. ومن أهل بدر المغفور لهم ومن أصحاب الشورى. ثم الحديث يرويه عمارة بن ذاذان، وقال البخاري: ربما اضطرب حديثه. وقال أحمد: يروى عن أنس أحاديث مناكير، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، وقال الدارقطني: ضعيف، أخبرنا ابن الحصين مرفوعا إلى عمارة عن ثابت عن أنس ﵁ قال: بينما عائشة ﵂ في بيتها سمعت صوت في المدينة فقالت: ما هذا؟ فقالوا: عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام، تحمل كل شيء، قال وكانت سبعمائة بعير، فارتجت المدينة من الصوت. فقالت عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قد رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا»، فبلغ ذلك عبد

стр. 216

الرحمن بن عوف فقال: إن استطعت لأدخلنها قائما. فجعلها بأقتابها وحمالها في سبيل الله. وقوله: ترك المال الحلال أفضل من جمعه. ليس كذلك بل متى صح القصد فجمعه أفضل بلا خلاف عند العلماء. والحديث الذي ذكره عن رسول الله ﷺ من أسف على دنيا فاتته إلخ محال: ما قاله رسول الله ﷺ قط. وقوله: هل تجد في دهرك حلالا، فيقال له: وما الذي أصاب الحلال والنبي ﷺ يقول: الحلال بين والحرام بين. أترى يريد الحلال وجود حبة مذ خرجت من المعدن ما تقلبت في شبهة، هذا يبعد وما طولبنا به. بل لو باع المسلم يهوديا كان الثمن حلالا بلا شك. هذا مذهب الفقهاء وأعجب لسكوت أبي حامد بل لنصرته ما حكى وكيف يقول أن فقد المال أفضل من وجوده وإن صرف إلى الخيرات. ولو ادعى الإجماع على خلاف هذا لصح، ولكن تصوفه غير فتواه. وعن المروزي قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبيد الله: إني في كفاية، فقال: الزم السوق تصل به الرحم وتعود المرضى. وقوله ينبغي للمريد أن يخرج من ماله، قد بينا أنه إن كان حراما أو فيه شبهة أو إن يقنع هو باليسير أو بالكسب جاز له أن يخرج منه. وإلا فلا وجه لذلك، وأما ثعلبة فما ضره المال إنما ضره البخل بالواجب. وأما الأنبياء فقد كان لإبراهيم ﵊ زرع ومال، ولشعيب ولغيره. وكان سعيد بن المسيب ﵁ يقول: لاخير فيمن لا يطلب المال يقضي به دينه ويصون به عرضه ويصل به رحمه، فإن مات تركه ميراثا لمن بعده. وخلف ابن المسيب أربعمائة دينار وقد ذكرنا ما خلفت الصحابة. وقد خلف سفيان الثوري ﵁ مائتين وكان يقول: المال في هذا الزمان

стр. 217

سلاح. وما زال السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب وإعانة الفقراء. وإنما تجافاه قوم منهم إيثارا للتشاغل بالعبادات وجمع الهمم فقنعوا باليسير ولو قال هذا القائل أن التقلل منه أولى قرب الأمر ولكنه زاحم به مرتبة الإثم. الصبر على الفقر والمرض واعلم أن الفقر مرض فمن ابتلي به فضبر أثيب على صبره، ولهذا يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام لمكان صبرهم على البلاء. والمال نعمة، والنعمة تحتاج إلى شكر. والغني وإن تعب وخاطر كالمفتي والمجاهد والفقير كالمعتزل في زاوية. وقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب سنن الصوفية باب كراهية أن يخلف الفقير شيئا. فذكر حديث الذي مات من أهل الصفة وخلف دينارين. فقال رسول الله ﷺ : «كيتان». قال المصنف: وهذا احتجاج من لا يفهم الحال، فإن ذلك الفقير كان يزاحم الفقراء في أخذ الصدقة وحبس ما معه فلذلك قال: كيتان، ولو كان المكروه نفس ترك المال لما قال رسول الله ﷺ لسعد: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». ولما كان أحد الصحابة يخلف شيئا. وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: حث رسول الله ﷺ على الصدقة فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : «وما أبقيت لأهلك» فقلت: مثله. فلم ينكر عليه رسول الله ﷺ . قال ابن جرير الطبري وفي هذا الحديث دليل على بطلان ما يقوله جهلة المتصوفة أن ليس للإنسان ادخار شيء في يومه لغده، وإن فاعل ذلك قد أساء الظن بربه ولم يتوكل عليه حق توكله. قال ابن جرير: وكذلك قوله ﵊: «اتخذوا الغنم فإنها بركة». فيه دلالة على فساد قول من زعم من المتصوفة أنه لا يصح لعبد التوكل على ربه إلا بأن

стр. 218

يصبح ولا شيء عنده من عين ولا عرض ويمسي كذلك. ألا ترى كيف ادخر رسول الله ﷺ لأزواجه قوت سنة. (فصل) وقد خرج أقوام من أموالهم الطيبة ثم عادوا يتعرضون للأوساخ ويطلبون وهذا لأن حاجة الإنسان لا تنقطع، والعاقل يعد للمستقبل وهؤلاء مثلهم في إخراج المال عند بداية تزهدهم مثل من روي في طريق مكة فبدد الماء الذي معه. والحديث بإسناد عن جابر بن عبد الله قال: قدم أبو الحصين السلمي بذهب من معدنهم فقضى دينا كان عليه وفضل معه مثل بيضة الحمامة، فأتى بها رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ضع هذه حيث أراك الله أو حيث رأيت، قال فجاءه عن يمينه فأعرض عنه ثم جاءه عن يساره فأعرض عنه ثم جاءه من بين يديه فنكس رسول الله ﷺ رأسه. فلما أكثر عليه أخذها من يديه فحذفه بها لو أصابته لعقرته، ثم أقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقال: «يعمد أحدكم إلى ماله فيتصدق به ثم يقعد فيتكفف الناس، وإنما الصدقة عن ظهر غني وأبدأ بمن تعول». وقد رواه أبو داود في سننه من حديث محمود بن لبيد عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب فقال: يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها. فأعرض عنه رسول الله ﷺ . ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك فأعرض عنه ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر فأعرض عنه رسول الله ﷺ . ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول الله ﷺ فحذفه بها فلو أصابته لأقصعته أو لعقرته. فقال رسول الله ﷺ : «يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يتكفف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غني». وفي رواية أخرى: «خذ عنا مالك لا حاجة لنا به». وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال:

стр. 219

دخل رجل المسجد فأمر رسول الله ﷺ أن يطرحوا ثيابا فطرحوا. فأمر له منها بثوبين ثم حث على الصدقة. فجاء فطرح أحد الثوبين فصاح به: خذ ثوبك. قال المصنف: ونقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل قال: قال ابن شاذان: دخل جماعة من الصوفية على الشبلي، فأنفذ إلى بعض المياسير يسأله مالا ينفقه عليهم، فرد الرسول وقال: يا أبا بكر، أنت تعرف الحق فهلا طلبت منه، فقال للرسول: ارجع إليه وقل له الدنيا سفلة أطلبها من سفلة مثلك وأطلب الحق من الحق. فبعث إليه بمائة دينار. قال ابن عقيل: إن كان أنفذ إليه المائة دينار للافتداء من هذا الكلام القبيح وأمثاله. فقد أكف الشبلي الخبيث من الرزق وأطعم أضيافه منه. (فصل) وقد كان لبعضهم بضاعة فأنفقها وقال: ما أريد أن تكون ثقتي إلا بالله. وهذا قلة فهم لأنهم يظنون أن التوكل قطع الأسباب وإخراج الأموال. أخبرنا القزاز قال: أخبرنا الخطيب قال أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال أنبأنا جعفر الخلدي في كتابه قال: سمعت الجنيد يقول دققت على أبي يعقوب الزيات بابه في جماعة من أصحابنا فقال: ما كان لكم شغل في الله يشغلكم عن المجيء إلي، فقلت له: إذا كان مجيئا إليك من شغلنا به فلم ننقطع عنه. فسألته عن مسألة في التوكل فأخرج درهما كان عنده ثم أجابني. فأعطى التوكل حقه ثم قال: استحييت من الله أن أجيبك وعندي شيء. قال المصنف: لو فهم هؤلاء معنى التوكل وأنه ثقة القلب بالله لا إخراج صور المال. وما قال هؤلاء هذا الكلام. ولكن قل فهمهم وقد كان سادات الصحابة والتابعين يتجرون ويجمعون الأموال وما قال مثل هذا أحد منهم. وقد روينا عن أبي بكر الصديق ﵁. قال حين أمر بترك الكسب لأجل شغله بالخلافة، فمن أين أطعم عيالي. وهذا القول منكر عند الصوفية يخرجون قائلة من التوكل وكذلك ينكرون

стр. 220

على من قال هذا الطعام يضرني. وقد رووا في ذلك حكاية عن أبي طالب الرازي قال: حضرت مع أصحابنا في موضع فقدموا اللبن وقال لي: كل. فقلت لا آكله فإنه يضرني. فلما كان بعد أربعين سنة صليت يوما خلف المقام ودعوت الله وقلت: اللهم إنك تعلم أني ما أشركت بك طرفة عين. فسمعت هاتفا يهتف بي ويقول - ولا يوم اللبن. قال المصنف: وهذه الحكاية الله أعلم بصحتها - واعلم أن من يقول هذا يضرني، لا يريد أن يفعل ذلك الضرر بنفسه وإنما يريد أنه سبب الضرر كما قال الخليل صلوات الله وسلامه عليه: «رب إنهن أضللن كثيرا من الناس». وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما نفعني مال كمال أبي بكر». وقوله: (ما نفعني) مقابل لقول القائل (ما ضرني). ويصح عنه أنه قال: «ما زلت آكلة خيبر تعادني فهذا أوان قطعت أبهري». وقد ثبت أنه لا رتبة أولى من رتبة النبوة وقد نسب النفع إلى المال والضرر إلى الطعام فالتحاشي عن سلوك طريقه ﷺ تعاط على الشريعة فلا يلتفت إلى هذيان من هذى في مثل هذا. زهد الصوفية في المال قال المصنف: وقد بينا أنه كان أوائل الصوفية يخرجون من أموالهم زهدا فيها. وذكرنا أنهم قصدوا بذلك الخير إلا أنهم غلطوا في هذا الفعل. كما ذكرناه في مخالفتهم بذلك الشرع والعقل. فأما متأخروهم فقد مالوا إلى الدنيا وجمع المال من أي وجه كان إيثارا للراحة وحبا للشهوات. فمنهم من يقدر على

стр. 221

الكسب ولا يعمل ويجلس في الرباط أو المسجد ويعتمد على صدقات الناس وقلبه معلق بطرق الباب. ومعلوم أن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوى ولا يبالون من بعث إليهم فربما بعث الظالم والماكس فلم يردوه. وقد وضعوا في ذلك بينهم كلمات منها تسمية ذلك بالفتوح ومنها أن رزقنا لا بد أن يصل إلينا. ومنها أنه من الله فلا يرد عليه ولا نشكر سواه. وهذا كله خلاف الشريعة وجهل بها وعكس ما كان السلف الصالح عليه. فإن النبي ﷺ قال: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». وقد قال قاء أبو بكر الصديق ﵁ من أكل الشبهة. وكان الصالحون لا يقبلون عطاء ظالم ولا ممن في ماله شبهة. وكثير من السلف لم يقبل صلة الإخوان عفافا وتنزها. وعن أبي بكر المروزي قال: ذكرن لأبي عبد الله رجلا من المحدثين فقال: ﵀ أي رجل كان لولا خلة واحدة. ثم سكت ثم قال: ليس كل الخلال يكملها الرجل. فقلت له: أليس كان صاحب سنة؟ فقال: لعمري لقد كتبت عنه، وله خلة واحدة، كان لا يبالي ممن أخذ. قال المصنف: ولقد بلغنا أن بعض الصوفية دخل على بعض الأمراء الظلمة فوعظه فأعطاه شيئا فقبله، فقال الأمير: كلنا صيادون، وإنما الشباك تختلف. ثم أين هؤلاء من الأنفة من الميل للدنيا فإن النبي ﷺ قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى». واليد العليا هي اليد المعطية، هكذا فسره العلماء وهو الحقيقة وقد تأوله بعض القوم فقال: العليا هي الآخذة. قال ابن قتيبة: ولا أرى هذا إلا تأويل قوم استطابوا السؤال. (فصل) قال المصنف: ولقد كان أوائل الصوفية ينظرون في حصول الأموال من أي وجه ويفتشون عن مطاعمهم وسئل أحمد بن حنبل عن السري السقطي فقال:

стр. 222

الشيخ المعروف بطيب المطعم. وقال السري: صحبت جماعة إلى الغزو فاكترينا دارا فنصبت فيها تنورا فتورعوا أن يأكلوا من خبز ذلك التنور فأما من يرى ما قد تجدد من صوفية زماننا من كونهم لا يبالون من أين أخذوا فإنه يعجب. ولقد دخلت بعض الأربطة فسألت عن شيخه فقيل لي قد مضى إلى الأمير فلان يهنئه بخلعة قد خلعت عليه وكان ذلك الأمير من كبار الظلمة فقلت ويحكم ما كفاكم أن فتحتم الدكن حتى تطوفون على رؤوسكم بالسلع يقعد أحدكم عن الكسب مع قدرته عليه معولا على الصدقات والصلات ثم لا يكفيه حتى يأخذ ممن كان ثم لا يكفيه حتى يدور على الظلمة فيستعطي منهم ويهنئهم بملبوس لا يحل وولاية لا عدل فيها والله إنكم أضر على الإسلام من كل مضر. (فصل) قال المصنف وقد صار جماعة من أشياخهم يجمعون المال من الشبهات ثم ينقسمون فمنهم من يدعي الزهد مع كثرة المال وحرصه على الجمع وهذه الدعوى مضادة للحال ومنهم من يظهر الفقر مع جمعه المال وأكثر هؤلاء يضيقون على الفقراء بأخذهم الزكاة ولا يجوز لهم ذلك وقد كان أبو الحسن البسطامي شيخ رباط بن المجيان يلبس الصوف صيفا وشتاء وتقصده الناس يتبركون به فمات فخلف أربعة آلاف دينار. قال المصنف: وهذا فوق القبيح وقد صح عن النبي ﷺ أن رجلا من أهل الصفة مات فخلف دينارين فقال ﷺ : كيتان. ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في لباسهم قال المصنف: لما سمع أوائل القوم أن النبي ﷺ كان يرقع ثوبه وأنه قال لعائشة ﵂: «لا تخلعي ثوبا حتى ترقعيه». وأن عمر بن الخطاب ﵁ كان في ثوبه رقاع. وأن أويسا القرني كان يلتقط الرقاع من المزابل فيغسلها في

стр. 223

الفرات ثم يخيطها فيلبسها. اختاروا المرقعات وقد أبعدوا في القياس، فإن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يؤثرون البذاذة ويعرضون عن الدنيا زهذا وكان أكثرهم يفعل هذا لأجل الفقر كما روينا عن مسلمة بن عبد الملك أنه دخل على عمر بن العزيز وعليه قميص وسخ فقال لامرأته فاطمة: اغسلي قميص أمير المؤمنين، فقالت: والله ماله قميص غيره. فأما إذا لم يكن هذا لفقر وقصد البذاذة فما له من معنى. الزهد في اللباس قال المصنف: فأما الصوفية زماننا فإنهم يعمدون إلى ثوبين أو ثلاثة كل واحد منها على لون فيجعلوها خرقا ويلفقونها فيجمع ذلك الثوب وصفين الشهرة والشهوة فإن لبس مثل هذه المرقعات أشهى عند خلق كثير من الديباج وبها يشتهر صاحبها أنه من الزهاد، أفتراهم يصيرون بصورة الرقاع كالسلف كذا قد ظنوا. وإن إبليس قد لبس عليهم وقال أنتم صوفية لأن الصوفية كانوا يلبسون المرقعات وأنتم كذلك أتراهم ما علموا أن التصوف معنى لا صورة، وهؤلاء قد فاتهم التشبيه في الصورة والمعنى أما الصورة فإن القدماء كانوا يرقعون ضرورة ولا يقصدون التحسن بالمرقع ولا يأخذون أثوابا جددا مختلفة الألوان فيقطعون من كل ثوب قطعة ويلفقونها على أحسن التوقيع ويخيطونها ويسمونها مرقعة وأما عمر ﵁ لما قدم بيت المقدس حين سأل القسيسون والرهبان عن أمير المسلمين فعرضوا عليهم أمراء العساكر مثل أبي عبيدة وخالد بن الوليد وغيرهما، فقالوا: ليس هذا المصور عندنا، ألكم أمير أو لا؟ فقالوا: لنا أمير غير هؤلاء فقالوا هو أمير هؤلاء، قالوا، نعم هو عمر بن الخطاب ﵁، فقالوا أرسلوا إليه ننظره فإن كان هو سلمنا إليكم من غير قتال وإن لم يكن هو فلا، فلو حاصرتمونا ما تقدرون علينا. فأرسل المسلمين إلى عمر ﵁ وأعلموه بذلك فقدم عليهم وعليه ثوب مرقع سبع عشرة رقعة بينها رقعة

стр. 224

من أديم فلما رآه الروحانية والقسوس على هذه الصفة سلموا بيت المقدس إليه من غير قتال، فأين هذا مما يفعله جهال الصوفية في زماننا فنسأل الله العفو والعافية، وأما المعنى فإن أولئك كانوا أصحاب رياضة وزهد. (فصل) قال المصنف: ومن هؤلاء المذمومين من يلبس الصوف تحت الثياب ويلوح بكمه حتى يرى لباسه، وهذا لص ليلي، ومنهم من يلبس الثياب اللينة على جسده ثم يلبس الصوف فوقها وهذا لص نهاري مكشوف، وجاء آخرون فأرادوا التشبه بالصوفية وصعب عليهم البذاذة وأحبوا التنعم ولم يروا الخروج من صورة التصوف لئلا يتعطل المعاش فلبسوا الفوط الرفيعة واعتموا بالرومي الرفيع إلا أنه بغير طراز فالقميص والعمامة على أحدهم بثمن خمسة أثواب من الحرير. وقد لبس إبليس عليهم أنكم من صوفية بنفيس النفس. وإنما أرادوا أن يجمعوا بين رسوم التصوف وتنعم أهل الدنيا. ومن علاماتهم مصادفة الأمراء ومفارقة الفقراء كبرا وتعظيما. وقد كان عيسى بن مريم صلوات الله وسلامه عليه يقول: يا بني إسرائيل، ما لكم تأتونني وعليكم ثياب الرهبان، وقلوبكم قلوب الذئاب الضواري، البسوا لباس الملوك وألينوا قلوبكم بالخشية. وأخبرنا محمد بن أبي القاسم قال أخبرنا حمد بن أحمد الحداد قال أخبرنا أبو نعيم الحافظ ثنا أحمد بن جعفر بن معبد ثنا يحيى بن مطرف ثنا أبو ظفر ثنا جعفر بن سليمان عن مالك دينار قال: إن من الناس ناسا إذا لقوا القراء ضربوا معهم بسهم، وإذا لقوا الجبابرة وأبناء الدنيا أخذوا معهم بسهم، فكونوا من قراء الرحمن بارك الله فيكم. أخبرنا محمد نا حمد نا أبو نعيم ثنا الحسين بن محمد بن العباس الفقيه ثنا

стр. 225

أحمد بن محمد اللالي ثنا أبو حاتم ثنا هدبة ثنا حزم قال سمعت مالك بن دينار يقول: إنكم في زمان أشهب لا يبصر زمانكم إلا البصير. إنكم في زمان كثير تفاحشهم، قد انتفخت ألسنتهم في أفواههم فطلبوا الدنيا بعمل الآخرة فاحذروهم على أنفسكم لا يوقعكم في شباكهم. أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا أخبرنا حمد بن أحمد نا أحمد بن عبد الله الحافظ ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد ثني مهنى الشامي ثنا ضمرة عن سعيد بن شبل قال: نظر مالك بن دينار إلى شاب ملازم للمجسد فجلس إليه. فقال له: هل لك أن أكلم بعض العشارين يجزون عليك شيئا وتكون معهم، قال: ما شئت يا أبا يحيى: قال فأخذ كفا من تراب فجعله على رأسه. أخبرنا المحمدان قالا نا حمد نا أحمد ثنا قارون بن عبد الكبير الخطابي ثنا هشام بن علي السيرافي ثنا قطن بن حماد بن واقد ثنا أبي ثنا مالك بن دينار قال: كان فتى يتفرى فكان يأتيني، فابتلي، فولى الجسر فبينما هو يصلي إذ مرت سفينة فيها بط، فنادى بعض أعوانه: قرب لنأخذ لعامل بطة، فأشار بيده سبحان الله أي بطتين قال فكان أبي إذا حدث بهذا الحديث بكى وأضحك الجلساء. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعيد بن أبي صادق ثنا ابن باكويه قال: سمعت محمد بن خفيف يقول: قلت لرويم أوصني فقال هو بذل الروح وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية. أخبرنا بن ناصر نا أبو عبد الله الحميدي نا أبو بكر أحمد بن محمد الأردستاني ثنا عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبي يقول بلغني أن رجلا قال للشبلي: قد ورد جماعة من أصحابك وهم في الجامع فمضى فرأى عليهم المرقعات والفوط فأنشأ يقول:

стр. 226

أما الحيام فإنها كخيامهموأرى نساء الحي غير نسائها قال المصنف ﵀: قلت واعلم أن هذه البهرجة في تشبيه هؤلاء بأولئك لا تخفى إلا على كل غبي في الغاية. فأما أهل الفطنة فيعلمون أنه تنميس بارد والأمر في ذلك على نحو قول الشاعر: تشبهت حور الظباء بهمإن سكنت فيك ولا مثل سكن أصامت بناطق ونافربآنس وذو خلا بذي شجن مشتبه أعرفه وإنمامغالطا قلت لصحبي دار من لبس الفوط المرقعات قال المصنف: وإنما إكراه لبس الفوط المرقعات لأربعة أوجه أحدها أنه ليس من لباس السلف وإنما كان السلف يرقعون ضرورة. والثاني أنه يتضمن ادعاء الفقر وقد أمر الإنسان أن يظهر نعمة الله عليه. والثالث إنه إظهار للزهد وقد أمرنا بسترة. والرابع أنه تشبه بهؤلاء المتزحزحين عن الشريعة ومن تشبه بقوم فهو منهم. وقد أخبرنا ابن الحسين نا بن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أبو النصر ثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ثنا حسان بن عطية عن أبي منيب الحرسي عن ابن عمر. قال قال رسول الله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم». وقد أنبأنا أبو زرعة طاهر قال أخبرني أبي قال: لما دخلت بغداد في رحلتي الثانية قصدت الشيخ أبا محمد عبد الله بن أحمد السكري لأقرأ عليه أحاديث - وكان من المنكرين على هذه الطائفة - فأخذت في القراءة فقال: أيها الشيخ إنك لو كنت من هؤلاء الجهال الصوفية لعذرتك، أنت رجل من أهل العلم تشتغل بحديث رسول الله ﷺ وتسعى في طلبه فقلت: أيها الشيخ وأي شيء أنكرت علي حتى أنظر فإن كان له أصل في الشريعة لزمته، وإن لم يكن له أصل في الشريعة تركته. فقال: ما هذه الشوازك التي في مرقعتك؟

стр. 227

فقلت: أيها الشيخ هذه أسماء بنت أبي بكر ﵄ تخبر أن رسول الله ﷺ كان له جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج وإنما وقع الإنكار لأن هذه الشوازك ليست من جنس الثوب والديباج ليس من الجبة فاستدللنا بذلك على أن لهذا أصلا في الشرع يجوز مثله. قال المصنف: قلت لقد أصاب السكري في إنكاره وقل فقه ابن طاهر في الرد عليه فإن الجبة المكفوفة الجيب والكمين قد جرت العادة بلبسها كذلك فلا شهرة في لبسها. فأما الشوازك فتجمع شهرة الصورة، وشهرة دعوى الزهد. وقد أخبرتك أنهم يقطعون الثياب الصحاح ليجعلوها اشوازك لا عن ضرورة يقصدون الشهرة لحسن ذلك والشهرة بالزهد ولهذا وقعت الكراهية. وقد كرهها جماعة من مشايخهم كما بينا. أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري نا أبو سعد بن أبي صادق ثنا أبو عبد الله بن باكويه قال سمعت الحسين بن أحمد الفارسي يقول سمعت الحسين بن هند يقول سمعت جعفر الحذاء يقول: لما فقد القوم الفوائد من القلوب اشتغلوا بالظواهر وتزيينها يعني بذلك - أصحاب المصبغات والفوط. أخبرنا ابن حبيب نا ابن صادق ثنا بن باكويه أخبرنا أبو يعقوب الخراط قال سمعت الثوري يقول: كانت المرقعات غطاء على الدر فصارت جيفا على مزابل قال ابن باكويه: وأخبرني أبو الحسن الحنظلي قال نظر محمد بن محمد بن علي الكتاني إلى أصحاب المرقعات فقال: إخواني إن كان لباسكم موافقا لسرائركم لقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، وإن كانت مخالفة لسرائركم فقد هلكتم ورب الكعبة. أخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا أبو بكر بن خلف ثنا محمد بن الحسين السلمي قال سمعت نصر بن أبي نصر يقول: قال أبو عبد الله محمد بن عبد الخالق الدينوري لبعض أصحابه: لا يعجبنك ما ترى من هذه اللبسة الظاهرة عليهم، فما زينوا الظواهر إلا بعد أن خربوا البواطن. وقال ابن عقيل: دخلت يوما الحمام فرأيت على بعض أوتاد السلخ جبة مشوزكة مرقعة بفوط. فقلت للحمامي: أرى سلخ الحية، فمن داخل، فذكر لي بعض من يتصفف للبلاء حوشا للأموال.

стр. 228

كثرة ترقيع المرقعة قال المصنف: وفي الصوفية من يرقع المرقعة حتى تصير كثيفة خارجة عن الحد. أخبرنا أبو منصور القزاز قال أخبرنا أحمد بن علي نا القاضي أبو محمد الحسن ين رامين الأسدآبادي نا أبو محمد عبد الله بن محمد الشيرازي نا جعفر الخالدي ثنا بن خباب أبو الحسين صاحب ابن الكريني قال: أوصى لي ابن الكريني بمرقعته فوزنت فردة كم من أكمامها فإذا فيه أحد عشر رطلا، قال جعفر، وكانت المرقعات تسمى في ذلك الوقت الكيل. (فصل) وقد قرروا أن هذه المرقعة لا تلبس إلا من يد شيخ، وجعلوا لها إسنادا متصلا كله كذب ومحال. وقد ذكر محمد بن طاهر في كتابه فقال باب السنة لبس الخرقة من يد الشيخ، فجعل هذا من السنة واحتج بحديث أم خالد أن النبي ﷺ أتى بثياب فيها خميصة سوداء فقال من ترون أكسو هذه. فسكت القوم: فقال رسول الله ﷺ : «ائتوني بأم خالد»، قالت فأتى بي فألبسنيها بيده. وقال: أبلي وأخلقي. قال المصنف: وإنما ألبسها رسول الله ﷺ لكونها صبية. وكان أبوها خالد بن سعيد بن العاص وأمها همينة بنت خلف. قد هاجروا إلى أرض الحبشة فولدت لهما هناك أم خالد واسمها أمة، ثم قدموا فأكرمها رسول الله ﷺ لصغر سنها وكما اتفق فلا يصير هذا سنة. وما كان من عادة رسول الله ﷺ إلباس الناس. ولا فعل هذا أحد من أصحابه ولا تابعيهم. ثم ليس من السنة عند الصوفية أن يلبس الصغير دون الكبير ولا أن تكون الخرقة سوداء بل مرقعة أو فوطة فهلا جعلوا السنة لبس الخرق السود كما

стр. 229

جاء في حديث أم خالد، وذكر محمد بن طاهر في كتابه فقال: باب السنة فيما شرط الشيخ على المريد في لبس المرقعة. واحتج بحديث عبادة، بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، قال المصنف فانظر إلى هذا الفقه الدقيق، وأين اشتراط الشيخ على المريد من اشتراط رسول الله ﷺ الواجب الطاعة على البيعة الإسلامية اللازمة. (فصل) وأما لبسهم المصبغات. فإنها كانت زرقاء فقد فاتهم فضيلة البياض، وإن كانت فوطا فهو ثوب شهرة وشهرته أكثر من شهرة الأزرق وإن كانت مرقعة فهي أكثر شهرة. وقد أمر الشرع بالثياب البيض ونهى عن لباس الشهرة. فأما أمره بالثياب البيض فأخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي التميمي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثني أبي ثنا علي بن عاصم نا عبد الله بن عثمان بن حثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «البسوا من ثيابكم البيض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم». قال عبد الله: وحدثني أبي ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان ثني حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ قال: «البسوا الثياب البيض فإنها أظهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم». قال الترمذي: هذان حديثان صحيحان. وفي الباب عن ابن عمر قال: وهذا يستحبه أهل العلم. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق: أحب الثياب إلينا أن نكفن فيها البياض. وقد ذكر محمد بن طاهر في كتابه فقال: باب السنة في لبسهم المصبغات، واحتج بأن النبي صلوات الله عليه وسلامه، لبس حلة حمراء، وأنه دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء.

стр. 230

قال المصنف: قلت ولا ينكر أن رسول الله ﷺ لبس هذا ولا أن لبسه غير جائز. وقد روي أنه كان يعجبه الحبرة، وإنما المسنون الذي يأمر به ويداوم عليه وقد كانوا يلبسون الأسود والأحمر، فأما الفوط والمرقع فإنه لبس شهرة. النهي عن لباس الشهرة وكراهته وأما النهي عن لباس الشهرة وكراهته، فأخبر أبو منصور بن خيرون أنبأنا أبو بكر الخطيب نا ابن زرقويه ثنا جعفر بن محمد الخلدي ثنا محمد بن عبد الله أبو جعفر الحضرمي ثنا روح بن عبد المؤمن ثنا وكيع بن محرز الشامي ثنا عثمان بن جهم عن زر بن حبيش عن أبي ذر، عن النبي ﷺ أنه قال: «من لبس ثوب شهرة أعرض الله عنه حتى يضعه». أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار نا أبو الفرج الحسين بن علي الطناجيري وأنبأنا هبة الله بن محمد أنبأنا الحسين بن علي التميمي قالا أخبرنا أبو حفص بن شاهين ثنا خثيمة بن سليمان بن حيدة ثنا محمد بن الهيثم ثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني ثنا مجلد بن يزيد عن أبي نعيم عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وزيد بن ثابت ﵄ عن النبي ﷺ أنه نهى عن الشهرتين فقيل يا رسول الله وما الشهرتان؟ قال: «رقة الثياب وغلظها، ولينها وخشونتها، وطولها وقصرها، ولكن سداد بين ذلك واقتصاد». أخبرنا محمد بن ناصر نا محمد بن علي بن ميمون نا عبد الوهاب بن محمد الغندجاني نا أبو بكر بن عبدان محمد بن سهل ثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: قال موسى بن حماد بن سلمة عن ليث عن مهاجر عن ابن عمر قال: من لبس ثوبا مشهورا أذله الله يوم القيامة. قال المصنف: وقد روي لنا مرفوعا قال أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي حجاج ثنا شريك عن عثمان بن أبي راشد عن مهاجر الشامي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب المذلة يوم القيامة».

стр. 231

أخبرنا محمد بن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار وعبد القادر بن محمد بن يوسف قالا أخبرنا أبو إسحاق البرمكي نا أبو بكر بن نجيب ثنا أبو جعفر بن ذريح ثنا هناد ثنا أبو معاوية عن ليث عن مهاجرين بن أبي الحسن عن ابن عمر ﵁ قال: من لبس شهرة من الثياب ألبسه الله ثوب ذلة. وعن ليث عن شهر عن أبي الدرداء ﵁ قال: من ركب مشهورا من الدواب أعرض الله عنه ما دام عليه وإن كان كريما. قال المصنف: وقد روينا أن ابن عمر ﵄ رأى على ولده ثوبا قبيحا دونا فقال: لا تلبس هذا، فإن هذا ثوب شهرة. أخبرنا إسماعيل بن أحمد نا إسماعيل بن مسعدة نا حمزة بن يوسف نا أبو أحمد بن عدي ثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الدوري ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال حدثنا محمد بن مزاحم ثنا بكير بن معروف عن مقاتل بن بريدة عن أبيه بريدة قال شهدت مع رسول الله ﷺ فتح خيبر وكنت فيمن صعد الثلمة فقاتلت حتى رأى مكاني وأتيت وعلي ثوب أحمر. فما علمت أني ركبت في الإسلام ذنبا أعظم منه للشهرة وقال سفيان الثوري: كانوا يكرهون الشهرتين الثياب الجياد التي يشتهر بها ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم والثياب الرديئة التي يحتقر فيها ويستبذل، وقال معمر: عاتبت أيوب على طول قميصه فقال: إن الشهرة فيما مضى كانت في طوله وهي اليوم في تشميره. لبس الصوف قال المصنف: ومن الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النبي ﷺ لبس الصوف. وبما روي في فضيلة لبس الصوف، فأما لبس رسول الله ﷺ الصوف فقد كان يلبسه في بعض الأوقات لم يكن لبسه شهرة عند العرب. وأما ما يروى في فضل

стр. 232

لبسه فمن الموضوعات التي لا يثبت منها شيء، ولا يخلو لابس الصوف من أحد أمرين: أما أن يكون متعودا لبس الصوف وما يجانسه من غليظ الثياب فلا يكره ذلك له لأنه لا يشهر به. وأما أن يكون مترفا لم يتعوده فلا ينبغي له لبسه من وجهين. أحدهما أنه يحمل بذلك على نفسه ما لا تطيق ولا يجوز له ذلك والثاني أنه يجمع بلبسه بين الشهرة وإظهار الزهد. وقد أخبرنا حمد بن منصور الهمداني نا أبو علي أحمد بن سعد بن علي العجلي نا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة ثنا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسن بن إسماعيل الأبهري ثنا روز به ثنا محمد بن إسماعيل بن محمد الطائي ثنا بكر بن سهل الدمياطي ثنا محمد بن عبد الله بن سليمان ثنا داود ثنا عباد بن العوام عن عباد بن كثير عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس الصوف ليعرفه الناس كان حقا على الله أن يكسوه ثوبا من جرب حتى تتساقط عروقه». أنبأنا زاهر بن طاهر قال أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي قالا أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى ثنا العباس بن منصور ثنا سهل بن عمار ثنا نوح بن عبد الرحمن الصيرفي ثنا محمد بن عبيد الهمداني ثني عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الأرض لتعج إلى ربها من الذين يلبسون الصوف رياء». أخبرنا محمد بن ناصر نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي التميمي ثنا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا عبد الصمد ثنا خالد بن شوذب قال: شهدت الحسن وأتاه فرقد فأخف الحسن بكسائه فمده إليه وقال: يا فريقديا ابن أم فريقد، إن البر ليس في هذا الكساء وإنما البر ما وقر في الصدر

стр. 233

وصدقه العمل. أنبأنا محمد بن عبد الباقي نا أبو محمد الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف ثنا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد قال حدثنا عمرو بن عاصم ثنا يزيد بن عوانة ثني أبو شداد المجاشعي، قال: سمعت الحسن - وذكر عنده الذين يلبسون الصوف - فقال: ما لهم تعاقدوا ثلاثا أكنوا الكبر في قلوبهم، وأظهروا التواضع في لباسهم، والله لأحدهم أشد عجبا بكسائه من صاحب المطرف بمطرفه. أنبأنا ابن الحسين أنبأنا أبو علي التميمي نا أبو حفص بن شاهين ثنا محمد بن سعيد بن يحيى البزوري ثنا عبد الله بن أيوب المخرمي قال حدثنا عبد الله المجيد يعني ابن أبي رواد عن ابن طهمان يعني إبراهيم عن أبي مالك الكوفي عن الحسن أنه جاءه رجل ممن يلبس الصوف وعليه جبة صوف وعمامة صوف ورداء صوف فجلس فوضع بصره في الأرض فجعل لا يرفع رأسه وكأن الحسن خال فيه العجب. فقال الحسن: ها إن قوما جعلوا كبرهم في صدورهم شنعوا والله دينهم بهذا الصوف. ثم قال إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من زي المنافقين. قالوا يا أبا سعيد وما زي المنافقين؟ قال خشوع اللباس بغير خشوع القلب. قال ابن عقيل هذا كلام رجل عرف الناس ولم يعره اللباس. ولقد رأيت الواحد من هؤلاء يلبس الجبة الصوف، فإذا قال له القائل: يا أبا فلان. ظهر منه ومن أوباشه الإنكار فعلم أن الصوف قد عمل عند هؤلاء ما لا يعمله الديباج عند الأوباش. أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا حمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الحافظ ثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا إسماعيل بن أبي الحارث ثنا هارون بن معروف عن ضمرة قال: سمعت رجلا يقول: قدم حماد بن أبي سليمان البصرة فجاءه فرقد السنجي وعليه ثوب صوف فقال له حماد: ضع عنك نصرانيتك هذه، فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم يعني النخعي فيخرج علينا وعليه معصفرة.

стр. 234

أخبرنا محمد بن القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا عبد الله بن محمد ثنا إبراهيم بن شريك الأسدي ثنا شهاب بن عباد ثنا حماد عن خالد الحذاء أن أبا قلابة قال: إياكم وأصحاب الأكسية. أخبرنا محمد بن ناصر وعمر بن طفر قالا: نا محمد بن الحسن الباقلاوي نا القاضي أبو العلاء الواسطي ثنا أبو نصر أحمد بن محمد السازكي نا أبو الخير أحمد بن حمد البزار ثنا محمد بن إسماعيل البخاري ثنا علي بن حجر ثنا صالح بن عمر الواسطي عن أبي خالد قال: جاء عبد الكريم أبو أمية إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف، فقال له أبو العالية: إنما هذه ثياب الرهابن إن كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا. أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن نا أحمد بن عبد الله الأصبهاني ثنا أبو محمد بن حبان ثنا أحمد بن الحسين الحذاء ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ثنا العيص بن إسحاق قال: سمعت الفضيل يقول: تزينت لهم بالصوف فلم ترهم يرفعوك بك رأسا، تزينت لهم بالقرآن فلم ترهم يرفعون بك رأسا، تزينت لهم بشيء يعد شيء كل ذلك إنما هو لحب الدنيا. أنبأنا ابن الحصين قال نا أبو علي بن المذهب قال أخبرنا أبو حفص بن شاهين قال ثنا إسماعيل بن علي قال ثنا الحسن بن علي بن شبيب قال ثنا أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان: يلبس أحدهم عباءة بثلاثة دراهم ونصف، وشهوته في قلبه بخمسة دراهم، أما يستحي أن يجاوز شهوته لباسه، ولو ستر زهده بثوبين أبيضين من أبصار الناس كان أسلم له. قال أحمد بن الحواري قال لي سليمان بن أبي سليمان - وكان يعدل بأبيه: أي شيء أرادوا بلباس الصوف؟ قلت: التواضع. قال: لا يتكبر أحدهم إلا إذا لبس الصوف. أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري نا عبد الله بن أحمد السمرقندي ثنا أبو بكر الخطيب نا الحسن بن الحسين العالي نا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح ثنا روح بن عبد

стр. 235

المجيب ثنا أحمد بن عمر بن يونس قال: أبصر الثوري رجلا صوفيا فقال له الثوري هذا بدعة. أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا عبد المنعم بن عمر ثنا أحمد بن محمد بن زياد قال: سمعت أبا داود يقول: قال سفيان الثوري لرجل عليه صوف: لباسك هذا بدعة. أنبأنا زاهر بن طاهر أنبأنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي نا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم قال أخبرني محمد بن عمر ثنا محمد بن المنذر قال سمعت أحمد بن شداد يقول: سمعت الحسن بن الربيع يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول لرجل رأى عليه صوفا مشهورا - أكره هذا أكره هذا. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه ني عبد الواحد بن بكر ثنا علي بن أبي عثمان بن زهير ثنا عثمان بن أحمد ثنا الحسن بن عمرو قال سمعت بشر بن الحارس يقول: دخل علي الموصلي على المعافي - وعليه جبة من صوف - فقال له: ما هذه الشهرة يا أبا الحسن؟ فقال: يا أبا مسعود أخرج أنا وأنت فانظر أينا أشهر. فقال له المعافي: ليس شهرة البدن كشهرة اللباس. أخبرنا إسماعيل بن أبي بكر المقري نا ظاهر بن أحمد نا علي بن محمد بن بشران عثمان بن أحمد الدقاق ثنا الحسن بن عمرو قال سمعت بشر بن الحارث يقول: دخل بديل على أيوب السختياني وقد مد على فراشه سبنية حمراء تدفع التراب فقال بديل: ما هذا؟ فقال أيوب: هذا خير من الصوف الذي عليك. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق قال أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه ثنا علان بن أحمد ثنا حبيب بن الحسن ثنا الفضل بن أحمد ثنا محمد بن يسار قال: سمعت بشر بن الحارث - وسئل عن لبس الصوف - فشق عليه وتبين الكراهة في وجهه ثم قال: لبس الخز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في الأمصار. أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار قال أخبرنا أبي نا الحسين بن علي الطناجيري نا أحمد بن منصور البرسري ثنا محمد بن مخلد ثنا أحمد بن منصور ثني

стр. 236

يزيد السقا رفيق محمد بن إدريس الأنباري قال: رأيت فتى عليه مسوح قال: فقلت له من لبس هذا من العلماء، من فعل هذا من العلماء؟ قال: قد رآني بشر بن الحارث فلم ينكر علي. قال يزيد فذهبت إلى بشر فقلت له: يا أبا نصر، رأيت فلانا عليه جبة مسوح فأنكرت عليه فقال: قد رآني أبو نصر فلم ينكر علي! قال: فقال لي بشر: لم تستشرني يا أبا خالد، لو قلت له لقال لي: لبس فلان ولبس فلان. أخبرنا أحمد بن منصور الهمداني نا أبو علي أحمد بن سعد بن علي العجلي نا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة نا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين بن إسماعيل الصوفي ثنا ابن روزبة ثنا عبد الله بن أحمد بن نصر القنطري ثنا إبراهيم بن محمد الإمام ثنا هشام بن خالد قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول لرجل لبس الصوف: إنك أظهرت آلة الزاهدين، فماذا أورثك هذا الصوف؟ فسكت الرجل، فقال له: يكون ظاهرك قطنيا وباطنك صوفيا. أخبرنا يحيى بن علي المدبر نا أبو بكر محمد بن علي الخياط نا الحسن بن الحسين بن حمكان سمعت أبا الحسن بن عثمان بن عبد ربه البزار يقول: سمعت أبا بكر بن الزيات البغدادي يقول: سمعت ابن سيرويه يقول: دخل أبو محمد بن أخي معروف الكرخي على أبي الحسن ابن بشار وعليه جبة صوف فقال له أبو الحسن: يا أبا محمد صوفت قلبك وجسمك، صوف قلبك والبس القوهي على القوهي. أخبرنا عبد الوهاب ابن المبارك الحافظ نا جعفر بن أحمد بن السواح نا عبد العزيز بن حسن الضراب قال: حدثنا أبي ثنا أحمد بن مروان ثنا أبو بكر بن أبي

стр. 237

الدنيا ثنا أحمد بن سعيد قال: سمعت النضر بن شميل يقول: قلت لبعض الصوفية: تبيع جبتك الصوف؟ فقال: إذا باع الصياد شبكته بأي شيء يصطاد؟ قال أبو جعفر بن جرير الطبري: ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان، مع وجود السبيل إليه من حله، ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر، ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض شهوة النساء. (فصل) قال المصنف: وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة لا المرتفعة ولا الدون. ويتخيرون أجودها للجمعة والعيدين ولقاء الإخوان ولم يكن غير الأجود عندهم قبيحا. وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁، «أنه رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد، فقال لرسول الله ﷺ : لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك، فقال رسول الله ﷺ : إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة» فما أنكر عليه ذكر التجمل بها، وإنما أنكر عليه لكونها حريرا. قال المصنف ﵀: وقد ذكرنا عن أبي العالية أنه قال: كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا. أخبرنا أبو بكر بن عبد الباقي أنبأنا الحسن بن علي الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف نا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن ابن عون عن محمد قال: كان المهاجرون والأنصار يلبسون لباسا مرتفعا، وقد اشترى تمتم الداري حلة بألف، ولكنه كان يصلي بها. قال ابن سعد وأخبرنا عفان ثنا حماد بن زيد ثنا أيوب عن محمد

стр. 238

بن سيرين أن تميما الداري اشترى حلة بألف درهم وكان يقوم فيها بالليل إلى صلاته. قال وحدثنا عفان قال: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، أن تميما الداري كانت له حلة قد ابتاعها بألف كان يلبسها الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر. وأخبرنا الفضل بن دكين ثنا همام عن قتادة أن ابن سيرين أخبره أن تميما الداري اشترى رداء بألف فكان يصلي بأصحابه فيه. قال المصنف ﵀ قلت: وقد كان ابن مسعود من أجود الناس ثوبا وأطيبهم ريحا، وكان الحسن البصري يلبس الثياب الجياد، قال كلثوم بن جوشن: خرج الحسن وعليه جبة يمنية ورداء يمني فنظر إليه فرقد فقال: يا أستاذ لا ينبغي لمثلك أن يكون هكذا، فقال الحسن: يا ابن أم فرقد أما علمت أن أكثر أصحاب النار أصحاب الأكسية وكان مالك بن أنس يلبس الثياب العدنية الجياد. وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى بنحو الدينار وقد كانوا يؤثرون البذاذة إلى حد وربما لبسوا خلقان الثياب في بيوتهم فإذا خرجوا تجملوا ولبسوا مالا يشتهرون به من الدون ولا من الأعلى. أخبرنا أحمد بن منصور الهمداني نا أبو علي أحمد بن سعد علي العجلي ثنا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة نا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين الصوفي ثنا ابن روزبة ثنا أبو سليمان محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم الحراني ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا محمد بن خلف ثنا عيسى بن حازم، قال: كان لباس إبراهيم بن أدهم كتانا قطنا فروة لم أر عليه ثياب صوف ولا ثياب شهرة. أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال: سمعت محمد بن إبراهيم يقول: سمعت محمد بن ريان يقول: رأى علي ذو النون خفا أحمر فقال: انزع هذا يا بني فإنه شهرة ما لبسه رسول الله ﷺ إنما لبس النبي خفين أسودين ساذجين. أخبرنا محمد بن ناصر نا محمد بن علي بن ميمون نا عبد الكريم بن محمد المحاملي نا علي بن عمر الدارقطني نا أبو الحسن أحمد بن محمد بن سالم نا أبو سعيد عبد الله بن شبيب المدني ثني الزبير

стр. 239

عن أبي عرنة الأنصاري عن فليج بن سليمان عن الربيع بن يونس قال: قال أبو جعفر المنصور: العري الفادح خير من الزي الفاضح. اللباس الذي يظهر الزهد قال المصنف: واعلم أن اللباس الذي يزري بصاحبه يتضمن إظهار الزهد، وإظهار الفقر وكأنه لسان شكوى من الله ويوجب احتقار اللابس وكل ذلك مكروه ومنهي عنه. أخبرنا محمد بن ناصر نا علي بن الحصين بن أيوب نا أبو علي بن شاذان ثنا أبو بكر بن سليمان النجاد ثنا أبو بكر بن عبد الله بن محمد القرشي ثنا عبد الله بن عمر القواريري ثنا هشام بن عبد الملك ثنا شعبة عن ابن إسحاق عن الأحوص عن أبيه، قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا قشف الهيئة، فقال: هل لك مال، قلت: نعم قال: من أي المال، قلت: من كل المال قد آتاني الله من الإبل والخيل والرقيق والغنم، قال: فإذا آتاك الله مالا فلير عليك. أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا مسكين بن بكير ثني الأوزاعي عن حسان بن عطية عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: «أتانا رسول الله ﷺ زائرا في منزلي فرأى رجلا شعثا، فقال: أما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه، ورأى رجلا عليه ثياب وسخة، فقال: أما كان يجد هذا ما يغسل به ثيابه». أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ومحمد بن ناصر قالا نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قالا نا أبو عمر محمد العباس بن حياة ثنا أبو بكر بن الأنباري ثني أبي ثنا أبو عكرمة الضبي ثنا مسعود بن بشر عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال: مضى علي بن أبي طالب إلى الربيع بن زياد يعوده فقال له: يا أمير المؤمنين أشكو إليك عاصما أخي، قال: ما شأنه؟ قال: ترك الملاذ ولبس العباءة فغم أهله،

стр. 240

وأحزن ولده، فقال: علي عاصما، فلما حضر بش في وجهه وقال: أترى الله أحل لك الدنيا وهو يكره أخذك منها، أنت والله أهون على الله من ذلك. فوالله لابتذالك نعم الله بالفعال! أحب إليه من ابتذالك بالمقال، فقال: يا أمير المؤمنين إني أراك تؤثر لبس الخشن وأكل الشعير فتنفس الصعداء ثم قال: ويحك يا عاصم، إن الله افترض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بالعوام لئلا يتبيع بالفقير فقره. قال أبو بكر الأنباري: المعنى لئلا يزيد ويغلو، يقال: تبيع به الدم، إذا زاد وجاوز الحد. تجريد اللباس قال المصنف: فإن قال قائل تجويد اللباس هوى للنفس. وقد أمرنا بمعاهدتها. وتزين للخلق وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق. فالجواب: أنه ليس كل ما تهواه النفس يذم ولا كل التزين للناس يكره. وإنما ينهى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه. أو كان على وجه الرياء في باب الدين فإن الإنسان يجب أن يرى جميلا وذلك حظ النفس ولا يلام فيه ولهذا يسرح شعره، وينظر في المرآة، ويسوي عمامته، ويلبس بطانة الثوب الخشن إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج. وليس في شيء من هذا ما يكره ولا يذم. أخبرنا المبارك بن علي الصيرفي نا علي بن محمد بن العلاف نا عبد الملك بن محمد بن بشران نا أحمد بن إبراهيم الكندي نا محمد بن جعفر الخرائطي ثنا بنان بن سليمان ثنا عبد الرحمن بن هانئ عن العلاء بن كثير عن مكحول عن عائشة قالت: «كان نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرونه على الباب فخرج يريدهم، وفي الدار ركوة فيها ماء، فجعل ينظر في الماء ويسوي شعره ولحيته، فقلت: يا رسول الله وأنت تفعل هذا! قال نعم. إذا خرج الرجل إلى أخوانه فليهيئ من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال».

стр. 241

أخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا عبد المحسن بن محمد بن علي ثنا مسعود بن ناصر بن أبي زيد نا أبو إسحاق بن محمد بن أحمد نا أبو القاسم عبد الله بن أحمد الفقيه نا الحسن بن سفيان ثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله العرزمي عن أبيه عن أم كلثوم عن عائشة قالت: «خرج رسول الله ﷺ فمر بركوة لنا فيها ماء فنظر إلى ظله فيها. ثم سوى لحيته ورأسه ثم مضى فلما رجع قلت له: يا رسول الله تفعل هذا؟ قال: وأي شيء فعلت؟ نظرت في ظل الماء فهيأت من لحيتي ورأسي. إنه لا بأس أن يفعله الرجل المسلم إذا خرج إلى إخوانه أن يهيئ من نفسه». قال المصنف ﵀: فإن قيل، فما وجه ما رويتم عن سري السقطي أنه قال: لو أحسست بإنسان يدخل علي فقلت كذا بلحيتي - وأمر يده على لحيته كأنه يريد أن يسويها من أجل دخول الداخل عليه - لخشيت أن يعذبني الله على ذلك بالنار. فالجواب: إن هذا محمول منه على أنه كان يقصد بذلك الرياء في باب الدين من إظهار التخشع وغيره. فأما إذا قصد تحسين صورته لئلا يرى منه ما لا يستحسن فإن ذلك غير مذموم. فمن اعتقده مذموما فما عرف الرياء ولا فهم المذموم. أخبرنا سعد الخير بن محمد الأنصاري نا علي بن عبد الله بن محمد النيسابوري نا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي نا محمد بن عيسى بن عمرويه ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن المثنى ثني يحيى بن حماد قال: أخبرنا شعبة عن أبان بن تغلب عن فضيل الفقيمي عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. فقال رجل: إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس». انفرد به مسلم ومعناه الكبر كبر من بطر الحق، وغمط بمعنى ازدرى واحتقر.

стр. 242

(فصل) وقال المصنف ﵀: وقد كان في الصوفية من يلبس الثياب المرتفعة. أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر نا علي بن الحسن بن جحاف، قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء، كان أبو العباس بن عطاء يلبس المرتفع من البز كالدبيقي، ويسبح بسبح اللؤلؤ ويؤثر ما طال من الثياب. قال المصنف ﵀: قلت وهذا في الشهرة كالمرقعات وإنما ينبغي أن تكون ثياب أهل الخير وسطا، فانظر إلى الشيطان كيف يتلاعب بهؤلاء بين طرفي نقيض. (فصل) قال المصنف ﵀: وقد كان الصوفية من إذا لبس ثوبا خرق بعضه. وربما أفسد الثوب الرفيع القدر. أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا الحسن بن غالب المقري قال: سمعت عيسى بن علي الوزير يقول: كان ابن مجاهد يوما عن أبي، فقيل له الشبلي، فقال: يدخل. فقال ابن مجاهد: سأسكته الساعة بين يديك، وكان من عادة الشبلي إذا لبس شيئا خرق فيه موضعا، فلما جلس، قال له ابن مجاهد، يا أبا بكر أين في العلم فساد ما ينتفع به؟ فقال له الشبلي: أين في العلم ﴿فطفق مسحا بالسوق والأعناق﴾ قال فسكت ابن مجاهد فقال له أبي: أردت أن تسكته فأسكتك، ثم قال له: قد أجمع الناس أنك مقرئ الوقت فأين في القرآن إن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ قال: فسكت ابن مجاهد، فقال له أبي: قل يا أبا بكر، فقال: قولته تعالى: ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله

стр. 243

وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم﴾ فقال ابن مجاهد: كأنني ما سمعتها قط. قال المصنف ﵀: قلت هذه الحكاية أنا مرتاب بصحتها لأن الحسن بن غالب كان لا يوثق به. أخبرنا القزاز نا أبو بكر الخطيب قال: ادعى الحسن بن غالب أشياء تبين لنا فيها كذبه واختلافه، فإن كانت صحيحة فقد أبانت عن قلة فهم الشبلي حين احتج بهذه الآية. وقلة فهم ابن مجاهد حين سكت عن جوابه وذلك أن قوله: ﴿فطفق مسحا بالسوق والأعناق﴾ لأنه لا يجوز أن ينسب إلى نبي معصوم أنه فعل الفساد. والمفسرون قد اختلفوا في معنى الآية، فمنهم من قال مسح على أعناقها وسوقها، وقال: أنت في سبيل الله، فهذا إصلاح، ومنهم من قال: عقرها، وذبح الخيل وأكل لحمها جائز فما فعل شيئا فيه جناح، فأما إفساد ثوب صحيح لا لغرض صحيح فإن لا يجوز، ومن الجائز أن يكون في شريعة سليمان جواز ما فعل ولا يكون في شرعنا. أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ أنبأنا محمد بن أحمد بن أبي الصقر ثنا علي بن الحسن بن جحاف الدمشقي، قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء: كان مذهب أبي علي الروزبادي تخريف أكمامه وتفتيق قميصه، قال: فكان يخرق الثوب المثمن فيرتدي بنصفه ويأتزر بنصفه حتى أنه دخل الحمام يوما وكان عليه ثوب ولم يكن مع أصحابه ما يأتزرون به، فقطعه على عددهم فاتزروا به وتقدم إليهم أن يدفعوا الخرق إذا خرجوا للحمامي. قال ابن عطاء: قال لي أبو سعيد الكازروني: كنت معه في هذا اليوم وكان الرداء الذي قطعه يقوم بنحو ثلاثين دينارا. قال المصنف ﵀: ونظير هذا التفريط ما أنبأنا به زاهر بن طاهر قال:

стр. 244

أنبأنا أبو بكر البيهقي نا أبو عبد الله الحاكم قال: سمعت عبد الله بن يوسف يقول: سمعت أبا الحسن البوشنجي يقول: كانت لي قبجة طلبت بمائة درهم فحظرني ليلة غريبان فقلت للوالدة: عندك شيء لضيفي؟ قالت: لا إلا الخبز. فذبحت القبجة وقدمتها إليهما. قال المصنف ﵀: قد كان يمكنه أن يستقرض ثم يبيعها ويعطي فلقد فرط. أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد قال أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت جدي يقول: دخل أبو الحسن الدراج البغدادي الري، وكان يحتاج إلى لفاف لرجله فدفع إليه رجل منديلا ديبقيا فشقه نصفين وتلفف به فقيل له: لو بعته واشتريت منه لفافا وأنفقت الباقي، فقال ﵀: أنا لا أخون المذهب. قال المصنف: وقد كان أحمد الغزالي ببغداد فخرج إلى المحول فوقف على ناعورة تأن فرمى طيلسانه عليها فدارت فتقطع الطيلسان. قال المصنف رجمه الله: قلت، فانظر إلى هذا الجهل والتفريط والبعد من العلم فإنه قد صح عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن إضاعة المال، ولو أن رجلا قطع دينارا صحيحا وأنفقه كان عند الفقهاء مفرطا فكيف بهذا التبذير المحرم. ونظير هذا تمزيقهم الثياب المطروحة عند الوجد على ما سيأتي ذكره إن شاء الله ثم يدعون أن هذه الحالة لا خير في حالة تنافي الشرع. أفتراهم عبيد نفوسهم أن أمروا أن يعلموا بآرائهم، فإن كانوا عرفوا أنهم يخالفون الشرع بفعلهم هذا ثم فعلوه إنه لعناد. وإن كانوا لا يعرفون فلعمري إنه لجهل شديد. أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد ربه الحافظ قال: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله الرازي يقول: لما تغير الحال على أبي عثمان وقت وفاته، مزق ابنه أبو بكر قميصا كان عليه.

стр. 245

ففتح أبو عثمان عينه. وقال: يا بني خلاف السنة في الظاهر ورياء باطن في القلب. المبالغة في تقصير الثياب قال المصنف: وفي الصوفية من يبالغ في تقصير ثوبه وذلك شهرة أيضا. أخبرنا ابن الحصين نا ابن النذهب ثنا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا محمد بن أبي عدي عن العلاء عن أبيه أنه سمع أبا سعيد سئل عن الإزار فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إزار المسلم إلى إنصاف الساقين. لا جناح أو لا حرج عليه ما بينه وبين الكعبين. ما كان أسفل من ذلك فهو النار». أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله ثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: كتب إلي عبد الرزاق عن معمر قال: كان في قميص أيوب بعض التذييل، فقيل له، فقال: الشهرة اليوم في التشمير. وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ قال: دخلت يوما على أبي عبد الله أحمد بن حنبل وعلي قميص أسفل من الركبة وفوق الساق، فقال: أي شيء هذا؟ وأنكره وقال: هذا بالمرة لا ينبغي. من الصوفية من يجعل على رأسه خرقة مكان العمامة قال المصنف: وقد كان في الصوفية من يجعل على رأسه خرقة مكان العمامة وهذا أيضا شهرة لأنه على خلاف لباس أهل البلد وكل ما فيه شهرة فهو مكروه. أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار نا أبي الحسين بن علي نا أحمد بن منصور البوسري ثنا محمد بن مخلد ثني محمد بن يوسف قال: قال عباس بن عبد العظيم

стр. 246

العنبري قال بشر بن الحارث: إن ابن المبارك دخل المسجد يوم جمعة وعليه قلنسوة، فنظر الناس ليس عليهم قلانس فأخذها فوضعها في كمه. تخصيص ثياب للصلاة وثياب للخلاء قال المصنف: وقد كان في الصوفية من استكثر من الثياب وسوسة فيجعل للخلاء ثوبا وللصلاة ثوبا. وقد روي هذا عن جماعة منهم أبو يزيد وهذا لا بأس به إلا أنه ينبغي خشية أن يتخذ سنة. أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله ثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن عبد الوهاب ثنا محمد بن إسحاق النيسابوري ثنا محمد بن الصباح ثنا حاتم يعني ابن إسماعيل ثني جعفر عن أبيه أن علي بن الحسين قال: يا بني لو اتخذت ثوبا للغائط، رأيت الذباب يقع على الشيء ثم يقع على الثوب، ثم أتيته، فقال: ما كان لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه إلا ثوب فرفضه. الثوب الواحد قال المصنف: وقد كان فيهم من لا يكون له سوى ثوب واحد زهدا في الدنيا، وهذا أحسن إلا أنه إذا أمكن اتخاذ ثوب للجمعة والعيد كان أصلح وأحسن. أخبرنا عبد الأول بن عيسى نا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر نا عبد الله بن أحمد بن حياة نا إبراهيم بن حريم بن حميد ثني ابن أبي شيبة ثنا محمد بن عمر عن عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن يحيى بن حبان عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه قال: خطبنا رسول الله ﷺ في يوم جمعة فقال: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعة سوى ثوب مهنته».

стр. 247

أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا محمد الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف الحساب نا الحارث بن أبي أسامة ثنا محمد بن سعد نا محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد المجيد بن سهيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال محمد بن عمر وحدثني غير محمد بن عبد الرحمن أيضا ببعض ذلك قالوا كان لرسول الله ﷺ برد يمينه وإزار من نسج عمان فكان يلبسهما في يوم الجمعة ويوم العيد ثم يطويان. ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في مطاعمهم ومشاربهم قال المصنف ﵀: قد بالغ إبليس في تلبيسه على قدماء الصوفية فأمرهم بتقليل المطعم وخشونته ومنعهم شرب الماء البارد. فلما بلغ إلى المتأخرين استراح من التعب واشتغل بالتعجب من كثرة أكلهم ورفاهية عيشهم. ذكر طرف مما فعله قدماؤهم قال المصنف ﵀: كان في القوم من يبقى الأيام لا يأكل إلا أن تضعف قوته. وفيهم من يتناول كل يوم الشيء اليسير الذي لا يقيم البدن فروي لنا عن سهل بن عبد الله أنه كان في بدايته يشتري بدرهم دبسا وبدرهمين سمنا وبدرهم دقيق الأرز فيخلطه ويجعله ثلاثمائة وستين كرة فيفطر كل ليلة على واحدة. وحكى عنه أبو حامد الطوسي قال: كان سهل يقتات ورق النبق مدة وأكل دقاق التبين مدة ثلاث سنين واقتات بثلاث دراهم في ثلاث سنين. أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو باكويه ثني أبو الفرج بن حمزة التكريتي ثني أبو عبد الله الحصري قال سمعت أبا جعفر

стр. 248

الحداد يقول: أشرف علي أبو تراب يوما وأنا على بكرة ماء ولي ستة عشر يوما ولم آكل شيئا ولم أشرب فيها ماء فقال: ما جلوسك ههنا فقلت أنا بين العلم واليقين وأنا أنظر من يغلب فأكون معه فقال سيكون لك شأن. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا ابن أبي صادق ثنا ابن باكيوه نا عبد العزيز بن الفضل ثنا علي بن عبد الله العمري ثنا محمد بن فليح ثني إبراهيم بن البنا البغدادي قال: صحبت ذا النون من أخميم إلى الإسكندرية فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصا وملحا كان معي وقلت: هلم. فقال لي: ملحك مدقوق. قلت نعم. قال لست تفلح فنظرت إلى مزوده فإذا فيه قليل سويق شعير يستف منه. أخبرنا ابن ظفر نا ابن السراج نا عبد العزيز ابن علي الأزجي نا ابن جهضم ثنا محمد بن عيسى بن هارون الدقاق ثنا أحمد بن أنس بن أبي الحواري. سمعت أبا سليمان يقول: الزبد بالعسل إسراف. قال ابن جهضم وحدثنا محمد يوسف البصري قال سمعت أبا سعيد صاحب سهل يقول: بلغ أبا عبد الله الزبيري وزكريا الساجي وابن أبي أوفى أن سهل بن عبد الله يقول: أنا حجة الله على الخلق. فاجتمعوا عنده فأقبل عليه الزبيري فقال له: بلغنا أنك قلت (أنا حجة الله على الخلق) فبماذا؟ أنبي أنت؟ أصديق أنت؟ قال سهل: لم أذهب حيث تظن ولكن إنما قلت هذا لأخذي الحلال. فتعالوا كلكم حتى نصحح الحلال. قالوا فأنت قد صححته؟ قال نعم. قال وكيف؟ قال سهل: قسمت عقلي ومعرفتي وقوتي على سبعة أجزاء، فأتركه حتى يذهب منها ستة أجزاء ويبقى جزء واحد فإذا خفت أن يذهب ذلك الجزء ويتلف معه نفسي حفت أن أكون قد أعنت عليها وقتلتها دفعت إليها من البلغة ما يرد الستة الأجزاء.

стр. 249

أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال أخبرني أبو عبد الله بن مفلح قال خبرني أبي أخبرني أبو عبد الله بن زيد قال لي: منذ أربعين سنة ما أطعمت نفسي طعاما إلا في وقت ما أحل الله لها الميتة. أخبرنا ابن ناصر نا أبو الفضل محمد بن علي بن أحمد السهلكي ثني أبو الحسن علي بن محمد القوهي ثنا عيسى بن آدم ابن أخي أبي زيد قال: جاء رجل إلى أبي يزيد قال: أريد أن أجلس في مسجدك الذي أنت فيه، قال لا تطيق ذلك. فقال: إن رأيت أن توسع لي في ذلك. فأذن له فجلس يوما لا يطعم فصبر فلما كان في اليوم الثاني قال له يا أستاذ لا بد مما لا بد منه. فقال: يا غلام لا بد من الله. قال: يا أستاذ نريد القوت. قال: يا غلام القوت عندنا إطاعة الله. فقال: يا أستاذ أريد شيئا يقيم جسدي في طاعته . فقال: يا غلام إن الأجسام لا تقوم إلا بالله . أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا: نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ قال: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا عثمان الآدمي يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: حدثني أخ لي كان يصحب أبا تراب نظر إلى صوفي مد يده إلى قشر البطيخ وكان قد طوى ثلاثة أيام. فقال له: تمد يدك إلى قشر البطيخ أنت لا يصلح لك التصوف. إلزم السوق. أخبرنا محمد بن أبي القاسم أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا القاسم القيرواني يقول: سمعت بعض أصحابنا يقول: أقام أبو الحسن النصيبي بالحرم أياما مع أصحاب لهم سبعة لم يأكلوا فخرج بعض أصحابه ليتطهر فرأى قشر بطيخ فأخذه فأكله. فرآه إنسان فأتبعه بشيء وجاء برفق فوضعه بين يدي القوم فقال الشيخ: من جنى منكم هذه الجناية، فقال الرجل أنا وجدت قشر بطيخ فأكلته فقال كن مع جنايتك ومع هذا الرفق وخرج من الحرم ومعه أصحابه وتبعه الرجل فقال: ألم أقل لك كن مع جنايتك، فقال الرجل أنا تائب إلى الله

стр. 250

تعالى مما جرى مني، فقال الشيخ: لا كلام بعد التوبة. أخبرنا عمر بن ظفر نا ابن السراج نا أبو القاسم الأزجي نا أبو الحسن بن جهضم ثنا إبراهيم بن محمد الشنوزي قال سمعت بنان بن محمد يقول: كنت بمكة مجاورا فرأيت بها إبراهيم الخواص وأتى علي أيام لم يفتح علي بشيء وكان بمكة مزين يحب الفقراء وكان من أخلاقه إذا جاءه الفقير يحتجم اشترى له لحما فطبخه فأطعمه فقصدته وقلت أريد أن أحتجم فأرسل من يشتري لحما وأمر بإصلاحه وجلست بين يديه فجعلت نفسي تقول: ترى يكون فراغ القدر مع فراغ الحجامة. ثم استيقظت وقلت: يا نفس إنما جئت تحتجمين لتطعمي عاهدت الله تعالى ألا ذقت من طعامه شيئا. فلما فرغ انصرفت فقال: سبحان الله أنت تعرف الشرط. فقلت: ثم عقد: فسكت. وجئت المسجد الحرام ولم يقدر لي شيء آكله. فلما كان من الغد بقيت إلى آخر النهار ولم يتفق أيضا فلما قمت لصلاة العصر سقطت وغشي علي واجتمع حولي ناس وحسبوا أني مجنون فقام إبراهيم وفرق الناس وجلس عندي يحدثني. ثم قال: تأكل شيئا؟ قلت قرب الليل. فقال: أحسنتم يا مبتدئون اثبتوا على هذا تفلحوا ثم قام فلما صلينا العشاء الآخرة إذا هو قد جاءني ومعه قصعة فيها عدس ورغيفان ودورق ماء فوضعه بين يدي وقال: كل ذلك فأكلت الرغيفين والعدس فقال: فيك فضل تأكل شيئا آخر قلت نعم، فمضى وجاء بقصعة عدس ورغيفين فأكلتهما وقلت قد اكتفيت فاضطجعت فما قمت ليلتي ونمت إلى الصباح ما صليت ولا طفت. أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم ثنا أبي قال سمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: سمعت منصور بن عبد الله الأصفهاني يقول سمعت أبا علي الروزباري يقول: إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق وامروه بالكسب. أنبأنا عبد المنعم ثنا أبي قال سمعت ابن باكويه يقول سمعت أبا أحمد الصغير يقول: أمرني أبو عبد الله بن خفيف أن أقدم إليه كل ليلة عشر حبات زبيب لإفطاره فأشفقت عليه ليلة فحملت إليه خمسة عشر حبة فنظر إلي وقال من أمرك بهذا وأكل عشر حبات وترك الباقي.
следующие страницы →