← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11408

تلبيس ابليس - ط الكتاب العربي

ابن الجوزي

Полный текст (479 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

العنبري قال بشر بن الحارث: إن ابن المبارك دخل المسجد يوم جمعة وعليه قلنسوة، فنظر الناس ليس عليهم قلانس فأخذها فوضعها في كمه. تخصيص ثياب للصلاة وثياب للخلاء قال المصنف: وقد كان في الصوفية من استكثر من الثياب وسوسة فيجعل للخلاء ثوبا وللصلاة ثوبا. وقد روي هذا عن جماعة منهم أبو يزيد وهذا لا بأس به إلا أنه ينبغي خشية أن يتخذ سنة. أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله ثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن عبد الوهاب ثنا محمد بن إسحاق النيسابوري ثنا محمد بن الصباح ثنا حاتم يعني ابن إسماعيل ثني جعفر عن أبيه أن علي بن الحسين قال: يا بني لو اتخذت ثوبا للغائط، رأيت الذباب يقع على الشيء ثم يقع على الثوب، ثم أتيته، فقال: ما كان لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه إلا ثوب فرفضه. الثوب الواحد قال المصنف: وقد كان فيهم من لا يكون له سوى ثوب واحد زهدا في الدنيا، وهذا أحسن إلا أنه إذا أمكن اتخاذ ثوب للجمعة والعيد كان أصلح وأحسن. أخبرنا عبد الأول بن عيسى نا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر نا عبد الله بن أحمد بن حياة نا إبراهيم بن حريم بن حميد ثني ابن أبي شيبة ثنا محمد بن عمر عن عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن يحيى بن حبان عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه قال: خطبنا رسول الله ﷺ في يوم جمعة فقال: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعة سوى ثوب مهنته».

стр. 247

أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا محمد الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف الحساب نا الحارث بن أبي أسامة ثنا محمد بن سعد نا محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد المجيد بن سهيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال محمد بن عمر وحدثني غير محمد بن عبد الرحمن أيضا ببعض ذلك قالوا كان لرسول الله ﷺ برد يمينه وإزار من نسج عمان فكان يلبسهما في يوم الجمعة ويوم العيد ثم يطويان. ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في مطاعمهم ومشاربهم قال المصنف ﵀: قد بالغ إبليس في تلبيسه على قدماء الصوفية فأمرهم بتقليل المطعم وخشونته ومنعهم شرب الماء البارد. فلما بلغ إلى المتأخرين استراح من التعب واشتغل بالتعجب من كثرة أكلهم ورفاهية عيشهم. ذكر طرف مما فعله قدماؤهم قال المصنف ﵀: كان في القوم من يبقى الأيام لا يأكل إلا أن تضعف قوته. وفيهم من يتناول كل يوم الشيء اليسير الذي لا يقيم البدن فروي لنا عن سهل بن عبد الله أنه كان في بدايته يشتري بدرهم دبسا وبدرهمين سمنا وبدرهم دقيق الأرز فيخلطه ويجعله ثلاثمائة وستين كرة فيفطر كل ليلة على واحدة. وحكى عنه أبو حامد الطوسي قال: كان سهل يقتات ورق النبق مدة وأكل دقاق التبين مدة ثلاث سنين واقتات بثلاث دراهم في ثلاث سنين. أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو باكويه ثني أبو الفرج بن حمزة التكريتي ثني أبو عبد الله الحصري قال سمعت أبا جعفر

стр. 248

الحداد يقول: أشرف علي أبو تراب يوما وأنا على بكرة ماء ولي ستة عشر يوما ولم آكل شيئا ولم أشرب فيها ماء فقال: ما جلوسك ههنا فقلت أنا بين العلم واليقين وأنا أنظر من يغلب فأكون معه فقال سيكون لك شأن. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا ابن أبي صادق ثنا ابن باكيوه نا عبد العزيز بن الفضل ثنا علي بن عبد الله العمري ثنا محمد بن فليح ثني إبراهيم بن البنا البغدادي قال: صحبت ذا النون من أخميم إلى الإسكندرية فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصا وملحا كان معي وقلت: هلم. فقال لي: ملحك مدقوق. قلت نعم. قال لست تفلح فنظرت إلى مزوده فإذا فيه قليل سويق شعير يستف منه. أخبرنا ابن ظفر نا ابن السراج نا عبد العزيز ابن علي الأزجي نا ابن جهضم ثنا محمد بن عيسى بن هارون الدقاق ثنا أحمد بن أنس بن أبي الحواري. سمعت أبا سليمان يقول: الزبد بالعسل إسراف. قال ابن جهضم وحدثنا محمد يوسف البصري قال سمعت أبا سعيد صاحب سهل يقول: بلغ أبا عبد الله الزبيري وزكريا الساجي وابن أبي أوفى أن سهل بن عبد الله يقول: أنا حجة الله على الخلق. فاجتمعوا عنده فأقبل عليه الزبيري فقال له: بلغنا أنك قلت (أنا حجة الله على الخلق) فبماذا؟ أنبي أنت؟ أصديق أنت؟ قال سهل: لم أذهب حيث تظن ولكن إنما قلت هذا لأخذي الحلال. فتعالوا كلكم حتى نصحح الحلال. قالوا فأنت قد صححته؟ قال نعم. قال وكيف؟ قال سهل: قسمت عقلي ومعرفتي وقوتي على سبعة أجزاء، فأتركه حتى يذهب منها ستة أجزاء ويبقى جزء واحد فإذا خفت أن يذهب ذلك الجزء ويتلف معه نفسي حفت أن أكون قد أعنت عليها وقتلتها دفعت إليها من البلغة ما يرد الستة الأجزاء.

стр. 249

أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال أخبرني أبو عبد الله بن مفلح قال خبرني أبي أخبرني أبو عبد الله بن زيد قال لي: منذ أربعين سنة ما أطعمت نفسي طعاما إلا في وقت ما أحل الله لها الميتة. أخبرنا ابن ناصر نا أبو الفضل محمد بن علي بن أحمد السهلكي ثني أبو الحسن علي بن محمد القوهي ثنا عيسى بن آدم ابن أخي أبي زيد قال: جاء رجل إلى أبي يزيد قال: أريد أن أجلس في مسجدك الذي أنت فيه، قال لا تطيق ذلك. فقال: إن رأيت أن توسع لي في ذلك. فأذن له فجلس يوما لا يطعم فصبر فلما كان في اليوم الثاني قال له يا أستاذ لا بد مما لا بد منه. فقال: يا غلام لا بد من الله. قال: يا أستاذ نريد القوت. قال: يا غلام القوت عندنا إطاعة الله. فقال: يا أستاذ أريد شيئا يقيم جسدي في طاعته . فقال: يا غلام إن الأجسام لا تقوم إلا بالله . أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا: نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ قال: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا عثمان الآدمي يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: حدثني أخ لي كان يصحب أبا تراب نظر إلى صوفي مد يده إلى قشر البطيخ وكان قد طوى ثلاثة أيام. فقال له: تمد يدك إلى قشر البطيخ أنت لا يصلح لك التصوف. إلزم السوق. أخبرنا محمد بن أبي القاسم أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا القاسم القيرواني يقول: سمعت بعض أصحابنا يقول: أقام أبو الحسن النصيبي بالحرم أياما مع أصحاب لهم سبعة لم يأكلوا فخرج بعض أصحابه ليتطهر فرأى قشر بطيخ فأخذه فأكله. فرآه إنسان فأتبعه بشيء وجاء برفق فوضعه بين يدي القوم فقال الشيخ: من جنى منكم هذه الجناية، فقال الرجل أنا وجدت قشر بطيخ فأكلته فقال كن مع جنايتك ومع هذا الرفق وخرج من الحرم ومعه أصحابه وتبعه الرجل فقال: ألم أقل لك كن مع جنايتك، فقال الرجل أنا تائب إلى الله

стр. 250

تعالى مما جرى مني، فقال الشيخ: لا كلام بعد التوبة. أخبرنا عمر بن ظفر نا ابن السراج نا أبو القاسم الأزجي نا أبو الحسن بن جهضم ثنا إبراهيم بن محمد الشنوزي قال سمعت بنان بن محمد يقول: كنت بمكة مجاورا فرأيت بها إبراهيم الخواص وأتى علي أيام لم يفتح علي بشيء وكان بمكة مزين يحب الفقراء وكان من أخلاقه إذا جاءه الفقير يحتجم اشترى له لحما فطبخه فأطعمه فقصدته وقلت أريد أن أحتجم فأرسل من يشتري لحما وأمر بإصلاحه وجلست بين يديه فجعلت نفسي تقول: ترى يكون فراغ القدر مع فراغ الحجامة. ثم استيقظت وقلت: يا نفس إنما جئت تحتجمين لتطعمي عاهدت الله تعالى ألا ذقت من طعامه شيئا. فلما فرغ انصرفت فقال: سبحان الله أنت تعرف الشرط. فقلت: ثم عقد: فسكت. وجئت المسجد الحرام ولم يقدر لي شيء آكله. فلما كان من الغد بقيت إلى آخر النهار ولم يتفق أيضا فلما قمت لصلاة العصر سقطت وغشي علي واجتمع حولي ناس وحسبوا أني مجنون فقام إبراهيم وفرق الناس وجلس عندي يحدثني. ثم قال: تأكل شيئا؟ قلت قرب الليل. فقال: أحسنتم يا مبتدئون اثبتوا على هذا تفلحوا ثم قام فلما صلينا العشاء الآخرة إذا هو قد جاءني ومعه قصعة فيها عدس ورغيفان ودورق ماء فوضعه بين يدي وقال: كل ذلك فأكلت الرغيفين والعدس فقال: فيك فضل تأكل شيئا آخر قلت نعم، فمضى وجاء بقصعة عدس ورغيفين فأكلتهما وقلت قد اكتفيت فاضطجعت فما قمت ليلتي ونمت إلى الصباح ما صليت ولا طفت. أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم ثنا أبي قال سمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: سمعت منصور بن عبد الله الأصفهاني يقول سمعت أبا علي الروزباري يقول: إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق وامروه بالكسب. أنبأنا عبد المنعم ثنا أبي قال سمعت ابن باكويه يقول سمعت أبا أحمد الصغير يقول: أمرني أبو عبد الله بن خفيف أن أقدم إليه كل ليلة عشر حبات زبيب لإفطاره فأشفقت عليه ليلة فحملت إليه خمسة عشر حبة فنظر إلي وقال من أمرك بهذا وأكل عشر حبات وترك الباقي.

стр. 251

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا علي بن أبي صادق نا ابن باكويه قال: سمعت عبد الله بن خفيف يقول: كنت في ابتدائي بقيت أربعين شهرا أفطر كل ليلة بكف باقلاء فمضيت يوما فافتصدت فخرج من عرقي شبه ماء اللحم وغشي علي. فتحير الفصاد وقال: ما رأيت جسدا لا دم فيه إلا هذا. الامتناع عن أكل اللحم قال المصنف: وقد كان فيهم قوم لا يأكلون اللحم حتى قال بعضهم أكل درهم من اللحم يقسي القلب أربعين صباحا. وكان فيهم من يمتنع من الطيبات كلها ويحتج بما أخبرنا به علي بن عبد الواحد الدينوري نا أبو الحسن القزويني نا أبو حفص بن الزيات ثنا ابن ماجة ثنا أزهر بن جميل ثنا بزيغ عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: «قال رسول الله ﷺ : احرموا أنفسكم طيب الطعام فإنما قوي الشيطان أن يجري في العروق بها». وفيهم من كان يمتنع من شرب الماء الصافي. وفيهم من يمتنع من شرب الماء البارد فيشرب الحار. ومنهم من كان يجعل ماءه في دن مدفون في الأرض فيصير حارا. ومنهم من يعاقب نفسه بترك الماء مدة. وأخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي قال: سمعت عبد الواحد بن بكر الورياني ثني محمد بن سعدان ثني عيسى بن موسى البسطامي قال: سمعت أبي يقول: قال سمعت عمي خادم أبي يزيد يقول: ما أكلت شيئا مما يأكله بنو آدم أربعين سنة. قال: وأسهل ما لاقت نفسي مني أني سألتها أمرا من الأمور فأبت فعزمت أن لا أشرب الماء سنة فما شربت الماء سنة. وحكى أبو حامد الغزالي عن أبي يزيد أنه قال: دعوت نفسي إلى الله فجمحت فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة ولا أذوق النوم سنة فوفت لي بذلك. (فصل) قال المصنف: وقد رتب أبو طالب المكي للقوم ترتيبات في المطاعم

стр. 252

فقال: استحب للمريد ألا يزيد على رغيفين في يوم وليلة قال: ومن الناس من كان يعمل في الأقوات فيقلها: وكان بعضهم يزن قوته بكربة من كرب النخل وهي تجف كل يوم قليلا فينقص من قوته بمقدار ذلك، قال، ومنهم من كان يعمل في الأوقات فيأكل كل يوم ثم يتدرج إلى يومين وثلاثة، قال، والجوع ينقص دم الفؤاد فيبيضه وفي بياضه نوره، ويذيب شحم الفؤاد وفي ذوبانه رقته، وفي رقته مفتاح المكاشفة. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقد صنف لهم أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي كتابا سماه رياضة النفوس قال فيه، فينبغي للمبتدئ في هذا الأمر أن يصوم شهرين متتابعين توبة من الله ثم يفطر فيطعم اليسير ويأكل كسرة كسرة. ويقطع الأدام والفواكه واللذة، ومجالسة الإخوان، والنظر في الكتب، وهذه كلها أفراح للنفس فيمنع النفس لذاتها حتى تملئ غما. قال المصنف: وقد أخرج لهم بعض المتأخرين الأربعينية. يبقى أحدهم أربعين يوما لا يأكل الخبز ولكنه يشرب الزيوتات ويأكل الفواكه الكثيرة اللذيذة، فهذه نبذة من ذكر أفعالهم في مطاعمهم يدل مذكورها على مغفلها. فصل:-في بيان تلبيس إبليس عليهم في هذه الأفعال وإيضاح الخطأ فيها قال المصنف ﵀: أما ما نقل عن سهل ففعل لا يجوز لأنه حمل على النفس ما لا تطيق ثم إن الله أكرم الآدميين بالحنطة وجعل قشورها لبهائمهم فلا تصلح مزاحمة البهائم في أكل التبن وأي غذاء في التبن ومثل هذه الأشياء أشهر من أن تحتاج إلى رد وقد حكى أبو حامد عن سهل أنه كان يرى

стр. 253

أن صلاة الجائع الذي قد أضعفه الجوع قاعدا أفضل من صلاته قائما إذا قواه الأكل. قال المصنف ﵀: وهذا خطأ بل إذا تقوى على القيام كان أكله عبادة لأنه يعين على العبادة وإذا تجوع إلى أن يصلي قاعدا فقد تسبب إلى ترك الفرائض فلم يجز له ولو كان التناول ميتة ما جاز هذا فكيف وهو حلال ثم أي قربة في هذا الجوع المعطل أدوات العبادة. وأما قول الحداد وأنا أنظر أن يغلب العلم أم اليقين فإنه جهل محض لأنه ليس بين العلم واليقين تضاد إنما اليقين أعلى مراتب العلم، وأين من العلم واليقين ترك ما تحتاج إليه النفس من المطعم والمشرب وإنما أشار بالعلم إلى ما أمره الشرع، وأشار باليقين إلى قوة الصبر وهذا تخليط قبيح، وهؤلاء قوم شددوا فيما ابتدعوا وكانوا كقريش في تشددهم حتى سموا بالحمس فجحدوا الأصل وشددوا في الفرع، وقول الآخر، ملحك مدقوق لست تفلح من أقبح الأشياء، وكيف يقال عمن استعمل ما أبيح له لست تفلح وأما سويق الشعير فإنه يورث القولنج. وقو الآخر الزبد بالعسل إسراف قول مرذول لأن الإسراف ممنوع منه شرعا وهذا مأذون في وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه كان يأكل القثاء بالرطب، وكان يحب الحلوى والعسل، وأما ما روينا عن سهل أنه قال

стр. 254

قسمت قوتي وعقلي سبعة أجزاء ففعل يذم به ولا يمدح عليه إذ لم يأمر الشرع بمثله وهو إلى التحريم أقرب لأنه ظلم للنفس وترك لحقها وكذلك قول الذي قال: ما أكلت إلى وقت أن يباح لي أكل الميتة: فإنه فعل برأيه المرذول. وحمل على النفس مع وجود الحلال. وقول أبي زيد: القوت عندنا لله. كلام ركيك فإن البدن قد بني على الحاجة إلى الطعام حتى أن أهل النار في النار يحتاجون إلى الطعام. وأما التقبيح على من أخذ قشر البطيخ بعد الجوع الطويل فلا وجه له والذي طوى ثلاثا لم يسلم من لوم الشرع، وكذلك الذي عاهد أن لا يأكل حين احتجم حتى وقع في الضعف فإنه فعل ما لا يحل له، وقول إبراهيم له أحسنتم يا مبتدئون خطأ أيضا فإنه ينبغي أن يلزمه بالفطر ولو كان في رمضان إذ من له أيام لم يأكل وقد احتجم وغشي عليه لا يجوز له أن يصوم. أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت ثني الأزهري ثنا علي بن عمر ثنا أبو حامد الحضرمي ثنا عبد الرحمن بن يونس السواح ثنا بقية بن الوليد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصابه جهد في رمضان فلم يفطر فمات دخل النار». قال المصنف ﵀: قلت، كل رجاله ثقات وقد أخبرنا به عاليا محمد بن عبد الباقي نا أبو يعلى محمد بن الحسين نا علي بن عمر السكري ثنا أحمد بن محمد الأسدي ثنا عبد الرحمن بن يونس فذكره وقال: «من أصابه جهد في رمضان فلم يفطر دخل النار». قال المصنف ﵀: وأما تقليل ابن خفيف ففعل قبيح لا يستحسن وما يورد هذا الأخبار عنهم إيرادا مستحسنا لها إلا جاهل بأصول الشرع، فأما العالم المتمكن فإنه لا يهوله قول معظم فكيف بفعل جاهل مبرسم، وأما كونهم لا يأكلون اللحم فهذا مذهب البراهمة الذين لا يرون ذبح الحيوان والله أعلم بمصالح الأبدان فأباح اللحم لتقويتها فأكل اللحم يقوي القوة وتركه

стр. 255

يضعفها ويسيء الخلق، وقد كان رسول الله ﷺ يأكل اللحم ويحب الذراع من الشاة، ودخل يوما فقدم إليه طعام من طعام البيت فقال: «لم أر لكم برمة تفور». وكان الحسن البصري يشتري كل يوم لحما، وعلى هذا كان السلف إلا أن يكون فيهم فقير فيبعد عهده باللحم لأجل الفقر، وأما من منع نفسه الشهوات فإن هذا على الإطلاق لا يصلح لأن الله لما خلق بني آدم على الجرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة وجعل صحته موقوفة على تعادل الإخلاط الدم والبلغم والمرة الصفراء والمرة السوداء فتارة يزيد بعض الأخلاط فتميل الطبيعة إلى ما ينقصه مثل أن تزيد الصفراء فيميل الطبع إلى الحموضة أو ينقص البلغم فتميل النفس إلى المرطبات فقد ركب في الطبع الميل إلى ما تميل إليه النفس وتوافقه فإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمنعت فقد قوبلت حكمة الباري يردها ثم يؤثر ذلك في البدن فكان هذا الفعل مخالفا للشرع والعقل. ومعلوم أن البدن مطية الآدمي ومتى لم يرفق بالمطية لم تبلغ، وإنما قلت علوم هؤلاء فتكلموا بآرائهم الفاسدة فإن أسندوا فإلى حديث ضعيف أو موضوع أو يكون فهمهم منه رديئا، ولقد عجبت لأبي حامد الغزالي الفقيه كيف نزل مع القوم من رتبة الفقه إلى مذاهبهم حتى أنه قال لا ينبغي للمريد إذا تاقت نفسه إلى الجماع أن يأكل ويجامع فيعطي نفسه شهوتين فتقوى عليه. قال المصنف ﵀: وهذا قبيح في الغاية فإن الإدام شهوة فوق الطعام فينبغي أن لا يأكل إداما والماء شهوة أخرى. أو ليس في الصحيح أن رسول الله ﷺ طاف على نسائه بغسل واحد فهلا اقتصر على شهوة واحدة. أو ليس في الصحيحين أن رسول الله ﷺ كان يأكل القثاء بالرطب وهاتان شهوتان. أو ما

стр. 256

أكل عند أبي الهيتم بن التيهان خبزا وشواء وبسرا وشرب ماء باردا، أو ما كان الثوري يأكل اللحم والعنب والفالوذج ثم يقوم فيصلي أو ما تعلف الفرس الشعير والتبن والقت. وتطعم الناقة الخبط والحمض. وهل البدن إلا ناقة وإنما نهى بعض القدماء عن الجمع بين إدامين على الدوام لئلا يتخذ ذلك عادة فيحوج إلى كلفة وإنما تجتنب فضول الشهوات لئلا يكون سببا لكثرة الأكل وجلب النوم. ولئلا تتعود فيقل الصبر عنها فيحتاج الإنسان إلى تضييع العمر في كسبها وربما تناولها من غير وجهها. وهذا طريق السلف في ترك فضول الشهوات. والحديث الذي احتجوا به (احرموا أنفسكم طيب الطعام) حديث موضوع عملته يدا بزيغ الراوي. وأما إذا اقتصر الإنسان على خبز الشعير والملح الجريش فإنه ينحرف مزاجه لأن خبز الشعير يابس مجفف والملح يابس قابض يضر الدماغ والبصر، وتقليل المطعم يوجب تنشيف المعدة وضيقها وقد حكى يوسف الهمداني عن شيخه عبد الله الحوفي أنه كان يأكل خبز البلوط بغير إدام وكان أصحابه يسألونه أن يأكل شيئا من الدهن والدسومات فلا يفعل. قال المصنف ﵀: وهذا يورث القولنج الشديد. واعلم أن المذموم من الأكل إنما هو فرط الشبع وأحسن الآداب في المطعم أدب الشارع ﷺ . أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أبو بكر بن حمكان ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أبو المغيرة ثنا سليمان بن سليم الكناني ثنا يحيى بن جابر الطائي قال: سمعت المقدام بن معدي كرب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه. حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه. فإن كان لا بد فثلث طعام وثلث شراب وثلث لنفسه». قال المصنف ﵀: قلت، فقد أمر الشرع بما يقيم النفس حفظا لها وسعيا في مصلحتها. ولو سمع أبقراط هذه القسمة في قوله (ثلث وثلث

стр. 257

وثلث) لدهش من هذه الحكمة لأن الطعام والشراب يربوان في المعدة فيتقارب ملئها فيبقى للنفس من الثلث قريب فهذا أعدل الأمور فإن نقص منه قليلا لم يضر وإن زاد النقصان أضعف القوة وضيق المجاري على الطعام. الصوفية والجوع قال المصنف ﵀: واعلم أن الصوفية إنما يأمرون بالتقلل شبانهم ومبتدئيهم ومن أضر الأشياء على الشاب الجوع فإن المشايخ يصبرون عليه والكهول أيضا فأما الشبان فلا صبر لهم على الجوع. وسبب ذلك أن حرارة الشباب شديدة فلذلك يجود هضمه ويكثر تحلل بدنه فيحتاج إلى كثرة الطعام كما يحتاج السراج الجديد إلى كثرة الزيت. فإذا صابر الشاب الجوع وتئبته في أول النشوء قمع نشوء نفسه فكان كمن يعرقب أصول الحيطان ثم تمتد يد المعدة لعدم الغذاء إلى أخذ الفضول المجتمعة في البدن فتغذيه بالأخلاط فيفسد الدهن والجسم وهذا أصل عظيم يحتاج إلى تأمل. (فصل) قال المصنف ﵀: وذكر العلماء التقلل الذي يضعف البدن. أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا إبراهيم بن جعفر الساجي نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر نا أبو بكر أحمد بن محمد هارون الخلال نا عبد الله بن إبراهيم بن يعقوب الجيلي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل قال له عقبة بن مكرم: هؤلاء الذين

стр. 258

يأكلون قليلا ويقللون من مطعمهم. فقال: ما يعجبني. سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: فعل قوم هذا فقطعهم عن الفرض. قال الخلال: وأخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة ثنا إسحق بن داود بن صبيح قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: يا أبا سعيد إن ببلدنا قوما من هؤلاء الصوفية. فقال: لا تقرب هؤلاء فإنا قد رأينا من هؤلاء قوما أخرجهم الأمر إلى الجنون. وبعضهم أخرجهم إلى الزندقة. ثم قال: خرج سفيان الثوري في سفر فشيعته، وكان معه سفرة فيها فالوذج وكان فيها حمل. قال الخلال: وأخبرني المروزي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وقال له رجل: إني منذ خمس عشرة سنة قد ولع بي إبليس. وربما وجدت وسوسة أتفكر في الله . فقال: لعلك كنت تذمن الصوم، افطر وكل دسما وجالس القصاص. قال المصنف ﵀: وفي هؤلاء القوم من يتناول المطاعم الرديئة ويهجر الدسم فيجتمع في معدته أخلاط فجة فتغتذي المعدة منها مدة لأن المعدة لا بد لها من شيء تهضمه. فإذا هضمت ما عندها من الطعام ولم تجد شيئا تناولت الأخلاط فهضمتها وجعلتها غذاء. وذلك الغذاء الرديء يخرج إلى الوساوس والجنون وسوء الأخلاق. وهؤلاء المتقللون يتناولون مع التقلل أردأ المأكولات فتكثر أخلاطهم فتشتغل المعدة بهضم الأخلاط. ويتفق لهم تعود التقلل بالتدريج فتضيق المعدة فيمكنهم الصبر عن الطعام أياما. ويعينهم على هذا قوة الشباب فيعتقدون الصبر عن الطعام كرامة. وإنما السبب مع عرفتك. وقد أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم قال: حدثني أبي قال: كانت امرأة قد طعنت في السن فسئلت عن حالها. فقالت: كنت في حال الشباب أجد من نفسي أحوالا أظنها قوة الحال، فلما كبرت زالت عني، فعلمت أن ذلك كان قوة الشباب فتوهمتها أحوالا. قال: سمعت أبا علي الدقاق يقول: ما سمع أحد هذه الحكاية من الشيوخ إلا رق لهذه العجوز وقال إنها كانت منصفة.

стр. 259

وقال المصنف: فإن قيل كيف تمنعون من التقلل وقد رويتم أن عمر ﵁ كان يأكل كل يوم إحدى عشرة لقمة. وأن ابن الزبير كان يبقى أسبوعا لا يأكل وإن إبراهيم التميمي بقي شهرين. قلنا: قد يجري للإنسان من هذا الفن في بعض الأوقات غير أنه لا يدوم عليه. ولا يقصد الترقي إليه. وقد كان السلف من يجوع عوزا وفيهم من كان الصبر له عادة لا يضر بدنه. وفي العرب من يبقى أياما لا يزيد على شرب اللبن. ونحن لا نأمر بالشبع إنما ننهى عن جوع يضعف القوة ويؤذي البدن. وإذا ضعف البدن قلت العبادة. فإن حملت البدن قوة الشباب جاء الشيب فأقذع بالراكب. وقد أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا عبد القادر بن يوسف نا أبو إسحق البرمكي ثنا أبو يعقوب بن سعد النسائي ثنا جدي الحسن بن سفيان ثنا حرملة بن يحيى ثنا عبد الله بن وهب ثنا سفيان بن عيينة عن مالك بن أنس عن إسحق بن عبيد الله بن أبي طلحة عن أنس ﵁ قال: كان يطرح لعمر بن الخطاب ﵁ الصاع من التمر فيأكله حتى حشفه. وقد روينا عن إبراهيم بن أدهم أنه اشترى زبدا وعسلا وخبزا حوارى، فقيل له: هذا كله تأكله؟ فقال: إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال وإذا عدمنا صبرنا صبر الرجال. ماء الشرب قال المصنف ﵀: وأما الشرب من الماء الصافي، فقد تخيره رسول الله ﷺ . أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا فليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ أتى قوما من الأنصار يعود مريضا فاستسقى وجدول قريب منه فقال: «إن كان عندكم ماء بات في شن وإلا كرعنا» - أخرجه البخاري -. وأخبرنا منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا أبو عمر بن مهدي ثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي ثنا محمد بن

стр. 260

عمرو بن أبي مدعور ثنا عبد العزيز بن محمد نا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ كان يستقي له الماء العذب من بئر السقيا». قال المصنف: وينبغي أن يعلم أن الماء الكدر يولد الحصا في الكلى والسدد في الكبد، وأما الماء البارد فإنه إذا كانت برودته معتدلة فإنه يشد المعدة، ويقوي الشهوة، ويحسن اللون، ويمنع عفن الدم وصعود البخارات إلى الدماغ ويحفظ الصحة، وإذا كان الماء حارا أفسد الهضم وأحدث الترهل وأذبل البدن، وأدى إلى الاستسقاء والدق، فإن سخن بالشمس خيف منه البرض، وقد كان بعض الزهاد يقول: إذا أكلت الطيب وشربت الماء البارد متى تحب الموت. وكذلك قال أبو حامد الغزالي: إذا أكل الإنسان ما يستلذه قسا قلبه وكره الموت، وإذا منع نفسه شهواتها وحرمها لذاتها اشتهت نفسه الإفلات من الدنيا بالموت. قال المصنف ﵀: واعجبا كيف يصدر هذا الكلام من فقيه! أترى لو تقلبت النفس في أي فن كان من التعذيب ما أحبت الموت، ثم كيف يجوز لنا تعذيبها وقد قال : ﴿لا تقتلوا أنفسكم﴾ ورضي منا بالإفطار في السفر رفقا بها وقال: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ أو ليست مطيتنا التي عليها وصولنا. وكيف لا نأوي لها وهي التيبها قطعنا السهل والحزونا وأما معاقبة أبي يزيد نفسه بترك الماء سنة فإنها حالة مذمومة لا يراها مستحسنة إلا الجهال، ووجه ذمها أن للنفس حقا ومنع الحق مستحقه ظلم، ولا يحل للإنسان أن يؤذي نفسه، ولا أن يقعد في الشمس في الصيف بقدر ما يتأذى، ولا في الثلج في الشتاء. والماء يحفظ الرطوبات الأصلية في البدن وينفذ

стр. 261

الأغذية، وقوام النفس بالأغذية فإذا منعها أغذية الآدميين ومنعها الماء فقد أعان عليها وهذا أفحش الخطأ. وكذلك منعه إياها النوم. قال ابن عقيل: وليس للناس إقامة العقوبات ولا استيفاؤها من أنفسهم، يدل عليه أن إقامة الإنسان الحد على نفسه لا يجزي فإن فعله أعاده الإمام. وهذه النفوس ودائع الله حتى أن التصرف في الأموال لم يطلق لأربابها إلا على وجوه مخصوصة. قال المصنف ﵀: قلت، وقد روينا في حديث الهجرة أن النبي ﷺ تزود طعاما وشرابا. وأن أبا بكر فرش له في ظل صخرة وحلب له لبنا في قدح ثم صب ماء على القدح حتى برد أسفله، وكل ذلك من الرفق بالنفس. وأما ما رتبه أبو طالب المكي فحمل على النفس بما يضعفها. وإنما يمدح الجوع إذا كان بمقدار. وذكر المكاشفة من الحديث الفارغ وأما ما صنفه الترمذي فكأن ابتداء شرع برأيه الفاسد. وما وجه صيام شهرين متتابعين عند التوبة وما فائدة قطع الفواكه المباحة وإذا لم ينظر في الكتب فبأي سيرة يقتدي. وأما الأربعينية فحديث فارغ رتبوه على حديث لا أصل له من أخلص لله أربعين صباحا لم يجب الإخلاص أبدا فما وجه تقديره بأربعين صباحا ثم لو قدرنا ذلك فالإخلاص عمل القلب فما بال المطعم ثم ما الذي حسن منع الفاكهة ومنع الخبز وهل هذا كله إلا جهل. وقد أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري قال حدثنا أبي قال: حجج السوفية من أظهر من حجج كل أحد وقواعد مذهبهم أقوى من قواعد كل مذهب. لأن الناس إما أصحاب نقل وأثر وإما أرباب عقل وفكر وشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عن هذه الجملة والذي للناس غيب فلهم ظهور فهم أهل الوصال والناس أهل الاستدلال فينبغي لمريدهم أن يقطع العلائق وأولها الخروج من المال ثم الخروج من الجاه وأن لا ينام إلا غلبة وأن يقلل غذاءه بالتدريج. قال المصنف ﵀: قلت، من له أدنى فهم يعرف أن هذا الكلام تخليط فإن من خرج عن النقل والعقل فليس بمعدود في الناس وليس أحد من

стр. 262

الخلق إلا وهو مستدل وذكر الوصال حديث فارغ. فنسأل الله العصمة من تخليط المريدين والأشياخ والله الموفق. ذكر أحاديث تبين خطأهم في أفعالهم أخبرنا يحيى بن علي المدبر نا أبو بكر محمد بن علي الخياط ثنا الحسن بن الحسين بن حمكان ثنا عبدان بن يزيد العطار وأخبرنا محمد بن أبي منصور أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه ثنا محمد بن أحمد الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى البرورجردي ثنا عمير بن مرداس قالا حدثنا محمد بن بكير الحضرمي ثنا القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب. قال: جاء عثمان بن مظعون إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله غلبني حديث النفس فلم أحب أن أحدث شيئا حتى أذكر لك ذلك. فقال رسول الله ﷺ : وما تحدثك نفسك يا عثمان؟ قال: تحدثني نفسي أن أختصي. فقال: مهلا يا عثمان فإن خصي أمتي الصيام. قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن أترهب في الجبال. قال: مهلا يا عثمان، فإن ترهب أمتي الجلوس في المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أسيح في الأرض، قال مهلا يا عثمان، فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله والحج والعمرة. قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أخرج من مالي كله. قال: مهلا يا عثمان، فإن صدقتك يوما بيوم وتكف نفسك وعيالك وترحم المسكين واليتيم وتطعمه أفضل من ذلك. قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أطلق خولة امرأتي، قال: مهلا يا عثمان، فإن هجرة أمتي من هجر ما حرم الله عليه، أو هاجر إلي في حياتي، أو زار قبري بعد موتي، أو مات وله امرأة امرأتان أو ثلاث أو أربع. قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها، قال: مهلا يا عثمان فإن الرجل المسلم إذا غشي أهله فإن لم يكن من قوعته تلك ولد كان له وصيف

стр. 263

في الجنة فإن كان من وقعته تلك ولد فإن مات قبله كان له فرطا وشفيعا يوم القيامة وإن كان بعده كان له نورا يوم القيامة. قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم. قال: مهلا يا عثمان فإني أحب اللحم وآكله إذا وجدته ولو سألت ربي أن يطعمني إياه كل يوم لأطعمني. قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا أمس طيبا. قال: مهلا يا عثمان فإن جبريل أمرني بالطيب غبا ويوم الجمعة لا مترك له يا عثمان لا ترغب عن سنتي فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي». قال المصنف ﵀: هذا حديث عمير بن مرداس. أخبرنا محمد بن أبي طاهر الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف نا الحسن بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا الفضل بن دكين ثنا إسرائيل ثنا أبو إسحاق عن أبي بردة قال: دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي ﷺ فرأينها سيئة الهيئة، فقلن لها: مالك فما في قريش رجل أغنى من بعلك، قالت: ما لنا منه شيء أما ليله فقائم، وأما نهاره فصائم. فدخلن إلى النبي ﷺ فذكرن ذلك له فلقيه فقال: «يا عثمان أمالك بي أسوة؟ فقال: بأبي وأمي أنت، وما ذاك؟ قال: تصوم النهار وتقوم الليل. قال: إني لأفعل. قال: لا تفعل إن لعينك عليك حقا، وإن لجسدك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا. فصل ونم وصم وأفطر». قال ابن سعد: وأخبرنا عارم بن الفضل ثنا حماد بن زيد ثنا معاوية بن عباس الحرمي عن أبي قلابة أن عثمان بن مظعون اتخذ بيتا فقعد يتعبد فيه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاه فأخذ بعضادتي باب البيت الذي هو فيه وقال: «يا عثمان، إن الله لم يبعثني بالرهبانية - مرتين أو ثلاثا -، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة».

стр. 264

أخبرنا محمد بن ناصر نا محمد بن علي بن ميمون نا عبد الوهاب بن محمد الغندجاني نا أبو بكر بن عبدان نا محمد بن سهل ثنا البخاري قال: قال موسى بن إسماعيل بن حماد بن زيد مسلم ثنا أبو معاوية بن قرة عن كهمس الهلالي قال: أسلمت وأتيت النبي ﷺ فأخبرته بإسلامي. فمكثت حولا ثم أتيته وقد ضمرت ونحل جسمي فخفض في البصر ثم صعده، قلت: أما تعرفني؟ «قال: ومن أنت؟ قلت: أنا كهمس الهلالي. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قلت: ما أفطرت بعدك نهارا، ولا نمت ليلا. قال: ومن أمرك أن تعذب نفسك؟ صم شهر الصبر ومن كل شهر يوما، قلت: زدني، قال: صم شهر الصبر ومن كل شهر يومين، قلت: زدني. قال: صم شهر الصبر ومن كل شهر ثلاثة أيام». أنبأنا محمد بن عبد الملك بن خيرون أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ثنا أبو حازم عمر بن أحمد العبدوري نا أبو أحمد محمد بن الغطريف ثنا أبو بكر الذهبي ثنا حميد بن الربيع ثنا عبدة بن حميد عن الأعمش عن جرير بن حازم عن أيوب عن أبي قلابة بلغ به ﷺ أن ناسا من أصحابه احتموا النساء واللحم اجتمعوا فذكرنا ترك النساء واللحم فأعدوا فيه وعيدا شديدا، وقال: «لو كنت تقدمت فيه لفعلت. ثم قال: إني لم أرسل بالرهبانية، إن خير الدين الحنيفية السمحة». قال المصنف ﵀: وقد روينا في حديث آخر عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يحب أن يرى آثار نعمته على عبده في مأكله ومشربه» وقال: بكر بن عبد الله: من أعطي خيرا فرؤي عليه سمي حبيب الله محدثا بنعمة الله ، ومن أعطي خيرا فلم ير عليه سمي بغيض الله معاديا لنعمة الله .

стр. 265

(فصل) قال المصنف ﵀: وهذا الذي نهينا عنه من التقلل الزائد في الحد، قد انعكس في صوفية زماننا فصارت همتهم في المأكل كما كانت همة متقدميهم في الجوع. لهم الغذاء والعشاء والحلوى، وكل ذلك أو أكثره حاصل من أموال وسخة، وقد تركوا كسب الدنيا، وأعرضوا عن التعبد وافترشوا فراش البطالة، فلا همة لأكثرهم إلا الأكل واللعب. فإن أحسن محسن منهم قالوا: طرح شكرا. وإن أساء مسيء، قالوا: استغفر. ويسمون ما يلزمه إياه واجبا. وتسمية ما لم يسمه الشرع واجبا جناية عليه. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد الحافظ النيسابوري ثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري ثنا أحمد بن سلمة ثنا محمد بن عبدوس السراج البغدادي، قال: قام أبو مرحوم القاضي بالبصرة يقص على الناس فأبكى فلما فرغ من قصصه قال من يطعمنا إرزة في الله فقام شاب من المجلس فقال أنا فقال اجلس يرحمك الله فقد عرفنا موضعك ثم قام الثانية ذلك الشاب فقال اجلس فقد عرفنا موضعك فقام الثالثة فقال أبو مرحوم لأصحابه قوموا بنا إليه فقاموا معه فأتوا منزله قال فأتينا بقدر من باقلاء فأكلنا بلا ملح ثم قال أبو مرحوم علي بخوان خماسي وخمس مكاكيك أرز، وخمسة أمنان سمن، وعشرة أمنان سكر، وخمسة أمنان صنوبر، وخمسة أمنان فستق، فجيء بها كلها. فقال أبو مرحوم لأصحابه: يا إخواني كيف أصبحت الدنيا؟ قالوا: مشرق لونها، مبيضة شمسها، أخرقوا فيها أنهارها. قال فأتى بذلك السمن فأجرى فيها ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه فقال يا إخواني كيف أصبحت الدنيا، قالوا مشرق لونها، مبيضة شمسها، مجراة فيها أنهارها فقال يا إخواني اغرسوا فيها أشجارها قال فأتى بذلك الفستق والصنوبر، فألقى فيها ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه فقال: يا إخواني كيف أصبحت الدنيا، قالوا: مشرق لونها، مبيض شمسها، مجرى فيها أنهارها، وقد غرست فيها أشجارها، وقد تدلت لنا ثمارها، قال: يا إخواني ارموا الدنيا بحجارتها قال: فأتى بذلك السكر فألقى فيها، ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه، فقال: يا إخواني كيف

стр. 266

أصبحت الدنيا؟ قالوا: مشرق لونها مبيضة شمسها وقد أجريت فيها أنهارها وقد غرست فيها أشجارها، وقد تدلت لنا ثمارها، فقال يا إخواني: ما لنا وللدنيا اضربوا فيها براحتها، قال: فجعل الرجل يضرب فيها براحته ويدفعه بالخمس. قال أبو الفضل أحمد بن سلمة ذكرته لأبي حاتم الرازي فقال إمله علي فأمليته عليه فقال: هذا شأن الصوفية. قال المصنف ﵀: قلت، وقد رأيت منهم من إذا حضر دعوة بالغ في الأكل ثم اختار من الطعام فربما ملأ كمية من غير إذن صاحب الدار وذلك حرام بالإجماع ولقد رأيت شيخا منهم قد أخذ شيئا من الطعام ليحمله معه فوثب صاحب الدار فأخذه منه. ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في السماع والرقص والوجد قال المصنف ﵀: اعلم أن سماع الغناء يجمع شيئين، أحدهما: أنه يلهي القلب عن التفكر في عظمة الله سبحانه والقيام بخدمته، والثاني: أنه يميله إلى اللذات العاجلة التي تدعو إلى استيفائها من جميع الشهوات الحسية ومعظمها النكاح وليس تمام لذته إلا في المتجددات ولا سبيل إلى كثرة المتجددات من الحل فلذلك يحث على الزنا فبين الغناء والزنا تناسب من جهة أن الغناء لذة الروح والزنا لذة أكبر لذات النفس ولهذا جاء في الحديث: الغناء رقية الزنا. وقد ذكر أبو جعفر الطبري أن الذي اتخذ الملاهي رجل من ولد قابيل يقال له ثوبال. اتخذ في زمان مهلائيل بن قينان آلات اللهو من المزامير والطبول والعيدان، فانهمك ولد قابيل في اللهو وتناهى خبرهم إلى من بالجبل من نسل شيث فنزل منهم قوم وفشت الفاحشة وشرب الخمور. قال المصنف ﵀: وهذا لأن الالتذاذ بشيء يدعو إلى التذاذه بغيره خصوصا ما يناسبه ولما يئس إبليس أن يسمع من المتعبدين شيئا من الأصوات

стр. 267

المحرمة كالعود نظر إلى المغني الحاصل بالعود فدرجه ضمن الغناء بغير العود وحسنه لهم وإنما مراده التدريج من شيء إلى شيء والفقيه من نظر في الأسباب والنتائج وتأمل المقاصد فإن النظر إلى الأمرد مباح إن أمن ثوران الشهوة فإن لم يؤمن لم يجز. وتقبيل الصبية التي لها من العمر ثلاث سنين جائز إذ لا شهوة تقع هناك في الأغلب فإن وجد شهوة حرم ذلك، وكذلك الخلوة بذوات المحارم فإن خيف من ذلك حرم فتأمل هذه القاعدة. رأي الصوفية في الغناء قال المصنف ﵀: وقد تكلم الناس في الغناء فأطالوا فمنهم من حرمه ومنهم من أباحه من غير كراهة ومنهم من كرهه مع الإباحة وفصل الخطاب أن نقول ينبغي أن ينظر في ماهية الشيء ثم يطلق عليه التحريم أو الكراهة أو غير ذلك والغناء اسم يطلق على أشياء منها غناء الحجيج في الطرقات فإن أقواما من الأعاجم يقدمون للحج فينشدون في الطرقات أشعارا يصفون فيها الكعبة وزمزم والمقام وربما ضربوا مع إنشادهم بطبل، فسماع تلك الأشعار مباح وليس إنشادهم إياها مما يطرب ويخرج عن الاعتدال وفي معنى هؤلاء الغزاة: فإنهم ينشدون أشعارا يحرضون بها على الغزو. وفي معنى هذا إنشاد المبارزين للقتال للأشعار تفاخرا عند النزال وفي معنى هذا أشعار الحداة في طريق مكة قول قائلهم: بشرها دليلها وقالاغدا ترين الطلح والجبالا وهذا يحرك الإبل والآدمي، إلا أن ذلك التحريك لا يوجب الطرب المخرج عن الاعتدال. وأصل الحداء ما أنبأنا به يحيى بن الحسن بن البنا نا أبو جعفر بن المسلمة نا المخلص نا أحمد بن سليمان الطوسي ثنا الزبير بن

стр. 268

بكار ثني إبراهيم بن المنذر ثنا أبو البحتري وهب عن طلحة المكي عن بعض علمائهم، أن رسول الله ﷺ مال ذات ليلة بطريق مكة إلى حاد مع قوم فسلم عليهم فقال: «إن حادينا نام فسمعنا حاديكم فملت إليكم، فهل تدرون أني كان الحداء؟ قالوا: لا والله. قال إن أباهم مضر خرج إلى بعض رعاته فوجد إبله قد تفرقت فأخذ عصا فضرب بها كف غلامه فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح يا يداه يا يداه فسمعت الإبل ذلك فعطفت عليه». فقال مضر: لو اشتق مثل هذا لانتفعت به الإبل واجتمعت فاشتقت الحداء. قال المصنف ﵀: وقد كان لرسول الله ﷺ حاد يقال له أنجشة يحدو فتعنق الإبل. فقال رسول الله ﷺ : «يا أنجشة، رويدك سوقا بالقوارير» وفي حديث سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر، فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنياتك. وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقول يقول: لا هم لولا أنت ما اهتديناولا تصدقنا ولا صلينا فألقين سكينة عليناوثبت الأقدام إذ لاقينا قال رسول الله ﷺ : من هذا السائق؟ قالوا: عامر بن الأكوع. فقال: يرحمه الله. قال المصنف ﵀: وقد روينا عن الشافعي ﵁ أنه قال: أما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به. قال المصنف ﵀: ومن إنشاد العرب قول أهل المدينة عند قدوم رسول الله ﷺ عليهم.

стр. 269

طلع البدر علينامن ثنيات الوداع وجب الشكر عليناما دعا لله داع ومن هذا الجنس كانوا ينشدون أشعارهم في المدينة. وربما ضربوا عليه بالدف عند إنشاده. ومنه ما أخبرنا به ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثنا أبو المغيرة ثنا الأوزاعي ثني الزهري عن عروة عن عائشة ﵂، أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تضربان بدفين، ورسول الله ﷺ مسجى عليه بثوبه - فانتهرهما أبو بكر - فكشف رسول الله ﷺ عن وجهه. وقال: «دعهن يا أبا بكر فإنها أيام عيد» أخرجاه في الصحيحين. قال المصنف ﵀: والظاهر من هاتين الجاريتين صغر السن لأن عائشة كانت صغيرة، وكان رسول الله ﷺ يسرب إليها الجواري فيلعبن معها. وقد أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو إسحق البرمكي أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ثنا أبو بكر الخلال أخبرنا منصور بن الوليد بن جعفر بن محمد حدثهم قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل حديث الزهري عن عروة عن عائشة عن جوار يغنين - أي شيء من هذا الغناء. قال: غناء الركب: أتيناكم أتيناكم. قال الخلال وحدثنا أحمد بن فرج الحمصي ثنا يحيى بن سعيد ثنا أبو عقيل عن نهبة عن عائشة ﵂ قالت: كانت عندنا جارية يتيمة من الأنصار فزوجناها رجلا من الأنصار فكنت فيمن أهداها إلى زوجها، فقال رسول الله ﷺ : «يا عائشة، إن الأنصار أناس فيهم غزل، فما قلت؟ قالت: دعونا بالبركة. قال: أفلا قلتم: أتيناكم أتيناكمفحيونا نحييكم ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم ولولا الحبة السمراء لم تسمن عذاريكم».

стр. 270

أخبرنا أبو الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أسود بن عامر نا أبو بكر عن أجلح عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعائشة ﵂: «أهديتم الجارية إلى بيتها؟ قالت: نعم. قال: فهلا بعثتم معها من يغنيهم يقول: أتيناكم أتيناكمفحيونا نحييكم فإن الأنصار قوم فيهم غزل». قال المصنف ﵀: فقد بان بما ذكرنا ما كانوا يغنون به وليس مما يطرب ولا كانت دفوفهن على ما يعرف اليوم. ومن ذلك أشعار ينشدها المتزهدون بتطريب وتلحين تزعج القلوب إلى ذكر الآخرة ويسمونها الزهديات كقول بعضهم: يا غاديا في غفلة ورائحاإلى متى تستحسن القبائحا وكم إلى كم لا تخاف موقفايستنطق الله به الجوارحا يا عجبا منك وأنت مبصركيف تجنبت الطريق الواضحا فهذا مباح أيضا وإلى مثله أشار أحمد بن حنبل في الإباحة فيما أنبأنا به أبو عبد العزيز كاوس نا المظفر بن الحسن الهمداني نا أبو بكر بن لالي ثنا الفضل الكندي قال سمعت عبدوس يقول سمعت أبا حامد الخلفاني يقول لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، هذه القصائد الرقاق التي في ذكر الجنة والنار أي شيء تقول فيها؟ فقال: مثل أي شيء؟ قلت: يقولون: إذا ما قال لي ربيأما استحييت تعصيني وتخفي الذنب من خلقيوبالعصيان تأتيني فقال: أعد علي، فأعدت عليه، فقام ودخل بيته ورد الباب - فسمعت نحيبه من داخل وهو يقول:

стр. 271

إذا ما قال لي ربيأما استحييت تعصيني وتخفي الذنب من خلقيوبالعصيان تأتيني ومن الأشعار أشعار تنشدها النواح، يثيرون بها الأحزان والبكاء، فينهي عنها لما في ضمنها. فأما الأشعار التي ينشدها المغنون المتهيئون للغناء ويصفون فيها المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن الاعتدال ويثير كامنها من حب اللهو وهو الغناء المعروف في هذا الزمان مثل قول الشاعر: ذهبي اللون تحسب منوجنتيه النار تقتدح خوفوني من فضيحتهليته وافى وأفتضح وقد أخرجوا لهذه الأغاني ألحانا مختلفة كلها تخرج سامعها عن حيز الاعتدال، وتثير حب الهوى، ولهم شيء يسمونه البسيط يزعج القلوب عن مهل ثم يأتون بالنشيد بعده فيعجعج القلوب. وقد أضافوا إلى ذلك ضرب القضيب والإيقاع به على وفق الإنشاد والدف بالجلاجل، والشبابة النائبة عن الزمر فهذا الغناء المعروف اليوم. (فصل) قال المصنف ﵀: وقبل أن نتكلم في إباحته، أو تحريمه، أو كراهته، نقول: ينبغي للعاقل أن ينصح نفسه وأخوانه، ويحذر تلبيس إبليس في إجراء هذا الغناء مجرى الأقسام المتقدمة التي يطلق عليها اسم الغناء. فلا يحمل الكل محملا واحدا. فيقول قد أباحه فلان وكرهه فلان. فنبدأ بالكلام في النصيحة للنفس والأخوان فنقول: معلوم أن طباع الآدميين تتقارب ولا تكاد تتفاوت فإذا ادعى الشاب السليم البدن الصحيح المزاج أن رؤية المستحسنات لا تزعجه ولا تؤثر عنده ولا تضره في دينه كذبناه لما نعلم من استواء الطباع - فإن ثبت صدقه عرفنا أن به مرضا خرج به عن حيز الاعتدال، فإن تعلل فقال: إنما أنظر إلى هذه

стр. 272

المستحسنات معتبرا فأتعجب من حسن الصنعة في دعج العينين، ورقة الأنف ونقاء البياض، قلنا له في أنواع المباحات ما يكفي في العبرة. وههنا ميل طبعك يشغلك عن الفكرة ولا يدع لبلوغ شهوتك وجود فكرة. فإن ميل الطبع شاغل عن ذلك، وكذا من قال: إن هذا الغناء المطرب المزعج للطباع المحرك لها إلى العشق وحب الدنيا لا يؤثر عندي ولا يلفت قلبي إلى حب الدنيا الموصوفة فيه - فإنا نكذبه لموضع اشتراك الطباع ثم إن كان قلبه بالخوف من الله غائبا عن الهوى لأحضر هذا المسموع الطبع وإن كانت قد طالت غيبته في سفر الخوف، وأقبح القبيح البهرجة، ثم كيف تمر البهرجة على من يعلم السر وأخفى. ثم إن كان الأمر كما زعم هذا المتصوف فينبغي أن لا نبيحه إلا لمن هذه صفته والقوم قد أباحوه على الإطلاق للشاب المبتدئ، والصبي الجاهل، حتى قال أبو حامد الغزالي: إن التشبيب بوصف الخدود، والأصداغ، وحسن القد، وسائر أوصاف النساء، الصحيح أنه لا يحرم. قال المصنف ﵀: فأما من قال إني لا أسمع الغناء للدنيا. وإنما آخذ منه إشارات فهو يخطئ من وجهين. أحدهما أن الطبع يسبق إلى مقصوده قبل أخذ الإشارات فيكون كمن قال: إني أنظر إلى هذه المرأة المستحسنة لا تفكر في الصنعة - والثاني أنه يقل فيه وجود شيء يشار به إلى الخالق وقد جل الخالق ﵎ أن يقال في حقه أنه يعشق، ويقع الهيمان به. وإنما نصيبنا من معرفته الهيبة والتعظيم فقط. وإذ قد انتهت النصيحة فنذكر ما قيل في الغناء. مذهب الإمام أحمد أما مذهب الإمام أحمد ﵀: فإن كان الغناء في زمانه إنشاد قصائد الزهد إلا أنهم لما كانوا يلحنونها اختلفت الرواية عنه. فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال: الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني. وروى عنه إسماعيل بن

стр. 273

إسحاق الثقفي أنه سئل عن استماع القصائد فقال: أكرهه، هو بدعة، ولا يجالسون. وروى عنه أبو الحارث أنه قال: التغيير بدعة، فقيل له: أنه يرقق القلب. فقال هو بدعة. وروى عنه يعقوب الهاشمي: التغيير بدعة محدث. وروى عنه يعقوب بن غياث أكره التغيير وأنه نهى عن استماعه. قال المصنف: فهذه الروايات كلها دليل على كراهية الغناء، قال أبو بكر الخلال: كره أحمد القصائد لما قيل له أنهم يتماجنون ثم روى عنه ما يدل على أنه لا بأس بها. قال المروزي: سألت أبا عبيد الله عن القصائد فقال: بدعة. فقلت له: إنهم يهجرون. فقال: لا يبلغ بهم هذا كله. قال المصنف: وقد روينا أن أحمد سمع قوالا عند ابنه صالح فلم ينكر عليه. فقال له صالح: يا أبت أليس كنت تنكر هذا؟ فقال: إنما قيل لي أنهم يستعملون المنكر فكرهته، فأما هذا فإني لا أكرهه. قال المصنف ﵀: قلت، وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء. وإنما أشار إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزهديات. وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه أحمد. ويدل على ما قلت أن أحمد بن حنبل سئل عن رجل مات وترك ولدا وجارية مغنية. فاحتاج الصبي إلى بيعها. فقال: لا تباع على أنها مغنية. فقيل: له إنها تساوي ثلاثين ألف درهم ولعلها إذا بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارا فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة. قال المصنف: وإنما قال هذا لأن الجارية المغنية لا تغني بقصائد الزهديات بل بالأشعار المطربة المثيرة للطبع إلى العشق. وهذا دليل على أن الغناء محظور إذ لو لم يكن محظورا ما أجاز تفويت المال على اليتيم. وصار هذا كقول أبي طلحة للنبي ﷺ : عندي خمر لأيتام، فقال: أرقها. فلو جاز استصلاحها لما أمره بتضييع أموال اليتامى. وروى المروزي عن أحمد بن حنبل أنه قال: كسب المخنث خبيث يكسبه بالغناء وهذا لأن المخنث لا يغني بالقصائد الزهدية إنما يغني بالغزل والنوح. فبان من هذه الجملة أن الروايتين عن أحمد في الكراهة

стр. 274

وعدمها تتعلق بالزهديات الملحنة، فأما الغناء المعروف اليوم فمحظور عنده كيف ولو علم ما أحدث الناس من الزيادات. مذهب الإمام مالك قال المصنف: وأما مذهب مالك بن أنس ﵀ فأخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو إسحاق البرمكي نا عبد العزيز بن جعفر ثنا أبو بكر الخلال وأخبرنا عاليا سعيد بن الحسن بن البنا نا أبو نصر محمد بن محمد الدبيثي نا أبو بكر محمد بن عمر الوراق نا محمد بن السري بن عثمان التمار قالا أخبرنا عبد الله بن أحمد عن أبيه عن إسحاق بن عيسى الطباع قال: سألت مالك بن أنس عن ما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء. فقال: إنما يفعله الفساق. أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري قال أنبأنا أبو الطيب الطبري قال: أما مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه. وقال: إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له ردها بالعيب. وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وحده فإنه حكى زكريا الساجي أنه كان لا يرى به بأسا. مذهب أبي حنيفة وأما مذهب أبي حنيفة ﵁. أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري عن أبي الطيب الطبري قال: كان أبو حنيفة يكره الغناء مع إباحته شرب النبيذ. ويجعل سماع الغناء من الذنوب. قال: وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة: إبراهيم، والشعبي وحماد، وسفيان الثوري وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك. قال ولا يعرف بين أهل البصرة خلاف في كراهة ذلك والمنع منه إلا ما روى عبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأسا. مذهب الشافعي وأما مذهب الشافعي رحمة الله عليه قال: حدثنا إسماعيل بن أحمد نا

стр. 275

أحمد بن الحداد نا أبو نعيم الأصفهاني ثنا محمد بن عبد الرحمن ثنا أحمد بن محمد بن الحارث ثنا محمد بن إبراهيم بن جياد ثنا الحسن بن عبد العزيز الحروي قال سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: خلفت بالعراق شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغيير يشغلون به الناس عن القرآن. قال المصنف ﵀: وقد ذكر أبو منصور الأزهري: المغيرة قوم يغيرون بذكر الله بدعاء وتضرع وقد سموا ما يطربون فيه من الشعر في ذكر الله تغييرا كأنهم إذا شاهدوها بالألحان طربوا ورقصوا فسموا مغيرة لهذا المعنى. وقال الزجاج: سموا مغيرين لتزهيدهم الناس في الفاني من الدنيا وترغيبهم في الآخرة. وحدثنا هبة الله بن أحمد الحريري عن أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال: قال الشافعي: الغناء مكروه يشبه الباطل. ومن استكثر منه فهو سفيه شهادته. قال: وكان الشافعي يكره التغيير. قال الطبري: فقد أجمع علماء الأمصار على كراهية الغناء والمنع منه وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبيد الله العنبري. وقد قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالسواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار» وقال: «من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية». قال المصنف: قلت، وقد كان رؤساء أصحاب الشافعي ﵃ ينكرون السماع. وأما قدماؤهم فلا يعرف بينهم خلال وأما أكابر المتأخرين فعلى الإنكار. منهم أبو الطيب الطبري وله في ذم الغناء والمنع كتاب مصنف حدثنا به عنه أبو القاسم الحريري. ومنهم القاضي أبو بكر محمد بن مظفر الشامي أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي عنه قال: لا يجوز الغناء ولا سماعه ولا

стр. 276

الضرب بالقضيب. قال: ومن أضاف إلى الشافعي هذا فقد كذب عليه. وقد نص الشافعي في كتاب أدب القضاء على أن الرجل إذا دام على سماع الغناء ردت شهادته وبطلت عدالته. قال المصنف ﵀: قلت، فهذا قول علماء الشافعية وأهل التدين منهم وإنما رخص في ذلك متأخريهم من قل علمه وغلبه هواه. وقال الفقهاء: من أصحابنا لا تقبل شهادة المغني والرقاص والله الموفق. فصل في ذكر الأدلة على كراهية الغناء والنوح والمنع منهما قال المصنف: وقد استدل أصحابنا بالقرآن والسنة والمعنى. فأما الاستدلال من القرآن فثلاث آيات، الآية الأولى قوله : ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ويحيى بن علي قالا نا أبو محمد الصريفيني نا أبو بكر بن عبدان ثنا عبد الله بن منيع ثنا عبد الله بن عمر ثنا صفوان بن عيسى قال: قال حميد الخياط أخبرنا عن عمار بن أبي معاوية عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء قال: سألت ابن مسعود عن قول الله : ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ قال: هو والله الغناء. أخبرنا عبد الله بن علي المقري ومحمد بن ناصر الحافظ قالا نا طراد بن محمد نا أبي بشران نا ابن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثنا زهير بن حرب ثنا جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾، قال: هو الغناء وأشباهه. أخبرنا عبد الله بن محمد الحاكم ويحيى بن علي المدبر قالا نا أبو الحسين بن النقور نا ابن حياة ثنا البغوي ثنا هدبة ثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن بن مسلم عن مجاهد: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ قال:

стр. 277

الغناء. أخبرنا ابن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار نا أبو إسحاق البرمكي نا أحمد بن جعفر بن مسلم نا أحمد بن محمد الخالق ثنا أبو بكر المروزي ثنا أحمد بن حنبل ثنا عبدة ثنا إسماعيل عن سعيد بن يسار قال: سألت عكرمة عن لهو الحديث قال الغناء. وكذلك قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة وإبراهيم النخعي. الآية الثانية قوله : ﴿وأنتم سامدون﴾. أخبرنا عبد الله بن علي نا طراد بن محمد نا ابن بشران نا ابن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثنا عبيد الله بن عمر ثنا يحيى بن سعد عن سفيان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿وأنتم سامدون﴾ قال: هو الغناء بالحميرية: سمد لنا، غنى لنا. وقال مجاهد: هو الغناء، يقول أهل اليمن: سمد فلان إذا غنى. الآية الثانية قوله : ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك﴾. أخبرنا موهوب بن أحمد نا ثابت بن بندار نا عمر بن إبراهيم الزهري نا عبد الله بن إبراهيم بن ماسي ثنا الحسين بن الكميت ثنا محمد بن نعيم بن القاسم الجرمي عن سفيان الثوري عن ليث عن مجاهد: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك﴾ قال: هو الغناء والمزامير. أما السنة: أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر نا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن

стр. 278

موسى عن نافع عن ابن عمر ﵁، أنه سمع صوت زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع أتسمع؟ فأقول: نعم. فيمضي حتى قلت: لا. فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال: رأيت رسول الله ﷺ سمع زمارة راع فصنع مثل هذا. قال المصنف ﵀: إذا كان هذا فعلتهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال فكيف بغناء أهل زمان وزمورهم. أخبرنا محمد بن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار نا الحسين بن محمد النصيبي ثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد ثنا أبو بكر بن الأنباري ثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزار ثنا ابن أبي مريم ثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: نهى رسول الله ﷺ عن شراء المغنيات وبيعهن وتعليمهن. وقال ثمنهن حرام. وقرأ: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين﴾. أخبرنا عبد الله بن علي المقري نا أبو منصور محمد بن محمد المقري نا أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران نا عمر بن أحمد بن عبد الرحمن الجمحي ثنا منصور بن أبي الأسود عن أبي الملهب عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع المغنيات وعن التجارة فيهن وعن تعليمهن الغناء. وقال ثمنهن حرام. وقال في هذا أو نحوه. أو قال شبهه نزلت علي: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله﴾. وقال: «ما من رجل يرفع عقيرة صوته للغناء إلا بعث الله له شيطانين يرتدفانه فإنه، أعني هذا من ذا الجانب وهذا من ذا الجانب، ولا يزالان يضربان بأرجلهما في صدره حتى يكون هو الذي يسكت». وروت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله حرم المغنية وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها. ثم قرأ: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾». وروى عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما نهيت عن صوتين

стр. 279

أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة وصوت عند مصيبة». أخبرنا ظفر بن علي نا أبو علي أحسن بن أحمد المقتدي نا أبو نعيم الحافظ نا حبيب بن الحسن بن علي بن الوليد ثنا محمد بن كليب ثنا خلف بن خليفة عن إبان المكتب عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال: دخلت مع رسول الله ﷺ فإذا ابنه إبراهيم يجود نفسه فأخذه رسول الله ﷺ فوضعه في حجره ففاضت عيناه فقلت: يا رسول، أتبكي وتنهانا عن البكاء؟ فقال: «لست أنهي عن البكاء إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند ونغمة لعب ولهو ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة، ضرب وجه وشق جيوب ورنة شيطان». أخبرنا عبد الله المقري نا جدي أبو منصور محمد بن أحمد الخياط نا عبد الملك بن محمد بن بشران ثنا أبو علي أحمد بن الفضل بن خزيمة ثنا محمد بن سويد الطحان ثنا عاصم بن علي ثنا عبد الرحمن بن ثابت عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن نحام الثقة عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «بعثت بهدم المزمار والطبل». أخبرنا ابن الحصين نا أبو طالب بن عيلان نا أبو بكر الشافعي ثنا عبد الله بن محمد بن ناجية ثنا عباد بن يعوق ثنا موسى بن عمير عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : «بعث بكسر المزامير». أخبرنا أبو الفتح الكروجي نا أبو عامر الأزدي وأبو بكر العورجي قالا نا الجراحي ثنا المحبوبي ثنا الترمذي ثنا صالح بن عبد الله ثنا الفرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء فذكر منها إذا اتخذت القيان المعازف». قال الترمذي: وحدثنا علي بن حجر نا محمد بن يزيد عن المستلم بن سعيد عن رميح الجذامي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اتخذ اتخذ الفيء دولا، والأمانة مغنما، والزكاة

стр. 280

مغرما، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته وعق أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها. فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع». وقد روي عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ أنه قال: «يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ». قيل: يا رسول الله متى؟ قال: «إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر». أنبأنا أبو الحسن سعد الخير بن محمد الأنصاري في كتاب السنن لابن ماجة قال: نا أبو العباس أحمد بن محمد الأسدابادي نا أبو منصور المقومي نا أبو طلحة القاسم بن المنذر نا أبو الحسن بن إبراهيم القطان ثنا محمد بن يزيد بن ماجة ثنا الحسين بن أبي الربيع الجرجاني ثنا عبد الرزاق أخبرني يحيى بن العلاء أنه سمع مكحولا يقول أنه سمع يزيد بن عبد الله يقول أنه سمع صفوان بن أمية قال كنا مع رسول الله ﷺ فجاء عمرو بن قرة فقال يا رسول الله. إن الله قد كتب علي الشفوة فما أراني أرزق إلا من دفي بكفي فاذن لي في الغناء في غير فاحشة. فقال له رسول الله ﷺ : «لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة عين. كذبت يا عدو الله لقد رزقك الله حلالا طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله. ولو كنت تقدمت إليك لفعلت بك وفعلت. قم عني وتب إلى الله . أما أنك لو قلت بعد التقدمة إليك ضربتك ضربا وجيعا. وحلقت رأسك مثله ونفيتك من أهلك. أحللت سلبك نهبة لفتيان المدينة» فقام عمرو وبه من الشر والخزي ما لا يعلمه إلى الله . فلما ولى قال رسول الله ﷺ : «هؤلاء العصاة من مات منهم بغير توبة حشره الله عريانا لا يستتر بهدبة كلما قام صرع».

стр. 281

وأما الآثار فقال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب في القلب كما ينبت الماء البقل. وقال: إذا ركب الرجل الدابة ولم يسم ردفه الشيطان. وقال: تغنه فإن لم يحسن. قال له: تمنه. ومر ابن عمر ﵁ بقوم محرمين وفيهم رجل يتغنى، قال: ألا لا سمع الله لكم. ومر بجارية صغيرة تغني، فقال: لو ترك الشيطان أحدا لترك هذه. وسأل رجل القاسم بن محمد عن الغناء فقال: أنهاك عنه وأكرهه لك. قال: أحرام هو؟ قال: انظر يا ابن أخي إذا ميز الله الحق من الباطل ففي أيهما يجعل الغناء؟. وعن الشعبي قال: لعن المغني والمغنى له. أخبرنا عبد الله بن علي المقري ومحمد بن ناصر قالا نا طراد بن محمد نا أبو الحسين بن بشران نا أبو علي بن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثني الحسين بن عبد الرحمن ثني عبد الله بن الوهاب قال أخبرني أبو حفص عمر بن عبيد الله الأرموري قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده: ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمان جل وعز، فإنه بلغني عن الثقات من حملة العلم أن حضور المعزف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب. ولعمري لتوقي ذلك حضور تلك المواطن أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه. وقال فضيل بن عياض: الغناء رقية الزنا. وقال الضحاك: الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب. وقال يزيد بن الوليد: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه يزيد الشهوة ويهدم المروءة وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنا. قال المصنف ﵀: قلت، وكم قد فتنت الأصوات بالغناء من عابد وزاهد، وقد ذكرنا جملة من أخبارهم في كتابنا المسمى بـ ذم الهوى. أخبرنا محمد بن ناصر نا ثابت بن بندار نا أبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن رزمة أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي ثني محمد بن يحيى عن معن بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كان سليمان بن عبد الملك في بادية له، فسمر ليلة على ظهر سطح ثم تفرق عنه جلساؤه، فدعا بوضوء فجاءت به جارية له، فبينما

стр. 282

هي تصب عليه إذا استمدها بيده، وأشار إليها فإذا هي ساهية مصغية بسمعها مائلة بجسدها كله إلى صوت غناء تسمعه في ناحية العسكر. فأمرها فتنحت واستمع هو الصوت. فإذا صوت رجل يغني فأنصت له حتى فهم ما يعني به من الشعر. ثم دعا جارية من جواريه غيرها فتوضأ فلما أصبح أذن للناس إذنا عاما. فلما أخذوا مجالسهم أجرى ذكر الغناء ومن كان يسمعه ولين فيه حتى ظن القوم أنه يشتهيه، فأفاضوا في التليين والتحليل والتسهيل. فقال: هل بقي أحد يسمع منه؟ فقام رجل من القوم فقال: يا أمير المؤمنين، عندي رجلان من أهل أيلة حاذقان، قال: وأين منزلك من العسكر؟ فأومى إلى الناحية التي كان الغناء منها. فقال سليمان يبعث إليهما فوجد الرسول أحدهما فأقبل به حتى أدخله على سليمان، فقال له: ما اسمك؟ قال: سمير. فسأله عن الغناء كيف هو فيه، فقال حاذق محكم. قال: ومتى عهدك به؟ قال: في ليلتي هذه الماضية. قال: وفي أي نواحي العسكر كنت؟ فذكر له الناحية التي سمع منها الصوت. قال: فما غنيت؟ فذكر الشعر الذي سمعه سليمان. فأقبل سليمان فقال: هدر الجمل فضبعت الناقة، وهب التيس فشكرت الشاة، وهدل الحمام فزافت الحمامة، وغنى الرجل فطربت المرأة. ثم أمر به فخصي. وسأل عن الغناء أين أصله وأكثر ما يكون. قالوا: بالمدينة وهو في المخنثين، هم الحذاق به والأئمة فيه. فكتب إلى عامله على المدينة وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن أخصي من قبلك من المخنثين المغنين. قال المصنف ﵀: وأما المعنى فقد بينا أن الغناء يخرج الإنسان عن الاعتدال ويغير العقل. وبيان هذا أن الإنسان إذا طرب فعل ما يستقبحه في حال صمته من غيره من تحريك رأسه. وتصفيق يديه، ودق الأرض برجليه. إلى غير ذلك مما يفعله أصحاب العقول السخيفة. والغناء يوجب ذلك بل يقارب فعله فعل الخمر في تغطية العقل. فينبغي أن يقع المنع منه. أخبرنا عمر بن ظفر نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا ابن جهضم نا يحيى بن المؤمل ثنا أبو بكر السفاف ثنا أبو سعيد الخراز قال: ذكر

стр. 283

عند محمد بن منصور أصحاب القصائد فقال: هؤلاء الفرارون من الله لو ناصحوا الله ورسوله وصدقوه لأفادهم في سرائرهم ما يشغلهم عن كثرة التلاقي. أخبرنا محمد بن ناصر نا عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف نا محمد بن علي العبادي قال: قال أبو عبد الله بن بطة العكبري: سألني سائل عن استماع الغناء فنهيته عن ذلك، وأعلمته أنه مما أنكرته العلماء واستحسنه السفهاء، وإنما تفعله طائفة سموا بالصوفية وسماهم المحققون الجبرية، أهل همم دنيئة وشرائع بدعية يظهرون الزهد وكل أسبابهم ظلمة. يدعون الشوق والمحبة بإسقاط الخوف والرجاء. يسمعونه من الأحداث والنساء ويطربون ويصعقون ويتغاشون ويتماوتون ويزعمون أن ذلك من شدة حبهم لربهم وشوقهم إليه. تعالى الله عما يقوله الجاهلون علوا كبيرا. في ذكر الشبه التي تعلق بها من أجاز سماع الغناء فمنها حديث عائشة ﵂ أن الجاريتين كانتا تضربان عندها بدفين. وفي بعض ألفاظه: «دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث. فقال أبو بكر: أمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ فقال رسول الله ﷺ : دعهما يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا». وقد سبق ذكر الحديث. ومنها حديث عائشة ﵂ أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار. فقال النبي ﷺ : «يا عائشة، ما كان معهم من اللهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو». وقد سبق. ومنها حديث فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ أنه قال: «الله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته». قال ابن طاهر: وجه الحجة أنه أثبت تحليل استماع الغناء إذ لا يجوز أن يقاس على محرم. ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن

стр. 284

النبي ﷺ أنه قال: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن». ومنها حديث حاطب عن النبي ﷺ أنه قال: «فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف». والجواب: أما حديثا عائشة ﵂ فقد سبق الكلام عليهما وبينا أنهم كانوا ينشدون الشعر وسمي بذلك غناء لنوع يثبت في الإنشاد وترجيع ومثل ذلك لا يخرج الطباع عن الاعتدال وكيف يحتج بذلك الواقع في الزمان السليم عند قلوب صافية على هذه الأصوات المطربة الواقعة في زمان كدر عند نفوس قد تملكها الهوى، ما هذا إلا مغالطة للفهم أو ليس قد صح في الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد. وإنما ينبغي للمفتي أن يزن الأحوال كما ينبغي للطبيب أن يزن الزمان والسن والبلد ثم يصف على مقدار ذلك. وأين الغناء بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث من غناء أمرد مستحسن بآلات مستطابة وصناعة تجذب إليها النفس، وغزليات يذكر فيها الغزال والغزالة والخال والخد والقد والاعتدال، فهل يثبت هناك؟ هيهات، بل ينزعج شوقا إلى المستلذ ولا يدعى أنه لا يجد ذلك إلا كاذب أو خارج عن حد الآدمية. ومن ادعى أخذ الإشارة من ذلك إلى الخالق فقد استعمل في حقه ما لا يليق به على أن الطبع يسبقه إلى ما يجد من الهوى. وقد أجاب أبو الطيب الطبري عن هذا الحديث بجواب آخر، فأخبرنا أبو القاسم الحريري عنه أنه قال: هذا الحديث حجتنا لأن أبا بكر سمى ذلك مزمور الشيطان ولم ينكر النبي ﷺ على أبي بكر قوله، وإنما منعه من التغليظ في الإنكار لحسن رفعته لا سيما في يوم العيد. وقد كانت عائشة ﵂ صغيرة في ذلك الوقت، ولم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلا ذم الغناء. وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمد يذم الغناء ويمنع من سماعه، وقد أخذ العلم عنها. قال المصنف ﵀: وأما اللهو المذكور في الحديث الآخر فليس

стр. 285

بصريح في الغناء فيجوز أن يكون إنشاد الشعر أو غيره. وأما التشبيه بالاستماع إلى القينة فلا يمتنع أن يكون المشبه حراما. فإن الإنسان لو قال (وجدت للعسل لذة أكثر من لذة الخمر) كان كلاما صحيحا وإنما وقع التشبيه بالإصغاء في الحالتين فيكون أحدهما حلالا أو حراما لا يمنع من التشبيه. وقد قال ﵊: «إنكم لترون ربكم كما ترون القمر» فشبه أيضا الرؤية بإيضاح الرؤية وإن كان وقع الفرق بأن القمر في جهة يحيط به نظر الناظر والحق منزه عن ذلك والفقهاء يقولون في ماء الوضوء (لا ننشف الأعضاء منه لأنه أثر عبادة فلا يسن مسحه كدم الشهيد) فقد جمعوا بينهما من جهة اتفاقهما في كونهما عبادة، وإن افترقا في الطهارة والنجاسة. واستدلال ابن طاهر بأن القياس لا يكون إلا على مباح فقيه الصوفية لا علم الفقهاء. وأما قوله يتغنى بالقرآن فقد فسره سفيان بن عيينة فقال: معناه يستغني به. وفسره الشافعي فقال: معناه يتحزن به ويترنم. وقال غيرهما: يجعله مكان غناء الركبان إذا ساروا. وأما الضرب بالدف فقد كان جماعة من التابعين يكسرون الدفوف وما كانت هكذا - فكيف لو رأوا هذه - وكان الحسن البصري يقول: ليس الدف من سنة المرسلين في شيء. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: من ذهب به إلى الصوفية فهو خطأ في التأويل على رسول الله ﷺ ، وإنما معناه عندنا إعلان النكاح واضطراب الصوت والذكر في الناس. قال المصنف ﵀: قلت، ولو حمل على الدف حقيقة على أنه قد قال أحمد بن حنبل: أرجو ألا يكون بالدف بأس في العرس ونحوه وأكره الطبل. أخبرنا عبد الله بن علي المقري نا نصر بن أحمد بن النظر نا أبو محمد عبد الله بن عبيد الله المؤدب ثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي ثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة ثنا عمر بن مرزوق ثنا زهير عن أبي إسحق عن عامر بن سعد الجبلي قال: طلبت ثابت بن سعد وكان بدريا فوجدته في عرس له. قال: وإذا جوار
следующие страницы →