Полный текст (479 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وأما الآثار فقال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب في القلب كما ينبت الماء البقل.
وقال: إذا ركب الرجل الدابة ولم يسم ردفه الشيطان.
وقال: تغنه فإن لم يحسن.
قال له: تمنه.
ومر ابن عمر ﵁ بقوم محرمين وفيهم رجل يتغنى، قال: ألا لا سمع الله لكم.
ومر بجارية صغيرة تغني، فقال: لو ترك الشيطان أحدا لترك هذه.
وسأل رجل القاسم بن محمد عن الغناء فقال: أنهاك عنه وأكرهه لك.
قال: أحرام هو؟ قال: انظر يا ابن أخي إذا ميز الله الحق من الباطل ففي أيهما يجعل الغناء؟.
وعن الشعبي قال: لعن المغني والمغنى له.
أخبرنا عبد الله بن علي المقري ومحمد بن ناصر قالا نا طراد بن محمد نا أبو الحسين بن بشران نا أبو علي بن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثني الحسين بن عبد الرحمن ثني عبد الله بن الوهاب قال أخبرني أبو حفص عمر بن عبيد الله الأرموري قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده: ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمان جل وعز، فإنه بلغني عن الثقات من حملة العلم أن حضور المعزف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب.
ولعمري لتوقي ذلك حضور تلك المواطن أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه.
وقال فضيل بن عياض: الغناء رقية الزنا.
وقال الضحاك: الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب.
وقال يزيد بن الوليد: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه يزيد الشهوة ويهدم المروءة وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنا.
قال المصنف ﵀: قلت، وكم قد فتنت الأصوات بالغناء من عابد وزاهد، وقد ذكرنا جملة من أخبارهم في كتابنا المسمى بـ ذم الهوى.
أخبرنا محمد بن ناصر نا ثابت بن بندار نا أبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن رزمة أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي ثني محمد بن يحيى عن معن بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كان سليمان بن عبد الملك في بادية له، فسمر ليلة على ظهر سطح ثم تفرق عنه جلساؤه، فدعا بوضوء فجاءت به جارية له، فبينما
стр. 282
هي تصب عليه إذا استمدها بيده، وأشار إليها فإذا هي ساهية مصغية بسمعها مائلة بجسدها كله إلى صوت غناء تسمعه في ناحية العسكر.
فأمرها فتنحت واستمع هو الصوت.
فإذا صوت رجل يغني فأنصت له حتى فهم ما يعني به من الشعر.
ثم دعا جارية من جواريه غيرها فتوضأ فلما أصبح أذن للناس إذنا عاما.
فلما أخذوا مجالسهم أجرى ذكر الغناء ومن كان يسمعه ولين فيه حتى ظن القوم أنه يشتهيه، فأفاضوا في التليين والتحليل والتسهيل.
فقال: هل بقي أحد يسمع منه؟ فقام رجل من القوم فقال: يا أمير المؤمنين، عندي رجلان من أهل أيلة حاذقان، قال: وأين منزلك من العسكر؟ فأومى إلى الناحية التي كان الغناء منها.
فقال سليمان يبعث إليهما فوجد الرسول أحدهما فأقبل به حتى أدخله على سليمان، فقال له: ما اسمك؟ قال: سمير.
فسأله عن الغناء كيف هو فيه، فقال حاذق محكم.
قال: ومتى عهدك به؟ قال: في ليلتي هذه الماضية.
قال: وفي أي نواحي العسكر كنت؟ فذكر له الناحية التي سمع منها الصوت.
قال: فما غنيت؟ فذكر الشعر الذي سمعه سليمان.
فأقبل سليمان فقال: هدر الجمل فضبعت الناقة، وهب التيس فشكرت الشاة، وهدل الحمام فزافت الحمامة، وغنى الرجل فطربت المرأة.
ثم أمر به فخصي.
وسأل عن الغناء أين أصله وأكثر ما يكون.
قالوا: بالمدينة وهو في المخنثين، هم الحذاق به والأئمة فيه.
فكتب إلى عامله على المدينة وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن أخصي من قبلك من المخنثين المغنين.
قال المصنف ﵀: وأما المعنى فقد بينا أن الغناء يخرج الإنسان عن الاعتدال ويغير العقل.
وبيان هذا أن الإنسان إذا طرب فعل ما يستقبحه في حال صمته من غيره من تحريك رأسه.
وتصفيق يديه، ودق الأرض برجليه.
إلى غير ذلك مما يفعله أصحاب العقول السخيفة.
والغناء يوجب ذلك بل يقارب فعله فعل الخمر في تغطية العقل.
فينبغي أن يقع المنع منه.
أخبرنا عمر بن ظفر نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا ابن جهضم نا يحيى بن المؤمل ثنا أبو بكر السفاف ثنا أبو سعيد الخراز قال: ذكر
стр. 283
عند محمد بن منصور أصحاب القصائد فقال: هؤلاء الفرارون من الله لو ناصحوا الله ورسوله وصدقوه لأفادهم في سرائرهم ما يشغلهم عن كثرة التلاقي.
أخبرنا محمد بن ناصر نا عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف نا محمد بن علي العبادي قال: قال أبو عبد الله بن بطة العكبري: سألني سائل عن استماع الغناء فنهيته عن ذلك، وأعلمته أنه مما أنكرته العلماء واستحسنه السفهاء، وإنما تفعله طائفة سموا بالصوفية وسماهم المحققون الجبرية، أهل همم دنيئة وشرائع بدعية يظهرون الزهد وكل أسبابهم ظلمة.
يدعون الشوق والمحبة بإسقاط الخوف والرجاء.
يسمعونه من الأحداث والنساء ويطربون ويصعقون ويتغاشون ويتماوتون ويزعمون أن ذلك من شدة حبهم لربهم وشوقهم إليه.
تعالى الله عما يقوله الجاهلون علوا كبيرا.
في ذكر الشبه التي تعلق بها من أجاز سماع الغناء
فمنها حديث عائشة ﵂ أن الجاريتين كانتا تضربان عندها بدفين.
وفي بعض ألفاظه: «دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث.
فقال أبو بكر: أمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ فقال رسول الله ﷺ : دعهما يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا».
وقد سبق ذكر الحديث.
ومنها حديث عائشة ﵂ أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار.
فقال النبي ﷺ : «يا عائشة، ما كان معهم من اللهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو».
وقد سبق.
ومنها حديث فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ أنه قال: «الله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته».
قال ابن طاهر: وجه الحجة أنه أثبت تحليل استماع الغناء إذ لا يجوز أن يقاس على محرم.
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن
стр. 284
النبي ﷺ أنه قال: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن».
ومنها حديث حاطب عن النبي ﷺ أنه قال: «فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف».
والجواب: أما حديثا عائشة ﵂ فقد سبق الكلام عليهما وبينا أنهم كانوا ينشدون الشعر وسمي بذلك غناء لنوع يثبت في الإنشاد وترجيع ومثل ذلك لا يخرج الطباع عن الاعتدال وكيف يحتج بذلك الواقع في الزمان السليم عند قلوب صافية على هذه الأصوات المطربة الواقعة في زمان كدر عند نفوس قد تملكها الهوى، ما هذا إلا مغالطة للفهم أو ليس قد صح في الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد.
وإنما ينبغي للمفتي أن يزن الأحوال كما ينبغي للطبيب أن يزن الزمان والسن والبلد ثم يصف على مقدار ذلك.
وأين الغناء بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث من غناء أمرد مستحسن بآلات مستطابة وصناعة تجذب إليها النفس، وغزليات يذكر فيها الغزال والغزالة والخال والخد والقد والاعتدال، فهل يثبت هناك؟ هيهات، بل ينزعج شوقا إلى المستلذ ولا يدعى أنه لا يجد ذلك إلا كاذب أو خارج عن حد الآدمية.
ومن ادعى أخذ الإشارة من ذلك إلى الخالق فقد استعمل في حقه ما لا يليق به على أن الطبع يسبقه إلى ما يجد من الهوى.
وقد أجاب أبو الطيب الطبري عن هذا الحديث بجواب آخر، فأخبرنا أبو القاسم الحريري عنه أنه قال: هذا الحديث حجتنا لأن أبا بكر سمى ذلك مزمور الشيطان ولم ينكر النبي ﷺ على أبي بكر قوله، وإنما منعه من التغليظ في الإنكار لحسن رفعته لا سيما في يوم العيد.
وقد كانت عائشة ﵂ صغيرة في ذلك الوقت، ولم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلا ذم الغناء.
وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمد يذم الغناء ويمنع من سماعه، وقد أخذ العلم عنها.
قال المصنف ﵀: وأما اللهو المذكور في الحديث الآخر فليس
стр. 285
بصريح في الغناء فيجوز أن يكون إنشاد الشعر أو غيره.
وأما التشبيه بالاستماع إلى القينة فلا يمتنع أن يكون المشبه حراما.
فإن الإنسان لو قال (وجدت للعسل لذة أكثر من لذة الخمر) كان كلاما صحيحا وإنما وقع التشبيه بالإصغاء في الحالتين فيكون أحدهما حلالا أو حراما لا يمنع من التشبيه.
وقد قال ﵊: «إنكم لترون ربكم كما ترون القمر» فشبه أيضا الرؤية بإيضاح الرؤية وإن كان وقع الفرق بأن القمر في جهة يحيط به نظر الناظر والحق منزه عن ذلك والفقهاء يقولون في ماء الوضوء (لا ننشف الأعضاء منه لأنه أثر عبادة فلا يسن مسحه كدم الشهيد) فقد جمعوا بينهما من جهة اتفاقهما في كونهما عبادة، وإن افترقا في الطهارة والنجاسة.
واستدلال ابن طاهر بأن القياس لا يكون إلا على مباح فقيه الصوفية لا علم الفقهاء.
وأما قوله يتغنى بالقرآن فقد فسره سفيان بن عيينة فقال: معناه يستغني به.
وفسره الشافعي فقال: معناه يتحزن به ويترنم.
وقال غيرهما: يجعله مكان غناء الركبان إذا ساروا.
وأما الضرب بالدف فقد كان جماعة من التابعين يكسرون الدفوف وما كانت هكذا - فكيف لو رأوا هذه - وكان الحسن البصري يقول: ليس الدف من سنة المرسلين في شيء.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: من ذهب به إلى الصوفية فهو خطأ في التأويل على رسول الله ﷺ ، وإنما معناه عندنا إعلان النكاح واضطراب الصوت والذكر في الناس.
قال المصنف ﵀: قلت، ولو حمل على الدف حقيقة على أنه قد قال أحمد بن حنبل: أرجو ألا يكون بالدف بأس في العرس ونحوه وأكره الطبل.
أخبرنا عبد الله بن علي المقري نا نصر بن أحمد بن النظر نا أبو محمد عبد الله بن عبيد الله المؤدب ثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي ثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة ثنا عمر بن مرزوق ثنا زهير عن أبي إسحق عن عامر بن سعد الجبلي قال: طلبت ثابت بن سعد وكان بدريا فوجدته في عرس له.
قال: وإذا جوار
стр. 286
يغنين ويضربن بالدفوف، فقلت: ألا تنهي عن هذا؟ قال: لا، إن رسول الله ﷺ رخص لنا في هذا.
أخبرنا عبد الله بن علي نا جدي أبو منصور محمد بن أحمد الخياط نا عبد الملك بن بشران ثنا أبو علي أحمد بن الفضل بن خزيمة ثنا أحمد بن القاسم الطائي ثنا ابن سهم ثنا عيسى بن يونس عن خالد بن إلياس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن القاسم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «أظهروا النكاح واضربوا عليه بالغربال (يعني الدف)».
قال المصنف ﵀: وكل ما احتجوا به لا يجوز أن يستدل به على جواز الغناء المعروف المؤثر في الطباع، وقد احتج لهن أقوام مفتونون بحب التصوف بما لاحجة فيه فمنهم أبو نعيم الأصفهاني فإنه قال: كان البراء بن مالك يميل إلى السماع ويستلذ بالترنم.
قال المصنف ﵀: وإنما ذكر أبو نعيم هذا عن البراء لأنه روى عنه أنه استلقى يوما فترنم.
فانظر إلى هذا الاحتجاج البارد، فإن الإنسان لا يخلو من أن يترنم، فأين الترنم من السماع للغناء المطرب.
وقد استدل لهم محمد بن طاهر بأشياء لولا أن يعثر على مثلها جاهل فيغتر لم يصلح ذكرها لأنها ليست بشيء فمنها أنه قال في كتابه باب (الاقتراح على القوال والسنة فيه)، فجعل الاقتراح على القوال سنة واستدل بما روى عمرو بن الشريد عن أبيه قال: استنشدني رسول الله ﷺ من شعر أمية فأخذ يقول: هي هي.
حتى أنشدته مائة قافية.
وقال ابن طاهر (باب الدليل على استماع الغزل) قال العجاج: سألت أبا هريرة ﵁: طاف الخيالات فهاجا سقما.
فقال أبو هريرة ﵁: كان ينشد مثل هذا بين يدي رسول الله ﷺ .
قال المصنف ﵀: فانظر إلى احتجاج ابن طاهر ما أعجبه كيف يحتج على جواز الغناء بإنشاد الشعر وما مثله إلا كمثل من قال: يجوز أن يضرب
стр. 287
بالكف على ظهر العود فجاز أن يضرب بأوتاره، أو قال: يجوز أن يعصر العنب ويشرب منه في يومه فجاز أن يشرب منه بعد أيام.
وقد نسي أن إنشاد الشعر لا يطرب كما يطرب الغناء.
وقد أنبأنا أبو زرعة بن محمد بن طاهر عن أبيه قال: أخبرنا أبو محمد التميمي قال: سألت الشريف أبا علي بن أبي موسى الهاشمي عن السماع فقال: ما أدري ما أقول فيه غير أني أحضرت ذات يوم شيخنا أبا الحسن عبد العزيز بن الحارث التميمي سنة سبعين وثلاثمائة في دعوة علمها لأصحابه حضرها أبو بكر الأبهري شيخ المالكيين وأبو القاسم الداركي شيخ الشافعيين، وأبو الحسن طاهر بن الحسين شيخ أصحاب الحديث، وأبو الحسين ابن شمعون شيخ الوعاظ والزهاد، وأبو عبد الله بن مجاهد شيخ المتكلمين، وصاحبه أبو بكر بن الباقلاني في دار شيخنا أبي الحسن التميمي شيخ الحنابلة، فقال أبو علي لو سقط السقف عليهم لم يبق بالعراق من يفتي في حادثة بسنة.
ومعهم أبو عبد الله غلام وكان يقرأ القرآن بصوت حسن، فقيل له قل شيئا فقال: وهم يسمعون.
خطت أناملها في بطن قرطاسرسالة بعبير لا بأنفاس
أن زر فديتك قف لي غير محتشمفإن حبك لي قد شاع في الناس
فكان قولي لمن أدى رسالتهاقف لي لأمشي على العينين والرأس
قال أبو علي: فبعدما رأيت هذا لا يمكنني أن أفتي في هذه المسألة بحظر ولا إباحة.
قال المصنف ﵀: وهذه الحكاية إن صدق فيها محمد بن طاهر فإن شيخنا ابن ناصر الحافظ كان يقول: ليس محمد بن طاهر بثقة.
حملت هذه الأبيات على أنه أنشدها لا أنه غنى بها بقضيب ومخدة، إذ لو كان كذلك لذكره، ثم فيها كلام مجمل قوله لا يمكنني أن أقول فيها بحظر ولا إباحة لأنه إنن كان مقلدا لهم فينبغي أن يفتي بالإباحة، وإن كان ينظر في الدليل فيلزمه مع حضورهم أن يفتي بالحظر ثم بتقدير صحتها أفلا يكون اتباع المذهب أولى من اتباع أرباب
стр. 288
المذاهب! وقد ذكرنا عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين ما يكفي في هذا وشيدنا ذلك بالأدلة.
وقال ابن طاهر في كتابه (باب إكرامهم للقوال وإفرادهم الموضع له) واحتج بأن النبي ﷺ رمى بردة كانت عليه إلى كعب بن زهير لما أنشده (بانت سعاد) وإنما ذكرت هذا ليعرف قد رفقه هذا الرجل واستنباطه وإلا فالزمان أشرف من أن يضيع بمثل هذا التخليط.
وأنبأنا أبو زرعة عن أبيه محمد بن طاهر نا أبو سعيد إسماعيل بن محمد الحجاجي ثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد المقري ثنا أبي ثنا علي بن أحمد ثنا محمد بن العباس بن بلال قال: سمعت سعيد بن محمد قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله وكان الناس يتبركون به قال: حدثنا المزني قال: مررنا مع الشافعي وإبراهيم بن إسماعيل على دار قوم وجارية تغنيهم:
خليلي ما بال المطايا كأننانراها على الأعقاب بالقوم تنكص
فقال الشافعي: ميلوا بنا نسمع، فلما فرغت قال الشافعي لإبراهيم: أيطربك هذا؟ قال: لا.
قال: فما لك حس.
قال المصنف ﵀: قلت، وهذا محال على الشافعي ﵁ وفي الرواية مجهولون، وابن طاهر لا يوثق به وقد كان الشافعي أجل من هذا كله.
ويدل على صحة ما ذكرناه ما أخبرنا به أبو القاسم الحريري عن أبي الطيب الطبري قال: أما سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم فإن أصحاب الشافعي قالوا: لا يجوز سواء كانت حرة أو مملوكة.
قال: وقال الشافعي: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته.
ثم غلظ القول فيه فقال: وهو دياثة.
قال المصنف ﵀: وإنما جعل صاحبها سفيها فاسقا لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا إلى الباطل كان سفيها فاسقا.
стр. 289
قال المصنف ﵀: قلت، وقد أخبرنا محمد بن القاسم البغدادي عن أبي محمد التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: اشترى سعد بن عبد الله الدمشقي جارية قوالة للفقراء، وكانت تقول لهم القصائد.
قال المصنف ﵀: قلت، وقد ذكر أبو طالب المكي في كتابه قال: أدركنا مروان القاضي وله جوار يسمعن التلحين وقد أعدهن للصوفية.
قال: وكانت لعطاء جاريتان تلحنان، وكان أخوانه يسمعون التلحين منهما.
قال المصنف ﵀: قلت، أما سعد الدمشقي فرجل جاهل، والحكاية عن عطاء محال وكذب، وإن صحت الحكاية عن مروان فهو فاسق والدليل على ماقلناه ما ذكرنا عن الشافعي ﵁، وهؤلاء القوم جهلوا العلم فمالوا إلى الهوى.
وقد أنبأنا زاهر بن طاهر قال أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي قالا أنبأنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري قال: أكثر ما التقيت أنا وفارس بن عيسى الصوفي في دار أبي بكر الابريسمي للسماع من هزارة رحمها الله فإنها كانت من مستورات القوالات.
قال المصنف: قلت، وهذا أقبح شيء من مثل الحاكم، كيف خفي عليه أنه لا يحل له أن يسمع من امرأة ليست بمحرم ثم يذكر هذا في كتاب تاريخ نيسابور وهو كتاب علم من غير تحاش عن ذكر مثله، لقد كفاه هذا، قد حافى عدالته.
قال المصنف ﵀: فإن قيل ما تقول فيما أخبركم به إسماعيل بن أحمد السمرقندي نا عمر بن عبد الله نا أبو الحسين بن بشران نا عثمان بن أحمد نا حنبل بن إسحاق ثنا هرون بن معروف ثنا جرير عن مغيرة قال: كان عون بن عبد الله يقص فإذا فرغ أمر جارية له تقص وتطرب.
قال المغيرة: فأرسلت إليه أو أردت أن أرسل إليه أنك من أهل بيت صدق وأن الله لم يبعث نبيه ﷺ بالحمق.
وأن صنيعك هذا صنيع أحمق.
فالجواب أنا لا نظن بعون أنه أمر
стр. 290
الجارية أن تقص على الرجال بل أحب أن يسمعها منفردا وهي ملكه.
فقال: له مغيرة الفقيه هذا القول وكره أن تطرب الجارية له، فما ظنك بمن يسمعن الرجال ويرقصهن ويطربهن، وقد ذكر أبو طالب المكي أن عبد الله بن جعفر كان يسمع الغناء.
قال المصنف ﵀: وإنما كان يسمع إنشاد جواريه وقد أردف ابن طاهر الحكاية التي ذكرها عن الشافعي وقد ذكرناها آنفا بحكاية عن أحمد بن حنبل رواها عن طريق عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا الحسين بن أحمد قال: سمعت أبا العباس الفرغاني يقول: سمعت صالح بن أحمد بن حنبل يقول: كنت أحب السماع، وكان أبي أحمد يكره ذلك، فوعدت ليلة ابن الخبازة فمكث عندي إلى أن علمت أن أبي قد نام، وأخذ يغني، فسمعت حس أبي فوق السطح، فصعدت فرأيت أبي فوق السطح يسمع وذيله تحت إبطه يتبخطر على السطح كأنه يرقص.
قال المصنف ﵀: هذه الحكاية قد بلفتنا من طرق، ففي بعض الطرق عن صالح قال: كنت أدعو ابن الخبازة القصائدي وكان يقول ويلحن وكان أبي في الزقاق يذهب ويجيء ويسمع إليه وكان بيننا وبينه باب وكان يقف من وراء الباب يستمع.
وقد أخبرنا بها أبو منصور القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا أحمد بن علي بن الحسين النوري ثنا يوسف بن عمر القواس قال: سمعت أبا بكر بن مالك القطيعي يحكي أظنه عن عبد الله بن أحمد قال: كنت أدعو ابن الخبازة القصائدي وكان يقول ويلحن، وكان أبي ينهاني عن التغني فكنت إذا كان
стр. 291
ابن الخبازة عندي أكتمه عن أبي لئلا يسمع فكان ذات ليلة عندي وكان يغني فعرضت لأبي عندنا حاجة وكنا في زقاق فجاء فسمعه يغني فوقع في سمعه شيء من قوله فخرجت لأنظر فإذا أبي ذاهبا وجائيا فرددت الباب فدخلت، فلما كان الغد، قال لي: يا بني إذا كان هذا: نعم.
(الكلام أو معناه).
قال المصنف ﵀: وهذا ابن الخبازة كان ينشد القصائد الزهديات التي فيها ذكر الآخرة.
ولذلك استمع إليه أحمد، وقول من قال ينزعج فإن الإنسان قد يزعجه الطرب فيميل يمينا وشمالا.
وأما رواية ابن طاهر التي فيها فرأيته وذيله تحت إبطه يتبختر على السطح كأنه يرقص فإنما هو من تغيير الرواة، وتغييرهم لا يظنونه المعنى تصحيحا لمذهبهم في الرقص.
وقد ذكرنا في السلمي وفي ابن طاهر الراويين لهذه اللفظات.
وقد احتج لهم أبو طالب المكي على جواز السماع بمنامات وقسم السماع إلى أنواع وهو تقسيم صوفي لا أصل له.
وقد ذكرنا أن من ادعى أنه يسمع الغناء ولا يؤثر عنده تحريك النفس إلى الهوى فهو كاذب.
وقد أخبرنا أبو القاسم الحريري عن أبي طالب الطبري قال: قال بعضهم: إنا لا نسمع الغناء بالطبع الذي يشترك فيه الخاص والعام.
قال: وهذا تجاهل منه عظيم لأمرين:
أحدهما أنه يلزمه على هذا أن يستبيح العود والطنبور وسائر الملاهي لأنه يسمعه بالطبع الذي لا يشاركه فيه أحد من الناس فإن لم يستبح ذلك فقد نقض قوله وإن استباح فقد فسق.
والثاني أن هذا المدعي لا يخلو من أن يدعي أنه فارق طبع البشر وصار يمنزلة الملائكة.
فإن قال هذا فقد تخرص على طبعه وعلم كل عاقل كذبه إذا رجع إلى نفسه ووجب أن لا يكون مجاهدا لنفسه ولا مخالفا لهواه ولا يكون له ثواب على ترك اللذات والشهوات.
وهذا لا يقوله عاقل وإن قال أنا على طبع البشر المجبول على الهوى والشهوة، قلنا له: فكيف تسمع الغناء المطرب بغير
стр. 292
طبعك، أو تطرب لسماعه لغير ما غرس في نفسك.
أخبرنا ابن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول: سئل أبو علي الرودباري عمن سمع الملاهي، ويقول هي لي حلال لأني قد وصلت إلى درجة لا تؤثر في اختلاف الأحوال، فقال نعم.
قد وصل لعمري ولكن إلى سقر.
قال المصنف ﵀: فإن قيل قد بلغنا عن جماعة أنهم سمعوا عن المنشد شيئا فأخذوه على مقصودهم فانتفعوا به.
قلنا: لا ينكر أن يسمع الإنسان بيتا من الشعر أو حكمة فيأخذها إشارة فتزعجه بمعناها لا لأن الصوت مطرب كما سمع بعض المريدين صوت مغنية تقول:
كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل
فصاح ومات، فهذا لم يقصد سماع المرأة ولم يلتفت إلى التلحين.
وإنما قتله المعنى.
ثم ليس سماع كلمة أو بيت لم يقصد سماعه كالاستعداد لسماع الأبيات المذكورة الكثيرة المطربة مع انضمام الضرب بالقضيب والتصفيق إلى غير ذلك ثم إن ذلك السامع لم يقصد السماع.
ولو سألنا هل يجوز لي أن أقصد سماع ذلك لمعناه؟
قال المصنف ﵀: وقد احتج لهم أبو حامد الطوسي بأشياء نزل فيها عن رتبته عن الفهم جموعها أنه قال: ما يدل على تحريم السماع نص ولا قياس وجواب هذا ما قد أسلفناه وقال: لا وجه لتحريم سماع صوت طيب فإذا كان موزونا فلا يحرم أيضا وإذا لم يحرم الآحاد فلا يحرم المجموع.
فإن أفراد المباحات إذا اجتمعت كان المجموع مباحا قال: ولكن ينظر فيما يفهم من ذلك فإن كان فيه شيء محظور حرم نثره ونظمه، وحرم التصويت به.
قال المصنف ﵀: قلت، وإني لأتعجب من مثل هذا الكلام فإن الوتر بمفرده أو العود وحده من غير وتر لو ضرب لم يحرم ولم يطرب فإذا اجتمعا
стр. 293
وضرب بهما على وجه مخصوص حرم وأزعج، وكذلك ماء العنب جائز شربه وإذا حدثت فيه شدة مطربة حرم.
وكذلك هذا المجموع يوجب طربا يخرج عن الاعتدال فيمنع منه ذلك.
وقال ابن عقيل: الأصوات على ثلاثة أضرب محرم ومكروه ومباح.
فالمحرم الزمر والناي والسرنا والطنبور والمعزقة والرباب وما ماثلها، نص الإمام أحمد بن حنبل على تحريم ذلك.
ويلحق به الجرافة والجنك لأن هذه تطرب فتخرج عن حد الاعتدال وتفعل في طباع الغالب من الناس ما يفعله المسكر، وسواء استعمل على حزن يهيجه أو سرور.
لأن النبي ﷺ نهى عن صوتين أحمقين صوت عند نعمة وصوت عند مصيبة، والمكروه القضيب لكنه ليس بمطرب في نفسه وإنما يطرب بما يتبعه وهو تابع للقول، والقول مكروه، ومن أصحابنا من يحرم القضيب كما يحرم آلات اللهو فيكون فيه وجهان كالقول نفسه والمباح الدف وقد ذكرنا عن أحمد أنه قال أرجو أن لا يكون بالدف بأس في العرس ونحوه وأكره الطبل.
وقد قال أبو حامد: من أحب الله وعشقه واشتاق إلى لقائه فالسماع في حقه مؤكد لعشقه.
قال المصنف ﵀: قلت، وهذا قبيح أن يقال عن الله يعشق وقد بينا فيما تقدم خطأ هذا القول ثم أي توكيد لعشقه في قول المغني:
ذهبي اللون تحسب منوجنتيه النار تقتدح
قال المصنف ﵀: قلت، وسمع ابن عقيل بعض الصوفية يقول: إن
стр. 294
مشايخ هذه الطائفة كلما وقفت طباعهم حداها الحادي إلى الله بالأناشيد فقال ابن عقيل: لا كرامة لهذا القائل إنما تحدي القلوب بوعد الله في القرآن ووعيده وسنة الرسول ﷺ لأن الله قال: ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾ وما قال: وإذا أنشدت القصائد طربت.
فأما تحريك الطباع بالألحان فقاطع عن الله والشعر يتضمن صفة المخلوق والمعشوق مما يتعدد عنه فتنة.
ومن سولت له نفسه التقاط العبر من محاسن البشر وحسن الصوت فمفتون.
بل ينبغي النظر إلى المحال التي أحالنا عليها الإبل والخيل والرياح ونحو ذلك، فإنها منظورات لا تهيج طبعا بل تورث استعظاما للفاعل.
وإنما خدعكم الشيطان فصرتم عبيد شهواتكم، ولم تقفوا حتى قلتم هذه الحقيقة.
وأنتم زنادقة في زي عباد، شرهين في زي زهاد مشبهة تعتقدون أن الله يعشق ويهام فيه.
ويؤلف ويؤنس به، وبئس التوهم لأن الله خلق الذوات مشاكلة لأن أصولها مشاكلة فهي تتوانس وتتألم بأصولها العنصرية وتراكيبها المثلية في الأشكال الحديثة.
فمن ههنا جاء التلاوم والميل وعشق بعضهم بعضا، وعلى قدر التقارب في الصورة يتأكد الأنس.
والواحد منا يأنس بالماء لأن فيه ماء وهو بالنبات آنس لقربه من الحيوانية بالقوة النمائية وهو بالحيوان آنس لمشاركته في أخص النوع به أو أقربه إليه فأين المشاركة للخالق والمخلوق حتى يحصل الميل إليه والعشق والشوق.
وما الذي بين الطين والماء وبين خالق السماء من المناسبة وإنما هؤلاء يصورون الباري صورة تثبت في القلوب، وما ذاك الله ذاك صنم شكله الطبع والشيطان وليس لله وصف تميل إليه الطباع ولا تشتاق إليه الأنفس وإنما مباينة الإلهية للمحدث أوجبت في الأنفس هيبة وحشمة فما يدعيه عشاق الصوفية لله محبة الله إنما هو وهم اعترض.
وصورة شكلت في نفوس فحجبت عن
стр. 295
عبادة القديم فتجدد بتلك الصورة أنس فإذا غابت بحكم ما يقتضيه العقل أقلقهم الشوق إليها فنالهم من الوجد وتحرك الطبع والهيمان ما ينال الهائم في العشق فنعوذ بالله من الهواجس الرديئة والعوارض الطبيعية التي يجب بحكم الشرع محوها عن القلوب كما يجب كسر الأصنام.
نقد مسالك الصوفية في السماع
قال المصنف ﵀: وقد كان جماعه من قدماء الصوفية ينكرون على المبتدئ السماع لعلمهم بما يثير من قلبه.
أخبرنا عمر بن ظفر المقري نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي الأزجي ثنا بن جهضم ثني أبو عبد الله المقري ثنا عبد الله بن صالح قال: قال لي جنيد: إذا رأيت المريد يسمع السماع فاعلم أن فيه بقايا من اللعب.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعيد بن أبي صادق نا أبو عبد الله بن باكويه قال: سمعت أحمد بن محمد البردعي يقول: سمعت أبا الحسين النوري يقول لبعض أصحابه: إذا رأيت المريد يسمع القصائد ويميل إلى الرفاهية فلا ترج خيره.
قال المصنف ﵀: هذا قول مشايخ القوم وإنما ترخص المتأخرون حب اللهو فتعدى شرهم من وجهين: أحدهما سوء ظن العوام بقدمائهم لأنهم يظنون أن الكل كانوا هكذا.
والثاني أنهم جرأوا العوام علىاللعب فليس للعامي حجة في لعبه إلا أن يقول فلان يفعل كذا ويفعل كذا.
(فصل)
قال المصنف ﵀: وقد نشب السماع بقلوب خلق منهم فآثروه على قراءة القرآن ورقت قلوبهم عنده بما لا ترق عند القرآن وما ذاك إلا لتمكن هوى باطن تمكن منه وغلبة طبع وهم يظنون غير هذا.
أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا عبد الكريم بن هوازن وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم ثنا أبي
стр. 296
وقال سمعت أبا حاتم محمد بن أحمد بن يحيى السجستاني قال سمعت أبا نصر السراج يقول: حكى لي بعض أخواني عن أبي الحسين الدراج قال: قصدت يوسف بن الحسين الرازي من بغداد فلما دخلت الري سألت عن منزله وكل من أسأله عنه يقول إيش تفعل بذلك الزنديق؟ فضيقوا صدري حتى عزمت على الانصراف، فبت تلك الليلة في مسجد ثم قلت جئت إلى هذه البلدة فلا أقل من زيارته فلم أزل أسأل عنه حتى دفعت إلى مسجده وهو قاعد في المحراب بين يديه رجل على يديه مصحف وهو يقرأ فدنوت فسلمت فرد السلام وقال: من أين؟ قلت: من بغداد قصدت زيارة الشيخ.
فقال: تحسن أن تقول شيئا؟ فقلت: نعم.
وقلت:
رأيتك تبني دائما في قطيعتيولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني
فأطبق المصحف ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيته وثوبه حتى رحمته من كثرة بكائه.
ثم قال لي: يا بني، تلوم أهل الري على قولهم يوسف بن الحسين زنديق، ومن وقت الصلاة هوذا أقرأ القرآن لم تقطر من عيني قطرة، وقد قامت علي القيامة بهذا البيت.
وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن نا أبي قال سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: فأخرجت إلى مرو في حياة الأستاذ أبي سهل الصعلوكي وكان له قبل خروجي أيام الجمع بالغدوات مجلس درس القرآن والختمات فوجدته عند خروجي قد رفع ذلك المجلس وعقد لابن الفرعاني وفي ذلك الوقت مجلس القوال يعني المغني، فتداخلني من ذلك شيء فكنت أقول قد استبدل مجلس الختمات بمجلس القوال.
فقال لي يوما: أي شيء تقول للناس؟ فقلت: يقولون رفع مجلس القرآن ووضع مجلس القول.
فقال: من قال لأستاذه لم لم يفلح.
قال المصنف ﵀: هذه دعاة الصوفية يقولون الشيخ يسلم له حاله وما لنا أحد يسلم إليه حاله.
فإن الآدمي يرد عن مراداته بالشرع والعقل والبهائم بالسوط.
стр. 297
حكم الغناء عند الصوفية
وقد اعتقد قوم من الصوفية أن هذا الغناء الذي ذكرنا عن قوم تحريمه وعن آخر كراهته مستحب في حق قوم.
وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري قال: حدثنا أبي قال: سمعت أبا علي الدقاق يقول: السماع حرام على العوام لبقاء نفوسهم، مباح الزهاد لحصول مجاهداتهم، مستحب لأصحابنا لحياة قلوبهم.
قال المصنف ﵀: وهذا غلط من خمسة أوجه: أحدها أنا قد ذكرنا عن أبي حامد الغزالي أنه يباح سماعه لكل أحد وأبو حامد كان أعرف من هذا القائل.
والثاني أن طباع النفوس لا تتغير وإنما المجاهدة تكف عملها.
فمن ادعى تغير الطباع ادعى المحال.
فإذا جاء ما يحرك الطباع.
واندفع الذي كان يكفها عنه عادت العادة.
والثالث أن العلماء اختلفوا في تحريمه وإباحته وليس فيهم من نظر في السامع لعلمهم أن الطباع تتساوى فمن ادعى خروج طبعه عن طباع الآدميين ادعى المحال.
والرابع أن الإجماع انعقد على أنه ليس بمستحب وإنما غايته الإباحة فادعاء الاستحباب خروج عن الإجماع.
والخامس أنه يلزم من هذا أن يكون سماع العود مباحا أو مستحبا عند من لا يغير طبعه لأنه إنما حرم لأنه يؤثر في الطباع ويدعوها إلى الهوى فإذا أمن ذلك فينبغي أن يباح وقد ذكرنا هذا عن أبي الطيب الطبري.
(فصل)
قال المصنف ﵀: وقد ادعى قوم منهم أن هذا السماع قربة إلى الله .
قال أبو طالب المكي: حدثني بعض أشياخنا عن الجنيد أنه قال: تنزل
стр. 298
الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواطن، عند الأكل لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة، وعند المذاكرة لأنهم يتجاوزون في مقامات الصديقين وأحوال النبيين، وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقا.
قال المصنف ﵀: قلت، وهذا إن صح عن الجنيد وأحسنا به الظن كان محمولا على ما يسمعونه من القصائد الزهدية فإنها توجب الرقة والبكاء، فأما أن تنزل الرحمة عند وصف سعدى وليلى ويحمل ذلك على صفات الباري فلا يجوز اعتقاد هذا ولو صح أخذ الإشارة من ذلك كانت الإشارة مستغرقة في جنب غلبة الطباع.
ويدل على ما حملنا الأمر عليه أنه لم يكن ينشد في زمان الجنيد مثل ما ينشد اليوم إلا أن بعض المتأخرين قد حمل كلام الجنيد على كل ما يقال.
فحدثني أبو جعفر أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب السباك عن شيخنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال: كان أبو الوفا الفيروزبادي شيخ رباط الزوزني صديقا لي، فكان يقول لي: والله إني لأدعو لك وأذكرك وقت وضع المخدة والقول، قال فكان الشيخ عبد الوهاب يتعجب ويقول: أترون هذا يعتقد أن ذلك وقت إجابة إن هذا لعظيم.
وقال ابن عقيل: قد سمعنا منهم أن الدعاء عند حدو الحادي وعند حضور المخدة مجاب وذلك أنهم يعتقدون أنه قربة يتقرب بها إلى الله تعالى، قال وهذا كفر، لأن من اعتقد الحرام أو المكروه قربة كان بهذا الاعتقاد كافرا، قال والناس بين تحريمه وكراهيته.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرني علي بن أيوب قال: أخبرنا محمد بن عمران بن موسى قال: حدثنا محمد بن أحمد الكاتب قال: حدثنا الحسين بن فهم قال: حدثني أبو همام قال: حدثني إبراهيم بن أعين قال: قال صالح المري: أبطأ الصرعى نهضة صريع هوى يدعيه إلى الله قربة، وأثبت الناس قدما يوم القيامة آخذهم بكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ .
أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري قال حدثنا أبي قال سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول
стр. 299
سمعت أبا بكر النهاوندي يقول سمعت عليا السائح يقول سمعت أبا الحارث الأولاسي يقول: رأيت إبليس في المنام على بعض سطوح أولاس وأنا على سطح وعلى يمينه جماعة وعلى يساره جماعة وعليهم ثياب لطاف، فقال لطائفة منهم قولوا وغنوا، فاستغرقني طيبه حتى هممت أن أطرح نفسي من السطح.
ثم قال: ارقصوا فرقصوا أطيب ما يكون، ثم قال لي: يا أبا الحارث ما أصبت منكم شيئا أدخل به عليكم إلا هذا.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الوجد
قال المصنف ﵀: هذه الطائفة إذا سمعت الغناء تواجدت، وصفقت وصاحت ومزقت الثياب، وقد لبس عليهم إبليس في ذلك وبالغ.
وقد احتجوا بما أخبرنا به أبو الفتح محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني قال أخبرنا أبو الحسن سهل بن علي الخشاب قال أخبرنا أبو نصر عبد الله بن علي السراج الطوسي قال: وقد قيل له: إنه لما نزلت: ﴿وإن جهنم لموعدهم أجمعين﴾ صاح سلمان الفارسي صيحة ووقع على رأسه ثم خرج هاربا ثلاثة أيام.
واحتجوا بما أخبرنا به عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط قال أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست قال أخبرنا الحسين بن صفوان قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي قال أخبرنا علي بن الجعد قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن عيسى بن سليم عن أبي وائل قال: خرجنا مع عبد الله ينظر إلى حديدة في النار فنظر الربيع إليها فمال ليسقط ثم أن عبد الله مضى حتى أتينا على أنون على شاطئ الفرات، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية: ﴿إذا رأتهم من
стр. 300
مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا﴾ إلى قوله: ﴿ثبورا كثيرا﴾ فصعق الربيع واحتملناه إلى أهله ورابطه عبد الله حتى يصلي الظهر فلم يفق ثم رابطه إلى العصر فلم يفق ثم رابطه إلى المغرب فأفاق فرجع عبد الله إلى أهله.
قالوا: وقد اشتهر عن خلق كثير من العباد أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن فمنهم من يموت، ومنهم من يصعق ويغشى عليه، ومنهم من يصيح، وهذا كثير في كتب الزهد، والجواب: أما ما ذكره سلمان فمحال وكذب، ثم ليس له إسناد والآية الكريمة نزلت بمكة وسلمان إنما أسلم بالمدينة، ولم ينقل عن أحد من الصحابة مثل هذا أصلا.
وأما حكاية الربيع بن خثيم فإن راويها عيسى بن سليم وفيه معمر.
أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال أخبرنا أبو بكر محمد المظفر الشامي قال أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي قال أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن أحمد الصيدلاني قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي قال: قال أحمد بن حنبل: عيسى بن سليم عن أبي وائل، لا أعرفه.
قال العقيلي: وحدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثني بن آدم قال سمعت حمزة الزيات قال لسفيان أنهم يروون عن الربيع بن خثيم أنه صعق.
قال: ومن يروي هذا إنما كان يرويه ذاك القاص - يعني عيسى بن سليم - فلقيته فقلت: عمن تروي أنت ذا - منكرا عليه.
قال المصنف ﵀: فهذا سفيان الثوري ينكر أن يكون الربيع بن خثيم جرى له هذا لأن الرجل كان على السمت الأول، وما كان في الصحابة من يجري له مثل هذا ولا التابعين.
ثم نقول على تقدير الصحة.
إن الإنسان قد يخشى عليه من الخوف فيسكنه الخوف ويسكته فيبقى كالميت
стр. 301
وعلامة الصادق أنه لو كان على حائط لوقع لأنه غائب.
فأما من يدعي الوجد ويتحفظ من أن تزل قدمه ثم يتعدى إلى تخريق الثياب وفعل المنكرات في الشرع فإنا نعلم قطعا أن الشيطان يلعب به.
وأخبرنا أبو منصور القزاز قال أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرنا محمد بن علي بن الفتح قال أخبرنا محمد بن الحسين النيسابوري قال سمعت أحمد بن محمد بن زكريا يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول: كان للشبلي يوم الجمعة نظرة ومن بعدها صيحة فصاح يوما صيحة تشوش من حوله من الخلق وكان بجنب حلقته أبي عمران الأشيب فحرد أبو عمران وأهل حلقته.
قال المصنف ﵀: واعلم وفقك الله أن قلوب الصحابة كانت أصفى القلوب.
وما كانوا يزيدون عند الوجد على البكاء والخشوع.
فجرى من بعض غرائبهم نحو ما أنكرناه فبالغ رسول الله ﷺ في الإنكار عليه.
فأخبرنا محمد بن ناصر الحافظ قال أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ وأنبأنا ابن الحصين قال أنبأنا أبو علي بن المذهب قال أخبرنا أبو حفص بن شاهين قال حدثنا عثمان بن أحمد بن عبد الله قال حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الحميد الجعفي قال حدثنا عبد المتعال بن طالب قال حدثنا يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس قال: وعظ رسول الله ﷺ يوما فإذا رجل صعق.
فقال النبي ﷺ : «من ذا الملبس علينا ديننا إن كان صادقا فقد شهر نفسه وإن كان كاذبا فمحقه الله».
قال ابن شاهين: وحدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث قال حدثنا عبد الله بن يوسف الجبيري قال حدثنا روح بن عطاء بن أبي ميمون عن أبيه عن أنس بن مالك قال: ذكر عنده هؤلاء الذين يصعقون عند القراءة فقال أنس: لقد رأيتنا ووعظنا رسول الله ﷺ
стр. 302
ذات يوم حتى سمعنا للقوم حنينا حين أخذتهم الموعظة وما سقط منهم أحد.
قال المصنف ﵀: وهذا حديث العرياض بن سارية: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب.
قال أبو بكر الآجري: ولم يقل صرخنا ولا ضربنا صدورنا كما يفعل كثير من الجهال الذين يتلاعب بهم الشيطان.
أخبرنا عبد الله بن علي المقري قال أخبرنا أبو ياسر أحمد بن بندار بن إبراهيم قال أخبرنا محمد بن عمر بن بكير النجار قال أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال أخبرنا إبراهيم بن عبد الله البصري قال حدثنا أبو عمر حفص بن عبد الله الضرير قال أخبرنا خالد بن عبد الله الواسطي قال حدثنا حصين بن عبد الرحمن قال: قلت لأسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ وآله عند قراءة القرآن؟ قالت: كانوا كما ذكرهم الله أو كما وصفهم ، تدمع عيونهم وتقشعر جلودهم.
فقلت لها: إن ههنا رجالا إذا قرئ على أحدهم القرآن غشي عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
أخبرنا محمد بن ناصر نا جعفر بن محمد السراج نا الحسن بن علي التميمي نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا الوليد بن شجاع ثنا إسحاق الحلبي ثنا فرات عن عبد الكريم عن عكرمة قال: سألت أسماء بنت أبي بكر: هل كان أحد من السلف يغشى عليه من الخوف؟ قالت: لا ولكنهم كانوا يبكون.
أخبرنا بن ناصر نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي التميمي وأخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا حمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الحافظ قالا أخبرنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثنا سريح بن يونس ثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن أبي حازم قال: مر ابن عمر ﵁ برجل ساقط من العراق، فقال: ما شأنه؟ فقالوا: إذا قرئ عليه القرآن يصيبه هذا.
قال: إنا لنخشى الله وما نسقط.
стр. 303
أخبرنا سعيد بن أحمد بن البنا نا أبو سعد محمد بن علي الرستمي نا أبو الحسين بن بشران ثنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا سعدان بن نصر ثنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بردة عن ابن عباس أنه ذكر الخوارج وما يلقون عند تلاوة القرآن.
فقال: إنهم ليسوا بأشد اجتهادا من اليهود والنصارى وهم مضلون.
أنبأنا ابن الحصين نا أبو علي بن المذهب نا أبو حفص بن شاهين ثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق نا إبراهيم بن فهد عن إبراهيم بن الحجاج الشامي ثنا شبيب بن مهران عن قتادة، قال: قيل لأنس بن مالك: إن أناسا إذا قرئ عليهم القرآن يصعقون، فقال: ذاك فعل الخوارج.
أخبرنا محمد بن ناصر نا عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف نا عمر بن علي بن الفتح نا أحمد بن محمد الكاتب ثنا عبد الله بن المغيرة ثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال: بلغ عبد الله بن الزبير أن ابنه عامرا صحب قوما يتصعقون عند قراءة القرآن، فقال له: يا عامر، لأعرفن ما صحبت الذين يصعقون عند القرآن لأوسعك جلدا.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا حمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الحافظ ثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن العباس ثنا الزبير بن بكارثني عبد الله بن مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير قال: ثني أبي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: جئت إلى أبي فقال لي: أين كنت؟ فقلت: وجدت أقواما ما رأيت خيرا منهم.
يذكرون الله فيرعد أحدهم حتى يخشى عليه من خشية الله فقعدت معهم.
قال: لا تقعد معهم بعدها.
فرآني كأني لم
стр. 304
يأخذ ذلك في، فقال: رأيت رسول الله ﷺ يتلو القرآن ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن ولا يصيبهم هذا، أفتراهم أخشع لله من أبي بكر وعمر.
فرأيت أن ذلك كذلك فتركتهم.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ نا محمد بن أحمد في كتابه ثنا محمد بن أيوب ثنتا حفص بن عمر النميري ثنا حماد بن زيد ثنا عمرو بن مالك قال: بينا نحن عند أبي الجوزاء يحدثنا إذ خر رجل فاضطرب فوثب أبو الجوزاء يسعى قبله.
فقيل له: يا أبا الجوزاء، إنه رجل به الموتة، فقال: إنما كنت أراه من هؤلاء القفازين، ولو كان منهم لأمرت به فأخرج من المسجد، إنما ذكرهم الله تعالى فقال: ﴿أعينهم تفيض من الدمع﴾ أو قال: ﴿تقشعر منه جلود﴾.
أخبرنا أبو محمد بن علي المقري نا أحمد بن بندار بن إبراهيم نا محمد بن عمر بن بكير النجار نا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا إبراهيم بن عبد الله البصري ثنا أبو عمر حفص بن عمرو الضرير نا حماد بن زيدني عمر بن مالك البكري قال: قرأ قارئ عن أبي الجوزاء قال فصاح رجل من أخريات القوم أو قال من القوم.
فقام إليه أبو الجوزاء فقيل له: يا أبا الجوزاء إنه رجل به شيء.
فقال طبيب: إنه من هؤلاء النفارين، فلو كان منهم لوضعت رجلي على عنقه.
وقال ابن عمر: أخبرنا جرير بن حازم أنه شهد محمد بن سيرين وقيل له أن ههنا رجالا إذا قرئ القرآن على أحدهم غشي عليه.
فقال محمد بن سيرين: يقعد أحدهم على جدار ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن وقع فهو صادق.
قال أبو عمرو: وكان محمد بن سيرين يذهب إلى أن تصنع وليس بحق من قلوبهم.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي ثنا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا أبو محمد بن حبان ثنا محمد بن العباس ثنا زياد عن يحيى عن عمران بن عبد العزيز قال سمعت محمد بن سيرين وسئل عن من يستمع القرآن فيصعق.
فقال: ميعاد
стр. 305
ما بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائط فيقرأ عليهم القرآن من أوله إلى آخره فإن سقطوا فهم كما يقولون.
أخبرنا ابن ناصر نا أبو طاهر عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف نا محمد بن علي العشاري نا محمد بن عبد الله الدقاق نا الحسين بن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثنا محمد بن علي عن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت أبا عصام الرمل عن رجل عن الحسن أنه وعظ يوما فتنفس رجل في مجلسه.
فقال الحسن: إن كان لله تعالى شهرت نفسك، وإن كان لغير الله فقد هلكت.
أخبرنا ابن ناصر نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا روح ثنا السري بن يحيى ثنا عبد الكريم بن رشيد قال: كنت في حلقة الحسن فجعل رجل يبكي وارتفع صوته.
فقال الحسن: إن الشيطان ليبكي هذا الآن.
أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو غالب عمر بن الحسين الباقلاني نا أبو العلاء الواسطي نا محمد بن الحسين الأزدي ثنا إبراهيم بن رحمون ثنا إسحق بن إبراهيم البغدادي قال: سمعت أبا صفوان يقول: قال الفضيل بن عياض لابنه وقد سقط: يا بني، إن كنت صادقا لقد فضحت نفسك، وإن كنت كاذبا فقد أهلكت نفسك.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه ثنا محمد بن أحمد النجار ثنا المرتعش قال: رأيت أبا عثمان سعيد بن عثمان الواعظ وقد تواجد إنسان بين يديه.
فقال له: يا بني إن كنت صادقا فقد أظهرت كل مالك، وإن كنت كاذبا فقد أشركت بالله.
نقد مسالك الصوفية في الوجد
قال المصنف ﵀: فإن قال قائل إنما يفرض الكلام في الصادقين لا في أهل الرياء.
فما تقول فمن أدركه الوجد ولم يقدر على دفعه فالجواب إن أول الوجد انزعاج في الباطن فإن كف الإنسان نفسه كيلا يطلع على حاله يئس
стр. 306
الشيطان منع فبعد عنه كما كان أيوب السختياني إذا تحدث فرق قلبه مسح أنفه وقال: ما أشد الزكام.
وإن أهمل الإنسان ولم يبال بظهور وجده أو أحب اطلاع الناس على نفسه نفخ فيه الشيطان فانزعج على قدر نفخه، كما أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله ثني أبي ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الخراز عن ابن أخي زينب عن امرأة عبد الله قالت: جاء عبد الله ذات يوم وعندي عجوز ترقيني من الحموة فأدخلتها تحت السرير.
قالت فدخل فجلس إلى جنبي فرأى في عنقي خيطا.
فقال: ما هذا الخيط؟ قلت: خيط رقي لي فيه فأخذه وقطعه ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك.
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن في الرقي والتمائم والتولة شركا» قالت: فقلت له: لم تقول هذا، وقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها فكان إذا رقاها سكنت.
قال: إنما ذاك من عمل الشيطان، كان ينخسها بيده فإذا رقيتها كف عنها إنما كان يكفيك أن تولي كما قال رسول الله ﷺ : «أذهب البأس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما».
قال المصنف ﵀: التولة - ضرب من السحر يحبب المرأة إلى زوجها.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا الحسن بن عبد الملك بن يوسف نا أبو محمد الخلال ثنا أبو عمر بن حياة ثنا أبو بكر بن أبي داود ثنا هارون بن زيد عن أبي الزرقاء ثنا أبي قال ثنا سفيان عن عكرمة بن عمار عن شعيب بن أبي السني عن أبي عيسى أو عيسى.
قال: ذهبت إلى عبد الله بن عمر فقال أبو السوار: يا أبا عبد الرحمن، إن قوما عندنا إذا قرئ عليهم القرآن يركض أحدهم من خشية الله.
قال: كذبت.
قال: بلى ورب هذه البنية.
قال: ويحك إن كنت صادقا فإن الشيطان ليدخل جوف أحدهم.
والله ما هكذا كان أصحاب محمد ﷺ .
стр. 307
دفع الوجد
فإن قال قائل: فنفرض أن الكلام فيمن اجتهد في دفع الوجد فلم يقدر عليه وغلبه الأمر فمن أين يدخل الشيطان فالجواب إنا لا ننكر ضعف بعض الطباع عن الدفع إلا أن علامة الصادق أنه لا يقدر على أن يدفع، ولا يدري ما يجري عليه فهو من جنس قوله : ﴿وخر موسى صعقا﴾.
وقد أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد نا أحمد بن عبد الله ثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحق الثقفي ثني حاتم بن الليث الجوهري ثنا خالد بن خداش قال: قرئ على عبد الله بن وهب كتاب أهوال يوم القيامة فخر مغشيا عليه، فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد ذلك بأيام.
قال المصنف ﵀: قلت، وقد مات خلق كثير من سماع الموعظة وغشي عليهم قلنا: هذا التواجد الذي يتضمن حركات المتواجدين وقوة صياحهم وتخبطهم فظاهره أنه متعمل والشيطان معين عليه.
قال المصنف ﵀: فإن قيل فهل في حق المخلص نقص بهذه الحالة الطارئة عليه قيل: نعم من جهتين: أحدهما أنه لو قوى العلم أمسك.
والثاني أنه خولف به بطريق الصحابة والتابعين ويكفي هذا نقصا.
أخبرنا عبد الله بن علي المقري نا هبة الله بن عبد الرزاق السني وأخبرنا سعيد بن أحمد بن البنا نا أبو سعد محمد بن علي الرستمي قالا نا أبو الحسين بن بشران نا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار ثنا سعدان بن نصر ثنا سفيان بن عيينة قال: سمعت خلف بن حوشب يقول: كان خوات يرعد عند الذكر فقال له إبراهيم: إن كنت تملكه فما أبالي أن لا أعتد بك.
وإن كنت لا تملكه فقد خالفت من كان قبلك.
وفي رواية: فقد خالفت من هو خير منك.
قال المصنف ﵀: قلت، إبراهيم هو النخعي الفقيه، وكان متمسكا
стр. 308
بالسنة شديد الاتباع للأثر.
وقد كان خوات من الصالحين البعداء عن التصنع وهذا خطاب إبراهيم له.
فميف بمن لا يخفى حاله من التصنع.
إذا طرب أهل التصوف صفقوا
فإذا طرب أهل التصوف لسماع الغناء صفقوا.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي نا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا سليمان المغربي يقول: سمعت أبا علي بن الكاتب يقول: كان ابن بنان يتواجد وكان أبو سعيد الخراز يصفق له.
قال المصنف ﵀: قلت، والتصفيق منكر يطرب ويخرج عن الاعتدال وتتنزه عن مثله العقلاء، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت من التصدية.
وهي التي ذمهم الله بها فقال: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ - فالمكاء الصفير - والتصدية - التصفيق.
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ نا أبو الفضل بن حيرون نا أبو علي بن شاذان نا أحمد بن كامل ثني محمد بن سعد ثني أبي ثني عمي عن أبيه عن جده عن ابن عباس «الإمكاء» يعني التصفير «وتصدية» يقول التصفيق.
قال المصنف ﵀: قلت، وفيه أيضا تشبه بالنساء، والعاقل يأنف من أن يخرج عن الوقار إلى أفعال الكفار والنسوة.
إذا قوي طربهم رقصوا
فإذا قوي طربهم رقصوا وقد احتج بعضهم بقوله تعالى لأيوب: ﴿اركض برجلك﴾
стр. 309
قال المصنف ﵀: قلت، وهذا الاحتجاج بارد لأنه لو كان أمر بضرب الرجل فرحا كان لهم فيه شبهة وإنما أمر بضرب الرجل لينبع الماء.
قال ابن عقيل: أين الدلالة في مبتلى أمر عند كشف البلاء بأن يضرب برجله الأرض لينبع الماء إعجازا من الرقص! ولئن جاز أن يكون تحريك رجل قد أنحلها تحكم الهوام دلالة على جواز الرقص في الإسلام جاز أن يجعل قوله تعالى لموسى: ﴿اضرب بعصاك الحجر﴾ دلالة على ضرب الجماد بالقضبان نعوذ بالله من التلاعب بالشرع.
واحتج بعض ناصريهم بأن رسول الله ﷺ قال لعلي: «أنت مني وأنا منك - فحجل.
وقال لجعفر - أشبهت خلقي وخلقي - فحجل.
وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا - فحجل».
ومنهم من احتج بأن الحبشة زفنت والنبي ﷺ ينظر إليهم.
فالجواب: أما الحجل فهو نوع من المشي يفعل عند الفرح فأبن هو من الرقص، وكذلك زفن الحبشة نوع من المشي بتشبيب يفعل عند اللقاء بالحرب.
واحتج لهم أبو عبد الرحمن السلمي على جواز الرقص بما أخبرنا به أبو نصر محمد بن منصور الهمداني نا إسماعيل بن أحمد بن عبد الملك المؤذن نا أبو صالح أحمد بن عبد الملك وأبو سعيد محمد بن عبد العزيز وأبو محمد عبد الحميد بن عبد الرحمن قالوا ثنا أبو عبد الرحمن السلمي ثنا أبو العباس أحمد بن سعيد المعداني ثنا محمد بن سعيد المروزي ثنا عباس الرقيقي ثنا عبد الله بن عمر الوراق ثنا الحسن بن علي بن منصور ثنا أبو عتاب المصري عن إبراهيم بن محمد الشافعي أن سعيد بن المسيب مر في بعض أزقة مكة فسمع الأخضر الحداء يتغنى في دار العاص بن وائل بهذا:
تضوع مسكا بطن نعمان أن مشتبه زينب في نسوة عطرات
فلما رأت ركب النميري أعرضتوهن من أن يلقينه حذرات
قال فضرب برجله زمانا وقال: هذا مما يلذ سماعه.
وكانوا يروون الشعر لسعيد بن المسيب.
стр. 310
قال المصنف: قلت، هذا إسناد مقطوع مظلم لا يصح عن ابن المسيب، ولا هذا شعره.
كان ابن المسيب أوقر من هذا، وهذه الأبيات مشهورة لمحمد بن عبد الله بن نمير النميري الشاعر ولم يكن نمريا وإنما نسب إلى اسم جده، وهو ثقفي.
وزينب التي يشبب بها هي ابنه يوسف أخت الحجاج، وسأله عبد الملك بن مروان عن الركب ما كان، فقال: كانت أحمرة عجافا حملت عليها قطرانا من الطائف.
فضحك وأمر الحجاج أن لا يؤذيه.
قال المصنف ﵀: ثم لو قدرنا أن ابن المسيب ضرب برجله الأرض فليس في ذلك حجة على جواز الرقص، فإن الإنسان قد يضرب الأرض برجله أو يدقها بيده لشيء يسمعه ولا يسمى ذلك رقصا.
فما أقبح هذا التعلق وأين ضرب الأرض بالقدم مرة أو مرتين من رقصهم الذي يخرجون به عن سمت العقلاء، ثم دعونا من الاحتجاج تعالوا نتقاضى إلى العقول أي معنى في الرقص إلا اللعب الذي يليق بالأطفال، وما الذي فيه من تحريك القلوب إلى الآخرة.
هذه والله مكبر باردة.
ولقد حدثني بعض المشايخ عن الغزالي أنه قال: الرقص حماقة بين الكتفين لا تزول إلا بالتعب، وقال أبو الوفاء بن عقيل: قد نص القرآن على النهي عن الرقص، فقال : ﴿لا تمش في الأرض مرحا﴾.
وذم المختال فقال تعالى: ﴿إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾.
والرقص أشد المرح والبطر أو لسنا الذين قسنا النبيذ على الخمر لاتفاقهما في الإطراب والسكر.
فما بالنا لا نقيس القضيب وتلحين الشعر معه على الطنبور والمزمار والطبل لاجتماعهما في الإطراب، وهل شيء يزري بالعقل والوقار ويخرج عن سمت الحلم والأدب أقبح من ذي لحية يرقص، فكيف إذا كانت شيبة ترقص وتصفق على وقاع الألحان والقضبان خصوصا إذا كانت أصوات نسوان ومردان، وهل يحسن بمن بين يديه الموت والسؤال والحشر والصراط ثم هو إلى إحدى الدارين
стр. 311
صائران يشمس بالرقص شمس البهائم ويصفق تصفيق النسوة والله لقد رأيت مشايخ عصري ما بان لهم سن في تبسم فضلا عن ضحك مع إدمان مخالطتي لهم.
كالشيخ أبي القاسم بن زيدان، وعبد الله بن بشران، وأبي طاهر بن العلاف، والجنيد والدينوري.
حالات الطرب الشديدة لدى الصوفية
فإذا تمكن الطرب من الصوفية في رحال رقصهم جذب أحدهم بعض الجلوس ليقوم معه.
ولا يجوز على مذهبهم للمجذوب أن يقعد فإذا قام قام الباقون تبعا له.
فإذا كشف أحدهم رأسه كشف الباقون رؤوسهم موافقة له.
ولا يخفى على عاقل أن كشف الرأس مستقبح وفيه إسقاط مروءة وترك أدب، وإنما يقع في المناسك تعبدا لله وذلا له.
(فصل)
فإذا اشتد طربهم رموا ثيابهم على المغني
فمنهم من يرمي بها صحاحا ومنهم من يخرقها ثم يرمي بها، وقد احتج لهم بعض الجهال فقال هؤلاء في غيبة فلان يلامون فإن موسى ﵇ لما غلب عليه الغم بعبادة قومه العجل رمى الألواح فكسرها ولم يدر ما صنع.
والجواب: أن نقول من يصحح عن موسى بأنه رماها رمي الكاسر والذي ذكر في القرآن إلقاءها فحسب، فمن أين لنا أنها تكسرت، ثم لو قيل تكسرت فمن أين لنا أنه قصد كسرها ثم لو صححنا ذلك عنه قلنا: كان في غيبة حتى لو كان بين يديه حينئذ بحر من نار لخاضه.
ومن يصحح لهؤلاء غيبتهم وهم يعرفون المغني من غيره ويحذرون من بئر إن كانت عندهم.
ثم كيف يقاس أحوال الأنبياء على أحوال هؤلاء السفهاء ولقد رأيت شابا من الصوفية يمشي
стр. 312
في الأسواق ويصيح والغلمان يمشون خلفه وهو يبربر ويخرج إلى الجمعة فيصيح صيحات وهو يصلي الجمعة فسئلت عن صلاته، فقلت: إن كان وقت صياحه غائبا فقد بطل وضوءه وإن كان حاضرا فهو متصنع.
وكان هذا الرجل جلدا لا يعمل شيئا بل يدار له بزنبيل في كل يوم فيجمع له ما يأكل هو وأصحابه فهذه حالة المأكلين لا المتوكلين.
ثم لو قدرنا أن القوم يصيخون عن غيبة فإن تعرضهم لما يغطي على العقول من سماع ما يطرب منهي عنه كالتعرض لكل ما غلبه الأذى وقد سئل ابن عقيل عن تواجدهم وتخريق ثيابهم فقال: خطأ وحرام، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال وعن شق الجيوب.
فقال له قائل: فإنهم لا يعقلون ما يفعلون.
قال: إن حضروا هذه الأمكنة مع علمهم أن الطرب يغلب عليهم فيزيل عقولهم أثموا بما يدخل عليهم من التخريق وغيره مما يفسد ولا يسقط عنهم خطاب الشرع لأنهم مخاطبون قبل الحضور بتجنب هذه المواضع التي تفضي إلى ذلك كما هم منهيون عن شرب المسكر فإذا سكروا وجرى منهم إفساد الأموال لم يسقط الخطاب لسكرهم كذلك هذا الطرب الذي يسميه أهل التصوف وجدا إن صدقوا فيه فسكر طبع وإن كذبوا فنبيذ ومع الصحو فلا سلامة فيه مع الحالين وتجنب مواضع الريب واجب.
واحتج لهم ابن طاهر في تريفهم الثياب بحديث عائشة ﵂ قالت: نصبت حجلة لي فيها رقم فمدها النبي ﷺ فشقها.
قال المصنف ﵀: فانظر إلى فقه هذا الرجل المسكين كيف يقيس حال من يمزق ثيابه فيفسدها وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال على مد ستر ليحط فانشق لا عن قصد.
أو كان عن قصد لأجل الصور التي كانت فيه:
وهذا من التشديد في حق الشارع عن المنهيات كما أمر بكسر الدنان في الخمور فإن ادعى مخرق ثيابه أنه غائب، قلنا الشيطان غيبك لأنك لو كنت مع الحق لحفظك فإن الحق لا يفسد.
стр. 313
وقد أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحاف ثنا محمد بن علي بن حشيش ثنا عبد الله بن الصقر ثنا الصلت بن مسعود ثنا جعفر بن سليمان قال: سمعت أبا عمران الجوني يقول: وعظ موسى بن عمران ﵇ يوما فشق رجل منهم قميصه فأوحى الله لموسى قل لصاحب القميص لا يشق قميصه.
أيشرح لي عن قلبه.
نقد مسالك الصوفية في تقطيع الثياب خرقا
وقد تكلم مشايخ الصوفية في الخرق المرمية.
فقال محمد بن طاهر الدليل على أن الخرقة إذا طرحت صارت ملكا لمن طرحت بسببه حديث جرير جاء قوم مجتابي النمار فحض رسول الله ﷺ على الصدقة فجاء رجل من الأنصار بصرة فتتابع الناس حتى رأيت كومتين من ثياب وطعام قال والدليل على أن الجماعة إذا قدموا عند تفريق الخرقة أسهم لهم حديث أبي موسى قدم على رسول الله ﷺ بغنيمة وسلب فأسهم لنا.
قال المصنف ﵀: لقد تلاعب هذا الرجل بالشريعة واستخرج بسوء فهمه ما يظنه يوافق مذهب المتأخرين من الصوفية.
فإذا ما عرفنا هذا في أوائلهم وبيان فساد استخراجه أن هذا الذي خرق الثوب ورمى به إن كان حاضرا فما جاز له تخريقه وإن كان غائبا فليس له تصرف جائز شرعا لا هبة ولا تمليكا.
وكذلك يزعمون بأن ثوبه كان كالشيء الذي يقع من الإنسان ولا يدري به فلا يجوز لأحد أن يتملكه وإن كان رماه في حال حضوره لا على أحد فلا وجه لتملكه ولو رماه على المغني لم يتملكه لأن التملك لا يكون إلا بعقد شرعي والرمي ليس بعقد: ثم نقدر أنه ملك للمغني فما وجه تصرف الباقين فيه.
ثم إذا انصرفوا فيه خرقوه خرقا وذلك لا يجوز لوجهين:
أحدهما أنه تصرف فيما لا يملكونه:
والثاني أنه إضاعة للمال.
ثم ما وجه إسهام من لم يحضر فأما حديث أبي موسى فقال العلماء منهم الخطابي يحتمل أن يكون رسول الله ﷺ أجازه عن رضى
стр. 314
ممن شهد الواقعة أو من الخمس الذي هو حقه.
وعلى مذهب الصوفية تعطى هذه الخرقة لمن جاء.
وهذا مذهب خارج عن إجماع المسلمين وما أشبه ما وضع هؤلاء بآرائهم الفاسدة إلا بما وضعت الجاهلية من أحكام البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
قال ابن طاهر: مشايخنا على أن الخرقة المخرقة وما انبعث من الخرق الصحاح الموافقة لها أن ذلك كله يكون بحكم الجمع يفعلون فيه ما يراه المشايخ.
واحتجوا بقول عمر ﵁: الغنيمة لمن شهد الواقعة.
وخالفهم شيخنا أبو إسماعيل الأنصاري فجعل الخرقة على ضربين.
ما كان مجروحا قسم على الجميع وما كان سليما دفع إلى القوال واحتج بحديث سلمة من قتل الرجل؟ قالوا: سلمة بن الأكوع.
قال: له سلبه أجمع.
فاقتل إنما وجد من جهة القوال فالسلب له.
قال المصنف ﵀: انظروا إخواني عصمنا الله وإياكم من تلبيس إبليس إلى تلاعب هؤلاء الجهلة بالشريعة وإجماع مشايخهم الذي لا يساوي إجماعهم بعرة فإن مشايخ الفقهاء أجمعوا على أن الموهوب لمن وهب له سواء كان مخرقا أو سليما ولا يجوز لغيره التصرف فيه: ثم إن سلب القتيل كل ما عليه فما بالهم جعلوه ما رمي به ثم ينبغي أن يكون الأمر على عكس ما قاله الأنصاري لأن المجروح من الثياب ما كان بسبب الوجد فينبغي أن يكون المجروح المغني دون الصحيح وكل أقوالهم في هذا محال وهذيان.
وقد حكى لي أبو عبد الله التكريتي الصوفي عن أبي الفتوح الإسفرايني وكنت أنا قد رأيته وأنا صغير السن وقد حضر في جمع كثير في رباط وهناك المخاد والقضبان ودف بجلاجل فقام يرقص حتى وقعت عمامته فبقي مكشوف الرأس.
قال التكريتي إنه رقص يوما في خف له ثم ذكر أن الرقص في الخف خطأ عند القوم فانفرد وخلعه ثم نزع مطرفا كان عليه فوضعه بين أيديهم كفارة لتلك الجناية فاقتسموه خرقا.
قال ابن طاهر: والدليل على أن الذي يطرح الخرقة لا يجوز أن يشتريها
стр. 315
من الجمع حديث عمر لا تعوذن في صدقتك.
قال المصنف: انظر إلى بعد هذا الرجل عن فهم معاني الأحاديث فإن الخرقة المطروحة باقية على ملك صاحبها فلا يحتاج إلى أن يشتريها.
(فصل)
وأما تقطيعهم الثياب المطروحة خرقا وتفريقها
فقد بينا أنه إن كان صاحب الثوب رماه إلى المغني لم يملكه بنفس الرمي حتى يملكه إياه فإذا ملكه إياه فما وجه تصرف الغير فيه.
ولقد شهدت بعض فقهائهم يخرق الثياب ويقسمها ويقول هذه الخرق ينتفع بها وليس هذا بتفريط، فقلت: وهل التفريط إلا هذا، ورأيت شيخا آخر منهم يقول خرقت خرقا في بلدنا فأصاب رجل منها خريقة فعملها كفنا فباعه بخمسة دنانير فقلت له: إن الشرع لا يجيز هذه الرعونات لمثل هذه النوادر.
وأعجب من هذين الرجلين أبو حامد الطوسي فإنه قال: يباح لهم تمزيق الثياب إذا خرقت قطعا مربعة تصلح لترقيع الثياب والسجادات فإن الثوب يمزق حتى يخاط منه قميص ولا يكون ذلك تضييعا ولقد عجبت من هذا الرجل كيف سلبه حب مذهب التصوف عن أصول الفقه ومذهب الشافعي فنظر إلى انتفاع خاص ثم ما معنى قوله مربعة فإن المطاولة ينتفع بها أيضا ثم لو مزق الثوب قرامل لانتفع بها ولو كسر السيف نصفين لانتفع بالنصف غير أن الشرع يتلمح الفوائد العامة ويسمى ما نقص منه للانتفاع إتلافا ولهذا ينهى عن كسر الدرهم الصحيح لأنه يذهب منه قيمة بالإضافة إلى المكسور وليس العجب من تلبيس إبليس على الجهال منهم بل على الفقهاء الذين اختاروا بدع الصوفية على حكم أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين.
(فصل)
ولقد أغربوا فيما ابتدعوا.
وأقام لهم الأعذار من إلى هواهم مال.
ولقد
стр. 316
ذكر محمد بن طاهر في كتابه باب السنة في أخذ شيء من المستغفر، واحتج بحديث كعب بن مالك في توبته: يجزئك الثلث ثم قال باب الدليل على أن من وجبت عليه غرامة فلم يؤدها ألزموه أكثر منها.
واستدل بحديث معاوية بن جعدة عن النبي ﷺ أنه قال أنه في الزكاة «من منعها فأنا آخذها وشطر ماله».
قال المصنف ﵀: قلت، فانظر إلى تلاعب هؤلاء وجهل هذا المحتج لهم وتسمية ما يلزم بعضهم بما لا يلزمه غرامة وتسمية ذلك واجبا وليس لنا غرامة ولا وجوب إلا بالشرع ومتى اعتقد الإنسان ما ليس بواجب واجبا كفر.
ومن مذهبهم الرؤوس عند الاستغفار وهذه بدعة تسقط المروءة وتنافي الوقار ولولا ورود الشرع بكشفه في الإحرام ما كان له وجه.
وأما حديث كعب بن مالك فإنه قال: إن توبتي أن أنخلع من مالي، فقال له رسول الله ﷺ : «يجزئك الثلث» لا على سبيل الإلزام له، وإنما تبرع بذلك فأخذه منه وأين إلزام الشرع تارك الزكاة مما يزيد عليها عقوبة من إلزامهم المريد غرامة لا تجب عليه فإذا امتنع ضاعفوها وليس إليهم الإلزام إنما ينفرد بالإلزام الشرع وحده.
وهذا كله جهل وتلاعب بالشريعة فهؤلاء الخوارج عليها حقا.
ذكر تلبيس إبليس على كثير من الصوفية في صحبة الأحداث
قال المصنف: اعلم أن أكثر الصوفية المتصوفة قد سدوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء الأجانب لبعدهم عن مصاحبتهن وامتناعهم عن مخالطتهن واشتغلوا بالتعبد عن النكاح واتفقت صحبة الأحداث لهم على وجه الإرادة وقصد الزهادة فأمالهم إبليس إليهم.
واعلم أن الصوفية في صحبة الأحداث على سبعة أقسام:
القسم الأول أخبث القوم وهم ناس تشبهوا بالصوفية ويقولون بالحلول.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان نا أبو علي الحسين بن محمد بن الفضل الكرماني نا سهل بن علي الخشاب نا أبو نصر عبد الله بن علي السراج قال بلغني أن جماعة
стр. 317
من الحلولية زعموا أن الحق تعالى اصطفى أجساما حل فيها بمعاني الربوبية، ومنهم من قال هو حال في المستحسنات.
وذكر أبو عبد الله بن حامد من أصحابنا.
أن طائفة من الصوفية قالوا أنهم يرون الله في الدنيا وأجازوا أن يكون صفة الآدمي ولم يأبوا كونه حالا في الصورة الحسنة حتى استشهدوه في رؤيتهم الغلام الأسود.
القسم الثاني: قوم يتشبهون بالصوفية في ملبسهم، ويقصدون الفسق.
القسم الثالث: قوم يستبيحون النظر إلى المستحسن.
وقد صنف أبو عبد الرحمن السلمي كتابا سماه سنن الصوفية فقال في أواخر الكتاب: باب في جوامع رخصهم فذكر فيه الرقص والغناء والنظر إلى الوجه الحسن، وذكر فيه ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «اطلبوا الخير عند حسان الوجوه»، وأنه قال: «ثلاثة تجلو البصر: النظر إلى الخضرة والنظر إلى الماء والنظر إلى الوجه الحسن».
قال المصنف ﵀: وهذان حديثان لا أصل لهما عن رسول الله ﷺ ، أما الحديث الأول فأخبرنا به عبد الأول بن عيسى نا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر نا عبد الله بن أحمد بن حمويه نا إبراهيم بن خزيم ثنا عبد بن حميد ثنا يزيد بن هرون ثنا محمد بن عبد الرحمن بن المخير عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «اطلبوا الخير عند حسان الوجوه».
قال يحيى بن معين: محمد بن عبد الرحمن ليس بشيء.
قال المصنف: قلت، وقد روى هذا الحديث من طرق، قال العقيلي: لا يثبت عن النبي ﵇ في هذا شيء، وأما الحديث الآخر فأنبأنا أبو منصور بن خيرون نا أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن محمد بن يعقوب نا محمد بن نعيم الضبي نا أبو بكر محمد بن أحمد بن هرون نا أحمد بن عمر بن عبيد الريحاني قال: سمعت أبا البختري وهب بن وهب يقول: كنت
стр. 318
أدخل على الرشيد وابنه القاسم بين يديه فكنت أدمن النظر إليه فقال: أراك تدمن النظر إلى القاسم تريد أن تجعل انقطاعه إليك.
قلت أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن ترميني بما ليس في.
وأما إدمان النظر إليه فإن جعفرا الصادق ثنا عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث يزدن في قوة النظر.
النظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري وإلى الوجه الحسن».
قال المصنف ﵀: هذا حديث موضوع ولا يختلف العلماء في أبي البختري أنه كذاب وضاع، وأحمد بن عمر بن عبيد أحد المجهولين، ثم قد كان ينبغي لأبي عبد الرحمن السلمي إذ ذكر النظر إلى المستحسن أن يقيده بالنظر إلى وجه الزوجة أو المملوكة فأما إطلاقه ففيه سوء ظن.
وقال شيخنا محمد بن ناصر الحافظ: كان ابن طاهر المقدسي قد صنف كتابا في جواز النظر إلى المراد.
قال المصنف ﵀: قلت والفقهاء يقولون من ثارت شهوته عند النظر إلى الأمرد حرم عليه أن ينظر إليه ومتى ادعى الإنسان أنه لا تثور شهوته عند النظر إلى الأمرد المستحسن فهو كاذب وإنما أبيح على الأطرق لئلا يقع الحرج في كثرة المخالطة بالمنع فإذا وقع الإلحاح في النظر دل على العمل بمقتضى ثوران الهوى.
قال سعيد بن المسيب: إذا رأيتم الرجل يلح النظر إلى غلام أمرد فاتهموه.
القسم الرابع: قوم يقولون نحن لا ننظر نظر شهوة وإنما ننظر نظر اعتبار
فلا يضرنا النظر وهذا محال منهم فإن الطباع تتساوى فمن ادعى تنزه نفسه عن أبناء جنسه في الطبع ادعى المحال وقد كشفنا هذا في أول كلامنا في السماع.
أخبرتنا شهدة بنت أحمد الأبري قالت بإسناد مرفوع إلى محمد بن جعفر الصوفي قال: قال أبو حمزة الصوفي حدثني عبد الله بن الزبير الخفي قال: كنت جالسا مع أبي النضر الغنوي وكان من المبرزين العابدين فنظر إلى غلام جميل
стр. 319
فلم تزل عيناه واقعتان عليه حتى دنا منه فقال: سألتك بالله السميع وعزه الرفيع وسلطانه المنيع إلا وقفت علي أروي من النظر إليك فوقف قليلا ثم ذهب ليمضي فقال له سألتك بالحكيم المجيد الكريم المبدي المعيد ألا وقفت فوقف ساعة فأقبل يصعد النظر إليه ويصوبه ثم ذهب ليمضي فقال سألتك بالواحد الأحد الجبار الصمد الذي لم يلد ولم يولد إلا وقفت فوقف ساعة فنظر إليه طويلا ثم ذهب ليمضي فقال سألتك باللطيف الخبير السميع البصير وبمن ليس له نظير إلا وقفت فوقف فأقبل ينظر إليه ثم أطرق رأسه إلى الأرض ومضى الغلام فرفع رأسه بعد طويل وهو يبكي فقال: قد ذكرني هذا بنظري إليه وجها جل عن التشبيه وتقدس عن التمثيل وتعاظم عن التحديد والله لأجهدن نفسي في بلوغ رضاه بمجاهدتي أعدائه وموالاتي لأوليائه حتى أصير إلى ما أردته من نظري إلى وجهه الكريم وبهائه العظيم.
ولوددت أنه قد أراني وجهه وحبسني في النار ما دامت السموات والأرض ثن غشي عليه.
وحدثنا محمد بن عبد الله الفزاري قال: سمعت خيرا النساج يقول: كنت مع محارب بن حسان الصوفي في مسجد الخيف ونحن محرمون فجلس إلينا غلام جميل من أهل المغرب فرأيت محاربا ينظر إليه نظرا أنكرته فقلت له: بعد أن قام: إنك محرم في شهر حرام في بلد حرام في مشعر حرام.
وقد رأيتك تنظر إلى هذا الغلام نظرا لا ينظره إلا المفتونون.
فقال: لي تقول هذا؟ يا شهواني القلب والطرف، ألم تعلم أنه قد منعني من الوقوع في شرك إبليس ثلاث؟ فقلت: وما هي؟ قال: سر الإيمان وعفة الإسلام وأعظمها الحياء من الله تعالى أن يطلع علي وأنا جائم على منكر نهاني عنه ثم صعق حتى اجتمع الناس علينا.
قال المصنف ﵀: قلت، انظروا إلى جهل الأحمق الأول ورمزه إلى التشبيه وإن تلفظ بالتنزيه وإلى حماقة هذا الثاني الذي ظن أن المعصية هي الفاحشة فقط وما علم أن نفس النظر بشهوة يحرم.
ومحا عن نفسه أثر الطبع بدعواه التي تكذبها شهوة النظر.
وقد حدثني بعض العلماء أن صبيا أمرد حكى له قال: قال لي فلان
стр. 320
الصوفي وهو يحبني: يا نبي الله فيك إقبال والتفات.
حيث جعل حاجتي إليك.
وحكى أن جماعة من الصوفية دخلوا على أحمد الغزالي وعنده أمرد وهو خال به وبينهما ورد وهو ينظر إلى الورد تارة وإلى الأمرد تارة، فلما جلسوا قال بعضهم لعلنا كدرنا، فقال: أي والله.
فتصايح الجماعة على سبيل التواجد.
وحكى أبو الحسين بن يوسف أنه كتب إليه في رقعة: إنك تحب غلامك التركي.
فقرأ الرقعة ثم استدعى الغلام فصعد إليه النظر فقبله بين عينيه وقال: هذا جواب الرقعة.
قال المصنف ﵀: قلت، إني لأعجب من فعل هذا الرجل وإلقائه جلباب الحياء عن وجهه وإنما أعجب من البهائم الحاضرين كيف سكتوا عن الإنكار عليه ولكن الشريعة بردت في قلوب كثير من الناس.
وأخبرنا أبو القاسم الحريري أنبأنا أبو الطيب الطبري قال: بلغني عن هذه الطائفة التي تسمع السماع أنها تضيف إليه النظر إلى وجه الأمرد وربما زينته بالحلي والمصبغات من الثياب والحواشي وتزعم أنها تقصد به الازدياد في الإيمان بالنظر والاعتبار والاستدلال بالصنعة على الصانع وهذه النهاية في متابعة الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم قال الله تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ وقال: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾.
وقال: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض﴾ فعدلوا عما أمرهم الله به من الاعتبار إلى ما نهاهم عنه، وإنما تفعل هذه الطائفة ما ذكرناه بعد تناول الألوان الطيبة والمآكل الشهية فإذا استوفت منها نفوسهم طالبتهم بما يتبعها من السماع والرقص والاستمتاع بالنظر إلى وجوه المرد ولو أنهم تقللوا من الطعام لم يحنوا إلى سماع ونظر.
قال أبو الطيب وقد أخبر بعضهم في شعره عن أحوال المستمعين للغناء وما يجدونه حال السماع فقال:
следующие страницы →