Полный текст (479 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ذكر محمد بن طاهر في كتابه باب السنة في أخذ شيء من المستغفر، واحتج بحديث كعب بن مالك في توبته: يجزئك الثلث ثم قال باب الدليل على أن من وجبت عليه غرامة فلم يؤدها ألزموه أكثر منها.
واستدل بحديث معاوية بن جعدة عن النبي ﷺ أنه قال أنه في الزكاة «من منعها فأنا آخذها وشطر ماله».
قال المصنف ﵀: قلت، فانظر إلى تلاعب هؤلاء وجهل هذا المحتج لهم وتسمية ما يلزم بعضهم بما لا يلزمه غرامة وتسمية ذلك واجبا وليس لنا غرامة ولا وجوب إلا بالشرع ومتى اعتقد الإنسان ما ليس بواجب واجبا كفر.
ومن مذهبهم الرؤوس عند الاستغفار وهذه بدعة تسقط المروءة وتنافي الوقار ولولا ورود الشرع بكشفه في الإحرام ما كان له وجه.
وأما حديث كعب بن مالك فإنه قال: إن توبتي أن أنخلع من مالي، فقال له رسول الله ﷺ : «يجزئك الثلث» لا على سبيل الإلزام له، وإنما تبرع بذلك فأخذه منه وأين إلزام الشرع تارك الزكاة مما يزيد عليها عقوبة من إلزامهم المريد غرامة لا تجب عليه فإذا امتنع ضاعفوها وليس إليهم الإلزام إنما ينفرد بالإلزام الشرع وحده.
وهذا كله جهل وتلاعب بالشريعة فهؤلاء الخوارج عليها حقا.
ذكر تلبيس إبليس على كثير من الصوفية في صحبة الأحداث
قال المصنف: اعلم أن أكثر الصوفية المتصوفة قد سدوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء الأجانب لبعدهم عن مصاحبتهن وامتناعهم عن مخالطتهن واشتغلوا بالتعبد عن النكاح واتفقت صحبة الأحداث لهم على وجه الإرادة وقصد الزهادة فأمالهم إبليس إليهم.
واعلم أن الصوفية في صحبة الأحداث على سبعة أقسام:
القسم الأول أخبث القوم وهم ناس تشبهوا بالصوفية ويقولون بالحلول.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان نا أبو علي الحسين بن محمد بن الفضل الكرماني نا سهل بن علي الخشاب نا أبو نصر عبد الله بن علي السراج قال بلغني أن جماعة
стр. 317
من الحلولية زعموا أن الحق تعالى اصطفى أجساما حل فيها بمعاني الربوبية، ومنهم من قال هو حال في المستحسنات.
وذكر أبو عبد الله بن حامد من أصحابنا.
أن طائفة من الصوفية قالوا أنهم يرون الله في الدنيا وأجازوا أن يكون صفة الآدمي ولم يأبوا كونه حالا في الصورة الحسنة حتى استشهدوه في رؤيتهم الغلام الأسود.
القسم الثاني: قوم يتشبهون بالصوفية في ملبسهم، ويقصدون الفسق.
القسم الثالث: قوم يستبيحون النظر إلى المستحسن.
وقد صنف أبو عبد الرحمن السلمي كتابا سماه سنن الصوفية فقال في أواخر الكتاب: باب في جوامع رخصهم فذكر فيه الرقص والغناء والنظر إلى الوجه الحسن، وذكر فيه ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «اطلبوا الخير عند حسان الوجوه»، وأنه قال: «ثلاثة تجلو البصر: النظر إلى الخضرة والنظر إلى الماء والنظر إلى الوجه الحسن».
قال المصنف ﵀: وهذان حديثان لا أصل لهما عن رسول الله ﷺ ، أما الحديث الأول فأخبرنا به عبد الأول بن عيسى نا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر نا عبد الله بن أحمد بن حمويه نا إبراهيم بن خزيم ثنا عبد بن حميد ثنا يزيد بن هرون ثنا محمد بن عبد الرحمن بن المخير عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «اطلبوا الخير عند حسان الوجوه».
قال يحيى بن معين: محمد بن عبد الرحمن ليس بشيء.
قال المصنف: قلت، وقد روى هذا الحديث من طرق، قال العقيلي: لا يثبت عن النبي ﵇ في هذا شيء، وأما الحديث الآخر فأنبأنا أبو منصور بن خيرون نا أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن محمد بن يعقوب نا محمد بن نعيم الضبي نا أبو بكر محمد بن أحمد بن هرون نا أحمد بن عمر بن عبيد الريحاني قال: سمعت أبا البختري وهب بن وهب يقول: كنت
стр. 318
أدخل على الرشيد وابنه القاسم بين يديه فكنت أدمن النظر إليه فقال: أراك تدمن النظر إلى القاسم تريد أن تجعل انقطاعه إليك.
قلت أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن ترميني بما ليس في.
وأما إدمان النظر إليه فإن جعفرا الصادق ثنا عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث يزدن في قوة النظر.
النظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري وإلى الوجه الحسن».
قال المصنف ﵀: هذا حديث موضوع ولا يختلف العلماء في أبي البختري أنه كذاب وضاع، وأحمد بن عمر بن عبيد أحد المجهولين، ثم قد كان ينبغي لأبي عبد الرحمن السلمي إذ ذكر النظر إلى المستحسن أن يقيده بالنظر إلى وجه الزوجة أو المملوكة فأما إطلاقه ففيه سوء ظن.
وقال شيخنا محمد بن ناصر الحافظ: كان ابن طاهر المقدسي قد صنف كتابا في جواز النظر إلى المراد.
قال المصنف ﵀: قلت والفقهاء يقولون من ثارت شهوته عند النظر إلى الأمرد حرم عليه أن ينظر إليه ومتى ادعى الإنسان أنه لا تثور شهوته عند النظر إلى الأمرد المستحسن فهو كاذب وإنما أبيح على الأطرق لئلا يقع الحرج في كثرة المخالطة بالمنع فإذا وقع الإلحاح في النظر دل على العمل بمقتضى ثوران الهوى.
قال سعيد بن المسيب: إذا رأيتم الرجل يلح النظر إلى غلام أمرد فاتهموه.
القسم الرابع: قوم يقولون نحن لا ننظر نظر شهوة وإنما ننظر نظر اعتبار
فلا يضرنا النظر وهذا محال منهم فإن الطباع تتساوى فمن ادعى تنزه نفسه عن أبناء جنسه في الطبع ادعى المحال وقد كشفنا هذا في أول كلامنا في السماع.
أخبرتنا شهدة بنت أحمد الأبري قالت بإسناد مرفوع إلى محمد بن جعفر الصوفي قال: قال أبو حمزة الصوفي حدثني عبد الله بن الزبير الخفي قال: كنت جالسا مع أبي النضر الغنوي وكان من المبرزين العابدين فنظر إلى غلام جميل
стр. 319
فلم تزل عيناه واقعتان عليه حتى دنا منه فقال: سألتك بالله السميع وعزه الرفيع وسلطانه المنيع إلا وقفت علي أروي من النظر إليك فوقف قليلا ثم ذهب ليمضي فقال له سألتك بالحكيم المجيد الكريم المبدي المعيد ألا وقفت فوقف ساعة فأقبل يصعد النظر إليه ويصوبه ثم ذهب ليمضي فقال سألتك بالواحد الأحد الجبار الصمد الذي لم يلد ولم يولد إلا وقفت فوقف ساعة فنظر إليه طويلا ثم ذهب ليمضي فقال سألتك باللطيف الخبير السميع البصير وبمن ليس له نظير إلا وقفت فوقف فأقبل ينظر إليه ثم أطرق رأسه إلى الأرض ومضى الغلام فرفع رأسه بعد طويل وهو يبكي فقال: قد ذكرني هذا بنظري إليه وجها جل عن التشبيه وتقدس عن التمثيل وتعاظم عن التحديد والله لأجهدن نفسي في بلوغ رضاه بمجاهدتي أعدائه وموالاتي لأوليائه حتى أصير إلى ما أردته من نظري إلى وجهه الكريم وبهائه العظيم.
ولوددت أنه قد أراني وجهه وحبسني في النار ما دامت السموات والأرض ثن غشي عليه.
وحدثنا محمد بن عبد الله الفزاري قال: سمعت خيرا النساج يقول: كنت مع محارب بن حسان الصوفي في مسجد الخيف ونحن محرمون فجلس إلينا غلام جميل من أهل المغرب فرأيت محاربا ينظر إليه نظرا أنكرته فقلت له: بعد أن قام: إنك محرم في شهر حرام في بلد حرام في مشعر حرام.
وقد رأيتك تنظر إلى هذا الغلام نظرا لا ينظره إلا المفتونون.
فقال: لي تقول هذا؟ يا شهواني القلب والطرف، ألم تعلم أنه قد منعني من الوقوع في شرك إبليس ثلاث؟ فقلت: وما هي؟ قال: سر الإيمان وعفة الإسلام وأعظمها الحياء من الله تعالى أن يطلع علي وأنا جائم على منكر نهاني عنه ثم صعق حتى اجتمع الناس علينا.
قال المصنف ﵀: قلت، انظروا إلى جهل الأحمق الأول ورمزه إلى التشبيه وإن تلفظ بالتنزيه وإلى حماقة هذا الثاني الذي ظن أن المعصية هي الفاحشة فقط وما علم أن نفس النظر بشهوة يحرم.
ومحا عن نفسه أثر الطبع بدعواه التي تكذبها شهوة النظر.
وقد حدثني بعض العلماء أن صبيا أمرد حكى له قال: قال لي فلان
стр. 320
الصوفي وهو يحبني: يا نبي الله فيك إقبال والتفات.
حيث جعل حاجتي إليك.
وحكى أن جماعة من الصوفية دخلوا على أحمد الغزالي وعنده أمرد وهو خال به وبينهما ورد وهو ينظر إلى الورد تارة وإلى الأمرد تارة، فلما جلسوا قال بعضهم لعلنا كدرنا، فقال: أي والله.
فتصايح الجماعة على سبيل التواجد.
وحكى أبو الحسين بن يوسف أنه كتب إليه في رقعة: إنك تحب غلامك التركي.
فقرأ الرقعة ثم استدعى الغلام فصعد إليه النظر فقبله بين عينيه وقال: هذا جواب الرقعة.
قال المصنف ﵀: قلت، إني لأعجب من فعل هذا الرجل وإلقائه جلباب الحياء عن وجهه وإنما أعجب من البهائم الحاضرين كيف سكتوا عن الإنكار عليه ولكن الشريعة بردت في قلوب كثير من الناس.
وأخبرنا أبو القاسم الحريري أنبأنا أبو الطيب الطبري قال: بلغني عن هذه الطائفة التي تسمع السماع أنها تضيف إليه النظر إلى وجه الأمرد وربما زينته بالحلي والمصبغات من الثياب والحواشي وتزعم أنها تقصد به الازدياد في الإيمان بالنظر والاعتبار والاستدلال بالصنعة على الصانع وهذه النهاية في متابعة الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم قال الله تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ وقال: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾.
وقال: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض﴾ فعدلوا عما أمرهم الله به من الاعتبار إلى ما نهاهم عنه، وإنما تفعل هذه الطائفة ما ذكرناه بعد تناول الألوان الطيبة والمآكل الشهية فإذا استوفت منها نفوسهم طالبتهم بما يتبعها من السماع والرقص والاستمتاع بالنظر إلى وجوه المرد ولو أنهم تقللوا من الطعام لم يحنوا إلى سماع ونظر.
قال أبو الطيب وقد أخبر بعضهم في شعره عن أحوال المستمعين للغناء وما يجدونه حال السماع فقال:
стр. 321
أتذكر وقتنا وقد اجتمعنا … على طيب السماع إلى الصباح
ودارت بيننا كأس الأغاني … فأسكرت النفوس بغير راح
فلم نر فيهم إلا نشاوى … سرورا والسرور هناك صاحي
إذا لبى أخو اللذات فيهم … نادي اللهو حي على الفلاح
ولم نملك سوى المهجات شيئا … أرقناها لألحاظ ملاح
قال: فإذا كان السماع تأثيره في قلوبهم ما ذكره هذا القائل فكيف يجدي السماع نفعا أو يفيد فائدة.
قال ابن عقيل قول من قال لا أخاف من رؤية الصور المستحسنة ليس بشيء.
فإن الشريعة جاءت عامة الخطاب لا تميز الأشخاص.
وآيات القرآن تنكر هذه الداعوى قال الله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾.
وقال: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت﴾ فلم يحل النظر إلا على صور لا ميل للنفس إليها ولاحظ فيها بل عبرة لا يمازجها شهوة.
ولا تعتريها لذة فأما صور الشهوات فإنها تعبر عن العبرة بالشهوة وكل صورة ليست بعبرة لا ينبغي أن ينظر إليها لأنها قد تكون سببا للفتنة.
ولذلك ما بعث الله تعالى امرأة بالرسالة ولا جعلها قاضيا ولا إماما ولا مؤذنا.
كل ذلك لأنها محل فتنة وشهوة وربما قطعت عما قصدته الشريعة بالنظر وكل من قال أنا أجد من الصور المستحسنة عبرا كذبناه.
وكل من ميز نفسه بطبيعة تخرجه عن طباعنا بالدعوى كذبناه وإنما هذه خدع الشيطان للمدعين.
القسم الخامس قوم صحبوا المردان ومنعوا أنفسهم من الفواحش
يعتقدون ذلك مجاهدة وما يعلمون أن نفس صحبتهم والنظر إليهم بشهوة معصية وهذه من خلال الصوفية المذمومات وقد كان قدماؤهم على غير هذا وقيل كانوا على هذا بدليل وهو ما أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أنشدنا أبو علي الروزباري:
أنزه في روض المحاسن مقلتي … وأمنع نفسي أن تنال محرما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه … على الجبل الصلد الأصم تهدما
стр. 322
قال المصنف ﵀: وسيأتي حديث يوسف بن الحسين وقوله: عاهدت ربي أن لا أصحب حدثا مائة مرة ففسحنا على قوام القدود وغنج العيون.
أخبرتنا شهدة الكاتبة بإسناد عن أبي المختار الضبي قال: حدثني أبي قال قلت لأبي الكميت الأندلسي وكان جوالا في أرض الله حدثني بأعجب ما رأيت من الصوفية قال: صحبت رجلا منهم يقال له مهرجان وكان مجوسيا فأسلم وتصوف فرأيت معه غلاما جميلا لا يفارقه وكان إذا جاء الليل قام فصلى ثم ينام إلى جانبه ثم يقوم فزعا فيصلي ما قدر له ثم يعود فينام إلى جانبه حتى فعل ذلك مرارا فإذا أسفر الصبح أو كان يسفر أوتر ثم رفع يديه وقال اللهم إنك تعلم أن الليل قد مضى علي سليما لم أقترف فيه فاحشة ولا كتبت على الحفظة فيه معصية وأن الذي أضمره بقلبي لو حملته لتصدعت أو كان بالأرض لتدكدكت ثم يقول: يا ليل اشهد بما كان مني فيك فقد منعني خوف الله عن طلب الحرام والتعرض للآثام، ثم يقول سيدي أنت تجمع بيننا على تقى فلا تفرق بيننا يوم تجمع فيه الأحباب فأقمت معه مدة طويلة أراه يفعل ذلك كل ليلة وأسمع هذا القول منه فلما هممت بالانصراف من عنده قلت إذا انقضى الليل كذا وكذا فقال وسمعتني قلت نعم، قال فوالله يا أخي إني لأدراي من قلبي ما لو داراه سلطان من رعيته لكان الله حقيقا بالمغفرة له فقلت وما الذي يدعوك إلى صحبة من تخاف على نفسك العنت من قبله وقال أبو محمد بن جعفر بن عبد الله الصوفي قال أبو حمزة الصوفي رأيت ببيت المقدس فتى من الصوفية يصحب غلاما مدة طويلة فمات الفتى وطال حزن الغلام عليه حتى صار جلدا وعظما من الضنا والكمد فقلت له يوما: لقد طال حزنك على صديقك حتى أظن أنك لا تسلو بعده أبدا فقال: كيف أسلو عن رجل أجل الله أن يصيبه معي طرفة عين أبدا وصانني عن نجاسة الفسوق في خلول صحبتي له وخلواتي معه في الليل والنهار.
قال المصنف ﵀: هؤلاء قوم رآهم إبليس لا ينجذبون معه إلى
стр. 323
الفواحش فحسن لهم بداياتها فتعجلوا لذة النظر والصحبة والمحادثة وعزموا على مقاومة النفس في ضدها عن الفاحشة فإن صدقوا وتم لهم ذلك فقد اشتغل القلب الذي ينبغي أن يكون شغله بالله تعالى لا بغيره وصرف الزمان الذي ينبغي أن يخلو فيه القلب بما ينفع به في الآخرة بمجاهدة الطبع في كفه عن الفاحشة وهذا كله جهل وخروج عن آداب الشرع فإن الله أمر بغض البصر لأنه طريق إلى القلب ليسلم القلب لله تعالى من شائب تخاف منه وما مثل هؤلاء إلا كمثل من أقبل إلى سباع في غيضه متشاغلة عنه لا تراه فأثارها وحاربها وقاومها فيا بعد سلامته من جراحة إن لم يهلك.
مجاهدة النفس
في هؤلاء من قويت مجاهدته مدة ثم ضعفت فدعته نفسه إلى الفاحشة فامتنع حينئذ من صحبة المرد.
أخبرتنا شهدة الكاتبة عن عمر بن يوسف الباقلاني قال: قال أبو حمزة قلت لمحمد بن العلاء الدمشقي وكان سيد الصوفية وقد رأيته يماشي غلاما وضيئا مدة ثم فارقه، فقلت له لم هجرت ذلك الفتى الذي كنت أراه معك بعد أن كنت له مواصلا وإليه مائلا.
فقال والله لقد فارقته عن غير قلا ولا ملل.
قلت ولم فعلت ذلك؟ قال: رأيت قلبي يدعوني إلى أمر إذا خلوت به وقرب مني لو أتيته سقطت من عين الله فهجرته لذلك تنزيها لله تعالى ولنفسي من مصارع الفتن.
التوبة وإطالة البكاء
ومنهم من تاب وأطال البكاء عن إطلاق نظرة.
أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي بإسناد عن عبيد الله قال سمعت أخي أبا عبد الله محمد بن محمد يقول: سمعت خيرا النساج يقول: كنت مع أمية بن الصامت الصوفي إذ نظر إلى غلام فقرأ: ﴿وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير﴾ ثم قال:
стр. 324
وأين الفرار من سجن الله وقد حصنه بملائكة غلاظ شداد تبارك الله فما أعظم ما امتحنني به من نظري إلى هذا الغلام ما شبهت نظري إليه إلا بنار وقعت على قصب في يوم ريح فما أبقت ولا تركت ثم قال: أستغفر الله من بلاء جنته عيناي على قلبي.
لقد خفت ألا أنجو من معرته ولا أتخلص من اثمه ولو وافيت القيامة بعمل سبعين صديقا.
ثم بكى حتى كاد يقضي نحبه فسمعته يقول في بكائه يا طرف لأشغلنك بالبكاء عن النظر إلى البلاء.
المرض من شدة المحبة
ومنهم من تلاعب به المرض من شدة المحبة.
أخبرتنا شهدة الكاتبة بإسناد عن أبي حمزة الصوفي قال: كان عبد الله بن موسى من رؤساء الصوفية ووجوههم فنظر إلى غلام حسن في بعض الأسواق فبلى به وكاد يذهب عقله عليه صبابة وحبا وكان يقف كل يوم في طريقه حتى يراه إذا أقبل وإذا انصرف فطال به البلاء وأقعده عن الحركة الضنا وكان لا يقدر أن يمشي خطوة فأتيته يوما لأعوده.
فقلت يا أبا محمد ما قصتك وما هذا الأمر الذي بلغ بك ما أرى، فقال: أمور امتحنني الله بها فلم أصبر على البلاء فيها ولم يكن لي بها طاقة، ورب ذنب يستصغره الإنسان هو عند الله أعظم من كبير، وحقيق بمن تعرض للنظر الحرام أن تطول به الأسقام ثم بكى قلت ما يبكيك؟ قال أخاف أن يطول في النار شقائي فانصرفت عنه وأنا راحم له لما رأيت به من سوء الحال.
قال أبو حمزة ونظر محمد بن عبد الله بن الأشعث الدمشقي وكان من خيار
стр. 325
عباد الله إلى غلام جميل فغشي عليه، فحمل إلى منزله واعتاده السقم حتى أقعد من رجليه وكان لا يقوم عليهما زمانا طويلا فكنا نأتيه نعوده ونسأله عن حاله وأمره وكان لا يخبرنا بقصته ولا سبب مرضه، وكان الناس يتحدثون بحديث نظره فبلغ ذلك الغلام فأتاه عائدا فهش إليه وتحرك وضحك في وجهه واستبشر برؤيته فما زال يعوده حتى قام على رجليه وعاد إلى حالته فسأله الغلام يوما أن يسير معه إلى منزله فأبى أن يفعل ذلك، فسألني أن أسأله أن يتحول إليه فسألته فأبى أن يفعل، فقلت للشيخ، وما الذي تكره من ذلك، فقال: لست بمعصوم من البلاء ولا آمن من الفتنة، وأخاف أن يقع علي من الشيطان محنة فتجري بيني وبينه معصية فأكون من الخاسرين.
قتل النفس خوف الوقوع في الفاحشة
وفيهم من همت نفسه إلى الفاحشة فقتل نفسه.
حدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني قال: كان ببلاد فارس صوفي كبير فابتلي بحدث فلم يملك نفسه إن دعته فاحشة فراقب الله ثم ندم على هذه الهمة وكان منزله في مكان عال ووراء منزله بحر من الماء فلما أخذته الندامة صعد السطح ورمى نفسه إلى الماء وتلى قوله تعالى: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ فغرق في البحر.
قال المصنف ﵀: انظر إلى إبليس كيف درج هذا المسكين من رؤية هذا الأمرد وإلى إدمان النظر إليه إلى أن مكن المحبة من قلبه إلى أن حرضه على الفاحشة فلما رأى استعصامه حسن له بالجهل قتل نفسه «ولعله هم بالفاحشة ولم يعزم، والهمة معفو عنها لقوله ﵇: «عني لأمتي عما حدثت به نفوسها» ثم إنه ندم على همته والندم توبة فأراه إبليس أن من تمام الندم قتل نفسه كما فعل بنو إسرائيل فأولئك أمروا بذلك بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ ونحن نهينا عنه بقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ فلقد أتى
стр. 326
بكبيرة عظيمة.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «من تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا».
(فصل)
وفيهم من فرق بينه وبين حبيبه فقتل حبيبه.
بلغني عن بعض الصوفية أنه كان في رباط عندنا ببغداد ومعه صبي في البيت الذي هو فيه فشنعوا عليه وفرقوا بينهما فدخل الصوفي إلى الصبي ومعه سكين فقتله وجلس عنده يبكي، فجاء أهل الرباط فرأوه فسألوه عن الحال فأقر بقتل الصبي فرفعوه إلى صاحب الشرطة فأقر فجاء والد الصبي يبكي فجلس الصوفي يبكي ويقول له بالله عليك إلا ما أقدتني به، فقال الآن قد عفوت عنك: فقام الصوفي إلى قبر الصبي فجعل يبكي عليه ثم لم يزل يحج عن الصبي ويهدي له الثواب.
مقاربة الفتنة والوقوع فيها
ومن هؤلاء من قارب الفتنة فوقع فيها ولم تنفعه دعوى الصبر والمجاهدة، والحديث بإسناد عن إدريس بن إدريس قال: حضرت بمصر قوما من الصوفية، ولهم غلام أمرد يغنيهم قال: فغلب على رجل منهم أمره فلم يدر ما يصنع فقال: يا هذا قل لا إله إلا الله، فقال الغلام لا إله إلا الله فقال: أقبل الفم الذي قال لا إله إلا الله.
(القسم السادس) قوم لم يقصدوا صحبة المردان وإنما يتوب الصبي ويتزهد ويصحبهم على طريق الإرادة
فلبس إبليس عليهم ويقول لا تمنعوه من الخير ثم يتكرر نظرهم إليه لا عن قصد فيثير في القلب الفتنة إلى ان ينال الشيطان منهم قدر ما يمكنه.
وربما وثقوا بدينهم فاستفزهم الشيطان فرماهم إلى أقصى المعاصي كما فعل ببرصيصا.
стр. 327
قال المصنف ﵀: وقد ذكرنا قصته في أول الكتاب وغلطهم من جهة تعرضهم بالفتن وصحبة من لا يؤمن الفتنة في صحبته.
(القسم السابع) قوم علموا أن صحبة المردان والنظر إليهم لا يجوز غير أنهم لم يصبروا عن ذلك.
والحديث بإسناد عن الرازي يقول: قال يوسف بن الحسين: كل ما رأيتموني أفعله فافعلوه إلا صحبة الأحداث فإنها أفتن الفتن.
ولقد عاهدت ربي أكثر من مائة مرة أن لا أصحب حدثا ففسخها علي حسن الخدود وقوام القدود وغنج العيون وما سألني الله معهم عن معصية.
وأنشد صريع الغواني في معنى ذلك شعرا:
إن ورد الخدود والحدق النجل … وما في الثغور من أقحوان
واعوجاج الأصداع في ظاهر الخد … وما في الصدور من رمان
تركتني بين الغواني صريعا … فلهذا أدعى صريع الغواني
قال المصنف ﵀: قلت، هذا الرجل قد فضح نفسه في شيء ستره الله عليه وأخبر أنه كلما رأى فتنة نقض التوبة فأين عزائم التصوف في حمل النفس على المشاق ثم ظن بجهله أن المعصية هي الفاحشة فقط ولو كان له علم لعلم أن صحبتهم والنظر إليهم معصية.
فانظر إلى الجهل كيف يصنع بأربابه.
والحديث بإسناد عن محمد بن عمر أنه قال: حكي لي عن أبي مسلم الخمشوعي أنه نظر إلى غلام جميل فأطال.
ثم قال: سبحان الله ما أهجم طرفي عن مكروه نفسه وأدمنه على سخط سيده وأغراه بما قد نهي عنه وأبهجه بالأمر الذي قد حزر عنه.
لقد نظرت إلى هذا نظرا لا أحسب إلا أنه سيفضحني عند جميع من عرفني في عرصات القيامة ولقد تركني نظري هذا وأنا أستحي من الله تعالى وإن غفر لي ثم صعق.
وبإسناد عن أبي بكر محمد بن عبد يقول: سمعت أبا الحسين النوري يقول: رأيت غلاما جميلا ببغداد فنظرت إليه ثم أردت أن
стр. 328
أردد النظر فقلت له تلبسون النعال الصرارة، وتمشون في الطرقات فقال أحسنت الحشر بالعلم.
فائدة العلم
وكل من فاته العلم تخبط فإن حصل له وفاته العلم به كان أشد تخبيطا.
ومن استعمل أدب الشرع في قوله : ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ سلم في البداية بما صعب أمره في النهاية، وقد ورد الشرع بالنهي عن مجالسة المردان وأوصى العلماء بذلك.
والحديث بإسناده عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجالسوا أبناء الملوك فإن النفوس تشتاق إليهم ما لا تشتاق إلى الجواري العواتق».
والحديث بإسناده عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لا تملأوا أعينكم من أولاد الملوك فإن لهم فتنة أشد من فتنة العذارى» والحديث بإسناد عن الشعبي قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاة فأجلسه النبي ﵊ وراء ظهره وقال: «كانت خطيئة داود ﵇ النظر».
وعن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الأمرد.
وقال عمر بن الخطاب: ما أتى على عالم من سبع ضار أخوف عليه من غلام أمرد.
وبإسناد عن الحسن بن ذكوان أنه قال: لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء وهم أشد فتنة من العذارى.
وبإسناد عن محمد بن حمير عن النجيب السري قال: كان يقال لا يبيت الرجل في بيت مع المرد.
стр. 329
وبإسناد عن عبد العزيز بن أبي السائب عن أبيه قال: لأنا أخوف على عابد من غلام من سبعين عذراء.
وعن أبي علي الروزباري قال: سمعت جنيدا يقول: جاء رجل إلى أحمد بن حنبل ومعه غلام حسن الوجه فقال له: من هذا؟ قال: ابني.
فقال أحمد: لا تجئ به معك مرة أخرى.
فلما قام قال له محمد بن عبد الرحمن الحافظ وفي رواية الخطيب فقيل له: أيد الله الشيخ إنه رجل مستور، وابنه أفضل منه.
فقال أحمد: الذي قصدنا إليه من هذا الباب ليس يمنع منه سترهما على هذا رأينا أشياخنا وبه أخبرونا عن أسلافهم.
وبإسناد عن أبي بكر المروزي قال: جاء حسن البزار إلى أحمد بن حنبل ومعه غلام حسن الوجه فتحدث معه فلما أراد أن ينصرف قال له أبو عبد الله يا أبا علي: لا تمش مع هذا الغلام في طريق.
فقال له: إنه ابن أختي.
قال: وإن كان لا يهلك الناس فيك.
وبإسناد من شجاع بن مخلد أنه سمع بشر بن الحارث يقول: احذروا هؤلاء الأحداث.
وبإسناد عن فتح الموصلي أنه قال: صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الأبدال كلهم أوصوني عند فراقي لهم أتقي معاشرة الأحداث.
وبإسناد عن الحلبي أنه يقول: نظر سلام الأسود إلى رجل ينظر إلى حدث فقال له: يا هذا، ابق على جاهك عند الله، فإنك لا تزال ذا جاه ما دمت له معظما.
وبإسناد عن أبي منصور عبد القادر بن طاهر يقول: من صحب الأحداث وقع في الأحداث.
وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال مظفر القرميسيني: من صحب الأحداث على شرط السلامة والنصيحة أداه ذلك إلى البلاء، فكيف بمن يصحبهم على غير وجه السلامة.
الإعراض عن المرد
وقد كان السلف يبالغون في الإعراض عن المرد.
وقد روينا عن رسول الله ﷺ أنه أجلس الشاب الحسن الوجه وراء ظهره والحديث بإسناد عن عطاء بن
стр. 330
مسلم قال: كان سفيان لا يدع أمردا يجالسه.
وروى إبراهيم بن هانئ عن يحيى بن معين قال: ما طمع أمرد بصحبتي.
ولأحمد بن حنبل قال في طريق.
وبإسناد عن أبي يعقوب قال: كنا مع أبي نصر بن الحرث فوقفت عليه جارية ما رأينا أحسن منها فقالت: يا شيخ أين مكان باب حرب.
فقال لها: هذا الباب الذي يقال له باب حرب.
ثم جاء بعدها غلام ما رأينا أحسن منه، فسأله فقال: يا شيخ، أين مكان باب حرب فأطرق الشيخ رأسه.
فرد عليه الغلام السؤال وغمض عينيه فقلنا للغلام: تعال إيش تريد؟ فقال: باب حرب.
فقلنا له: هاهو بين يديك.
فلما غاب قلنا للشيخ: يا أبا نصر جاءتك جارية فأجبتها وكلمتها وجاءك غلام فلم تكلمه.
فقال: نعم يروى عن سفيان الثوري أنه قال: مع الجارية شيطان، ومع الغلام شيطانان فخشيت على نفسي من شيطانيه.
وبإسناد عن عبد الله بن المبارك يقول: دخل سفيان الثوري الحمام فدخل عليه غلام صبيح فقال: أخرجوه أخرجوه، فإني أرى مع كل امرأة شيطانا، ومع كل غلام عشرة شياطين.
وبإسناد عن محمد بن أحمد بن أبي القسم قال: دخلنا على محمد بن الحسين صاحب يحيى بن معين وكان يقال أنه ما رفع رأسه إلى السماء منذ أربعين سنة، وكان معنا غلام حدث في المجلس بين يديه، فقال له: قم من حذائي.
فأجلسه من خلفه.
وبإسناد عن أبي أمامة قال: وكنا عند شيخ يقرئ فبقي عند غلام يقرأ عليه فردت الانصراف فأخذ بثوبي وقال: اصبر حتى يفرغ هذا الغلام، وكره أن يخلو مع هذا الغلام.
وبإسناد عن أبي الروزباري قال: قال لي أبو العباس أحمد المؤدب: يا أبا علي من أين أخذ صوفية عصرنا هذا الأنس بالأحداث؟ فقلت له: يا سيدي أنت بهم أعرف، وقد تصحبهم السلامة لي كثير من الأمور.
فقال: هيهات قد رأينا من كان أقوى إيمانا منهم إذا رأى الحدث قد أقبل فر كفراره من الزحف وإنما ذلك حسب الأوقات التي تغلب الأحوال على أهلها فتأخذها عن تصرف الطباع ما أكثر الخطر ما أكثر الغلط.
صحبة الأحداث
وصحبة الأحداث أقوى حبائل إبليس التي يصيد بها الصوفية.
أخبرنا ابن
стр. 331
ناصر عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا بكر الرازي يقول: قال يوسف بن الحسين: نظرت في آفات الخلق فعرفت من أين أتوا ورأيت آفة الصوفية في صحبة الأحداث ومعاشرة الأضداد والرفاق النسوان.
وبإسناد عن ابن الفرج الرستمي الصوفي يقول: رأيت إبليس في النوم فقلت له: كيف رأيتنا أعرضنا عن الدنيا ولذاتها وأموالها، فليس لك إلينا طريق.
فقال: كيف رأيت ما اشتملت به قلوبكم باستماع الغناء ومعاشرة الأحداث.
وبإسناد عن ابن سعيد الخراز يقول: رأيت إبليس في النوم يمرغني ناحية فقلت: تعال.
فقال: إيش أعمل بكم، أنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس.
قلت: ما هو؟ قال: الدنيا.
فلما ولى التفت إلي فقال: غير أن فيكم لطيفة.
قلت: وما هي؟ قال: صحبة الأحداث.
قال أبو سعيد وقل من يتخلص منها من الصوفية.
عقوبة النظر إلى المردان
في عقوبة النظر إلى المردان، عن أبي عبد الله بن الجلاء قال: كنت أنظر إلى غلام نصراني حسن الوجه، فمر بي أبو عبد الله البلخي فقال: إيش وقوفك؟ فقلت: يا عم، أما ترى هذه الصورة كيف تعذب بالنار؟ فضرب بيده بين كتفي وقال: لتجدن غبها ولو بعد حين.
قال: فوجدت غبها بعد أربعين سنة أن أنسيت القرآن.
وبإسناد عن أبي الأديان قال: كنت مع أستاذي وأبي بكر الدقاق فمر حدث فنظرت إليه فرآني أستاذي وأنا أنظر إليه فقال: يا بني، لتجدن غبه ولو بعد حين.
فبقيت عشرين سنة وأنا أراعي فما أجد ذلك الغب فنمت ذات ليلة وأنا مفكر فيه فأصبحت وقد أنسيت القرآن كله.
وعن أبي بكر الكتاني قال: رأيت بعض أصحابنا في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: عرض علي سيئاتي وقال: فعلت كذا وكذا فقلت نعم.
ثم قال وفعلت كذا وكذا فاستحييت أن أقره فقلت: إني أستحي أن أقر.
стр. 332
فقال: إني غفرت لك بما أقررت فكيف بما استحييت.
فقلت له: ما كان ذلك الذنب؟ فقال: مر بي غلام حسن الوجه فنظرت إليه.
وقد روي نحو هذه الحكاية عن أبي عبد الله الزراد أنه رؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال غفر لي كل ذنب أقررت به في الدنيا إلا واحدا فاستحييت أن أقر به فوقفني في العرق حتى سقط لحم وجهي.
فقيل له: ما الذنب؟ فقال: نظرت إلى شخص جميل.
وقد بلغنا عن أبي يعقوب الطبري أنه قال: كان معي شاب حسن الوجه يخدمني فجاءني إنسان من بغداد صوفي، فكان كثير الالتفات إلى ذلك الشاب فكنت أجد عليه لذلك فنمت ليلة من الليالي فرأيت رب العزة في المنام فقال: يا أبا يعقوب لم لم تنهه؟ وأشار إلى البغدادي عن النظر إلى الأحداث فوعزتي إني لا أشغل بالأحداث إلا من باعدته عن قربي.
قال أبو يعقوب: فانتبهت وأنا أضطرب فحكيت الرؤيا للبغدادي فصاح صيحة ومات فغسلناه ودفناه.
واشتغل عليه قلبي فرأيته بعد شهر في النوم فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: وبخني حتى خفت ألا أنجو ثم عفا عني.
قلت: إنما مددت النفس يسيرا في هذا الباب لأنه مما تعم به البلوى عند الأكثرين فمن أراد الزيادة فيه وفيما يتعلق بإطلاق البصر وجميع أسباب الهوى فلينظر في كتابنا المسمى بذم الهوى ففيه غاية المراد في جميع ذلك.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ادعاء التوكل وقطع الأسباب وترك الاحتراز في الأموال
أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي بإسناد عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: لو توكلنا على الله تعالى ما بنينا الحيطان ولا جعلنا لباب الدار غلقا مخافة اللصوص.
وبإسناد عن ذي النون المصري أنه قال: سافرت سنين وما صح لي التوكل إلا وقتا واحدا ركبت البحر فكسر المركب فتعلقت بخشبة من خشب المركب فقالت لي نفسي: إن حكم الله عليك بالغرق فما تنفعك هذه الخشبة.
فخليت الخشبة فطفت على الماء فوقعت على الساحل.
стр. 333
أخبرنا محمد قال: سألت أبا يعقوب الزيات عن مسألة في التوكل فأخرج درهما كان عنده ثم أجابني.
فأعطي التوكل حقه ثم قال: استحييت أن أجيبك وعندي شيء.
وذكر أبو نصر السراج في كتاب اللمع قال: جاء رجل إلى عبد الله بن الجلاء فسأله عن مسألة في التوكل وعنده جماعته فلم يجبه ودخل البيت فأخرج إليهم صرة فيها أربعة دوانق فقال: اشتروا بهذه شيئا.
ثم أجاب الرجل عن سؤاله.
فقيل له في ذلك فقال: استحييت من الله تعالى أن أتكلم في التوكل وعندي أربعة دوانق.
وقال سهل بن عبد الله: من طعن في الاكتساب فقد طعن على السنة ومن طعن على التوكل فقد طعن على الإيمان.
قال المصنف: قلت، قلة العلم أوجبت هذا التخطيط، ولو عرفوا ماهية التوكل لعلموا أنه ليس بينه وبين الأسباب تضاد.
وذلك أن التوكل اعتماد القلب على الوكيل وحده وذلك لا يناقض حركة البدن في التعلق بالأسباب ولا ادخار المال.
فقد قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ أي قواما لأبدانكم وقال ﷺ : «نعم المال الصالح مع الرجل الصالح».
وقال ﷺ : «إنك تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس».
واعلم أن الذي أمر بالوكل أمر بأخذ الحذر، فقال: ﴿خذوا حذركم﴾ وقال: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ وقال: ﴿أن أسر بعبادي﴾ وقد ظاهر رسول الله ﷺ بين درعين وشاور طبيبين واختفى في الغار.
وقال: من يحرسني الليلة.
وأمر بغلق الباب.
وفي الصحيحين من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: «أغلق بابك».
وقد أخبرنا أن التوكل لا ينافي الاحتراز.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي نا عبد الله بن يحيى الموصلي
стр. 334
ونصر بن أحمد قالا أخبرنا أبو الحسين بن بشران ثنا الحسين بن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثني أبو جعفر الصيرفي ثنا يحيى بن سعيد ثنا المغيرة بن أبي قرة السدوسي قال سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: جاء رجل إلى النبي ﷺ وترك ناقته بباب المسجد فسأله رسول الله ﷺ عنها فقال: أطلقتها وتوكلت على الله.
قال: «اعقلها وتوكل».
أخبرنا ابن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا إبراهيم بن محمد بن جعفر نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر ثنا أبو بكر الخلال أخبرني حرب بن إسماعيل الكرماني ثني عبد الرحمن بن محمد بن سلام ثنا الحسين بن زياد المروزي قال سمعت سفيان بن عيينة يقول: تفسير التوكل أن يرضى بما يفعل به.
وقال ابن عقيل يظن أقوام أن الاحتياط والاحتراز ينافي التوكل.
وإن التوكل هو إهمال العواقب وإطراح التحفظ وذلك عند العلماء هو العجز والتفريط الذي يقتضي من العقلاء التوبيخ والتهجين ولم يأمر الله بالتوكل إلا بعد التحرز واستفراغ الوسع في التحفظ.
فقال تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ فلو كان التعلق بالاحتياط قادحا في التوكل لما خص الله نبيه حين قال له: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ وهل المشاورة إلا استفادة الرأي الذي منه يؤخذ التحفظ والتحرز من العدو ولم يقنع في الاحتياط بأن يكله إلى رأيهم واجتهادهم حتى نص عليه وجعله عملا في نفس الصلاة وهي أخص العبادات.
فقال: ﴿فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم﴾ وبين علة ذلك بقوله تعالى: ﴿ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة﴾ ومن علم أن الاحتياط هكذا لا يقال أن التوكل عليه ترك ما علم.
لكن التوكل التفويض فيما لا وسع فيه ولا طاقة.
قال ﵊: «اعقلها وتوكل» ولو كان التوكل ترك
стр. 335
التحرز لخص به خير الخلق ﷺ في خير الأحوال وهي حالة الصلاة.
وقد ذهب الشافعي ﵀ إلى وجوب حمل السلاح حينئذ لقوله: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾ فالتوكل لا يمنع من الاحتياط والاحتراز فإن موسى ﵇ لما قيل له: ﴿إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ خرج.
ونبينا ﷺ خرج من مكة لخوفه من المتآمرين عليه ووقاه أبو بكر ﵁ بسد أثقاب الغار وأعطى القوم التحرز حقه ثم توكلوا.
وقال في باب الاحتياط: ﴿لا تقصص رؤياك على إخوتك﴾ وقال: ﴿لا تدخلوا من باب واحد﴾ وقال: ﴿فامشوا في مناكبها﴾ وهذا لأن الحركة للذب عن النفس استعمال لنعمة الله تعالى وكما أن الله تعالى يريد إظهار نعمة المبدأة يريد إظهار وداعه فلا وجه لتعطيل ما أودع اعتمادا على ما جاد به.
لكن يجب استعمال ما عندك ثم اطلب ما عنده وقد جعل الله تعالى للطير والبهائم عدة وأسلحة تدفع عنها الشرور كالمخلب والظفر والناب وخلق للآدمي عقلا يقوده إلى حمل الأسلحة ويهديه إلى التحصين بالأبنية والدروع ومن عطل نعمة الله بترك الاحتراز فقد عطل حكمته كمن يترك الأغذية والأدوية ثم يموت جوعا أو مرضا.
ولا أبله ممن يدعي العقل والعلم ويستسلم للبلاء إنما ينبغي أن تكون أعضاء المتوكل في الكسب وقلبه ساكن مفوض إلى الحق منع أو أعطى.
لأنه لا يرى إلا أن الحق لا يتصرف إلا بحكمة ومصلحة.
فمنعه عطاء في المعنى.
وكم زين للعجزة عجوزهم وسولت لهم أنفسهم أن التفريط توكل فصاروا في غرورهم بمثابة من اعتقد التهور شجاعة والخور حزما.
ومتى وضعت أسباب فأهملت كان ذلك جهلا بحكمة الواضع.
مثل وضع الطعام سببا للشبع والماء للري والدواء للمرض.
فإذا ترك الإنسان ذلك إهوانا بالسبب ثم دعا وسأل فربما قيل له قد جعلنا لعافيتك سببا فإذا لم تتناوله كان إهوانا لعطائنا فربما
стр. 336
لم نعافك بغير سبب لإهوانك للسبب وما هذا إلا بمثابة من بين قراحه وماء الساقية رفسه بمسحاة فأخذ يصلي صلاة الاستسقاء طلبا للمطر فإنه لا يستحسن منه ذلك شرعا ولا عقلا.
قال المصنف ﵀: فإن قال قائل كيف أحترز مع القدر قيل له وكيف لا تحترز مع الأوامر من المقدر فالذي قدر هو الذي أمر.
وقد قال تعالى: ﴿وخذوا حذركم﴾ أنبأنا إسماعيل بن أحمد نا عاصم بن الحسين نا ابن بشران ثنا أبو صفوان نا أبو بكر القرشي ثني شريح بن يونس نا علي بن ثابت عن خطاب بن القاسم عن أبي عثمان قال: كان عيسى ﵇ يصلي على رأس جبل فأتاه إبليس فقال: أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر؟ قال: نعم.
قال: فألق نفسك من الجبل وقل قدر علي.
قال: يا لعين الله يختبر العباد وليس للعباد أن يختبروا الله تعالى.
(فصل)
وفي معنى ما ذكرنا من تلبيسه عليهم في ترك الأسباب
أنه قد لبس على خلق كثير منهم بأن التوكل ينافي الكسب.
أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: سمعت محمد بن المنذر يقول سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول: من طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان ومن طعن على الكسب فقط طعن على السنة.
أخبرنا محمد بن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سأل رجل أبا عبد الله بن سالم وأنا أسمع أنحن مستعبدون بالكسب أم بالتوكل؟ فقال: التوكل حال رسول الله ﷺ والكسب سنة رسول الله ﷺ وإنما سن الكسب لمن ضعف عن التوكل وسقط عن درجة الكمال التي هي حاله فمن أطاق التوكل فالكسب غير مباح له بحال إلا كسب معاونة لا كسب اعتماد عليه ومن ضعف عن حال التوكل التي هي
стр. 337
حال رسول الله ﷺ أبيح له طلب المعاش في الكسب لئلا يسقط عن درجة سنته حين سقط عن درجة حاله.
أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم نا أبي قال سمعت محمد بن الحسين قال: سمعت أبا القاسم الرازي يقول: سمعت يوسف بن الحسين قال: إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص والكسب فليس يجيء منه شيء.
قال المصنف ﵀: قلت هذا كلام قوم ما فهموا معنى التوكل وظنوا أنه ترك الكسب وتعطيل الجوارح عن العمل وقد بينا أن التوكل فعل القلب فلا ينافي حركة الجوارح ولو كان كل كاسب ليس بمتوكل لكان الأنبياء غير متوكلين فقد كان آدم ﵇ حراثا ونوح وزكريا نجارين وإدريس خياطا وإبراهيم ولوط زراعين وصالح تاجرا.
وكان سليمان يعمل الخوص وداود يصنع الدرع ويأكل من ثمنه وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة صلوات الله عليهم أجمعين.
وقال نبينا ﷺ : «كنت أرعى غنما لأهل مكة بالقراريط» فلما أغناه الله بما فرض له من الفيء لم يحتج إلى الكسب.
وقد كان أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة رضوان الله عليهم بزازين.
وكذلك محمد بن سيرين وميمون بن مهران بزازين، وكان الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز خزازين، وكذلك أبو حنيفة.
وكان سعد بن أبي وقاص يبري النبل وكان عثمان بن طلحة خياطا.
وما زال التابعون ومن بعدهم يكتسبون ويأمرون بالكسب.
أخبرنا محمد بن أبي طاهر نا أبو محمد الجوهري نا ابن حياة نا أبو الحسن بن معروف نا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا مسلم بن إبراهيم نا هشام الدستوائي قال: حدثنا عطاء بن السائب قال: لما استخلف أبو بكر ﵁ أصبح غاديا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا: أين تريد؟ فقال: السوق.
قالا: تصنع ماذا، وقد وليت أمور المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟.
قال ابن سعد وأخبرنا أحمد بن عبد
стр. 338
الله بن يونس ثنا أبو بكر بن عياش عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال: لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين.
فقال: زيدوني، فإن لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة فزادوه خمسمائة.
قال المصنف ﵀: قلت، لو قال رجل للصوفية من أين أطعم عيالي لقالوا قد أشركت.
ولو سئلوا عمن يخرج إلى التجارة لقالوا ليس بمتوكل ولا موقن وكل هذا لجهلهم بمعنى التوكل واليقين، ولو كان أحد يغلق عليه الباب ويتوكل لقرب أمر دعواهم لكنهم بين أمرين أما الغالب من الناس فمنهم من يسعى إلى الدنيا مستجديا ومنهم من يبعث غلامه فيدور بالزنبيل فيجمع له .. وإما الجلوس في الرباط في هيئة المساكين وقد علم أن الرباط لا يخلو من فتوح كما لا تخلو الدكان من أن يقصد للبيع والشراء.
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو طالب العشاري نا محمد بن عبد الرحمن المخلص نا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري ثنا أبو بكر بن عبيد قال: حدثت عن الهيثم بن خارجة ثنا سهل بن هشام عن إبراهيم بن أدهم قال: كان سعيد بن المسيب يقول: من لزم المسجد وترك الحرفة وقبل ما يأتيه فقد ألحف في السؤال.
أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا: نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ قال: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت جدي إسماعيل بن نجيدي يقول: كان أبو تراب يقول لأصحابه: من لبس منكم مرقعة فقد سأل ومن قعد في خانقاه أو مسجد فقد سأل.
قال المصنف ﵀: قلت، وقد كان السلف ينهون عن التعرض لهذه الأشياء ويأمرون بالكسب.
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا محمد بن علي بن الفتح نا محمد بن عبد الرحمن المخلص نا عبيد الله بن عبد الرحمن الكسري نا أبو بكر بن عبيد القرشي نا عبيد بن الجعد نا المسعودي عن خوات التيمي قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: يا معشر الفقراء ارفعوا رؤوسكم فقد وضح الطريق فاستبقوا الخيرات ولا تكونوا عيالا على المسلمين.
стр. 339
أخبرنا ابن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو القاسم التنوخي وأبو محمد الجوهري وأبو الخير القزويني قالوا نا أبو عمر بن حياة نا محمد بن خلف ثنا أبو جعفر اليماني نا أبو الحسن المدايني عن محمد بن عاصم قال: بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا رأى غلاما فأعجبه سأل عنه هل له حرفة فإن قيل لا قال: سقط من عيني.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد نا عمر بن عبد الله النقال نا أبو الحسين بن بشران نا عثمان بن أحمد الدقاق نا حنبل ثني أبو عبد الله نا معاذ بن هشام ثني أبي قتادة عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في تجر الشام منهم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد.
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك نا جعفر بن أحمد السراج نا عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل الضراب نا ابي أحمد بن مروان المالكي نا أبو القاسم بن الختلي: سألت أحمد بن حنبل وقلت: ما تقول في رجل جلس في بيته أو في مسجده وقال لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي.
فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم أما سمعت قول رسول الله ﷺ .
جعل الله رزقي تحت ظل رمحي، وحديث الآخر في ذكر الطير تغدو خماصا فذكر أنها تغدو في طلب الرزق، قال تعالى: ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾ وقال: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم ولنا القدوة بهم.
وقد ذكرنا فيما مضى عن أحمد أن رجلا قال له: أريد الحج على التوكل فقال له فأخرج في غير القافلة.
قال لا.
قال فعلى جراب الناس توكلت.
أخبرنا ابن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا إبراهيم بن محمد بن جعفر نا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال نا أبو بكر المروزي قال: قلت لأبي عبد الله:
стр. 340
هؤلاء المتوكلة يقولون نقعد وأرزاقنا على الله .
فقال: هذا قول رديء.
أليس قد قال الله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ ثم قال إذا قال لا أعمل وجيء إليه بشيء قد عمل واكتسب لأي شيء يقبله من غيره؟ قال الخلال: وأخبرنا عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن قوم يقولون نتوكل على الله ولا نكتسب فقال: ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله.
ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب.
هذا قول إنسان أحمق.
قال الخلال: وأخبرني محمد بن علي قال ثنا صالح أنه سأل أباه يعني أحمد بن حنبل عن التوكل فقال: التوكل حسن، ولكن ينبغي أن يكتسب ويعمل حتى يغني نفسه وعياله ولا يترك العمل.
قال وسئل أبي وأنا شاهد عن قوم لا يعملون ويقولون نحن المتوكلون فقال هؤلاء مبتدعون.
قال الخلال وأخبرنا المروزي أنه قال لأبي عبد الله أن ابن عيينة كان يقول: هم مبتدعة.
فقال أبو عبد الله هؤلاء قوم سوء يريدون تعطيل الدنيا.
وقال الخلال أخبرنا المروزي قال سألت عبد الله عن رجل جلس في بيته وقال أجلس وأصبر وأقعد في البيت ولا أطلع على ذلك أحدا فقال: لو خرج فاحترف كان أحب إلي فإذا جلس خفت أن يخرجه جلوسه إلى غير هذا قلت إلى أي شيء يخرجه؟ قال: يخرجه إلى أن يكون يتوقع أن يرسل إليه.
قال الخلال: وحدثنا أبو بكر المروزي قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل إني في كفاية.
قال: الزم السوق تصل الرحم وتعود به على عيالك.
وقال لرجل آخر: اعمل وتصدق بالفضل على قرابتك.
وقال أحمد بن حنبل قد أمرتهم يعني أولاده أن يختلفوا إلى السوق وأن يتعرضوا للتجارة.
قال الخلال وأخبرني محمد بن الحسين أن الفضل بن محمد بن زياد حدثهم قال: سمعت أبا عبد الله يأمر بالسوق يقول: ما أحسن الاستغناء عن الناس.
وقال الخلال: وأخبرني يعقوب بن يوسف المطوعي قال: سمعت أبا بكر بن جناد يقول: الجصاصي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أحب الدراهم إلي درهم من تجارة وأكرهها عندي الذي من صلة الإخوان.
стр. 341
قال المصنف ﵀: قلت، وكان إبراهيم بن أدهم يحصد وسلمان الخواص يلقط وحذيفة المرعشي يضرب اللبن، وقال ابن عقيل: التسبب لا يقدح في التوكل لأن تعاطي رتبة ترقي على رتبة الأنبياء نقص في الدين.
ولما قيل لموسى ﵇: ﴿إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ خرج ولما جاع واحتاج إلى عفة نفسه أجر نفسه ثمان سنين.
وقال الله تعالى: ﴿فامشوا في مناكبها﴾ وهذا لأن الحركة استعمال بنعمة الله وهي القوى فاستعمل ما عندك ثم اطلب ما عنده.
وقد يطلب الإنسان من ربه وينسى ما له عنده من الذخائر فإذا تأخر عنه ما يطلبه يسخط.
فترى بعضهم يملك عقارا وأثاثا فإذا ضاق به القوت واجتمع عليه دين فقيل له: لو بعت عقترك.
قال: كيف أفرط في عقاري وأسقط جاهي عند الناس؟ وإنما يفعل هذه الحماقات العادات وإنما قعد أقوام عن الكسب استثقالا له فكانوا بين أمرين قبيحين.
إما تضييع العيال فتركوا الفرائض أو التزين باسم أنه متوكل فيحن عليهم المكتسبون فضيقوا على عيالهم لأجلهم وأعطوهم.
وهذه الرذيلة لم تدخل قط إلا على دنيء النفس الرذيلة وإى فالرجل كل الرجل من لم يضيع جوهره الذي أودعه الله إيثارا للكسل أو لاسم يتزين بن بين الجهال فإن الله تعالى قد يحرم الإنسان المال ويرزقه جوهرا يتسبب به إلى تحصيل الدنيا بقبول الناس عليه.
(فصل)
وقد تشبث القاعدون عن التكسب بتعللات قبيحة.
منها أنهم قالوا لا بد من أن يصل إلينا رزقنا وهذا في غاية القبح فإن الإنسان لو ترك الطاعة وقال لا أقدر بطاعتي أن أغير ما قضى الله علي فإن كنت من أهل الجنة فأنا إلى الجنة أو
стр. 342
من أهل النار فأنا من أهل النار.
قلنا له هذا يرد الأوامر كلها ولو صح لأحد ذلك لم يخرج آدم من الجنة لأنه كان يقول ما فعلت إلا ما قضي علي.
ومعلوم أننا مطالبون بالأمر لا بالقدر.
ومنها أنهم يقولون: أين الحلال حتى نطلب وهذا قول جاهل لأن الحلال لا ينقطع أبدا لقوله تعالى: «الحلال بين والحرام بين» ومعلوم أن الحلال ما أذن الشرع في تناوله وإنما قولهم هذا احتجاج للكسل.
ومنها أنهم قالوا إذا كسبنا أعنا الظلمة والعصاة مثل ما أخبرنا به عمر بن ظفر نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي نا ابن جهضم نا علي بن محمد السيرواني قال سمعت إبراهيم الخواص يقول: طلبت الحلال في كل شيء حتى طلبته في صيد السمك فأخذت قصبة وجعلت فيها شعرا وجلست على الماء فألقيت الشص فخرجت سمكة فطرحتها على الأرض وألقيت الثانية فخرجت لي سمكة فأنا أطرحها ثالثة إذا من ورائي لطمة لا أدري من يد من هي ولا رأيت أحدا وسمعت قائلا يقول: أنت لم تصب رزقا في شيء إلا أن تعمد إلى من يذكرنا فتقتله.
قال: فقطعت الشعر وكسرت القصبة وانصرفت.
أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري ثنا أبي قال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا برك الرازي يقول سمعت أبا عثمان بن الآدمي قال سمعت إبراهيم الخواص يقول: طلبت فقصدت إلخ ما تقدم.
قال المصنف ﵀: قلت، وهذه القصة إن صحت فإن الروايتين بعض من يتهم فإن اللاطم إبليس وهو الذي هتف به لأن الله تعالى أباح الصيد فلا يعاقب على ما أباحه وكيف يقال له تعمد إلى من يذكرنا فتقتله وهو الذي أباح له قتله وكسب الحلال ممدوح ولو تركنا الصيد وذبح الأنعام لأنها تذكر الله تعالى لم يكن لنا ما يقيم قوى الأبدان لأنه لا يقيمها إلا اللحم فالتحري من أخذ السمك وذبح الحيوان مذهب البراهمة فانظر إلى الجهل ما يصنع وإلى إبليس كيف يفعل.
أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا عبد العزيز بن
стр. 343
علي الأزجي ثنا علي بن عبد الله الهمداني ثنا محمد بن جعفر ثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الملك قال سمعت شيخا يكنى أبا تراب يقول: قيل لفتح الموصلي أنت صياد بالشبكة ولم تصد شيئا إلا وتطعمه لعيالك فلم تصد وتبيع ذلك الناس فقال أخاف أن أصطاد مطيعا لله تعالى في جوف الماء فأطعمه عاصيا لله على وجه الأرض.
قال المصنف ﵀: قلت، إن صحت هذه الحكاية عن فتح الموصلي فهو من التعلل البارد المخالف للشرع والعقل لأن الله تعالى أباح الكسب وندب إليه فإذا قال قائل ربما خبزت خبزا فأكله عاص كان حديثا فارغا لأنه لا يجوز لنا إذا أن نبيع الخبز لليهود والنصارى.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك التداوي
قال المصنف ﵀: لا يختلف العلماء أن التداوي مباح وإنما رأى بعضهم أن العزيمة تركه.
وقد ذكرنا كلام الناس في هذا وبينا بما اخترناه في كتابنا لقط المنافع في الطب.
والمقصود ههنا أنا نقول إذا ثبت أن التداوي مباح بالإجماع مندوب إليه عند بعض العلماء فلا يلتفت إلى قول قوم قد رأوا أن التداوي خارج من التوكل لأن الإجماع على أنه لا يخرج من التوكل وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه تداوى وأمر بالتداوي ولم يخرج بذلك من التوكل ولا أخرج من أمره أن يتداوى من التوكل.
وفي الصحيح من حديث عثمان بن عفان ﵁ أن النبي ﷺ رخص إذا اشتكى المحرم عينه أن يضمدها بالصبر.
قال ابن جرير الطبري وفي هذا الحديث دليل على فساد ما يقوله ذوو الغباوة من أهل التصوف والعباد من أن التوكل لا يصح لأحد عالج علة به في جسده بدواء إذ ذاك عندهم طلب العافية من غير من بيده العافية والضر والنفع.
وفي إطلاق النبي ﷺ للمحرم علاج عينه بالصبر لدفع المكروه أدل دليل على أن معنى التوكل غير ما قاله الذين ذكرنا قولهم.
وأن ذلك غير مخرج فاعله من الرضا بقضاء الله كما أن من عرض له كلب الجوع لا يخرجه فزعه إلى الغذاء من التوكل والرضا بالقضاء لأن الله
стр. 344
تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء إلا الموت وجعل أسبابا لدفع الأدواء كما جعل الأكل سببا لدفع الجوع.
وقد كان قادرا أن يحيي خلقه بغير هذا ولكنه خلقهم ذوي حاجة فلا يندفع عنهم أذى الجوع إلا بما جعل سببا لدفعه عنهم فكذا الداء العارض والله الهادي.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك الجمعة والجماعة بالوحدة والعزلة
قال المصنف: كان خيار السلف يؤثرون الوحدة والعزلة عن الناس اشتغالا بالعلم والتعبد إلا أن عزلة القوم لم تقطعهم عن جمعة ولا جماعة ولا عيادة مريض ولا شهود جنازة ولا قيام بحق.
وإنما هي عزلة عن الشر وأهله مخالطة البطالين وقد لبس إبليس على جماعة من المتصوفة فمنهم من اعتزل في جبل كالرهبان يبيت وحده ويصبح وحده ففاتته الجمعة وصلاة الجماعة ومخالطة أهل العلم.
وعمومهم اعتزل في الأربطة ففاتهم السعي إلى المساجد وتوطنوا على فراش الراحة وتركوا الكسب.
وقد قال أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء مقصود الرياضة تفريغ القلب وليس ذلك إلا بخلوه في مكان مظلم وقال فإن لم يكن مكان مظلم فيلف رأسه في جبته أو يتدثر بكساء، أو إزار.
ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد جلال حضرة الربوبية.
قال المصنف ﵀: قلت، انظر إلى هذه الترتيبات والعجب كيف تصدر من فقيه عالم ومن أين له أن الذي يسمعه نداء الحق وأن الذي يشاهده جلال الربوبية؟ وما يؤمنه أن يكون ما يجده من الوساوس والخيالات الفاسدة وهذا الظاهر ممن يستعمل التقلل في المطعم فإنه يغلب عليه الماليخوليا.
وقد يسلم الإنسان في مثل هذه الحالة من الوساوس إلا أنه إذا تغشى بثوبه وغمض عينيه تخايل هذه الأشياء لأن في الدماغ ثلاث قوى: قوة يكون بها التخيل وقوة يكون بها الفكرة وقوة يكون بها الذكر وموضع التخيل البطنان
стр. 345
المقدمان من بطون الدماغ وموضع التفكر البطن الأوسط من بطون الدماغ وموضع الحفظ الموضع المؤخر فإن أطرق الإنسان وغمض عينيه جال الفكر والتخيل فيرى خيالات فيظنها ما ذكر من حضرة جلال الربوبية إلى غير ذلك نعوذ بالله من هذه الوساوس والخيالات الفاسدة.
أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا رزق الله بن عبد الوهاب نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا بكر البجلي يقول سمعت أبا عثمان بن الآدمي قال: كان أبو عبيد التستري إذا كان أول يوم من شهر رمضان يدخل البيت ويقول لامرأته طيني باب البيت وألق إلي كل ليلة من الكوة رغيفا فإذا كان يوم العيد دخلت فوجدت ثلاثين رغيفا في الزاوية ولا أكل ولا شرب ولا يتهيأ لصلاة ويبقى على طهر واحد إلى آخر الشهر.
قال المصنف ﵀: هذه الحكاية عندي بعيدة عن الصحة من وجهين أحدها بقاء الآدمي شهرا لا يحدث بنوم ولا بول ولا غائط ولا ريح: والثاني ترك المسلم صلاة الجمعة والجماعة وهي واجبة لا يحل تركها فإن صحت هذه الحكاية فما أبقى إبليس لهذا في التلبيس بقية.
قال أنبأنا زاهر بن طاهر نا أحمد بن الحسين البيهقي ثنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وسمعت أبا الحسن البوشنجي الصوفي غير مرة يعاتب في ترك الجمعة والجماعة والتخلف عنها فيقول: إن كانت البركة في الجماعة فإن السلامة في العزلة.
النهي عن الانفراد
وقد جاء النهي عن الانفراد الموجب للبعد عن العلم والجهاد للعدو.
أخبرنا ابن الحصين نا أبو علي بن المذهب نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي ثنا أبو المغيرة ثنا معان بن رفاعة ثني علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سرية من سراياه قال فمر رجل بغار فيه شيء من ماء قال فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه وفيه شيء من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا ثم قال: لو أني أتيت نبي الله ﷺ فذكرت له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل فأتاه فقال:
стр. 346
يا نبي الله إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا.
قال: فقال نبي الله ﷺ : «إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة».
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في التخشع ومطأطأة الرأس وإقامة الناموس
قال المصنف ﵀: إذا سكن الخوف القلب أوجب خشوع الظاهر ولا يملك صاحبه دفعه فتراه مطرقا متأدبا متذللا وقد كانوا يجتهدون في ستر ما يظهر منهم من ذلك.
وكان محمد بن سيرين يضحك بالنهار ويبكي بالليل.
ولسنا نأمر العالم بالانبساط بين العوام فإن ذلك يؤذيهم.
فقد روي عن علي ﵁: إذا ذكرتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بضحك فتمجه القلوب ومثل هذا لا يسمى رياء لأن قلوب العوام تضيق عن التأويل للعالم إذا تفسح في المباح فينبغي أن يتلقاهم بالصمت والأدب وإنما المذموم تكلف التخشع والتباكي ومطأطأة الرأس ليرى الإنسان بعين الزهد والتهيؤ للمصافحة وتقبيل اليد وربما قيل له ادع لنا فيتهيأ للدعاء كأنه يستنزل الإجابة وقد ذكرنا عن إبراهيم النخعي أنه قيل له ادع لنا فكره ذلك واشتد عليه.
وقد كان في الخائفين من جمله الخوف على شدة الذل والحياء فلم يرفع رأسه إلى السماء وليس هذا بفضيلة لأنه لا خشوع فوق خشوع رسول الله ﷺ .
وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى قال: كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء.
وهذا دليل على استحباب النظر إلى السماء لأجل الاعتبار بآياتها وقد قال الله تعالى: ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها﴾ وقال: ﴿قل انظروا ماذا في السموات والأرض﴾ وفي هذا رد على المتصوفين فإن أحدهم يبقى سنين لا ينظر إلى السماء.
وقد ضم هؤلاء إلى ابتداعهم الرمز إلى التشبيه ولو علموا أن إطراقهم كرفعهم في باب الحياء من الله
стр. 347
تعالى لم يفعلوا ذلك غير أن ما شغل إبليس إلا التلاعب بالجهلة.
فأما العلماء فهو بعيد عنهم شديد الخوف منهم لأنهم يعرفون جميع أمره ويحترزون من فنون مكره.
أخبرنا محمد بن ناصر وعمر بن ظفر قالا أخبرنا محمد بن الحسن الباقلاني نا القاضي أبو العلاء الواسطي نا أبو نصر أحمد بن محمد نا أبو الخير أحمد بن محمد البزاز ثنا البخاري ثنا إسحاق ثنا محمد بن المفضل ثنا الوليد بن جميع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ منحرفين ولا متماوتين وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم ويذكرون أمر جاهليتهم فإذا أريد أحد منهم على شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون.
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ ثنا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز الحسن بن إسماعيل الضراب نا أبي ثنا أحمد بن مروان ثنا إبراهيم الحربي ثنا محمد بن الحارث عن المدايني عن محمد بن عبد الله القرشي عن أبيه قال: نظر عمر بن الخطاب ﵁ إلى شاب قد نكس رأسه فقال له: يا هذا، ارفع رأسك فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقا على نفاق.
أخبرنا عبد الوهاب نا المبارك بن عبد الجبار نا علي بن أحمد الملطي ثنا أحمد بن محمد بن يوسف ثنا ابن صفوان نا أبو بكر القرشي ثني يعقوب بن إسماعيل قال: قال عبد الله أخبرنا المعتمر عن كهمس بن الحسين أن رجلا تنفس عند عمر بن الخطاب كأنه يتحازن فلكزه عمر أو قال لكمه.
أخبرنا محمد بن ناصر نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي التميمي نا أبو بكر مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أسود بن عامر نا أبو بكر عن عاصم بن كليب الجرمي قال: لقي أبي عبد الرحمن بن الأسود وهو يمشي وكان إذا مشى يمشي جنب الحائط متخشعا هكذا.
وأمال أبو بكر عنقه شيئا فقال أبي: مالك إذا مشيت مشيت إلى جنب الحائط؟ أما والله إن عمر إذا مشي لشديد الوطء على الأرض جهوري الصوت.
стр. 348
أخبرنا محمد بن أبي طاهر نا أبو محمد الجوهري نا ابن حياة نا أبو الحسن بن معروف ثنا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد يرفعه إلى سليمان بن أبي خيثمة عن أبيه قال: قالت الشفا بنت عبد الله ورأت فتيانا يقصرون في المشي ويتكلمون رويدا فقالت: ما هذا؟ قالوا نساك.
قالت: كان والله عمر إذا تكلم أسمع وإذا مشي أسرع وإذا ضرب أوجع وهو الناسك حقا.
قال المصنف ﵀: قلت، وقد كان السلف يسترون أحوالهم ويتصنعون بترك التصنع.
وقد ذكرنا عن أيوب السختياني أنه كان في ثوبه بعض الطوي ليستر حاله.
وكان سفيان الثوري يقول: لا أعتد بما ظهر من عملي.
وقال لصاحب له ورآه يصلي: ما أجرأك، تصلي والناس يرونك.
قال: حدثنا محمد بن ناصر ثنا عبد القادر بن يوسف نا ابن المذهب نا القطيعي ثنا عبد الله بن أحمد ثنا أبو عبد الله يعني السلمي ثنا بقية عن محمد بن زياد قال: مر أبو أمامة برجل ساجد فقال: يا لها من سجدة لو كانت في بيتك.
أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت نا الجوهري ثنا محمد بن العباس ثنا محمد بن القاسم الأنباري ثنا الحارث بن محمد ثنا يحيى بن أيوب ثنا شعيب بن حرب ثنا الحسين بن عمار قال رجل في مجلس الحسن بن عمارة: آه.
فجعل يتبصره ويقول: من هذا حتى ظننا أنه لو عرفه أمر به.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد المقري نا أحمد بن أحمد الحداد ثنا أبو نعيم الحافظ نا أبو عبد الله محمد بن جعفر ثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب ثنا أبو حاتم ثنا حرملة قال: سمعت الشافعي ﵁ يقول:
ودع الذين إذا أتوك تنسكواوإذا خلوا فهم ذئاب خفاف
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو عمر الحسن بن عثمان الواعظ نا جعفر بن محمد الواسطي نا الحسين بن عبد الله الأبرازي قال: سمعت إبراهيم بن سعيد يقول: كنت واقفا على رأس المأمون، فقال لي: يا إبراهيم.
قلت: لبيك.
قال: عشرة من أعمال البر لا يصعد إلى الله والله لا يقبل منها شيء.
قلت: ما هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: بكاء إبراهيم على المنبر،
стр. 349
وخشوع عبد الرحمن بن إسحاق، وتقشف ابن سماعة، وصلاة خيعويه بالليل، وصلاة عباس الضحى، وصيام ابن السندي الاثنين والخميس، وحديث أبي رجاء، وقصص الحاجبي، وصدقة حفصويه وكتاب الشامي ليعلى بن قريش.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك النكاح
قال المصنف: النكاح مع خوف العنت واجب ومن غير خوف العنت سنة مؤكدة عند جمهور الفقهاء.
ومذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل أنه حينئذ أفضل من جميع النوافل لأنه سبب في وجود الولد.
قال ﵊: «تناكحوا تناسلوا» وقال رسول الله ﷺ : «النكاح من سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
أخبرنا محمد بن أبي طاهر نا الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف ثنا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا سليمان بن داود الطيالسي نا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له في ذلك لاختصينا.
قال ابن سعد وأخبرنا ابن عفان نا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك: «أن نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النبي ﵇ عن عمله في السر فأخبروهم فقال بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا أنام الليل على فراش.
وقال بعضهم أصوم ولا أفطر.
فحمد الله النبي ﵊ وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء.
فمن رغب عن سنتي فليس مني».
قال ابن سعد وأخبرنا سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن عطاء بن السايب عن سعيد بن عبيد قال: قال ابن عباس ﵁: «إن خير هذه الأمة كان أكثرها نساء».
قال ابن سعد: وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن قيس ثنا ميذل عن أبي
стр. 350
رجاء الجزري عن عثمان بن خالد بن محمد بن مسلم قال: قال شداد بن أوس: زوجوني، فإن رسول الله ﷺ أوصاني إن لا ألقى الله عزبا.
وأخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا عبد الرزاق نا محمد بن راشد عن مكحول عن رجل عن أبي ذر قال: دخل على رسول الله ﷺ رجل يقال له عكاف بن بشر التميمي الهلالي، فقال له النبي ﷺ : «يا عكاف، هل لك من زوجة؟ قال: لا.
قال: ولا جارية؟ قال: لا.
قال: وأنت موسر بخير؟ قال: وأنا موسر.
قال: أنت إذا من إخوان الشياطين، لو كنت من النصارى لكنت من رهبانهم، إن سنتنا النكاح، شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم، فما للشياطين من سلاح أبلغ في الصالحين من ترك النساء».
أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثني أبي ثني أيوب بن النجار عن طيب بن محمد عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال: «لعن رسول الله ﷺ مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء، والمرتجلات من النساء المتشبهات بالرجال.
والمتبتلين من الرجال الذين يقولون لا نتزوج، والمتبتلات من النساء اللاتي يقلن ذلك».
أخبرنا محمد بن ناصر نا عبد القادر بن محمد قال نا أبو بكر الخياط نا أبو الفتح بن أبي الفوارس نا أحمد بن جعفر الجيلي ثنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق ثنا أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: ليس العزوبة من أمر الإسلام في شيء، النبي ﵊ تزوج أربع عشرة امرأة ومات عن تسع.
ثم قال: لو كان بشر بن الحارث تزوج كان قد تم أمره كله.
لو ترك الناس النكاح لم يغزوا ولم يحجوا ولم يكن كذا ولم يكن كذا وقد كان النبي ﵊ يصبح وما عندهم شيء، وكان يختار النكاح ويحث عليه وينهي عن التبتل فمن رغب عن فعل النبي ﵊ فهو على غير الحق.
ويعقوب ﵇ في حزنه قد تزوج وولد له.
والنبي ﵊ قال: «حبب إلي النساء».
قلت: فإن إبراهيم بن آدم يحكى عنه بأنه قال لروعة صاحب عيال فما قدرت أن أتم الحديث حتى صاح بي وقال: وقعنا في بنيات الطريق، انظر عافاك الله ما كان عليه نبينا محمد ﷺ وأصحابه.
ثم قال:
стр. 351
لبكاء الصبي بين يدي أبيه يطلب منه خبزا أفضل من كذا وكذا، إنى يلحق المتعبد المتعزب المتزوج.
نقد مسالك الصوفية في تركهم النكاح
وقد لبس إبليس على كثير من الصوفية فمنعهم من النكاح فقدماؤهم تركوا ذلك تشاغلا بالتعبد ورأوا النكاح شاغلا عن طاعة الله وهؤلاء وإن كانت بهم حاجة إلى النكاح أو بهم نوع تشوق إليه فقد خاطروا بأبدانهم وأديانهم وإن لم يكن بهم حاجة إليه فأتتهم الفضيلة.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وفي بضع أحدكم صدقة.
قالوا يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا نعم.
قال: وكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» ثم قال: «أفتحتسبون الشر ولا تحتسبون الخير؟».
ومنهم من قال النكاح يوجب النفقة والكسب صعب.
وهذه حجة للترفه عن تعب الكسب.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار أنفقته في الصدقة ودينار أنفقته على عيالك أفضلها الدينار الذي أنفقته على عيالك».
ومنهم من قال: النكاح يوجب الميل إلى الدنيا.
فروينا عن أبي سليمان الداراني أنه قال: إذا طلب الرجل الحديث أو سافر في طلب المعاش أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا.
قال المصنف ﵀: قلت، وهذا كله مخالف للشرع وكيف لا يطلب الحديث والملائكى تضع أجنحتها لطلب العلم.
وكيف لا يطلب المعاش وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: لأن أموت من سعي على رجلي أطلب كفاف وجهي أحب إلي من أن أموت غازيا في سبيل الله.
وكيف لا يتزوج وصاحب الشرع يقول: «تناكحوا تناسلوا».
فما أرى هذه الأوضاع إلا على خلاف
стр. 352
الشرع.
فأما جماعة من متأخري الصوفية فإنهم تركوا النكاح ليقال زاهد والعوام تعظم الصوفي إذا لم يكن له زوجة فيقولون ما عرف امرأة قط فهذه رهبانية تخالف شرعنا.
قال أبو حامد: ينبغي أن لا يشغل المريد نفسه بالتزويج فإنه يشغله عن السلوك ويأنس بالزوجة ومن أنس بغير الله شغل عن الله تعالى.
قال المصنف ﵀: وإني لأعجب من كلامه، أتراه ما علم أن من قصد عفاف نفسه ووجود ولد أو عفاف زوجته فإنه لم يخرج عن جادة السلوك أو يرى الأنس الطبيعي بالزوجة ينافي أنس القلوب بطاعة الله تعالى والله تعالى قد من على الخلق بقوله: ﴿خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾.
وفي الحديث الصحيح عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال له: «هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك» وما كان بالذي ليدله على ما يقطع أنسه بالله تعالى.
أترى رسول الله ﷺ لما كان ينبسط إلى نسائه ويسابق عائشة ﵂ أكان خارجا عن الأنس بالله.
هذه كلها جهالات بالعلم.
محاذير ترك النكاح
واعلم إنه إذا دام ترك النكاح على شبان الصوفية أخرجهم إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول بحبس الماء، فإن المرء إذا طال احتقانه تصاعد إلى الدماغ منه منيه.
قال أبو بكر محمد بن زكريا الرازي: أعرف قوما كانوا كثيري المني فلما منعوا أنفسهم من الجماع لضرب من التفلسف بردت أبدانهم وعسرت
стр. 353
حركاتهم ووقعت عليهم الكآبة بلا سبب وعرضت لهم أعراض الماليخوليا وقلت شهواتهم وهضمهم.
قال: ورأيت رجلا ترك الجماع ففقد شهوة الطعام وصار إن أكل القليل ولم يستمره وتقايأه فلما عاد إلى عادته من الجماع سكنت عنه هذه الأعراض سريعا.
النوع الثاني: الفرار إلى المتروك، فإن منهم خلقا كثيرا صابروا على ترك الجماع فاجتمع الماء فأقلقوا جعوا فلامسوا النساء ولابسوا من الدنيا أضعاف ما فروا منه فكانوا كمن أطال الجوع ثم أكل ما ترك في ومن الصبر.
النوع الثالث: الانحراف إلى صحبة الصبيان، فإن قوما منهم أيسوا من النكاح فأقلقهم ما اجتمع عندهم فصاروا يرتاحون إلى صحبة المرد.
(فصل)
وقد لبس على قوم منهم تزوجوا وقالوا إنا لا ننكح شهوة
فإن أرادوا أن الأغلب في طلب النكاح إرادة السنة جاز وإن زعموا أنه لا شهوة لهم في نفس النكاح فمحال ظاهر.
(فصل)
وقد حمل الجهل أقواما فجبوا أنفسهم وزعموا أنهم فعلوا ذلك حياء من الله تعالى
وهذه غاية الحماقة لأن الله تعالى شرف الذكر على الأنثى بهذه الآلة وخلفها لتكون سببا للتناسل والذي يجب نفسه يقول بلسان الحال الصواب ضد هذا ثم قطعهم الآلة لا تزيل شهوة النكاح من النفس فما حصل لهم مقصودهم.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك طلب الأولاد
أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا أخبرنا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله ثنا إسحاق بن أحمد ثنا إبراهيم بن يوسف ثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: الذي يريد الولد أحمق لا
стр. 354
للدنيا ولا للآخرة إن أراد أن يأكل أو ينام أو يجامع نغص عليه وإن أراد أن يتعبد شغله.
قال المصنف ﵀: قلت، وهذا غلط عظيم وبيانه أنه لما كان مراد الله تعالى من إيجاد الدنيا اتصال دوامها إلى أن ينقضي أجلها وكان الآدمي غير ممتد البقاء فيها إلا إلى أمد يسير أخلف الله تعالى منه مثله فحثه على سببه في ذلك تارة من حيث الطبع بإيقاد نار الشهوة وتارة من باب الشرع بقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم﴾ وقول الرسول ﷺ : «تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط» وقد طلب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الأولاد.
فقال تعالى حكاية عنهم: ﴿رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء﴾، ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وتسبب الصالحون إلى وجودهم ورب جماع حدث منه ولد مثل الشافعي وأحمد بن حنبل فكان خيرا من عبادة ألف سنة.
وقد جاءت الأخبار بإثابة المباضعة والإنفاق على الأولاد والعيال ومن يموت له ولد ومن يخلف ولدا بعده فمن أعرض عن طلب الأولاد والتزوج فقد خالف المسنون والأفضل وحرم أجرا جسيما ومن فعل ذلك فإنما يطلب الراحة.
أخبرنا عمر بن ظفر نا جعفر بن أحمد السراج نا أبو القاسم الأزجي ثنا ابن جهضم ثنا الخلدي قال سمعت الجنيد يقول: الأولاد عقوبة شهوة الحلال فما ظنكم بعقوبة شهوة الحرام؟.
قال المصنف ﵀: وهذا غلط، فإن تسمية المباح عقوبة لا يحسن لأنه لا يباح شيء ثم يكون ما تجدد منه عقوبة ولا يندب إلى شيء إلا وحاصله مثوبة.
стр. 355
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الأسفار والسياحة
قد لبس إبليس على خلق كثير منهم فأخرجهم إلى السياحة لا إلى مكان معروف ولا إلى طلب علم وأكثرهم يخرج على الوحدة ولا يستصحب زادا ويدعي بذلك الفعل التوكل فكم تفوته من فضيلة وفريضة وهو يرى أنه في ذلك على طاعة وأنه يقرب بذلك من الولاية وهو من العصاة المخالفين لسنة رسول الله ﷺ .
وأما السياحة والخروج لا إلى مكان مقصود فقد نهى رسول الله ﷺ عن السعي في الأرض في غير أرب حاجة.
أخبرنا محمد بن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار نا إبراهيم بن عمر البرمكي نا ابن حياة نا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري قال: سمعت أبا محمد بن قتيبة يقول: ثني محمد بن عبيد عن معاوية عن عمرو عن أبي إسحاق عن سفيان عن ابن جريح عن مسلم عن طاوس أن رسول الله ﷺ قال: «لا زمام ولا خزام ولا رهبانية ولا تبتل ولا سياحة في الإسلام».
قال ابن قتيبة: الزمام في الأنف والخزام حلقة من شعر يجعل في أحد جانبي المنخرين.
وأراد ﷺ ما كان عباد بني إسرائيل يفعلونه من خزم التراقي وزم الأنوف والتبتل ترك النكاح والسياحة مفارقة الأمصار والذهاب في الأرض.
وروى أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله، إئذن لي في السياحة، فقال النبي ﷺ : «إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله».
قال المصنف ﵀: وقد ذكرنا فيما تقدم من حديث ابن مظعون إنه قال: يا رسول الله: إن نفسي تحدثني بأن أسيح في الأرض.
فقال النبي ﷺ له: «مهلا يا عثمان فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله والحج والعمرة».
وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن الرجل
следующие страницы →