Полный текст (479 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
لبكاء الصبي بين يدي أبيه يطلب منه خبزا أفضل من كذا وكذا، إنى يلحق المتعبد المتعزب المتزوج.
نقد مسالك الصوفية في تركهم النكاح
وقد لبس إبليس على كثير من الصوفية فمنعهم من النكاح فقدماؤهم تركوا ذلك تشاغلا بالتعبد ورأوا النكاح شاغلا عن طاعة الله وهؤلاء وإن كانت بهم حاجة إلى النكاح أو بهم نوع تشوق إليه فقد خاطروا بأبدانهم وأديانهم وإن لم يكن بهم حاجة إليه فأتتهم الفضيلة.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وفي بضع أحدكم صدقة.
قالوا يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا نعم.
قال: وكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» ثم قال: «أفتحتسبون الشر ولا تحتسبون الخير؟».
ومنهم من قال النكاح يوجب النفقة والكسب صعب.
وهذه حجة للترفه عن تعب الكسب.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار أنفقته في الصدقة ودينار أنفقته على عيالك أفضلها الدينار الذي أنفقته على عيالك».
ومنهم من قال: النكاح يوجب الميل إلى الدنيا.
فروينا عن أبي سليمان الداراني أنه قال: إذا طلب الرجل الحديث أو سافر في طلب المعاش أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا.
قال المصنف ﵀: قلت، وهذا كله مخالف للشرع وكيف لا يطلب الحديث والملائكى تضع أجنحتها لطلب العلم.
وكيف لا يطلب المعاش وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: لأن أموت من سعي على رجلي أطلب كفاف وجهي أحب إلي من أن أموت غازيا في سبيل الله.
وكيف لا يتزوج وصاحب الشرع يقول: «تناكحوا تناسلوا».
فما أرى هذه الأوضاع إلا على خلاف
стр. 352
الشرع.
فأما جماعة من متأخري الصوفية فإنهم تركوا النكاح ليقال زاهد والعوام تعظم الصوفي إذا لم يكن له زوجة فيقولون ما عرف امرأة قط فهذه رهبانية تخالف شرعنا.
قال أبو حامد: ينبغي أن لا يشغل المريد نفسه بالتزويج فإنه يشغله عن السلوك ويأنس بالزوجة ومن أنس بغير الله شغل عن الله تعالى.
قال المصنف ﵀: وإني لأعجب من كلامه، أتراه ما علم أن من قصد عفاف نفسه ووجود ولد أو عفاف زوجته فإنه لم يخرج عن جادة السلوك أو يرى الأنس الطبيعي بالزوجة ينافي أنس القلوب بطاعة الله تعالى والله تعالى قد من على الخلق بقوله: ﴿خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾.
وفي الحديث الصحيح عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال له: «هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك» وما كان بالذي ليدله على ما يقطع أنسه بالله تعالى.
أترى رسول الله ﷺ لما كان ينبسط إلى نسائه ويسابق عائشة ﵂ أكان خارجا عن الأنس بالله.
هذه كلها جهالات بالعلم.
محاذير ترك النكاح
واعلم إنه إذا دام ترك النكاح على شبان الصوفية أخرجهم إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول بحبس الماء، فإن المرء إذا طال احتقانه تصاعد إلى الدماغ منه منيه.
قال أبو بكر محمد بن زكريا الرازي: أعرف قوما كانوا كثيري المني فلما منعوا أنفسهم من الجماع لضرب من التفلسف بردت أبدانهم وعسرت
стр. 353
حركاتهم ووقعت عليهم الكآبة بلا سبب وعرضت لهم أعراض الماليخوليا وقلت شهواتهم وهضمهم.
قال: ورأيت رجلا ترك الجماع ففقد شهوة الطعام وصار إن أكل القليل ولم يستمره وتقايأه فلما عاد إلى عادته من الجماع سكنت عنه هذه الأعراض سريعا.
النوع الثاني: الفرار إلى المتروك، فإن منهم خلقا كثيرا صابروا على ترك الجماع فاجتمع الماء فأقلقوا جعوا فلامسوا النساء ولابسوا من الدنيا أضعاف ما فروا منه فكانوا كمن أطال الجوع ثم أكل ما ترك في ومن الصبر.
النوع الثالث: الانحراف إلى صحبة الصبيان، فإن قوما منهم أيسوا من النكاح فأقلقهم ما اجتمع عندهم فصاروا يرتاحون إلى صحبة المرد.
(فصل)
وقد لبس على قوم منهم تزوجوا وقالوا إنا لا ننكح شهوة
فإن أرادوا أن الأغلب في طلب النكاح إرادة السنة جاز وإن زعموا أنه لا شهوة لهم في نفس النكاح فمحال ظاهر.
(فصل)
وقد حمل الجهل أقواما فجبوا أنفسهم وزعموا أنهم فعلوا ذلك حياء من الله تعالى
وهذه غاية الحماقة لأن الله تعالى شرف الذكر على الأنثى بهذه الآلة وخلفها لتكون سببا للتناسل والذي يجب نفسه يقول بلسان الحال الصواب ضد هذا ثم قطعهم الآلة لا تزيل شهوة النكاح من النفس فما حصل لهم مقصودهم.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك طلب الأولاد
أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا أخبرنا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله ثنا إسحاق بن أحمد ثنا إبراهيم بن يوسف ثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: الذي يريد الولد أحمق لا
стр. 354
للدنيا ولا للآخرة إن أراد أن يأكل أو ينام أو يجامع نغص عليه وإن أراد أن يتعبد شغله.
قال المصنف ﵀: قلت، وهذا غلط عظيم وبيانه أنه لما كان مراد الله تعالى من إيجاد الدنيا اتصال دوامها إلى أن ينقضي أجلها وكان الآدمي غير ممتد البقاء فيها إلا إلى أمد يسير أخلف الله تعالى منه مثله فحثه على سببه في ذلك تارة من حيث الطبع بإيقاد نار الشهوة وتارة من باب الشرع بقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم﴾ وقول الرسول ﷺ : «تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط» وقد طلب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الأولاد.
فقال تعالى حكاية عنهم: ﴿رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء﴾، ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وتسبب الصالحون إلى وجودهم ورب جماع حدث منه ولد مثل الشافعي وأحمد بن حنبل فكان خيرا من عبادة ألف سنة.
وقد جاءت الأخبار بإثابة المباضعة والإنفاق على الأولاد والعيال ومن يموت له ولد ومن يخلف ولدا بعده فمن أعرض عن طلب الأولاد والتزوج فقد خالف المسنون والأفضل وحرم أجرا جسيما ومن فعل ذلك فإنما يطلب الراحة.
أخبرنا عمر بن ظفر نا جعفر بن أحمد السراج نا أبو القاسم الأزجي ثنا ابن جهضم ثنا الخلدي قال سمعت الجنيد يقول: الأولاد عقوبة شهوة الحلال فما ظنكم بعقوبة شهوة الحرام؟.
قال المصنف ﵀: وهذا غلط، فإن تسمية المباح عقوبة لا يحسن لأنه لا يباح شيء ثم يكون ما تجدد منه عقوبة ولا يندب إلى شيء إلا وحاصله مثوبة.
стр. 355
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الأسفار والسياحة
قد لبس إبليس على خلق كثير منهم فأخرجهم إلى السياحة لا إلى مكان معروف ولا إلى طلب علم وأكثرهم يخرج على الوحدة ولا يستصحب زادا ويدعي بذلك الفعل التوكل فكم تفوته من فضيلة وفريضة وهو يرى أنه في ذلك على طاعة وأنه يقرب بذلك من الولاية وهو من العصاة المخالفين لسنة رسول الله ﷺ .
وأما السياحة والخروج لا إلى مكان مقصود فقد نهى رسول الله ﷺ عن السعي في الأرض في غير أرب حاجة.
أخبرنا محمد بن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار نا إبراهيم بن عمر البرمكي نا ابن حياة نا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري قال: سمعت أبا محمد بن قتيبة يقول: ثني محمد بن عبيد عن معاوية عن عمرو عن أبي إسحاق عن سفيان عن ابن جريح عن مسلم عن طاوس أن رسول الله ﷺ قال: «لا زمام ولا خزام ولا رهبانية ولا تبتل ولا سياحة في الإسلام».
قال ابن قتيبة: الزمام في الأنف والخزام حلقة من شعر يجعل في أحد جانبي المنخرين.
وأراد ﷺ ما كان عباد بني إسرائيل يفعلونه من خزم التراقي وزم الأنوف والتبتل ترك النكاح والسياحة مفارقة الأمصار والذهاب في الأرض.
وروى أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله، إئذن لي في السياحة، فقال النبي ﷺ : «إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله».
قال المصنف ﵀: وقد ذكرنا فيما تقدم من حديث ابن مظعون إنه قال: يا رسول الله: إن نفسي تحدثني بأن أسيح في الأرض.
فقال النبي ﷺ له: «مهلا يا عثمان فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله والحج والعمرة».
وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن الرجل
стр. 356
يسيح يتعبد أحب إليك أو المقيم في الأمصار؟ قال: ما السياحة من الإسلام في شيء ولا من فعل النبيين والصالحين.
نقد مسالك الصوفية في السياحة
وأما الخروج على الوحدة فقد نهى رسول الله ﷺ أن يسافر الرجل وحده.
فأخبرنا عبد الرحمن بن محمد نا أحمد بن علي بن ثابت نا محمد بن الطيب الصباغ نا أحمد بن سليمان النجاد ثنا يحيى بن جعفر بن أبي طالب ثنا علي بن عاصم ثنا عبد الرحمن بن يزيد ثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «الراكب شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب».
أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أيوب بن النجار عن طيب بن محمد عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال: «لعن رسول الله ﷺ راكب الفلاة وحده».
المشي في الليل
وقد يمشون بالليل أيضا على الوحدة.
وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك.
وأخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا محمد بن عبيد ثنا عاصم عن أبيه عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما سار أحد وحده بليل أبدا».
قال عبد الله: وحدثني أبي ثنا محمد بن أبي عدي ثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن عطاء بن يسار عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أقلوا الخروج إذا هدأت الرجل فإن الله تعالى يبث في خلقه ما شاء».
قال المصنف ﵀: وفيهم من جعل دأبه السفر والسفر لا يراد لنفسه.
قال النبي ﷺ : «السفر قطعة من العذاب، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله».
فمن جعل دأبه السفر فقد جمع بين تضييع العمر
стр. 357
وتعذيب النفس وكلاهما مقصود فاسد.
أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم ثنا أبي قال: سمعت محمد بن أبي الطيب العكي يقول: سمعت أبا الحسن المصري يقول: سمعت أبا حمزة الخراساني يقول: كنت قد بقيت محرما في عباء أسافر كل سنة ألف فرسخ تطلع الشمس علي وتغرب كلما أحللت أحرمت.
ذكر تلبيسه عليهم في دخول الفلاة بغير زاد
قال المصنف ﵀: قد لبس على خلق كثير منهم فأوهمهم أن التوكل ترك الزاد وقد بينا فساد هذا فيما تقدم إلا أنه قد شاع هذا في جهلة القوم، وجاء حمقى القصاص يحكون ذلك عنهم على سبيل المدح لهم به فيتضمن ذلك تحريض الناس على مثل ذلك وبأفعال أولئك ومدح هؤلاء فسدت الأحوال وخفيت على العوام طرق الصواب.
والأخبار عنهم بذلك كثيرة وأنا أذكر منها نبذة.
أنبأنا محمد بن عبد الملك نا أبو بكر نا رضوان بن محمد الدينوري ثنا طاهر بن عبد الله ثنا الفضل بن الفضل الكندي ثني أبو بكر محمد بن عبد الواحد بن جعفر الواسطي ثنا محمد بن السفاح عن علي بن سهل المصري قال: أخبرني فتح الموصلي قال: خرجت حاجا فلما توسطت البادية إذا أنا بغلام صغير فقلت يا عجبا بادية بيداء وأرض قفراء، وغلام صغير فأسرعت فلحقته فسلمت عليه ثم قلت: يا بني إنك غلام صغير لم تجر عليك الأحكام.
قال: يا عم قد مات من كان أصغر مني.
فقلت: وسع الله خطاك فإن الطريق بعيد حتى تلحق المنزل.
فقال: يا عم علي المشي وعلي البلاغ، أما قرأت قوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾.
فقلت له: مالي لا أرى معك لا زادا ولا راحلة؟ فقال: يا عم، زادي يقيني وراحلتي رجائي.
قلت: سألتك عن الخبز
стр. 358
والماء.
قال: يا عم أخبرني لو أن أخا من إخوانك أو صديقا من أصدقائك دعاك إلى منزله أكنت تستحسن أن تحمل معك طعاما فتأكله في منزله؟ فقلت: أزودك.
فقال: إليك عني يا بطال، هو يطعمنا ويسقينا.
قال فتح: فما رأيت صغيرا أشد توكلا منه ولا رأيت كبيرا أشد زهدا منه.
قال المصنف ﵀: بمثل هذه الحكاية تفسد الأمور ويظن أن هذا هو الصواب ويقول الكبير إذا كان الصغير قد فعل هذا فأنا أحق بفعله منه.
وليس العجب من الصبي بل من الذي لقيه كيف لم يعرفه إن هذا الذي يفعله منكر وأن الذي استدعاك أمرك بالتزود من ماله يتزود ولكن مضى على هذا كبار القوم فكيف الصغار.
أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ نا أبو نعيم الأصفهاني قال سمعت محمد بن الحسن بن علي اليعيظي يقول: حضرت أبا عبد الجلاء وقيل له عن هؤلاء الذين يدخلون البادية بلا زاد ولا عدة يزعمون أنهم متوكلون فيموتون في البراري.
فقال: هذا فعل رجال الحق فإن ماتوا فالدية على القاتل.
أخبرنا ابن ناصر أنبأنا أحمد بن علي بن خلف نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت أحمد بن علي يقول: قال رجل لأبي عبد الله بن الجلاء: ما تقول في الرجل يدخل البادية بلا زاد؟ قال: هذا من فعل رجال الله، قال: فإن مات قال: الدية على القاتل.
قال المصنف ﵀: قلت، هذه فتوى جاهل بحكم الشرع إذ لا خلاف بين فقهاء الإسلام أنه لا يجوز دخول البادية بغير زاد وإن فعل ذلك فمات بالجوع فإنه عاص لله تعالى مستحق لدخول النار.
وكذلك إذا تعرض بما غالبه العطب فإن الله جعل النفوس وديعة عندنا، فقال: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ وقد تكلمنا فيما تقدم في وجوب الاحتراز من المؤذي ولو لم يكن المسافر بغير زاد إلا أنه خالف أمر الله في قوله: ﴿وتزودوا﴾.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال: سمعت أبا أحمد الكبير يقول سمعت أبا عبد الله بن خفيف قال: خرجت من شيراز في السفرة الثالثة فتهت في البادية وحدي وأصابني من الجوع والعطش ما
стр. 359
أسقط من أسناني ثمانية وانتثر شعري كله.
قال المصنف ﵀: قلت، هذا قد حكى عن نفسه ما ظاهره طلب المدح على ما فعل والذم لا حق به: أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا عبد الكريم بن هوازن قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت محمد بن عبد الله الواعظ وأخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو عبد الله بن باكويه واللفظ له ثنا أبو الفضل يوسف بن علي البلخي ثنا محمد بن عبد الله أبو حمزة الصوفي قال: إني لأستحي من الله أن أدخل البادية وأنا شبعان وقد اعتقدت التوكل لئلا يكون شبعي زادا تزودته.
قال المصنف ﵀: قلت، وقد سبق الكلام على مثل هذا وإن هؤلاء القوم ظنوا أن التوكل ترك الأسباب.
ولو كان هذا لكان رسول الله ﷺ حين تزود لما خرج إلى الغار قد خرج من التوكل.
وكذلك موسى لما طلب الخضر تزود حوتا.
وأهل الكهف حين خرجوا فاستصحبوا دراهم واستخفوا ما معهم وإنما خفي على هؤلاء معنى التوكل لجهلهم وقد اعتذر لهم أبو حامد.
فقال: لا يجوز دخول المفازة بغير زاد إلا بشرطين أحدهما أن يكون الإنسان قد راض نفسه حيث يمكنه الصبر على الطعام أسبوعا ونحوه والثاني أن يمكنه التقوت بالحشيش ولا تخلو البادية من أن يلقاه آدمي بعد أسبوع أو ينتهي إلى حلة أو حشيش يرجى به وقته.
قال المصنف ﵀: قلت، أقبح ما في هذا القول أنه صدر من فقيه فإنه قد لا يلقى أحدا وقد يضل وقد يمرض فلا يصلح له الحشيش وقد يلقى من لا يطعمه ويتعرض بمن لا يضيفه وتفوته الجماعة قطعا وقد يموت ولا يلبه أحد.
ثم قد ذكرنا ما جاء في الوحدة ثم ما المخرج إلى هذه المحن إن كان يعتمد فيها على عادة أو لقاء شخص والاجتزاء بحشيش وأي فضيلة في هذه الحال حتى
стр. 360
يخاطر فيها بالنفس.
وأين أمر الإنسان أن يتقوت بحشيش ومن فعل هذا من السلف وكأن هؤلاء القوم يجزمون على الله سبحانه هل يرزقهم في البادية.
ومن طلب الطعام في البرية فقد طلب ما لم تجر به العادة ألا ترى، أن قوم موسى ﵇ لما سألوا من بقلها وقثائها وفولها وعدسها وبصلها أوحى الله إلى موسى (أن اهبطوا مصرا) وذلك لأن الذي طلبوه في الأمصار فهؤلاء القوم على غاية الخطأ في مخالفة الشرع والعقل والعمل بموافقات النفس.
أخبرنا محمد بن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا إبراهيم بن محمد بن جعفر الساجي نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر ثنا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال نا الحسن بن أحمد الكرماني ثنا أبو بكر ثنا شبابة ثنا ورقاء عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن متوكلون فيحجون فيأتون إلى مكة فيسألون الناس فأنزل الله : ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾.
أخبرنا أبو المعمر الأنصاري نا يحيى بن عبد الوهاب بن منده نا أبو ظاهر محمد بن أحمد بن عبد الرحيم نا محمد بن حسان ثنا أبو بكر أحمد بن هارون المردنجي ثنا عبد الله بن الأزهر ثنا أسباط ثنا محمد بن موسى الجرجاني قال: سألت محمد بن كثير الصنعاني عن الزهاد الذين لا يتزودون ولا ينتعلون ولا يلبسون الخفاف.
فقال: سألتني عن أولاد الشياطين ولم تسألني عن الزهاد.
فقلت له: فأي شيء الزهد؟ قال: التمسك بالسنة والتشبيه فأصحاب النبي ﷺ .
أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا إبراهيم بن محمد الساجي نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر نا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال نا أحمد بن الحسين بن حسان أن أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن الرجل يريد المفازة بغير زاد فأنكره إنكارا شديدا وقال أف أف لا لا ومد بها صوته إلا بزاد ورفقاء قافلة.
قال الخلال: وقال أبو بكر المروزي:
стр. 361
وجاء رجل إلى أبي عبد الله فقال رجل يريد سفرا أيما أحب إليك يحمل معه زادا أو يتوكل.
فقال له أبو عبد الله: يحمل معه زادا ويتوكل حتى لا يتشرف للناس.
قال الخلال: وأخبرني إبراهيم بن الخليل أن أحمد بن نصر حدثهم أن رجلا سأل أبا عبد الله أيخرج الرجل إلى مكة متوكلا لا يحمل معه شيئا قال: لا يعجبني فمن أين يأكل؟ قال: فيتوكل فيعطيه الناس.
قال: فإذا لم يعطوه، أليس يتشرف لهم حتى يعطوه؟ لا يعجبني هذا.
لم يبلغني أن أحدا من أصحاب النبي ﷺ والتابعين فعل هذا.
قال الخلال.
وأخبرنا محمد بن علي السمسار أن محمد بن موسى بن مسبس حدثهم أن أبا عبد الله سأله رجل فقال: أحج بلا زاد؟ فقال: لا، اعمل واحترف [وأخرج النبي ﷺ زود أصحابه] فقال: فهؤلاء الذين يعرفون ويحجون بلا زادهم على الخطأ.
قال: نعم هم على الخطأ.
قال الخلال: وأخبرني محمد بن أحمد بن جامع الرازي قال: سمعت الحسين الرازي قال شهدت أحمد بن حنبل وجاءه رجل من أهل خراسان فقال له: يا أبا عبد الله، معي درهم أحج بهذا الدرهم؟ فقال له أحمد: اذهب إلى باب الكرخ فاشتر بهذا الدرهم حبا واحمل على رأسك حتى يصير عندك ثلثمائة درهم فحج.
قال: يا أبا عبد الله أما ترى مكاسب الناس؟ قال أحمد: لا تنظر إلى هذا، فإنه من رغب في هذا يريد أن يفسد على الناس معايشهم.
قال: يا أبا عبد الله أنا متوكل.
قال: فتدخل البادية وحدك أو مع الناس؟ قال: لا مع الناس.
قال: كذبت إذن لست بمتوكل فادخل وحدك وإلا فأنت متوكل على جراب الناس.
سياق ما جرى للصوفية في أسفارهم وسياحاتهم من الأفعال المخالفة للشرع
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا أحمد بن
стр. 362
محمد بن مقسم ثني أبو بدر الخياط الصوفي قال سمعت أبا حمزة يقول: سافرت سفرة على التوكل فبينما أنا أسير ذات ليلة والنوم في عيني إذ وقعت في بئر فرأيتني قد حصلت فيها فلم أقدر على الخروج لبعد مرتقاها فجلست فيها فبينما أنا جالس إذ وقف على رأس البئر رجلان فقال أحدهما لصاحبه نجوز ونترك هذه البئر في طريق المسلمين السابلة والمارة، فقال الآخر: فما نصنع؟ قال فبدرت نفسي أن أناديهما فنوديت تتوكل علينا وتشكو بلاءنا إلى سوانا.
فسكت فمضيا ثم رجعا ومعهما شيء فجعلاه على رأسها غطوها به.
فقالت لي نفسي أمنت طمها ولكن حصلت فيها مسجونا.
فمكثت يومي وليلتي فلما كان الغد ناداني شيء يهتف بي ولا أراه تمسك بي شديدا فمددت يدي فوقعت على شيء خشن فتمسكت به فعلاها وطرحني فوق الأرض فإذا هو سبع فلما رأيته لحق نفسي من ذلك ما يلحق من مثله فهتف بي هاتف وهو يقول: يا أبا حمزة استنقذناك من البلاء بالبلاء وكفيناك ما تخاف بما تخاف.
أخبرنا محمد بن ناصر محمد بن أبي نصر الحميدي نا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت محمد بن حسن المحرمي سمعت ابن المالكي يقول: قال أبو حمزة الخراساني: حججت سنة من السنين فينا أنا أمشي في الطريق وقعت في بئر فنازعتني نفسي أن أستغيث فقلت لا والله لا أستغيث فما أتممت هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان فقال أحدهما للآخر تعال نسد رأس هذا البئر في هذا الطريق فأتوا بقصب وبارية فهمهمت فقلت إلى من هو أقرب إليك منهما وسكت حتى طموا رأس البئر فإذا بشيء قد جاء فكشف عن رأس البثر ودلى رجليه وكان يقول في همهمة له تعلق بي فتعلقت به فأخرجني فنظرت فإذا هو سبع فهتف بي هاتف وهو يقول يا أبا حمزة أليس ذا حسن نجيناك من التلف بالتلف.
أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو القاسم رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري قال سمعت أحمد بن محمد بن عبد الله النيسابوري
стр. 363
يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن نعيم يحكي عن أبي حمزة الصوفي الدمشقي أنه لما خرج من البئر أنشد يقول:
نهائي حيائي منك أن أكشف الهوى … فأغنيتني بالقرب منك عن الكشف
ترأيت لي بالغيب حتى كأنني … تبشرني بالغيب إنك في الكف
أراك وبي من هيبتي لك وحشة … وتؤنسني بالعطف منك وباللطف
وتحيئ محبا أنت في الحب حتفه … وذا عجب كون الحياة مع الحتف
قال المصنف ﵀: قلت، اختلفوا في أبي حمزة هذا الواقع في البئر فقال أبو عبد الرحمن السلمي: هو أبو حمزة الخراساني وكان من أقران الجنيد.
وقد ذكرنا في رواية أخرى أنه دمشقي.
وقال أبو نعيم الحافظ: هو أبو حمزة البغدادي واسمه محمد بن إبراهيم وذكره الخطيب في تاريخه وذكر له حكاية، وأيهم كان فهو مخطئ في فعله مخالف للشرع بسكوته معين بصمته على نفسه وقد كان يجب عليه أن يصيح ويمنع من طم البئر كما يجب عليه أن يدفع عن نفسه من يقصد قتله.
وقوله لا أستغيث كقول القائل: لا آكل الطعام ولا أشرب الماء وهذا جهل من فاعله ومخالفة الحكمة في وضع الدنيا فإن الله تعالى وضع الأشياء على حكمة فوضع للآدمي يدا يدافع بها ولسانا ينطق به وعقلا يهديه إلى دفع المضار واجتلاب المصالح.
وجعل الأغذية والأدوية لمصلحة الآدميين فمن أعرض عن استعمال ما خلق له وأرشد إليه فقد رفض أمر الشرع وعطل حكمة الصانع.
فإن قال جاهل فكيف أحترز مع أمر القدر قلنا وكيف لا يحترز مع أمر المقدر وقد قال الله تعالى: ﴿خذوا حذركم﴾ وقد اختفى النبي ﷺ في الغار وقال لسراقة:
стр. 364
«اخف عنا واستأجر دليلا إلى المدينة» ولم يقل اخرج على التوكل وما زال ببدنه مع الأسباب وبقلبه مع المسبب.
وقد أحكمنا هذا الأصل فيما تقدم.
وقول أبي حمزة فنوديت من باطني هذا من حديث النفس الجاهلة التي قد استقر عندها بالجهل أن التوكل ترك التمسك بالأسباب لأن الشرع لا يطلب من الإنسان ما نهاه عنه وهلا نافره باطنه في مد يده وتعليقه بذلك المتدلي إليه وتمسكه به فإن ذلك أيضا نقض لما ادعاه من ترك الأسباب الذي يسميه التوكل لأنه أي فرق بين قوله أنا في البئر وبين تمسكه بما تدلى عليه لا بل هذا آكد لأن الفعل آكد من القول فهلا سكت حتى يحمل بلا سبب.
فإن قال: هذا بعثه الله لي.
قلنا: والذي جاز على البئر من بعثه واللسان المستغيث من خلقه فإنه لو استغاث كان مستعملا للأسباب التي خلقها الله تعالى لينتفع بها للدفع عنه فلم يستمعها وإنما بسكوته عطل الأسباب التي خلقها الله تعالى له ودفع الحكمة فصح لومه على ترك السبب.
وأما تخليصه بالأسد فإن صح هذا فقد يتفق مثله ثم لا ينكر أن الله تعالى يلطف بعبده وإنما ينكر فعله المخالف للشرع.
أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ثنا عبد العزيز بن أبي الحسن قال سمعت علي بن عبد الله بن جهضم المكي يقول: ثنا الخلدي قال: قال الجنيد قال لي محمد السمين: كنت في طريق الكوفة بقرب الصحراء التي بين قباء والصخرة التي تفريقنا منها والطريق منقطع فرأيت على الطريق جملا قد سقط ومات وعليه سبعة أو ثمانية من السباع تتناهش لحمه يحمل بعضها على بعض فلما أن رأيتهم كأن نفسي اضطربت وكانوا على قارعة الطريق.
فقالت لي نفسي تميل يمينا أو شمالا فأبيت عليها إلا أن آخذ على قارعة الطريق فحملتها على أن مشيت حتى وقفت عليهم بالقرب منهم كأحدهم ثم رجعت إلى نفسي لأنظر كيف فإذا هي الروع معي قائم فأبيت أن أبرح وهذه صفتي فقعدت بينهم ثم نظرت بعد قعودي فإذا الروع معي فأبيت أن
стр. 365
أبرح وهذه صفتي فوضعت جنبي فنمت مضطجعا فتغاشاني النوم فنمت وأنا على تلك الهيئة والسباع في المكان الذي كانوا عليه فمضى بي وقت وأنا نائم فاستيقظت فإذا بالسباع قد تفرقت ولم يبق منها شيء وإذا الذي كنت أجده قد زال فقمت وأنا على تلك الهيئة فانصرفت.
قال المصنف ﵀: قلت، فهذا الرجل قد خالف الشرع في تعرضه للسباع ولا يحل لأحد أن يتعرض لسبع أو لحية بل يجب عليه أن يفر مما يؤذيه أو يهلكه.
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إذا وقع الطاعون وأنتم بأرض فلا تقدموا عليه» وقال ﷺ : «فر من المجذوم فرارك من الأسد» ومر ﵊ بحائط مائل فأسرع.
وهذا الرجل قد أراد من طبعه أن لا ينزعج.
وهذا شيء ما سلم منه موسى ﵇ فإنه لما رأى الحية خاف وولى مدبرا.
فإن صح ما ذكره وهو بعيد الصحة لأن طباع الآدميين تتساوى.
فمن قال لا أخاف السبع بطبعي كذبناه كما لو قال أنا لا أشتهي النظر إلى المستحسن.
وكأنه قهر نفسه حتى نام بينهم استسلاما للهلاك لظنه أن هذا هو التوكل.
وهذا خطأ لأنه لو كان هذا هو التوكل ما نهى عن مقاربة ما يخاف
стр. 366
شره.
ولعل السباع اشتغلت عنه وشبعت من الجمل والسبع إذا شبع لا يفترس.
ولقد كان أبو تراب النخشبي من كبار القوم فلقيته السباع البرية فنهشته فمات.
ثم لا ينكر أن يكون الله تعالى لطف به ونجاه بحسن ظنه فيه غير أنا نبين خطأ فعله للعامي الذي إذا سمع هذه الحكاية ظن أنها عزيمة عظيمة ويقين قوي وربما فضل حالته على حالة موسى ﵇ إذ هرب من الحية.
وعلى حالة نبينا ﷺ إذ مر بجدار مائل فهرول.
وعلى لبسه ﷺ الدرع في غزواته كلها وقت الحرب حتى قال ﵊ في غزوة الخندق: «ليس لنبي أن يلبس لامة حربه ثم ينزعها من غير قتال» وعلى حالة أبي بكر ﵁ إن سد خروق الغار اتقاء ذي الحيات.
وهيهات أن تعلو مرتبة هذا المخالف للشرع على مرتبة النبيين والصديقين بما يخايل له ظنه الفاسد من أن هذا الفعل هو التوكل.
وقد أخبرنا عنه أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا إسماعيل بن أحمد الجبري ثنا محمد بن الحسين السلمي قال سمعت محمد بن الحسين البغدادي يقول: سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني قال سمعت مؤملا المغابي يقول: كنت أصحب محمد بن السمين فسافرت معه ما بين تكريت والموصل فبينا نحن في برية نسير إذ زأر السبع من قريب منا فجزعت وتغيرت وظهر ذلك على وجهي وهممت أن أبادر فأفر فضبطني وقال يا مؤمل التوكل ههنا ليس في المسجد الجامع.
قال المصنف ﵀: قلت، لا شك في أن التوكل يظهر أثره في المتوكل عند الشدائد.
ولكن ليس من شروطه الاستسلام للسبع فإنه لا يجوز.
أخبرنا عمر بن ظفر نا ابن السراج نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا ابن جهضم ثنا إبراهيم بن أحمد بن علي العطار.
قال له الخواص: حدثني بعض المشايخ أنه قيل لعلي الرازي: ما لنا لا نراك مع أبي طالب الجرجاني؟ قال: خرجنا في سياحة فنمنا في موضع فيه سباع فلما نظر إلي رآني لم أنم طردني.
وقال: لا تصحبني بعد هذا اليوم.
стр. 367
قال المصنف ﵀: لقد تعدى هذا الرجل إذ أراد من صاحبه أن يغير ما طبع عليه وليس ذلك من قدرته ولا في وسعه.
ولا يطالبه بمثله الشرع وما قدر على هذه الحالة موسى ﵇ حين هرب من الحية فهذا كله مبناه على الجهل.
أخبرنا ابن ظفر نا ابن السراج نا الأزجي ثنا ابن جهضم قال: سمعت الخلدي يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: سمعت حسنا أخا سنان يقول: كنت أسلك طريق مكة فتدخل في رجلي الشوكة فيمنعني ما أعتقده من التوكل أن أخرجها من رجلي فأدلك رجلي على الأرض وأمشي.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني نا سهل بن علي الحساب نا عبد الله بن علي السراج قال سمعت أحمد بن علي الوجدي يقول: حج الدينوري اثنتي عشرة حجة حافيا مكشوف الرأس، وكان إذا دخل في رجله شوك يمسح رجله في الأرض ويمشي ولا يطأطئ إلى الأرض من صحة توكله.
قال المصنف ﵀: قلت، انظروا إلى ما يصنع الجهل بأهله وليس من طاعة الله تعالى أن يقطع الإنسان تلك البادية حافيا لأنه يؤذي نفسه غاية الأذى.
ولا مكشوف الرأس وأي قربة تحصل بهذا ولولا وجوب كشف الرأس في مدة الإحرام لم يكن لكشفه معنى.
فمن ذا الذي أمره ألا يخرج الشوك من رجله وأي طاعة تقع بهذا ولو أن رجله انتفخت بما يبقى فيها من الشوك وهلك كان قد أعان على نفسه وهل دلك الرجل بالأرض إلا دفع بعض شر الشوك فهلا دفع الباقي بالإخراج.
وأين التوكل من هذه الأفعال المخالفة للعقل والشرع لأنهما يقضيان بجلب المنافع للنفس ودفع المضار عنها.
ولذلك أجاز الشرع لمن أدركه ضرر في إحرامه أن يخرق حرمة الإحرام ويلبس ويغطي رأسه ويفدي.
ولقد سمعت أبا عبيد يقول: إني لأتبين عقل الرجل بأن يدع الشمس ويمشي في الظل.
أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب ثنا عبد العزيز بن أبي الحسن
стр. 368
القرميسيني قال سمعت علي بن عبد الله بن جهضم قال سمعت أبا بكر الرقي يقول حدثني أبو بكر الدقاق قال: خرجت في وسط السنة إلى مكة وأنا حدث السن في وسطي نصف جل وعلى كتفي نصف جل فرمدت عيني في الطريق وكنت أمسح دموعي بالجل فأقرح الجل الموضع فكان يخرج الدم مع الدموع فمن شدة الإرادة وقوة سروري بحالي لم أفرق بين الدموع والدم وذهبت عيني في تلك الحجة وكانت الشمس إذا أثرت في بدني قبلت يدي ووضعتها على عيني سرورا مني بالبلاء.
أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا أحمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الحافظ قال سمعت أبا الفضل أحمد بن أبي عمران يقول سمعت محمد بن داود الرقي يقول سمعت أبا بكر الدقاق يقول: أ ofvkh أأخبرنا كان سبب ذهاب بصري أني خرجت في وسط السنة أريد مكة وفي وسطي نصف جل وعلى وسطي نصف جل فرمدت إحدى عيني فمسحت الدموع بالجل فقرح المكان وكانت الدموع والدم تسيلان من عيني.
أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا أبو محمد التميمي نا عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا بكر الرازي يقول قلت لأبي بكر الدقاق وكان بفرد عين: ما سبب ذهاب عينك؟ قال: كنت أدخل البادية على التوكل فجعلت على نفسي أن لا آكل لأهل المنازل شيئا تورعا فسالت إحدى عيني على خدي من الجوع.
قال المصنف ﵀: إذا سمع مبتدئ حالة هذا الرجل ظن أن هذه مجاهدات وقد جمعت هذه السفرة التي افتخر فيها فنونا من المعاصي والمخالفات منها خروجه في تنصيف السنة على الوحدة، ومشيه بلا زاد وبلا راحلة، ولباسه الجل، ومسح عينيه به وظنه أن ذلك يقربه إلى الله تعالى وإنما يتقرب إلى الله تعالى بما أمر به وشرعه لا بما نهى وكف عنه.
فلو أن إنسانا قال أريد أن أضرب نفسي بعصا لأنها عصت أتقرب بذلك إلى الله كان عاصيا.
وسرور هذا الرجل بهذا خطأ قبيح لأنه إنما يفرح بالبلاء إذا كان بغير تسبب منه لنفسه فلو أن إنسانا
стр. 369
كسر رجل نفسه ثم فرح بهذه المصيبة كان نهاية في الحماقة ثم تركه السؤال وقت الاضطرار وحمله على النفس في شدة المجاعة حتى سالت عينه ثم يسمي هذا تورعا حماقات زهاد أكبرها الجهل والبعد عن العلم.
وقد أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن العباس بن أيوب الأصفهاني ثنا عبد الرحمن بن يوسف الرقي ثنا مطرف بن مازن عن سفيان الثوري قال: من جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار.
قال المصنف ﵀: فانظر إلى كلام الفقهاء ما أحسنه.
ووجهه أن الله تعالى قد جعل للجائع مكنة التسبب فإذا عدم الأسباب الظاهرة فله قدرة السؤال التي هي كسب مثله في تلك الحال فإذا تركه فقد فرط في حق نفسه التي هي وديعة عنده فاستحق العقاب.
وقد روى لنا في ذهاب عين هذا الرجل ما هو أظرف مما ذكرنا فأخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد ثنا حمد بن أحمد الحداد ثنا أبو نعيم قال سمعت أبا أحمد القلانسي يقول: قال أبو علي الروزباري يحكي عن أبي بكر الدقاق قال: استضفت حيا من العرب فرأيت جارية حسناء.
فنظرت إليها فقلعت عيني التي نظرت بها إليها.
قلت مثلك من نظر لله.
قال المصنف ﵀: قلت، فانظروا إلى جهل هذا المسكين بالشريعة والبعد عنها لأنه إن كان نظر إليها عن غير تعمد فلا إثم عليه وإن تعمد فقد أتى صغيرة قد كان يكفيه منها الندم.
فضم إليها كبيرة وهي قلع عينه ولم يتب عنها لأنه اعتقد قلعها قربة إلى الله سبحانه ومن اعتقد المحظور قربة فقد انتهى خطؤه إلى الغاية ولعله سمع تلك الحكاية عن بعض بني إسرائيل أنه نظر إلى امرأة فقلع عينه وتلك مه بعد صحتها ربما جازت في شريعتهم.
فأما شريعتنا فقد حرمت هذا، وكأن هؤلاء القوم ابتكروا شريعة سموها بالتصوف وتركوا شريعة نبيهم محمد ﷺ نعوذ بالله من تلبيس إبليس.
وقد روي عن بعض عابدات الصوفية مثل هذا.
стр. 370
أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال أخبرني أبو الحسن علي بن أحمد البصري غلام شعوانة قال أخبرتني شعوانة أنه كان في جيرانها امرأة صالحة فخرجت ذات يوم إلى السوق فرآها بعض الناس فافتتن بها وتبعها إلى باب دارها.
فقالت له المرأة أي شيء تريد مني قال فتنت بك فقالت: ما الذي استحسنت مني قال عيناك.
فدخلت إلى دارها فقلعت عينيها وخرجت إلى خلف الباب ورمت بها إليه وقالت له خذهما فلا بارك الله فيك.
قال المصنف ﵀: فانظروا إخواني كيف يتلاعب إبليس بالجهلة فإن ذلك الرجل أتى صغيرة بالنظر وأتت هي بكبيرة ثم ظنت أنها فعلت طاعة وكان ينبغي ألا تكلم رجلا أجنبيا وقد وجد من القوم ضد هذا كما يروى عن ذي النون المصري وغيره أنه قال: لقيت امرأة في البرية فقلت لها وقالت لي وهذا لا يحل له.
وقد أنكرت عليه امرأة متيقظة.
فأخبرنا عبد الملك بن عبد الله الطروحي نا محمد بن علي بن عمر نا أبو الفضل محمد بن محمد العامي نا أبو سعيد محمد بن أحمد بن يوسف ثني سكر ثني محمد بن يعقوب العرجي قال سمعت ذي النون يقول: رأيت امرأة بنحو أرض البجة فناديتها فقالت وما للرجال أن يكلموا النساء لولا نقص عقلك لرميتك بشيء.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد نا أحمد بن علي بن ثابت ثنا عبد العزيز الأزجي ثنا علي بن عبد الله الهمداني ثني علي بن إسماعيل الطلاثني محمد بن الهيثم قال قال لي أبو جعفر الحداد: دخلت البادية بعض السنين على التوكل فبقيت سبعة عشر يوما لا آكل فيها شيئا وضعفت عن المشي فبقيت أياما أخر لم أذق فيها شيئا فسقطت على وجهي وغشي علي وغلب علي من القمل شيء ما رأيت مثله ولا سمعت به، فبينا أنا كذلك إذ مر بي ركب فرأوني على تلك الحالة فنزل أحدهم عن راحلته فحلق رأسي ولحيتي وشق ثوبي وتركني في الرمضاء
стр. 371
وسار فمر بي ركب آخر فحملوني إلى حيهم وأنا مغلوب فطرحوني ناحية فجاءتني امرأة فجلست على رأسي وصبت اللبن في حلقي ففتحت عيني قليلا وقلت لهم أقرب المواضع منكم أين؟ قالوا: جبل الشراة فحملوني إلى الشراة.
قال المصنف ﵀: قلت، لو يحكى أن رجلا من المجانين أنحل من السلسلة فأخذ سكينا وجعل يشرح لحم نفسه ويقول أنا ما رأيت مثل هذا الجنون لصدق على هذا.
وإلا فانظروا إلى حال هذا المسكين وبما فعل بنفسه ثم يعتقد أن هذا قربة نسأل الله العافية.
أخبرنا أحمد بن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا بكر الداري يقول سمعت أبا الحسين الريحاني يقول سمعت إبراهيم الخواص يقول: رأيت شيخا من أهل المعرفة عرج بعد سبعة عشر يوما على سبب في البرية فنهاه شيخ كان معه فأبى أن يقبل فسقط ولم يرتفع عن حدود الأسباب.
قلت هذا قد أراد أن يصبر عن القوت أكثر من هذا وليس الصبر إلى هذا الحد وإن أطيق بفضيلة.
أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا رزق الله بن عبد الوهاب ما أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين قال سمعت جدي إسماعيل بن نجيد يقول: دخل إبراهيم الهروي مع شبة البرية، فقال يا شبة اطرح ما معك من العلائق قال فطرحتها كلهخا وأبقيت دينارا فخطا خطوات ثم قال: اطرح كل ما معك لا تشغل سري قال: فأخرجت الدينار ودفعته إليه فطرحه ثم خطا خطوات وقال اطرح ما معك.
قلت ليس معي شيء.
قال بعد سري مشتغل ثم ذكرت أن معي دستجة شسوع فقلت ليس معي إلا هذه.
قال فأخذها فطرحها ثم قال امشي فمشينا فما احتجت إلى شبع البادية إلا وجدته مطروحا بين يدي فقال لي كذا من عامل الله بصدق.
قال المصنف ﵀: قلت، كل هذه الأفعال خطأ ورمي المال حرام
стр. 372
والعجب ممن يرمي ما يملكه ويأخذ ما لا يدري من أين هو وهل يحل له أخذه أم لا.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال: سمعت نصر بن أبي نصر العطار يقول سمعت علي بن محمد المصري قال سمعت أبا سعيد الخراز يقول: دخلت البادية مرة بغير زاد فأصابني فاقة فرأيت المرحلة من بعد فسررت بوصولي ثم فكرت في نفسي أني شكيت وأني توكلت على غيره فآليت أن لا أدخل المرحلة إلا إن حملت إليها فحفرت لنفسي في الرمل حفرة وواريت فيها جسدي فيها إلى صدري فسمعت صوتا في نصف الليل عاليا يا أهل المرحلة إن لله وليا حبس نفسه في هذا الرمل فالحقوه فجاء جماعة فأخرجوني وحملوني إلى المرحلة.
قال المصنف ﵀: قلت، لقد تنطع هذا الرجل على طبعه فأراد منه ما لم يوضع عليه لأن طبع ابن آدم أن يهش إلى ما يحب ولا لوم على العطشان إذا هش إلى الماء ولا على الجائع إذا هش إلى الطعام فكذلك كل من هش إلى محبوب له وقد كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر فلاحت له المدينة أسرع السير حبا للوطن.
ولما خرج من مكة تلفت إليها شوقا.
وكان بلال يقول: لعن الله عتبة وشيبة إذا أخرجونا من مكة ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةبواد وحولي إذخر وجليل
فنعوذ بالله من الإقبال على العمل بغير مقتضى العلم والعقل.
ثم حبسه نفسه عن صلاة الجماعة قبيح.
وأي شيء في هذا من التقرب إلى الله سبحانه إنما هو محض جهل.
أنبأنا ابن ناصر نا جعفر بن أحمد السراج نا عبد العزيز بن علي بن أحمد
стр. 373
ثنا أبو الحسن علي بن جهضم ثنا بكر بن محمد قال: كنت عند أبي الخير النيسابوري فبسطني بمحادثته لي بذكر باديته إلى أن سألته عن سبب قطع يده فقال: يد جنت فقطعت.
ثم اجتمعت به جماعة فسألوه عن ذلك فقال: سافرت حتى بلغت أسندرية فأقمت بها اثنتي عشرة سنة وكنت قد بنيت بها كوخا فكنت أجيء إليه من ليل إلى ليل وأفطر على ما ينفضه المرابطون وإذا حم الكلام على قمامة السفر وآكل البردى في الشتاء فنوديت في سري يا أبا الخير تزعم أنك لا تشارك الخلق في أقواتهم وتشير إلى التوكل وأنت في وسط القوم جالس فقلت: إلهي وسيدي وعزتك لا مددت يدي إلى شيء مما تنبته الأرض حتى تكون الموصل إلى رزقي من حيث لا أكون فيه فأقمت اثني عشر يوما أصلي الفرض وأتنفل ثم عجزت عن النافلة فأقمت اثني عشر يوما أصلي الفرض والسنة ثم عجزت عن السنة فأقمت اثني عشر يوما أصلي الفرض لا غير ثم عجزت عن القيام فأقمت اثني عشر يوما أصلي جالسا لا غير ثم عجزت عن الجلوس فرأيت أن طرحت نفسي ذهب فرضي فلجأت إلى الله بسري وقلت إلهي وسيدي افترضت علي فرضا تسألني عنه وقسمت لي رزقا وضمنته لي فتفضل علي برزقي ولا تؤاخذني بما عقدته معك فوعزتك لأجتهدن أن لا حللت عقدا عقدته معك فإذا بين يدي قرصان بينهما شيء فكنت أجده على الدوام من الليل إلى الليل ثم طولبت بالمسير إلى الثغر فسرت حتى دخلت الفرما فوجدت في الجامع قاصا يذكر قصة زكريا والمنشار وأن الله تعالى أوحى إليه حين نشر فقال: إن صعدت إلي منك أنة لأمحونك من ديوان النبوة فصبر حتى قطع شطرين.
فقلت لقد كان زكريا صبارا إلهي وسيدي لئن ابتليتني لأصبرن.
وسرت حتى دخلت أنظاكية فرآني بعض إخواني وعلم أني أريد الثغر فدفع إلي سيفا وترسا وحربة فدخلت الثغر وكنت حينئذ أحتشم من الله تعالى أن أتوارى وراء السور خيفة من العدو.
فجعلت مقامي في غابة أكون فيها بالنهار وأخرج بالليل إلى شاطئ البحر فأغرز الحربة على الساحل وأسند الترس إليها محرابا وأتقلد سيفي وأصلي إلى الغداة فإذا صليت الصبح غدوت إلى الغابة فكنت فيها نهاري أجمع فبدوت في
стр. 374
بعض الأيام فعثرت بشجرة فاستحسنت ثمرها ونسيت عقدي مع الله وقسمي به إني لا أمد يدي إلى شيء مما تنبت الأرض فمددت يدي فأخذت بعض الثمرة فبينا أنا أمضغها ذكرت العقد فرميت بها من في وجلست ويدي على رأسي فدار بي فرسان وقالوا لي قم فأخرجوني إلى الساحل فإذا أمير وحوله خيل ورجالة وبين يديه جماعة سودان كانوا يقطعون الخيل في طلب من هرب منهم فوجدوني أسود معي سيف وترس وحربة فلما قدمت إلى الأمير قال: إيش أنت؟ قلت: عبد من عبيد الله.
فقال للسودان تعرفونه قالوا لا، قال: بل هو رئيسكم وإنما تفدونه بأنفسكم لأقطعن أيديكم وأرجلكم فقدموهم ولم يزل يقدم رجلا رجلا ويقطع يده ورجله حتى انتهى إلي فقال تقدم مد يدك فمددتها فقطعت ثم قال مد رجلك فمددتها وفعت رأسي إلى السماء وقلت إلهي وسيدي يدي جنت ورجلي إيش عملت فإذا بفارس قد وقف على الحلقة ورمى بنفسه إلى الأرض وصاح إيش تعملون تريدون أن تنطبق الخضراء على الغبراء، هذا رجل صالح يعرف بأبي الخير فرمى الأمير نفسه وأخذ يدي المقطوعة من الأرض وقبلها وتعلق بي يقبل صدري ويبكي ويقول سألتك بالله أن تجعلني في حل.
فقلت قد جعلتك في حل من أول ما قطعتها هذه يد قد جنت فقطعت.
قال المصنف ﵀: فانظروا رحمكم الله إلى عدم العلم كيف صنع بهذا الرجل وقد كان من أهل الخير ولو كان عند علم لعلم أن ما فعله حرام عليه وليس لإبليس عون على العباد والزهاد أكثر من الجهل.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعيد بن أبي صادق نا أبي باكويه قال سمعت الحسين بن أحمد الفارسي قال سمعت محمد بن داود الدينوري يقول سمعت ابن حديق يقول: دخلنا المصيصة مع حاتم الأصم فعقد أنه لا يأكل فيها شيئا إلا حتى يفتح فمه ويوضع في فيه وإلا ما يأكل فقال لأصحابه: تفرقوا وجلس فأقام تسعة أيام لا يأكل فيها شيئا فلما كان في اليوم العاشر جاء إليه إنسان فوضع بين يديه شيئا يؤكل فقال كل فلم يجبه فقال له ثلاثا فلم يجبه فقال هذا مجنون فأصلح لقمة وأشار بها إلى فمه فلم يفتح فمه ولم يتكلم فأخرج مفتاحا كان معه فقال كل وفتح فمه بالمفتاح ودس اللقمة في فمه فأكل ثم قال له إن أحببت أن ينفعك الله
стр. 375
به فأطعم أولئك وأشار إلى أصحابه.
أنبأنا محمد بن أبي طاهر نا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه ثني محمد بن هلال بن عبد الله ثني القاضي أحمد بن سيار قال: حدثني رجل من الصوفية قال: صحبت شيخا من الصوفية أنا وجماعة في سفر فجرى حديث التوكل والأرزاق وضعف اليقين فيها وقوته فقال الشيخ وحلف علي أيمانا عظيمة لا ذقت مأكولا أو يبعث لي بجام فالوذج حالا لا آكله إلا بعد أن يحلف علي.
قال وكنا نمشي في الصحراء فقالت له الجماعة إلا أنك غير جاهد ومشى ومشينا فانتهينا إلى قرية وقد مضى يوم وليلتان لم يطعم فيها شيء ففارقته الجماعة غيري فطرح نفسه في مسجد القرية مستسلما للموت ضعفا.
فأمت عليه فلما كان في ليلة اليوم الرابع وقد انتصف الليل وكاد الشيخ يتلف.
إذا بباب المسجد قد فتح وإذا بجارية سوداء معها طبق مغطى.
فلما رأتنا قالت: أنتم غرباء أو من أهل القرية؟ فقلت غرباء فكشفت الطبق وإذا بجام فالوذج يفور لحرارته فقدمت لنا الطبق وقالت كلوا فقلت له كل فقال لا أفعل فرفعت الجارية يدها فصفعته صفعة عظيمة وقالت: والله لئن لم تأكل لأصفعنك هكذا إلى أن تأكل، فقال كل معي فأكلنا حتى فرغ الجام وهمت الجارية بالانصراف فقلت للجارية: ما خبرك وخبر هذا الجام؟ فقالت: أنا جارية لرئيس هذه القرية، وهو رجل حاد، طلب منا منذ ساعة فالوذج فقمنا نصلحه له فطال الأمر عليه فاستعجلنا فقلنا نعم! فعاد فاستعجل فقلنا نعم، فحلف بالطلاق لا أكله هو ولا أحد ممن هو داره ولا أحد من أهل القرية إلا رجل غريب، فخرجنا نطلب في المساجد رجلا غريبا فلم نجد إلى أن انتهينا إليكم ولو لم يأكل هذا الشيخ لقتلته ضربا إلى أن يأكل لئلا تطلق سيدتي من زوجها، قال: فقال الشيخ: كيف تراه إذا أراد أن يرزق؟
قال المصنف ﵀: ربما سمع هذا جاهل فاعتقده كرامة وما فعله الرجل من أقبح القبيح فإنه يجرب على الله ويتألى ويحمل نفسه من الجوع ما لا يجوز له وهذا لا يجوز له ولا ينكر أن يكون لطف به إلا أنه فعل ضد الصواب وربما كان إنفاذ ذلك رديئا لأنه يعتقد أنه قد أكرم وإن ذلك
стр. 376
منزلة.
وكذلك حكاية حاتم التي قبلها فإنها إن صحت دلت على جهل بالعلم وفعل لما لا يجوز لأنه ظن أن التوكل إنما هو ترك التسبب فلو عمل بمقتضى واقعته لم يمضغ الطعام ولم يبلعه فإنه تسبب وهل هذا إلا من تلاعب إبليس بالجهال لقلة علمهم بالشرع ثم أي قربة في هذا الفعل البارد وما أظن غالبه إلا من الماليخوليا.
أخبرنا عبد الرحمن بن القزاز نا أحمد بن علي بن المحسن قال حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري قال: قال لي جعفر الخلدي: وقفت بعرفة ستا وخمسين وقفة منها إحدى وعشرون على المذهب.
فقلت لأبي إسحق: وأي شيء أراد بقوله - على المذهب - فقال يصعد إلى قنطرة الناشرية فينفض كميه حتى يعلم أنه ليس معه زاد ولا ماء ويلبي ويسير.
قال المصنف ﵀: وهذا مخالف للشرع فإن الله تعالى يقول: ﴿وتزودوا﴾ ورسول الله ﷺ قد تزود، ولا يمكن أن يقال إن هذا الآدمي لا يحتاج إلى شيء مدة أشهر فإن احتاج ولم يتزود فعطب أثم وأن سأل الناس أو تعرض لهم لم يف ذلك بدعوى التوكل وإن ادعى أنه يكرم ويرزق بلا سبب فنظره إلى أنه مستحق لذلك محنة ولو تبع أمر الشرع وحمل الزاد كان أصلح له على كل حال.
وأنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر قال: أخبرني أبي عن بعض الصوفية، أنه قدم عليه من مكة جماعة من المتصوفة فقال لهم من صحبتم فقالوا حاج اليمن فقال أوه التصوف قد صار إلى هذا أو التوكل قد ذهب.
أنتم ما جئتم على الطريقة والتصوف وإنما جئتم من مائدة اليمن إلى مائدة الحرم، ثم قال: وحق الأحباب والفتيان لقد كنا أربعة نفر مصطحبين في هذا الطريق نخرج إلى زيارة قبر النبي ﷺ على التجريد ونتعاهد بيننا أن لا نلتفت إلى مخلوق ولا نستند إلى معلوم، فجئنا إلى النبي ﷺ ومكثنا ثلاثة أيام لم يفتح لنا بشيء فخرجنا حتى بلغنا الجحفة ونزلنا وبحذائنا نفر من الأعراب فبعثوا ألينا بسويق فأخذ بعضنا ينظر إلى بعض ويقول: لو كنا من أهل هذا الشأن لم يفتح لنا بشيء حتى ندخل الحرم فشربناه على الماء وكان طعامنا حتى دخلنا مكة.
стр. 377
قلت: اسمعوا إخواني إلى توكل هؤلاء كيف منعهم من التزود المأمور به فأحوجهم إلى أخذ صدقات الناس.
ثم ظنهم أن ما فعلوه مرتبة جهل بمعرفة المراتب.
ومن عجب ما بلغني عنهم في أسفارهم ما أخبرنا به محمد بن أبي القاسم البغدادي نا أبو محمد التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: بلغني أن أبا شعيب المقفع وكان قد حج سبعين حجة راجلا أحرم في كل حجة بعمرة وحجة من عند صخرة بيت المقدس ودخل بادية تبوك على التوكل فلما كان في حجته الأخيرة رأى كلبا في البادية يلهث عطشا، فقال: من يشتري حجة بشربة ماء.
قال: فدفع إليه إنسان شربة ماء فسقى الكلب ثم قال: هذا خير لي من حجي لأن النبي ﷺ قال: «في كل ذات كبد حراء أجر».
أخبرنا عبد الأول بن عيسى نا ابن أبي الكوفاني ثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن موري الحبوساني نا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي المعروف بابن السراج قال: سمعت الوجهي يقول سمعت أبا علي الروزباري يقول: كان في البادية جماعة ومعنا أبو الحسين العطوفي فربما كانت تلحقنا القافلة ويظلم علينا الطريق وكان أبو الحسين يصعد تلا فيصيح صياح الذئب حتى تسمع كلاب الحي فينبحون فيمر على بيوتهم ويحمل إلينا من عندهم معونة، قلت: وإنما ذكرت مثل هذه الأشياء ليتنزه العاقل في مبلغ علم هؤلاء وفهمهم للتوكل وغيره ويرى مخالفتهم لأوامر الشرع وليت شعري كيف يصنع من يخرج منهم ولا شيء معه بالوضوء والصلاة وإن تخرق ثوبه ولا إبرة معه فكيف يفعل؟ وقد كان بعض مشايخهم يأمر المسافر بأخذ العدة قبل السفر.
فأخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري قال: سمعنا أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت الفرغاني يقول: كان إبراهيم الخواص مجردا في التوكل يدقق فيه وكان لا تفارقه إبرة وخيوط وركوة ومقراض فقيل له يا أبا إسحاق لم تجمع هذا وأنت من كل شيء، فقال: مثل هذا لا ينقض التوكل لأن الله تعالى فرض علينا فرائض والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد فربما يتخرق ثوبه وإن لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلواته وإن لم يكن معه
стр. 378
ركوة تفسد عليه طهارته وإذا رأيت فقيرا بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية إذا قدموا من السفر
قال المصنف ﵀: من مذهب القوم أن المسافر إذا قدم فدخل الرباط وفيه جماعة لم يسلم عليهم حتى يدخل الميضة فإذا توضأ جاء وصلى ركعتين ثم سلم على الشيخ ثم سلم على الجماعة وهذا ما ابتدعه متأخرهم على خلاف الشريعة لأن فقهاء الإسلام أجمعوا على أن من دخل على قوم سن له أن يسلم عليهم سواء كان على طهارة أو لم يكن إلا أن يكونوا أخذوا هذا من مذهب الأطفال فإنه إذا قيل للطفل لم لا تسلم علينا قال ما غسلت وجهي بعد أو لعل الأطفال علموه من هؤلاء المبتدعين.
أخبرنا ابن الحصين نا أبو علي بن المذهب نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن همام بن منبه ثنا أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير» أخرجاه في الصحيحين ومن مذهب القوم تغميز القادم من السفر مساء.
أنبأنا أبو رزعة طاهر بن محمد عن أبيه قال: باب السنة في تغميزهم القادم من السفر أول ليلة لتعبه واحتج بحديث عمر ﵁: «دخلت على النبي ﷺ وغلام له حبشي يغمز ظهره فقلت ما شأنك يا رسول الله؟ قال: إن الناقة قد اقتحمتني».
قال المصنف ﵀: انظروا إخواني إلى فقه هذا المحتج فإنه كان ينبغي أن يقول باب السنة في تغميز من رمت به ناقته، وتكون السنة تغميز الظهر لا القدم ومن أين له أنه كان في سفر وأنه غمز أول ليلة ثم يجعل تغميز النبي ﷺ كما اتفق لأجل ألم ظهره سنة لقد كان ترك استخراج هذا الفقه الدقيق أحسن من ذكره، ومن مذهبهم عمل دعوة للقادم.
قال ابن طاهر: باب اتخاذهم
стр. 379
العتيرة للقادم واحتج بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سافر سفرا فنذرت جارية من قريش إن الله تعالى رده أن تضرب في بيت عائشة ﵂ بدف فلما رجع فقال النبي ﷺ إن كنت نذرت فاضربي.
قال المصنف ﵀: قد بينا أن الدف مباح ولما نذرت هذه المرأة مباحا أمرها أن تفي فكيف يحتج بهذا على الغناء والرقص عند قدوم المسافر؟
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية إذا مات لهم ميت
له في ذلك تلبيسان الأول: أنهم يقولون لا يبكى على هالك ومن بكى على هالك خرج عن طريق أهل المعارف.
قال ابن عقيل: هذه دعوى تزيد على الشرع فهي حديث خرافة وتخرج عن العادات والطباع فهي انحراف عن المزاج المعتدل فينبغي أن يطالب لها بالعلاج بالأدوية المعدلة للمزاج فإن الله تعالى أخبر عن نبي كريم فقال: ﴿وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾ وقال: ﴿يا أسفى على يوسف﴾.
وبكى رسول الله ﷺ عند موت ولده وقال: «أن العين لتدمع» وقال: «واكرباه» وقالت فاطمة ﵂: واكرب أبتاه.
فلم ينكر وسمع عمر بن الخطاب ﵁ متمما يندب أخاه ويقول:
وكنا كندماني جزيمة حقبةمن الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فقال عمر ﵁: ليتني كنت أقول الشعر فأندب أخي زيدا فقال متمم: لو مات أخي كما مات أخوك ما رثيته.
وكان مالك مات على الكفر وزيد قتل شهيدا.
فقال عمر: ما عزاني أحد في أخي كمثل تعزيتك، ثم لا تزال الإبل الغليظة الأكباد تحن إلى مآلفها من الأعطان والأشخاص وترغو للفصلان وحمام الطير ترجع.
وكل مأخوذ من البلاء فلا بد أن يتضرع ومن لم تحركه المسار
стр. 380
والمطربات وتزعجه المخزيات فهو إلى الجماد به أقرب.
وقد أبان النبي ﵊ عن العيب في الخروج عن سمت الطبع فقال للذي قال: لم أقبل أحدا من ولدي - وكان له عشرة من الولد - فقال: «أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك».
وجعل يلتفت إلى مكة لما خرج فالمطالب لما يخرج عن الشرائع وينبو عن الطباع جاهل يطالب بجهل.
وقد قنع الشرع منا أن لا نلطم خدا ولا نشق جيبا فإما دمعة سائلة وقلب حزين فلا عيب في ذلك.
التلبيس الثاني: أنهم يعملون عند موت الميت دعوة يسمونها عرسا ويغنون فيها ويرقصون ويلعبون ويقولون نفرح للميت إذ وصل إلى ربه، والتلبيس في هذا عليهم من ثلاثة أوجه أحدها أن المسنون أن يتخذ لأهل الميت طعاما لاشتغالهم بالمصيبة عن إعداد الطعام لأنفسهم وليس من السنة أن يتخذه أهل الميت ويطعمونه إلى غيرهم والأصل اتخاذ الطعام لأجل الميت.
ما أخبرنا به أبو الفتح الكروخي نا أبو عامر الأزدي وأبو بكر العورجي قال أخبرنا الجراحي ثنا المحبوبي ثنا الترمذي ثنا أحمد بن منيع وعلي بن حجر قالا حدثنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن خالد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر فقال النبي ﷺ : «اصنعوا لآل جعفر طعاما فإنه قد جاءهم ما يشغلهم».
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
والثاني أنهم يفرحون للميت ويقولون وصل إلى ربه ولا وجه للفرح لأنا لا نتيقن أنه غفر له وما يؤمنا أن نفرح له وهو في المعذبين.
وقد قال عمر بن زر لما مات ابنه: لقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك.
أخبرنا عبد الأول نا ابن المظفر نا ابن عين ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا أبو اليماني نا شعيب عن الزهري ثني خارجة بن زيد الأنصاري عن أم العلاء قالت: لما مات عثمان بن مظعون دخل علينا رسول الله ﷺ :
стр. 381
فقلت رحمة الله عليك أبا السايب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله.
فقال النبي ﷺ : «وما يدريك أن الله أكرمه».
الثالث: أنهم يرقصون ويلعبون في تلك الدعوة فيخرجون بهذا عن الطباع السليمة التي يؤثر عندها الفراق.
ثم إن كان ميتهم قد غفر له فما الرقص واللعب بشكرهم وإن كان معذبا فأين أثر الحزن.
ذكر تلبيس إبليس علىالصوفية في ترك التشاغل بالعلم
قال المصنف ﵀: اعلم أن أول تلبيس إبليس على الناس صدهم عن العلم لأن العلم نور فإذا أطفأ مصابيحهم خبطهم في الظلم كيف شاء.
وقد دخل على الصوفية في هذا الفن من أبواب.
أحدها أنه منع جمهورهم من العلم أصلا وأراهم أنه يحتاج إلى تعب وكلف فحسن عندهم الراحة فلبسوا المراقع وجلسوا على بساط البطالة.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي نا حمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الأصفهاني ثنا أبو حامد بن حيان ثنا أبو الحسن البغدادي ثنا ابن صاعد قال سمعت الشافعي ﵁ يقول: أسس التصوف على الكسل.
وبيان ما قاله الشافعي أن مقصود النفس إما الولايات وإما استجلاب الدنيا بالعلوم يطول ويتعب البدن وهل يحصل المقصود أو لا يحصل.
والصوفية قد تعجلوا الولايات فإنهم يرون بعين الزهد واستجلاب الدنيا فإنها إليهم سريعة.
أخبرنا عبد الحق نا المبارك بن عبد الجبار نا أبو الفرج الطناجيري ثنا أبو حفص بن شاهين قال:
стр. 382
ومن الصوفية من ذم العلماء ورأى أن الاشتغال بالعلم بطالة وقالوا إن علومنا بلا واسطة وإنما رأوا بعد الطريق في طلب العلم فقصروا الثياب ورقعوا الجباب وحملوا الركاء وأظهروا الزهد.
والثاني أنه قنع وقوم منهم باليسير منه ففاتهم الفضل الكثير في كثرته فاقتنعوا بأطراف الأحاديث وأوهمهم أن علو الإسناد والجلوس للحديث كله رياسة ودنيا وأن للنفس في ذلك لذة.
كشف هذا التلبيس أنه ما من مقام عال إلا وله فضيلة وفيه مخاطرة فإن الإمارة والقضاء والفتوى كله مخاطرة وللنفس فيه لذة ولكن فضيلة عظيمة كالشوك في جوار الورد فينبغي أن تطلب الفضائل ويتقى ما في ضمنها من الآفات.
فأما ما في الطبع من حب الرياسة فإنه إنما وضع لتجتلب هذه الفضيلة كما وضع حب النكاح ليحصل الولد وبالعلم يتقوم قصد العالم كما قال يزيد بن هرون: طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله.
ومعناه أنه دلنا على الإخلاص ومن طالب نفسه بقطع ما في طبعه لم يمكنه.
والثالث أنه أوهم قوما منهم أن المقصود العمل وما فهموا أن التشاغل بالعلم من أوفى الأعمال ثم إن العالم وإن قصر سير عمله فإنه على الجادة والعابد بغير علم على غير الطريق.
والرابع أنه أرى خلقا كثيرا منهم أن العالم ما اكتسب من البواطن حتى أن أحدهم يتحايل له وسوسة فيقول حدثني قلبي عن ربي.
وكان الشبلي يقول:
إذا طالبوني بعلم الورقبرزت عليهم بعلم الخرق
وقد سموا علم الشريعة علم الظاهر وسموا هواجس النفوس العلم الباطن واحتجوا له بما أخبرنا به عبد الحق بن عبد الخالق نا الحسين بن علي الطناجيري نا أبو حفص بن شاهين ثنا علي بن محمد بن جعفر بن أحمد بن عنبسة العسكري ثني دارم بن قبيصة بن بهشل الصنعاني قال: سمعت يحيى بن الحسين بن زيد بن علي قال سمعت يحيى بن عبد الله بن حسين عن يحيى بن
стр. 383
زيد بن علي عن أبيه عن جده عن الحسن بن علي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن النبي ﷺ أنه قال: «علم الباطن سر من سر الله وحكم من أحكام الله تعالى يقذفه الله في قلوب من يشاء من أوليائه».
قال المصنف ﵀: قلت، وهذا حديث لا أصل له عن النبي ﷺ وفي إسناده مجاهيل لا يعرفون.
أنبأنا محمد بن ناصر نا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي نا أبو علي عبد الله بن إبراهيم النيسابوري ثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن جهضم ثنا أبو الفتح أحمد بن الحسن ثنا علي بن جعفر عن أبي موسى قال: كان في ناحية أبي يزيد رجل فقيه عالم تلك الناحية فقصد أبا يزيد وقال له: قد حكي لي عنك عجايب.
فقال أبو يزيد: وما لم تسمع من عجايبي أكثر.
فقال له: علمك هذا يا أبا يزيد عن من ومن ومن ومن؟ فقال أبو يزيد: علمي من عطاء الله تعالى.
ومن حيث قال ﷺ : «من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم» ومن حيث قال ﷺ : «العلم علمان علم ظاهر وهو حجة الله تعالى على خلقه وعلم باطن وهو العلم النافع» وعلمك يا شيخ نقل من لسان عن لسان التعليم وعلمي من الله إلهام من عنده.
فقال له الشيخ: علمي عن الثقات عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن ربه .
فقال أبو يزيد: يا شيخ كان للنبي ﷺ علم عن الله لم يطلع عليه جبريل ولا ميكائيل.
قال نعم.
ولكن أريد أن يصح لي علمك الذي تقول هو من عند الله.
قال: نعم أبينه لك قدر ما يستقر في قلبك معرفته.
ثم قال: يا شيخ علمت أن الله تعالى كلم موسى تكليما وكلم محمدا ﷺ ورآه كفاحا.
وأن حلم الأنبياء وحي.
قال نعم.
قال: أما علمت أن كلام الصديقين والأولياء بإلهام منه وفوائده من من قلوبهم حتى أنطقهم بالحكمة ونفع بهم الأمة: ومما يؤكد ما قلت ما ألهم الله تعالى أم موسى أن تلقي موسى في التابوت فألقته وألهم الخضر في السفينة والغلام والحائط قوله موسى ﴿وما فعلته عن أمري﴾ وكما قال أبو بكر لعائشة ﵄: إن
стр. 384
ابنة خارجة حاملة ببنت.
وألهم عمر ﵁ فنادى يا سارية الجبل.
أنبأنا ابن ناصر أنبأنا أبو الفضل السهلكي قال سمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول سمعت يوسف بن الحسين يقول سمعت إبراهيم سبتية يقول حضرت مجلس أبي يزيد والناس يقولون فلان لقي فلانا وأخذ من علمه وكتب منه الكثير وفلان لقي فلانا.
فقال أبو يزيد: مساكين أخذوا علمهم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت.
قال المصنف ﵀: هذا الفقه في الحكاية الأولى من قلة العلم إذ لو كان عالما لعلم أن الإلهام للشيء لا ينافي العلم ولا يتسع به عنه ولا ينكر أن الله يلهم الإنسان الشيء كما قال النبي ﷺ : «إن في الأمم محدثين وإن لم يكن في أمتي فعمر».
والمراد بالتحديث إلهام الخير إلا أن الملهم لو ألهم ما يخالف العلم لم يجز له أن يعمل عليه: وأما الخضر فقد قيل أنه نبي ولا ينكر للأنبياء الاطلاع بالوحي على العواقب وليس الإلهام من العلم في شيء إنما هو ثمرة لعلم وتقوى فيوفق صاحبهما للخير ويلهم الرشد: فأما أن يترك العلم ويقول أنه يعتمد على الإلهام والخواطر فليس هذا بشيء إذ لولا العلم النقلي ما عرفنا ما يقع في النفس أمن الإلهام للخير أو للوسوسة من الشيطان.
واعلم أن العلم الإلهامي الملقى في القلوب لا يكفي عن العلم المنقول كما أن العلوم العقلية لا تكفي عن العلوم العقلية لا تكفي عن العلوم الشرعية فإن العقلية كالأغذية والشرعية كالأدوية ولا ينوب هذا عن هذا.
وأما قوله أخذوا علمهم ميتا عن ميت:
стр. 385
أصلح ما ينسب إليه هذا القائل أنه ما يدري ما في ضمن هذا القول وإلا فهذا طعن على الشريعة.
أنبأنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أبو حفص بن شاهين قال: من الصوفية من رأى الاشتغال بالعلم بطالة وقالوا نحن علومنا بلا واسطة.
قال وما كان المتقدمون في التصوف إلا رؤوسا في القرآن والفقه والحديث والتفسير ولكن هؤلاء أحبوا البطالة.
وقال أبو حامد الطوسي: اعلم أن ميل أهل التصوف إلى الإلهية دون التعليمية ولذلك لم يتعلموا ولم يحرصوا على دارسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون.
بل قالوا: الطريق تقديم المجاهدات بمحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها والإقبال على الله تعالى بكنه الهمة وذلك بأن يقطع الإنسان همه عن الأهل والمال والولد والعلم ويخلو نفسه في زاوية ويقتصر على الفرائض والرواتب ولا يقرن همه بقراءة قرآن ولا بالتأمل في نفسه ولا يكتب حديثا ولا غيره ولا يزال يقول الله الله الله إلى أن ينتهي إلى حال يترك تحريك اللسان ثم يمحي عن القلب صورة اللفظ.
قال المصنف ﵀: قلت، عزيز علي أن يصدر هذا الكلام من فقيه فإنه لا يخفى قبحه: إنه على الحقيقة طي لبساط الشريعة التي حثت على تلاوة القرآن وطلب العلم.
وعلى هذا المذهب فقد رأيت الفضلاء من علماء الأمصار فإنهم ما سلكوا هذه الطريق وإنما تشاغلوا بالعلم أولا.
وعلى ما قد رتب أبو حامد تخلو النفس بوساوسها وخيالاتها ولا يكون عندها من العلم ما يطرد ذلك فيلعب بها إبليس أي ملعب فيريها الوسوسة محادثة.
ومناجاة ولا ننكر أنه إذا طهر القلب انصبت عليه أنوار الهدى فينظر بنور الله إلا أنه ينبغي أن يكون تطهيره بمقتضى العلم لا بما ينافيه فإن الجوع الشديد والسهر وتضييع الزمان في التخيلات أمور ينهي الشرع عنها فلا يستفاد من صاحب الشرع شيء ينسب إلى ما نهى عنه كما لا تستباح الرخص في سفر قد نهى عنه.
ثم لا تنافي بين العلم والرياضة بل العلم يعلم كيفية الرياضة ويعين على تصحيحها.
وإنما
стр. 386
تلاعب الشيطان بأقوام أبعدوا العلم وأقبلوا على الرياضة بما ينهي عنه العلم والعلم بعيد عنهم فتارة يفعلون الفعل المنهي عنه.
وتارة يؤثرون ما غيره أولى منه وإنما كان يفتي في هذه الحوادث العلم وقد عزلوه فنعوذ بالله من الخذلان.
أنبأنا ابن ناصر عن أبي علي بن البنا قال: كان عندنا بسوق السلاح رجل كان يقول القرآن حجاب، والرسول حجاب ليس إلا عبد رب فافتتن جماعة به فأهملوا العبادات واختفى مخافة القتل.
أنبأنا محمد بن عبد الملك نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو الحسن محمد بن عبيد الله بن محمد الجبائي ثنا أحمد بن سليمان النجاد ثنا محمد بن عبد الله بن سليمان ثنا هشام بن يونس ثنا المحاربي عن بكر بن حنش عن ضرار بن عمرو قال: إن قوما تركوا العلم ومجالسة أهل العلم واتخذوا محاريب فصلوا وصاموا حتى يبس جلد أحدهم على عظمه وخالفوا السنة فهلكوا فوالله الذي لا إله غيره ما عمل عامل قط على جهل إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح.
نقد مسالك الصوفية في تركهم الاشتغال بالعلم
وقد فرق كثير من الصوفية بين الشريعة والحقيقة.
وهذا جهل من قائله لأن الشريعة كلها حقائق.
فإن كانوا يريدون بذلك الرخصة والعزيمة فكلاهما شريعة.
وقد أنكر عليهم جماعة من قدمائهم في إعراضهم عن ظواهر الشرع.
وعن أبي الحسن غلام شعوانة بالبصرة يقول: سمعت أبا الحسن بن سالم يقول: جاء رجل إلى سهل بن عبد الله وبيده محبرة وكتاب فقال لسهل: جئت أن أكتب شيئا ينفعني اله له.
فقال: اكتب، إن استطعت أن تلقى الله وبيدك المحبرة والكتاب فافعل: قال يا أبا محمد أفدني فائدة.
فقال: الدنيا كلها جهل إلا ما كان علما، والعلم كله حجة إلا ما كان عملا، والعمل كله موقوف إلا ما كان منه على الكتاب والسنة.
وتقوم السنة على التقوى.
وعن سهل بن عبد
стр. 387
الله أنه قال: احفظوا السواد على البياض فما أحد ترك الظاهر إلا تزندق.
وعن سهل بن عبد الله أنه قال: ما من طريق إلى الله أفضل من العلم، فإن عدلت عن طريق العلم خطوة تهت في الظلام أربعين صباحا.
وعن أبي بكر الدقاق قال: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: كل باطن يخالف ظاهرا فهو باطل.
وعن أبي بكر الدقاق أنه قال: كنت مارا في تيه بني إسرائيل فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين للشريعة فهتف بي هاتف من تحت شجرة كل حقيقة لا تتبعها الشريعة فهي كفر.
قال المصنف ﵀: وقد نبه الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء فقال: من قال إن الحقيقة تخالف الشريعة أو الباطن يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان.
وقال ابن عقيل: جعلت الصوفية الشريعة اسما وقالوا المراد منها الحقيقة.
قال: وهذا قبيح لأن الشريعة وضعها الحق لمصالح الخلق وتعبداتهم فما الحقيقة بعد هذا سوى شيء واقع في النفس من إلقاء الشياطين وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرور مخدوع.
ذكر تلبيس إبليس على جماعة من القوم في دفنهم كتب العلم وإلقائها في الماء
قال المصنف ﵀: قد كان جماعة منهم تشاغلوا بكتابة العلم ثم لبس عليهم إبليس وقال ما المقصود إلا العمل ودفنوا كتبهم.
فقد روي أن أحمد بن أبي الحواري رمى كتبه في البحر، وقال: نعم الدليل كنت والاشتغال بالدليل بعد الوصول محال.
ولقد طلب أحمد بن أبي الحواري الحديث ثلاثين سنة فلما بلغ منه الغاية حمل كتبه إلى البحر فغرقها.
وقال: يا علم لم أفعل بك هذا تهاونا ولا استخفافا بحقك ولكني كنت أطلبك لأهتدي بك إلى ربي فلما اهتديت بك استغنيت عنك.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب ما أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال: سمعت أبا الحسن غلام شعوانة بالبصرة يقول: سمعت أبا الحسن بن سالم عن
стр. 388
أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال أحمد بن محمد بن إسماعيل: أبو الحسين الخلال كان حسن الفهم له صبر على الحديث وأنه كان يتصوف ويرمي بالحديث مدة ثم يرجع ويكتب.
ولقد أخبرت أنه رمى بجملة من سماعاته القديمة في دجلة.
فأول ما سمع عن أبي العباس الأصم وطبقته وكتب الكثير.
أنبأنا زاهر بن طاهر نا أحمد بن الحسين البيهقي قال: سمعت أبا عمرو بن أبي جعفر يقول سمعت أبا طاهر الجنايدي يقول: لقد كان موسى بن هرون يقرأ علينا فإذا فرغ من الجزء رمى بأصله في دجلة ويقول لقد أديته.
أخبرنا محمد بن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا نصر الطوسي يقول: سمعت جماعة من مشايخ الري يقولون: ورث أبو عبد الله المقري عن أبيه خمسين ألف دينار سوى الضياع والعقار فخرج عن جميع ذلك وأنفقها علىالفقراء.
قال: فسألت أبا عبد الله عن ذلك فقال: أحرمت وأنا غلام حدث وخرجت إلى مكة على الوحدة حين لم يبق لي شيء أرجع إليه.
وكان اجتهادي أن أزهد في الكتب وما جمعت من العلم والحديث أشد علي من الخروج إلى مكة والتقطع في الأسفار والخروج عن ملكي.
أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا إسماعيل الحيري ثنا محمد بن الحسين السلمي قال سمعت أبا العباس بن الحسين البغدادي يقول: سمعت الشبلي يقول: أعرف من لم يدخل في هذا الشأن حتى أنفق جميع ملكه وغرق في هذه الدجلة سبعين قمطرا مكتوبا بخطه وحفظ قرأ بكذا وكذا رواية يعني بذلك نفسه.
قال المصنف ﵀: قد سبق القول بأن العلم نور وأن تلبيس يحسن للإنسان إطفاء النور ليتمكن منه في الظلمة ولا ظلمة كظلمة الجهل.
ولما خاف إبليس أن يعاود هؤلاء مطالعة الكتب فربما استدلوا بذلك على مكايدة حسن لهم دفن الكتب وإتلافها وهذا فعل قبيح محظور وجهل بالمقصود بالكتب وبيان هذا أن أصل العلوم القرآن والسنة فلما علم الشرع أن حفظهما يصعب أمر بكتابة
стр. 389
المصحف وكتابة الحديث فأما القرآن فإن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه آية دعى بالكاتب فأثبتها وكانوا يكتبونها في العسب والحجارة وعظام الكتف ثم جمع القرآن بعده في المصحف أبو بكر صوتا عليه ثم نسخ من ذلك عثمان بن عفان ﵁ وبقية الصحابة وكل ذلك لحفظ القرآن لئلا يشذ منه شيء.
وأما السنة فإن النبي ﷺ قصر الناس في بداية الإسلام على القرآن وقال: «لا تكتبوا عني سوى القرآن».
فلما كثرت الأحاديث رأى قلة ضبطهم أذن لهم في الكتابة.
فروي عن أبي هريرة ﵁ أنه شكى إلى رسول الله ﷺ قلة الحفظ فقال: «ابسط رداءك فبسط رداءه وحدثه النبي ﵊ وقال ضمه إليك.
فقال أبو هريرة فلم أنس بعد ذلك شيئا بما حدثنيه رسول الله ﷺ ».
وفي رواية أنه قال: «استعن على حفظك بيمينك»، يعني بالكتابة.
وروى عنه ﷺ عبد الله بن عمرو أنه قال: «قيدوا العلم.
فقلت: يا رسول الله وما تقييده؟ قال ك الكتابة».
وروى عنه أيضا رافع بن خديج قال: «قلنا يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: اكتبوا ولا حرج».
قال المصنف ﵀: واعلم أن الصحابة ضبطت ألفاظ رسول الله ﷺ وحركاته وأفعاله واجتمعت الشريعة من رواية هذا برواية هذا.
وقد قال رسول الله ﷺ : «بلغوا عني».
وقال: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها».
وتأدية الحديث كما يسمع لا يكاد يحصل إلا من الكتابة لأن الحفظ خوان.
وقد كان أحمد بن حنبل ﵁ يحدث بالحديث فيقال له: امله علينا.
فيقول: لا بل من الكتاب.
وقد قال علي بن المديني: أمرني سيدي أحمد بن حنبل أن لا أحدث إلا من الكتاب.
فإذا كانت الصحابة قد روت السنة وتلقتها التابعون وسافر المحدثون وقطعوا شرق الأرض وغربها لتحصيل كلمة ههنا وكلمة من هنا وصححوا ما صح وزيفوا ما لم يصح وجرحوا الرواة وعدلوا وهذبوا السنن وصنفوا ثم من
стр. 390
يغسل ذلك فيضيع التعب ولا يعرف حكم الله في حادثة فما عوندت الشريعة بمثل هذا.
فهل لشريعة من الشرائع قبلنا إسناد إلى نبيهم وإنما هذه خصيصة لهذه الأمة.
وقد روينا عن الإمام أحمد بن حنبل مع كونه طاف الشرق والغرب في طلب الحديث أنه قال لابنه: ما كتبت عن فلان؟ فذكر له أن النبي ﵊: «كان يخرج يوم العيد من طريق ويرجع من أخرى» فقال الإمام أحمد بن حنبل: إنا لله سنة من سنن رسول الله لم تبلغني.
وهذا قوله مع إكثاره وجمعه، فكيف بمن لم يكتب وإذا غسل أفترى إذا غسلت الكتب ودفنت على ما يعتمد في الفتاوى والحوادث على فلان الزاهد أو فلان الصوفي أو على الخواطر فيما يقع لها نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى.
(فصل)
قال المصنف ﵀: ولا تخلو هذه الكتب التي دفنوها، أن يكون فيها حق أو باطل أو قد اختلط الحق بالباطل.
فإن كان فيها باطل فلا لوم على من دفنها وإن كان قد اختلط الحق بالباطل ولم يمكن تمييزه كان عذرا في إتلافها فإن أقواما كتبوا عن ثقات وعن كذابين واختلط الأمر عليهم فدفنوا كتبهم.
وعلى هذا يحمل ما يروى عن دفن الكتب عن سفيان الثوري وإن كان فيها الحق والشرع فلا يحل إتلافها بوجه لكونها ضابطة العلم وأموالا وليسأل من يقصد إتلافها عن مقصوده فإن قال تشغلني عن العبادة.
قيل جوابك من ثلاثة أوجه: أحدها أنك لو فهمت لعلمت أن التشاغل بالعلم أو في العبادات.
والثاني: أن اليقظة التي وقعت لك لا تدوم فكأني بك وقد ندمت على ما فعلت بعد الفوات.
واعلم أن القلوب لا تبقى على صفائها بل تصدأ فتحتاج إلى جلاء وجلاؤها النظر في كتب العلم.
وقد كان يوسف بن أسباط دفن كتبه ثم لم يصبر على التحديث فحدث من حفظه فخلط، والثالث أننا نقدر تمام يقظتك ودوامها والغنى عن هذه الكتب
следующие страницы →