أو عَدُوٍّ، أو عَطَشٍ، أو عَدَمِ آلةٍ، أو فَوْتِ ما يفوتُ لا إِلى خَلَف، كصلاة العيد ابتداءً أو بِناءً، والجنازةِ لغير الوليّ.
===
بكم رحيماً﴾ (١) قال فسكت عنه رسول الله ﷺ (وقد نقل الإِمام هذا الحديث بزيادة: فتَيممت وصليت، فضحك رسول الله ﷺ (٢) .
(أَوْ عَدُوَ) آدمياً كان أو غيرَه كالسَّبُع والحيَّة، وهذا يَشمل المحبوسَ، فإنه يصلي بالتيمم، واختُلِفَ هل يُعيد أم لا (٣) ؛ (أو عَطَشٍ) سواء كان عطَشَ نفسِه أو رفيقِه أو دابَّتِه مِنْ كلبٍ أو غيره، وسواء كان العطشُ حاصلاً في الوقت أو متوقَّعاً في ثاني الحال على ما ذُكِرَ في عامة الكتب (أو عَدَمِ آلة) كحَبْل أو دَلْو أو نحوهما.
(أو فَوْتِ ما يفوتُ لا إِلى خَلَف) بفتحتين أي: بَدَلٍ وعِوَض. احتَرَز بهذا القيد عن فوتِ الجمعة فإنَّ الظُّهر يَخْلُفها، وعن فوتِ إحدى الفرائض الخمس، فإنَّ قضاءها يَخْلُفها (كصلاة العيد ابتداءً) بأن كان جنباً أو مُحدِثاً، وخاف إن اغتسل أو توضَّأ فاتَتْه (أو بناءً) بأن كان الإِمامُ أو المقتدي شَرَع فيها فسبَقَه الحَدَث فخاف إن اشتغلَ بالوضوءِ أنْ تفوتَه، فإن كان شرع فيها بالتيمُّمِ تيمَّمَ وبَنَى بالاتفاق، لأنه متى أُمِرَ بالوضوء فسدَتْ صلاتُه، لأنه يكون واجداً للماء فيها، وإن كانَ شَرَع فيها بالوضوء تيمَّمَ وبَنَى عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجزيه التيمُّمُ لعدم خوفِ الفوت إذ اللاحِقُ يصلي بعد فراغ الإِمام. ولأبي حنيفة: أنَّ خوف الفوت باقٍ، لأنه يومُ زَحْمَةٍ، فربما اعتراه ما أفسد صلاتَه، والأظهر قولهما (٤) .
(والجنازةِ) أي وكصلاة الجنازة (لغير الوليّ) قيَّدَ به لأن الوليَّ يُنتظَر، ولو صَلَّوا له حَقُّ الإِعادة، وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة، وفي «الهداية»: هو الصحيح. وروى ابن أبي شيبة والطحاوي والنَّسائي في كتاب «الكُنَى» عن ابن عباس أنه قال: إذا خِفتَ أن تفوتك الجنازةُ وأنتَ على غير وُضوءٍ فتيمَّم، وروى البيهقِي أنَّ ابن عُمَر أُتي بجنازة وهو على غير وُضوءٍ فيتمَّمَ وصلَّى عليها، ونقَلَ الدارقطنيُّ عنهما في صلاة
стр. 107
[صِفَةُ التَّيَمُّم]
وهو ضَرْبَتانِ: ضَرْبةٌ لِمَسحِ وجهِهِ، وضرْبةٌ ليديه مع مِرْفَقَيْه،
===
العيد كذلك.
وهو قولُ مالك وأحمد خلافاً للشافعي، ومما يُستدَلُّ به على ذلك ما رواه الشيخان من حديث أبي جُهَيم الحارث بن الصِّمَّة قال: أقبَلَ رسول الله ﷺ من نحو بئرِ جَمَلٍ (١) فلقيه رجلٌ فسلَّم عليه، فلم يَرُدَّ عليه حتى أقبل على جدارٍ فمسَحَ وجهه ويديه، ثم رَدَّ ﷺ ﵇، ثم اعتذَرَ إليه فقال: «إني كرهتُ أن أذكر اسمَ الله إلا على طُهْر» أو قال: «إلا على طهارة».
(صِفَةُ التَّيَمُّم)
(وهو) أي التيمُّمُ (ضَرْبَتانِ) وهما وَضْعَتانِ على وجْه الشِّدَّة (٢) ، ولو في مكانٍ واحد على الأصح لعدم صيرورته مستعمَلاً، لحصوله بما التَزَق بيده لا بما فَضَل. وحاصلُهُ: أن الضَّرْبَ رُكنٌ، فلو أحدَثَ بعده قبل المسح لا يجوز المسحُ بتلك الضربة لكونها ركناً كما لو أحدَثَ في الوضوء بعد غَسْل بعض الأعضاء، وبه قال السيد أبو شجاع، واختاره شمس الأئمة، وقال الإِسْبِيجابي: يجوز كمن ملأ فمَهُ (٣) فأحدَثَ ثم استعمله.
(ضَرْبةٌ لمسحِ وجهه، وضرْبَةٌ ليديه مع مِرْفَقَيْه) لقوله تعالى: ﴿فامْسَحُوا بوجوهِكم وأيدِيكم﴾ (٤) ولِمَا رواه الدارقطني والحاكم وصحَّحه من حديث جابر أنَّ النبي ﷺ قال: «التيمُّمُ ضَرْبتان: ضربةٌ للوجه، وضربةٌ للذراعين إلى المرفقين».
ولو وضَعَ يدَهُ مرَّتين من غير ضَرْب ففي «المبسوط»: الجوازُ، وفي «الغاية»: الضَّرْبُ أولى وذلك إما ليوافِقَ لفظَ الحديث، وإما لِيَدْخُلَ الغُبارُ في أثناءِ الأصابع، ولذا قال في «الزاد»: ينبغي أن تكون الأصابعُ منفرِجَةً عند الضرب. واستيعابُ مَسْحِ العضوين بالتيمم واجبٌ في ظاهر الرواية، لأنه خَلَفٌ عن الوضوء، وفي الوضوء يجبُ الاستيعابُ، فكذا في التيمم، حتى لو لم يَمسَحْ ما تحت الحاجبين وفوقَ العينين أو لم يُحرِّك خاتمَهُ وهو ضيِّق لا يجزئه. وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة: أنه إذا تيمَّمَ على
стр. 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأكثر جاز.
والمِرفقانِ يَدْخُلانِ في المسح، وبه قال الشافعي خلافاً لزُفَر، وقال الأوزاعي والأعمش: إلى الرُّسُغين، وهو روايةُ الحسن عن أبي حنيفة ومَرْوِيٌّ عن ابن عباس، وقال الزُّهْري: إلى الآباط.
وحديثُ عَمَّار وَرَدَ بذلك كلِّه كما رواه الطحاويُّ وغيرُه: فرجَّحنا روايةَ إلى المرفقين بقولِ النبي ﷺ «التيمُّمُ ضَرْبتان: ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المِرْفقين»، رواه الحاكم والدارقطني بهذا اللفظ عن ابن عُمَر عنه ﷺ
وبِمَا في الطبراني والدارقطني والطحاوي: عن الرَّبيع بن بَدْر، عن أبيه، عن جَدِّه، عن الأسْلَع التميمي: قال: أراني رسولُ الله ﷺ كيف أمسَحُ، فضَرَبَ بكفَّيه الأرضَ ثم رَفَعَهُما لوجهه، ثم ضَرَبَ ضَربةً أخرى فمسَحَ ذِراعيه باطِنَهما وظاهِرَهُما حتى مَسَّ بيديه المرفقين.
زاد الطحاوي عن الأسلع التميمي قال: كنتُ مع رسول الله ﷺ في سفرٍ فقال: «يا أسلَعُ قُمْ فارْحَلْ لنا»، قلتُ: يا رسول الله أصابتني بَعْدَك جنابةٌ، فسكتَ عني حتى أتاه جبرائيل بآية التيمم، فقال لي: «يا أسلع قُمْ فتيمَّمْ صعيداً طَيِّباً ضَرْبَتَيْنِ: ضَرْبةً لوجهك، وضَرْبةً لذِراعَيْكِ ظاهِرَهما وباطِنَهما»، فلمَّا انتهينا إلى الماءِ قال: «يا أسلَعُ قُمْ واغتسل».
ومَنْ قال: إلى الرُّسُغين استدَلَّ بما في «الكتب الستة» من حديث عبد الرحمن بن أبْزَى: أنْ رجلاً أتى عُمَرَ ﵁، فقال: إني أَجنبتُ فلم أجد الماء، فقال: لا تُصَلِّ، فقال عَمَّارٌ: أمَا تذكُرُ يا أمير المؤمنين إذ كنتُ أنا وأنتَ في سَرِيَّة، فأجنبنا فلم نجد الماء، فأمَّا أنتَ فلم تُصلِّ، وأمَّا أنا فتمعَّكْتُ في التراب (١) فصلَّيتُ، فأتينا النبيَّ ﷺ فأخبرناه فقال النبي ﷺ «إنَّما يكفيك أن تَضْرِبَ بيديك الأرضَ ثم تَنْفُخَ وتمسَحَ بهما وجْهَك وكفَّيك»؟ قال عُمَر: نُولِّيك مِنْ ذلك ما تولَّيت.
قلنا: المرادُ بالكفَّينِ: الذراعان إطلاقاً لاسم الجزء على الكلّ، أو المرادُ الكفَّانِ مع الباقي حملاً له على قوله: كنتُ في القومِ حين نَزَلَتْ الرُّخصَةُ في المسَحَ بالتُّرابَ إذا لم نجد الماء، فأُمِرْنَا فَضَرَبْنا واحدةً للوجه، ثم ضَرْبةً أخرى لليدينِ إلى المرفقين.
стр. 109
على كلِّ طاهرٍ من جنس الأرض
===
ومَنْ حَدَّه إلى الآباط استدَلَّ بما رواه الطحاوي مِنْ طُرَقٍ عن عمَّار بن ياسر قال: كنتُ مع رسول الله ﷺ حين نزلَتْ آيَة التيمُّم فضَرَبْنا ضربةً واحدةً للوجه، ثم ضَرَبْنَا ضربةً لليدين إلى المنكبين ظَهْراً وبَطْناً، وفي روايةٍ: تيمَّمنا مع رسول الله ﷺ في سَفَرٍ، فهَلَكَ عِقْدٌ لعائشة، فطلبوه حتى أصبحوا وليس مع القوم ماءٌ، فنزلَتْ الرُّخْصَة في التيمم بالصعيد، فقام المسلمون فضَرَبُوا بأيديهم إلى الأرض، فمسحوا بها وجوهَهم وظاهِرَ أيديهم إلى المناكب وباطِنَها إلى الآباط.
قلنا: هو بَدَلٌ عن الوضوء، فالتنصيصُ على الغاية فيه تنصيصٌ عليها في التيمم، مع ما في الأحاديث القولية من التنصيص عليها، ويُحملُ الحديثُ على فعلِ بعضهم أخذاً من إطلاق اليدين بدونِ ذكرِ الغاية، وليس في الحديث ما يدلُّ على أنه ﷺ اطَّلعَ على فعلهم هذا وقَرَّرَهم، مع احتمال النَّسْخ، والله سبحانه أعلم.
وفي «المحيط»: وكيفيَّةُ التيمم أن يَضرِبَ يديه على الأرض ثم يَنفضَهُما فيمسَحَ (بهما وجهه بحيث لا يَبقَى منه شيء وإنْ قلّ، ثم يَضرِبَ يديه على الأرض ثم يَنفضَهُما فيمسَحَ) (١) بهما كفَّيه وذراعيه كليهما إلى المرفقين. وقال بعضُ مشايخنا: يَضْرِبُ يديه ثانياً ويَمسحُ بأربعِ أصابعِ يدِهِ اليُسْرى ظاهِرَ يدِهِ اليُمْنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يَمسَحُ بكفِّه اليُسْرى باطِنَ يدِهِ اليُمنى إلى الرُّسُغ، ويُمِرُّ باطِنَ إبهامه اليُسرى على ظاهر إبهامه اليُمنى، ثم يَفعلُ باليدِ اليُسرى كذلك، وهو الأحوط، لأن فيه احترازاً عن استعمال المستعمَلِ بقدرِ الإِمكان، فإنَّ التراب الذي على يده يصير مستعمَلاً بالمسح حتى لو ضَرَبَ يديه مرةً ومسَحَ بهما وجهه وذراعيه لا يجوز، ولا يجبُ مسْحُ باطنِ الكفِّ، لأنَّ ضربهما على الأرض يُغني عنه.
(على كلِّ طاهرٍ) متعلِّقٌ بضربة، وقيَّدَ بالطاهر لأنه المراد بالطيِّب في قوله تعالى: ﴿فتيَمَّموا صَعِيداً طيِّباً﴾ (٢) وعليه الإِجماع، (مِنْ جنسِ الأرض) فكلُّ ما يَلِينُ ويذوبُ بالنار كالذهب والفضة، أو يحترقُ بها فيصير رماداً كالخشَب: ليس من جنس الأرض، لأنَّ مِنْ طبعِها أن لا تحترق بالنار ولا تلين بها، كذا في «المحيط».
وأطلقه مالك لظاهر الصعيد، وأجمعوا على أنه لا يجوز التيمُّمُ بالرماد، وقال الشافعي وأحمد في أقوى الروايتين عنه وأبو يوسف في رواية: لا يجوزُ التيمُّمُ إلا
стр. 110
ولو بلا نَقْع، وعليه مع القُدْرَةِ على الصَّعِيدِ
===
بالتُّراب لما في مسلم من حديث حُذَيفة قال: قال رسول الله ﷺ «فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كصفوف الملائكة، وجُعِلتْ لنا الأرضُ كلُّها مسجداً، وجُعِلتْ تُربتُها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء».
وعن أبي يوسف وهو رواية عن أحمد: لا يجوزُ التيمم إلا بالتراب أو الرمل، لِمَا روى أحمد، والبيهقي، وإسحاق بن رَاهُويَه، والطبراني في «الأوسط»، عن أبي هريرة: أنَّ أُناساً من أهل البادية أَتَوا رسول الله ﷺ فقالوا: إنَّا نكونُ بالرمال الأشهُرَ الثلاثة والأربعة، ويكونُ فينا الجنبُ والحائضُ والنُّفَساء، ولسنا نجدُ الماءَ؟ فقال النبي ﷺ «عليكم بالأرض».
ولأبي حنيفة ومحمد وهو مذهَبُ مالك: قولُه تعالى: ﴿فتَيمَّموا صعيداً طيِّباً﴾ (١) ، والصعيدُ: اسمٌ لما ظهَرَ على وجه الأرض مِنْ جنسها، وما في «الصحيحين» من حديث جابر: «أُعطِيت خمساً لم يُعطَهُنَّ أَحد قبلي: نُصِرتُ بالرُّعب مسيرةَ شهر، وجُعِلَتْ لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً، وأُعطِيتُ جوامعَ الكَلم، وأُحِلَّتْ لي الغنائم، وأُرسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً». وأمَّا حديثُ حذيفة فنحن نقولُ به، فإن التراب عندنا مما يُتيمَّمُ به، وكذلك حديثُ أبي هريرة، على أنَّ في إسناده المُثَنَّى بنَ الصَّبَاح وقد قال أحمد فيه: لا يساوي شيئاً، وقال النَّسائي: متروك.
(ولو بلا نَقْعٍ) أي ولو كان الطاهرُ الذي من جنسِ الأرض بلا غُبَار، حتى لو ضَرَب بيديه على حجرٍ أملسَ، أو حائط لا غُبارَ عليه، أو على أرضٍ نَديَّة ولم يَلتزِقْ بيده منه شيء: جاز عند أبي حنيفة، وقال محمد: لا يجوز بلا نَقْع، وهو قولُ الشافعي لقوله تعالى: ﴿فامْسَحُوا بوجوهِكم وأيدِيكم منه﴾ (٢) . وكلمةُ مِنْ للتبعيض، ولأبي حنيفة وهو روايةٌ عن محمد: أنَّ المعتبر هو الإِمساسُ، بدليل أنه يَنفضُهما حتى يتناثر ما عليهما من التراب.
(وعليه) أي وجاز التيمم على النَّقْع أيضاً (مع القدرة على الصعيد) أي فضلاً معَ عدم القدرة للضرورة، حتى لو تيمَّمَ بغُبَارِ ثوبه، أو بنُفاضةِ لِبْدهِ، أو كَنَسَ داراً، أو كالَ حنطةً، أو هدَمَ بيتاً، أو هبَّتْ الريحُ فارتفع الغُبارُ وأصاب وجهَهُ وذراعيه فمسَحَ بنيَّةِ التيمم: جاز، لأن الغُبارَ جزءٌ من التراب. وقال أبو يوسف: لا يجوز لأنه ترابٌ ناقص،
стр. 111
بنيَّةِ أداء الصلاة.
ويصحُّ قبل الوقْتِ والطَّلَبِ من الرَّفيقِ
===
إلا إذا عَجَزَ عن التراب للضرورة. ولو تيمَّمَ مِنْ الطِّين جاز عند أبي حنيفة وهو الصحيح، لأنَّ الواجب عنده وضْعُ اليد على الأرض لا استعمالُ جزءٍ منها، والطينُ من جنس الأرض، إلا إذا صار مغلوباً بالماء فلا يجوز التيمم به.
(بنيَّةِ أداء الصلاة) وكذا بنيَّةِ استباحتِها، أو الطهارةِ، أو عبادةٍ مقصودةٍ لا تصح إلا بالطهارة، كسجود التلاوة وصلاة الجنازة. وقال زُفَر: لا تُشترطُ النيَّةُ في التيمم كما لا تُشترطُ في الوضوء والغُسل. وأُجيبَ بأنَّ التيمم لمَّا كان معناه اللغويُّ القصدَ، فاعتُبِرَ في مقتضاه الشرعي، وأيضاً الماءُ مطهِّرٌ بطبعه فلا يَحتاج إلى قصده، والترابُ مغبِّرٌ بوضعه فاحتِيجَ إلى قَصْدِه، لا سيما عند فَقْد أصله.
ولو تيمَّمَ لقراءة القرآن لا تجوز به الصلاة هو الصحيح، وكذا لو تيمَّمَ لدخولِ المسجد أو مسِّ المصحف ثم صلَّى الفريضةَ لا يجوز عند عامَّة العلماء. قال أبو بكر الرازي: ويَحتاج إلى نيَّة التيمم للحدثِ أو الجنابة، لأنَّ التيمم لهما بصفةٍ واحدة، فلا يتميز أحدُهما عن الآخر إلا بالنية. وقيل: لا يجبُ وهو الصحيح، لأن الحاجة إلى النية لتحصيل الطهارة، وعن محمد في الجنب إذا تيمَّمَ يُريدُ به الوضوءَ أجزأه عن الجنابة.
(ويصحُّ) أي التيمُّمُ (قبل الوَقْت) أي وقتِ الصلاة.
وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يصحُّ لأنه طهارةٌ لضرورةِ صحة الصلاة، كطهارة المُستَحَاضة.
ولنا إطلاقُ النصوص في حقّ الوقت، والمطلَقُ يَبقى على إطلاقه، منها: قولُه تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيَمَّموا صعيداً طيِّباً﴾ (١) وقولُه ﷺ «التُّرابُ طَهُورُ المسلم»، وفي رواية «السُّنَنِ»: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضوءُ المسلم ولو إلى عَشْرِ حِجَج ما لم يجد الماء» (٢) ، وقولُه في «الصحيحين»: «وجُعِلَتْ لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً»، ولأنه خَلَفٌ عن الوضوءِ والغُسل، وهما مِنْ شروط الصلاة، والأصل في الشرط جوازُ تقدُّمِه على الوقت، وكذا خَلَفُهُ الذي بمنزلة فَرْعه.
(والطَّلَبِ من الرفيق) أي ويَصِحُّ التيمُّمُ أيضاً قبل طَلَبهِ الماءَ من رفيقه الذي
стр. 112
ويُصلِّي بواحدٍ ما شاء.
===
معه ماءٌ، وكذا حُكمُ الدَّلْو والرِّشاء (١) ، وهذا عند أبي حنيفة لأنه لا يلزمُه الطلبُ مِنْ مِلْك الغير، ولأنَّ السؤال مَذَلَّة ومهانة، وفيه بعضُ حرج وزيادةُ كُلفة. وعندهما: لا يصحُّ التيمُّمُ إلا بعدَ الطلب، لأنَّ الماءَ مبذولٌ عادة، وقد سأل رسولُ الله ﷺ بعضَ حوائجه مِنْ غيره. وقيل: لا خلاف، فمرادُ أبي حنيفة إذا غلَبَ على ظنِّه منعُه إياه، ومرادُهما إذا غلَبَ عليه عدَمُ منعه، ولذا لم نجد (٢) في «الكافي» خلافاً، وقال: إن كان مع رفيقه ماءٌ فظَنَّ أنه إن سأله أعطاه لم يَجز التيمم، وإن ظنَّ أنه لا يعطيه جاز (٣) ، وإن شك (في الإِعطاء) (٤) وتيمَّمَ وصلَّى وسأله فأعطاه يُعيده لأنه ظهر أنه كان قادراً، وإن منَعَه قبل شروعه وأعطاه بعدَ فراغه لم يُعِد لأنه لم يَتبيَّن أنَّ القدرة كانت ثابتة.
(ويصلي بواحدٍ) أي بتيمُّمٍ واحدٍ (ما شاء) أي من أداءِ الفرائض وقضائِها والنوافلِ.
وقال مالك والشافعي: لا يَجمَعُ بين فرضين بتيمم واحد. والخلافُ يُبنَى تارةً على أنه رافعٌ للحدث عندنا مبيحٌ عندهم، وتارةً على أنه طهارةٌ ضروريةٌ عندهم، مطلقةٌ عندنا. وقال أحمد: إذا تيمَّمَ صلَّى الصلاةَ التي حضَرَ وقتُها والفوائتَ والتطوُّعَ، إلى أن يدخل وقتُ صلاة أخرى.
ولنا حديثُ أبي ذَرّ السابق (٥) وهو قولُه ﷺ «الصَّعيدُ الطيِّب وُضوءُ المسلم ولو إلى عَشْرِ حِجَج ما لم يجد الماءَ»، فقد جعله ﷺ وُضوءاً عند عدمِ الماءِ مطلقاً، فوجب أن يكون حُكمُه كحكم الوضوء، فوجب القولُ بارتفاع الحدَثِ إلى وجود الماء، ويؤيِّدُه قولُه تعالى: ﴿ولكنْ يُريد ليُطَهِّرَكُم﴾ (٦) .
ولا مُتمسَّكَ للشافعي في قوله: إنَّ التيمم لا يَرفعُ الحدَثَ لقوله ﷺ لعَمْرو بن العاص حين صَلَّى بالتيمم عن الجنابة: «ما حمَلَكَ على أن صلَّيتَ بأصحابك وأنت جنب»؟ لاحتمالِ أنه تيمَّم مع القدرة أو ظَنَّ ﷺ منه ذلك، بل هو الظاهِرُ، لأنه ﷺ قال له على وجه الإِنكار، ولا يُنْكِرُ ﷺ التيمَّمَ في موضع يجوز، ولمَّا بيَّنَ له السبَبَ تركه.
стр. 113
[نَوَاقِضُ التَّيمم]
ويَنقُضُه ناقضُ الأصل، وقُدرتُهُ على ماءٍ كافٍ لطُهْره لا ارتدادُهُ. ونُدِبَ لِرَاجيه صلاتُه آخِرَ الوقت.
===
(نَوَاقِضُ التَّيَمُّمِ)
(ويَنقُضُه) أي التيمُّمَ (ناقضُ الأصل) أصلِ ذلك التيمم وضوءاً كان أو غُسلاً، لأنه خَلَفُه فيأخذ حُكمَه منه. وفي بعض النسخ: ناقضُ الوضوء. (وقُدرتُهُ على ماءٍ) أي بإباحة أو تمليكٍ، في الصلاة أو خارجَها، قُدرةً حقيقةً أو حكميةً، كالناعس إذا مرَّ على الماء عند أبي حنيفة. وفي «فتاوى قاضيخان» قيل: يجبُ أن لا يُنقَضَ عند الكل، لأنه لو تيمَّمَ وبقُرْبِه ماء ولم يَعلم به صحَّ تيمُّمه فكذا هذا. انتهى. وهذا هو الظاهرُ، لأن أبا حنيفة إذا قال بجوازه لمستيقظٍ على شاطاء نهر لا يَعلَمُ به، فكيف يقولُ بانتقاض تيمُّم المارِّ به مع تحقُّق غفلته؟.
(كافٍ لطهْره) وضوءاً كان أو غُسلاً، لأنَّ الماء الذي لا يكفي للطهارة وجودُهُ كالعَدَمِ في حقّها. فلو اغتسل جنبٌ فبقي عضو من أعضائه وفَنِي الماءُ ثم أحدثَ حدثاً يوجب الوضوء فيتمَّمَ لهما، فإنْ وجَدَ بعد ذلك من الماء ما يكفي لِلُّمْعَةِ والوضوءِ بطل تيمُّمُه في حق كلِّ واحدٍ منهما، وإن لم يجد ما (١) يكفي لأحدهما بقي تيمُّمُه في حقهما، وإن وجَدَ ما يكفي لأحدهما بعينه بطل تيمُّمُه في حقه، وإن وجد ما يكفي لأحدهما لا بعينه غَسَل اللُّمْعَة لأنَّ الجنابة أغلظ.
وهل يُعيدُ التيمُّم للحدَث؟ فيه روايتان، وعلى إعادته فإنْ تيمَّم أولاً ثم غَسَل اللُّمعة، ففي إعادة التيمم أيضاً روايتان، وإن صَرَف الماء إلى الحدث انتقض تيمُّمه في حق اللُّمعة باتفاق الروايتين.
(لا ارتدادُهُ (٢) ) أي لا يَنقضُ التيمُّمَ ارتدادُ المتيمِّم، وقال زُفَر: يَنْقُضه لأنه عبادة، وكلُّ عبادة تَبطل بالرِّدَّة. واعتُرِضَ بأن التيمم لا يكون عبادة إلا بالنية، وهي ليست بشرط عند زُفَر. وأُجِيب بأن هذا القول منه في تيمُّمٍ بنيَّة. ولنا أنَّ الحاصل بالتيمم صفةُ الطهارة، والكفرُ لا ينافيها كالوضوء، والرِّدَّةُ تُبطِلُ ثوابَ العمل لا زوالَ الحدث.
(ونُدِبَ) أي استُحِبَّ (لِرَاجِيه) أي الماءِ (صلاتُه آخِرَ الوقت) ليقع الأداءُ بأكمل
стр. 114
ويجبُ طَلَبُهُ قَدْرَ غَلْوَةٍ إِنْ ظنَّه قريبًا
===
الطهارتين كالطامع في الجماعة نُدِبَ له تأخيرُ الصلاة إلى آخر الوقت، لكن لا يبالغ في التأخير لئلا تقع الصلاة في وقت الكراهة.
(ويجبُ طلَبُهُ) أي طلبُ الماءِ أو طلبُهُ الماءَ، بأن يَنظر يمينه وشِماله وأمامه ووراءه، كذا ذكره الشُّمُنِّي. والظاهر أنه يجب عليه الطلبُ من جانبِ ظنِّه ما يُقدَّرُ (قَدْرَ غَلْوَةٍ) بفتح معجمة وسكون لامٍ، وهي: مقدارُ رَمْيَةٍ (١) وهو الصحيح (إِنْ ظَنَّه قريباً).
وقال مالك والشافعي: يجبُ الطلبُ مطلقاً لقوله تعالى: ﴿فلم تَجِدوا ماءً﴾ (٢) . وهو يفيد وجوبَ الطلب.
ولنا ما روى أبو داود والحاكم وصحَّحه: عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمَّما صعيداً طيِّباً ـ يعني فصَلَّيا ـ ثم وَجَدا الماءَ في الوقت، فأعاد أحدُهما الصلاة ولم يُعِد الآخر، ثم أتيا رسولَ الله ﷺ فذَكرا له ذلك، فقال للذي لم يُعِد: «أصبتَ السُّنَّة وأجزأَتْك صلاتك، وللذي توضَّأ وأعاد: لك الأجْرُ مرَّتين».
وفي «المحيط»: ولو قَرُبَ من الماء وهو لا يَعلمُ به ولم يكن بحضرته من يسأله عنه أجزأه التيمم، لأنَّ الجهل بقُربه من الماء كبُعْده عنه، ولو كان بحضرته من يسأله فلم يسأل حتى تيمَّم وصلَّى، ثم سأله، فأخبره بماءٍ قريب لم تَجُز صلاته، لأنه قادر على استعمال الماء بواسطة السؤال، فإذا لم يَسأل جاء التقصير مِنْ قِبَلِه فلم يُعذَر، كمن نَزَل بالعُمْران ولم يطلب الماء لم يَجز تيمُّمُه. وإن سأله في الابتداء فلم يُخبره حتى تيمَّم وصلَّى، ثم أخبره بماءٍ قريب جازت صلاته، لأنه فَعَل ما عليه، وإنْ وجَدَه بثمن زائد على المثل زيادةً لا يَتغابَنُ الناسُ فيها يتيمَّم، لأنه لا يصل إلى استعماله إلا بإتلافِ بعضِ مالِه بلا عِوَض، وحُرمة المال كحرمة النفس.
وإن وجده بثمنِ المثل أو بزيادةٍ يُتغابَنُ فيها لم يتيمم ولزِمَه الشراء، لأنَّ القدرة على البَدَل كالقدرة على الأصل، كمَنْ عليه كفَّارة ولم يَملك رقبة، ولكنه مَلَك ثمنَها،
стр. 115
وإذا ذكَرَه في رَحْله لا يُعِيدُ الصلاةَ.
===
فإنه لا يجزيه التكفيرُ بالصوم. وفي «الخلاصة»: وتفسيرُ الغَبْن الفاحش: لو كان قيمةُ الماء درهماً وهو لا يبيعه إلا بدرهمين. وهذا كلُّه إن فَضَل عن نفقته.
(وإِذا ذَكَرَه) أي تذكَّر الماء (في رحله) أي منزلِه بعدما صلَّى متيمماً وكان بمحلٍ يُنْسَى فيه عادةً، فسواءٌ ذكره في الوقت أو بعده (لا يُعيد الصلاة) إذا وضَعَه بنفسه أو وُضِعَ بعلمه عند أبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف، وكذا عند مالك والشافعي، وأمَّا إذا وُضِعَ بغير علمه فبالاتفاق. وقيَّدْنا بالنسيان لأنه لو ظَنَّ أنَّ ماءه قد فَنِي فتيمَّمَ وصلَّى ثم تبيَّنَ أنه لم يَفْنَ أعاد الصلاة بالاتفاق، لأنه أخطأ في ظنّه وأمكنه تحقيقُه بالطلب والتفحُّص. وقيَّدنا الماءَ بكونه في محلٍ يُنسَى فيه عادةً لأنه لو لم يكن كذلك بأن كان في مُقدَّم الرَّحْل وهو راكب، أو في مُؤخَّره على الظهر وهو سابقٌ يُعيد بالاتفاق.
ثم التيمُّمُ مع وجود نبيذ التمر (١) متعيِّنٌ عند أبي حنيفة في الأصح، وقد أفتى أبو يوسف به، وفي رواية عن أبي حنيفة تعيَّن الوضوءُ به لِمَا روى الطحاوي: أنَّ ابن مسعود كان مع النبي ﷺ ليلةَ الجِنّ وأنه ﷺ احتاج إلى ما يتَوضَّأ به ولم يكن معه إلا النَّبِيذُ فقال ﷺ «تَمْرةٌ طيِّبةٌ وماءٌ طهور فتوضَّأ به». لكن رُوي أنَّ ابن مسعود أنكر كونَه مع النبي ﷺ ليلةَ الجِنّ، ويؤيِّدُه (٢) ما صحَّ في أبي داود والترمذي عن عبد الله ابن مسعود … الحديث (٣) إلا أنه قيل: هو منسوخٌ بآية التيمم، لأنَّ تلك القضية مكيَّة والآية مدنيَّة. وروي عن محمد عن أبي حنيفة: الجمعُ بينهما احتياطاً.
ولو كان أكثَرُ بَدَنِه صحيحاً وأقلُّه جريحاً ثم أَجنب أو أحدث غَسَل الصحيحَ ومسَحَ الجريحَ إن لم يَضرَّه، وعلى الخِرقة إن ضرَّه وتيمَّمَ لو كان عَكَسَه لقوله ﷺ في المجدور: «كان يَكفيه التيمُّم» (٤) . ولأن أحداً لم يقل بغَسْل ما بين كل جُدَرَتَيْنِ،
стр. 116
فَصْلٌ [في المَسْحِ على الخُفَّيْن والجَبْيرَة]
المَسْحُ على الخُفَّين جائزٌ للمُحدِث دون مَنْ عليه
===
فدَّل أنَّ العبرة بالأكثر. وقد تقرَّر أنه لا يُجمع بين الأصلِ والبدل، فلا نَجمع نحن ومالكٌ بين الوضوءِ والتيمم خلافاً للشافعي.
فصلٌ (في المَسْحِ على الخُفَّين والجَبِيرةِ)
(المَسْحُ على الخُفَّين) أي دون الخُفِّ الواحد (جائز) أي عند أهل السنّة والجماعة خلافاً لبعض أهل البدعة. وهو ثابتٌ بالسُّنَن المشهورة المتظاهرة، كادت أن تكون متواترة. ورُوي عن أبي حنيفة أنه قال: ما قلتُ بالمسح على الخفين حتى وردَتْ فيه آثار أضوأُ من الشمس، وعنه: أخاف الكُفرَ على من لم يَر المسح على الخفين. لأنَّ الآثار التي جاءت فيه في حيِّز التواتر، أي التواترِ المعنوي وإن كانت من الآحادِ اللفظي.
وقال أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثاً من أصحاب رسول الله ﷺ وفي «الاستذكار» لابن عبد البَرّ: رَوَى المسحَ على الخفين نحوُ أربعين من الصحابة. وفي «الإِمام» لابن دقيق العيد: قال ابنُ المنذر وغيرُه: رَوَينا عن الحسن البصري أنه قال: حدَّثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه مسَحَ على الخفين. ورَوَى الجماعةُ من حديث جَرير قال: رأيتُ رسول الله ﷺ بالَ ثم توضَّأ فمسَحَ على خُفِّيه. قال إبراهيم النَّخَعي: كان يُعجبهم هذا لأن إسلام جَرير كان بعد نزول المائدة، وفي لفظ للبخاري: لأنَّ جَريراً كان آخِر مَنْ أسلم.
وقال ابنُ عبد البَرّ: لم يُروَ عن أحدٍ من الصحابة إنكارُ المَسْح، إلا عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة، فأمَّا ابنُ عباس وأبُو هريرة فقد جاء عنهما بالأسانيد الحِسان خلافُ ذلك وموافقةُ سائر الصحابة، وأمَّا عائشةُ ﵂ ففي «صحيح مُسْلمٍ»: أنها أحالت ذلك على عِلْم عليّ. وقد رَوَى عن شُرَيح بن هانيء قال: سألتُ عائشةَ ﵂ عن المسح على الخفين فقالت: لا أدري، سَلُوا عليَّاً، فإنه كان أكثرَ سفراً مع رسول الله ﷺ فسألْنا عليّاً فقال: رأيتُ رسول الله ﷺ يَمسح على الخفين. وفي روايةٍ: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «يَمسَحُ المقيمُ يوماً وليلة، والمسافِرُ ثلاثة أيام وليالِيَها»، فبَلَغ ذلك عائشةَ فقالت: هو أعلَمُ.
وإنما يجوز المسحُ على الخفين (لِلمُحدِث) رجلاً كان أو امرأةً (دون مَنْ عليه
стр. 117
الغُسل. وفَرْضُه - وهو خُطوطٌ - مِقْدارُ ثلاثةِ أصابعِ اليدِ في أسفلِ السَّاقِ.
===
الغُسل) للجنابة، لِمَا روى الترمذي، وصحَّحه وابن خزيمة، وابن حِبَّان في «صحيحه»: عن زِرْ بن حُبَيش أنه سأل صفوانَ بن عسَّال المُرادي عن المسح على الخفين فقال: «كان رسول الله ﷺ يأمُرنا إذا كنا سَفْراً أن لا نَنْزِعَ خِفافنَا ثلاثةَ أيام وليالِيَها إلا مِنْ جنابة، ولكن مِنْ بولٍ وغائطٍ ونوم». فلا يَمسحُ الجُنُب.
وصورتُه: توضَّأ ولَبِسَ خفيه ثم أَجنب ومعه ماء، فليس له أن يَربط خُفَّيه بحيث لا يَدخل الماءُ فيهما ويَغسلَ سائرَ جسده ويمسحَ خفيه. وقيل: صورتُه: لَبِسَ خُفَّيه ثم أَجنب وليس معه ماء، فتيمَّم لجنابته، ثم أَحدث ثم وجَدَ ماء يكفي للوضوء: لا يجوز المسحُ على خفيه.
وكذا لا تَمسحُ النُّفساء، وصورتُه: لَبِسَتْ الخفين على طهارة فنَفِسَتْ وانقطع نِفاسُها قبلَ ثلاثة أيام وهي مسافرة، أو قبل يوم وليلة وهي مقيمة. وكذا لا تَمسحُ الحائض، وصورةُ ذلك إنما تتأتى على قول أبي يوسف: إنَّ أقلَّ الحيض يومانِ وأكثرُ الثالث في مسافرةٍ لبِسَت الخفين فحاضَتْ وانقطع حيضُها لعادتها وهي يومانِ وأكثَرُ الثالث، وأمَّا على قولهما: إنَّ أقلَّ الحيض ثلاثة أيام ولياليها، فلا يتأتّى تصويرٌ لها، لأنها إن لبسَتْ الخفين قبل الحيض فغَسْلُ الرِّجْلين واجب لانقضاء مُدَّة المسح، وإنْ لَبِسَتْهما في الحيض فغَسلُ الرِّجلين واجِب لفواتِ شرط المسح وهو لُبسُ الخفين على طهارة. والمقصودُ تصويرُ المسألة بحيث لا يكون مانعٌ مِنْ مسحِ الخفين سوى وجوب الاغتسال.
(وفَرْضُه) أي مفروضُ المسح مقدَّرٌ عندنا (وهو خُطوطٌ) أي ثلاثةٍ (مِقْدارُ ثلاثة أصابعِ اليد) وقيل: أصابع الرِّجْل.
وقدَّره الشافعيُّ بجزءٍ ما، ومالكُ بأكثرِ ساترٍ أو كلِّه قياساً على مسح الرأس.
(في أسفلِ) أي في محلَ يكون أسفَلَ (السَّاقِ) في كلِّ رِجْل، فلو مسَحَ على أحَدِ خُفَّيه قَدْرَ إصبعين وعلى الآخَرِ قَدْرَ أربع لا يجزيه. ولو بدأَ مِنْ قِبَلِ الساقِ إلى الأصابع أو مسَحَ على ظهر القَدَم جاز، إلا أنه خِلافُ الأولى. وفي بعض النسخ: قَدْرُ ثلاث أصابعِ اليد أسفَلَ الساق على أعلاها. أي أعلى أسفل الساق وهو ما لاقَى ظاهِرَ القدم، ولا يَمسحُ على أسفلها، وهو ما لاقَى باطنَ القدم، ولا على عَقِبهِ، ولا على جَنْبِه، ولا على ما تحته لِمَا روى أبو داود في «سننه»: من حديث عَبْدِ خَيْر، عن عليّ كرَّم الله وجهه أنه قال: لو كان الدِّينُ بالرأي لكان أسفَلُ الخُفّ أَولى بالمسحِ مِنْ
стр. 118
ويجوزُ على الجُرْمُوقَيْن
===
أعلاه. وفي روايةٍ: لكان باطِنُ الخُفّ أَولى بالمسحِ مِنْ ظاهرِه، وقد رأيتُ رسول الله ﷺ يَمسَحُ على ظاهر خُفَّيه.
وروى ابن أبي شيبة عن عُمَر: أنَّ النبي ﷺ أمَرَ بالمسح على ظاهر الخفين إذا لَبِسَهُما وهما طاهرتان. وفي روايةِ الطبراني بلفظ: سمعتُ رسول الله ﷺ يأمرُ بالمسح على ظهر الخف ثلاثة أيام وليالِيَهن للمسافر، وللمقيم يوماً وليلة. وروى ابن أبي شيبة عن المغيرة بن شعبة قال: رأيتُ رسول الله ﷺ بالَ ثم جاء حتى توضأ ومسَحَ على خُفَّيه، ووضَعَ يدَهُ اليمنى على خُفِّه الأيمن ويدَهُ اليسرى على خُفِّه الأيسر، ثم مسَحَ أعلاهما مَسحةً واحدة، وكأني أنظرُ إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين.
وروى ابن ماجه والطبراني عن بَقيَّة بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: مرَّ رسول الله ﷺ برجلٍ يتوضَّأ وهو يغسل خُفَّيه فَنَخَسه بيده (١) وقال: «إنما أُمِرنا بالمسح هكذا»، وأَرَاه مِنْ مُقدَّم الخفين إلى أسفلِ أصلِ الساق مرَّةً، وفرَّجَ بين أصابعه.
ولا يُسَنُّ مسْحُ أسفلِه عندنا. ويُسَنُّ عند مالك والشافعي لما رواه أبو داود والترمذي من حديث الوليد بن مسلم بسنده إلى المغيرة بن شعبة قال: وضَّأْتُ رسولَ الله ﷺ في غزوةِ تَبوك، فمسَحَ على الخُفِّ وأسفلِه. قلنا: قد أعلَّه الترمذيُّ وغيرُه.
(ويجوزُ) أي المسحُ (على الجُرْمُوقَيْن) (٢) أي الجُرْمُوقَيْن يُلبَسانِ فوقَ الخفين في البلاد الباردة، فارسيٌّ معرَّب.
وقال مالك في إحدى الروايتين والشافعيُّ في قولٍ: لا يجوز المسحُ عليه، لأنه لا يُحتاج إليه في الغالب فلا تتعلَّقُ به الرخصة.
ولنا ما روى أبو داود، وابن ماجه، وابن خُزَيمة، والحَاكم وصحَّحه: أنَّ عبد الرحمن بن عَوْف سأل بلالاً عن وضوء رسول الله ﷺ فقال: كان يَخرجُ يقضي حاجته، فآتيه بالماء فيتوضَّأ ويمسحُ على عِمامته وجُرْمُوقَيه (٣) . ولأنَّ الجُرْمُوق (٤) لا يُلبَسُ بدون الخفِ عادة، فأشبه خُفّاً ذا طاقين، وإنما يجوز المَسْحُ على
стр. 119
وكلِّ ما يَستُرُ الكَعْبَ ويُمكن به السَّفَرُ.
وشُرِطَ كونُهما مَلْبُوسَيْنِ على طُهرٍ تامّ
===
الجرموقين عندنا إذا لَبِسَهُما فوق الخفين قبل أن يُحدِث ويَمسحَ، فأما إذا مسَحَ عليهما أوَّلاً ثم لَبِسَ الجرموق فليس له أن يمسح عليه (لأن حكم المسح استقر في الخف، فصار من أعضاء الوضوء حكماً، فيصير الجرموق بدلاً عنه، وكذا لو أحدث بعدما لبس الخف ثم لبس الجرموق، فليس له أن يمسح عليه) (١) لأنَّ ابتداء المسح من وقتِ الحدث، وقد انعقد في حق الخف، ولا يتحول إلى الجرموق بعد ذلك.
(وكلِّ ما يَستُر الكَعْبَ) أي ويجوز المسحُ على ما يستره (ويُمكن به السَّفَرُ) أي السَّفَرُ القصير العُرْفي وأقلُّه فرسخ (٢) ، سواء كانا مجلدين بأن كان الجلدُ أعلاهما وأسفلَهما، أو مُنعَّلَين بأن كان الجلد أسفلَهما فقط، أو ثخينين مستمسكين على الساق في قول أبي يوسف ومحمد وأبي حنيفة أخيراً قبلَ موتِه بسبعة أيام، وفي «النوازل»: بثلاثة أيام، وعليه الفتوى، لما روى أصحاب «السنن الأربعة»: عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ توضَّأ ومسَحَ على الجَوْربَينِ والنعلين. قال الترمذي: حسن صحيح. واعتُرِضَ بأن المعروف من رواية المغيرة المسحُ على الخفين. وأجيبَ بأنه لا مانع من أن يَروي المغيرة اللفظين، وقد عضدَه فعلُ الصحابة.
قال أبو داود: ومسَحَ على الجوريين: عليٌّ، وابن مسعود، والبراء، وأنس، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعَمْرو بن حُرَيث. ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس، ويؤيده روايةُ ابن ماجه عن أبي موسى، والطبرانيِّ عن عيسى بن شيبان، وابن أبي شيبة عن بلال: أنه ﷺ كان يمسحُ على الخفين والجَوْرَبين.
وأجمعوا على أنه لو كان مُنعَّلاً أو مُبطَّناً يجوز المسح عليه، ولو كان من الكِرْباسِ (٣) لا يجوز المسحُ عليه، وإن كان من الشَّعَر فالصحيح أنه إن كان صُلْباً مُستمِسكاً يَمشي معه فرسخاً أو فراسخ يجوز. فعلى هذا الخلاف.
(وشُرِطَ كونُهما) أي الخفينِ ونحوِهما أو الممسوحينِ سواء كانا خُفَّين أو جرموقين (٤) أو جَوْرَبين (ملبوسينِ على طُهر تامّ) أي بعْدَ طُهرِ (كامل) (٥) أعضاءِ
стр. 120
وقتَ الحَدَث، لا في الجَبِيرة،
===
فَرْضِ وضوئه أو غُسلِه (وقتَ الحدَث) ظَرْفٌ لتامّ، فلا يُمسح على الخُفّ الملبوس على حَدَث.
وتَمسحُ المستحاضةُ ومَنْ بمعناها في الوقت، وبه قال مالك، ومنعه الشافعي في قولٍ لضعفِ طهارتها. ولا تَمسحُ خارجَ الوقت، وأجازه زُفَر إلى تمام المدة مسافراً كان أو مقيماً، ولا يُمسَحُ على الجرموق (١) الملبوس على خُفَ ممسوح، ولا على الخُفّ الملبوس على تيمم.
وقال مالك والشافعي وهو أشهر الروايتين عن أحمد: يُشترطُ أن يكون الطُّهرُ تامّاً وقتَ اللُّبس، فعندنا لو غَسَل رجليه ولَبِسَ الخفين ثم غَسَل باقي الأعضاء، أو توضَّأ مُرَتِّباً وغسَلَ رجله اليمنى فأدخلها الخف ثم غسَلَ اليسرى وأدخلها ثم أحدث: يَمسح، وعندهم لا يَمسح. أما لو غَسَل رجليه، ثم لَبِسَ خُفَّيه، ثم أحدث، ثم أكمل الوضوءَ لا يجوزُ له المسحُ بالإِجماع كما ذكره العَيْني في «شرح التُّحفة».
لنا أنَّ الخفّ مانعُ حلولِ الحدث بالقَدَم فيُراعَى كمالُ الطهارة وقتَ المنع، ولا دلالة لهم في قوله ﷺ للمغيرة بن شعبة: «دَعْهُما فإني أدخلتُهما طاهرتين». لأنَّ معناه أدخلتُ كلَّ واحدة منهما وهي طاهرة، كما يقال: دخلنا البلدَ رُكباناً، فإنَّ معناه دخَلَ كلٌّ منا وهو راكب، لا أنَّ جميعَنا راكبٌ عند دخولِ كلَ منا، كذا ذكره بعضُ علمائنا. وفيه بَحْث، إذ يَبعدُ حَمْلُ طُهره ﷺ على غير المرتَّب المسطور مع احتماله المرتَّبَ المذكور، فالصوابُ في الجواب أنَّ الحديث نحن نقول به، وجوازُ تَرْكِ الترتيب عُلِمَ بدليل آخر فتدبَّر.
(لا في الجَبِيرة) أي لا يشترَطُ في المسح على الجبيرة كونُها مربوطةً على طُهر لأنها تُشدُّ حالَ الضرورة، فاشتراطُ الطهارة في شدِّها مُفضٍ إلى الحرج.
وقال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه: يُشترط، لأنه مسحٌ على الحائل فصار كمسح الخف.
والجَبِيرةُ: عُودٌ أو نحوُه يُربَطُ على العظم المكسور ونحوِه لِجَبْرِهِ.
وفي «المحيط»: لو كانت الجَبيرة زائدة على رأس الجرح، أو افتُصِدَ فتجاوز الرِّباطُ موضعَ الجِرَاحة: فإن كان حَلُّ الخِرقة وغَسْلُ ما تحتها يَضُرُّ بالجراحة، يجوز
стр. 121
ولا بأسَ بسقُوطِها إِلا عن بُرء.
===
المسحُ على الكل تبعاً لموضع الجراحة، لأنه لا يُمكنه ربطُ موضعِ الجراحة وحده. وإن كان الحَلُّ والمسحُ لا يَضرُّ بالجُرح لا يجزيه المسحُ على الخِرقة، بل يَغسِلُ ما حول الجراحة ويمسَحُ عليها. وإن كان يَضرُّه المسحُ ولا يضره الحلُّ، يمسحُ على الخرقة التي على رأس الجراحة ويَغسِلُ حواليْها وما تحت الخرقة الزائدة، هكذا فسَّره الحسنُ ابن زياد، لأنَّ جواز المسح لأجل الضرورة فيتقدر بقَدْرها، ومِنْ ضررِ الحَلِّ أن يكون في مكانٍ لا يَقدِرُ على ربطها بنفسه ولا يجدُ من يربطها.
ولو مسَحَ على بعض الجبيرة، ذكر الحسن: أنه إن مسَحَ على الأكثر أجزأه وإلا فلا، لأنه أُقيم الأكثر مُقام الكل دفعاً للحرج. ولو تَرَك المسحَ على الجبائر، والمسحُ يَضرُّه، جاز بلا خلاف، وإن لم تَضُرّه لم تَجُز صلاتُه عند أبي يوسف ومحمد، ولم يحكِ في «الأصل» قولَ أبي حنيفة. وقيل: عنده يجوز تَرْكُه بناءً على رِوايَةِ استحبابه عنده، قيل: هو قولُه الأول ثم رجَعَ عنه، والصحيحُ: أنَّ عنده مسحَ الجبيرة واجب وليس بفرض حتى يجوزُ بدونه الصلاة، لأن الفرضية لا تَثبت إلا بدليلٍ مقطوع به، قال في «متن المواهب»: وبه قالا (١) . وفي «الخلاصة» من يقول: مسحُ الجبيرة فرْضٌ يقول: استيعابُهَا فرْض، وهو رواية عن أبي حنيفة، وفي رواية عنه: لو مَسَح الأكثرَ يجوز وعليه الفتوى. والمجروحُ كالمكسور.
(ولا بأسَ بسقوطها) أي في حال (إِلا) إذا سقطتْ بنفسها سقوطاً ناشئاً (عن بُرءٍ) فإنه إن كان في الصلاة يستقبل الصلاة (٢) ، لأنه ظهر حكمُ الحدَث السابق، فصار كأنه شَرَع من غير غَسْلِ ذلك الموضع. وإن كان خارجَ الصلاة يَغسِلُ موضعَها لا غير إن لم يكن مُحْدِثاً. وأمَّا إن سقطتْ عن غير بُرء فإن كان في الصلاة يَمضي عليها، وإن كان خارجَ الصلاة أعاد الجبيرة أو أبدَلَها بأخرى ولا يُعيد المسحَ لبقاء العذر.
والدليلُ على جواز مَسْح الجَبيرة ما رواه ابن ماجه، والبيهقي، والدارقطني: عن علي كرَّم الله وجهه أنه قال: انكسَرَ (٣) أحَدُ زَنْديَّ فسألتُ النبي ﷺ فأمَرَني أن أمسحَ
стр. 122
ولا يُمْسَحُ ساترُ غيرِ الرِّجْلِ إِلَّا هي
===
على الجبيرة. والزَّنْدُ مَفْصِلُ طرَفِ الذراعِ في الكفّ. قال البيهقي: وصحَّ عن ابن عُمَر ﵄ أنه مسَحَ على الجبيرة، ولم يُعرَف له مخالف من الصحابة. وروى الدارقطني عن ابن عُمَر: أنَّ النبي ﷺ كان يَمسَحُ على الجبائر. وضعَّفه، لكن صحَّحَ المنذريُّ وغيره عن ابن عُمَر موقوفاً عليه أنه توضَّأَ وكفُّهُ معصوبة، فمسَحَ عليها وعلى العصابة، وغَسَل سِوَى ذلك. والموقوفُ في هذا كالمرفوع، لأنَّ الأبدالَ لا تُنصَبُ بالرأي.
وروى الطبراني عن أبي أُمَامة عن النبي ﷺ أنه لمَّا رماه ابنُ قَمِيئة يومَ أُحُد قال: «رأيتُه إذا توضَّأ حَلَّ عن عصابته، أي كشَفَ عنها ومسَحَ عليها بالوضوء». أي على الجبيرةِ بماءِ الوضوء، وكان شُجَّ في وجهه وكُسِرتْ رَباعِيَتُه ﷺ (١) .
وروى أبو داود في «سننه» عن جابر قال: خرجنا في سفَرٍ فأصاب رجلاً منا حجَرٌ فشجَّه في رأسه، ثم احتلم فقال لأصحابه: هل تجدون لي رُخصةً في التيمُّم؟ قالوا: ما نجدُ لك رُخصةً وأنت تقدر على الماء، قال: فاغتسل فمات، فلما قَدِمنا على النبي ﷺ أُخبِرَ بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله، أَلا سألوا إذْ لم يعلموا؟ فإنَّما شِفاءُ العِيِّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمَّمَ ويَعْصِرَ أو يَعْصِبَ ـ شَكَّ موسى ـ على جُرحه خِرْقَةً ثم يمسَحَ عليها ويغسِلَ سائرَ جسده». قال البيهقي في «المعرفة»: هذا أصحُّ ما يُروَى في هذا الباب مع اختلافٍ في إسناده.
(ولا يُمْسَحُ سَاتِرُ غيرِ الرِّجل) بالإِضافة (إِلاَّ هي) أي الجَبِيرة، فلا يُمسَحُ على عِمامةٍ، ولا قَلَنْسُوَةٍ، ولا بُرْقُعٍ، ولا قُفَّاز. قال محمد في «موطئه»: أخبرنا مالك قال: بَلَغني عن جابر: أنه سُئل عن العِمامة فقال: لا، حتى يَمسَّ الشعرَ الماءُ. ثم قال: وأخبرنا مالك عن نافع قال: رأيتُ صَفيَّةَ ابنةَ أبي عُبَيد تتوضَّأُ وتَنزِعُ خِمارَها ثم تَمسحُ برأسِها.
قال نافع: وأنا يومئذٍ صغير. قال محمد: بهذا نأخذ، لا يُمسَحُ على خِمار ولا على عمامة، بَلَغنا أنَّ المسح على العمامة كان فتُرِكَ. أي فصار منسوخاً.
وأجازه الأوزاعي وأحمدُ وأهلُ الظاهر على العمامة، وقالوا: صحَّ أنَّ رسول الله ﷺ مسَحَ على عِمامته وخُفَّيه، فقد روى أبو داود في «سننه»، وابن خُزيمة في
стр. 123
ومُدَّتُه للمُقِيمِ يومٌ وليلة، وللمسافر ثلاثة مِن وقتِ الحدَث.
===
«صحيحه»، والحاكم وصحَّحه: أنَّ عبد الرحمن بن عوف سأل بلالاً عن وُضوء رسول الله ﷺ فقال: كان يخرجُ يَقضي حاجته، فآتيه بالماء فيتوضَّأ ويَمسَحُ على عِمامته ومُوقَيْه» (١) وروى الطبراني في «معجمه» عن علي بن أبي طالب قال: «زعم بلال أنَّ رسول الله ﷺ كان يَمسحُ على المُوقَيْن والخِمار». وروى البيهقيُّ في «سننه» عن أنس والطبرانيُّ عن أبي ذَرَ مثلَه.
والجوابُ أنه منسوخ، أو كان بعُذْرٍ برأسه، ومع وجود الاحتمال لا يَصلُح للاستدلال والله تعالى أعلمُ بالأحوال، مع أنَّ الاستدلال بالحديث لا يَتِمُّ، لأنَّ قوله تعالى: ﴿وامْسَحُوا برءوسِكم﴾ (٢) يقتضي عدَمَ جوازِ مسحِ غيرِ الرأس، فيكون العمل به زيادةً عليه بخبر الواحد، وهو لا يجوز، وإنما جاز المسحُ على الخُفّ لكون خبرِه تجاوَزَ عن حَدِّ الآحاد، والله تعالى أعلم بالمراد.
(ومُدَّته) أي مُدَّةُ المسح على الخفين (للمقيم يومٌ وليلة). وقال مالك في إحدى الروايتين عنه: لا يَمسَحُ المقيم. (وللمسافر ثلاثة) وفي بعض النسخ: ثلاثةُ أيام.
وقال مالك: لا توقيتَ في مسح الخُفَّين، ويُستحَبُّ نزعهُما للمقيم في كلِّ جمعة. لِمَا رواه الحاكم في «المستدرك» عن أنس: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا توضَّأ أحدُكم ولَبِسَ خُفَّيه، فليُصَلِّ فيهما، وليَمْسَحْ عليهما، ثم لا يَخلعْهما إن شاء إلاَّ مِنْ جنابة». وقال: إسنادُه صحيح على شرط مسلم، ورُواته ثقات عن آخرهم. وحَمَله ابنُ الجوزي على مُدَّة الثلاث ولم يُعِلَّه. ولحديثِ خُزَيمة: قال رسول الله ﷺ «المسحُ على الخفين للمسافر ثلاثةُ أيام، وللمقيم يومٌ وليلة». رواه أبو داود والترمذيُّ وابنُ ماجه.
وفي رواية لأبي داود (٣) : ولو استزدناه لزادنا. ولابنِ ماجه: ولو مَضَى السائلُ على مسألته لجعَلَها خمساً. إلا أنه معلول بثلاثِ عِللٍ ذكره ابن دقيق العيد في «الإِمام». ولحديث أُبَيِّ بنِ عُمَارة قال: يا رسول الله أَمْسَحُ على الخفين؟ قال: «نعم، قال: يوماً؟ قال: «نعم»، قال: ويومين؟ قال: «نعم»، قال: وثلاثة؟، قال: «نعم وما بَدَا لك». رواه أبو داود ثم قالَ: واختُلِفَ في إسناده، وليس بالقوي.
(مِنْ وقتِ الحدَث) أي مُبتدِئاً مِنْ وقتِ الحدث الذي يَمسَحُ عقيبَه،
стр. 124
[نَوَاقِضُ المَسْحِ على الخُفَّيْنِ]
وناقِضُهُ ناقضُ الوضوء، ومُضيُّ المُدَّة،
===
وهو قولُ عامَّة العلماءِ، لِمَا روى أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حسَنٌ صحيح، عن خُزَيمة بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ «المسحُ على الخفين للمسافر ثلاثةُ أيام وللمقيم يومٌ وليلة». ولقولِ المُغِيْرَة بن شُعْبة: آخِرَ غزوة غزونا مع رسول الله ﷺ أمرَنا أن نَمسحَ على خِفافنا، للمسافر ثلاثةَ أيام وليالِيَها وللمقيم يوماً وليلةً ما لم نَخلع. رواه الطبراني. والظاهرُ أنَّ هذا التوقيت لبيانِ مُدَّة الحاجة إلى المسح، إذْ قبلَ الحدث لا حاجة إليه لحصول الطهارة بالغَسل.
وقيل: ابتداءُ مُدَّةِ المسح من وقتِ لُبْس الخفين، وهو قولُ الحسن البصري لقولِ صفوان: (كان رسول الله يأمرنا) (١) أن لا نَنزعَ خِفَافَنَا ثلاثة أَيام وليالِيَها. وقيل: مِنْ وقتِ مَسْحهما لتعليقِ المدَّة بالمسحِ في الحديث، وهو رواية عن أحمد، واختاره ابن المنذر، وقال النووي: وهو الراجحُ دليلاً. انتهى.
ويصحُّ المسحُ على الخُفّ المغصوب والمسروق، وفي سفَر المعصية عندنا، ونفاه الشافعي ومالك، لأنَّ هذا معصية والرخصة لا تُناطُ بها. قلتُ: الحرمةُ لمعنى في الغير لا تُنافي الصحَّة كالصلاةِ في ثوبٍ مغصوب، وأرضٍ مغصوبة، والطهارةِ بماءٍ مغصوب، والمسألة أصولية.
(نَوَاقِضُ المَسْحِ على الخُفَّيْنِ)
(وناقِضُهُ) أي مُبطِلُ مسحِ الخف (ناقضُ الوضوء) لأنه بدَلٌ عن بعضه (ومُضِيُّ المُدَّة) لأنه موقَّتٌ بها، وذلك لأنَّ استتار القدمين بالخف كان مانعاً من سِراية الحدَث إليهما في المدَّة بالنص، فإذا مضت سَرَى إليهما، فيجب غَسلُهما لا إعادةُ بقية الوضوء. هذا إذا كان الماءُ موجوداً.
ولو انقضت المُدَّة في الصلاة وهو غيرُ واجدٍ للماء فقيل: لا تَفسدُ صلاتُه، فيَمضي عليها لعدم الفائدة في نزعه، لأنه للغَسْل ولا ماءَ عنده فيكون عَبَثاً. وقيل: تَفسدُ فيتيمَّمُ ويصلي، لأنَّ عدَمَ الماءِ لا يَمنع سِراية الحدَث، وهذا هو الأصح، لأنَّ الشرع قدَّر مَنْعَه بمدَّةٍ، فيسري الحدَثُ بعدها، فكما يُحكَمُ عند وجود الماء بأن يَغْسِل،
стр. 125
وخُرُوجُ أكثرِ العَقِب إِلى السَّاق.
وبعْدَ أحَدِ هذين يجبُ غَسْلُ رجليه فقط
===
يُحكَمُ عند عَدَمِه بأن يتيمَّم، لأنَّ الحدث وإن لم يُصب الرِّجْلَ حسّاً، لكن يُصيبها حكمُ طهارته وهو المقصود، فلا يَصلُحُ عدَمُه مانعاً من السراية بعد تمام المدَّة. لا يقال: هذا جمْعٌ بين التيمم والوضوء في الجملة وهو غيرُ جائز عندنا، لأنَّا نقول: أَحوَجَ إلى ذلك الاحتياطُ كما قلنا بالجمع بينهما في الماءِ المشكوك.
(وخروجُ أكثرِ العَقِب)
بكسر القاف: مؤخَّرِ الرِّجْل (إِلى السَّاق) عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف خروجُ أكثرِ القدم إلى الساق، وعند محمد إنْ بقي في محلِّ المسحِ مقدارُ ما يجوز المسحُ عليه ـ يعني ثلاث أصابع ـ لا يَنتقض المسحُ وإلا انتقض، لأنَّ خروج ما سِوى قَدْرِ المسح كلا خروج. ولأبي يوسف: أنَّ في الاحتراز من خروج أقلِّ القدم حرَجاً كما في الخُفِّ الواسع، ولا حرَجَ في أكثره. ولأبي حنيفة: أنَّ بقاءَ المسح لبقاءِ محل الغَسْل في الخفّ، وبخروجِ أكثرِ العَقِب إلى الساق الذي هو في حكم الظاهر لا يَبقَى محلُّ الغَسْل فيه، وهذا هو الأحوط، وكان مقتضاه خُروجَ مطلَقِه إلا أنه تُرِكَ الأقلُّ دفعاً للحرج.
ثم اعلم أنَّ خروجَ الرِّجْل ومُضيَّ المدَّة ليس بناقضٍ حقيقة، وإنما الناقضُ الحدَثُ السابق، لكن لمَّا ظهر أثرُهُ عندهما نُسِبَ النقضُ إليهما.
(وبعدَ أحَدِ هذين) أي مُضيِّ المدَّة وخروجِ أكثرِ العَقِب إلى الساق (يجبُ غَسْلُ رجليه فقط) إذا لم يكن مُحدِثاً، لأنَّ الحدَثَ السابق سَرَى إلى رجليه دون سائر أعضائه.
وشَرَط مالك أن يُبَادِر إلى غَسْلِهما بعد النزع بناءً على افتراض الوِلاء عنده. ولم يُوجب الحسنُ وطاوسٌ شيئاً بنَزْعِهما، كحلقِ الرأس بعدَ المَسْح. قلنا: الشَّعرُ خِلْقِي بخلاف الخُفّ. وقال الزُّهْري: إنْ نَزَعَ الخُفَّ عن إحدى رجليه غَسَلها ومسَحَ على خُفّ الأخرى. قلنا: طهارةُ المسْح جنسٌ واحد، فما يُبطِلُ بعضَها يُبطِلُ كلَّها. وقال بعضهُم: لا يَنقُضُ المسحَ أصلاً، وهو الأظهرُ، لأنَّ الشرعَ اعتَبَر الخُفَّ مانعاً عن سِراية الحدَث للقدم، فتَبقى على طهارتها (١) .
стр. 126
ويمنعه خَرْقٌ يَبدو منه قَدْرُ ثلاثِ أصابع الرِّجْل أصغرِها. ويُجمَعُ خُروقُ خُفٍّ لا خُفَّين.
وفي سفَر المقيم وعكسِهِ قبلَ يومٍ وليلةٍ يُعتبَرُ الأخيرُ. وبَعْدَهما يَنزِعُ.
===
(ويَمنعُه) أي مَسْحَ الخُفّ (خَرْقٌ) أي دونَ الكَعْب، لأنَّ ما فوقه لا عِبرةَ به في حقّ المسح، حتى جاز المسحُ على خُفَ قُطِعَ من الكعبين.
(يَبدو) أي يَظهرُ حالَ المشي (منه) أي مِنْ ذلك الخَرْق (قَدْرُ ثلاثِ أصابعِ الرِّجْل) أي مضمومة (أصْغَرِها) بالجرّ، لأنَّ الخِفافَ لا تخلو عن قليلِ الخَرْق وتخلو عن كثيره غالباً، فلو اعتُبِرَ القليلُ مانعاً وقع الحرج، فاعتَبَرنا الكثيرَ، وقدَّرناه بثلاثِ أصابعِ الرِّجْل الصغار، لأنَّ الأصل في القدم الأصابع، والثلاثُ أكثرُها فقام مقامَ الكل، واعتبارُ الأصغر للاحتياط.
وقدَّر مالك المنعَ بأكثر القدم لأنَّ الأصل في الرُّخصة أنَّ الصحابة وعامَّتُهم كانوا محتاجين لا يجدون إلا الخَلَق (١) من الخِفاف وقد جُوِّزَ لهم المسحُ.
(ويُجمَعُ خُروقُ خُفّ) حتى لو بلَغَ مجموعُها قدْرَ ثلاث أصابع مَنَع (لا خُفَّين) حتى لو بلَغَ مجموعُ ما فيهما قَدْرَ ثلاث أصابع لا يَمنع. ولو كانت النجاسةُ في الخُفَّين جُمِعَتْ، وكذا لو كانت في ثيابِ المصلي أو في ثوبه وبدَنِه وتحت قَدمِه، وكذا انكشاف العورة في مواضعَ متعددة. وقد أجاز الخَرْقَ اليسيرَ مالكٌ كعلمائنا، ونفاه الشافعي.
(وفي سفَرِ المقيم وعكْسِهِ) أي إقامة المسافرِ (قبل يوم وليلة) هذا قيدٌ في المسألتين (يُعتَبَرُ الأخيرُ) وهو السَّفَرُ في الأولى، فيُكمِلُ ثلاثةَ أيام، والإِقامةُ في الثانية فيُكمِلُ يوماً وليلة، لأنه صَدَقَ في الأولى أنه مسافر، وفي الثانية أنه مُقِيم، وقد قال ﷺ «يَمسَحُ المقيمُ يوماً وليلة، والمسافرُ ثلاثةَ أيام». (وبَعْدَهما) أي وفي سفَرِ المقيم وإقامةِ المسافر بعدَ يومٍ وليلة (يَنْزِعُ) أي جنسَ الخف، أما في الأُولى فلانتهاءِ المدة، وأمَّا في الثانية، فلأنَّ رُخْصةَ السَّفَر لا تَبقَى بدونه، والله تعالى أعلم.
وقال الشافعي: لا يجوزُ لمن مسَحَ ثم سافر قبلَ يوم وليلة تكميلُ مدَّةِ السفر.
وأمَّا لو أقام مسافر في مُدَّته لم يَزِد على يوم وليلة من حينِ مسَحَ (٢) ، وهذا
стр. 127
بابُ الحَيْضِ
هو دَمٌ يَنفُضُه رَحِمُ بالغةٍ لا دَاءَ بها ولا إِياس. وأقلُّ الحيض ثلاثةُ أيام ولياليها. وأكثرُه عشرة
===
بالإِجماع، لأنَّ مُدَّة المسافر قبلَ استكمالِها تصيرُ مُدَّة المقيم عند الإِقامة، والله أعلم.
(باب الحيض)
هو في أصل اللغة مصدَرُ حاضَ يَحيضُ إذا سال، وفي الشرع: (هو دَمٌ يَنفُضُه) بضم الفاء، أي يَدفَعُه ويَدفُقُه (رَحِمُ بالغةٍ) أي فرجُ آدميَّةٍ أقلُّ عُمرِها تسعُ سنين على المختار، وقيل: ستُّ سنين، وقيل: ضِعْفُها. فخرج ما لا يكون من الفرج، كالرُّعاف، ودَمِ الجراحات، والاستحاضةِ، وما يكون منه ولكن من غير آدمية، وما يكون منه إلا أنه من غير بالغة (١) (لا دَاء بها) فخرج ما يكون لمرضٍ أو حَبَلٍ أو نِفاس (ولا إِياسَ) فخرج ما تراه الآيِسةُ، وهي عند أكثرهم: بنتُ ستين سنة، وقيل: بنتُ خمس وخمسين، وهو المختار كما في «الظهيرية»، وقيل: بنتُ خمس وأربعين، وفي «الكفاية»: والفتوى في زماننا على أنه خمسون سنة.
(وأقلُّ الحيض ثلاثةُ أيام ولياليها) أي الثلاثُ، وروى الحسن عن أبي حنيفة: ثلاثةُ أيام والليلتانِ المتخللتان، وعن أبي يوسف: يومانِ وأكثَرُ اليوم الثالث.
وقال الشافعي وأحمد: يومٌ وليلة. وقال مالك: لا حَدَّ لأقلِّه لإِطلاق قوله تعالى: ﴿فاعتَزِلُوا النِّساءَ في المحيض﴾ (٢) .
والصحيحُ عندنا أنها تَترك الصومَ والصَلاةَ عند رُؤيةِ الدم وإن احتمل انقطاعُه دون الثلاث، لأنَّ الأصل الصحَّة، والحيضُ دَمُ صِحَّة. وروى ابن وَهْب عن مالك: أن أقلَّه في العِدَّة والاستبراءِ ثلاثة أيام ولياليها.
(وأكثرُه عشرة) وقال مالك والشافعي وأحمد وهو قولُ أبي حنيفة الأول: خمسةَ عشرَ يوماً، لأنَّ المرجع في ذلك إلى العُرفِ، وهو كذلك على ما قال عطاءٌ: رأيتُ مِنْ النساءِ مَنْ كانت تحيض يوماً، ومَنْ كانت تحيض خمسةَ عشرَ يوماً. وقال أبو عبد الله الزُّهري: كانتْ مِنْ نسائنا من تحيض يوماً، ومَنْ تحيضُ خمسةَ عشرَ
стр. 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يوماً.
ولنا قولُه ﷺ في حديثِ أُمِّ سَلَمة الصحيحِ لمَّا سأَلتْه عن المرأة التي تُهراقُ الدَّمَ: «لِتَنْظرْ عدَدَ الأيام والليالي التي كانت تحيض من الشهر ثم لتَغتسِلْ ثم لتُصَلِّ» (١) . حيث أجابها ﷺ بذكر الأيام مِنْ غير سؤال عن حيضها قبلَ ذلك، وأكثَرُ ما يَتناولُ لفظُ الأيام عشرة، وأقلُّه ثلاثة.
وروى الطبرانيُّ في «معجمه»: عن أبي أُمامة، والدارقطنيُّ عنه: أنْ النبي ﷺ قال: «أقلُّ الحيض للجارية البكرِ والثيِّبِ ثلاثة، وأكثرُ ما يكون عشَرَة أيام، فإذا زاد فهي استحاضة».
وروى الدارقطني عن واثِلة بن الأَسْقَع مرفوعاً: «أقلُّ الحيض ثلاثةُ أيام وأكثرُهُ عشرة أيام».
وروى ابن عَدِي في «الكامل»: عن أنس مرفوعاً ولفظُه: «الحيضُ ثلاثة أيام، وأربعةٌ، وخمسةٌ، وستةٌ، وسبعةٌ، وثمانيةٌ، وتسعةٌ، وعشرةٌ، فإذا جاوزت العشرة فهي مستحاضة».
وروى الدارقطني عن أنس قال: هي حائض فيما بينها وبين عشرة، فإذا زادت فهي مستحاضة.
وروى ابن عدي عن معاذ بن جبل مرفوعاً: «لا حَيْضَ دون ثلاثة أيام، ولا حيضَ فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة، تتوضَّأُ لكلِّ صلاة إلا أيامَ أقرائها، ولا نِفاسَ دون أُسبوعين، ولا نِفاسَ فوق أربعين يوماً، فإن رأتْ النُّفَساءُ الطُّهرَ دون الأربعين صامت وصلَّت، ولا يأتيها زوجُها إلا بعد الأربعين».
وروى العُقَيلي عن معاذ بن جبل مرفوعاً: «لا حيْضَ أقلُّ من ثلاثة، ولا فوقَ عشرة».
وروى ابن الجوزي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: «أقلُّ الحيض ثلاثة، وأكثَرُه عشرة، وأقلُّ ما بين الحيضتين خسمةَ عشر يوماً».
стр. 129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وروى الدارقطني بسنده إلى عثمان بن أبي العاص: الحائضُ إذا جاوزتْ عشرةَ أيام فهي بمنزلة المستحاضة، تغتسِلُ وتصلي. وعثمانُ هذا صحابي. وبطريقٍ آخر له إلى سعيد بن جُبَير قال: الحيضُ ثلاثةَ عَشَر. وأَسند مثلَه عن سفيان (١) . وهو (٢) قولُ عُمَر وعلي وابن مسعود وابن عباس.
فهذه عِدَّةُ أحاديث عن النبي ﷺ بطُرقٍ متعددة تَرفعُ الضعيفَ إلى الحسَن. والمقدَّراتُ الشرعية مما لا يُدَركُ بالرأي، فالموقوفُ فيها حُكمُه الرفعُ. بل تسكُنُ النفسُ بكثرة ما رُوي فيه عن الصحابة والتابعين إلى أنَّ المرفوع مما أجاد فيه أولئك الرواةُ الضعفاء. وبالجملة فله أصلٌ في الشرع، بخلافِ قولهم: أكثَرُه خمسةَ عَشَر يوماً، فإنه لم يُعلَم فيه حديثٌ حسَنٌ ولا ضعيف، ولهذا رجَعَ عنه أبو حنيفة، والله سبحانه أعلم.
وأمَّا ما استدلُّوا به مِنْ أنه ﷺ قال: «تَمْكُثُ إحداكُن شطرَ عُمرِها لا تصلي». فقال ابن الجوزي في «التحقيق»: إنه لا يُعرَف، وقال البيهقي: لم أجده في شيء من كتب الحديث، وقال ابن مَنْدَه: لا يَثْبُتُ هذا بوجهٍ من الوجوه عن النبي ﷺ ولو سُلِّم أنه ثابتٌ، فمَنْ بلغتْ بخمسَ عشرةَ سنة إذا حاضَتْ مِنْ كلِّ شهرٍ عشرةً، وماتت في ستين سنة، كانت تاركةً للصلاة شطرَ عُمرها، على أنَّ الشطرَ نصفُ الشيء وجُزؤه كما في «القاموس»، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَك شَطَرَ المسجدِ الحرام﴾ (٣) . وحديثُ الإِسراء: «فَوَضَعَ شَطْرَها» (٤) أي بعضَها.
ويُسَنُّ للمرأةِ أن تَحتشِيَ عند الحيض قُطنةً لتتعرَّفَ بها حالَها، وتُطيِّبَها بمِسْكٍ أو غاليةٍ (٥) لتَذهبَ رائحةُ دمِها.
стр. 130
وأقلُّ الطُّهْرِ خمسةَ عشَرَ يومًا، ولا حَدَّ لأكثرِهِ.
===
(وأقلُّ الطُّهر خَمْسَة عشَرَ يَوماً) لاتفاقِ الصحابة على ذلك. وقد رَوَى جعفرُ بن محمد، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبي ﷺ أنه قال: «أقلُّ الحيضِ ثلاث، وأكثرُهُ عَشْر، وأقلُّ ما بين الحيضتين خمسة عشَرَ يوماً». عزاه القاضي أبو العباس إلى الإِمام.
(ولا حَدَّ لأكثرِه) لأنه قد يَمتدُّ إلى سنةٍ وإلى سنتين، وقد لا تحيضُ أصلاً، فلا يُقدَّرُ أكثَرُه إلا لمن استمَرَّ دمُها وهي مُبَتدَأَةٌ (١) ، فإنه يُقدَّرُ لها من كلّ شهرٍ عشرَةٌ حيضاً والباقي استحاضة.
(المُحَيّرة)
وأمَّا المعتادةُ الناسيةُ عدَدَ أيام حيضِها ودَوْرِها مِنْ كلِّ شهر: فإنْ كان لها ظنٌ تحرَّتْ ومضَتْ على غالبِ ظنها، وإنْ لم يكن لها ظنّ ـ وتُسمَّى المحيَّرة والمُضلَّلة ـ فإنها لا يُحكَمُ لها بشيء من الطُّهر أو الحيض على التعيين، بل تأخذُ بالأحوط في حقّ الأحكام بأن تصوم وتصلي (٢) لجواز أن لا تكون حائضاً، ولا يطأَها زوجُها لاحتمالِ أن تكون حائضاً.
وهل يُقدَّرُ طُهرُها في حق انقضاءِ العِدَّة؟ قيل: لا يُقدَّرُ بشيء ولا تنقضي عِدَّتُها، وقال الأكثر: يُقدَّرْ، واختلفوا في قدره:
فقال محمدُ بن إبراهيم المَيْدَاني: يُقدَّرُ بستةِ أشهر إلاَّ ساعة، وعليه الأكثر، لأنَّ مُدَّة الطُّهر أقل مِنْ أدنى مدَّة الحَمْل عادةً، فَنَقَصْنا مِنْ ذلك ساعةً، وعلى هذا تنقضي عدَّتُها بتسعةَ عشَرَ شهراً إلا ثلاثَ ساعات، لأنها تحتاج إلى ثلاث حيَض كلُّ حيضةٍ عشرة أيام، وإلى ثلاثة أطهار كلُّ طُهر ستةُ أشهر إلا ساعة. قال البِرْجَنْدي: وهذا إنما يصحُّ لو كان الطلاق في أوَّل الطهر، إذ لو كان الطلاق في آخره انقضَتْ بثلاثةَ عشَرَ شهراً إلا ساعتين. وفي «شرح الكنز»: ينبغي أن يزيدوا على ذلك لجواز أن يكون طلاقها في أوَّل الحيض، فلا يُعتدُّ بتلك الحيضة، فتنقضي العِدَّةُ بتسعةَ عشَرَ شهراً وعشرةِ أيام إلا أربعَ ساعات. فثلاثُ ساعات لما مَرَّ، وواحدةٌ لزمان إيقاع الطلاق.
وروى ابنُ سَمَاعة عن محمد بن الحسن: أنه يُقدَّرُ الطُّهرُ بشهرين. وهو اختيارُ أبي سهل الغزاليِّ والحاكمِ في «مختصره». وقيل: وعليه الفتوى (٣) . لأنَّ العادة من
стр. 131
والطُّهْرُ المُتخلِّلُ في مُدَّته، وما رأتْ مِن لونٍ فيها سوى البياضِ: حيضٌ.
===
العَوْد، والحيضُ والطُّهرُ مما يعود في شهرين عادة، فلا يكون الطهرُ أكثرَ من شهرين.
وأمَّا في حقّ ما عدا العِدَّة، فلم يُقدِّرُوا لها الطُّهرَ بشيء، بل قالوا: تَجتَنِبُ ما تَجتنبُ الحائضُ من قراءةِ القرآن ومَسِّه ودخولِ المسجد وإتيانِ الزوج، وتَغتسِلُ لكلّ صلاة فتؤدِّي به الفرضَ والوتر (١) ، وتقرأُ فيهما قَدْرَ ما تجوزُ به الصلاة ولا تزيدُ، وقيل: تقرأُ الفاتحةَ والسورةَ، لأنهما واجبتانِ وهو الأصحُّ الأحوط. وإنْ حجَّتْ تَطوفُ للزيارة، لأنه ركنٌ ثم تُعيده بعدَ عشرةِ أيام، وتطوفُ للصَّدَرِ لأنه واجب، وتصومُ شهرَ رمضان لاحتمالِ أنها طاهرة، ثم تَقضي خمسةً وعشرين يوماً، لاحتمالِ أنها حاضَتْ فيه خمسَةَ عشرَ يوماً، عشرةٌ في أوَّله وخمسةٌ في آخره أو بالعكس، واحتمالِ أنها حاضت في القضاء عشَرَة.
(والطُّهْرُ المُتخلِّلُ) أي بين الدَّمَيْنِ (في مُدَّته) أي مُدَّةِ الحيض (وما رأتْ مِنْ لونٍ فيها) أي المُدَّة (سوى البياضِ حيضٌ).
أمَّا كونُ ما عدا البياضَ الخالصَ حيضاً، فلِمَا في «الموطأ»: عن علقمة بن أبي علقمة، عن أُمِّه مولاةِ عائشة أنها قالت: كانت النساءُ يَبعْثنَ إلى عائشة بالدُّرْجة فيها الكُرْسُف فيه الصُّفْرَةُ من دَمِ الحيض يَسألْنها عن الصلاة؟ فتقول لهن: لا تَعْجلن حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البيضاءَ. تُريدُ بذلك الطُّهرَ من الحيضة. والكُرْسُف: بضم الكاف والسين المهملة: القُطنُ. والدُّرْجة: بضم الدال: حُقَّةٌ (٢) تضعُ المرأةُ فيها طِيبَها ونحوَه. والقَصَّةُ: بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة: شيء كالخيط الأبيض يَخرُجُ مِنْ قُبُل المرأة عَقِيبَ انقطاع الدم، يُعرَف به أنها طَهُرَتْ (٣) .
وأمَّا كونُ الطُّهرِ المُتخلِّل بين الدَّمَيْنِ في مُدَّةِ الحيض حيضاً فهو روايةُ محمدٍ عن أبي حنيفة، ولا يجوز على هذه الرواية بُداءةُ الحيضِ بالطهر ولا الختمُ به. ووَجْهُها أنَّ استيعابَ الدَّمِ مُدةَ الحيض ليس بشرط إجماعاً، فيُعتَبَرُ أوَّلُها وآخِرُها كالنِّصاب في باب الزكاة.
стр. 132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال أبو يوسف ـ وهو روايةٌ عن أبي حنيفة وقيل: هو آخِرُ أقواله ـ: إن كان الطُّهرُ أقلَّ من خمسةَ عشَرَ يوماً لا يَفصِل لأنه طُهرٌ فاسد، فصار بمنزلة الدَّم، وحكمُه حكمُ دمٍ منفصِل، فيُنظَرُ: إن كان ذلك كلُّه لا يزيد على العشرة فالكلُّ حيض: ما رأتْ فيه الدَّمَ وما لم تَر، سواءٌ كانتْ مُبتَدَأةً أو صاحبةَ عادة.
وإن زاد على العشرة: إن كان لها عادةٌ رَدَّتْ إليها، ويكون الزائد استحاضة. وإن كانت مُبتَدَأةً فالعشرةُ حيضٌ: ما رأت فيه الدمَ وما لم تَر، وما زاد استحاضة. وكثيرٌ من المتأخرين أفتَوا بهذه الرواية لأنها أيسر على المفتي والمستفتي لقلَّةِ التفاصيلِ التي يَشقُّ ضبطُها. ويجوزُ على هذه الرواية البداءةُ بالطُّهرِ والختمُ به، لكن يُشترَطُ إحاطةُ الدم من الجانبين، كما إذا رأت قبلَ عادتِها يوماً دماً وعشرةً طهراً ويوماً دماً، فالعشرةُ حيض.
وروى ابنُ المبارك عن أبي حنيفة: أنه يُشترَط أن يكون الدمُ في العشرة ثلاثةَ أيام، وهو قولُ زفر، لأن الحيض لا يكون أقلَّ من ثلاثة.
وحكَمَ محمدٌ بفصلِ الثلاثةِ من الطُّهر في مدة الحيض إن زادت على الدمين. قال في «المبسوط»: وهو الأصحُّ وعليه الفتوى. فلو رأت يوماً دماً وثلاثةً طهراً ويوماً دماً، لم يكن شيء منها حيضاً، لأن الطهر بلَغَ ثلاثة أيام، وهو غالبٌ على الدَّمينِ فصار فاصلاً، وكذلك إن زاد الطُّهر. وإنْ رأتْ يوماً دماً وثلاثةً طهراً ويومينِ دماً، فالستَّةُ حيضٌ، لأن الدم ساوَى الطُّهر في طَرَفي الستَّة فصار غالباً. ولو رأتْ ثلاثةً دماً وخمساً طُهراً ويوماً دماً، فحيضُها الثلاثةُ الأُولى، لأَنَّ الطهر غالب فصار فاصلاً، والمتقدِّمُ يمكن أن يُجعلَ بانفراده حيضاً، فجعلناه حيضاً.
وقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنَّ الطهر المتخلِّل بين الدَّمَيْنِ إذا كان دون ثلاثة أيام لا يصير فاصلاً، وإذا بلغ ثلاثة أيام فَصَلَ على كلِّ حال، ثم يُنظَرُ إن أمكن أن يُجعَلَ أحدُهما بانفرادِه حيضاً جُعِلَ حيضاً، كما بيَّنا مِنْ مذهبِ محمد وإنْ خالفه في حرفٍ واحد، وهو أنه لم يَعتبِر غلبةَ الدم ولا مساواةَ الدم بالطهر، فلو رأتْ مُبتدَأةٌ يوماً دماً ويومين طهراً ويوماً دماً يكون الأربعةُ حيضاً. ولو رأتْ يومينِ دماً وثلاثةً طهراً ويوماً دماً لم يكن شيء منه حيضاً، لأنَّ الطُّهر المتخلِّل بلَغ ثلاثة أيام، وواحدٌ منهُمَا بانفرادِه لا يمكن أن يُجْعَل حيضاً، ولو رأتْ يوماً دماً وثلاثةً طهراً وثلاثةً دماً كانت الثلاثةُ الأخيرةُ حيضاً.
ولا نُميِّزُ نحن ومالكٌ بين دَمَي الحيضِ والاستحاضةِ باللون عند اتصال الدَّمَين.
стр. 133
يَمنَعُ الصلاةَ والصُّومَ، ويُقضَى هو لا هي،
===
وميَّزَ الشافعيُّ به بينهما وقال: إذا عبَرَ الدمُ الأكثرَ وكانت مُبتدَأةً مميِّزةً وهي التي تَرى في بعض الأيام دماً قوياً كالأسْودِ، وفي بعضها دماً ضعيفاً كالأحمر، فيجعلُها حائضاً في وقت القوي، ومستحاضةً في وقت الضعيف، بشرط أن لا يَنقُصَ القويُّ عن أقلِّ الحيض (١) ، ولا يَزِيدَ على أكثرِه ليُمكِنَ جعلُه حيضاً، وأن لا يَنقُصَ الضعيفُ عن أقلِّ الطهر ليُمكِنَ جعلُه طهراً بين الحيضتين. وإن كانت معتادةً مميِّزةً فيأخُذ بمقتضَى التميُّزِ دون العادة على الأصحِّ عنده لقول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبَيش: «إنَّ دَمَ الحيضِ غليظٌ أسوَدُ، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان غيرُه فاغتسلي وصلِّي» (٢) .
ولنا قولُه ﷺ «المستحاضةُ تدَعُ الصلاةَ أيامَ أقرائها» (٣) . وقولُه: «دَعي الصلاة أيامَ أقرائك» (٤) . اعتَبَر الأيامَ دون اللونِ وغيرِه، ومذهبُنا رُوي عن عليّ وابن عباس، ومثلُه عن سالمِ بن عبد الله، والقاسمِ بن محمد، ومكحولٍ، والحسنِ، وإبراهيم، وابنِ سيرين. وما رواه موقوفٌ على عائشة، ومعارَضٌ بقولِ عليّ وابن عباس، وقد روى ابن ماجه عن عائشة قالت: جاءت فاطمةُ بنت أبي حُبَيش إلى النبي ﷺ فقالت: إني امرأةٌ أُستحاضُ فلا أَطهُر، أفادَعُ الصلاة؟ فقال: «لا، اجتنبي الصلاةَ أيام مَحِيضك، ثم اغتسلي وتوضَّئي لكلِّ صلاةٍ وإن قطَرَ الدَّمُ على الحصير».
(يَمْنَعُ) أي الحيضُ (الصلاةَ والصومَ) بإجماع المسلمين (ويُقضَى هو) أي الصومُ (لا هي) أي الصلاةُ لما في «الكتب الستة»: عن مُعاذَةَ العَدَوِيَّة قالت: سألتُ عائشةَ: ما بالُ الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟ قلتُ: لستُ بحَرُورِيَّة ولكني أسأل؟ قالت: كان يُصيبنا ذلك فنُؤمَرُ بقضاءِ الصوم، ولا نُؤمرُ بقضاءِ الصلاة». انتهى. وعليه الإِجماعُ. ولأنَّ في قضاء الصلاة حرجاً لكثرتِها وتكرُّرِ الحيض، بخلافِ الصوم، فإنه يجب في السنة شهراً، ولا تحيضُ المرأةُ في الشهر بحسب العادة إلا مرَّةً.
والحَرُورِيَّة: بفتحٍ فضم نسبة إلى حَرُوراءَ، وهي قريةٌ بالكوفة كان اجتماعُ أوَّلِ
стр. 134
ودخولَ المسجد والطوافَ واستمتاعَ ما تحتَ الإِزارِ
===
الخوارِجِ بها. وإنما قالت ذلك لها، لأنَّ طائفةً من الخوارج يُوجبون على الحائض قضاءَ الصلاة. والاستفهامُ إنكاريٌّ بأنَّ هذه طريقةُ الحَرُورِيَّة. وقيل: إنما قالت ذلك لأنها تعمَّقَتْ في الدين، وأهلُ حَرُوراء تعمَّقوا فيه حتى خرجوا عنه.
(و) يَمنعُ الحيضُ (دخولَ المسجد) لِمَا روى أبو داود من حديث عائشة قالت: جاء رسولُ الله ﷺ ووجوهُ بيوتِ أصحابه شارعةٌ في المسجد (١) ، فقال: «وجِّهُوا هذه البيوتَ عن المسجد». ثم دخل ولم يَصنع القومُ شيئاً رجاءَ أن يَنزِلَ فيهم رُخصة، فخرج إليهم فقال: «وجِّهُوا هذه البيوتَ عن المسجدِ، فإنِّي لا أُحِلُّ المسجدَ لجُنُبٍ ولا حائض».
(و) يَمنعُ (الطوافَ) بالكعبة لأنَّه في المسجد. واحْتِيجَ إلى ذكرِه لئلا يُتوهَّمَ أنه لمَّا جاز لها الوقوفُ (٢) مع أنه أقوى أركانِ الحجّ، فَلأَنْ يجوزَ لها الطَّوافُ أولى، ولِيَدُلَّ على أنه كما يَحرُمُ عليها الدخولُ في المسجد يَحرمُ عليها الطواف، ولأنها إذا دخَلَتْ المسجد طاهرةً ثم حاضَتْ لا تطوفُ، إِذْ يجبُ عليها الخروجُ في ساعته بتيمُّمٍ وهو الأولى.
(و) يَمنعُ (استمتاعَ ما تحتَ الإِزارِ) من المرأةِ حائضاً أو نُفَساء، وهو: ما بين السُّرَّةِ والرُّكْبة.
وقال محمد وأحمد بن حنبل: يَمنعُ الحيضُ الاستمتاعَ بالفرج خاصةً، وهو قولٌ للشافعيّ، واختاره النوويُّ لما رواه الجماعة إلا البخاريَّ عن أنس: أنَّ اليهود كانوا إذا حاضت المرأةُ لم يُواكِلُوها، ولم يُجامِعُوها في البيوت، أي لم يُساكِنُوها فيها. فسأل أصحابُ النبيّ (٣) ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسئلونَك عن المَحِيضِ قُلْ هو أَذًى﴾ (٤) … الآية. فقال ﷺ : «اصنعوا كلَّ شيء إلا النكاحَ»، أي الجماع كما في رواية.
ولنا: ما رَوَى أبو داود عن عبد الله بن سَعْد قال: سألتُ رسول الله ﷺ ما يَحِلُّ لي مِنْ امرأتي وهي حائض؟ فقال ﷺ «لكَ ما فوقَ الإِزار». وقد حسَّنه البعض، وقال
стр. 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
شارحُه أبو زُرْعة العراقيُّ: ينبغي أن يكون صحيحاً.
وما صَحَّ مِنْ قولِ عائشة: وكان يأمُرني فأتَّزِرُ، فيُباشِرُني وأنا حائض. أي يُلامِسُني. وفي المتفق عليه: أنه ﷺ كان لا يُباشِرُ إحداهُنَّ حتى يَأمُرَها أنْ تأتَزِر. ولولا مَنْعُ ما تحتَ الإِزار لم يكن لأمْرها بالإِزار (١) قبلَ المباشرةِ معنى، إلا أنه يُحتَملُ أن يكون من باب الاحتياط، فإنَّ الراعيَ حول الحِمَى يُوشِكُ أن يقع فيه، ويُمكِنُ حملُ قوله ﷺ «إلا النكاح» على الجماع حقيقةً أو حُكماً، فالمسأَلةُ ظنيةٌ غيرُ قطعية.
ثم المشهورُ من رواية المحدِّثين وغيرهِم فأَتَّزِرُ بهمزةِ قطعٍ فمُثنَّاة فوقية مشدّدة. وقال المُطرِّزي (٢) : الصوابُ فأَءْتَزِرُ بهمزتين: الأُولى للوصل، والثانيةُ ساكنةٌ، هي فاءُ افتعل من الإِزار، كذا نقله الشُمُنِّي. وهو خطأٌ في نقلِ عبارته، فإنَّ الصواب أن يقول: بهمزتين: الأُولى للقطع لأنها همزة متكلِّم، والثانيةُ مُبدَلَةُ الفاء. ونَصَّ الزمخشريُّ أيضاً على خطأ أَتَّزِرُ بالإِدغام وتَبعه الطِّيبيُّ في «شرح المِشكاة»، ولا يَخفى أنَّ رواية المحدِّثين أقوى من نقلِ اللغويين.
وقد قال ابنُ مالك: إنَّ إدغام الهمزة في التاء مقصورٌ على السماع. وقد سُمِعَ: اتَّزَرَ من الإِزار، واتَّكلَ من الأَكْل. وقرأ ابنُ مُحَيْصِن ﴿فليُؤدِّ الذي اتُّمِنَ﴾ (٣) بهزةِ وصل وتاءٍ مشدَّدةِ مضمومة، وهو من الأمانة. والقراءةُ الشاذَّةُ بمنزلةِ خبر الآحاد. ويؤيِّدُه قراءةُ الجمهور ﴿اتَّخَذْتُم﴾ بالإِدغام، فالظاهرُ أنه مأخوذٌ من الأَخْذ لا من اتَّخَذَ.
وفي «المحيط»: رَوَى ابنُ رُسْتُم: أنَّ من قال بأنَّ جِماع الحائض حلالٌ كُفِّرْ، أي إذا كان يعتقده أنه ليس بمنهي عنه، لأنه يصير جاحداً لحكمِ الكتاب. ومَنْ جامع (٤) وهو عالمٌ بالتحريم فليس عليه إلا التوبةُ والاستغفار، لأنه باشَرَ كبيرةً فكفَّارتُها غيرُ مشروعة إلا بالتوبة. ويُستحَبُّ أن يتصدَّقَ بدينارٍ أو نصفِ دينار. وقيل: إن أصابها في الدَّمِ فبدينار، وفي انقطاعِه فبنِصفِ دينار. ويَشهدُ للقولِ الأوَّلِ: ما أخرجه أبو داود في «سننه» عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأتَه وهي حائض قال: «يَتصدَّقُ بدينارٍ أو بنصفِ دينار». قال أبو داود: هكذا الروايةُ الصحيحةُ: «بدينارٍ أو
стр. 136
ولا تَقرأ كجُنُبٍ ونُفَساء، بخلافِ المُحْدِث.
===
بنصفِ دينار». وللقولِ الثاني: ما أخرجه أبو داود أيضاً عن ابن عباس: قال: إذا أصابها في أوَّل الدم فدينارٌ، وإذا أصابها في انقطاعه فنصفُ دينار. قلتُ: فهذا تفسيرٌ للحديث الأوَّل، والإِشعارُ بأنَّ «أوْ» للتنويع لا للشكّ.
(ولا تَقرأُ) أي الحائضُ آيةً ولا ما دُونَها (كجُنُبٍ ونُفَساء) أي كما لا يَقرأ جنبٌ ونُفَساءُ شيئاً منه، وهذا اختيارُ الكرخي. واختيارُ الطحاوي: أنه لا بأس بقراءة ما دون الآية لأن النَّظْم والمعنى قاصرانِ فيه، ولهذا لا تجوزُ به الصلاة. وفي «البخاري»: قال إبراهيمُ ـ أي النَّخَعِيُّ ـ: لا بأسَ أن تقرأ الحائضُ الآية. ولم يرَ ابنُ عباس بالقراءة للجنب بأساً.
ووَجْهُ الأوَّل ما روى الترمذي وابن ماجه مِنْ حديث ابن عُمَر قال: قال رسول الله ﷺ «لا تَقرأُ الحائضُ والجُنُبُ شيئاً من القرآن». وفي «المحيط»: وهذا إذا قرأتْ على قصدِ التلاوة، إذْ لو قرأتْ على قصدِ الذكر والثناءِ نحو: بسمِ الله الرحمن الرحيم، والحمدُ لله ربّ العالمين (١) ، أو علَّمتْ الحائضُ أو الجنُبُ حرفاً حرفاً فلا بأس به بالاتفاق لأجلِ العُذْرِ والضرورة.
(بخلاف المُحْدِث) فإنه يَقرأُ لما في «السنن الأربعة» وصحَّحه الحاكم عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ لا يَحجُبه ـ أو لا يَحْجُزه ـ عن القرآن شيءٌ، ليس الجنابة. قال الترمذي: حسَنٌ صحيح.
ولم يَمنع مالكٌ الحائضَ التلاوةَ لاحتياجِها إليها خوفاً من النسيان، ولعدمِ قدرتها على رَفعِ الحيض، بخلاف الجنابة لقدرتها على إزالتها (٢) .
ولنا ما رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن عُمَر أنه ﷺ قال: «لا تَقرأُ الحائضُ والجُنُبُ شيئاً من القرآن». ورواه الدارقطني في «سننه» عن جابر مرفوعاً نحوَه.
стр. 137
ولا يَمَسُّ هؤلاء مصحفًا إِلا بغِلافٍ متُجَافٍ. وكُرِهَ بالكمّ. ولا دِرهمًا فيه سُورة إِلا بِصُرَّة
===
(ولا يَمَسُّ هؤلاءِ) أي الحائضُ، والنُّفَساءُ، والجُنُبُ، والمُحْدِثُ (مصحفاً) لقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المطهَّرون﴾ (١) . ولقوله ﷺ «لا يَمَسُّ القرآنَ إلا طاهر». رواه أبو داود (٢) . ولِمَا روى الحاكم في «المستدرك» وصحَّحه عن حَكِيم بن حِزام قال: لَمَّا بَعَثني رسول الله ﷺ إلى اليَمَن قال: «لا تَمسَّ القرآنَ إلا وأنت طاهر». (إِلا بغِلافٍ مُتَجافٍ) أي منفصلٍ نحوِ الخَرِيطة (٣) ، لأنَّ المنفصِلَ عنه لا يكون تبعاً له. وفي «البخاري» عن أبي وائلٍ أنه كان يُرسِلُ خادِمَهُ وهي حائض إلى أبي رَزِينٍ لتأتيَه بالمصحف فتُمسِكَ بعِلاقته (٤) .
(وكُرِهَ) أي المَسُّ (بالكُمّ) أي بشيءٍ من الثوب الذي على الماسِّ، لأنه تَبَعٌ له فلا يَصيرُ حائلاً بينه وبين المصحف. ولهذا لو حلَفَ لا يَجلِسُ على الأرض فلَبِسَ ثوباً وجلَسَ على ذيله على الأرض يَحنث. وفي «النوادر»: أنه لا بأسَ به لأنَّ المحرَّم المسُّ وهو اسمٌ للمباشرةِ من غير حائل.
وكُرِهَ لهم أيضاً مَسُّ التفسير، وكتبِ السُّنَنِ، والفقهِ، لأنها لا تخلو عن آيات (٥) . ولا بأسَ بمسِّها بالكُمّ بلا خلاف. وفي «فتاوى أهل سمرقند»: يُكرَهُ لهم أن يكتبوا كتاباً فيه آية، لأنَّ الكتابة بالقلم وهو في اليد. وذكَرَ أبو الليث أنهم لا يكتبون، وإن كانت الصحيفةُ على الأرض (٦) والمكتوبُ دون آية، وذكر القدوري: أنه لا بأسَ بالكتابة إذا كانت الصَّحيفةُ على الأرض. وقيل: هو قولُ أبي يوسف. وكَرِهَ بعضُهم دفعَ المصحفِ أو اللوحِ الذي عليه القرآنُ مكتوبٌ إلى الصبيّ إذا كان مُحدِثاً، والصحيحُ: أنه لا بأسَ به، لأنَّ في تكليفهم بالطهارة حرجاً.
(ولا دِرهماً) أي مَثَلاً فيَشمَلُ ديناراً ونحوَه، عطفاً على مصحفاً (فيه سُورة) أي شيءٌ من القرآن آيةٌ أو أكثر. قال المصنِّف: وإنما قيل: سُورةٌ لأنَّ الغالبَ كَتْبُ نحو سورةِ الإِخلاص على الدراهم (إِلا بصُرَّة) أي مِنْ هِمْيانٍ (٧) وغيرِه لأنها بمنزلةِ غلافٍ
стр. 138
وحَلَّ وطءُ من انقَطعَ دَمُها لأكثرِ الحيضِ أو النِّفَاسِ، قبلَ الغُسْل، دُونَ من انقَطعَ دَمُها لأقلّ، إِلا إِذا مَضَى وقتٌ يسَعُ الغُسلَ والتحريمة.
===
متجافٍ.
(وحَلَّ وطءُ من انقَطعَ دَمُها لأكثرِ الحيضِ أو النفاسِ قبلَ الغُسْل) ظَرْفٌ للوطء (دُون) أي لا (مَنْ انقطَعَ دَمُها لأقلَّ) أي أقلَّ من أكثرِ الحيضِ أو النفاسِ، يعني أنَّ الحائضَ التي انقطَعَ حيضُها لأكثرِ الحيض، والنُّفَسَاءَ التي انقطَعَ نِفاسُها لأكثرِ النِّفاس: يَحلُّ وطءُ كلِّ واحدةٍ منهما وإن لم تَغتسِل (١) . والحائضَ التي انقطَعَ حيضُها لأقلَّ مِنْ أكثرِ الحيض، والنُّفساءَ التي انقطع نِفاسُها لأقلَّ من أكثرِ النفاس: لا يَحِلُّ وطؤها.
(إِلا إِذا) اغتَسلَتْ بلا خلاف، أو تيمَّمتْ في السفر أو الحضر عند العجزِ عن الماءِ وصلَّتْ باتفاق، أو لم تُصَلّ عند محمدٍ قياساً على ما إذا اغتسلَتْ. ولهما: أنَّ التيمُّمَ لا استقرارَ لَه لجوازِ بُطلانه بالماء ولا كذلك الغُسل.
أو إذا (مَضَى وقتٌ يسَعُ الغُسلَ والتحريمةَ) لأنَّ وقت التحريمة يَتحقَّقُ به إدراكُ وقت الصلاة، إذ لا تجبُ في ذِمَّتِها ما لم تُدرِك قدرَ ذلك من الوقت، ووقتُ الغُسلِ محسوبٌ من الحيض، ولهذا لو طَهَرَتْ قبلَ الصبح بأقلَّ مِنْ وقتٍ يسع الغُسل لا يُجزئها صومُ ذلك اليوم ولا يجب عليها صلاةُ العشاء.
وهذا كلُّه في حقّ التي استكملَتْ عادتَها. وأمَّا التي لم تستكمِل فلا يَحلُّ وطؤها وإن اغتسلَتْ حتى تمضي عادتُها لاحتمالِ عودِ الدَّم إليها، لكنَّها تغتسلُ وتصومُ احتياطاً. وفي «مواهب الرحمن»: إلا أن تَغتسِلَ أو تصيرَ الصلاةُ دَيْناً في ذِمَّتِها بخروج وقتِها.
والمرادُ من قولِ بعضهم: أو يَمضيَ عليها أدنى وقتِ صلاة: أدناهُ الواقعُ آخِراً، أعني أن تَطْهُرَ في وقتٍ منه إلى خروجهِ قدْرَ الاغتسالِ والتحريمة، لا أعمَّ من هذا ومِن أن تطهر في أوله ويمضي منه هذا المقدار، لأنَّ هذا لا يُنزلُها طاهرةً كما غلِطَ به بعضُهم، ألا تَرى إلى تعليلهم بأنَّ تلك الصلاة صارت دَيْناً في ذِمَّتِها وذلك بخروج الوقت، ولذا لم يَذكر غيرُ واحدٍ لفظةَ أدنى. وعبارة «الكافي»: أو تصيرَ الصلاةُ دَيْناً في ذِمتِها بمضي أدنى وقتِ صلاة بقَدْرِ الغُسلِ والتحريمة بأن انقطعَتْ في آخِرِ الوقت، لأنَّ الشرع حكَمَ بطهارتها لمَّا أَوجبَ الصلاةَ عليها.
стр. 139
[أَحْكَامُ النِّفَاسِ]
والنِّفاسُ دَمٌ يَعْقُبُ الوَلَدَ. ولا حَدَّ لأقلّه
===
وقال مالك والشافعي وأحمد وزفر: لا يجوز وطءُ من انقطع حيضُها ونِفاسُها حتى تغتسل لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ﴾ (١) أي من الحيض ﴿فإذا تَطَّهْرن﴾ أي اغتَسَلْنَ، كذا فسَّره ابنُ عباس فيما رواه البيهقي وغيرُه. وقال إسحاق بن راهُويَهْ: وأجمعَ أهلُ العلم من التابعين على أنه لا يَطأها حتى تغتسل.
ولنا قولُه تعالى: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيض﴾ (٢) . ووقتُ انقطاعِ الدم ليس وقتَ محيض، وإنها بمُضِيّ ما يَسَعُ الغُسلَ والتحريمةَ تَثْبُتُ الصلاةُ في ذمَّتها، وهو من أحكام الطهارة فتكون طاهرة حكماً، ولأنَّ في الآية قراءتين، فمُقتضَى قراءةِ التخفيف انتهاءُ الحرمةِ العارضةِ على الحِلّ بالانقطاع مطلقاً، وإذا انتهت حلَّتْ بالضرورة. ومُقتضَى قراءةِ التشديد عدَمُ انتهائها عنده بل عند الاغتسال، فالتوفيقُ بينهما بما قلنا.
وفي «الظهيرية»: والحائضُ إذا حَبَستْ الدَّمَ عن الدُّرُورِ لا تَخرُجُ من أن تكون حائضاً. وصاحبُ الجُرح إذا منَعَ الجُرحَ عن السيلان بعلاجٍ يَخرجُ من أن يكون صاحبَ عُذْر.
(أحكام النِّفَاس)
(والنِّفاسُ) بكسر النون، مَصْدَرُ نَفِسَتْ المرأةُ بفتح النون ونُفسَتْ بضَمِّها إذا وَلَدَتْ، وقيل: ضَمُّها أشهَرُ مِنْ فَتْحِها. ثم سُمِّي به (دَمٌ) أي دَمُ رَحِمٍ (يَعْقُبُ الوَلَدَ) (٣) بضم القاف أي يَتْبَعُ وِلادَتَه، احترازاً مما يَخرُجُ قَبْلَها.
(ولا حَدَّ لأقلّه) أي أقلَّ النِّفاسِ اتفاقاً، لِما روى ابن ماجه عن أنس: أنَّ رسول الله ﷺ وَقَّتَ للنُّفَساء أربعين يوماً إلا أن تَرى الطُّهر قبلَ ذلك. وضُعِّفَ. وقد رُويَ مِنْ عِدَّةِ طُرُق لم تَخلُ عن طعنِ، لكنَّه يَرتفعُ بكثرتها إلى الحَسن. وأمَّا ما رُويَ عن أُمّ سَلَمة
стр. 140
وأكثره أربعون يومًا. وهو لأمّ التوأَمَيْنِ مِن الأوَّل خلافًا لمحمد.
===
قالت: كانت النُّفَساءُ تَقْعُدُ على عهدِ رسول الله ﷺ أربعين يوماً. فقال النووي: هو حديثُ حَسَن رواه أبو داود والترمذي وغيرُهما. وقال ابن تيمية في «المنتقى»: ومعنى الحديث كانت تُؤمَرُ أن تجلِسَ إلى الأربعين لئلا يكون الخبرُ كذِباً، إذ لا يُمكِنُ أن يَتَّفقَ نساءُ عصر في نِفاس أو حيض.
ولو ولدَتْ ولم تَر دَماً يجب الغُسل عند أبي حنيفة وزفر، وهو اختيارُ أبي عليّ الدَّقَّاق. وعند أبي يوسف ـ وهو روايةٌ عن محمد ـ: لا غُسْلَ عليها، لكن يجبُ عليها الوضوءُ. وفي «المفيد» هو الصحيح (١) .
(وأكثَرُه أربعون يوماً)، وهو قولُ الشافعي ـ حكاه عنه أبو عيسى الترمذي ـ والمشهورُ من مذهب أحمد.
وقال الأوزاعي: أكثَرُه في الغلام خمسةٌ وثلاثون وفي الجارية أربعون. وعن مالك روايتان: إحداهما الرجوعُ إلى العادة، والأخرى ستون يوماً، وبه قال الشافعي في المشهور عنه.
ولنا ما رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم وصحَّحه من حديث أُمّ سَلَمة قالت: كانت المرأةُ من نساءِ النبي ﷺ تَقعُدُ في النِّفاس أربعين يوماً أو أربعين ليلةً، إلا أن تَرى الطُّهرَ قبل ذلك (٢) . زاد أبو داود في لفظ: لا يأمرها النبي ﷺ بقضاءِ صلاةِ النفاس. وقال النووي: حديثٌ حسن. والمرادُ بنساءِ النبي ﷺ ها هنا: بَناتُه وقَرِيْبَاتُه. وقال الترمذي: أجمع أهلُ العلم من الصحابة ومن بعدَهم على أنَّ النُّفَساءَ تدَعُ الصلاة أربعين يوماً إلا أن تَرى الطُّهرَ قبلَ ذلك.
(وهو) أي النِّفاسُ (لأمِّ التَّوأَمَيْنِ) وهما الوَلَدانِ في بطنٍ بينَ وِلادَتَيْهما أقلُّ مِنْ ستةِ أشهر (من الأوَّل) لأنَّ ما تراه حينئذٍ دَمُ رَحمٍ خارجٌ عَقِبَ الولادة (خلافاً لمحمد) فإنَّ نِفاسَها عنده من الوَلَد الأخير، لأنها حاملٌ به مُنسَدٌّ رَحِمُها بسببه، فلا يكون ما تراه عَقِبَ الأوَّل من الرَّحِم، وبه قال زفر.
стр. 141
وانقضاءُ العِدَّةِ من الأخير إِجماعًا. وسِقْطٌ بَدَا بعضُ خَلقِهِ وَلَدٌ، فتَصِيرُ أمُّهُ نُفَساءَ، والأمَةُ أُمَّ وَلَد، ويَقعُ المُعلَّق به، وتنقضي العِدَّةُ به.
[أَحْكَامُ الاسْتِحَاضَةِ]
وما نقَصَ عن أقلِّ الحيض أو زادَ على حيض المُبْتَدَأَة، وهو عشَرةُ، أو نِفاسِها، وهو أربعون، أو على العادَةِ فيهما، وجاوَزَ أكثرَهما، وما رأتْ حَامِلٌ: استحاضةٌ لا تَمنعُ صلاة وصومًا ووَطْئًا.
===
(وانقضاءُ العِدَّةِ من الأخير إِجماعاً) لقوله تعالى: ﴿وأُولاتُ الأحمالِ أَجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) وبوضعِ الأوَّل لم تَضَعْ حَمْلَها، وإنما وَضَعَتْ بعضَه.
ولو قُطِّعَ الوَلَدُ فيها: إن خَرَجَ أكثرُهُ فهو نِفاس، وإلا فلا. وقال محمد وزفر: لا يَثْبُتُ النِّفاسُ إلا بوَضْعِ كلِّ الحَمْل. وإن كان بين الوَلَدَيْنِ أربعون يوماً فصاعداً قيل: على قولِ أبي حنيفة يجبُ النفاسُ من الولدِ الثاني أيضاً، وعلى قياسِ قولِهما لا يجبُ وهو الصحيح. فلمَّا تَضَعُ الولَدَ الثاني تغتسلُ وتصلي.
(وسِقْطٌ) بالكسر ويُثلَّثُ: اسمٌ للولدِ الساقطِ قبلَ تمامِ خَلْقِه (بَدَا) أي ظَهَر (بعضُ خَلْقِه) مِنْ إصبع ونحوِه (وَلَدٌ) أي في حكم الشرع (فتَصِيرُ أُمُّهُ نُفَساءَ والأَمَةُ أُمَّ وَلَد) إذا ادَّعاه السيِّد (وَيقعُ المُعلَّقُ به) من طلاقٍ وعَتاق (وتنقضي العِدَّةُ به) لأنه وَلَدٌ ناقصُ الخِلقة، ونُقصانُ الخِلقة لا يَمنعُ أحكام الولادة.
(أحكام الاستحاضة)
(وما نقَصَ عن أقلِّ الحيض) وهو ثلاثةُ أيام (أو زادَ على حيضِ المُبتدأَة) وهي من لم تَحِضْ قبلَ ذلك (وهو) أي حيضُ المبتدَأةِ (عشَرةٌ) أي أيام (أو نِفاسِها) أي أو زاد على نفاسِ المْبتدَأة، وهي من لم تلد قبلَ ذلك (وهو) أي نِفاسُ المُبتدَأةِ (أربعون) أي يوماً (أو على العادةِ) أي أو زادَ على العادةِ (فيهما) أي في الحيضِ والنِّفاس (وجاوز أكثرهما) قيَّدَ به لأنه لو زادَ على العادة فيهما ولم يجاوز أكثرَهما يكون حيضاً في الحيض ونفاساً في النفاس (وما رأتْ حاملٌ) عطفٌ على ما نَقَصَ: (استحاضةٌ) خبرٌ عن ما نَقَصَ وما عُطِفَ عليه (لَا تَمْنع) أي ما ذُكِرَ أو الاستحاضةُ (صلاةً وصوماً) أي صِحَّتَهما (ووَطْئاً) أي جَوازَه.
стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أمَّا كونُ الزائد على العادة في الحيض والنفاس استحاضةً إذا جاوز أكثرَهما: فلقولِ عائشة ﵂: إنَّ النبي ﷺ قال في المستحاضة: «تدَعُ الصلاةَ أيامَ أَقْرَائها، ثم تغتسلُ مرةً، ثم تتوضَّأُ إلى مثلِ أيام أقرائها».
وقولِ سَوْدَة بنت زَمَعة: قال رسول الله ﷺ «المستحاضةُ تدَعُ الصلاةَ أيامَ أقرائها التي كانت تَجلِسُ فيها، ثم تَغتَسِلُ غُسلاً واحداً، ثم تتوضَّأُ لكلِّ صلاة». رواهما الطبراني (١) .
ولأنَّ ما تراه في أيام عادتِا في الحيض حيضٌ يقيناً، وفي النفاسِ نفاسٌ يقيناً، وما تراه فيما زاد على أكثرِ الحيضِ والنفاسِ استحاضةٌ يقيناً، وما تراه فيما بينهما مشكوكٌ فيه، فأُلحِقَ بما زاد على أكثرهما، لأنه يجانسه في كونه مخالفاً للعادة.
ثم قيل (٢) : لا تصلي في الزائد على العادة لاحتمالِ صيرورتَها أهلاً، وعدمِ صيرورتها، فتَبقى كما كانت.
وأمَّا كونُ ما تراه الحاملُ استحاضةً فلأنه لو جاز اجتماعُ الحيضِ والحملِ لم يكن الحيضُ دليلاً على عدمِ الحمل، وقد جعله الشارعُ دليلاً عليه، فعن ابن عباس ﵄: إنَّ الله رفَعَ الحيضَ عن الحُبلَى وجَعَل الدَمَ رزقاً للولد، رواه ابن شاهين. وعن عائشة: الحاملُ لا تَحيضُ. رواه الدارقطني. ومثلُ هذا لا يقال بالرأي، فيُحمَلُ على أنهما قالا ذلك سماعاً.
وقال مالك والشافعي في الجديد: ما تراه الحاملُ على ترتيب أدوارها حيضٌ.
ومن الدليل لنا أنه لمَّا نزَلَ قولُه تعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَربَّصْنَ بأنفسهن ثلاثةَ قُرُوء﴾ (٣) قالت الصحابةُ: فإن كانت آيسةً أو صغيرةً فنزلَتْ ﴿واللائي يَئِسْنَ مِنْ المَحِيضِ مِنْ نسائِكم﴾ (٤) الآيةَ. فقالوا: إن كانت حاملاً؟ فنزلت: ﴿وَأُولاتُ الأحمالِ أجلُهُنَّ أن يَضعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٥) . ففيه تنبيهٌ على أنَّ الحامل لا تَحيض، وأنها ليست من
стр. 143
[أَحْكَامُ المَعْذُورِين]
ومن لم يَمضِ عليه وقتُ فرضِ إلا وبه حدَثٌ من استحاضةٍ أو رُعافٍ أو نحوِهما: يَتوضَّأ لوقتِ كلِّ فرضٍ له، ويُصلي به فيه ما شاء فرضًا ونفلًا
===
ذوات الأقراء.
ثم لا يَشترطُ أبو يوسف عودَ الدَّم وتكرارَهُ لنقلِ العادةِ الأصلية إلى زيادةٍ أو نقصانٍ، أو زمانٍ آخر في الشهر الثاني، فلو كانت العادةُ في أوَّل الشهر ستةً مثلاً، ثم رأت تسعةً دماً أو بعكسه، أو رأته في غير حينه: قبلَ عادتها أو بعدَها: ينقُلُ أبو يوسف العادةَ الأصليةَ إلى الحالةِ الثانية، وبقوله يُفتَى تيسيراً للأمر عليهن، كالعادةِ الأصلية، وهي انتقالُ الطُّهر إلى الحيض بمرَّةٍ واحدة، فإن المُراهِقةَ إذا رأت الدم ثلاثة أيام يُحكَمُ بأنها حائض فكذا هذا. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا بدَّ من التكرارِ لنقلها، إذ العادةُ مأخوذةٌ من المعاودة فلا تَثْبُت بدون العَوْد.
(أَحكام المعذورين)
(ومن لم يَمضِ عليه وقتُ فرضٍ إلاَّ وبه حدَثٌ) أَي حَدَثُه الذي ابتُلي به (من استحاضةٍ أو رُعافٍ أو نحوِهما) من انفلاتِ ريح، أو استطلاقِ بطن، أو خروجِ دمٍ من جُرح (يتوضَّأُ لِوَقتِ كلِّ فرضٍ له) أي لأجلِ ذلك الحدث.
ولم يُوجِب مالكٌ الوضوءَ عليهم بناءً على ما تقدَّم (١) من قولِه بعدم انتقاضه واكتفائِه باستحباب الوضوء.
(ويُصلِّي به) أي بذلك الوضوء (فيه) أي في ذلك الوقت (ما شاء فرضاً ونفلاً).
وقال الشافعي: يتوضَّأ لكلِّ صلاةِ فرضٍ ويصلِّي من النوافلِ ما شاء تبعاً لذلك الفرض، لِما روى البخاري من حديث هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت فاطِمةُ ابنةُ أبي حُبَيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأةٌ أُستحاضُ فلا أَطهرُ، أفأدعُ الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ «لا، إنما ذلك عِرقٌ وليس بحَيْض، فإذا أقبلتْ حَيضتُكِ فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنكِ الدمَ وصلِّي». قال: وقال أَبي (٢) : ثم توضئي لكلِّ صلاةٍ حتى يجيء ذلكِ الوقت. ولِما رواه ابن ماجه عن عَدِي بن ثابت، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النبي ﷺ قال: «المستحاضةُ تدَعُ الصلاةَ أيامَ
стр. 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أقرائها، ثم تغتسلُ وتتوضَّأ لكلِّ صلاة، وتصومُ وتصلي».
وأُجيبَ بأنَّ اللام في «لكلِّ صلاة» نحوُها في قوله تعالى: ﴿أقم الصلاةَ لِدُلوكِ الشمس﴾ (١) أي وقتِ دُلوكِها أي زَوالها. وإنما قلنا: ذلك، لأنَّ المعهود في الشرع أنَّ الحدث خروجُ خارج أو خروج وقتٍ كمضيِّ مدَّةِ مسحِ الخُفَّين، ولم يُعهَد فيه أنَّ الفراغ من الصلاة حدثٌ بالنسبة إلى فرضٍ آخر.
وفي «شرح الآثار»: أجمعوا على أنها إذا توضَّأت في وقتِ صلاة فلم تُصلِّ حتى خرج الوقتُ فأرادت أن تصلي بذلك الوضوء: أنه ليس لها ذلك حتى تتوضأ وضوءاً جديداً. ورأَيْناها لو توضَّأْتُ في وقتِ صلاة فصلَّتْ، ثم أرادت أن تَطَّوَّع بذلك الوضوءِ كان لها ذلك ما دامت في الوقت، فدَلَّ ما ذكرنا أنَّ الذي يَنقضُ طُهْرُها هو خروجُ الوقت، وأن وضوءَها يُوجِبه الوقتُ لا الصلاةُ وإن كان وجوبُه بها.
هذا، وقال ابنُ قُدَامة في «المغني»: رُوي في بعض ألفاظ حديثِ فاطمة بنت أبي حُبيَش «وتوضَّئي لوقتِ كلِّ صلاة» (ذكر سبط ابن الجوزي: أن أبا حنيفة روى: المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة) (٢) ، وفي «شرح مختصر الطحاوي» رَوَى أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنَّ النبي ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حُبَيش: «وتوضئي لوقتِ كلِّ صلاة».
ولا شكَّ أنَّ هذا مُحْكَمٌ بالنسبة إلى كلِّ صلاة، لأنه لا يَحتمل غيرَه، بخلاف الأوَّل، فإنَّ لفظ الصلاة شاع استعمالُها في لسان الشرعِ والعُرفِ في وقتِها. فمن الأوَّل قولُه ﷺ «إنَّ للصلاةِ أوَّلاً وآخِراً» (٣) . الحديثَ، أي لوقتِها. وقولُه: «أيُّما رجلٍ أدركَتْه الصلاةُ فلُيصَلِّ» (٤) . ومن الثاني آتيك لصلاةِ الظُّهر أي في وقتِها، وهو ما لا يُحصَى كثرةً. فوجَبَ حملُه على المُحكم. وقد رُجِّحَ أيضاً بأنه متروكُ الظاهر بالإِجماعِ على أنه لم تُرَد حقيقةُ كلِّ صلاة، لجواز النوافل مع الفرضِ بوضوءٍ واحد.
ثم ما في المَتْنَ بيانُ شَرطِ بقاء الاستحاضة بعد ما ثبَتَ حكمُها. وأمَّا شرطُ
стр. 145
ويَنقُضُه خروجُ الوقتِ كطلوعِ الشمس، لا دُخُولُه كالزَّوالِ.
===
ثبوتِه ابتداءً، فأن يَستوعبَ استمرارُ العُذْرِ وقتَ الصلاة كاملاً، كالانقطاعِ والانتهاءِ لا يثَبُتُ ما لم يَستوعب الوقتَ كلَّه. وفي «الكافي» لحافظ الدين النَّسَفي: وإنما تصيرُ صاحبةَ عُذر إذا لم تجد في وقتِ الصلاة زماناً تتوضَّأ وتصلي فيه خالياً عن الحدَث. وهذا هو المرادُ بالاستيعاب لا حقيقة، إذ قلَّما يَستمرُّ العُذرُ بحيث لا ينقطع في الوقتِ لحظةً، فيُؤدِّي إلى نفي تحقُّقه إلا في الإِمكان العقلي.
وفي «السراج الوهاج»: رجلٌ سال جُرحُه ولم يَعلم أنه يَستمرُّ وقتاً كاملاً، فإنَّه لا يصلي في أوَّلِ الوقت بل ينتظر، فإن لم ينقطع توضَّأَ قبلَ خروج الوقت. قال ابن الهُمام: فإنْ فَعلَ فدخل وقتٌ آخَرُ وانقطع فيه أعادَ الأُولى لعدم الاستيعاب.
(ويَنقُضُه) أي ويَنقُضُ وضوءَ المعذور عند أبي حنيفة ومحمد (خروجُ الوقتِ) أي وقتِ صلاة الفرض (كطلوعِ الشمس) فلو توضَّأ معذورٌ لصلاةِ العيد بعدَ طلوعِها، له أن يصلّي الظهرَ به عندهما، لأنها ليست بفرضٍ فصار كما لو توضَّأ لصلاة الضُّحى (لا دخولُه) أي لا يَنقُض وضوءَ المعذورِ دخولُ الوقت (كالزَّوالِ). وقال أبو يوسف: يَنقُضُه دخولُ الوقت وخروجُه. وقال زُفَر: دخولُه فقط.
ويَجبُ أن يُصلّي جالساً بإيماءٍ إن سال بالمَيَلان، لأنَّ تَرْكَ السجود أهوَنُ من الصلاة مع الحدَث، فإنَّ لها وجوداً حالةَ الاختيار على الدابَّة نفلاً، ولا تجوزُ مع الحدثِ حالةَ الاختيار أصلاً.
ثم يجب على المستحاضة أن تَغسِلَ ثوبها من الدَّم لكلِّ صلاة في قولِ محمد بن مقاتل، وقال ابن سَلَمة: ليس عليها غَسْلُه، لأنَّ أمرَ الثوبِ ليس آكَدَ من البَدَن. والأوَّل أَولى (١) .
وقال أبو القاسم في المبطونِ إذا كان بحالٍ لا يُبسَطُ تحته ثوبٌ إلا نجَّسَه مِنْ ساعتِه: جاز أن يصلّي على حالته. ولو كان به دَمَامِيلُ أو جُدَريٌّ فتوضَّأ، وبعضُها سائل ثم سالَ الذي لم يكن سائلاً انتقض، لأنَّ هذا حدَثٌ جديد، فصار كالمَنخِرَينِ. ولو كان في عينه رَمَدٌ ويسيل دمعُها يُؤمُرُ بالوضوءِ لكلِّ وقتٍ إذا غَلَب على ظَنِّه أنه صديد، والله تعالى أعلم.