← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وشهوةٍ عند الانفصال، وغَيْبَةُ حَشَفَةٍ === أي دَفقٍ وغَلَبة (وشهوةٍ) أي ذي شهوة، وكأنه عطفُ تفسير (عند الانفصال) أي انفصال المَنِيِّ عن الظَّهْر، حتى لو أَنزَل مِنْ غير شهوةٍ، بأن حَمَل شيئاً ثقيلاً أو ضُرِبَ على ظهره، فسبَقَه المنيُّ، لا غُسْلَ عليه. وقال مالك والشافعيُّ: عليه الغُسْلُ لِمَا روى مسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخُدْري قال: قال رسول الله ﷺ «إنَّما الماءُ من الماء». أي الغُسْلُ من المنيِّ واجبٌ، إذ هو خِطابٌ جارٍ مَجرى الأمر. ولنا قولُه تعالى: ﴿وإنْ كنتم جُنُباً فاطَّهَّروا﴾ (١) والجُنُبُ من قَضَى شهوته، لأنَّ الرجل إذا قَضَى شهوتَه مِنْ المرأةٍ جانَبَها. والحديثُ محمولٌ على الخروج بشهوة، لأنَّ اللام فيه للعهد الذهني، أي الماءُ المعهودُ وهو الخارج عن شهوة، كيف وهو مُتناوِلٌ لماءٍ لا يُوجب الغُسْلَ كالمَذْي ونحوِه، ورُبَّما يأتي على أكثرِ الناس جميعُ عُمرُه ولا يرى هذا الماء مجرّداً عن شهوة، إذْ حُصولُه إنما يكون بضَربٍ على الصُّلْبِ ونحوِه. على أنَّا نَمْنَعُ وجودَ مَنِيّ بلا شهوة، ألا تَرى إلى تفسير عائشة المَنِيَّ بأنه أبيَضُ ثَخِينٌ يَنكسِرُ منه الذَّكَر؟ (٢) وانكسارُهُ لا يكون إلا مِنْ شهوة، كذا ذكره بعضُ المحقَّقين. وفيه بحثٌ لا يَخْفَى على المدقِّقين. وقال أبو يوسف: لا بُدَّ من بقاءِ الشهوة عند خروج المنيّ مِنْ ذَكَرِه. واكتفَيَا بوجودِها عند انفصالِها من الصُّلبِ احتياطاً، مع الاتفاقِ على أنه لا يجبُ الغُسْلُ إذا انفصَلَ عن مقَرِّه من الصُّلب بشهوةٍ إلا إذا خَرَج على رأس الذَّكَر. وتَظَهر ثمرتُهُ فيمن استَمْنَى بكفّه (٣) وأمسَك ذَكَره حتى سكنَتْ شهوتُه فخرج المنيُّ بلا شهوة، وفيمن اغتَسَل قَبْلَ البولِ والنومِ والمشيِ ونحوِها، ثم خَرَج منه بقيَّةُ المنيّ حيث يَلزمُه الغُسلُ عندهما خلافاً له. وقولُهما أحوطُ كما لا يَخفى. (وغَيْبَةُ حَشَفَةٍ) وهي ما فوقَ موضعِ الخِتان من رأس الذَّكَر، أو قَدْرُها إذا كانت

стр. 72

في قُبُلِ أو دُبُر، على الفاعلِ والمفعولِ به، === مقطوعةً ولو مِنْ مقطوع الأُنثَيْين (١) (في قُبُلٍ أو دُبُر) وإنما لم يَقُل: والتقاءُ الخِتانَينِ كما في الحديث الآتي، لأنه لا يَتناول الدُّبُر، ولأنَّ الحاصِلَ في القُبل أيضاً ليس بالتقاءٍ حقيقةً وإنما هو محاذاةٌ، لأنَّ ختان المرأة أعلى الفرجِ فوقَ مخرجِ البول، ومحلُّ الوطء أسفَلُه. والخِتانُ سُنَّةٌ للرجل تكرِمةً لها، إذْ جِماعُ المختون ألذّ. وفي «نَظْم الفقه»: سُنَّةٌ فيهما غير أنه لو تركه يُجبَرُ عليه إلا مِنْ خشية الهلاك، ولو تركَتْه هي لا. (على الفاعلِ) وهو ظاهرٌ، لأنَّ الحدَّ واجبٌ عليه اتفاقاً (والمفعولِ به) أمَّا عند أبي يوسف ومحمدٍ فلأنه لمَّا وجَبَ عليه الحدُّ الذي يُحتاط في تركِهِ ففي (٢) الغُسْل الذي يُحتاط في فعِله أولى. وأمَّا عند أبي حنيفة فلأنَّ الاحتياطَ في الحَدّ تَرْكُه وفي الغُسل فِعلُه. وقالت الظاهرِيَّةُ: لا يجب الغُسْل بدون الإِنزال لِمَا في «الصحيحين» عن أُبَيّ بن كعب قال: سألتُ رسول الله ﷺ عن الرَّجُل يُصيبُ من المرأة ثم يُكسِلُ؟ فقال: «يَغْسلُ ما أصابه مِنْ المرأة، ثم يَتوضَّأُ ويُصلِّي». يُقال: أَكْسَلَ الرجلُ في الجماع: إذا خالَطَ أهلَه ولم يُنزل. ولنا ما روى مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: اختلَفَ رَهْطٌ من المهاجرين والأنصار فقال الأنصاريُّون: لا يجبُ الغُسل إلا من الدَّفْق أو مِنْ الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالَطَ فقد وجَبَ الغُسل، وقال أبو موسى: أنا أَشْفِيكُم مِنْ ذلك، قال: فاستأذنتُ على عائشة فأُذِنَ لي فقلتُ: يا أُمَّاهُ إِني أُريد أَنْ أسألكِ عن شيءٍ وأَنا أستحييك، قالت: لا تَسْتَحْيِي أن تسألَنِي عمَّا كنتَ سائلاً عنه أُمَّك التي ولدَتْك فإنَّما أنا أُمُّك، قلتُ: فما يُوجِبُ الغُسْلَ؟ قالتْ: على الخَبِيرِ سقطتَ، قال رسول الله ﷺ «إذا جَلَسَ (٣) بين شُعَبِهَا الأربع (٤) ، ومَسَّ الخِتانُ الخِتانَ فقد وَجَبَ الغُسْلُ». وفي «مُسنَد عبد الله بن وَهْب» أنه قال ﵊: «إذا التَقى الخِتَانانِ وغابَتْ الحشَفَةُ وجَبَ الغُسلُ أَنزَل أو لم يُنْزِل». ولفظُ ابنِ أبي شيبة في «مُصنَّفه»: و «توارَتْ الحشَفَةُ». وفي الترمذيِّ وابنِ ماجه عن عائشة ﵂:

стр. 73

ورُؤيةُ المستيقِظِ المَنِيَّ أو المَذْيَ، === «إذا جاوَزَ الخِتانُ الخِتانَ وجَبَ الغُسْلُ، فعلتُهُ أنا ورسولُ الله ﷺ فاغْتَسلْنا». ولا يُعارِضُهُ قولُه ﷺ «إنَّما الماءُ مِنْ الماءِ» لما روى أبو داود والترمذي وصحَّحه أنَّ الفُتْيَا التي كانوا يُفتُون ـ إنما الماءُ مِنْ الماءِ ـ كانتْ رُخصةً رَخَّصها رسولُ الله ﷺ ثمَّ أمَرَ بالاغتسال، وفي روايةٍ: «ثم أمَرَنا»، فهذا مُصَرِّحُ بالنَّسْخ، ولأنَّ الماءَ موجودٌ فيه تقديراً لأنه سبَبُ الإِنزال، إذ الغالبُ في مِثلِه الإِنزال، وهو مُتَغيِّبٌ عن بَصَرِه، فأُقِيم السبَبُ الظاهرُ ـ وهو الالتقاءُ ـ مُقامَ الإِنزال احتياطاً، وما ذكرناه مأثورٌ، لأنَّ هذا الفعلَ أُقِيمَ مُقامَ الإِنزال في حقِّ وجوبِ الحَدِّ، فلأنْ يقومَ مَقامَهُ في وجوب الغُسل أولى. وبهذا احتَجَّ عليّ ﵁ على الأنصارِ فقال: تُوجِبُون الرَّجْمَ ولا تُوجِبُون صاعاً من الماء. ثمَّ السببيَّةُ موجودةٌ على الكمالِ في الإِيلاج في الدُّبُر لكونه سبباً لخروج المنيّ غالباً كالإِيلاج في القُبُل لاشتراكهما في دواعي الإِنزال، ويجبُ على المفعولِ به وإن لم يكنْ سبباً لنزول مائه احتياطاً لوجوب الغُسل. ثمَّ مُطلَقُ الإِيلاج في الآدمي يتناوَلُ الذَّكَرَ في القُبُلِ والدُّبُرِ وإيلاجَ الإِصبع، وفي إيلاج الإِصبعِ الدُّبُرَ خلافٌ في إِيجابِ الغُسْل (١) . (ورُؤيةُ المستيقِظِ) أي عِلمُهُ ليَدْخل الأعمى. والرؤيةُ تُستعمل في معنى العلم باتفاقِ أهل اللغة، ومنه: رأيتُ اللهَ أكبرَ كلِّ شيء. (المَنِيَّ) بالنصب على المفعولية (أو المَذْيَ) بفتح الميم فسكون معجمة، وبكسر المعجمة وتشديد الياء: ما يَخرجُ من الرجل عند الملاعبةِ مع أهله. وهو ماءٌ رقيقٌ يَضرِبُ إلى البياض. وأمَّا ما يَخرجُ من المرأةِ فيُسمَّى القَذَى بفتح القاف والذال المعجمة. يَعنِي إذا استيقَظَ النائمُ فوجَدَ بَللاً، فإن كان مَنِيّاً يجبُ عليه الغُسلُ تذكَّرَ احتلاماً أو لم يتذكَّر، وكذلك إن كان مَذْياً. وقال أبو يوسف: لا غُسْلَ عليه إن رأى مَذْياً ولم يتذكَّر احتلاماً، لأنَّ خُروجَ المَذْي موجب (٢) للوضوءِ لا للغُسْلِ حالَ اليقَظَة، فبالحَرِيّ (٣) أن لا يُوجِبَ في المنام، وبه أخَذَ خلَفُ بن أيُّوب وأبو الليث لكونِه أقيس.

стр. 74

وانقطاعُ الحيضِ والنِّفاسِ، لا وَطْءُ بهِيمةٍ بلا إنزالٍ. وسُنَّ للجُمُعَةِ، ..... === ولهما ما روى أبو داود والترمذي: عن عائشة قالتْ: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن الرَّجُل يَجدُ البَلَل ولا يَذْكُر احتلاماً؟ قال: «يَغتَسِلُ»، وعن الرَّجُل يَرى أنه قد احتَلم ولا يَجِدُ البَلَل؟ قال: «لا غُسْلَ عليه». فقالت أمُّ سَلَمة: يا رسول الله قالمرأةُ تَرى ذلك أعليها الغُسْلُ؟ قال: «نعم، إنما النِّساءُ شَقَائقُ الرجال». ولأنَّ النوم مظِنَّةُ الاحتلام فيُحمَل عليه، ثم يُحتمَلُ أنه كان مَنِيّاً فرَقَّ بواسطةِ الهواء، والاحتياطُ لازمٌ في بابِ العبادات. وإنَّما قيَّدَ بالمستيقِظِ، لأنه لو أفاق السَّكرانُ والمُغْمَى عليه فوجَدَا مَذْياً لا غُسْلَ عليهما، لأنه وُجِدَ سببُ خروجِ المذي وهو السُّكرُ والإِغماءُ، فيُحالُ عليه. وتوضيحُهُ: أنَّ المَنِيَّ لا بُدَّ له مِنْ سببٍ، وقد ظهر في النوم وإن لم يَتذكَّر احتلاماً لكونه مظِنَّتَهُ، فإنَّ راحة النوم تهيجُ الشهوةَ مع احتمالِ حدوثِ الرِّقَّة، فاعتُبِرَ مَنِيّاً احتياطاً، ولا كذلك المُغْمَى عليه والسَّكرانُ، لأنه لم يَظهر فيهما هذا السَّبَبُ. (وانقطاعُ الحيضِ) لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطَّهَّرْنَ﴾ (١) ، بتشديد الطَّاء، أي يَغْتَسِلن، فإنَّ مَنْعَ الزوجِ من القِربانِ الذي هو حقُّه، وجَعْلَ الغُسْلِ غايةً لذلك المنع، دليلٌ على وجوب الغُسل. (والنِّفاسِ) للإِجماعِ والقياسِ على الحَيْضِ. (لا وَطْءُ بهيمةٍ) أي لا يوجب الغُسْلَ (٢) وطءُ دابَّةٍ، وكذا وطءُ ميتةٍ وصغيرةٍ لا تُشْتَهَى (بلا إِنزالٍ) لنقصانِ السَّببيَّة في اقتضاء الشهوة. وقال مالك والشافعي: لا يُشتَرَطُ الإِنزالُ فيهما اعتباراً لهما بغيرهما. (فيما يُسنَّ الغُسْلُ) (وسُنَّ) أي الغُسْلُ (للجُمُعَة) بضمتين ويُسكَّنُ الميم، لِمَا روى أبو داود والترمذي والنسائي عن قتادة عن الحسن (٣) عن سَمُرة قال: قال رسول الله ﷺ «من توضَّأ يومَ الجمعة فبِهَا ونِعْمَتْ، ومَنْ اغتَسَل فهو أفضل». وهو مذهَبُ جمهورِ العلماءِ

стр. 75

والعِيدينِ والإِحْرَامِ وعَرَفة. === وفقهاءِ الأمصار في الأعصار (١) ، وهو المعروفُ من مذهبِ مالكٍ وأصحابهِ الأبرار. وقيل: إنه قال بوجوبه لظاهر قولهِ ﵊: «الغُسْلُ يومَ الجمعةِ واجبٌ على كلّ محتلِمٍ» أي بالغٍ، رواه مسلمٌ عن أبي سعيد الخُدْري. وأجابوا عنه بأنَّ معنى واجب: متأكِّدٌ لازمٌ ثابت، جمعاً بين الحديثين. وقيل الأوَّلُ ناسخٌ للحديث الثاني، والدليلُ على تأخُّرِهِ ما رواه أبو داود: عن عِكْرِمة أن أُناساً من أهلِ العراق جاؤا فقالوا لابن عباس: أتَرَى الغُسْلَ واجباً يوم الجمعة فقال: لا، ولكنه أطهرُ وخيرٌ لمن اغتَسَل، ومن لم يَغْتَسِل فليس عليه بواجب، وسأُخبِرُكم كيف بَدْءُ الغُسْلِ؟: كان الناسُ مجهودِين يَلْبَسُون الصُّوفَ ويَعملون على ظهورهم، وكان مسجدُهم ضيِّقاً مُقارِبَ السَّقْف إنما هو عَرِيش، فخرج النبي ﷺ في يوم حارّ وعَرِقَ الناسُ في ذلك الصُّوف (٢) حتى ثارَتْ منهم رِياحٌ آذَى بذلك بعضُهم بعضاً، فلمَّا وجَدَ النبي ﷺ تلك الرياحَ قال: «يا أَيُّها الناس إذا كان هذا اليومُ اغتَسِلوا، وليَمَسَّ أحدُكم أمثَلَ ما يَجِدُ مِنْ دُهنِه وطِيبه». قال ابنُ عَبَّاس: ثم جاء اللهُ بالخير، ولَبِسُوا غيرَ الصُّوف، وكُفُوا العَمَل، ووُسِّعَ مَسجِدُهم، وذهَبَ بعضُ الذي كان يُؤذي بعضُهم بعضاً من العَرَق. ثم هذا الغُسْلُ لليوم عند الحسن بن زياد، وللصلاةِ عند أبي يوسف وهو الأصحُّ، لقوله ﵊: «إذا جاء أحدُكُم الجمعةَ فليغتَسِلْ». رواه الشيخانِ عن ابن عُمَر. (والعِيدينِ والإِحرامِ وعَرَفة) أمَّا العِيدانِ وعرفة فلِمَا رَوَى ابنُ ماجه في «سننه» والطبرانيُّ في «معجمه» عن ابن عباس: أنه ﵊ كان يَغتسِلُ يومَ العيدين. والبزَّارُ في «مسنده» من حديث الفاكِهِ بن سَعْد ـ وهو صحابي مشهور، ولا يُعرَفُ له غيرُ هذا الحديث ـ: «أنَّ رسول الله ﷺ كان يغتَسِلُ يومَ الفِطرِ ويومَ النَّحْر ويومَ عَرَفة». وأمَّا الإِحرامُ فلِمَا روى الترمذي والدارقطني عن خارجة بنِ زيد بن ثابت عن أبيه: «أنه ﷺ تجرَّدَ لإِهلالِهِ واغتَسَل»، والمعنى أنه كان يَتَجرَّدُ لإِحرامِه ويَغتَسِلُ سواء كان حَجّاً أو عُمرة، فيُفيد المواظبةَ الدالةَ على كونِه سُنَّة.

стр. 76

[أَقْسَامُ المِيَاهِ] ويَتوضَّأُ بماءِ السماءِ والأرضِ، === ومن الفروع: أنَّ الجُنُبَ أولى بالماءِ المُباح إذا وجدَهُ ومعه حائض، أوْ وَمَعه مَيِّت، ويَتيمَّمُ الميِّتُ والحائضُ، وكذا مِنْ المُحدِث (١) . (أقسام المياه) (ويَتوضَّأُ) أي المتوضِّيءُ أو مُريدُ الصلاة، والأولى أن يُقرأ مجهولاً، ولو قال: يَتطهَّرُ لكان أعمَّ وأظهر (بماءِ السماءِ) كماءِ المطَرِ، والنَّدَى، والثَّلْجِ، والبَرَدِ الذائبَينِ لقوله تعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عليكم من السماءِ ماءً لِيُطهِّرَكُم به﴾ (٢) ، (والأرضِ) أي وبمائِها من العيونِ والآبار والغُدْرانِ لقوله تعالى: ﴿ألم تَرَ أنَّ اأَنزَل مِنْ السماءِ ماءً فَسَلَكَهُ ينابيعَ في الأرض﴾ (٣) . ومنها ماءُ البِحار لِمَا روى مالك وأصحاب «السُّنن الأربعة»: عن أبي هريرة: أنَّ رجلاً سأل رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله إنا نركَبُ البحرَ ونحملُ مَعَنا القليلَ من الماء، فإنْ توضَّأْنا به عَطِشنا أفتوضَّأُ من البحر؟ فقال ﵊: «هو الطَّهُورُ ماؤه الحِلُّ مَيْتَتُهُ». صحَّحه الترمذيُّ وقالَ: سألتُ محمدَ بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: حديثٌ صحيح. وروى أبو داود والترمذي من حديث الخُدْري قيل: يا رسول الله أنتوضَّأ من بِئرِ بُضَاعَةَ ـ وهي بِئْر تُلْقَى فيها الحِيَضُ ـ أي خُروقُها ـ ولحومُ الكِلابِ والنَّتْنُ ـ؟ فقال رسول الله ﷺ «الماءُ طَهُور لا يُنجِّسُه شيءٌ»، وحسَّنَه الترمذي وصحَّحه ابنُ القطَّان، وكذا قال الإِمامُ أحمد: هو حديثٌ صحيح، فحينئذٍ يُستدَلُّ بالقَدْرِ الصحيحِ على طَهُوريَّة الماء، وبالإِجماع على تنجُّسه بتغير وصفه بالنجاسة. وأمَّا أنه لا يتنجَّسُ إلا إذا تغيَّرَ كما قال مالك فلا، إذْ لا يمكنُ الاستدلالُ عليه بصدر الحديث وهو قولُهُ: «لا يُنَجِّسُه شيء»، إذ الإِجماعُ على تنجُّسه بالتغيُّرِ: يُفِيدُ أنَّ ظاهره غيرُ مراد، على أنَّ ماءها كان جاريًا في البساتين كما رواه الطحاوي بسنده عن الواقدي.

стр. 77

وإِنْ تَغيَّرَ بالمَكْثِ، أو اختَلَط به طاهِرٌ، إِلا إِذا أَخرَجَهُ عن طَبْع الماءِ، === (وإِنْ تَغيَّرَ) أي لَونُهُ وطَعْمُهُ وأنْتَنَ (بالمَكْثِ) بفتح الميم أي طُولِ اللَّبْث، وهو مصدَرُ مَكَثَ بفتح الكاف وضمِّها، والاسمُ منه المُكْثُ بضّم الميمِ وكسرِها، وذلك لبقاءِ اسمِ الماءِ عليه. (أو اختَلَط به طاهر) كالأُشْنانِ (١) والزَّعْفَرانِ والصَّابونِ والوَرَقِ الواقعِ في المياه زمانَ الخريف، لأنْ النبي ﷺ اغتَسَل يومَ الفتح من قصعةٍ فيها مِنْ أثَرِ العجين. رواه النسائي، والماءُ بذلك يتغيَّر. ومِمَّا يَدُلُّ على ذلك ما رواه الشيخانِ عن ابن عباس: أنَّ رجلاً كان واقفاً مع النبي ﷺ فوقَصَتْهُ ناقتُهُ ـ وفي روايةٍ: فأوْقَصَتْه، وفي أخرى: فأقْصَعَتْهُ ـ أي كَسَرَتْ عُنُقَهُ وهو مُحْرِم فمات، فقال رسول الله ﷺ «اغسِلُوهِ بماءٍ وسِدْر (٢) ، وكَفِّنوهُ في ثَوْبَيْه، ولا تُحَنِّطُوه، ولا تُخَمِّرُوا رأسَهُ، فإِنَّ الله يَبْعَثُه يوم القيامة مُلَبِّياً». وليس في الحديث أنَّ الماء أُغلِيَ بالسِّدْرِ كما ذكره صاحبُ «الهداية». وأمَّا تغطيةُ رأسِ المُحْرِم وتَطْييبُهُ حال موتِهِ عندنا فمأخوذٌ من دليلٍ آخَرَ يأتي في محلّه، والميِّتُ لا يُغسَلُ إلا بما يَجوزُ للحيّ أن يَتطهَّرَ به. وروى مالك في «الموطَّأ» من حديث أُمّ عَطِيَّة قالتْ: دَخَلَ علينا رسول الله ﷺ حين تُوفِّيَتْ ابنتُهُ فقال: «اغسِلْنَها ثلاثاً أو خمساً أو أكثَرَ من ذلِكِ بماءٍ وسِدْر، واجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كافوراً، أو شيئاً من كافور … »، الحديثَ. والغَسْلُ بالماءِ والسِّدْر لا يُتَصَوَّرُ إلا بخَلطِ السِّدْرِ بالماءِ أو بوَضْعِهِ على الجَسَد وصَبّ الماءِ عليه، وكيفما كان فلا بُدَّ من الاختلاطِ والتغيُّرِ، فيكونانِ مما لا يَضُرُّ. (إِلاَّ إِذا أَخرَجَهُ) أي الطاهِرُ أو اختلاطُهُ (عن طَبْع الماءِ) وهو الرِّقَّةُ والسِّيَلانُ بأن غلَبَ الطاهِرُ المُخالِطُ على الماء. والصحيحُ أنه لا يُعتَبرُ غلبةُ اللون كما قال به محمد، بل يُعتبَرُ الأجزاءُ كما قال به أبو يوسف، ونُقِلَ بالعكس عنهما، فكان لهما روايتان. وقال مالك والشافعي: لا يُرْفَعُ الحَدَثُ بماءٍ غالبٍ على شيءٍ طاهرٍ كأُشنانٍ وزَعْفَران، مع الاتفاق على أنَّ الماءَ المُطَلقَ يُزيلُ الحدَثَ، وأنَّ المُقَيَّد لا يُزِيل، إذ الحُكُم منقولٌ إلى التيمّم عند فَقْدِ المُطَلق فى النَّصّ. والخِلافُ في الماءِ الذي خالطَهُ الأشنانُ ونحوُه مَبنِيٌّ على أنه هل تَقَيَّدَ بذلك أَمْ لا؟ وقالا: تقيَّدَ به، لأنه ماءُ الزعفران.

стр. 78

أو غَيَّرَهُ طَبْخًا، وهو مما لا يُقصَدُ به النَّظافةُ. وإِن اختَلَطَ به نَجَسٌ، فإن كان جاريًا أو عَشْرًا في عَشْر، === ونَحنُ لا نُنكِرُ أنه يُقالُ ذلك، ولكن لا يَمتنع مع ذلك ما دام الخَالِطُ مغلوباً أن يقول القائلُ فيه: ماء، من غيرِ زيادة، كما في ماء المَدِّ (١) والسَّيلِ حالَ غلبةِ لونِ الطِّينِ عليه. وإضافتُهُ إليه للتعريف كإضافته للبئر أو للعَيْن، لا للتقييد كماء البِطِّيخ. والفَرْقُ بين الإِضافتين عدَمُ صِحَّةِ نفي الماءِ في الأُولى وصحَّتِهِ في الثانية، فحيثُ لم يَصِحَّ النَّفيُ ـ وقيل الإِطلاق ـ كان مُطلَقاً ولَزِمَهُ حُكْمُه من إزالة الحُكمية شرعاً، إذْ زَوالُهُ بارتفاعه، وهو بأن يَحْدُثَ له اسمٌ على حِدَة، ولزومُ التقييدِ يَندرجُ فيه، وإنما يكونُ ذلك إذا كان الماءُ مغلوباً، إذْ في إطلاقه على المجموع حينئذٍ يكون اعتبارُ الغالبِ عَدَماً، وهو عكسُ الثابتِ لغةً وعرفاً وشرعاً. (أو غَيَّرَهُ) أو إذا غيَّرهُ الخالِطُ الطاهِرُ (طَبْخاً) أي مِنْ جهةِ الطبخ، لأنه حينئذٍ ليس بماءٍ مطلقٍ لعدم تبادُرِهِ عند إطلاقِ اسمِ الماء، ولا مَعْنِيَّ (٢) بالمطلق إلا ما يَتبادَرُ عند إطلاقه (وهو) أي الطَّبْخُ بمعنى المطبوخ (مما لا يُقصَدُ به النَّظافةُ) جملةٌ حالية، وقيَّدَهُ به لأنه لو كانت النظافة تُقْصَدُ به كالسِّدْرِ والأُشنانِ يُطبَخُ بالماءِ: فإنَّه يُتوضَّأُ به، إلا إذا أَخرَجَ الماءَ عن طَبْعِه. (وإِن اختَلَطَ به) أي بالماء (نَجَسٌ) بفتح الجيم، ويجوزُ كسرُها، إذ المتنجِّس لا يخلو عن النجاسة، فتُفهَمُ عينُها بالأَولى. (فإن كان) أي الماءُ (جارياً): إِمَّا حقيقةً وهو ما يَعُدُّه الناسُ جارياً، وقيل: ما لا يتكرَّرُ استعمالُه، أو: ما يَذَهَبُ بِتِبْنةٍ. وألحقوا بالجاري حَوْضَ الحَمَّام إذا كان الماءُ يَنْزِلُ مِنْ أعلاه، حتى لو أُدخِلَتْ القصعة النجِسةُ فيه لا يتنجَّسُ. وإِمَّا حُكماً كما أشار إليه بقوله: (أو عَشْراً في عَشْر) وبه قال عامَّةُ المشايخ، وعليه الفتوى. كما قال أبو الليث. وقيل: ثمانٍ في ثمانٍ، و: اثْنَيْ عَشَر في اثْنَيْ عَشَر. وفي «الهداية» وغيرها: تُعتَبَرُ بذراعِ الكِرْباسِ (٣) توسعةً على الناس، وهو سَبْعُ مُشْتات (٤) ، ليس فوق كل مُشْت إِصْبَعٌ قائمة. وفي «الخانيَّة»: يُعتَبَرُ ذراعُ المَساحة، لأنه أليَقُ بالممسوحات، وهو سَبْعُ مُشْتات، فوقَ

стр. 79

لا تَنْحَسِرُ أرضُه بالغَرْفِ: لا يَنْجَس، === كلِّ مُشْت إصْبَعٌ قائمة. وفي «المحيط»: الأصَحُّ أن يُعتَبَر في كلِّ زَمانٍ ومكانٍ ذراعُهُ. وفي «شرح الوقاية»: إنما قدَّرنا الغَدِيرَ بعَشْر في عَشْر بناءً على قوله ﷺ «مَنْ حفَرَ بِئراً فله حَرِيمُها أربعون ذِراعاً» (١) فيكون له حَرِيمُها مِنْ كلِّ جانبٍ عَشَرةَ أذْرُع، ففُهِمَ مِنْ مَنْعِ غيرِ صاحب البئر عن حَفْرِ بئرٍ في العَشْر لانجذاب الماء إلى ما يَحفِرُه، ومِن عَدَمِ منعِهِ عن الحَفْر فيما وراء ذلك لعدم انجذاب الماءِ إليه، اعتبارُ العَشْرِ في العَشْر، هذا خُلاصَةُ كلامه. وفيه نظر، لأنَّ كونَ حَرِيم البئر عشرةَ أذرع مِنْ كلّ جانبٍ قولُ البعض، والصحيحُ أنه أربعون ذِراعاً من كلّ جانبٍ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في محلِّه (٢) . (لا تَنْحَسِرُ) أي لا تنكشف (أرضُه بالغَرْفِ) أي بالاغتراف بكفَ واحدٍ أو بكفَّينِ. وقيل: يُعتبَرُ تقديرُ عُمقه بذِراعٍ أَوْ شِبْر (لا يَنْجَس) بفتح الجِيم وضَمِّها، وهو مجزومٌ على جواب قوله: فإن كان، ويجوزُ رفعُهُ. أمَّا عدَمُ نجاسة الجاري، فإنَّ عدَمَ أثَرِ النجاسةِ دليلٌ على عدَمِ بقائِها، وأمَّا عدَمُ نجاسةِ العَشْر فى العَشْر فَلأَنَّه في معنى الجاري. وكلامُ المصنِّفِ ظاهرٌ في عدَمِ نجاسةِ موضعِ وقوعِ النجاسة، وهو مرويٌّ عن أبي يوسف، وبه أخذَ مشايخُ بُخارَى وبَلْخ توسِعةً على الناس، إذا لم تكن النجاسةُ مَرْئيَّة. وفي «المبسوط» و «البدائع» و «المفيد»: أنَّه يَنْجُسُ، وإليه أشار القُدُوريُّ في «مختصره» بقوله: جازَ الوضوءُ مِنْ الجانبِ الآخَر، وعن أبي يوسف: أنه كالماءِ الجاري لا يَنْجُسُ إلاَّ بالتغيُّرِ، وهو الذي ينبغي تصحيحُه، فينبغي عليه عدَمُ التفرقةِ بين المَرْئيَّة وغيرِها، لِمَا روى الطَّحاويُّ عن جابرٍ وَأبي سعيدٍ قالا: «كنا مع رسولِ الله ﷺ في سَفَرٍ فانتهينا إلى غَدِيرٍ فيه جِيفَة، فكَفَفْنا وكفَّ الناسُ، حتى أتانا النبيُّ ﷺ فقال: «مالَكم لا تَسْتَقُون»؟. فقلنا: يا رسول الله هذه جِيفةٌ، قال: «اسْتَقُوا فإنَّ الماءَ لا يُنَجِّسُهُ شيء، فاستقينا وارتوينا». ومِن الفروع: إذا وجَدَ الماءَ مُتَغيِّرَ اللونِ والريحِ يَتوضَّأ منه ما لم يَعلم أنه مِنْ نجاسةٍ، لأنَّ التغيُّرَ قد يكون لِطاهرٍ أو لمَكْثٍ. واعلم أنَّ علماءنا اتَّفقوا على أنّ الغَدِيرَ العظيمَ في حكم الجاري، واختلفوا بماذا يُعتَبَر؟ فقال المتقدِّمون: بعدَمِ تحرُّكِ طَرَفِه عند تحريك الطَّرَفِ الآخَر، بأن لا يَنخفِضَ ويرتفعَ من ساعته. ثُمَّ عن أبي حنيفة ﵀: تحريكُ الاغتسال، لأنَّ الحاجة إلى

стр. 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الحِيَاض فيه أشدّ (١) ، وهو روايةٌ عن أبي يوسف، وعنه (٢) تحريكُ اليَدِ توسعةً على الناس، وعن محمد تحريكُ التوضُّؤ، لأنه الوسَط، وهو روايةٌ عن أبي حنيفة. وفي «الغاية»: ظاهِرُ الرواية عن أبي حنيفة اعتبارُهُ بغلبة الظنّ، فإن غَلَبَ على ظنّ المتوضِّاء وصولُ النجاسة إلى الجانب الآخَر لا يتوضَّأ به، وإلا توضَّأ، قال: وهو الأصحّ. وقال أبو عِصْمة: كان محمدٌ يقدِّره بعَشْرٍ في عَشْرٍ، ثم رجَعَ إلى قول أبي حنيفة وقالَ: لا أُقدِّرِ فيه شيئاً. لكنَّ التقديرَ مختارُ ابن المبارك ومشايخِ بَلْخٍ وجماعةٍ من المتأخرِين. قال أبو الليث: وعليه الفتوى، وبه قال صاحبُ «الهداية». ثم العِبرةُ بحالِ الوقوع، فإن نقَصَ بعده لا يَنجُسُ، وعلى العكس لا يَتطهَّر. ولو كان الماءُ له طُولٌ وليس له عَرْضٌ، أو عُمقٌ بلا طُول، فالأصحُّ أنه إن كان بحالٍ لو ضُمَّ طُولُه إلى عَرْضِه يصيرُ عَشْراً في عَشْر يجوزُ الوضوءُ منه، ولا ينجُسُ بوقوع النجاسة فيه، لأنَّ اعتبارَ العَرْض يُوجِبُ تنجُّسَه، واعتبارَ الطُّولِ لا يُوجِبه، فوقع الشكُّ في تنجُّسِه، والأصلُ فيه هو الطهارةُ فيَبقَى طاهراً، وإن كان الحوض مُدوَّراً فقُدِّرَ بأربعةٍ وأربعين، وثمانيةٍ وأربعين، والمختارُ ستةٌ وأربعون في الأصل. ويَتوضَّأ من الحوض الذي يَخافُ أن يكون فيه قذَرٌ ولا يَستيقنُهُ، وليس عليه أن يَسألَ ولا أن يدَعَ التوضُّؤَ منه حتى يَسْتيقن، لقولِ عُمَر ﵁ حين سألَ عَمْرُو بنُ العاص صاحبَ الحوض: أَيَرِدُه السِّباعُ؟ ـ: يا صاحِبَ الحوضِ لا تُخْبِرْنَا. ذكره في «الموطَّأ». ولا بأسَ بالوضوء مِنْ حُبَ (٣) يُوضعُ كُوزُه (٤) في نواحي الدار ويُشرَبُ منه، ما لم يَعلم أنه قَذر (٥) . ويُكرَهُ للرجل أن يَستخلص لنفسه إناءً يَتوضَّأ منه ولا يَتوضَّأ من غيره. وقيل: التوضُّؤُ من الحوض أفضلُ من التوضُّؤ من النهر، لأنَّ أهلَ الاعتزالَ لا يَرون التوضُّؤَ من الحياض جائزاً، فنحن نتوضَّأ رغماً لهم. وفي «الواقعات» و «فتاوى أبي الليث»: أنَّ البول في الماء الجاري مكروه، وأمَّا البولُ في الماءِ الراكد فحرام. ثم اعلم أنَّ الشافعي قَدَّرَه بقُلَّتينِ (٦) ، وهي خمسُ مئة رطلٍ بالعراقيّ، وقيل: ست

стр. 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مئة رطل، وقال: إذا بَلَغهما لم يَنْجُس إلا بالتغيُّرِ لقوله ﷺ «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَينِ لم يَحمِل الخَبَث». رواه أصحاب «السنن الأربعة» عن ابن عُمَر، وفي روايةٍ أخرى لأبي داود: «فإنه لا يَنْجُسُ»، وأخرجه ابنُ خُزَيمة والحاكمُ في «صحيحيهما». قلنا: ضعَّفَه جماعةٌ، منهم الحافظُ ابنُ عبد البَرّ، والقاضي إسماعيلُ بنُ إسحاق، وأبو بكر بنُ العربي: المالكيُّون، وقال البيهقي: إنه ليس بالقويّ. وقد تَرَكه الغزاليُّ والرُّوْيَانيُّ مع شدَّةِ اتّباعِهما للشافعي، وعن أستاذِ البخاري عليِّ بنِ المَدِيني (١) أنَّه قال: لم يَثبُت حديث القُلَّتَين، ولأن ابن العباس وابن الزُّبَيْر أَمَرا بنزح ماء زمزم حين مات فيها الزُّنجيُّ، ولو كان هذا صحيحاً لاحتَجَّ به بقيَّةُ الصحابةِ والتابعين عليهما، فعُلِمَ أنه شاذٌّ في حادثةٍ تعُمُّ بها البَلْوَى، فيُرَدُّ، كخبرَ الوضوءِ مما مَسَّتْه النارُ. ثم حديثُ القُلَّتين ضَعَّفه أبو داود أيضاً للاضطرابِ فى سَنَدِه وكذا فى مَتْنِهِ، ففي روايةٍ: «لم يُنَجِّسْه شيء»، وفي روايةٍ: «لم يَحمِل الخَبَث»، قال البيهقيُّ: وهو غريب، وفي روايةٍ: «إذا بَلَغ الماءُ قُلَّتَينِ أو ثلاثاً لم يُنَجِّسه شيء»، وفي روايةٍ: «إذا بلَغَ الماءُ أربعين قُلَّةً فإنه لا يَحمِلُ الخَبَث». وضعَّفَه الدَّارقُطْنيُّ وذَكَر أنَّ جماعةً رَوَوْا عن ابن عُمَر موقوفاً: «إذا بلَغَ الماءُ أربعين قُلَّةً لم يَنْجُس». وفي روايةٍ: «لم يُنَجِّسه شيء». وفي أُخرى: «لم يَحمِل خَبَثاً». قال الدارقطنيُّ: ورَوَى غيرُ واحدٍ عن أبي هريرة فقالوا: «أربعين غَرْباً» (٢) ، ومنهم من قال: «أربعين دَلْواً». وهذا الاضطرابُ يُوجبُ الضعفَ وإن وُثِّقَ الرجال، مع ما فيه من الاضطراب في معناه أيضاً حيث قيل: معنى لم يَحمِل خَبَثاً أنه يَضْعفُ عن حَمْلِ النجاسة فيتنجَّس، كما يُقال: هو لا يحمِلُ الكَلَّ، أي لا يُطيقه. وأيضاً القُلَّةُ مشتركةٌ بين الجَرَّةِ والقِرْبةِ ورأسِ الجَبَل. وأمَّا قولُ الشافعي في «مسنده»: أخبرني مُسلِمُ بن خالد الزنجيُّ، عن ابنِ جُرَيْج بإسنادٍ لا يَحضُرني: أنه ﷺ قال: «إذا كان الماءُ قُلَّتينِ لم يَحمِل خَبَثاً»، فمُنقطِعٌ للجهالة، وفي روايةِ ابن عَدِيّ، عن ابن عُمَر مرفوعاً: «إذا كان الماءُ قُلَّتينِ مِنْ قِلالِ هَجَر لم يُنجِّسه شيء»، ويُذْكَرُ أنهما فَرَقان، والفَرَقُ: بفتح الراء سِتَّةَ عَشَرَ رطلاً، كذا في «مُجمَل اللغة» (٣) . وقال ابنُ جُرَيج: رأيتُ قِلالَ هَجَر، فالقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أو قِرْبَتَينِ

стр. 82

إِلا إِذا غيَّر طعمَهُ أو لونَهُ أو ريحَهُ، وإن لم يكن، يَنْجُسْ. ولا بأسَ بموتِ مائيِّ المَوْلدِ، ولا بِمَوتِ ما ليس له دَمٌ سائل. === وشيئاً. وقال الشافعيُّ: فالاحتياطُ أن يُجْعَلَ قِرْبَتَيْنِ ونصفاً. لكن قال ابنُ عَدِيّ: قولُهُ في مَتْنِه: «مِنْ قِلالِ هَجَر» غيرُ محفوظٍ، لا يُذكَرُ إلاَّ مِنْ روايةِ مُغِيرة بن سِقْلاب يُكنَى أبا بِشْر، مُنكَرُ الحديث. وروى ابنُ عَدِيّ عنه عن ابن عُمَر مرفوعاً: «إذا كان الماءُ قُلَّتينِ لم يُنَجِّسه شي». والقُلَّةُ أربعةُ أَصْوُع. هذا خلاصَةُ ما ذكَرَ ابنُ الهُمَام من تلخيص ما ذكره الشيخ تقيُّ الدين بن دقيق العِيد في «الإِمام»، وقد أفرده الناسُ بالتصنيف. واعتَبَر مالكٌ أوصافَ الماءِ قليلاً كان الماءُ أو كثيراً، لقولِهِ ﷺ : «إنَّ الماء طاهِرٌ إلا أن يتغيَّرَ ريحُهُ أو طعمُهُ أو لونُهُ بنجاسةٍ تَحْدُثُ فيه» (١) ، وقولِهِ: «إنَّ الماءَ طَهورٌ لا يُنجِّسُه شيء» (٢) . قلنا: الحديثُ الأوَّلُ غيرُ قويّ كما ذكره البيهقي. والثاني ليس على إطلاقه لقوله ﷺ «لا يَبُولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائم ولا يَغْتَسِلَنَّ فيه من الجنابة»، أو: «ثُمَّ يَغْتَسِل منه» أو: «فيه» كما هو رواية «الصحيحين». فلو لم يكن مُفْسِداً للماءِ لما كان للنهي عنه فائدة. (إِلا إِذا غيَّر طعمَهُ أو لونَهُ أو ريحَهُ) يتعلَّقُ بالماءِ الجاري وماءِ الحوض جميعاً، فإنه إذا اختلَطَ النَّجَسُ بأحدِهما وغيَّرَ أحدَ أوصافِه الثلاثةِ يَصِيرُ نَجِساً. (وإِن لم يكن) الماءُ جارياً ولا عَشْراً في عَشْرٍ على الوجه المذكور (يَنْجُسْ) ذلك الماءُ لوقوع النجاسة فيه قليلةً كانت أو كثيرة. (ولا بأسَ بموتِ مائيِّ المَوْلدِ) وهو ما يَتولَّدُ في الماء، كالسَّمَكِ والضِّفْدَعِ والسَّرَطان (ولا بموتِ ما ليس له دَمٌ سائل) كالبقِّ والذُّبابِ والخُنافسِ (٣) لقوله ﷺ «يا سَلمانُ كلُّ طعامٍ وشرابٍ وقعَتْ فيه دابَّةٌ ليس لها دَمٌ سائل فماتتْ فيه فهو حلالٌ أكلُه وشُرْبُه ووضوؤه» رواه الدارقطنيُّ وقالَ: لم يَرفعه إلا بَقِيَّةُ عن سَعِيد بن أبي سَعِيد الزُّبَيدِي وهو ضعيف. انتهى. وأعلَّه ابنُ عَدِيّ بجهالةِ سعيد، ودُفِعَا بأنَّ بَقيَّةَ هذا هو أبو الوليدِ رَوَى عنه الأئمةُ مثلُ الحمَّادَينِ، وابنِ المبارك، ويزيدَ بن هارون، وابنِ عيينة،

стр. 83

ولا يَتوضَّأ بماءٍ اعتُصِرَ، ولا بماءٍ استْعْمِلَ لقُرْبةٍ أو رَفْعِ حدَثٍ. === ووكيعٍ، والأوزاعيِّ، وإسحاق بن رَاهُويَه، وشُعْبةَ، وناهِيك بشعبة واحتياطِه، قال يحيى: كان شُعْبة مُبَجِّلاً لبقيَّةَ حين قَدِمَ بغداد، وقد رَوَى له الجماعةُ إلا البخاريَّ. وأمَّا سعيدُ ابنُ أبي سعيد هذا فذكره الخطيب قال: واسمُ أبيه: عبدُ الجبَّار، وكان ثقةً فانتفت الجهالة، والحديثُ مع هذا لا يَنْزِلُ عن الحَسَن. ولقوله ﷺ «إذا وقَعَ الذُّبابُ في شرابِ أحدِكم فليَغْمِسْه ثم لِيَنْزِعْه فإنَّ في أَحَدِ جناحَيه داءً وفي الآخَرِ شفاءً» رواه البخاري، وزاد أبو داود: «وإنه يَتَّقي بجَناحِه الذي فيه الداء»، وفي روايةِ ابن ماجه والنَّسائي: «وإذا وقع في الطعام فامْقُلُوه (١) فيه، فإنه يُقدِّمُ السُّمَّ ويُؤخِّرُ الشّفاءَ». ولولا أنَّ موتَه فيه لا بأسَ به لم يَأْمُر ﷺ بغَمْسِه الذي هو في العادة سبَبٌ لموته. قال ابنُ المُنذِر: ولا أعلمُ في ذلك خلافاً إلا ما كان من أحَدِ قولي الشافعي. ثم إطلاقُ المصنِّفِ يقتضي أنه لا فَرْقَ بينَ الموتِ في الماء والإِلقاءِ فيه بعد الموت، ولا بينَ الماءِ وباقِي المائعات، وهو الصحيحُ. وهذه المسألة داخلةٌ فيما قبلها لأنَّ ما يَعيشُ في الماءِ لا دَمَ فيه، ذكَره ابنُ الهُمَام. وفيه نَظَر، إذ المُرادُ به غيرُ مائيِّ المَوْلِد بقرينةِ المقابلة، على أنه قد يكون مائيَّ المَوْلِد وله دمٌ سائل كالخِنزيرِ المائيّ والكلب المائيّ، فإنَّ الأصحَّ أنه لا بأسَ به كما في «الهداية» و «الكافي». ولا يَبْعُدُ أن يكون مائي المَوْلِد مطلقاً: مما ليس له دَمٌ سائل. وعلامتُهُ أنَّ دمه إذا أُلقِي في الشمس لم يَسودَّ بل يَبْيَضُّ. (ولا يَتوضَّأُ) أي ولا يَرفَعُ الحدَثَ (بماءٍ اعتُصِرَ) يجوز قَصْرُ ألف الماءِ ومَدُّها، أي بماءٍ اعتَصَرَهُ الخالقُ أو المخلوقُ من شجر أو ثمر، لأنه ليس بماءٍ مُطلَق. والشَّجَرُ يَعُمُّ ما نبتَ من الأرض، كان له ساقٌ أوْ لا. والثَّمَرُ يَشمَلُ البَذْرَ والحُبوبَ. (ولا بماءٍ استُعْمِلَ لقُرْبةٍ) واجبةٍ أو مندوبةٍ كالوضوء (على الوضوء) (٢) ، أو أُرِيدَ بها أن يَنوِيَ الوضوءَ حتى يصيرَ عبادةً (أو رَفْعِ حدَثٍ). والحاصِلُ: أنَّه (٣) عند أبي حنيفة وأبي يوسف كلٌّ مِنْ رفعِ الحدثِ والتقرُّبِ،

стр. 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وعند محمد التقرُّبُ (١) كان معه رَفْعٌ أوْ لا، وعند زُفَر الرَّفْعُ (٢) كان معه تقرُّبٌ أوْ لا. وإنما حصَرَ محمدٌ الاستعمالَ بالقُربة لأنه إنما هو بانتقالِ نجاسة الذُّنُوب إليه، كما ورد في الحديثِ الدالِّ عليه (٣) ، وذا لا يكون إلا بِنيَّةِ القُربة لديه. ووافَقَنا الشافعيُّ في الجديد خلافاً لمالك، لأنه ماءٌ طاهر لاقَى محلاً طاهراً فيَبقَى على حاله، كما لو غَسَل به ثوباً طاهراً، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الماءُ طاهرٌ إلا أن يتغيَّرَ ريحُه أو لونُه أو طعمُه بنجاسةٍ تَحدُثُ فيه». لكنَّ الحديثَ غيرُ قوي، كما تقدَّم عن البيهقي (٤) . واعلم أنَّ كلامَ المصنِّف دالٌّ على حُكم الماءِ المستعمَل بعدم التوضّوء به، وليس بدالَ على حُكمِه بالطهارةِ أو عَدَمِها، فنقول: لم يُثبِتْ مشايخُ العراقِ خلافاً بين الأئمةِ الثلاثةِ (٥) في أنَّ الماءَ المستعمَل طاهرٌ غير طَهُور، وأثبَتَهُ مشايخُ ما وراءَ النهر، واختلافَ الرواية (٦) : فعن أبي حنيفة في رواية الحَسَن عنه ـ وهو قولُه ـ: أنه نَجِسٌ نجاسةً مغلَّظة، وعن أبي يوسف وهو روايةٌ عن أبي حنيفة: أنه نَجِسٌ نجاسةً مخفَّفة، وعن محمد وهو روايةٌ عن أبي حنيفة وهو الأقَيسُ: أنه طاهرٌ غيرُ طَهُور، واختار هذه الروايةَ المحقِّقون من مشايخِ ما وراءَ النهرِ وغيرِهم، وهو ظاهِرُ الرواية، وعليها الفتوى. أمَّا دليلُ النجاسة فما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا يَعْتَسِلَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائم وهو جُنُب»، مع ما رواه أيضًا عن جابر أنَّ النبي ﷺ قال: «لا يَبُولَنَّ أحدُكم في الماءِ الراكدِ»، وفي «سنن أبي داود»: أنه ﷺ قال: «لا يَبُولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائم ولا يَغْتَسِلَنَّ فيه مِنْ الجنابةِ». ووَجْهُ الدلالةِ أنه ﷺ

стр. 85

[أحْكَامُ الدِّبَاغةِ] وكلُّ إِهابٍ دُبغَ طَهَرَ === سوَّى في النهي بينَ البولِ في الماءِ والاغتسالِ فيه، لكنَّ أبا يوسف قال بالتخفيف لاختلافِ العلماء. وأمَّا دليلُ الطهارة فما روى البخاري عن جابر قال: ممَرِضْتُ فأتاني النبيُّ ﷺ وأبو بكر وهما ماشيانِ، فوجَدَاني قد أُغمِيَ عليَّ، فتوضَّأ النبيُّ ﷺ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَه عليَّ، فأفَقْتُ فقلتُ: يا رسول الله كيف أصنَعُ في مالي؟ كيفَ أقضِي في مالي؟ فلم يُجِبني بشيء، حتى نزلَتْ آيةُ الميراث»، وروى البخاري أيضاً من حديثِ أبي جُحَيفَة قال: «أَتيتُ النبيَّ ﷺ وهو في قُبَّةٍ حَمْراءَ من أَدَم (١) ، ورأيتُ بلالاً أخَذَ وَضُوءَ النبي ﷺ (ورأيتتُ الناسَ يَبْتَدِرِون ذاك الوَضوءَ، فمَنْ أصاب منه شيئاً تمسَّحَ به، ومن لم يُصِبْ منه شيئاً أخَذَ من بَلَلِ يَدِ صاحِبِهِ» (٢) . وفي «المحيط»: لو أَدَخَلَ الجُنبُ يدَهُ في الماءِ لا يَضُرُّه (٣) استحساناً، لأنه ربما لا يُمكنه استعمالُ الماءِ إلا بالاغترافِ منه، فسَقَطَ اعتبارُه دفعاً للضرورة (٤) . (أَحْكَامُ الدِّبَاغَةِ) (وكلُّ إِهابٍ) وهو الجلْدُ قبل الدِّباغِ (دُبِغَ) أي بما يَمنعُ النَّتْنَ والفسادَ كالقَرَظِ (٥) والعَفْصِ (٦) والتَّتْرِيبِ والتشميسِ والإِلقاءِ في الريح، لا بمجرَّدِ التجفيف (طَهَرَ) لما روى ابنُ خُزَيمة في «صحيحه»، والحاكمُ وصحَّحه، والبيهقيُّ في «سننه» وصحَّحه: عن ابن عباس قال: أرادَ النبيُّ ﷺ أن يَتوضَّأ من سِقاءٍ فقِيل له: إنه مَيْتة، فقال: «دِباغُهُ يُزِيلُ خَبَثَه» أو «نَجَسَه» أو «رِجْسَه». ولما في «سنن الترمذيِّ»: وصحَّحه، والنسائيِّ وابنِ

стр. 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «أيُّمَا إهابٍ دُبِغَ فقد طَهَرَ»، وفي «صحيح مسلم»: «إذا دُبِغَ الإِهابُ فقدَ طَهَرَ». وفي «الصحيحين»: عن ابن عباس قال: تُصدِّقَ على مولاةٍ لميمونة بشاةٍ فماتَتْ، فمَرَّ بها رسولُ الله ﷺ فقال: «هَلاَّ أخذتُم إهابَها فدَبَغْتُموه؟»، زاد مسلم: «فانتفعتُم به؟» فقالوا: إنها ميتة، قال: «إنَّما حَرُمَ أكلُها»، وزاد الدارقطنيُّ: «أوَ ليسَ في الماءِ والقَرَظِ ما يُطهِّرها؟»، وفي لفظٍ قال: «إنما حَرُمَ عليكم لَحْمُها، ورُخِّصَ لكم في مَسْكِها» أي جِلْدِها وفي لفظٍ: «إنَّ دِباغَهُ طَهُور»، أخرَجَ هذه الألفاظَ في حديثِ ميمونة ثم قالَ (١) : وهذه الأسانيدُ كلُّها صِحاح. وفي أيمانِ البخاري مِنْ حديثِ سَوْدَةَ زوجِ النبي ﷺ قالتْ: «ماتَتْ لنا شاةٌ فدَبَغْنا مَسْكَها، ثم ما زِلنا نَنْبِذُ فيه (٢) حتى صار شَنَّاً» (٣) . وقال مالك والشافعي بنجاسة جِلْدِ الميتة ولو دُبِغَ لما في «السنن الأربعة»: مِنْ حديث الحَكم بن عُتَيْبَة، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى، عن عبد الله بن عُكَيْم عن النبي ﷺ أنه كَتَبَ إلى جُهَينَة قَبْلَ موتِه أن لا تَنتفعوا (٤) من الميتة بإهابٍ ولا عَصَبٍ (٥) ، قال الترمذي: حديثٌ حَسَن، وعند أحمد: قبلَ موتِه بشهرٍ أو بشهرين، قال البيهقي: وجاء في لفظٍ آخَر قبلَ موتِه بأربعين يوماً. وأُجِيبَ بأنَّ حديثَ ابنِ عُكَيْم لا يُوازِي حديثَ ابنِ عباس في جهة من جهاتِ

стр. 87

إِلا جِلدَ الخِنزِيرِ والآدَميّ. === الترجيح للاضطرابِ في مَتْنِه وسَندِه، وللاختلافِ في صُحْبَتِه كما ذكره النووي في «الخلاصة»، وقال البيهقيُّ وغيرُه: لا صُحْبَة له، ولهذا رَجَعَ أحمدُ عن قوله به أوَّلاً حيث دَلَّ على أنه وقفَ آخِراً (١) . قيل: وعلى تقديرِ مُساواتِه ليس بينهما مُعارَضَة، لأنَّ الإِهاب اسمٌ لغير المدبوغ، وبعدَ الدَّبغِ يُسمَّى أدِيماً وشَنَّاً، وأمَّا ما رواه الطبرانيُّ في «الأوسَط» مِنْ لفظِ هذا الحديث هكذا: «كنتُ رخَّصتُ لكم في جلودِ الميتة، فلا تَنْتفِعُوا من الميتة بجِلْدٍ ولا عَصَب» ففي سندِه فَضَالَةُ بن مُفَضَّل، مُضَعَّفٌ. والحقُّ أنَّ حديثَ ابنِ عُكَيم ظاهِرٌ في النَّسْخ لولا الاضطرابُ، فإنَّ مِنْ المعلومِ أنَّ أحداً لا يَنتِفعُ بجلد الميتة قبلَ الدباغة، لأنه حينئذٍ مستقذَرٌ فلا يَتعلَّقُ به النَّهيُ ظاهراً. ثم الدليلُ على حُصولِ الدِّباغةِ بالتشميسِ أو التَّتْرِيبِ ما في الدارقطني عن معروف بن حَسَّان، عن عَمْرِو بن ذَرَ، عن عُبَادة، عن عائشة قالَتْ: قال رسول الله ﷺ «اسْتَمْتِعُوا بجلودِ الميتة إذا هِيَ دُبِغَتْ، تُراباً كان، أو رَماداً، أو مِلْحاً، أوْ ما كان، بعد أن يَزِيدَ صَلاحُه»، إلاَّ أنَّ أبا حاتم وابنَ عَدِي أنكرَا معروفاً. وروى أبو حنيفة، عن حمَّادٍ (٢) ، عن إبراهيم قال: كلُّ شيءٍ يَمْنَعُ الجِلدَ مِنْ الفسادِ فهو دِباغ (٣) . إلا أنه إذا أصابَهُ الماءُ يعودُ نَجِساً في رواية، وفي أخرى: لا، وبها قالا، وهي الأظهر. (إِلا جِلدَ الخِنزيرِ والآدَمِيّ) أمَّا جِلدُ الخِنزيرِ فلنجاسةِ عينِه لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فإنَّه رِجْسٌ﴾ (٤) . والضميرُ للمضافِ إليه لقُرْبِه. فإن قيل: المضافُ إليه غيرُ مقصود ولا يعودُ الضميرُ إليهِ نحو لقيتُ ابنَ عُمَرَ وخَدَمْتُه. أُجِيبَ بأنَّ عَودَ الضمير إلى المضافِ إليه شائعٌ من غيرِ نكير، نحو قوله تعالى: ﴿واشْكُروا نعمةَ اإن كنتُم إيَّاهُ تَعْبُدون﴾ (٥) . وجُوِّزَ الوجهان في قوله تعالى: ﴿يَنْقُضون عَهْدَ اللهِ من بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ (٦) . ولأنَّ في صرفه إلى الخِنزِيرِ عملاً بهما (٧) دونَ العكس فهو أحوط.

стр. 88

وما طَهَر جِلْدُه بالدِّباغِ طَهَرَ بالذَّكَاةِ، وكذا لَحْمُه وإِنْ لم يُؤكل، وما لا فلا. وشَعْرُ الميْتَة وسِنُّهَا === وأمَّا جِلْدُ الآدَمِيّ فلئلا يتجاسَرَ الناسُ على مَنْ كرَّمه اللهُ بابتذالِ أجزائه، ولأنه لا يجوزُ الانتفاعُ به لكرامتِه. وما لا يجوزُ الانتفاعُ به لا يُؤثِّرُ الدِّباغُ فيه (١) . وفي «المحيط»: الصحيحُ أنَّ عينَ الكلب ليس بنَجِس. وبه قال صاحبُ «الهداية». وفي «المبسوط»: الصحيحُ من المذهب عندنا أنَّ عينَ الكلبِ نَجِسٌ (٢) . وعند محمَّدٍ أن الفِيلَ كالخِنزِير، وعندهما كسائرِ السِّباعِ (٣) لِمَا في «سنن البيهقي»: عن أنس أنَّ النبي ﷺ كان يَمْتَشِطُ بمُشطٍ مِنْ عاجٍ. والعاجُ: نابُ الفِيل كما في «المُحْكَم»، و: عَظْمُه كما في «الصِّحاح». (وما طَهَر جِلْدهُ بالدِّباغِ طَهَر) أي جِلْدُه المفهومُ من الجِلْدِ المضافِ إلى الضميرِ الراجعِ إلى ما، لا ما، فتأمَّل، (بالذكاةِ) الشرعيَّة، لأنها مانعةٌ من تَشرُّبِ الجِلدِ بالرطوبات، كما أنَّ الدِّباغة رافعةٌ للرطوبات. وقَيْدُ الشرعيَّةِ لإِخراجِ ذَبْحِ المَجُوسيِّ مطلقاً (٤) والمُحْرمِ صَيْداً، فلا يَطْهُرُ بها الجلدُ، بل بالدَّبْغ، لأنها إماتة. (وكذا لَحْمُه وإِنْ لم يُؤكل) لأنَّ الجلدَ يَطْهُر بالذكاة اتفاقاً، واللَّحمُ متَّصِلٌ به فلا يكون نَجِساً، وهو مُخْتارُ الكَرْخيِّ، وصاحبِ «الهداية»، و «التحفة»، وفي «المحيط»: وهو الصحيحُ من المذهب، وفي «البدائع»: وهو أقرَبُ إلى الصواب، لأنَّ النجاسة بالدَّمِ المسفوحِ وقد زالَ بالذكاة. وقال كثيرٌ من المشايخ: يَطْهُرُ جِلدُهُ بها ولا يَطْهُرُ لحمُه، كما لا يَطهُرُ بالدِّباغ. قال شارحُ «الكنز»: وهو الصحيحُ، واختاره صاحبُ «الغاية» و «النهاية». (وما لا) يَطْهُرُ جِلْدُه بالدِّباغ (فلا) يَطْهُرُ جِلدُهُ بالذكاة. (وشَعْرُ الميتَة) (٥) ورِيشُها، ووَبَرُها، وصُوفُها، وعَظْمُها (وسِنُّهَا) ومِنْقَارُها

стр. 89

وعَصَبُها طاهِرٌ. وكذا الإِنسانُ. === (وعَصَبُها) إذا يَبِسَ وذهَبَ لَحْمُهُ، وكذا ظِلْفُها (١) وحافِرُها وقَرْنُها (طاهِرٌ) وكذا لَبَنُها وبَيْضُها عند أبي حنيفة، إذا لم يكن على هذه الأشياءِ دُسومَةٌ، وبه قال مالك. وقال الشافعي: كلُّ ذلك نَجِسٌ إلحاقاً للجُزْءِ بالكلِّ، ولِمَا تقدَّمَ (٢) من حديثِ ابن عُكَيم: «لا تَنْتَفِعُوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصَب». ولنا ما علَّقه البخاريُّ عن الزهريِّ: قال في عِظام المَوْتَى نحوِ الفِيل وغيرِه: أدركتُ ناساً مِنْ سَلَفِ العُلَماء يَمْتَشِطُون بها، ويَدَّهِنُون فيها، لا يَرَوْن به بأساً. وتقدَّمَ حديثُ أنس مرفوعاً عن البيهقي (٣) . وأخرج الدارقطنيُّ عن عبد الجبَّار بن مُسْلم من حديثِ ابن عباس قال: إنما حرَّمَ رسولُ الله ﷺ من الميتةِ لحمَها، أمَّا الجِلْدُ والصُّوفُ والشَّعْرُ فلا بأس به. فإن قيل: عبدُ الجبَّار ضعَّفه الدارقطنيُّ؟ فالجواب أنَّ ابن حِبَّان وثَّقَه، فلا يَنْزِلُ حديثُه عن الحَسَن. وأخرَجَ أيضاً عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن قال: سمعتُ أمَّ سَلَمة زوجَ النبي ﷺ تقولُ: سمعتُ النبي ﷺ يقول: «لا بأسَ بمَسْكِ الميتةِ إذا دُبِغَ، ولا بأسَ بصُوفِها وشَعرِها وقُرونِها إذا غُسِلَ بالماء». فهذه عِدَّةُ أحاديثَ ولو كانتُ ضعيفةً حَسُنَ المتْنُ، فكيف ولها شاهدٌ في «الصحيحين»؟ (٤) . (وكذا الإِنسان) شعْرُهُ وعَظْمُه وعصَبُه: طاهِرٌ، لأنَّ هذه الأشياء لا تحلُّها الحياةُ لعدَمِ الحِسِّ الذي هو من خصائِصها، فلا تكون بانفصالها ميتة، ولأنه ﷺ ناوَلَ شعرَهُ أَبا طلحة فقسَمَه بين الناس (٥) . أمَّا لو نَتَفَ الشعرَ فيَنْجُس باعتبار طَرَفِه المُتَّصل بالجلدِ، وقيل: عَصَبُها نَجِسٌ في الصحيح، لأنَّ فيه حياةً بدليل تألُّمِه بالقطع، وقيل: طاهِرٌ لأنه غيرُ متَّصل.

стр. 90

[أحْكَامُ الآبَارِ] بِئرٌ فيها نَجَسٌ، أو مات حيوانٌ وانتَفَخَ أو تَفَسَّخَ، أو مات مثلُ آدَمِيٍّ أو شاةٍ: يُنْزَحُ كلُّ ماء فيها إِن أمكَنَ، === (أَحْكَامُ الآبَارِ) (بِئْرٌ) بهمزةٍ ويُبْدَل ياءً (فيها نَجَسٌ) بفتحِ الجيم أو كسرِها، أي وقَعَ نجاسَةٌ، مِنْ بولٍ، أو خمرٍ، أو دمٍ، أو خِنزِيرٍ، أو مُتَنجِّسٍ قليلاً كان أو كثيراً (أو مات حيوانٌ وانتَفَخَ) أي تورَّم (أو تفسَّخَ) أي تقطَّعَ وتفرَّقَ صغيراً كان أو كبيراً (أو مات مثلُ آدِميَ، أو شاةٍ) أي كبيرةٍ، فإنها إذا كانت صغيرةً جداً فحكمُها حُكمُ الدَّجَاجة (يُنْزَحُ كلُّ ماءٍ) بهمزة في آخره (فيها) أي في البئر. وفي بعض النُّسَخ: كلُّ مائِها، أي في الصُّوَرِ المذكورةِ جميعِها (إِنْ أمكَنَ) نَزْحُ جميعهِ بأن لا تكونَ مَعِيْناً (١) . أمَّا إِذا وَقَعَ فيها نجاسةٌ أو مات فيها حيوانٌ وانتفَخَ فلانتشارِ النجاسة في البئر، وأمَّا إِذا مات فيها مثلُ آدمِيّ، فلِمَا روى البيهقي والدارقطني واللفظُ له: عن ابنِ سِيرِينَ أنَّ زِنْجيّاً وقع في بئر زَمْزَم ـ يعني فمات ـ فأَمَر به ابنُ عَبَّاس فأُخرِجَ وأَمَرَ بها أن تُنْزَح، فغَلَبَتْهُم عينٌ جاءت من الرُّكْن، فأَمَر بها فدُسَّتْ بالقُبَاطيِّ والمَطارِفِ ونحوِها حتى نَزَحُوها، فلما نَزَحُوها انفجَرَتْ عليهم. وهو مُرسَلٌ، فإنَّ ابنَ سِيرِين لم يَرَ ابنَ عباس. والقُبَاطي بالضمّ ويُكسَر (٢) : الثيابُ المصريَّة، والمَطارف: الأَرْدِيَة. وروى الطَّحاويِّ وابنُ أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن عطاءٍ: أنَّ حَبَشيَّاً وقَعَ في زَمْزَم فمات، فأمَرَ عبدُ الله بنُ الزُّبَير فنُزِحَ ماؤها، فجَعلَ الماءُ لا ينقطعُ، فنُظِرَ فإذا عَيْنٌ تَجرِي مِنْ قِبَل الحجَرِ الأسود، فقال ابنُ الزبير: حَسْبُكم. وأمَّا ما نُقِلَ عن ابنِ عُيَيْنَة: أنَا بمكَّةَ منذ سَبْعِينَ سنةً لم أرَ صغيراً ولا كبيراً يَعرِفُ حدِيثَ الزّنجيِّ الذي قالوا: إنه وقَعَ في زمزم. وقولُ الشافعي: لا يُعرَفُ هذا عن ابن عباس، كيفَ ويَروِي ابنُ عباس عن النبي ﷺ «الماءُ لا يُنَجِّسهُ شيء» ويَترُكُهُ؟ وإن كان قد فَعَله فلنجاسةٍ ظهرتْ على وجهِ الماء، أو للتنظيفِ: فمدفوعٌ بأنَّ عدَمَ عِلمِهما لا يَصْلُحُ دليلاً في دين الله سبحانه، وروايتُهُ الحديثَ كعلمِكَ أنتَ به، وقد قلْتَ بنجاسةِ ما دُونَ القُلَّتَيْنِ لدليلٍ آخَرَ وقَعَ عندك، فلا يُسْتبعَدُ مِنَ ابنِ عباس مِثلُه. والظاهرُ من السَّوْقِ ولفظِ القائل: فمات فأَمَرَ بنَزْحها، أنه للموتِ لا لنجاسةٍ أُخرى، على أَنَّ

стр. 91

وإلا فقَدْرُ ماءٍ فيها بقولِ ذي بَصَارة. === عندَكَ لا تُنزَحُ للنجاسةِ أيضاً. ثم إنهما بَيْنَهما (١) وبيْنَ الحادثةِ قريبٌ من مئةٍ وخمسين سنةً، فكان إخبارُ مَنْ أدرَكَها وأثبَتَها أولى مِنْ عدمِ عِلمِ غيرِه. وقولُ النووي: كيف يَصِلُ هذا الخبرُ إلى أهلِ الكوفة ويَجهلُهُ أهلُ مكة؟ استبعادٌ بعد وضوحِ طريقِ سَدَادٍ، ومُعارَضٌ بقولِ الشافعي لأحمد: أنتُم أعلَمُ بالأخبارِ الصحيحة مِنَّا، فإذا كان خبرٌ صحيح فأعلِمُوني به حتى أذهَبَ إليه كُوفيّاً أو بصريّاً أو شاميّاً. فهلاَّ قال: كيف يَصِلُ هذا إلى أولئك ويَجهلُه أهلُ الحَرَمينِ؟ وذلك لانتشارِ الصحابة ﵃ في البلادِ خصوصاً بالعراقِ وما حوله من السَّوَاد، قال العِجْليُّ في «تاريخه»: نَزَل بالكوفةِ ألفٌ وخمسُ مئةٍ من الصحابة. (وإِلا) أي وإن لم يُمكِن نَزْحُ كلِّ ماءٍ في البئرِ لكونِها مَعِيناً (فقَدْرُ ماءٍ) بالهمزة، أي فيُنزَحُ مِقدارُ ماءٍ (فيها) أي في البئر. وفي بعض النُّسَخ: مائِها، أي في وقتِ الوقوعِ يُؤخذُ في قَدْرِهِ (بقول ذِي بَصَارة) بفتح مُوَحَّدة، أي خِبرةٍ ومعرفةٍ بأمر الماء، لأنَّ الرجوعَ إلى أهلِ المعرفةِ أصلٌ شرعي، قال الله تعالى: ﴿فاسأَلوا أهلَ الذِّكرِ إنْ كنتُم لا تَعْلَمون﴾ (٢) . واعلمُ أنَّ عبارَتَهُ تَقتضي الاكتفاءَ بقول واحد، والذي في غيرِ هذا المختَصَر حتى في «شرح الوقاية»: ويُؤخَذُ بقولَيْ رجُلَين لهما بصيرةٌ بأمْرِ الماءِ. وهو الأشبَهُ بالفقه، وأوفَقُ بقولِهِ تعالى: ﴿يحْكُمُ به ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ (٣) والظاهرُ أنَّ أصلَ العبارةِ ذَوَيْ بصارةٍ على لفظ المُثَنَّى، وأنَّ النُّسَّاخَ أسقَطُوا الواوَ، فتغيَّرَ المبنَى، وترتَّبَ عليه فسادُ المعنَى. ثم رأيتُ أَصْلَ البِرْجَنْدِيِّ على التثنيةِ قالَ: وفي بعضِ النُّسَخ بالإِفراد، وهو مَبنِيٌّ على ما في «زاد الفقهاء»: أنه يَكفي قولُ رجلٍ ذي بَصَارة، والنُّسخةُ الأُولى هي الأَولى لما في «الهداية» و «الظهيرية» وغيرهما. هذا، وعن أبي حنيفة أنه يُنزَحُ منها مئتا دَلْوٍ. وعن محمدٍ ثلاثُ مئة دلو، قال في «الخلاصة»: وبه يُفتَى.

стр. 92

وفي نحوِ دجاجةٍ أربعون إِلى سِتِّين، وفي نحوِ عُصْفُورٍ نصفُ ذلك. دَلْوًا وَسَطًا، وغَيرُ الوَسَطِ احتُسِبَ به. === (وفي نحوِ دجاجةٍ) كهِرَّةٍ وحمامة وما أشبهَهَما في الجُثَّةِ ولم يَنتفخ نُزِحَ (أربعون) دَلْواً بطريق الوجوب، لِمَا روى الطحاويُّ عن الشَّعْبيّ في الطَّيْرِ والسِّنَّوْرِ (١) ونحوِهما يقَعُ في البِئرِ قال: يُنزَحُ منها أربعون دَلْواً. وعن النَّخَعِيّ في السِّنَّوْرِ: مثلُه. وعنهما: يُنزَحُ منها سبعون. وعن حمَّاد بن أبي سُليمان في دجاجةٍ وقعَتْ في البئر نُزح منها قَدْرُ أربعين أو خمسين ثم يُتوضَّأُ منها، وهو المذكور في «الجامع الصغير». وروى ابنُ أبي شيبة عن عطاءٍ كما روى الطحاويُّ عن حَمَّاد (إِلى سِتِّين) استحباباً، لِمَا رُويَ عن الأَوَّلَينِ. وقيل: إلى خمسين لِمَا رُوِيَ عن عطاءٍ وحمَّاد. (وفي نحوِ عُصْفُورٍ) بضمَّتَينِ كفأْرةٍ وسامَ أَبْرَص ونحوِهما في الجُثَّةِ (نِصفُ ذلك) أي عِشرون دَلْواً وجوباً إلى ثلاثين استحباباً، لقول النبيّ ﷺ في فأرةٍ ماتَتْ في بِئْرٍ وأُخْرِجتْ مِنْ ساعتِها نُزِحَ عِشرون دَلْواً. ذكَرَه في «الهداية» وغيرِها، لكن في كتب الحديثِ لم أرَه. وأمَّا ما رواه الطحاويّ مِنْ قولِ عليّ كرَّمَ الله وجهَهُ في بئرٍ وقَعَتْ فيها فأرةٌ فماتَتْ: يُنزَحُ ماؤها، وقولِهِ: إذا سَقَطت الفأرةُ أو الدَّابَّةُ في البِئرِ فانْزَحْهَا حتى يَغلِبَك ماؤُها: فمحمولٌ على الفأرةِ المنتفِخَةِ والدَّابَّةِ الكبيرةِ أو الصَّغِيرةِ التي على بَدَنِها نجاسةٌ، توفيقاً بين الآثار. (دَلْواً وَسَطاً) بفتحتين أي متوسِّطاً، وهو ما كَثُرَ استعمالُه في تِلك البئر (٢) ، لإِطلاقِ السَّلَفِ فيُصرَفُ إلى المُعتَاد. وقيل: ما يُستعمَلُ في ذلك البَلدِ وغيرِه (وغَيْرُ الوَسَطِ احتُسِبَ به) أي بالوَسَط، يَعني إذا نُزِحُ بدلْوٍ غيرِ وَسَطٍ نُزِحَ به على حسابِ الدلوِ الوسَطِ، حتى لو نُزِحَ بدلوٍ عظيمٍ يسعُ عشرين دلواً وسطاً مِنْ بئرٍ وجَبَ فيها ذلك، اكتُفِيَ بدلوٍ واحدٍ خلافاً لزفر. واعلم أنَّ مسائلَ الآبار مبنيَّةٌ على اتّباعِ الآثار، لأنَّ القياسَ إمَّا عدَمُ تطهُّرِها لعدَمِ تطهُّرِ الجُدْرانِ والطِّينِ كما قاله بِشْر (٣) ، وإما عدَمُ تنجُّسِها كما نُقِلَ عن

стр. 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === محمد أنه قال: اجتمَعَ رأيي ورأيُ أبي يوسف أنَّ ماءَ البئر في حُكم الجاري لوجودِ النبْعِ من أسفلِها والأخْذِ من أعلاها، ثم قلنا: وما علينا لو أمَرْنا بنَزْحِ بعضِ دِلَاءٍ ولا نُخالِفُ السَّلَفَ. ومِن الطَّرِيقِ: أن يكونَ الإِنسانُ في يَدِ النبيِّ ﷺ وأصحابِهِ كالأعمى في يَدِ القائد. انتهى. ثم النَّزْحُ يكونُ طهارةً لها، وللدلوِ، والرِّشاءِ (١) ، والبَكْرةِ، ويَدِ المُسْتَقِي، رُوِيَ ذلك عن أبي يوسف والحسَن، لأنَّ نجاسة هذه الأشياء كانت بنجاسةِ ماءِ البئر حُكماً، فتكونُ طهارتُها بطهارةِ البئر حُكماً، نفياً للحَرَج، كالدَّنِّ إذا تنجَّسَ بنجاسةِ الخمرِ ثم صارَتْ خَلاً حُكِمَ بطهارةِ الدَّنِّ تَبَعاً، وكمَنْ أخَذَ عُروةَ الإِناءِ من إبريقٍ ونحوهِ بيده وهي نَجِسة، وكُلَّما غَسَل يَدَهُ يأخذُ عُروةَ الإِناءِ: تَطْهُرُ العُروةُ بطهارةِ يدهِ، وكذا يَدُ المُستنجِي تَطهُرُ بطهارةِ المَحلّ. وقيل: الدَّلْوُ طاهرةٌ في حقِّ هذا البئرِ لا غيرِها، كدَمِ الشهيدِ طاهِرٌ في حقِّ نفسِه فقط. ولو وَقَعَ البَعْرُ والرَّوْثُ والخِثْيُ في الآبار لا يُنَجِّسُها استحساناً. ولا فَصْلَ في ظاهر الرواية بين الرَّطْبِ واليابسِ، والصَّحيحِ والمنكسِرِ لشمولِ الضَّرُورةِ للكلّ، إلاَّ أن يَستكثره الناظرُ، وهو المرويُّ عن أبي حنيفة. قال في «الهداية»: وعليه الاعتماد. احترازاً مما قيل: الكثيرُ أنْ يأخُذَ وَجْهَ ثُلُثِ الماءِ أو رُبْعِهِ أو أكثَرِهِ أو كُلِّهِ، أو لا يخلوَ دَلْوٌ عن بعرة. ولو بعَرَتْ الشاةُ وقتَ الحَلْب في المِحْلَب فرُمِيَ مِنْ حينِه ولم يَأخذ اللبَنُ مِنْ لونِهِ لا يَنْجُسُ اللبنُ كما رُوِيَ عن عليّ كرَّم اللهُ وجهَه، ولأَنَّ فيه ضَرْورةً: إذْ يَتَعذَّرُ أو يَتعسَّرُ الاحترازُ عن بَعْرِها وقْتَ الحلب. والبَعْرُ للبعير، والرَّوْثُ للخيلِ والحمير، والخِثْيُ بكسر الخاء للبقر. وفي «الهداية»: ولا يُعفَى القليلُ في الإِناء على ما قيل لعدَمِ الضرورة، فإنه المُتساهلُ في تركه مكشوفاً، وقد قال ﷺ في فأرةٍ وقعتْ في السَّمْن: «إِنْ كان جامداً فأَلقُوها وما حَوْلها، وإن كان مائعاً فلا تَقْرَبُوه» (٢) . ولا يَفْسُدُ الماءُ بخُرْءِ حَمَامٍ وعصفورٍ استحساناً، لحديثِ ابن مسعود: أنه خَرِئتْ عليه حَمامَةٌ فمسَحه بإصبعه. وزَرَقَ على ابنِ عُمَر طائرٌ فمسَحَه بحَصَاةٍ وصلَّى ولم يَغْسِله. وأصلُهُ حديث أبي أُمامة: أنَّ النبي ﷺ شَكَرَ الحَمَامَةَ وقال: «إنَّها

стр. 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وَكَرَتْ (١) عليَّ بابَ الغار حتى سَلِمْتُ، فجزاها الله تعالى، بأنْ جَعَل المَسْجِدَ مَأْوَاها» (٢) . فهو دليلٌ على طهارةِ ما يكون منها، ويُقاسُ عليها نحوُها مِنْ طيرٍ يُؤكلُ لَحْمُها. في «الهداية»: أجمَعَ المسلمون على اقتناءِ الحَمَامات في المساجد والعلِمِ بما يكون منها، مَعَ وُرودِ الأمر بتطهيرها. أمَّا الأوَّلُ فيرُادُ الإِجماعُ العَمَليّ، فإنها في المسجد الحرام مقيمةٌ مِنْ غيرِ نكير مِنْ أحَدٍ من العلماءِ مع العلِمِ بما يكون منها. وأمَّا الثاني فعن عائشة قالتْ: أمَرَ رسولُ الله ﷺ ببناءِ المساجد في الدُّورِ، وأن تُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ. رواه ابنُ حِبَّان في «صحيحه»، وأحمد، وأبو داود، والترمذي وغيرُهم. وقد قا ل الله تعالى: ﴿وعَهِدْنا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ أنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ للطائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ

стр. 95

وتَنْجُسُ مِن وقتِ الوقوعِ إِنْ عُلِمَ، وإِلَّا فمنذُ يومٍ وليلةٍ، وإن انتَفَخَ فمنذُ ثلاثةِ أيامٍ وليالِيها. وقالا: منذُ وُجِدَ. === السُّجُود﴾ (١) . ولا يَفْسُدُ الماءُ مِنْ وقوعِ آدِميَ أو ما يُؤَكَلُ لحمُهُ إذا خرَجَ حَيّاً ولم يَكن عليه نجاسةٌ، هو الصَّحِيح، سواءٌ كان جُنُباً أو مُحْدِثاً. ثم ماءُ البئرِ والجُنُبُ المنغمِسُ فيه لطلبِ السِّقاءِ (٢) لا لدَفْعِ الحدَثِ: طاهِرانِ في الأصحِّ عند أبي حنيفة، وعلى حالِهما عند أبي يوسف، وطاهِرٌ وطَهُورٌ عند محمد. والتحقيقُ أنَّ بقاءَهُ طهوراً للضرورة، كما قالوا جميعاً: لو أَدخَلَ المُحدِثُ أو الجُنُبُ أو الحائِضُ يدَهُ في الماءِ للاغترافِ طَهَرَتْ، ولا يَصِيرِ مستعمَلاً استحساناً، لما رُوِيَ أن المِهْرَاسَ (٣) كان يُوضَعُ على باب مسجدِ رسولِ الله ﷺ وفيه ماء، وكان أصحابُ الصُّفَّةِ يَغتَرِفون منه للوضوءِ وغيرِه بأيديهم. ولأنَّ فيه بَلْوَى وضَرُورَةً وحاجةً. (وتَنْجُسُ) البئر (مِنْ وقتِ الوقوعِ) أي وقوعِ الحيوان الذي وُجِدَ ميتاً فيها (إِنْ عُلِمَ) ذلك الوقتُ (وإِلاَّ) أي وإنْ لم يُعلَمُ وقتُ الوقوع، فإن لم ينتفخ الحيوانُ في ماءِ البئر (فمنذُ) أي تَنْجُسُ مِنْ ابتداءِ (يومٍ وليلةٍ) وهذا كلُّه إذا كان الواقعُ نَجِساً أو حيواناً ميتاً ولم ينتَفِخ في الماء. (وإِن انتَفَخ) أي في الماء (فمنذُ) أي فتَنْجُسُ مِنْ ابتداءِ (ثلاثةِ أيامٍ وليالِيها). (وقالا): لا تَتَنجَّسُ إلاَّ (منذُ وُجِدَ) فيها لأنَّ الماءَ طاهرٌ بيقين، ووقع الشكُّ في نجاسته فيما مضى، واليقينُ لا يَزُول بالشكّ. ولأبي حنيفة ﵀: أنَّ الوقوعَ سبَبٌ ظاهر للموت فيُستَنَدُ إليه، وإن احتَمَل الموتُ لغيره، لأنَّ الموهومَ لا يعتبر في مقابلةِ الظاهر، كمن جَرَحَ رجلاً فلم يَزَل صاحِبَ فراش حتى مات، فإنه يُحمَلُ موتُه على تلك الجِرَاحةِ لأنها السببُ الظاهِرُ وإن احتَمَلَ غيرُهُ بأن يَموتَ بسببٍ آخَر. لكنْ عدَمُ الانتفاخ دليلُ القُرْبِ فقُدِّر بيومٍ وليلة، لأنَّ ذلك أقلُّ المقادير في باب الصلاة. والانتفاخ دليلُ التقادُمِ فقُدِّرَ بالثلاثِ، كالصلاةِ على قَبْرِ مَنْ لم يُصَلَّ عليه.

стр. 96

[أحْكَامُ الأسآر] وسُؤرُ الآدَمِيِّ والفَرَسِ === وهذا في حقِّ الوُضوء، وأمَّا في حقِّ غيرِه فيُحكَمُ بنجاستها منذُ وُجِدَ، حتى لو توضَّؤُا منها في تلك المدةِ أعادوا صلواتِهم، ولو غَسَلوا ثيابَهم منها في تلك المدةِ لم يَلزَمْ غَسْلُها على الصحيح (١) ، لأنه مِنْ بابِ وجودِ النجاسة في الثوب. ولو وَجَدَ في ثوبِه نجاسةً أكثرَ مِنْ قَدْرِ الدرهم ولم يَدْرِ متى أصابَتْه لا يُعيدُ شيئاً من صلاته بالاتفاق، لأنَّ الثوبَ شيء ظاهر يَطَّلِعُ صاحبُه أو غيرُه على إصابةِ النجاسةِ، فإذا لم يَشْعُر به هو ولا غيرُه عُلِمَ أنه أصابته للحال. ولا كذلك البِئرُ، فإنها غائبةٌ مَخْفِيَّةٌ عن العين لا يُدْرَى ما فيها. ومن الفروع: البُعْدُ بين البالوعةِ والبئرِ المانِعُ من وصولِ النجاسة إلى البئرِ خمسةُ أَذرع، وفي رواية: سبعةُ أذرع، والمعتبَرُ هو الطَّعمُ أو اللونُ أو الريحُ، فإنْ لم يتغيَّر جاز وإلاَّ فلا ولو كان عشرةَ أذرع. ثم اعلمْ أنَّ جميعَ ما ذُكِرَ في مسائل البئر إنما هو على تقدير أن يكونَ وجْهُ الماءِ في البِئرِ أقلَّ من عَشْرٍ في عَشْر، (أمَّا إذا كان عَشْراً في عَشْر فلا حاجة إلى النَّزْح. وفي «القنية»: إذا كان عُمقُ ماءِ البئرِ عشرةَ أذْرُع) (٢) فصاعداً لا يَتنجَّس في أصحِّ الأقوال، ونَقَلَ عن «جَمْع التفاريق»: إذا كان الماءُ فيها بقَدْرِ الحوض الكبير لا يَنْجُس (٣) . (أحكام الأَسآر) (وسُؤرُ الآدَمِيِّ) بالهمزة ويُبْدل، وهو: بَقيَّةُ ماءِ الشُّرب، مسلماً كان أو كافراً، جُنُباً كان أو حائضاً، إلاَّ حالَ شُربِه الخمرَ لأنها نَجِسَة، فتُلاقي الماءَ فتُنَجِّسُه، فإنْ ابتلَعَ رِيقَهُ ثلاثَ مرَّاتٍ طهَرَ فمُهُ عند أبي حنيفة ﵀، لأنَّ المائعَ غيرَ الماءِ مطهِّرٌ عنده من غير اشتراطِ الصَّبّ. (والفَرَسِ) أيْ على الأصحِّ، إذ قيل بكراهتِهِ والشكِّ فيه، والمعتمدُ: أنَّ حُرمةَ

стр. 97

وكلِّ مأكولٍ: طاهِرٌ. وسِبَاعِ البهائم: نَجِسٌ === لَحْم الفَرَس لكونه آلةَ الجهاد لا لنجاستِهِ، ألا يُرَى أنَّ لبنَهُ حلالٌ بالإِجماع، ذكَرَه العَيْنيُّ في «شرح تُحفة الملوك». (وكلِّ مأكولٍ) أي لحمُهُ، وفي نسخة: وكلِّ مأكولِ اللحم أيْ مِنْ الطيُّور، والدَّوابِّ، إلا الدجاجةَ المُخلاَّةَ، والإِبِلَ، والبقَرَ، والغنَمَ الجلاَّلةَ. (طاهِرٌ) من غير كراهة. وإنما قلنا: إنَّ سُؤْرَ هذه الأشياء طاهرٌ من غير كراهة، لأنَّ اللّعابَ يَترشَّحُ من اللَّحْم، ولَحْمُ هذه الأشياءِ طاهر. وحُرمةُ أكلِ الآدَمِيِّ لاحترامِهِ لا لنجاسته، وكذلك حُرمةُ الفَرَسِ عند أبي حنيفة ـ في إحدى الروايتين عنه ـ ليسَتْ لنجاسته بل لأنه آلةُ الجهاد. ورَوى مسلم: عن عائشة ﵂ قالتْ: كنتُ أشرَبُ وأنا حائضٌ، وأُناوِلُهُ النبيَّ ﷺ فيضَعُ فاهُ على مَوْضِعِ فيَّ فيَشرب. وقد ورد: «إنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ» رواه أصحاب «السُّنَن» عن أبي هريرة. ونجاسَةُ الكافِرِ في قوله تعالى: ﴿إنَّما المشركون نَجَسٌ﴾ (١) لخُبْثِ باطنِهِ في اعتقادهِ فلا يُؤثِّرُ في نجاسة أعضائه، ولأنه ﷺ أَنزَل وَفْدَ ثَقِيفٍ في المسجد، فلو كان النَّصُّ على ظاهره لَمَا أَنزلَهُم فيه. (وسِبَاعِ البهائم) سُؤرُها ـ وهي: الأَسَدُ، والنَّمِرُ، والفَهْدُ، والذئبُ، والضَّبُعُ، والكلبُ، والخِنزيرُ، والفِيلُ ونحوُها ـ (نَجِسٌ). أمَّا الكلبُ والخِنزيرُ فيوافِقُنا فيهما الشافعيُّ. وأمَّا مالكٌ فيقولُ بطهارةِ سُؤْرِهما، لأنه يَرى طهارةَ كُلِّ حيّ. قلنا: ثَبتَتْ نجاسَةُ الخِنزير بالنَّصِّ، والكلبِ بدلالةِ قولِهِ ﷺ «طَهُورُ إِناءِ أَحَدِكم إذا وَلَغَ فيه كلبٌ أن يَغْسِلَه سَبْعَ مَرَّات». رواه مسلم وأبو داود. وأمَّا سائِرُ أسْآرِ سِباعِ البهائم، فيُخالِفُنَا الشافعيُّ ﵀ فيها تَبَعاً لمالك، لِمَا روى ابنُ ماجه مِنْ حديثِ عبد الرحمن بن زيد بن أسْلَمَ، عن أبيه، عن عطاءٍ عن أبي هريرة قال: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن الحِياضِ التي بين مكة والمدينة، فقيل له: إنَّ الكلابَ والسباعَ تَرِدُ عليها؟ فقال: «لها ما أَخذَتْ في بُطُونِها، ولنا ما بَقِيَ شرابٌ وَطَهُورٌ»، وما رُوِي: أنتوضَّأُ بِمَا أَفضَلَت الحُمُر؟ فقال: «نعم: وَبِما أَفضَلَت السِّباعُ كُلُّها» (٢) .

стр. 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ولنا ما رُوِيَ: أنَّ عُمَرَ وعَمْرَو بنَ العاص وَرَدَا حَوْضًا، فقال عَمْرُو بن العاص: يا صاحبَ الحوض أَتردُ السِّباعُ ماءَك هذا؟ فقال عُمَرُ: يا صاحِبَ الحوضِ لا تُخْبِرْنا (١) . فلولا أنه كان إذا أَخبَرَ بوُرُودِ السِّباعِ يَتعذَّرُ عليهما استعمالُه لمَا نَهَاهُ عن ذلك. وتأويلُ الحديثينِ: أنه كان في الابتداءِ قَبْلَ تحرِيم لُحومِ السِّباع، أو وقَعَ السُّؤالُ في الحِياضِ الكِبار، ونحن نقولُ أيضاً: إن مثلَها لا يَتنجَّسُ. على أنَّ الأَوَّلَ معلولٌ بعبدِ الرحمن بن زيد، والثانيَ رواه الدَّارقطنيُّ وفيه داودُ بن الحُصَين، ضعَّفَه ابنُ حِبَّان. لكنْ روى عنه مالك. وأيضاً مُقتَضَى الحديثِ الأوَّلِ طهارةُ سُؤْر الكلبِ وإن كان دون القُلَّتَيْن، والشافعيُّ لا يقولُ به. وإنْ خصَّصَهُ بهما رَجَعْنا معه إلى أَصْلِ المسألة. وأَوجَبَ علماؤنا وَالشافعيُّ: غسْلَ الإِناءِ بولوغ الكلبِ فيه لنجاستِه عندنا، ولم يُوجِبْه مالكٌ لطهارته عنده، لكن يُغْسَلُ عندنا ثلاثاً، لا سَبْعاً إحدَاهُنَّ بالتُّرابِ كما قال الشافعي، لِمَا رواه السِّتةُ عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا وَلَغَ الكلبُ في الإِناء فاغْسِلُوه سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاهُنَّ أَوْ السَّابعَةُ بالتُّرابِ، على شَكِّ الراوي، وفي روايةٍ: «أُخْراهُنَّ»، وفي الأُخرى: «إحداهُنَّ». وهذا الاضطرابُ عَيْبٌ عظيمٌ في هذا الباب. ولنا ما روى الدارقطنيُّ: عن عبد الوهاب بن الضحَّاك، عن إسماعيل بن عيَّاش، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عنه ﵊ (٢) في الكلبِ يَلِغُ في الإِناءِ: «يُغْسَلُ ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً». قال: وانفرد به عبدُ الوهاب عن ابنِ عيَّاشٍ وهو متروك، وغيرُهُ يَرويه عن ابنِ عياش بهذا الإِسناد: «فاغْسِلُوه سَبْعاً»، ثم رواه أيضاً عن عبد الملك بن أبي سُلَيمان، عن عطاءٍ، عن أبي هريرة: أنه كان إذا وَلَغَ الكلبُ في الإِناءِ أهْرَاقَهُ (٣) ثم غَسَلَه ثلاثَ مَرَّات. قال في «الإِمام»: وهذا سَنَدٌ صحيح. ورواه ابنُ عَدِيّ في «الكامل» عن الحسين بن علي الكَرَابِيسي: حدَّثَنا إسحاقُ الأزرق: حدَّثَنا عبدُ الملك، عن عطاءٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ «إِذا وَلَغَ الكلبُ في إناءِ أحدِكم فلْيُهْرِقْهُ، ولْيَغْسِلْهُ ثلاثَ مَرَّات». ثم أخرَجَهُ عن عُمَرِ بنِ شيبة: حدَّثَنا إسحاقُ الأزرق به موقوفاً. قال: ولم يَرفعه غيرُ الكَرَابِيسي، ولم أجِدْ له حديثًا منكراً غيرَ هذا، وإنَّما حَمَلَ عليه أحمدُ بنُ حنبل مِنْ جهةِ

стр. 99

والهِرَّةِ === اللفظِ بالقُرآن (١) ، فأمَّا في الحديث فلم أرَ به بأساً. ولا شَكَّ أنَّ الحُكَم بالضَّعْفِ والصِّحَّةِ إنما هو في الظاهر، أمَّا في نفسِ الأمْرِ فيجوزُ صِحَّةُ ما حُكِمَ بضعفِهِ ظاهراً وكذا العكسُ. وثبوتُ كون مذهبِ أبي هريرة ذلك قرينةٌ تُفيدُ أنَّ هذا مما أجادَهُ الراوي المُضَعَّفُ، وحينئذٍ فيُعارض حديثَ السَّبْعِ ويُقدَّمُ عليه، لأنَّ معه دلالةً على التقدُّمِ للعِلْمِ بما كان من التشديد في أَمْرِ الكلاب أوَّلَ الأمر، حتى أُمِرَ بقتلها. والتشديدُ في سُؤرِها يناسِبُ كونَهُ في ذلك الوقت، وقد ثَبَتَ نَسْخُه فيَتْبَعه حُكْمُ ما كان مَعَه. ولئِنْ طَرَحْنا الحديثَ بالكليَّةِ كان في عَمَلِ الراوي على خلافِ كَمِّيَّةِ ما رَوَى دلالةٌ ظاهرةٌ عليه لاستحالةِ عُدُولِهِ عن القَطْعِيّ إلى رأيه الظَّنِّيّ، إذْ ظَنِّيَّةُ خبَرِ الواحد إنَّما هي بالنسبة إلى غير راويه، وأمَّا بالنسبةِ إلى مَنْ سَمِعَهُ من النبي ﷺ فقطعيٌّ، ولا يجوزُ تَرْكه إلا بالنَّسْخ، إذْ لا يُتْرَكُ القطعيُّ إلاَّ بمثلهِ، فبطَلَ تجوِيزُ تَرْكه بناسخٍ ثَبَتَ باجتهادِهِ المحتَمِلِ للخطأ، مع أنَّ إثباتَ اجتهادِه في حيِّزِ المنع. وإذا عرفتَ هذا كان تَرْكُهُ للعَمَلِ به بمنزلةِ روايتِهِ للناسخِ بلا شبهة، فيكون الآخَرُ (٢) منسوخاً بالضرورة، وإلا استَلْزَم سُوءَ الظنِّ به وسقوطَ عدالتِه، وهو باطلٌ بإِجماع الأُمَّة. ثم إن الشافعيَّ جَعَلَ العَدَدَ تعبُّداً، وعَدَّاه إلى الثَّوْبِ وإلى رُطوبةٍ أُخرَى منه وإلى الخِنزيِرِ، والتعبّديُّ لا يَتعدَّى. وجَعَلَ مالكٌ غَسلَ الإِناءِ من وُلوغ الكلبِ فقط مندوباً دون غيرِهِ من السِّباعِ ولو خنزيراً، ويَحكُمُ بإراقة الماءِ لا الطعامِ، وقيل: لا يُراقَ الماءُ أيضاً لأنَّ غَسْلَ الإِناءِ تعبُّدٌ، وكان مالك يَرى الكلبَ كأنه مِنْ أهلِ البيت كالهِرَّةِ، ليس كغيره من السباع، وكان يَستعظم أن يُعْمَدَ إلى رِزِقِ الله من الماءِ أو الطعامِ فيُراقَ بولَوغِ الكلبِ فيه، وقال: جاء هذا الحديثُ وما أَدري ما حقيقتُه؟ وفي «مُدَوَّنتهم» لو توضَّأَ به وصلَّى فلا إعادة. (والهِرَّةِ) أي وسُؤْرُ الهِرَّةِ التي لم تأكل نجاسةً أو أكَلتْها ومكثَتْ ساعةً: مكروهٌ عند أبي حنيفة ـ وقيل عند محمد أيضاً ـ كراهةَ تحريمٍ كما ذهب إليه الطَّحاوي، أو تَنْزِيهٍ كما ذهب إليه الكرخيُّ وهو الأصحُّ، لأنها لا تتَحامَى النجاسَةَ فيُكره، كماءٍ

стр. 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === غَمَسَ فيه صَغِيرٌ يدَهُ. وأصْلُهُ كراهَةُ غَمْسِ المستيقظِ يدَهُ في الإِناء قبلَ غَسْلِها. وفي «النوادر» عن أبي حنيفة في هِرَّةٍ أكلَتْ فأرةً ثم شَرِبَتْ لا يَتنجَّسُ الماءُ لأنها غَسَلَتْ فَمَها بلُعَابِها، ولُعابُها طاهرٌ، وهو قولُ أبي يوسف، وهو مؤيَّدٌ بأحاديثَ: منها: ما رواه هو (١) عن عبدِ رَبِّه، عن سعيد المَقْبُري، عن أبِيه، عن عُروَة بن الزُّبَير، عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ تَمُرُّ به الهِرَّةُ فَيُصغِي لها الإِناءَ فتَشْرَبُ، ثم يَتوضَّأُ بفَضْلِها. رواه الدارقطنيُّ في «سننه»، وضَعَّفَ عَبْدَ ربِّه. ويُدفَعُ بأنَّ أَبا يوسف أدرَى به منه ضَرُورةَ عِلمِهِ بحالِ شيخه. ومنها: ما رواه الدارقطني، وابن ماجه، والطحاوي من حديث حارثة بن محمد، عن عَمْرَة، عن عائشة ﵂ قالت: كنتُ أتوضَّأُ أنا ورسولُ الله ﷺ في إناءٍ واحدٍ قد أصابَتْ منه الهِرَّةُ قبلَ ذلك. ومنها: ما رواه أصحاب «السُّنَن الأربعة» والطحاوي عن كَبْشَة بنتِ كعبِ بنِ مالك، وكانت تحت ابنِ أبي قتادة، فدَخَل عليها فسكَبَتْ له وَضُوءاً، فجاءت هِرّةٌ تَشْرَبُ منه، فأَصغَى لها الإِناءَ حتى شَرِبَتْ، قالتُ كَبْشَةُ: فرآني أنظُرُ إليه، فقال: أتَعجبينَ يا ابنةَ أخي؟ فقلتُ: نعم، فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنها ليسَتْ بنَجَس، إنَّها من الطَّوَافِين عليكم والطَّوَافات»، قال الترمذي: حديثٌ حسَنٌ صحيح. ومنها: ما في «صحيح ابن خُزَيمة» عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنها ليسَتْ بنَجَسٍ، هي كبعضِ أهل البيت»، وفي «سُنَن الدارقطني»: «هي كبعضِ مَتاعِ البيت». ومنها: ما في «معجم الطبراني»: سُئِلَ أنسُ بن مالك عن الهِرَّة؟ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى أرضٍ بالمدينة يُقالُ لها: بُطْحان، فقال: «يا أنسُ اسكُبْ لي وَضُوئي»، فسكبتُ له، فلمَّا قَضَى ﷺ حاجتَه أقبَلَ إلى الإِناء وقد أَتَى هِرٌّ فوَلَغَ في الإِناءِ، فوقَفَ له رسولُ الله ﷺ وقفةً حتى شَرِبَ الهِرُّ، ثم سألتُه فقال: «يا أنسُ إنَّ الهِرَّ مِنْ متاع البيت، لن يُقذِّرَ شيئاً ولن يُنَجِّسه». ولهما (٢) ، ما رواه الحاكمُ في «المستدرك» وقال: صحيحُ الإِسناد، والدارقطنيُّ عن عيسى بن المسيّب قال: حدَّثَنا أبو زُرْعَة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ

стр. 101

والدَّجاجةِ المُخَلَّاةِ وسِبَاعِ الطَّيرِ وَسَوَاكِنِ البيوتِ: مكروهٌ === «السِّنَّوْرُ سَبُعٌ». وعيسى: مختلَفٌ فيه توثيقاً وتضعيفاً. وعلى كلِّ حالٍ فليس لمحلِّ الخلافِ حاجةٌ إلى هذا الحديث، إذْ ليس هو في النجاسة، لسقوطِها اتفاقاً بالطَّوَافِ المنصوصِ عليه، كسقوطِ الاستئذانِ عن المماليكِ، والذينَ لم يَبْلغوا الحُلُمَ عند دخولهم على مَوَالِيهم وأهلِيهم في غير الأوقاتِ الثلاثةِ المنصوصِ عليها في الآيةِ، المعلَّلة بأنهم ﴿طَوَّافُون عليكم بعضُكم على بعض﴾ (١) . (والدَّجاجةِ) بفتح الدال، وتُثَلَّث (المُخَلاَّةِ) بتشديد اللام وهي: التي يَصِلُ منقارُها إلى النجاسة، يُكرَهُ سُؤْرُها، لأنها تُفَتِّشُ الأنجاسَ، فلا يخلو مِنقارُها من ذلك، إلاَّ أنه لم تُعلَم طهارتُه مِنْ نجاستِه، لكن لو توضَّأَ به جاز، لأنه تَيقَّنَ طهارتَه وشَكَّ في نجاسته والشَّكُّ لا يُعارِضُ اليقينَ، فَثَبتَت الكراهةُ للاحتمالِ، فلا يُكرَهُ لو حُبِسَتْ في قَفَصٍ وجُعِلَ عَلَفُها وماؤها ورأسُها خارجَه، بحيث لا يَصِلُ مِنقارُها إلى ما تحت قَدَمَيْها، لأنَّها رُبَّما تُفَتِّشُ نجاستَها. وكذا كُرِهَ سُؤْرُ إبِلٍ، وبقرٍ، وغَنَمٍ جَلاَّلةٍ، وهي التي تأكلُ النجاسة، لكن إذا جُهِلَ حالُها، وأمَّا إذا عُلِمَ حالُ فَمِها طهارةً ونجاسةً فالسُّؤرُ كذلك. ولا يَحِلُّ أكلُ الدَّجاجةِ المُخلاَّةِ، والبقَرةِ الجلاَّلة إلا بحَبْسِ الأُولى ثلاثةَ أيام والثانيةِ عشرَةَ أيام. (وسِبَاعِ الطَّيْرِ) كالصَّقْرِ، والبازِي (٢) ، والشاهينِ (٣) والحِدَأَةِ (٤) ، إلاَّ المحبوسَ الذي يَعلَمُ صاحِبُه أنه لا قَذَرَ على مِنقاره، رُويَ ذلك عن أبي يوسف، واستحسَنَه المشايخُ. (وسَوَاكنِ البيوت) كالحيَّةِ والفأرةِ والوَزَغَة (٥) ، لأنَّ الضرورة التي وقعَتْ الإِشارةُ إليها في الهِرَّةِ موجودةٌ فيها، فإنَّها تَسْكُنُ البيوتَ ولا يُمِكنُ صَوْنُ الأواني منها، فلم يُحكَمْ في سُؤرِها بالنجاسة فَتَبْقَى الكراهة، وقيل: كراهَةُ سؤرِها لحُرمَةِ لحمها مع تعذُّرِ صَوْنِ الأواني عنها، والأوَّلُ يُشِيرُ إلى كراهةِ التنزيه، والثاني إلى القُرْبِ من التحريم، فقولهُ: (مكروهُ) يَحتمِلُهما (٦) . وحُكمُه أن يتوضَّأَ به ولا يَتيمَّم.

стр. 102

والحِمارِ والبغلِ: مشكوكٌ. === (والحِمارِ والبغلِ) أي وسُؤرُهما: (مشكوكٌ) في طَهُوريَّتِه، وقيل في طهارته، والأوَّلُ أصحُّ، لأنه لو مَسَحَ رأسَه منه ثم وجَدَ الماءَ لا يجبُ غَسْلُ رأسِه، ولو كان الشَّكُّ في طهارتهِ لوجَبَ غَسْلُه احتياطاً لِتوهُّمِ النجاسة. وسبَبُ الشَّكِّ تعارُضُ الخبَرَينِ في إباحتِه وحُرمتِه. فقد روى البخاري مِنْ حديث أنسٍ: أنَّ رسول الله ﷺ جاءه جاءٍ في خَيْبَر فقال: أُكِلَتْ الحُمُر فسكَتَ، ثم أتاهُ الثانيةَ فقال: أُكِلَتْ الحُمُر فسكَتَ، ثم أتاه الثالثةَ فقال: أُفْنِيَت الحُمُر فأمَرَ مُنادياً يُنادي في الناسِ: «إنَّ اللهَ ورَسُولَه يَنهيانِكم عن لُحومِ الحُمُر الأَهلِيَّة»، فأُكْفِئت القُدُورُ وإنها لتَفُورُ باللَّحْم. قال ابنُ أبي أَوْفَى: فتَحَدَّثْنا أنه إنما نَهَى عنها لأنها لم تُخَمَّس، وقال بعضُهم: نَهَى عنها البتَّةَ لأنها تأكل العَذِرَة (١) . قال ابنُ عباس: لا أدرِي أَنهَى رسولُ الله ﷺ مِنْ أجلِ أنه كان حَمُولةَ الناسِ، فكَرِهَ أن تَذهَبَ حَمُولَتُهم؟ أوْ حَرَّمَه يوم خَيْبَر؟. وروى أبو داود عن غالبِ بن أَبْجَر قال: أصابَتْنَا سَنَةٌ، أي قَحْطٌ، ولم يكن في مالي شيءٌ أُطْعِمُ أهلي إلا شيءٌ مِنْ حُمُر، وقد كان رسول الله ﷺ حَرَّمَ لحومَ الحُمُرِ الأهليَّة، فذكرتُ ذلك لرسولِ الله ﷺ فقال: «أَطعِمْ أهلَك مِنْ سَمِينِ حُمُرِك، فإنَّما حَرَّمْتُها مِنْ أجلِ جَوَالِّ القَرْية» (٢) . وكذا تَعارَضَ الأَثَران، فعن ابنِ عُمَر نجاسَتُه، وعن ابن عبَّاس طهارَتُه. وليس أحدُهما أَولى مِنْ الآخَر، فيَبْقَى مُشْكِلاً. والبَغْلُ مُتولِّدٌ مِنْ الحِمار، فأخَذَ حُكمَه. وقيل: البَغْلُ تابعٌ لأُمِّهِ (٣) ، فإنْ كانَتْ أتاناً (٤) فسُؤْرُه مشكوكٌ فيه، وإنْ كانتْ رَمَكةً (٥) فسُؤرُهُ طاهر. وأمَّا لَبَنُ الحمار ففي

стр. 103

يَتَوضَّأ به ويَتَيمَّمُ إِنْ عَدِمَ غيرَه، والعَرَقُ كالسُّؤر. باب [التَّيَمُّمِ] التيمُّمُ === «الهداية»: أنه طاهر، وفي ظاهر الرواية (١) أنه نَجِسٌ (٢) . وحُكمُ المشكوكِ قولُهُ: (يَتَوضَّأ به ويَتَيمَّمُ) أي يَجمَعُ بينَ الوضوءِ بسُؤْرِ الحمارِ أو البغلِ وبينَ التيمُّمِ (إِنْ عَدِمَ غيرَه) أي فُقِدَ ولم يُوجَد حينئذٍ غيرُ سُؤْرِ الحمار أو البغل، وأيَّهما قَدَّم جاز. وقال زُفَر: يَجِبُ تقديمُ الوضوءِ لتحقُّقِ شَرْطِ صِحَّةِ التيمُّمِ وهو فَقْدُ ماءٍ واجبٍ استعمالُه. قلنا: الاحتياطُ في الجَمْعِ بينهما لا في الترتيبِ، فإن كان مُطَهِّراً فقد توضَّأ به، قَدَّم أو أخَّر، وإلاَّ ففَرْضُه التيمُّمُ وقد أَتى به، لكن الأفضل تقديمُ الوضوء ولذا قَدَّمه. (والعَرَقُ كالسُّؤر) أي في جميعِ ما تقدَّمَ، لأنَّ اللُّعابَ والعَرَقَ كِلَاهما مُتوِّلدٌ من اللحم، لكنْ في ظاهر الرواية: طهارةُ عَرَقِ الحِمارِ ونجاسَةُ لَبَنِه. أمَّا العَرَقُ فلأنَّ النبي ﷺ كان يَركَبُ الحِمارَ مُعْرَوْرِياً (٣) في حَرِّ الحِجَاز، فلا بُدَّ مِنْ أن تَعَرَقَ الحُمُر، ولأنَّ ضَرُورةَ البَلْوَى ظاهِرةٌ لمن يَركَب. وأمَّا اللَّبَنُ فعن شمس الأئمة: الصَّحيحُ أنه نجس نجاسة غليظة، لأنه حرامٌ بالإِجماع، ولا ضَرُورَةَ فيه، وعن البَزْدَوِي: أنه يُعْتَبَرُ فيه الكثيرُ الفاحِشُ وصحَّحه، فيكون على هذا نجاسَتُهُ مخَفَّفَةً. وعن محمد: أنه طاهِرٌ ولا يُؤكل. (باب التَّيَمُّم) (باب) بالتنوين، أو بالوقف، أو بالإِضافةِ إلى قوله: (التيمُّم) والبابُ في اللغة: النوع، وفي العرف: نوعٌ من المسائل اشتَمَل عليها كتابٌ، وإنه بمنزلة الجنس. وفي نسخةٍ: فصلٌ بدَلَ باب. ثم التيمُّمُ في اللغة: القَصْدُ، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تَيمَّمُوا الخبيثَ منه

стр. 104

يَخْلُفُ الوُضوءَ والغُسْلَ عند العَجْزِ عن الماء لِبُعْدِه مِيلًا، === تُنفِقون﴾ (١)، وفي الشرع: القصدُ إلى الصَّعيدِ الطيِّب لمسح الوجه واليدين، بنيَّةِ استباحة الصلاةِ ونحوِها، لقوله تعالى: ﴿فتيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فامْسَحُوا﴾ (٢). وقد شُرِعَ في غزوة المُرَيْسِيع، وهو بناحية قُدَيْد بين مكة والمدينة، وهي غزوةُ بَنِي المُصْطَلِق. (يَخْلُفُ) أي التيمُّمُ (الوُضوءَ) أي يقومُ مقامَ الوضوء، بمعنى أن التُّراب بدَلٌ عن الماء لرفع الحَدَث، فالبدَليَّةُ بين الصعيدِ والماء، فكما أن الماء مطهِّرٌ مطلقاً فكذلك التراب، وهذا عند الشيخين، وأما عند محمد فالفِعلُ بدَلٌ عن الفِعْل، أي التيمُّمُ، بدَلٌ عن التوضؤ، فإنَّ الأمر وقع في القرآن بالتوضؤ ثم بالتيمم عند العجز، فلهذا لا يجوز عنده إمامةُ المتيمم للمتوضاء، كما لا يجوز إمامةُ المُومِاء لمن يُتمُّ الركوعَ والسجود اتفاقاً. (والغُسْلَ) سَواءٌ كان عن جنابة، أو حيض، أو نفاس، لقوله تعالى: ﴿أوْ لامَسْتُم النساءَ﴾ (١) أي جامعتم، فذَكَرَ نوعي الحَدَث عند وجود الماء، ثم ذكَرَ نوعي الحَدَث عند عَدَمه، وأَمرَ بالتيمم لهما بصفةٍ واحدة. والحائضُ والنُّفَساءُ في معنى الجُنب. (عند العجز عن الماء) أي الكافي لرفع الحدَث، لأنَّ ما دونه لا يَثْبت به استباحةُ الصلاة، فكان وجودُه كالعَدَم. وإنما شَرَطنا في التيمم العجزَ عن الماء لقوله تعالى: ﴿فلم تَجدُوا ماءً فتيمموا﴾ (٢) ولقوله ﷺ «الصَّعِيدُ الطيِّبُ وُضوءُ المُسْلِم ولو إلى عَشْرِ حِجج (٣) ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فلْيُمِسَّهُ بشرته». رواه أبو داود، وابن حِبَّان، والحاكم عن أبي ذر، وصحَّحه الترمذي وقال: حسنٌ صحيح (٤). (لِبُعْدِه) أي الماءِ عن المتيمّم (مِيلاً) (٥) أي بُعْدَ مِيلٍ، أو بقَدْرِ ميل، سواءٌ كان مسافراً أو مقيماً، خارجَ المصر أو داخِلَه كما صَرَّح به في «الأسرار»، وهو قول أبي حنيفة، وهو المختار. والمِيلُ ثُلُثُ فَرْسَخ، وذلك أربعةُ آلافِ خَطوة، وكلُّ خَطوة ذِراعٌ

стр. 105

أو لِمَرَضٍ، أو بَرْدٍ، === ونصفُ ذراعِ بذِراع العامَّة، وذلك أربعٌ وعشرون إصبعاً بعدد حروف: لا إله إلا الله محمَّدٌ رسول الله (١) ، فيكون ثُلُثُ الفرسخِ ستَّةَ آلافِ ذراع. (أَوْ لِمَرَضٍ) يَخاف زِيادتَه، أو شِدَّتَه، أو طُولَه باستعمالِه، كالمحمومِ، وصاحبِ الجُدَري، والحَصْبة، أو بالحرَكةِ إليه كالمبطون ومشتكي العِرْقِ المَدَني (٢) ، أو لا يزدادُ لكن تَشُقُّ عليه الحركة. وعند الشافعي: لا يَتيمَّمُ إلا إذا خاف تَلفَ نَفْسٍ أو عضوٍ. وهو مردودٌ لإِطلاق قوله تعالى: ﴿وإنْ كنتُم مَرْضى﴾ (٣) . وفي «المحيط»: ولو وجَدَ المريضُ من يُوضِّئه جاز له التيمُّمُ عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز، ولو كان له خادم أو أجير لا يجوز بالاتفاق. وعلى هذا لو عَجَزَ عن التوجُّهِ إلى القِبلةِ، أو عن التحوُّلِ عن فراشٍ نَجِس ووجَدَ من يُوجِّهه ويُحوِّلُه، بناءً على أنَّ القُدْرَة بالغَيْر لا تُعدُّ قُدْرةً عنده، لأن الإِنسان إنما يُعدُّ قادراً إذا اختَصَّ بحالةٍ تُهيِّاءُ له الفعلَ متى أراد، وهذا لا يتحقَّقُ بقدرةِ غيره، ولهذا قلنا: لو بذَلَ الابنُ لأبيه المالَ والطاعةَ لا يلزمه الحجُّ، وعندهما تَثْبُتُ القُدرةُ له بالغَيْر، لأن آلَتَهُ صارت كآلته بإعانته، واختار حسام الدين قولَهما. (أو بَرْدٍ) يَخافُ الصَّحيحُ المقيمُ من استعمالِهِ الماءَ الهلاكَ، أو تلَفَ العضوِ، أو المرَضَ. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز التيمم للبَرْد إلا في السفر، لأن الغالب في المِصْر وِجْدَانُ الماء الحارّ وإمكانُ الاستدفاء. ولأبي حنيفة: أنَّ عدمهما في المِصْر ليس بنادر، ولو سُلَّمَ، فالنُّدورُ لا يُنافي إباحةَ التيمم، كخوفِ حضور السَّبُع. وفي إطلاق المصنِّف إشارةٌ إلى أنه يجوز للمُحْدِث التيمُّمُ لخوف البَرْد، وهو قول بعض المشايخ، والصحيحُ: أنه لا يجوز له التيمم (٤) . والأصلُ في ذلك: ما رواه ابن مَرْدُويَهْ عن ابن عباس: أن عَمْرو بن العاص صلَّى بالناس وهو جُنُب، فلما قَدِموا المدينة سألوا رسول الله ﷺ فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله خِفْتُ أن يَقتلني البَرْدُ، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلوا أنفسَكم إنَّ اكان

стр. 106

أو عَدُوٍّ، أو عَطَشٍ، أو عَدَمِ آلةٍ، أو فَوْتِ ما يفوتُ لا إِلى خَلَف، كصلاة العيد ابتداءً أو بِناءً، والجنازةِ لغير الوليّ. === بكم رحيماً﴾ (١) قال فسكت عنه رسول الله ﷺ (وقد نقل الإِمام هذا الحديث بزيادة: فتَيممت وصليت، فضحك رسول الله ﷺ (٢) . (أَوْ عَدُوَ) آدمياً كان أو غيرَه كالسَّبُع والحيَّة، وهذا يَشمل المحبوسَ، فإنه يصلي بالتيمم، واختُلِفَ هل يُعيد أم لا (٣) ؛ (أو عَطَشٍ) سواء كان عطَشَ نفسِه أو رفيقِه أو دابَّتِه مِنْ كلبٍ أو غيره، وسواء كان العطشُ حاصلاً في الوقت أو متوقَّعاً في ثاني الحال على ما ذُكِرَ في عامة الكتب (أو عَدَمِ آلة) كحَبْل أو دَلْو أو نحوهما. (أو فَوْتِ ما يفوتُ لا إِلى خَلَف) بفتحتين أي: بَدَلٍ وعِوَض. احتَرَز بهذا القيد عن فوتِ الجمعة فإنَّ الظُّهر يَخْلُفها، وعن فوتِ إحدى الفرائض الخمس، فإنَّ قضاءها يَخْلُفها (كصلاة العيد ابتداءً) بأن كان جنباً أو مُحدِثاً، وخاف إن اغتسل أو توضَّأ فاتَتْه (أو بناءً) بأن كان الإِمامُ أو المقتدي شَرَع فيها فسبَقَه الحَدَث فخاف إن اشتغلَ بالوضوءِ أنْ تفوتَه، فإن كان شرع فيها بالتيمُّمِ تيمَّمَ وبَنَى بالاتفاق، لأنه متى أُمِرَ بالوضوء فسدَتْ صلاتُه، لأنه يكون واجداً للماء فيها، وإن كانَ شَرَع فيها بالوضوء تيمَّمَ وبَنَى عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجزيه التيمُّمُ لعدم خوفِ الفوت إذ اللاحِقُ يصلي بعد فراغ الإِمام. ولأبي حنيفة: أنَّ خوف الفوت باقٍ، لأنه يومُ زَحْمَةٍ، فربما اعتراه ما أفسد صلاتَه، والأظهر قولهما (٤) . (والجنازةِ) أي وكصلاة الجنازة (لغير الوليّ) قيَّدَ به لأن الوليَّ يُنتظَر، ولو صَلَّوا له حَقُّ الإِعادة، وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة، وفي «الهداية»: هو الصحيح. وروى ابن أبي شيبة والطحاوي والنَّسائي في كتاب «الكُنَى» عن ابن عباس أنه قال: إذا خِفتَ أن تفوتك الجنازةُ وأنتَ على غير وُضوءٍ فتيمَّم، وروى البيهقِي أنَّ ابن عُمَر أُتي بجنازة وهو على غير وُضوءٍ فيتمَّمَ وصلَّى عليها، ونقَلَ الدارقطنيُّ عنهما في صلاة

стр. 107

[صِفَةُ التَّيَمُّم] وهو ضَرْبَتانِ: ضَرْبةٌ لِمَسحِ وجهِهِ، وضرْبةٌ ليديه مع مِرْفَقَيْه، === العيد كذلك. وهو قولُ مالك وأحمد خلافاً للشافعي، ومما يُستدَلُّ به على ذلك ما رواه الشيخان من حديث أبي جُهَيم الحارث بن الصِّمَّة قال: أقبَلَ رسول الله ﷺ من نحو بئرِ جَمَلٍ (١) فلقيه رجلٌ فسلَّم عليه، فلم يَرُدَّ عليه حتى أقبل على جدارٍ فمسَحَ وجهه ويديه، ثم رَدَّ ﷺ ﵇، ثم اعتذَرَ إليه فقال: «إني كرهتُ أن أذكر اسمَ الله إلا على طُهْر» أو قال: «إلا على طهارة». (صِفَةُ التَّيَمُّم) (وهو) أي التيمُّمُ (ضَرْبَتانِ) وهما وَضْعَتانِ على وجْه الشِّدَّة (٢) ، ولو في مكانٍ واحد على الأصح لعدم صيرورته مستعمَلاً، لحصوله بما التَزَق بيده لا بما فَضَل. وحاصلُهُ: أن الضَّرْبَ رُكنٌ، فلو أحدَثَ بعده قبل المسح لا يجوز المسحُ بتلك الضربة لكونها ركناً كما لو أحدَثَ في الوضوء بعد غَسْل بعض الأعضاء، وبه قال السيد أبو شجاع، واختاره شمس الأئمة، وقال الإِسْبِيجابي: يجوز كمن ملأ فمَهُ (٣) فأحدَثَ ثم استعمله. (ضَرْبةٌ لمسحِ وجهه، وضرْبَةٌ ليديه مع مِرْفَقَيْه) لقوله تعالى: ﴿فامْسَحُوا بوجوهِكم وأيدِيكم﴾ (٤) ولِمَا رواه الدارقطني والحاكم وصحَّحه من حديث جابر أنَّ النبي ﷺ قال: «التيمُّمُ ضَرْبتان: ضربةٌ للوجه، وضربةٌ للذراعين إلى المرفقين». ولو وضَعَ يدَهُ مرَّتين من غير ضَرْب ففي «المبسوط»: الجوازُ، وفي «الغاية»: الضَّرْبُ أولى وذلك إما ليوافِقَ لفظَ الحديث، وإما لِيَدْخُلَ الغُبارُ في أثناءِ الأصابع، ولذا قال في «الزاد»: ينبغي أن تكون الأصابعُ منفرِجَةً عند الضرب. واستيعابُ مَسْحِ العضوين بالتيمم واجبٌ في ظاهر الرواية، لأنه خَلَفٌ عن الوضوء، وفي الوضوء يجبُ الاستيعابُ، فكذا في التيمم، حتى لو لم يَمسَحْ ما تحت الحاجبين وفوقَ العينين أو لم يُحرِّك خاتمَهُ وهو ضيِّق لا يجزئه. وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة: أنه إذا تيمَّمَ على

стр. 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الأكثر جاز. والمِرفقانِ يَدْخُلانِ في المسح، وبه قال الشافعي خلافاً لزُفَر، وقال الأوزاعي والأعمش: إلى الرُّسُغين، وهو روايةُ الحسن عن أبي حنيفة ومَرْوِيٌّ عن ابن عباس، وقال الزُّهْري: إلى الآباط. وحديثُ عَمَّار وَرَدَ بذلك كلِّه كما رواه الطحاويُّ وغيرُه: فرجَّحنا روايةَ إلى المرفقين بقولِ النبي ﷺ «التيمُّمُ ضَرْبتان: ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المِرْفقين»، رواه الحاكم والدارقطني بهذا اللفظ عن ابن عُمَر عنه ﷺ وبِمَا في الطبراني والدارقطني والطحاوي: عن الرَّبيع بن بَدْر، عن أبيه، عن جَدِّه، عن الأسْلَع التميمي: قال: أراني رسولُ الله ﷺ كيف أمسَحُ، فضَرَبَ بكفَّيه الأرضَ ثم رَفَعَهُما لوجهه، ثم ضَرَبَ ضَربةً أخرى فمسَحَ ذِراعيه باطِنَهما وظاهِرَهُما حتى مَسَّ بيديه المرفقين. زاد الطحاوي عن الأسلع التميمي قال: كنتُ مع رسول الله ﷺ في سفرٍ فقال: «يا أسلَعُ قُمْ فارْحَلْ لنا»، قلتُ: يا رسول الله أصابتني بَعْدَك جنابةٌ، فسكتَ عني حتى أتاه جبرائيل بآية التيمم، فقال لي: «يا أسلع قُمْ فتيمَّمْ صعيداً طَيِّباً ضَرْبَتَيْنِ: ضَرْبةً لوجهك، وضَرْبةً لذِراعَيْكِ ظاهِرَهما وباطِنَهما»، فلمَّا انتهينا إلى الماءِ قال: «يا أسلَعُ قُمْ واغتسل». ومَنْ قال: إلى الرُّسُغين استدَلَّ بما في «الكتب الستة» من حديث عبد الرحمن بن أبْزَى: أنْ رجلاً أتى عُمَرَ ﵁، فقال: إني أَجنبتُ فلم أجد الماء، فقال: لا تُصَلِّ، فقال عَمَّارٌ: أمَا تذكُرُ يا أمير المؤمنين إذ كنتُ أنا وأنتَ في سَرِيَّة، فأجنبنا فلم نجد الماء، فأمَّا أنتَ فلم تُصلِّ، وأمَّا أنا فتمعَّكْتُ في التراب (١) فصلَّيتُ، فأتينا النبيَّ ﷺ فأخبرناه فقال النبي ﷺ «إنَّما يكفيك أن تَضْرِبَ بيديك الأرضَ ثم تَنْفُخَ وتمسَحَ بهما وجْهَك وكفَّيك»؟ قال عُمَر: نُولِّيك مِنْ ذلك ما تولَّيت. قلنا: المرادُ بالكفَّينِ: الذراعان إطلاقاً لاسم الجزء على الكلّ، أو المرادُ الكفَّانِ مع الباقي حملاً له على قوله: كنتُ في القومِ حين نَزَلَتْ الرُّخصَةُ في المسَحَ بالتُّرابَ إذا لم نجد الماء، فأُمِرْنَا فَضَرَبْنا واحدةً للوجه، ثم ضَرْبةً أخرى لليدينِ إلى المرفقين.

стр. 109

على كلِّ طاهرٍ من جنس الأرض === ومَنْ حَدَّه إلى الآباط استدَلَّ بما رواه الطحاوي مِنْ طُرَقٍ عن عمَّار بن ياسر قال: كنتُ مع رسول الله ﷺ حين نزلَتْ آيَة التيمُّم فضَرَبْنا ضربةً واحدةً للوجه، ثم ضَرَبْنَا ضربةً لليدين إلى المنكبين ظَهْراً وبَطْناً، وفي روايةٍ: تيمَّمنا مع رسول الله ﷺ في سَفَرٍ، فهَلَكَ عِقْدٌ لعائشة، فطلبوه حتى أصبحوا وليس مع القوم ماءٌ، فنزلَتْ الرُّخْصَة في التيمم بالصعيد، فقام المسلمون فضَرَبُوا بأيديهم إلى الأرض، فمسحوا بها وجوهَهم وظاهِرَ أيديهم إلى المناكب وباطِنَها إلى الآباط. قلنا: هو بَدَلٌ عن الوضوء، فالتنصيصُ على الغاية فيه تنصيصٌ عليها في التيمم، مع ما في الأحاديث القولية من التنصيص عليها، ويُحملُ الحديثُ على فعلِ بعضهم أخذاً من إطلاق اليدين بدونِ ذكرِ الغاية، وليس في الحديث ما يدلُّ على أنه ﷺ اطَّلعَ على فعلهم هذا وقَرَّرَهم، مع احتمال النَّسْخ، والله سبحانه أعلم. وفي «المحيط»: وكيفيَّةُ التيمم أن يَضرِبَ يديه على الأرض ثم يَنفضَهُما فيمسَحَ (بهما وجهه بحيث لا يَبقَى منه شيء وإنْ قلّ، ثم يَضرِبَ يديه على الأرض ثم يَنفضَهُما فيمسَحَ) (١) بهما كفَّيه وذراعيه كليهما إلى المرفقين. وقال بعضُ مشايخنا: يَضْرِبُ يديه ثانياً ويَمسحُ بأربعِ أصابعِ يدِهِ اليُسْرى ظاهِرَ يدِهِ اليُمْنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يَمسَحُ بكفِّه اليُسْرى باطِنَ يدِهِ اليُمنى إلى الرُّسُغ، ويُمِرُّ باطِنَ إبهامه اليُسرى على ظاهر إبهامه اليُمنى، ثم يَفعلُ باليدِ اليُسرى كذلك، وهو الأحوط، لأن فيه احترازاً عن استعمال المستعمَلِ بقدرِ الإِمكان، فإنَّ التراب الذي على يده يصير مستعمَلاً بالمسح حتى لو ضَرَبَ يديه مرةً ومسَحَ بهما وجهه وذراعيه لا يجوز، ولا يجبُ مسْحُ باطنِ الكفِّ، لأنَّ ضربهما على الأرض يُغني عنه. (على كلِّ طاهرٍ) متعلِّقٌ بضربة، وقيَّدَ بالطاهر لأنه المراد بالطيِّب في قوله تعالى: ﴿فتيَمَّموا صَعِيداً طيِّباً﴾ (٢) وعليه الإِجماع، (مِنْ جنسِ الأرض) فكلُّ ما يَلِينُ ويذوبُ بالنار كالذهب والفضة، أو يحترقُ بها فيصير رماداً كالخشَب: ليس من جنس الأرض، لأنَّ مِنْ طبعِها أن لا تحترق بالنار ولا تلين بها، كذا في «المحيط». وأطلقه مالك لظاهر الصعيد، وأجمعوا على أنه لا يجوز التيمُّمُ بالرماد، وقال الشافعي وأحمد في أقوى الروايتين عنه وأبو يوسف في رواية: لا يجوزُ التيمُّمُ إلا

стр. 110

ولو بلا نَقْع، وعليه مع القُدْرَةِ على الصَّعِيدِ === بالتُّراب لما في مسلم من حديث حُذَيفة قال: قال رسول الله ﷺ «فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كصفوف الملائكة، وجُعِلتْ لنا الأرضُ كلُّها مسجداً، وجُعِلتْ تُربتُها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء». وعن أبي يوسف وهو رواية عن أحمد: لا يجوزُ التيمم إلا بالتراب أو الرمل، لِمَا روى أحمد، والبيهقي، وإسحاق بن رَاهُويَه، والطبراني في «الأوسط»، عن أبي هريرة: أنَّ أُناساً من أهل البادية أَتَوا رسول الله ﷺ فقالوا: إنَّا نكونُ بالرمال الأشهُرَ الثلاثة والأربعة، ويكونُ فينا الجنبُ والحائضُ والنُّفَساء، ولسنا نجدُ الماءَ؟ فقال النبي ﷺ «عليكم بالأرض». ولأبي حنيفة ومحمد وهو مذهَبُ مالك: قولُه تعالى: ﴿فتَيمَّموا صعيداً طيِّباً﴾ (١) ، والصعيدُ: اسمٌ لما ظهَرَ على وجه الأرض مِنْ جنسها، وما في «الصحيحين» من حديث جابر: «أُعطِيت خمساً لم يُعطَهُنَّ أَحد قبلي: نُصِرتُ بالرُّعب مسيرةَ شهر، وجُعِلَتْ لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً، وأُعطِيتُ جوامعَ الكَلم، وأُحِلَّتْ لي الغنائم، وأُرسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً». وأمَّا حديثُ حذيفة فنحن نقولُ به، فإن التراب عندنا مما يُتيمَّمُ به، وكذلك حديثُ أبي هريرة، على أنَّ في إسناده المُثَنَّى بنَ الصَّبَاح وقد قال أحمد فيه: لا يساوي شيئاً، وقال النَّسائي: متروك. (ولو بلا نَقْعٍ) أي ولو كان الطاهرُ الذي من جنسِ الأرض بلا غُبَار، حتى لو ضَرَب بيديه على حجرٍ أملسَ، أو حائط لا غُبارَ عليه، أو على أرضٍ نَديَّة ولم يَلتزِقْ بيده منه شيء: جاز عند أبي حنيفة، وقال محمد: لا يجوز بلا نَقْع، وهو قولُ الشافعي لقوله تعالى: ﴿فامْسَحُوا بوجوهِكم وأيدِيكم منه﴾ (٢) . وكلمةُ مِنْ للتبعيض، ولأبي حنيفة وهو روايةٌ عن محمد: أنَّ المعتبر هو الإِمساسُ، بدليل أنه يَنفضُهما حتى يتناثر ما عليهما من التراب. (وعليه) أي وجاز التيمم على النَّقْع أيضاً (مع القدرة على الصعيد) أي فضلاً معَ عدم القدرة للضرورة، حتى لو تيمَّمَ بغُبَارِ ثوبه، أو بنُفاضةِ لِبْدهِ، أو كَنَسَ داراً، أو كالَ حنطةً، أو هدَمَ بيتاً، أو هبَّتْ الريحُ فارتفع الغُبارُ وأصاب وجهَهُ وذراعيه فمسَحَ بنيَّةِ التيمم: جاز، لأن الغُبارَ جزءٌ من التراب. وقال أبو يوسف: لا يجوز لأنه ترابٌ ناقص،
следующие страницы →