وانقضاءُ العِدَّةِ من الأخير إِجماعًا. وسِقْطٌ بَدَا بعضُ خَلقِهِ وَلَدٌ، فتَصِيرُ أمُّهُ نُفَساءَ، والأمَةُ أُمَّ وَلَد، ويَقعُ المُعلَّق به، وتنقضي العِدَّةُ به.
[أَحْكَامُ الاسْتِحَاضَةِ]
وما نقَصَ عن أقلِّ الحيض أو زادَ على حيض المُبْتَدَأَة، وهو عشَرةُ، أو نِفاسِها، وهو أربعون، أو على العادَةِ فيهما، وجاوَزَ أكثرَهما، وما رأتْ حَامِلٌ: استحاضةٌ لا تَمنعُ صلاة وصومًا ووَطْئًا.
===
(وانقضاءُ العِدَّةِ من الأخير إِجماعاً) لقوله تعالى: ﴿وأُولاتُ الأحمالِ أَجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) وبوضعِ الأوَّل لم تَضَعْ حَمْلَها، وإنما وَضَعَتْ بعضَه.
ولو قُطِّعَ الوَلَدُ فيها: إن خَرَجَ أكثرُهُ فهو نِفاس، وإلا فلا. وقال محمد وزفر: لا يَثْبُتُ النِّفاسُ إلا بوَضْعِ كلِّ الحَمْل. وإن كان بين الوَلَدَيْنِ أربعون يوماً فصاعداً قيل: على قولِ أبي حنيفة يجبُ النفاسُ من الولدِ الثاني أيضاً، وعلى قياسِ قولِهما لا يجبُ وهو الصحيح. فلمَّا تَضَعُ الولَدَ الثاني تغتسلُ وتصلي.
(وسِقْطٌ) بالكسر ويُثلَّثُ: اسمٌ للولدِ الساقطِ قبلَ تمامِ خَلْقِه (بَدَا) أي ظَهَر (بعضُ خَلْقِه) مِنْ إصبع ونحوِه (وَلَدٌ) أي في حكم الشرع (فتَصِيرُ أُمُّهُ نُفَساءَ والأَمَةُ أُمَّ وَلَد) إذا ادَّعاه السيِّد (وَيقعُ المُعلَّقُ به) من طلاقٍ وعَتاق (وتنقضي العِدَّةُ به) لأنه وَلَدٌ ناقصُ الخِلقة، ونُقصانُ الخِلقة لا يَمنعُ أحكام الولادة.
(أحكام الاستحاضة)
(وما نقَصَ عن أقلِّ الحيض) وهو ثلاثةُ أيام (أو زادَ على حيضِ المُبتدأَة) وهي من لم تَحِضْ قبلَ ذلك (وهو) أي حيضُ المبتدَأةِ (عشَرةٌ) أي أيام (أو نِفاسِها) أي أو زاد على نفاسِ المْبتدَأة، وهي من لم تلد قبلَ ذلك (وهو) أي نِفاسُ المُبتدَأةِ (أربعون) أي يوماً (أو على العادةِ) أي أو زادَ على العادةِ (فيهما) أي في الحيضِ والنِّفاس (وجاوز أكثرهما) قيَّدَ به لأنه لو زادَ على العادة فيهما ولم يجاوز أكثرَهما يكون حيضاً في الحيض ونفاساً في النفاس (وما رأتْ حاملٌ) عطفٌ على ما نَقَصَ: (استحاضةٌ) خبرٌ عن ما نَقَصَ وما عُطِفَ عليه (لَا تَمْنع) أي ما ذُكِرَ أو الاستحاضةُ (صلاةً وصوماً) أي صِحَّتَهما (ووَطْئاً) أي جَوازَه.
стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أمَّا كونُ الزائد على العادة في الحيض والنفاس استحاضةً إذا جاوز أكثرَهما: فلقولِ عائشة ﵂: إنَّ النبي ﷺ قال في المستحاضة: «تدَعُ الصلاةَ أيامَ أَقْرَائها، ثم تغتسلُ مرةً، ثم تتوضَّأُ إلى مثلِ أيام أقرائها».
وقولِ سَوْدَة بنت زَمَعة: قال رسول الله ﷺ «المستحاضةُ تدَعُ الصلاةَ أيامَ أقرائها التي كانت تَجلِسُ فيها، ثم تَغتَسِلُ غُسلاً واحداً، ثم تتوضَّأُ لكلِّ صلاة». رواهما الطبراني (١) .
ولأنَّ ما تراه في أيام عادتِا في الحيض حيضٌ يقيناً، وفي النفاسِ نفاسٌ يقيناً، وما تراه فيما زاد على أكثرِ الحيضِ والنفاسِ استحاضةٌ يقيناً، وما تراه فيما بينهما مشكوكٌ فيه، فأُلحِقَ بما زاد على أكثرهما، لأنه يجانسه في كونه مخالفاً للعادة.
ثم قيل (٢) : لا تصلي في الزائد على العادة لاحتمالِ صيرورتَها أهلاً، وعدمِ صيرورتها، فتَبقى كما كانت.
وأمَّا كونُ ما تراه الحاملُ استحاضةً فلأنه لو جاز اجتماعُ الحيضِ والحملِ لم يكن الحيضُ دليلاً على عدمِ الحمل، وقد جعله الشارعُ دليلاً عليه، فعن ابن عباس ﵄: إنَّ الله رفَعَ الحيضَ عن الحُبلَى وجَعَل الدَمَ رزقاً للولد، رواه ابن شاهين. وعن عائشة: الحاملُ لا تَحيضُ. رواه الدارقطني. ومثلُ هذا لا يقال بالرأي، فيُحمَلُ على أنهما قالا ذلك سماعاً.
وقال مالك والشافعي في الجديد: ما تراه الحاملُ على ترتيب أدوارها حيضٌ.
ومن الدليل لنا أنه لمَّا نزَلَ قولُه تعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَربَّصْنَ بأنفسهن ثلاثةَ قُرُوء﴾ (٣) قالت الصحابةُ: فإن كانت آيسةً أو صغيرةً فنزلَتْ ﴿واللائي يَئِسْنَ مِنْ المَحِيضِ مِنْ نسائِكم﴾ (٤) الآيةَ. فقالوا: إن كانت حاملاً؟ فنزلت: ﴿وَأُولاتُ الأحمالِ أجلُهُنَّ أن يَضعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٥) . ففيه تنبيهٌ على أنَّ الحامل لا تَحيض، وأنها ليست من
стр. 143
[أَحْكَامُ المَعْذُورِين]
ومن لم يَمضِ عليه وقتُ فرضِ إلا وبه حدَثٌ من استحاضةٍ أو رُعافٍ أو نحوِهما: يَتوضَّأ لوقتِ كلِّ فرضٍ له، ويُصلي به فيه ما شاء فرضًا ونفلًا
===
ذوات الأقراء.
ثم لا يَشترطُ أبو يوسف عودَ الدَّم وتكرارَهُ لنقلِ العادةِ الأصلية إلى زيادةٍ أو نقصانٍ، أو زمانٍ آخر في الشهر الثاني، فلو كانت العادةُ في أوَّل الشهر ستةً مثلاً، ثم رأت تسعةً دماً أو بعكسه، أو رأته في غير حينه: قبلَ عادتها أو بعدَها: ينقُلُ أبو يوسف العادةَ الأصليةَ إلى الحالةِ الثانية، وبقوله يُفتَى تيسيراً للأمر عليهن، كالعادةِ الأصلية، وهي انتقالُ الطُّهر إلى الحيض بمرَّةٍ واحدة، فإن المُراهِقةَ إذا رأت الدم ثلاثة أيام يُحكَمُ بأنها حائض فكذا هذا. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا بدَّ من التكرارِ لنقلها، إذ العادةُ مأخوذةٌ من المعاودة فلا تَثْبُت بدون العَوْد.
(أَحكام المعذورين)
(ومن لم يَمضِ عليه وقتُ فرضٍ إلاَّ وبه حدَثٌ) أَي حَدَثُه الذي ابتُلي به (من استحاضةٍ أو رُعافٍ أو نحوِهما) من انفلاتِ ريح، أو استطلاقِ بطن، أو خروجِ دمٍ من جُرح (يتوضَّأُ لِوَقتِ كلِّ فرضٍ له) أي لأجلِ ذلك الحدث.
ولم يُوجِب مالكٌ الوضوءَ عليهم بناءً على ما تقدَّم (١) من قولِه بعدم انتقاضه واكتفائِه باستحباب الوضوء.
(ويُصلِّي به) أي بذلك الوضوء (فيه) أي في ذلك الوقت (ما شاء فرضاً ونفلاً).
وقال الشافعي: يتوضَّأ لكلِّ صلاةِ فرضٍ ويصلِّي من النوافلِ ما شاء تبعاً لذلك الفرض، لِما روى البخاري من حديث هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت فاطِمةُ ابنةُ أبي حُبَيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأةٌ أُستحاضُ فلا أَطهرُ، أفأدعُ الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ «لا، إنما ذلك عِرقٌ وليس بحَيْض، فإذا أقبلتْ حَيضتُكِ فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنكِ الدمَ وصلِّي». قال: وقال أَبي (٢) : ثم توضئي لكلِّ صلاةٍ حتى يجيء ذلكِ الوقت. ولِما رواه ابن ماجه عن عَدِي بن ثابت، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النبي ﷺ قال: «المستحاضةُ تدَعُ الصلاةَ أيامَ
стр. 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أقرائها، ثم تغتسلُ وتتوضَّأ لكلِّ صلاة، وتصومُ وتصلي».
وأُجيبَ بأنَّ اللام في «لكلِّ صلاة» نحوُها في قوله تعالى: ﴿أقم الصلاةَ لِدُلوكِ الشمس﴾ (١) أي وقتِ دُلوكِها أي زَوالها. وإنما قلنا: ذلك، لأنَّ المعهود في الشرع أنَّ الحدث خروجُ خارج أو خروج وقتٍ كمضيِّ مدَّةِ مسحِ الخُفَّين، ولم يُعهَد فيه أنَّ الفراغ من الصلاة حدثٌ بالنسبة إلى فرضٍ آخر.
وفي «شرح الآثار»: أجمعوا على أنها إذا توضَّأت في وقتِ صلاة فلم تُصلِّ حتى خرج الوقتُ فأرادت أن تصلي بذلك الوضوء: أنه ليس لها ذلك حتى تتوضأ وضوءاً جديداً. ورأَيْناها لو توضَّأْتُ في وقتِ صلاة فصلَّتْ، ثم أرادت أن تَطَّوَّع بذلك الوضوءِ كان لها ذلك ما دامت في الوقت، فدَلَّ ما ذكرنا أنَّ الذي يَنقضُ طُهْرُها هو خروجُ الوقت، وأن وضوءَها يُوجِبه الوقتُ لا الصلاةُ وإن كان وجوبُه بها.
هذا، وقال ابنُ قُدَامة في «المغني»: رُوي في بعض ألفاظ حديثِ فاطمة بنت أبي حُبيَش «وتوضَّئي لوقتِ كلِّ صلاة» (ذكر سبط ابن الجوزي: أن أبا حنيفة روى: المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة) (٢) ، وفي «شرح مختصر الطحاوي» رَوَى أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنَّ النبي ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حُبَيش: «وتوضئي لوقتِ كلِّ صلاة».
ولا شكَّ أنَّ هذا مُحْكَمٌ بالنسبة إلى كلِّ صلاة، لأنه لا يَحتمل غيرَه، بخلاف الأوَّل، فإنَّ لفظ الصلاة شاع استعمالُها في لسان الشرعِ والعُرفِ في وقتِها. فمن الأوَّل قولُه ﷺ «إنَّ للصلاةِ أوَّلاً وآخِراً» (٣) . الحديثَ، أي لوقتِها. وقولُه: «أيُّما رجلٍ أدركَتْه الصلاةُ فلُيصَلِّ» (٤) . ومن الثاني آتيك لصلاةِ الظُّهر أي في وقتِها، وهو ما لا يُحصَى كثرةً. فوجَبَ حملُه على المُحكم. وقد رُجِّحَ أيضاً بأنه متروكُ الظاهر بالإِجماعِ على أنه لم تُرَد حقيقةُ كلِّ صلاة، لجواز النوافل مع الفرضِ بوضوءٍ واحد.
ثم ما في المَتْنَ بيانُ شَرطِ بقاء الاستحاضة بعد ما ثبَتَ حكمُها. وأمَّا شرطُ
стр. 145
ويَنقُضُه خروجُ الوقتِ كطلوعِ الشمس، لا دُخُولُه كالزَّوالِ.
===
ثبوتِه ابتداءً، فأن يَستوعبَ استمرارُ العُذْرِ وقتَ الصلاة كاملاً، كالانقطاعِ والانتهاءِ لا يثَبُتُ ما لم يَستوعب الوقتَ كلَّه. وفي «الكافي» لحافظ الدين النَّسَفي: وإنما تصيرُ صاحبةَ عُذر إذا لم تجد في وقتِ الصلاة زماناً تتوضَّأ وتصلي فيه خالياً عن الحدَث. وهذا هو المرادُ بالاستيعاب لا حقيقة، إذ قلَّما يَستمرُّ العُذرُ بحيث لا ينقطع في الوقتِ لحظةً، فيُؤدِّي إلى نفي تحقُّقه إلا في الإِمكان العقلي.
وفي «السراج الوهاج»: رجلٌ سال جُرحُه ولم يَعلم أنه يَستمرُّ وقتاً كاملاً، فإنَّه لا يصلي في أوَّلِ الوقت بل ينتظر، فإن لم ينقطع توضَّأَ قبلَ خروج الوقت. قال ابن الهُمام: فإنْ فَعلَ فدخل وقتٌ آخَرُ وانقطع فيه أعادَ الأُولى لعدم الاستيعاب.
(ويَنقُضُه) أي ويَنقُضُ وضوءَ المعذور عند أبي حنيفة ومحمد (خروجُ الوقتِ) أي وقتِ صلاة الفرض (كطلوعِ الشمس) فلو توضَّأ معذورٌ لصلاةِ العيد بعدَ طلوعِها، له أن يصلّي الظهرَ به عندهما، لأنها ليست بفرضٍ فصار كما لو توضَّأ لصلاة الضُّحى (لا دخولُه) أي لا يَنقُض وضوءَ المعذورِ دخولُ الوقت (كالزَّوالِ). وقال أبو يوسف: يَنقُضُه دخولُ الوقت وخروجُه. وقال زُفَر: دخولُه فقط.
ويَجبُ أن يُصلّي جالساً بإيماءٍ إن سال بالمَيَلان، لأنَّ تَرْكَ السجود أهوَنُ من الصلاة مع الحدَث، فإنَّ لها وجوداً حالةَ الاختيار على الدابَّة نفلاً، ولا تجوزُ مع الحدثِ حالةَ الاختيار أصلاً.
ثم يجب على المستحاضة أن تَغسِلَ ثوبها من الدَّم لكلِّ صلاة في قولِ محمد بن مقاتل، وقال ابن سَلَمة: ليس عليها غَسْلُه، لأنَّ أمرَ الثوبِ ليس آكَدَ من البَدَن. والأوَّل أَولى (١) .
وقال أبو القاسم في المبطونِ إذا كان بحالٍ لا يُبسَطُ تحته ثوبٌ إلا نجَّسَه مِنْ ساعتِه: جاز أن يصلّي على حالته. ولو كان به دَمَامِيلُ أو جُدَريٌّ فتوضَّأ، وبعضُها سائل ثم سالَ الذي لم يكن سائلاً انتقض، لأنَّ هذا حدَثٌ جديد، فصار كالمَنخِرَينِ. ولو كان في عينه رَمَدٌ ويسيل دمعُها يُؤمُرُ بالوضوءِ لكلِّ وقتٍ إذا غَلَب على ظَنِّه أنه صديد، والله تعالى أعلم.
стр. 146
بَابُ الأَنْجَاسِ
يَطْهُرُ الشَّيءُ عن نَجَسٍ مَرئيٌّ بَزَوَالِ عَيْنِهِ، وإن بقي أثَرٌ يَشُقُّ زوالُه بالماء، وبكُلِّ مائعٍ مُزِيلٍ.
===
(باب الأنجاس)
أي معرفةِ أنواعِ النجاسة وبيانِ كيفية الطهارة منها. وهو جمعُ نَجَس، وهو في عُرف الفقهاء بفتح الجيم عينُ النجاسة، وبكسرها: ما لا يكونُ طاهراً، كذا قيل. والأظهرُ أنه الذي يَصيرُ نَجِساً حين لاقَى نَجَساً. وفي اللغة يقال: نَجِسَ الشيءُ بالكسر يَنْجَسُ نَجَساً فهو نَجِس ونَجَسٌ أيضاً، قال تعالى: ﴿إنَّما المشركون نَجَسٌ﴾ (١) والظاهُر أنَّ المرادَ به المعنى المصدريُّ في الآية للمبالغة في النجاسة الباطنية، لاشتمالِ قلوبهم على العقائد الرَّديَّة.
(يطَهُرُ الشيء) بَدَناً كان، أو ثوباً، أو مكاناً، أو غيرَ ذلك (عن نَجَسٍ) بفتح الجيم (مَرْئيّ) أي جِرْمُه (بزوال عينه) لأنَّ تنجُّسَ ذلك الشيء لاتصالِ النجاسة به، فإزالتُها ولو بغَسلةٍ واحدة تطهيرٌ له. وقال الفقيه أبو جعفر: يُغسَلُ بعدَ زوالِ العينِ مرةً أو مرتين، وقيل: ثلاثاً، كذا في «الكافي». (وإِن بقي أثر يَشُقُّ زوالُه) بأن يُحتاجَ في إخراجه إلى نحوِ الصابون والأُشنان (٢) .
(بالماءِ) متعلِّقٌ بـ يَطْهُرُ، وهو أنسَبُ، أَوْ بزوالِ عينه وهو أقرب.
والأصلُ فيه ما جاء عن أسماء بنت أبي بكر قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إنَّ إحدانا يُصيبُ ثوبَها مِنْ دمٍ الحيض، كيف تصنع؟ قال: «تَحُتُّه، ثم تَقرُصُه بالماء، ثم تَنْضَحُه، ثم تصلِّي فيه». أخرجه مالك والشيخان وأبو داود والترمذي. وعن أُمِّ قيس بنتِ مِحْصَن أنها سألت رسولَ الله ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب؟ قال: «حُكِّيه بضِلْع (٣) ، واغْسِلِيه بماءٍ وسِدْر (٤) ». أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
(وبكلِّ مائع) ذائبٍ جارٍ كماءِ الورد والخَلِّ (مُزِيلٍ) احتَرَز به عن نحوِ الدُّهنِ واللَّبَنِ والعصير مما ليس بمُزِيلٍ.
стр. 147
وعن ما لم يُرَ بغَسْلِه وعَصْرِه ثلاثًا إِن أمكَنَ، وإلا يُغسَل ويُترَك إِلى عَدَمِ القَطَرانِ، ثُمَّ وثُمَّ
===
وقال مالك والشافعي ومحمد وزفر: لا يَطْهُرُ النَّجِسُ إلا بالماء، لأنَّ المائع يَتنجَّسُ بأَوَّلِ الملاقاة، والنَّجِسُ لا يُفيدُ الطهارة، لكن تُرِكَ هذا القياسُ في الماءِ بالإِجماع. ولعلَّ سندَهُ جَعْلُه تعالى الماءَ طَهُوراً؟.
ولهما: أنْ الماء مطهِّرٌ لكونه مائعاً مُزِيلاً للنجاسة عن المحلِّ، فكلُّ ما يكون كذلك فهو مطهِّرٌ كالماء. و: ما رَوى البخاري من حديث عائشة أنها قالت: ما كان لإِحدانا إلا ثوبٌ واحدٌ تَحِيضُ فيه. فإذا أصابه شيءٌ من دَمٍ قالَتْ ـ أي فعَلَتْ ـ برِيقِها فمَصَعتْه بظُفُرِها». ويُروَى: فقَصَعَتْه. والمَصْعُ بمهملتين: الإِذهابُ، والقَصْعُ بمهملتين: الدَّلْكُ. وفيه أنَّه إنما يَتم الاستدلالُ لو ثبَتَ أنها قد صلَّتْ به، و: كان زائداً على قَدْرِ العفو، و: اطَّلَع عليه النبيُّ ﷺ و: أَقرَّها عليه.
وذكَرَ التُّمُرْتَاشيُّ: أنَّ الدم إذا غُسِلَ ببولِ ما يُؤكلُ لحمُه تَزولُ نجاسةُ الدمِ وتَبقى نجاسةُ البول. وأمَّا الماءُ المستعَملُ فيجوز به إزالةُ النجاسةِ الحقيقيةِ اتفاقاً.
(وعن ما) أي ويَطهُرُ الشيءُ عن نَجَسٍ (لم يُرَ) أي لم يكن مَرْئيَّاً (بغَسْلهِ وعَصْرِه) من غيرِ لَيِّهِ إلى أن ينقطِعَ تقاطُرُه (ثلاثاً) أي ثلاثَ مرات، وهو قيدٌ لهما. وعن محمد أنَّ العصر في المرَّةِ الثالثة كاف، وهو أرفق، والأوَّلُ ظاهر الرواية. وقيل عن أبي يوسف ومحمد أيضاً: إنه يطْهُرُ إنْ ظُنَّ طهارَتُه بالغَسَلاتِ الثلاث بلا عَصْر، والمدارُ على غلبةِ الظنّ لأنه دليلٌ شرعي. وعند الشافعي رحمه الله تعالى: المرَّةُ كافية. وإنَّما قُدِّرتْ غلبةُ الظن بالثلاثِ لأنها تَحصُلُ عند هذا العدد غالباً. وقيل: بالسبع دفعاً للوسوسة كما في الاستنجاء.
(إِنْ أمكَنَ) أي عَصْرُه (وإِلا) أي وإن لم يُمكِن عَصْرُه كالخَشَب والجِلْد المدبوغ بالنَّجَس (يُغسَل ويُترك إلى عدم القَطَران) أي قَطْرِ الماء، وهو بفتح القاف والطاء، في آخرِه نون، مَصدَرٌ لقَطَرِ الماء، وهو بفتح الطاء يَقطُرُ بضمها. وفي بعض النسخ: بمثناة فوقية مكان النون، جَمْعُ قطرة. وإنما يُترَكُ إلى ذلك لأنه يقومُ مقامَ العصر. (ثُمَّ) يُغسَل ويُترَك إلى عدَم القَطَرانِ (وثُمَّ) يُغسَل ويُترَك إلى عدَمِ القَطَران، وهذا عند أبي يوسف. وقال محمد: ما لم يُمكِن عصرُه لا يَطْهُر. ويَطهُرُ عند أبي يوسف ما لا يَنعصر إذا تنجَّسَ بغسلِه وتجفيفِه (١) ثلاثاً كالحنطةِ المتنجِّسة، والخَزَفِ، والخشبِ
стр. 148
وعن المَنِيّ بغَسْلِهِ أو فَرْكِ يابِسِه.
===
الجديدين، والحصيرِ، والسكينِ المموَّهِ بالماء النَّجِس، واللحمِ المُغْلَى به.
واعلم أنَّ أصلَ مذهبنا في غير المَرْئيَّةِ من النجاسة اعتبارُ غلبة الظن في طهارة محلِّها، لا المرَّةَ الواحدةَ كما اعتَبَرها الشافعي (١) ، بناءً على أنَّ إزالتها حُكمٌ شرعي، فيُكتفَى فيه بالمرَّةِ كالحُكمي.
ولنا أنَّ الحُكميَّ عُرِفَ ثبوتُه بالشرع، وهو حَكَمَ بزوالِه بغسلِه مرَّةً، فإنه ﷺ توضَّأ مرَّةً وقال: «هذا وضوءٌ لا يقبل الله الصلاةَ إلا به» (٢) . فحَكَم بزواله بمرَّة، والحقيقيُّ عُرِفَ ثبوتُه بالحقيقة، فعُرِف زوالُه بها. وذا بتكرار الغَسْل للاستخراج، ولا يُقطَع بزواله، فاعتُبِرَ غلبةُ الظنّ كما في أمر القِبلة. وتُقدَّرُ غلبةُ الظنّ بالغَسْل ثلاثاً لحصولها بها في الأغلب، فأقمنا السببَ الظاهرَ مُقامَها تيسيراً، ولأنَّ حديث المستيقظِ شَرَطَ الغَسْلَ ثلاثاً عند توهُّمِ النجاسة، فعند تحقُّقِها أَولى.
(وعن المَنِيّ) أي ويَطْهُرُ الشيءُ ثوباً كان، أو بدناً، أو مكاناً عنه سواء كان مَنِيَّ رجلٍ أو امرأة (بغَسْلِه) مطلقاً (أو فَرْكِ يابسِه).
واعلم أنَّ المنيَّ نَجِسٌ عندنا وعند مالك، لكن عندنا يجبُ غسلُه أو فركُ يابسِه، وعند مالكٍ وزُفَر: لا يَطهُرُ إلا بالماء.
وعند الشافعي وهو المشهورُ من قولِ أحمد: أنه طاهر، لأنه أصلُ أولياءِ الله. ولِما روى الدارقطني والطبراني عن ابن عباس قال: سُئل رسولُ الله ﷺ عن المنيِّ يصيب الثوبَ؟ فقال: «إنما هو بمنزلة المُخاطِ والبُزاق، وإنَّما يَكفيك أن تَمسحه بخِرقة أو بإذْخِرة» والصحيحُ: أنه موقوفٌ كما في «البيهقي». وأخرج أحمد عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يَسلُتُ المنيَّ من ثوبه بعِرْقِ الإِذْخِر، ثم يصلي فيه.
ولنا: ما روى مسلم عن عائشة: كنتُ أفرُكُ المنيَّ مِنْ ثوب رسول الله ﷺ فيُصلي فيه ـ بالفاء ـ، وفيه أيضاً عن عبد الله بن شهاب الخَوْلَاني قال: «كنتُ نازلاً على عائشة ـ أي ضيفاً ـ فاحتلمتُ في ثوبيَّ فغمستُهما في الماء (٣) ، فرأَتْني جارِيَةٌ
стр. 149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لعائشة فأخبرَتها، فبعثَتْ إليَّ عائشة فقالت: ما حَمَلك على ما صنعتَ بثوبيك؟ فقلتُ: رأيتُ ما يَرَى النائم، قالت: هل رأيتَ بثوبَيْكَ شيئاً؟ قلتُ: لا، قالت: لو رأيتَ شيئاً غَسَلْتَه، لقد رأيتُنِي وإني لأَحكُّه مِنْ ثوبِ رسول الله ﷺ يابساً بظُفُري». زاد الطحاوي: «ثم يُصلّي فيه ولا يَغسله».
و: ما روى الدارقطني في «سننه» والبَزَّار في «مسندهِ» عن عائشة قالت: كنتُ أفرُكُ المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابساً، وأغسِلُه إذا كان رَطْباً». وفي رواية: «فيَخرُجُ إلى الصلاة وإنَّ بُقَع الماء لفي ثوبه». وفي «مسلم» عنها: أنه ﷺ كان يَغسلُ المنيَّ ثم يَخرجُ إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغَسْل فيه».
و: ما رواه الدارقطني من حديث ثابت بن حمَّاد، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيَّب، عن عمَّار بن ياسر قال: أَتى علَي رسولُ الله ﷺ وأنا على بئر أدْلُو ماءً في رَكْوَةٍ لي، فقال: «يا عمَّار ما تصنع»؟ قلتُ: يا رسول الله بأبي وأُمِّي: أَغسِلُ ثوبي مِنْ نُخامةٍ أصابَته، فقال: «يا عمَّار إنما يُغسَلُ الثوبُ من خمس: من الغائط، والبول، والقيء، والدم، والمنيّ، يا عمَّار ما نُخامَتُك ودُموعُ عينيكَ والماءُ الذي في ركْوَتِك إلا سواء». وفي سَنَدِه ضعيف، وهو ثابتُ بن حمَّاد، لكنْ له مُتابِعٌ عند الطبراني، رواه في «الكبير» من حديث حمَّاد بن سَلَمة عن علي بن زيدٍ سنداً ومتناً، فبطَلَ جزْمُ البيهقي ببطلانِ الحديث بسببِ أنه لم يَروه عن عليّ بن زيدٍ سوى ثابت، ودُفِعَ قولُه في عليَ هذا ـ إنَّه غيرُ محتَجَ به ـ: بأنَّ مسلماً روى له مقروناً بغيره. وقال العِجْليُّ: لا بأس به، وروى له الحاكم في «المستدرك»، وقال الترمذي: صدوق.
و: ما رواه الطحاوي بسنده:
إِلى معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أُختَه أُمَّ حَبِيبة زوجَ النبي ﷺ هل كان النبي ﷺ يُصلِّي في الثوب الذي يُضاجعكِ فيه؟ قالت: نعم إذا لم يُصبه أذى.
وإِلى عُمَر أنه احتَلَم في السفرِ وقد كاد أن يُصبح، فلم يجد في الرَّكْبِ ماءً، فركِبَ حتى جاء الماءَ فجعل يَغْسِلُ ما رأى من الاحتلام حتى أَسفر، فقال له عَمْرو بن العاص: أَصبحتَ ومعنا ثيابٌ فدَعْ ثوبَك، فقالَ عُمَر: بل أغسِلُ ما رأيتُ، وأَنضَحُ ما لم أَره.
وإِلى أبي هريرة قال في المنيِّ يُصيب الثوبَ: إن رأيتَه فاغسِلْ، وإلا فاغسِلْ
стр. 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الثوب كلَّه.
وإِلى جابرِ بن سَمُرة أنه سُئل عن الرجل يصلي في الثوب الذي يُجامِع فيه أهلَه؟ قال: صَلِّ فيه إلا أن تَرى فيه شيئاً فاغسِله، ولا تَنْضَحْه فإنَّ النضح لا يَزيدُه إلا شَراً.
وإِلى أنس بن مالك أنه سُئل عن قَطِيفة (١) أصابَتْها جنابةٌ لا يُدرَى أين موضِعُها؟ قال: اغسِلْها.
وروى ابن أبي شيبة: أنَّ رجلاً سأل عُمَر ﵁ فقال: إني احتَلمتُ على طِنْفِسَة؟ فقال: إن كان رَطْباً فاغسِلْه، وإن كان يابساً فاحْكُكْه، وإن خَفِيَ عليك فارْشُشْه بالماء. والطِّنْفسةُ: مثلَّثةُ الطاءِ والفاءِ، وبكسر الطاء وفتح الفاء وبالعكسِ: واحدةُ الطنافسِ: للبُسُطِ والثيابِ والحصيرِ من سَعَف عَرْضُه ذراع.
وأُجيب عن قولهم: إنه أصلُ أولياءِ الله تعالى بأنه أصلُ أعدائه، فينبغي أن لا يكون طاهراً، فإذا تعارَضَا تَسَاقَطَا، فلا يصلح الاستدلالُ في هذه الحال. على أنه لا استبعادَ في أن يتكوَّنَ الطاهرُ مِنْ النَّجِس كاللَّبَنِ من الدَّم، بل إظهارٌ لكمالِ القُدرة.
ثم إذا فُرِكَ المنيُّ حُكِمَ بالطهارةِ عند أبي يوسف ومحمد وهو الأصح، وبتقليلِ النجاسة وتخفيفيها في أظهر الروايتينِ عن أبي حنيفة، فلو أصابه ماءٌ عاد نَجِساً عند أبي حنيفة خلافاً لهما، وفي «الخلاصة»: المختارُ أنه لا يعود نَجِساً.
ولهذه المسألة نظائر (٢) : الخُفُّ إذا أصابه نَجَسٌ فدُلِكَ، والأرضُ إذا أصابها نجاسةٌ وذهَبَ أثرُها، والبِئرُ إذ غار ماؤها وكانت نَجِسةً، وجِلدُ الميتة إذا دُبِغَ بنحوِ الشمس، بخلاف ما إذا دُبِغَ بنحو القَرَظِ ـ محرَّكةً ـ وهو وَرَقُ السَّلَم.
ثم البَدَنُ مثلُ الثوبِ في الاكتفاءِ بالفَرْكِ في ظاهر الرواية، لأنَّ البَلْوَى فيه أشدُّ لانفصالِ الثوب عن المنيِّ دون البَدَن، فالتَحقَ به دلالةً. وروى الحسنُ عن أبي حنيفة: أنه لا يُجزاءُ فيه الفَرْكُ، وهو روايةٌ عن أبي يوسف.
стр. 151
والخُفُّ عن نَجَسٍ ذي جِرْم بالدَّلكِ بالأرض.
وعن غيرِه بالغَسْلِ فقط، والسيفُ ونحوُه بالمسح، والبِساطُ بجرْي الماء عليه ليلةً، والأرضُ وما اتَّصلَ بها، كالخُصِّ والكَلأ، باليُبْسِ
===
(و) يَطْهُرُ (الخُفُّ) وكذا النَّعْلُ (عن نَجَسٍ ذي جِرْم) سواءٌ كان جِرْمُه منه كالدَّمِ والعَذِرة، أو من غيره كالبول الملتصقِ به تراب، وأيضاً سواء جَفَّ ذو الجِرْم أو لم يَجفَّ، وهو قولُ أبي يوسف وعليه الأكثر، وفي «النهاية»: وعليه الفتوى. وقال أبو حنيفةَ: يُشترَط جفافُ ذي الجِرْم في طهارة الخُفّ (بالدَّلْكِ بالأرض).
وقال محمد وزفر ومالك والشافعي: لا يَطْهُرُ الخُفُّ من غير المنيِّ الجافِّ إلا بالغَسْل كالنجاسة التي لا جِرْم لها (١) .
ولأبي حنيفة وأبي يوسف ما رواه أبو داود، وابن حبان، وابن خُزيمة، والحاكم وقال: صحيحٌ على شرط مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا وَطِيءَ أحدُكم الأَذى بخُفَّيه فطهورُهما التراب». ولما رواه الطحاوي وأبو داود عن أبي سعيد: «إذا جاء أحدُكم المسجدَ فلْيَنظر فإنْ رأى في نعليه قَذَراً أو أذىً فلْيَمسَحه وليُصلِّ فيهما». لكنَّ أبا حنيفة يقول: إنَّ الرَّطْب لا يزول بالدَّلكِ، فيُشترَطُ الجفاف.
(وعن غيرِه) أي غيرِ ذي الجِرْم (بالغَسْلِ فقط) لأنَّ أجزاء النجاسة تَتشرَّب في الخفِّ فلا تَخرجُ منه إلا بالغَسْل، بخلافِ ذي الجِرْم، فإنه يَجذبُ ما في الخفِّ من الأجزاء النَّجِسة بجِرْمه إذا جَفّ.
(و) يَطْهُرُ (السيفُ) أي الصَّقِيل (ونَحوُه) في الصَّقالةِ وعدمِ المسامّ، سواءٌ كان النَّجَسُ رَطْباً أو يابساً (بالمسحِ) لأنَّ الغَسْلَ يُفسده، وفيه خلافُ محمد. ولهما: أنَّ الصحابة كانوا يقتلون الكفَّار بسيوفهم ثم يَمسحونها ويصلُّون معها. وقيَّدْنا بالصقيل لأنه لو كان السيفُ غيرَ صقيل أو كان الثوبُ صقيلاً: لا يَطْهُرُ إلا بالغسل.
(و) يَطْهُر (البِساطُ) أي الكبيرُ الذي لا يُمكن عصره (بجَرْي الماء عليه ليلةً) أي قَدْرَ ليلةٍ أو يوم، لأنَّ بذلك يُظَن زوالُ النجاسةِ منه. والتقديرُ بالليلةِ لقطع الوسوسة.
(و) تَطهرُ (الأرضُ وما اتَّصلَ بها كالخُصِّ) بضم المعجمة وتشديد المهملة: البيتُ مِنْ قَصَبٍ وجَرِيدٍ ونحوهما (والكلأ) وهو بالهمزة مقصوراً: العُشْبُ (باليُبْسِ
стр. 152
وذهابِ الأثر للصلاةِ لا التيمُّم.
===
وذهابِ الأثر) سواءٌ كان ذلك بشمسٍ أو ريحٍ أو نار. قيَّدَ بالاتصالِ لأنه لو كان منفصلاً لا يَطهُرُ إلا بالغَسْل (للصلاةِ) متعلِّقٌ بـ: تَطْهُرُ المقدَّر، أي تَطْهُرُ في حقِّ الصلاة (لا) في حقِّ (التيمُّم) اتفاقاً. وعن أبي حنيفة: تَطهُرُ للتيمُّم أيضاً (١) .
أمَّا الطهارةُ للصلاة فلِما روى مالك في «الموطَّأ»، وأبو داود في «سننه»، وابن خُزيمة في «صحيحه» عن ابن عُمَر قال: كنت فتًى شاباً عَزِباً ـ بكسر الزاي ـ أبيتُ في المسجد، وكانت الكلابُ تبولُ وتُقبِلُ وتُدبِرُ في المسجد، فلم يكونوا يَرُشُّون شيئاً من ذلك.
وأمَّا عدَمُ الطهارةِ للتيمّم، فلأنَّ طهارة الأرض للتيمم ثبتَتْ بالكتاب فلا تتأدَّى بما ثبَتَ بخبر الواحد، كما لا يتأدَّى مسحُ الرأس الثابتُ بالكتاب بمسحِ الأُذن الثابتِ كونُها من الرأس بخبر الواحد، وكما لا تتأدَّى التوجُّهُ إلى البيتِ الثابتُ بالكتاب بالتوجُّهِ إلى الحَطِيم الثابتِ كونُه من البيتِ بخبر الواحد.
وقال مالك والشافعي وزفر: لا تَطهُرُ الأرض باليُبس.
ولنا: ما رُوي عن عائشة ومحمد بن الحنفية: ذكاةُ الأرض يُبْسُها (٢) . وجعَلَه في «الهداية» مرفوعاً، ولم أره. وعن أبي قِلَابة: جُفوفُ الأرض طَهورُها (٣) . وجعَلَ في «المبسوط» قولَه: أيُّما أرضٍ جَفَّتْ فقد ذَكَتْ، حديثاً مرفوعاً. و: ما في «سنن أبي داود» بابُ طَهورِ الأرض إذا يَبِسَتْ، وأَسنَدَ عن ابن عُمَر قال: كنتُ أبِيتُ في المسجد في عهد رسول الله ﷺ وكنتُ فتىً شابّاً عَزِباً، وكانت الكلابُ تَبولُ وتُقبِلُ وتُدبرُ في المسجد، ولم يكونوا يَرُشُون شيئاً من ذلك. انتهى. فلولا اعتبارُ أنها تَطهرُ بالجفاف كان ذلك تبقيةً لها بوصفِ النجاسة، مع العلم بأنهم يقومون عليها في
стр. 153
ويُعفَى ما دون رُبعِ الثوب مِن نَجِسٍ خَفَّ
===
الصلاة البتة لصِغَرِ المسجد وكثرةِ المصلين.
(ويُعفَى ما دون رُبعِ الثوب) وكذا حُكمُ البَدَن.
(مِنْ نَجِسٍ) بكسر الجيم أي ذي نجاسةٍ (خَفَّ) (١) وهو الصحيحُ من قول أبي حنيفة ومحمد، خلافاً لأبي يوسف حيث قال: المانعُ شِبْرٌ في شِبْر، وهو روايةُ الحسنِ عن أبي حنيفة، والمذهبُ هو الأوَّل، لأنَّ ما دون رُبعِ الثوب ليس بفاحش، والمانعُ في النجاسةِ الخفيفةِ هو الفاحش، ولقيامِ الربع مقامَ الكُلِّ في وجوبِ الصلاة في ثوبٍ رُبعهُ طاهر، وفي وجوبِ مسح ربعِ الرأس في الوضوء، وفي لزوم الجزاءِ بحَلْقِ رُبعِه وهو مُحرِمٌ، وفي انكشافِ رُبعِ العورة.
فقيل: مرادُهم رُبعُ أدنى ثوب تجوزُ الصلاةُ فيه كالإِزار. وقيل: رُبعُ جميع الثوبِ أو البدن. قال في «المبسوط»: وهو الصحيح. وقيل: رُبعُ الموضعِ الذي أصابته النجاسة كالذَّيْل والكُمِّ والدِّخْرِيصِ (٢) ـ معرَّب التَّيرِيز ـ وكالرِّجْلِ واليَدِ والظَّهرِ والبَطْن، قال صاحب «التحفة»: وهو الأصحّ.
وسبَبُ تخفيف النجاسة عند أبي حنيفة تعارُضُ النَّصَّينِ في طهارتِه ونجاستِه وترجُّحُ النجاسة. وعندَهُما اختلافُ العلماءِ المتقدِّمين من الصحابة والتابعين في طهارتِه ونجاستِه وترجُّحُ النجاسة. وسبَبُ تغليظِ النجاسة عندَهُ عدَمُ تعارضِ النَّصَّين، وعندَهُما عدَمُ اختلافِ العلماء فيها.
وثمرةُ الخلافِ تَظهرُ في الرَّوْثِ والخِثْي والبَعْر، فعندهما نجاسةٌ مخفَّفة لاختلافِ العلماء فيها، وعنده مغلَّظة، لأنَّ ما رواه البخاري من حديث ابن مسعود أنَّ النبي ﷺ ألقى الرَّوثةَ وقال: «إنَّها رِكْس»: لم يُعارِضْه نصٌّ. والرِّكْسُ: بكسر الراء: الرِّجْسُ. والرَّوثُ للفرسِ والبغلِ والحمار. والخِثْيُ بكسر الخاء وسكون الثاء للبقرِ والجاموس. والبَعْرُ للبعيرِ والشَّاة.
وإن مالكاً يَرى طهارتَها، لأنها وقودُ أهل الحرمين (٣) ، وبه يَثبُتُ التخفيفُ
стр. 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عندهما، وهو الأظهرُ لعموم البَلْوَى بامتلاءِ الطرق بها، بخلافِ بولِ الحمار وغيره مما لا يؤكلُ لحمُه، فإنَّ الأرض تَنْشَفُه.
وطهَّرها محمدٌ آخِراً وقال: لا يَمنعُ الرَّوثُ وإنْ فَحُش، لِمَا رأى مِنْ بَلْوَى الناس من امتلاءِ الطرق والخانَاتِ بها لمَّا دخَلَ الرَّيَّ مع الخليفة. وقاس المشايخُ على هذا طينَ بخارى، لأنَّ ممشَى الناسِ والدَّوابِّ فيها واحد، وعند ذلك رُويَ رجوعُه في الخُفّ حتى قال: إذا أصابَتْه عَذِرَةٌ يَطهُرُ بالدَّلْك، وفي الرَّوثِ لا يُحتاج إليه عنده.
وأمَّا قولُ النَّسائيِّ: هو طعامُ الجِنِّ ـ أي دَوابِّهم ـ فتفسيرٌ من حيث الشريعة لا من حيث اللغة، لِما روى مسلم والترمذي واللفظ له من حديث ابن مسعود (١) قال:
стр. 155
كبولِ فرسِ وما أُكِلَ، وخُرءِ طيرٍ لا يُؤكل. وأمَّا خُرءُ طيرٍ يوْكَلُ فطاهِرٌ
===
قال رسول الله ﷺ «لا تستنجوا بالرَّوثِ ولا بالعظام، فإنَّهُ زادُ إخوانِكم مِنْ الجِنّ».
(كبول فرسٍ وما أُكِلَ) أي لحمُه. وهذا مثالٌ للنَّجِس الخفيف عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: بولُ الفرس وما أُكِلَ لحمُه طاهر.
وقال مالك وأحمد: بولُ ما أُكِلَ وَرَوْثُه طاهرٌ، لحديث العُرَنِيِّين من أنه ﵊ أَمَرَهم بشُربِ أبوالِ الإِبل وألبانِها، وهو حديثٌ متفق عليه. ولِما رواه البَرَاءُ قال: قال رسول الله ﷺ «لا بأسَ ببولِ ما يُؤكلُ لحمُه». وفي روايةِ جابر: «ما أُكِلَ لحمُه فلا بأسَ ببوله». رواهما أحمد والدارقطني. ولحمُ الفرسِ مأكولٌ عند محمد.
ولأبي حنيفة وأبي يوسف قولُه ﵊: «استنزِهوا من البولِ فإنَّ عامَّةَ عذابِ القبرِ منه». أخرجه الحاكم عن أبي هريرة وقال: على شرطهما، ورواه الدارقطني عن أنس.
فيجوز عندهم شربُ بولِ ما يُؤكل لحمُه للتداوي وغيره، ويجوز عند أبي يوسف للتداوي.
ولا يجوز عند أبي حنيفة مطلقاً. وأُجيبَ عن إطلاقِ شُربه ﵊ للعُرَنِيِّين بأنه إمَّا منسوخ، أو اطلَّعَ ﵊ بالوحي أو المنام على أنَّ شفاءَهم فيه.
(وخُرءِ طيرٍ) بفتح الخاءِ وضَمِّها وسكون الراء (لا يُؤكل) أي لحمُه. وهذا أيضاً مثالٌ للنَّجِس الخفيف عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد مغلَّظ. وقيل: طاهر، وصحَّحه السَّرَخْسِيّ. فوَجْهُ الطهارةِ عدَمُ الأمرِ بتنحيةِ الطيور عن المساجد، وذلك دليلٌ على طهارةِ خُرئِها، ووَجْهُ التغليظِ أنه لا تكثر إصابتُه للثياب، وقد تغيَّر بطبع الحيوان فصار كخرء الدجاجةِ والبَطِّ. ووَجْهُ التخفيفِ عمومُ البلْوَى به والضرورةُ.
(وأمَّا خرءُ طيرٍ يُؤكلُ) أي لحمُه (فطاهِرٌ)، وبه قال مالك، لأنَّ في التوقي عنه حرجاً.
ونجَّسَه الشافعي لإِحالةِ الطبع إيَّاه إلى نَتْنٍ وفساد.
стр. 156
إِلا الدَّجاجَ فإنه غَلِيظٌ كسائرِ ما خرَجَ من المَخرجَيْنِ
===
ولنا أنَّ عبدَ الله بن مسعود خَرِئتْ عليه حمامةٌ فمسَحَهُ بإصبعه (١) . وابنُ عُمَر زَرَقَ عليه طائر فمسَحَهُ بحَصَاةٍ وصلَّى ولم يَغسله. ولأنَّ إجماعَ الناس على تركِ الحَمَامات في المساجد مع القدرةِ على إخراجها إجماعٌ منهم على طهارته، ولأنها تَزْرُقُ من الهواء، والحرَجُ لاحقٌ بسبب التوقي عن ذلك، فيَسقُطُ اعتبارُ نجاسته، بخلافِ الدجاجةِ والبطِّ لإِمكانِ التحامي عنه.
وفيه نظر، لاحتمالِ سقوطِ حكمِ القليلِ للضرورة، كما سقَطَ حكمُ قدْرِ الدرهم من المغلَّظة وما دون الرُّبع من المخفَّفةِ مع بقاءِ وصفِ النجاسة، ولا ضرورةَ إلى حكم الطهارة.
(إلا الدَّجاج) بفتح أوله ويُثَلَّث. وكذا البَطُّ الأهلي والأوَزُّ (فإنَّه غليظ) لأنَّ التوقِّي عنه لا حرَجَ فيه (كسائِر) أي كباقي (ما خرَجَ من المَخرجَيْن) وهو خُرء الفَرَس، وخُرءُ ما يؤكل لحمُه، وبولُ ما لا يؤكلُ لحمه، وخُرءُه، وبولُ الآدمي، وخُرءُه، ونَجْوُ الكلب، ورَجيعُ السباع، ولُعابُها لتولُّدِه من لحمها، وما يَنقُضُ الطهارةَ بخروجه من بَدَنِ الإِنسان، فهذه الأشياء نجاسَتُها غليظة اتفاقاً.
أمَّا عند أبي حنيفة فلورُودِ النَّصِّ في نجاستها من غير مُعارِض، وهو قولُه تعالى: ﴿ويُحرَّمُ عليهم الخبائثَ﴾ (٢) . والطباعُ السليمةُ تَستخبثُ هذه الأشياء. والتحريمُ لا لاحترامِها آيةُ نجاستِها. وأمَّا عندهما فلعدمِ مساغِ الاجتهاد في طهارتها.
وأمَّا خُرء الفأر وبولُه فمعفوٌّ عنه في الطعامِ والثوبِ لعدمِ إمكان التحامي عنه، لأنَّ الفأرة غالباً تخرجُ في الليالي وتَدخُل المضايق، بخلاف الماءِ فإنَّ حفظه ممكن، كذا في «شرح تحفة الملوك» للعَيْني.
وقال الشافعي وأحمد: يَكفي في بولِ الطفل الذي لم يَطْعَم ولم يَشرب إلا اللبنَ الرَّشُّ بالماء، ويَتعيَّنُ في بولِ الصَّبِيَّةِ الغَسلُ لورود النَّضْحِ في بولِ الصبيِّ دون الصَبيَّة.
وأجاب الطحاوي بأنَّ النَّضح الوارد في بول الصبيَّ المراد به الصبُّ، لما روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أُتي رسولُ الله ﷺ بصبيّ فبال عليه، فقال: «صُبُّوا عليه الماءَ صبّاً». قال: فعُلِمَ منه أنَّ حُكَم بولِ الغلام الغَسلُ، إلا أنَّه
стр. 157
والدَّمِ والخمرِ،
===
يُجزئِ فيه الصبُّ، وحُكمَ بولِ الجارية أيضاً الغَسلُ، إلا أنه لا يَكفي فيه الصبُّ، لأنَّ بولَ الغلام يكونُ في موضعٍ واحدٍ لضيقِ مخرجه، وبولَ الجارية يتفرَّقُ في مواضع لسعةِ مَخْرَجِها.
(والدَّمِ) أي وكالدَّمِ السائل، لا الباقي في عُروق لحمِ المذبوح، لقوله تعالى: ﴿أو دَماً مسفوحاً﴾ (١) . كذا لحمُ الميتةِ ذاتِ الدم وإهابُها قبل الدبغ، وليس دمُ البراغيث بشيء، لأنه ليس بدمٍ سائل، ولعدمِ إمكان الامتناع منه خصوصاً في زمان الصيف، لا سيَّما في حقّ من ليس له إلا ثوبٌ واحد ينام فيه، كما كان لأصحاب الصُّفَّة في عهد النبي ﷺ
(والخمرِ) لقوله : ﴿إنَّما الخمرُ والمَيْسِرُ والأنصابُ والأزلامُ رِجْسٌ﴾ (٢) .
قال ابنُ أمير الحاجّ في «شرح المُنية»: لم أقف في كتب المذهب على ذِكرِ الزَّبَادِ (٣) بطهارةٍ ولا نجاسة، والظاهرُ طهارتُه كما ذكره غيرُ واحد من متأخري الشافعية، قال شيخُنا، يعني ابنَ الهُمَام: وذاكرتُ بعض الإِخوان من المغاربة في الزَّبَاد فقلتُ: إنه يقال: إنَّه عَرَقُ حيوان مُحرَّمِ الأكل. فقال: ما يُحِيلُه الطَّبعُ إلى صلاحٍ كالطِّيبِيَّةِ يَخرجُ من النجاسة كالمِسك، انتهى. زاد البِرْجَندِي: فإنه وإن كان دماً فقد
стр. 158
ويُعفَى منه قدْرُ الدِّرهم. وهو مِقالٌ في الكثيف، وقدْرُ عَرْضِ الكَفّ في الرقيق.
وبولٌ انتَضَح مِثلَ رُؤس الإبَر ليس بشيء. وماءٌ ورَدَ على نَجَسٍ نَجِسٌ، كعكسه. ورَمادُ القَذَرِ طاهرٌ كحمارٍ صار مِلْحًا.
===
تغيَّرَ فصار كرَمَادِ العَذِرَة.
(ويُعفَى منه) أي من الغليظ (قدْرُ الدِّرهم).
قال الشافعي وزفر: لا يُعفَى من النجاسة شيء، لأنَّ النصَّ الموجِبَ لتطهير النجاسة لم يُفصِّل بين قليلها وكثيرها. وقال مالك: كلُّ نجاسةٍ سوى الدَّمِ لا يُصلَّى بشيءٍ منها، لأنها يُمكن الاحترازُ عن جنسها.
ولنا أنَّ القليل من النجاسة لا يمكن التحرُّزُ عنه فكان عفْواً. وقدَّرناه بالدرهم أخذاً من موضعِ الاستنجاء، قال النَّخَعِي: أرادوا أن يقولوا: قَدْرَ المَقْعَد فاستقبحوه، فقالوا: قَدْرَ الدرهم، لأنه لا يزيد على مساحة الدرهم. وعن محمد الاعتبارُ بوزنِ الدرهمِ الكبير الذي قَدْرُه مثقال. وعنه الاعتبارُ بمِساحةِ الدرهم، وهو قَدْرُ عَرْضِ الكَفّ. ووفَّق أبو جعفرٍ بين الروايتين فقال:
(وهو مِثقالٌ في الكثيف) كالخُرء (وقدْرُ عَرْضِ الكَفّ في الرقيق) كالبولِ والخمر، وذلك لقول عُمَر ﵁: مِثلُ ظُفري هذا لا يَمنع حتى يكونَ أكثرَ منه. وظُفُره كان قريباً مِنْ كفِّنا. ذكره العَيْني، وهو غريبٌ جداً.
(وبولٌ انتَضَح) أي على البائلِ ونحوِه (مِثلَ رُؤوس الإِبَر) وفي «شرح الكنز»: وكذا إذا كان مثلَ جانِبها الآخر (ليس بشيء) لأنه لا يمكن الاحترازُ منه.
(وماءٌ) بهمزة في آخره (ورَدَ على نَجَسٍ) بالفتح (نَجِسٌ) بالكسر، وبه قال مالك.
وقال الشافعي: ليس بنَجِس، لأمره ﷺ بصبِّ دلوٍ من ماء على بولِ الأعرابي الذي بالَ في المسجِد.
ولنا ما أشار إليه المصنِّفُ بقوله: (كعكسِه) وهو القياسُ على نَجَسٍ ورَدَ على ماءٍ، فإنه يَنْجُسُ اتفاقاً. وأُجيبَ عن حديث الأعرابي بأنه محمول على أنَّ الأرض كانت رَخْوَة، فيَنْقُلُ الماءُ بصبِّه فيها النجاسةَ إلى باطنها فيَطْهرُ ظاهرُها.
(ورَمَادُ القَذَرِ) بفتح القاف والذال المعجمة: العَذِرَةُ ونحوُها (طاهرٌ كحمارٍ صار مِلْحاً) بوقوعه في مِمْلَحة. ونظيرُه في الشرع النُّطفةُ نَجِسةٌ، وتَصيرُ عَلقَة وهي نَجِسة،
стр. 159
ويُصلَّى على ثوبٍ بطانتُه نَجِسة، وعلى طَرَفِ بساطٍ طَرَفٌ آخَرُ منه نَجسٌ، وفي ثوبِ ظهَرَ فيه مِن نَجَسٍ نُدُوَّةٌ لا يَقطُرُ شيء إِن عُصِرَ، أو وُضِعَ رَطْبًا على ما طُيِّنَ بطينٍ فيه
===
وتصيرُ مُضغةً فتَطهُر. والعصيرُ طاهرٌ. فيَصيرُ خمراً فيَنْجُس، فيَصيرُ خَلاً فيَطهُر، فعَرَفنا أنَّ استحالة العينِ تَستتبِعُ زوالَ الوصفِ المرتَّبِ عليها، لأنه استحالَ بطبعه وصُورته. وقال أبو يوسف: ليس بطاهر، لأن أجزاء ذلك النَّجَس باقية من وجه.
(ويُصلَّى على ثوبٍ) أي لا فيه (بِطانتُه نَجِسة) أمَّا إذا لم تكن البطانة مُضرَّبةً أو مَخِيطةً على الظِّهارة (١) فبالاتفاق، لأنه يكون كثوبينِ بُسِطَ الطَّاهِرُ منهما على النَّجِس. وأمَّا إذا كان أحدُهما مَخِيطاً على الآخر فعند محمد يجوز، لأنَّ الاتصال بينهما اتصالُ مجاورة لا اتصالُ تركيب، وعند أبي يوسف لا يجوز، لأنَّ اتصالهما اتصال تركيب، كما لو كانت النجاسة في حَشْوِ جُبَّتِه أو بِطانتِها.
(وعلى طَرِفِ بِساطٍ طَرَفٌ آخَرُ منه) وفي بعض النسخ: طرفه الآخرُ (نجسٌ) كبيراً كان البساطُ أو صغيراً، لأنه بمنزلة الأرض، فيُشتَرطُ فيه طهارة موضع الصلاة. فَقيدُ الطَّرَفِ اتفاقيٌّ. وقيل: إذا كان البساطُ كبِيراً بحيث لو رُفِعَ أحَدُ طرفيه لا يَتحرَّكُ الطَّرَفُ الآخَرُ جاز وإلا فلا، والأول أصح.
ثم الأصحُّ أنَّ النافِجة (٢) طاهرةٌ بكلِّ حال، سواء تكون من حيوانٍ مُذَكَّى أو غيرِ مُذَكَّى، على ما ذكره الزيلعي في «شرح الكنز».
(وفي ثوبٍ) عطفٌ على قوله: على ثوبٍ، أو على طرفِ بساط، أي ويُصلَّى في ثوبٍ (ظَهَرَ فيه مِنْ نَجَسٍ) بفتح الجيم (نُدُوَّةٌ) بضم النون والدال وتشديد الواو، أي رطوبةٌ قليلة بحيث (لا يَقطُر شيء) أي منه (إِنْ عُصِرَ) وفيه اختلافُ المشايخ (٣) .
(أو وُضِعَ) عطفٌ على ظهَرَ، أي ويُصلَّى في ثوبٍ وُضِعَ حالَ كونه (رَطْباً على ما) أي على شيءٍ (طُيِّنَ) بضم الطاء وتشديد الياء مكسورة، أي خُلِطَ (بطِينٍ فيه
стр. 160
سِرْقِين فيَبِسَ، أو نُسيَ محلُّ النجاسة منه، فغُسِلَ طرَفٌ منه، كحِنطةٍ بالَ عليها حُمُرٌ تَدُوسُها، فغُسِلَ بعضُها، أو ذهَبَ، فإنها تَطهُرُ.
[أَحْكامُ الاسْتِنْجَاء]
الاستنجاءُ
===
سِرْقِين) بكسر السين والقاف، أي عَذِرة (فيَبِسَ) عطْفٌ على طُيِّن.
(أو نُسِيَ) بصيغة المجهول، عطفٌ أيضاً على طُيِّنَ. و «أو» للتنويع، أي ويُصلَّى أيضاً في ثوبٍ نُسِيَ (محلُّ النجاسة منه فغُسِلَ طرَفٌ منه).
(كحِنطةٍ) أي مثلِ كُدْسِ حِنْطةٍ ونحوِها من شعير (بال عليها حُمُرٌ) وكذا بقَرٌ أو بغل (تَدُوسُها فغُسِلَ بعضُها أو ذهَبَ) أي بعضُها هِبةً، أو صدقةً، أو سرقةً، أو قسمةً، أو نحوَها. وفي نسخة: أو وُهِبَ بصيغة المجهول (فإنها تَطْهُرُ) لاحتمالِ أن يكون ما أصابته النجاسةُ هو البعضَ المغسول، أو البعضَ الذاهبَ، أو الموهوبَ، فاعتُبِرَ هذا الاحتمال لمكانِ الضرورة.
كذا قيَّده المصنِّفُ في «شرح الوِقاية»، وتَبِعَه بعضُ علمائنا. وتقييدهُ هذا، وكذا تقييدهُ في المتن بالحُمُر التي تَدُوسُها يَدلُّ على أنها لو تنجَّستْ الحنطةُ بغير ما ذكَرَه لا تَطْهرُ بهبةِ بعضِها، ولا بالقسمة لانعدام الضرورة. لكن ذكر في «الخلاصة»: أنَّ الكُدْس (١) إذا تنجَّس مطلقاً فقُسِمَ بين الدِّهْقان (٢) والعاملِ يُحكَمُ بطهارته. لكن الظاهر أنَّ غَسْلَ البعضِ أو هبته، وكذا ذهابُه بالقسمةِ إنما يُطهِّرُ إذا لم يكن كلٌّ من القسمين أقلَّ مما تنجَّس انتهى. فيُمكنُ أن يكون قيْدُ حُمُرٍ تَدُوسُها وقَعَ اتفاقاً. وقولُه للضرورةِ أي للجهالةِ ودُفِعَ الحرج في غَسْلِ الكلِّ.
وفي «المحيط»: ولو غسَلَ رجلَه ومَشَى على أرضٍ نَجِسةٍ فابتلَّتْ الأرضُ مِنْ بلَلِ رِجْلِه فإنْ لم يَظهر أثرُ بللِ الأرض في رِجْلِه وصلَّى جازت صلاتُه، وإن ظهَرَ لا يجوز. ولو مشَى على أرضٍ نجِسةٍ رَطْبةٍ ورِجلُه يابسةٌ تَتنجَّسُ.
(أحكام الاستنجاء)
(الاستنجاءُ) وهو مسْحُ موضعِ النَّجْوِ بنحوِ حَجَرٍ، أو غسْلُه. والنَّجْوُ: ما يَخرجُ من البطن. ويجوز أن تكون السينُ فيها للطَّلب، أي طَلَبَ النَّجْوَ لِيُزيلَه.
стр. 161
مِن كلِّ حَدَثٍ غيرَ النومِ والرِّيح، بنحوِ حَجرٍ حتى يُنقِيَه: سُنَّةٌ.
===
(مِنْ كلِّ حَدَثٍ) أي لأجلِ خارجٍ من أحَدِ السبيلين كالبولِ والغائطِ وما يكون له جِرْم (غيرَ النومِ والرِّيح) أي ونحوِهما من الفَصْدِ، والإِغماءِ، والجنونِ، والسُّكرِ، مما ليس له جِرْمٌ خارجٌ من أحَدِهما كالريح، أو ليس مما خَرَج من أحدِ السبيلين كالباقي، فإنَّ الاستنجاء منها بدْعة، فالاستثناءُ منقطِع.
وفي «شرح الوقاية» فإنْ قلتَ: إنْ قُيِّدَ الحدَثُ بالخارج من أحدِ السبيلين فاستثناءُ النوم مستدرَك، وإنْ لم يُقيَّد به فيُسنُّ الاستنجاءُ في الفَصْد ونحوِه. قلتُ: يُقيَّدُ بالخارج من أحدِ السبيلين، واستثناءُ النوم غيرُ مستدرَك، لأنه إنما يَنقُضُ لأنَّ فيه مظنَّةَ الخروج من السبيلين. انتهى.
وحاصلُهُ: أنَّ الاستثناءَ متَّصِل، ونُزِّلَ مَظِنَّةُ الخروجِ مقامَ تحقُّقِه. وإنهما إذا لم يُسنَّ الاستنجاءُ فيهما فبالأَولى غيرُهما. ولا يَخفى أنَّ ذِكر الريح مُغنٍ عن النوم، لأنه مع تحقُّقِ خروجِه من السبيلين إذا لم يكن داخلاً في الحكم فما يكون في مقام المظِنَّة أَولى، ففي الجملة ذِكرُ النومِ مستدرَك، إلا أنه قد تسامح بتقديمه، فالأظهر والأخصر أن يقال: مِنْ بولٍ أو غائط.
(بنحوِ حَجَرٍ) كخِرقةٍ ومَدَر (حتى يُنقيَه) من الإِنقاءِ أو التنقية، أي يُنظِّفَه ويُجفِّفه. والإِسنادُ حقيقي أو مجازي (سُنَّةٌ) أي إذا كان أقلَّ من قَدْرِ الدرهم (١) .
لِما روى البيهقي وقال: إنه أصحُّ ما في الباب وأعلاه ـ أي سنداً ـ عن مولى عُمَر قال: كان عُمَر إذا بال قال: ناوِلْني شيئاً أستنجي به، فأناوله العُودَ أو الحجَر، أو يأتي حائطاً يَتَمَسَّحُ به، أو يَمسُّ الأرضَ، (ولم يكن يَغسله) (٢) . والمرادُ بالحائط الجدارُ، وهو محمولٌ على جدارِ نفسه، إذ لا يجوز المسحُ بجدارِ غيرِه كالوقفِ ونحوه (٣) .
ولا يُشترطُ التثليثُ عندنا. كما أشار إليه بقوله: حتى يُنقيَه، فإنَّه يَحتمل الزيادةَ والنقصان، وكذا الشفعُ والوتر.
وقال مالك والشافعي وأحمد: يجبُ الاستنجاءُ بالماءِ أو بثلاثةِ أحجار، لِما روى
стр. 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أبو داود عن عُروة عن عائشة: أنَّ رسُول الله ﷺ قال: «إذا ذهب أحدُكم لحاجته فلْيَستطِبْ بثلاثةِ أحجار». وفي روايةٍ: «إذا ذهب أحدُكم إلى الغائط فلْيَذهبْ معه بثلاثةِ أحجار، فليَسْتطِبْ بها فإنَّها تُجزاء عنه». رواهما أبو داود والنسائي. وصحَّح الدارقطنيُّ إسنادَه. ولقولِ سلمان: نهانا رسولُ الله ﷺ أن نستقبل القِبلةَ بغائط أو بول، أو أن نستنجيَ باليمين، أو أن نستنجي بأقلَّ من ثلاثةِ أحجار، أو أن نستنجي برَجِيعٍ (١) ، أو عَظْم». رواه مسلم.
ولنا ما روى البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: أتى النبيُّ ﷺ الغائطَ ـ أي أراد إتيانَه ـ فأمرَني أن آتيه بثلاثةِ أحجار، فوجدتُ حجرينِ ولم أجد الثالث، فأتيتُه برَوْثةٍ فأخذَ الحجرينِ وألقى الروثةَ وقال: «هذا رِكْسٌ». أي رِجْس. ووجْهُ الدلالةِ أنه لو وجَبَ الثلاثةُ لطلَبَ بعدَ رمي الروثةِ حجراً ثالثاً.
وقال مالك والشافعي وأحمد: الاستنجاءُ واجبٌ لِما في «الصحيحين» عن ابن عباس: أنَّ النبي ﷺ مَرَّ بقبرينِ فقال: «إنَّهما لَيُعذَّبان وما يَعذَّبانِ في كبير: أمَّا أحَدُهما فكان لا يَستبراءُ من البول ـ وفي روايةٍ: لا يَستنزِهُ ـ وأمَّا الآخَرُ فكان يَمشي بالنمِيمة، فأَخذَ جريدةً رَطْبةً فشَقَّها نِصفينِ، فغَرَزَ في كلِّ قبرٍ واحدةً»، فقيل: لِمَ فعلتَ هذا يا رسول الله؟ قال: «لعلَّه أن يُخفَّفَ عنهما ما لم تَيْبَسا». ولأنَّ الطهارة بالماءِ من الأنجاس شَرْطُ جوازِ الصلاة فلا بُدَّ منها، إلا أنه اكتُفي بغيرِه في موضعِ الاستنجاء للضرورةِ والإِجماعِ فلا يجوز تركه.
ولنا ما روى أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حِبَّان، والطحاوي عن أبي هريرة ـ وحسَّنه النوويّ ـ قال: قال رسولُ الله ﷺ «من استَجمَرَ فليُوتِر، مَنْ فعَلَ فقد أَحسن، ومن لا فلا حَرَج». وقولُه: «من استجمر» أي استَنْجَى. وقد قال مالك: الاستجمارُ الاستطابةُ بالأحجار. وهو في «الصحيحين» بدون هذه الزيادة.
وأجاب البيهقي بأنَّ المراد فليُوتر بعدَ الثلاث، ورُدَّ بأن الأمرَ فيه للاستحبابِ بالاتفاق، لقوله: «مَنْ فعَلَ». وعنده (٢) الزيادةُ على الثلاثِ مع الإنقاءِ بدعةٌ، وبدونه
стр. 163
لا بعَظْمٍ ورَوْثٍ
===
واجبةٌ كما ذكره بعضُ علمائنا (١) .
لكن بقي الكلامُ في أصل المَرام، فإنّ هذا الحديث يدلُّ على أنَّ الإِيتارَ غيرُ واجب. والمدَّعى أن الاستنجاءَ نفسَه واجب أو سنة.
وأمَّا قولُ من قال: إنَّ الإِيتار يقعُ على الواحدة، فإذا لم يكن حرَجٌ في ترك الإِيتارِ لم يكن حرجٌ في تركِ الاستنجاء: ففيه نظر، فإنَّ المنفيَّ على هذا التقدير إنَّما هو الإِيتارُ ممن استَنجَى، وذلك لا يتحقَّقُ إلا بنفي إيتارٍ هو فوقَ الواحدة، فإنَّ بنَفْي الواحدةِ يَنتفي الاستنجاءُ، فلا يَصدُقُ نفيُ الإِيتارِ مع وجودِ الاستنجاء، فلا يَتمُّ الدليلُ إلا بصرفِ النفي إلى كلِّ ما ذكره، فيَدخلُ فيه أصلُ الاستنجاءِ ومجرَّدُ الإِيتار فيه، والمعنى مَنْ فعَلَ ما قلتُه كلَّه فقد أَحسنَ، ومنْ لا فلا حرج.
(لا بعَظْمٍ) لأنه يَجرحُ وكذا الزُّجاج (ورَوْثٍ) لأنه نَجِس. ولِما في «البخاري» من حديث أبي هريرة في: بَدْء الخلْق أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: «ابغِني أحجاراً أستَنفِضْ بها، ولا تأتني بعَظْمٍ ولا برَوْثة»، قلتُ: ما بالُ العظامِ والروثة؟ قال: «هما مِنْ طعامِ الجِنّ». فيه تغلِيبٌ أي العِظامُ طعامُ الجنّ، والرَّوثةُ علَفُ دوابَّهم، فإنَّ الله سبحانه يَخلُق في العظم ما كان فيه من اللحم، وكذا في الروثة.
وقد روى الترمذي مرفوعاً: «لا تسَتَنْجُوا بالرَّوثِ ولا بالعظام، فإنَّه زادُ إخوانِكم من الجِنّ». وروى مسلم عن جابر: نهى رسول الله ﷺ أن يُتمسَّحَ بعظمٍ أو بَعْر. وروى أبو داود عن ابن مسعود: لمَّا قَدِمَ وَفْدُ الجِنِّ على النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله إِنْهَ أُمَّتَك أن تستنجيَ بِعَظْمٍ أو رَوْثةٍ أو حُمَمة (٢) ، فإنَّ الله تعالى جعَلَ لنا فيها رِزقاً، فنهانا رسولُ الله عن ذلك.
وروى الطحاوي عنه أنه قال: سألت الجِنُّ رسولَ الله ﷺ في آخَرِ ليلةٍ لَقِيَهُم في بعضِ شِعابِ مَكَّة ـ الزادَ، فقال رسولُ الله ﷺ «كُلُّ عظمٍ يَقعُ في أيدِيكم قد ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عليه أوفَرُ ما يكون لَحْماً، والبَعْرُ عَلَفاً لدوابِّكم»، فقالوا: إنَّ بني آدم
стр. 164
ويَمينٍ، ثم غَسْلُه أدَبٌ.
===
يُنجِّسونه علينا، فعند ذلك قال: «لا تَستنجوا برَوْثِ دابَّةٍ ولا بعَظْم، إنه زادُ إخوانِكم الجِنِّ».
وبه يُعلم حُكمُ مطعومِ الناسِ وبهائمهم، مع أنَّ فيه إسرافاً وإضاعةً بلا ضرورة، فيكون منهيّاً عنهما.
(ويَمِينٍ) أي ولا يَمينٍ لما في «الكتب الستة» عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا بال أحدُكم فلا يَمسَّ ذكَرَه بيمينه، وإذا أَتى الخلأَ فلا يَتمسَّحْ بيَمِينه، وإذا شَرِبَ فلا يَشرب نَفَساً واحداً». أي بل يَشربُ بنَفَسينِ أو ثلاثٍ مِنْ الفَصْل. ومعنى قوله: «لا يَتمسَّحْ» لا يَستنجِ بيَمِينه في البولِ والغائط، فَيَنبغي أن يأخذَ الحجرَ بيمينه، ويُمسكَ الذكَرَ بيساره، ويُحرِّكَ الذكَرَ دون الحجر. وروى أبو داود عن عائشة: كانت يَدُ رسولِ الله ﷺ اليُمنى لِطهُورِه، وكانت يَدُه اليُسرى لِخلائِه وما كان مِنْ أذى. ورُوي عن حفصة نحوُه.
(ثم غَسْلُه) أي غسلُ المحلِّ بعدَ تنظيفِه بنحوِ الحجر (أدَبٌ) أي مستحبٌّ لِما روى البزَّار في «مسنده»: عن ابن عباس قال: نزلتْ هذه الآيةُ في أهلِ قُباء ﴿فيه رجالٌ يُحِبُّونَ أن يَتَطهَّروا واللهُ يُحِبُّ المتطهِّرين﴾ (١) . أي المبالِغين في الطهارةِ والنظافة، فسألهم رسولُ الله ﷺ فقالوا: إنا نُتْبِعُ الحجارةَ الماءَ. فهذا وجْهُ اختصاصِهم.
وقيل: هو سُنَّةٌ في زماننا لِما روى البيهقي في «سننه» وابن أبي شيبة في «مصنَّفه» عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: مَنْ كان قبلَكم كانوا يَبْعَرُون بَعْراً، وأنتم تَثْلِطون ثَلْطاً (٢) ، فأتبعُوا الحجارةَ الماءَ.
ثم الغَسْلُ وحدَه أفضلُ من التنقيةِ بالحجَرِ ونحوِه، لإِزالةِ النجاسة بالكلية، ولِما في «الصحيحين» عن أنس قال: كان رسولُ الله ﷺ يَدْخُلُ الخلاءَ فأحمِلُ ـ أنا وغلامٌ نَحْوِي ـ إداوةً (٣) من ماءٍ وعَنَزةً (٤) ، فيَستنجي بالماء. وفي «سنن أبي داود»: عن أبي
стр. 165
وإن جاوَزَ المخرَجَ أكثرُ مِن درهم فواجب، فيَغسِلُه ببطونِ الأصابع بعدَ غَسْلِ اليد
===
هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أَتى الخلاءَ أَتيته بماءٍ في تَوْرٍ (١) أو رِكْوَة (٢) ، فاستَنْجَى، ثم مسَحَ يدَهُ على الأرض، ثم آتيهِ بإناءٍ آخَرَ فيتوضَّأ.
ومما يدلُّ على مواظبتِه ﵊ الموجبِةِ لكونه سُنَّةً، ما رواه ابن ماجه عن عائشة قالت: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ خرجَ من غائطٍ قطُّ إلا مسَّ ماءً.
(وإن جاوَزَ المخرَجَ أكثرُ مِنْ درهمٍ) أي من النجاسة. ورُوي «أكثَرَ» بالنصب، أي جاوَزَ الحَدَثُ المذكورُ حالَ كونِ ذلك الحدَثِ المجاوِزِ أكثرَ من درهم، أو مجاوزَةً أكثرَ من درهم (فواجبٌ) أي غَسْلُ المجاوِز، لأنَّ ما على المَخْرَجِ إنَّما اكتُفي منه بغيرِ الغسل للضرورة، ولا ضرورةَ في المجاوِز.
وعبارةُ «الكنز»: ويجبُ إن جاوَزَ النَّجَسُ المخرَجَ، ويُعتَبَرُ القَدْرُ المانعُ وراءَ موضعِ الاستنجاء. أمَّا لو جاوَزَ المخرجَ قدْرُ الدرهم فعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يجبُ غَسْلُه، وعند محمد: يجبُ غَسْلُهُ ولو قلَّ، بناءً على أنَّ المخرَجَ كالظاهِر وهو قولُ محمد، وكالباطِنِ وهو قولُهما (٣) .
(فيَغسِلُه ببطونِ الأصابع) أي مِنْ يدِه اليُسرَى، ولا يُقدَّرُ غَسْلُه بعدَدٍ، لأنَّ النجاسة مَرْئِيَّة، ويدَلُّ على إزالتِها ذهابُ مُلَامَستِها، إلا أنه يُقدَّرُ لقطعِ الوسوسةِ بالثلاث، وقيل: بالسَّبْع. (بعدَ غَسْلِ اليد) لأنها آلةٌ.
ويُستحَبُّ الاستبراءُ من البولِ بتنَحْنُحٍ، أو مشيٍ، أو مسْحِ ذكَرٍ. ولا يُبالِغُ فيه، لأنه يُورِثُ الوسوسةَ الموجبةَ للشبهة، فقد ورد عن أبي هريرة عنه ﷺ «استنزهوا من البول، فإنَّ عامَّة عذاب القبر منه». رواه الحاكم في «مستدركه» والدارقطني في «سننه» واللفظ له. وعن ابن عباس عنه ﷺ «إنَّ عامَّة عذاب القبر من البول، فتنزَّهوا منه». رواه الحاكم والدارقطني والطبراني (٤) .
стр. 166
مُرْخِيًا مَخْرَجَه بِمبالغةٍ، ثمَّ يَغسِلُ اليدَ. وكُرهِ استقبالُ القِبلةِ واستدبارُها في الخلاء.
===
(مُرْخِياً مَخْرَجَه بمبالغةٍ) أي إرخاءً بصفةِ المبالغة إلا حالَ الصوم (ثمَّ يَغسِلُ اليدَ) أي ثانياً دفعاً للرائحة الكَرِيهة، ولو مَسَحها بترابٍ أو رمادٍ ثم غسَلَها فهو أفضل.
(وكُرِهَ) أي كراهةَ تحريم (استقبالُ القِبلةِ واستدبارُها في الخلاءِ) بالمدّ: مكانُ التغوُّطِ والبول.
وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يُكرَهُ ذلك في البناء لِم روى أبو داود والحاكم وقال: على شَرْطِ البخاري، عن مروان قال: رأيتُ ابنَ عُمَر أناخَ راحلتَه وجَلَس يَبولُ إليها، فقلتُ: يا أبا عبد الرحمن قد نُهِيَ عن هذا؟ قال: إنما نُهيَ عن ذلك في الفَضَاء، فإذا كان بينك وبين القِبلةِ شيء يَستُرك فلا بأس.
ولنا ما في «الكتب الستة»: عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أتيتُم الغائطَ فلا تستقبِلوا القِبلة، ولا تستدبِروها، ولكنُ شرِّقوا أو غرِّبوا». والمعنى: توجَّهوا إلى جانبِ الشرقِ أو الغرب. ولا يَلزمُ منه جوازُ استقبالِ الشمسِ والقمر، فتدبَّرْ. قال أبو أيوب: فَقَدِمْنا الشامَ فوجدنا مراحيضَ قد بُنيَتْ نحوَ الكعبة، فنَنْحرِفُ عنها ونستغفرُ الله .
وعن أبي حنيفة لا يُكرَه الاستدبارُ لِما روى الترمذي عن ابن عُمَر قال: ارتقيتُ على ظهرِ بيتٍ لنا فرأيتُ رسولَ الله ﷺ مستقبِلَ الشامِ مستدبِرَ الكعبة. وفي رواية «الشيخين» عنه: ارتقيتُ فوقَ بيتِ حفصة لبعضِ حاجتي، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ يَقضي حاجتَه مستدبِرَ القِبلةِ مستقبِلَ الشام.
قلنا: يُحتَملُ أن يكون لعُذرٍ وضرورةٍ كما في حديث السُّباطة (١) ، بدليلِ أحاديثَ أُخرَ منها قولُه ﵊: «إنَّما أنا لكم مثلُ الوالدِ لولدهِ أُعلِّمُكم، إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القِبلة، ولا تستدبروها». رواه ابن ماجه والدَّارمي.
ولو أَقعدَتْ المرأةُ ولدَها للبولِ نحوَ القبلة يُكره، ولو مَدَّ مكلَّفٌ رِجْلَه نحوَ القِبلةِ أو نحوَ كتبِ فقهٍ يُكرَه (٢) ، والله تعالى أعلم.
стр. 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومما يُكرَهُ أيضاً التكلُّمُ لقوله ﵊: «لا يَخْرُجُ الرجلانِ يَضرِبانِ الغائط كاشفينِ عن عورتيهما يتحدَّثان، فإنَّ الله يَمْقُتُ على ذلك». رواه أبو داود. ورَوَى أيضاً عن ابن عُمَر: مَرَّ رجلٌ على رسول الله ﷺ وهو يبولُ فسلَّمَ عليه فلم يَرُدَّ عليه.
ومما يُكرَهُ استقبالُ الشمسِ والقمرِ (١) احتراماً لهما، وقد ورد أنهما يَلعنانِ عليه (٢) ، كذا في «المَدخَل». وكذا استقبالُ مهبِّ الريحِ لئلا يُصِيبَه رَشاشُ بولِه، وكذا التخلِّي في الطريقِ، ومجتمَعِ الناس، وتحتَ شجرٍ يُستظَلُّ به، لقولِه ﷺ «اتَّقُوا اللاَّعِينَيْن، قالوا: وما اللاعِنانِ يا رسول الله؟ قال: «الذي يَتخَلَّى في طريقِ الناسِ أو في ظِلِّهم». رواه مسلم. وقولِه ﵊: «اتَّقُوا الملاعِنَ الثلاثةَ: البَرَازَ في الموارِد (٣) ، وقارعةِ الطريق (٤) ، والظلِّ». رواه أبو داود وابن ماجه.
ومن الآدابِ: تقديمُ الاستعاذةِ، لقوله عليه الصلاة والصلام: «إنَّ هذه الحُشُوشَ (٥) مُحتَضَرةٌ (٦) ، فإذا جاء أحدُكم الخلاءَ فليقُل: أعوذُ باللهِ من الخُبُثِ والخبائث». رواه أبو داود وابن ماجه. «كان ﵊ إذا دَخَلَ الخلاءَ يقولُها». متفق عليه.
ومنها: تقديمُ الرِّجْلِ اليُسرَى في الدخولِ فيه، واليُمنَى في الخروجِ منه تكريماً لها اعتباراً لها باليد.
ومنها: أن يقول بعدَ خروجِه منه: «الحمدُ للهِ الذي أَذهب عنيَ الأَذَى وعافاني». هكذا رواه ابن ماجه عنه ﷺ وروى هو وأبو داود والترمذي: «غُفرانَك». وفي روايةٍ: كان يقولُ: «الحمدُ لله الذي أَذهبَ عني ما يؤذيني، وأَبقى عليَّ ما ينفعني».
ومنها: أنْ يُبعِدَ في البَراز، لأنه ﵊ كان إذا أراد البَرازَ انطلق حتى لا يَراه أحد.
стр. 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومنها: أن يبول في مكانٍ ليِّنٍ، لأنه ﵊ أراد ذات يَومٍ أن يبول فأتى ومشى في أصل جدار فبالَ ثم قال: «إذا أراد أحدُكم أن يبولَ فليَرْتَدْ لبولِه موضعاً (١) ».
ومنها: أن لا يَرفعَ ثوبَه قائماً، «لأنه ﵊ كان إذا أراد حاجةً لا يَرفَعُ ثوبَه حتى يَدنُوَ من الأرض».
ومنها: أن لا يبولَ في موضعِ طُهْرِه، لقوله ﵊: «لا يَبُولَنَّ أحدُكم في مُسْتَحَمِّه ثم يَغتَسِلَ فيه أو يتوضَّأ فيه، فإنَّ عامَّة الوسواسِ منه».
ومنها: أن لا يبولَ في جُحْر، نَهى النبيُّ ﷺ أن يُبالَ في جُحْر. رواها أبو داود (٢) . وقيل: لأنه مساكنُ الجِنّ.
ومنها: أنْ يَنْضَحَ فَرْجَه بالماء، لقولِ زيد بن حارثة عنه ﵊: «إنَّ جبرائيلَ أتاه أوَّلَ ما أُوحيَ إليه يُعلِّمُه الوضوء والصلاة، فلمَّا فرَغَ من الوضوءِ أخذَ غَرْفةً من الماءِ فنَضَح بها فَرْجَه». رواه أحمد والدارقطني.
ومنها: أن لا يبولَ قائماً، لقول عُمَر: رآني النبيُّ ﷺ وأنا أبولُ قائماً فقال: «يا عُمَرُ لا تَبُلْ قائماً». قال: فما بُلتُ قائماً بَعْدُ. رواه الترمذي وابن ماجه. وأمَّا بولُه ﵊ في السُّباطةِ قائماً فقد كان لعُذْرٍ، لقولِ عائشة ﵂: مَنْ حدَّثَكم أنَّ النبي ﷺ كان يبولُ قائماً فلا تُصدِّقُوه. رواه أحمد والترمذي والنَّسائي.
وقد ضبَطَه بعضُ العلماء ضبطاً جَيِّداً فقال: يجوزُ الاستنجاءُ بكلِّ جامدٍ طاهرٍ مُنَقَ قَلاعٍ للأثرِ، غيرِ مؤذٍ، ليس بذي حُرمةٍ ولا سَرَفٍ، ولا يَتعلَّقُ به حقٌّ للغير. انتهى.
ويُستفادُ منه كما صَرَّح به بعضُ الحنفيةِ والشافعية: أنه يُكرَهُ الاستنجاءُ بالورقِ المجرَّد (٣) ، وجُوِّزَ به إذا كان فيه عِلمُ المنطِق إذا لم يكن فيه ذِكرُ الله وذِكرُ رسولِه،
стр. 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وكذا الشِّعْرُ المذمومُ الخالي عن ذكرِهما (١) .
ولا يجوزُ بذهبٍ أو فضَّةٍ ونحوِهما لإِضاعةِ المال. ولا بثوبِ حريرٍ وغيرِه لما فيه من الإِسراف، ولا في وِعاءٍ من ذهبٍ أو فضَّة، فإنَّ استعمالَهما حرام مطلقاً.
هذا، وقد ذكَرَ ابنُ عَطِيَّة في تفسير قوله تعالى: ﴿فلْيَنظُرِ الإِنسانُ إلى طعامِه﴾ (٢) ذهَبَ أُبَيُّ بنُ كعب، وابنُ عباس، والحسَنُ، ومجاهدٌ وغيرُهم إلى أنَّ المرادَ: إلى طعامِهِ إذا صار رَجيعاً (٣) ، ليتأَمَّل حيث تصيرُ عاقبةُ الدُّنيا ولذَّاتِها؟ وعلى أيِّ شيءٍ يَتفانى أهلُها في حالاتها؟ وهذا نظيرُ ما رُوي عن ابن عُمَر: إنَّ الإِنسان إذا أَحدَث فإنَّ مَلَكاً يأخذُ بناصيتِه عندَ فراغِه، فَيَرُدُّ بصرَه إلى نَجْوهِ مُوَقِّفاً له ومُعَجِّباً، فينفعُ ذلك مَنْ كان له قَلْب أو أَلقَى السمعَ وهو شهيد.
والله تعالى أعلمُ بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كتاب الصَّلَاةِ
وهي أمُّ العبادات، وأساسُ الطاعات، وماحيةُ الذُّنُوب، ونَاهِيَةُ السيئات. وقدَّمَ عليها كتاب الطهارة التي هي من شرائطها، لكونها مِفْتَاح الصَّلاة، ومِصْبَاح الصلاة. ومسائلها الكثيرة من المهمات.
ثمَّ هي في اللغة: الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِم إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١) . وقوله عليه الصلاة السلام: «وصلَّت عليكم الملائكة» (٢) . وقوله: «إذا دُعِيَ أحدكم إلى طعامٍ فليُجِبْ، فإن كان مُفْطِراً فليأكُل، وإن كان صائماً فلْيُصَلِّ» (٣) ، أي: فَلْيَدْعُ لصاحبه بالخير والبركة.
وفي الشرع: الأفعال المعلومة المعهودة من الشرائط والأركان المعدودة.
وكان فرض الصلوات الخمس ليلة المِعْرَاج ـ وهي: ليلة السبت لسبع عشرة خَلَتْ من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً ـ من مكة إلى السماء. ومن يَرَى أنَّ المِعْرَاج من بيت المقدس، وأنه مع الإسراء في ليلةٍ واحدةٍ، فليلةُ الإسراء قبل الهجرة بسنة لسبع عشرة من شهر ربيع الأول، وبه جَزَم النووي في «شرح مسلم»، قال ابن الأثير: إنه الصحيح. أو لاثنتي عشرة من شهر ربيع الأول على حَسَب اختلافهم، هذا هو المشهور.
وعن الزُّهْرِي: أن الإسراء، وفَرْضَ الصلوات الخمس، كان بعد البعث بخمس سنين. وفي سِيَر «الروضة» للنووي: أنه كان في رَجَب. وكانت الصلاة قبل الإسراء صلاتين: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها. قال تعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بَالْعَشِيِّ والإِبْكَارِ﴾ (٤) .
стр. 171
وَقْتُ الصُّبْح من الفَجْرِ المُعْتَرِضِ في الأُفُقُ إلى الطُلُوعِ
===
ثم العبادة نوعان: مُوَقَّتة كالصلاة، وغير مُوَقَّتة كالزكاة، قال تعالى: ﴿إنّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ (١) أي فرضاً مُوَقَّتاً.
(وَقْتُ الصُّبْحِ) أي صلاته، وبدأ به، لأنه لا خِلَاف في أَوَّله وآخره، أو لأنه أول النهار الشَّرْعي، أو لأنه كان مفروضاً من قبل. وبدأ محمد ﵀ في «الأصل» بوقت الظهر، لأن جبرائيل في بيان الأوقات بدأ به.
(مِنَ الفَجْرِ المُعْتَرِضِ) أي الذاهب (في الأُفْقِ) عَرْضاً، ويُسَمَّى صادقاً. واحترز به عن الفجر المُسْتَطِيل الذي يَبْدَأُ كذَنَبِ الذئب، ثم يَعْقُبُه الظلام، ولهذا يُسَمَّى كاذباً، ولقوله ﵊: «لا يَمْنَعَنَّكم من سَحوركم أذان بلال ولا الفجر المُسْتَطِيلِ، ولكن الفجر المُسْتَطِير في الأُفُقِ». هكذا في الترمذي، وفي «الصحيحين»: «لَا يُغَرَّنكم أذان بلال ولا الفجر المُسْتَطِيل، إنما الفجر المُسْتَطِير في الأفُق». وروى أبو داود في «سننه» عن بلال: أن رسول الله ﷺ قال له: «لا تُؤَذِّن حتى يسْتَبِين لك الفجر»، ومدَّ يَدَهُ. وسكت عنه أبو داود.
ثم يمتد الوقت منه (إلى الطُّلُوعِ) أي إلى طلوع الشمس إجماعاً، ولقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ (٢) ، ولما في مسلم أنه ﵊ قال: «وقت صلاة الفجر: ما لم يَطْلُع قَرْنُ الشمس الأوَّل، ووقت صلاة الظهر: إذا زالت الشمس عن بطن السماء، ما لم يَحْضُر العصر، ووقت صلاة العصر: ما لم تَصْفَرَّ الشمس ويَسْقُط قرنها الأول، ووقت صلاة المغرب: إذا غابت الشمس، ما لم يَسْقُط الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل».
وفي رواية أخرى لمسلم: «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يَحْضُر العصر. ووقت العصر ما لم تَصْفَرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يَغِبِ الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تَطْلُع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمْسِك عن الصلاة، فإنها تَطْلُع بين قرني الشيطان».
ولِمَا روى أبو داود، والطَّحَاوي، والترمذي وقال: حسنٌ صحيحٌ، والحاكم وقال: صحيحُ الإسناد، عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «أمَّنِي جبرائيل عند البيت مرتين، فصلّى الظهر في الأولى حين كان الفَيءُ مثل الشِّرَاك، ثم
стр. 172
والظّهرِ من الزَّوالِ إلى بُلُوغ ظِلِّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَيهِ، سَوِى فَئ الزَّوَالِ، وفى روايةٍ: مِثْلهُ.
===
صلّى العصر حين كان كل شيء مثل ظلِّه، ثم صلّى المغرب حين وَجَبَتِ الشمس ـ أي سَقَطَتْ ـ وأفطر الصائم، ثم صلّى العِشَاء حين غاب الشَّفَقُ، ثم صلَّى الفجر حين بَزَغ الفجر ـ أي طَلَع ـ وحَرُم الطعام على الصائم. وصلّى المرة الثانية الظهر حين كان ظلُّ (كل) (١) شيءٍ مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلّى العصر حين كان ظلُّ كل شيء مِثْلَيْه، ثم صلّى المغرب لوقته الأوّل، ثم صلّى العشاء الآخرة حين ذهب ثُلُث الليل، ثم صلّى الفجر حين أَسْفَرَتِ الأرض ـ أي أضاءت ـ ثم التفت إليّ جبرائيل، فقال: هذا وقت الأنبياء من قَبْلِك، والوقت فيما بين هذين الوقتين».
(والظُّهْرُ) أي وقت صلاته (مِنَ الزَّوَالِ) أي زوال الشمس عن وسط السماء، مبدأً (إلى) مَبْدَءِ (بُلُوغِ ظُلّ كل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ) أي قائم على مكان مستوي السطح (سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ) وهو الظلُّ الذي يكون للأشياء وقتَ زَوَال الشمس.
(وفي رِوَايةٍ) رواها الحسن عن أبي حنيفة: إلى بلوغ ظلّ كل شيءٍ (مِثْله) سوى فيء الزوال، وهي قول مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد وزُفَر، وهو الأظهر لبيان جبرائيل أول وقت كل صلاة بفعله وآخره ـ غير المغرب ـ كذلك، ثم قوله: «الوقت فيما بين هذين الوقتين» في رواية ابن عباس، و: «ما بين هذين وقتٌ كلُّه» في رواية جابر.
وعن أبي يوسف: خالفتُ أبا حنيفة في وقت العصر، فقلت: أوله إذا زاد الظل على قامة (٢) ، اعتماداً على الآثار التي جاءت، وهو إشارة إلى ما ذكرنا. وفي روايةٍ رواها أسدً بن عمرو، عن أبي حنيفة، واختاره الطحاوي: إذا صار ظل كل شيء مثله، خرج وقت الظهر، ولا يَدْخُل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مِثْلَيْه.
لهم: إمامة جبرائيل للنبي ﷺ على ما رواه ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو مسعود الأنصاري، وأبو هريرة، وعمرو بن حَزْم، وأبو سعيد الخُدْرِي، وأنس بن مالك، وابن عمر ﵃.
فأمّا حديث ابن عباس، فقد تقدَّم.
وأمّا جابر، فقال: جاء جبرائيل ﵇ إلى النبي ﷺ حين مَالَتِ الشمس، فقال: قُمْ يا محمد فصلِّ الظهر حين مالت الشمس، ثم مَكَثَ حتى إذا كان فيء
стр. 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الرَّجُلِ مثلَه، جاءه للعصر، فقال: قُمْ يا محمد فَصَلِّ العصر، ثم مَكَثَ حتى غابت الشمس، ثم جاءه، فقال: قُمْ فَصَلِّ المغرب، فصلاَّها حين غابت الشمس سواء، ثم مَكَثَ حتى غاب الشَّفَقُ، ثم جاءه، فقال: قُمْ فصَلِّ العشاء، فقام فصلاَّها، ثم جاءه حين سَطَعَ (١) الفجر بالصبح، فقال: قُمْ يا محمد فصَلَّ الصبح، ثم جاء حين كان فيء الرَّجُل مثلَه، فقال: قُمْ يا محمد فَصَلِّ، فصلّى الظهر، ثم جاءه حين كان فيء الرجل مِثْلَيْهِ، فقال: قُمْ يا محمد فَصَلِّ، فصلَّى العصرَ، ثم جاءه المغرب حين غابت الشمس وقتاً واحداً لم يَزْل عنه، فقال: قُمْ يا محمد صَلِّ، فصلّى المغرب، ثم جاءه للعشاء حين ذَهَبَ ثُلْثُ (٢) الليل، فقال: قُمْ يا محمد فَصَلِّ، فصلَّى العشاء، ثم جاءه للصبح حين أَسْفَرَ جداً، فقال: قُمْ يا محمد فَصَلِّ، فصلَّى الصبح، ثم قال: «ما بين هذين وقتٌ كله». قال الترمذي: قال محمد بن إسماعيلَ ـ يعني البخاري ـ: حديث جابر أصحُّ شيءٍ في المواقيت.
وأمّا أبو مسعود الأنصاري، فقال نحواً من قول جابر، وزاد ذكر عدد ركعات الصلاة. رواه إسحاق بن رَاهُويَه في «مسنده» والبيهقي نحوه.
وأمّا أبو هُرَيْرة، فقال: قال رسول الله ﷺ «هذا جبرائيل جاء يعلمكم دينكم، فصلّى الصُّبْح حين طَلَع الفجر … »، ولفظه قريب مِمَّا تقدَّم. رواه الطَّحَاوي والنَّسائي.
وأمّا عمرو بن حَزْم، فقال: «جاء جبرائيل فصلَّى بالنبي ﷺ وصلَّى بالناس حين زالت الشمس الظهرَ»، كما تقدَّم.
وأَمّا أنس، فقال: إن جبرائيل أتى النبي ﷺ بمكة حين زالت الشمس، فأمره أن يُؤَذِّن للناس بالصلاة حين فُرِضَت عليهم، فقام جبرائيل أمام النبي ﷺ وقام الناس خلف رسول الله ﷺ قال: فصلّى أربع ركعات لا يَجْهَرُ فيها بقراءة، فَأْتَمَّ الناسُ برسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يَأْتَمُّ بجبرائيل ﵇. فَذَكر عدم الجهر في الظهر والعصر، والجهر في أُوْلَيي (٣) المغرب والعشاء، وفي الفجر، وعدمه في الثالثة والأُخْرَيَيْنِ. رواه الدَّارَقُطْنِي مُسْنَداً، وأبو داود مرسلاً، وهو الأصح.
стр. 174
والعَصْرِ مِنهُ إلى الغُروبِ
===
ولأبي حنيفة ما في «الصحيحين»: أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجلٍ استأجر أجِيراً، فقال: من يَعْمَل لي من غُدْوَة إلى نصف النهار على قِيرَاطٍ فعملتِ اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى غروب الشمس على قيراطين، فأنتم هم. فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: كنا أكثر عملاً، وأقل عطاء. قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئاً؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أُعْطِيه من أشاء». ومن المعلوم أنه لا يكون النصارى أكثر عملاً، إلاّ إذا كان وقت العصر من صيرورة ظل كل شيء مِثْلَيْه.
فإن قيل: من الزوال إلى صيرورة ظل كل شيء مثله (١) أكثر من وقت صيرورة ظل كل شيء مثله إلى آخر النهار، فيتحقّق كون النصارى أكثر عملاً على هذا التقدير. أُجِيبَ بأن التفاوت بين هذين الوقتين لا يعرفه إلاّ الحُسَّاب، والمراد من الحديث تَفَاوُتٌ يظهر لكلِ أحد من الأمة. وإذا تعارضت الآثار لا ينقضي (٢) الوقت بالشك، أو ينقضي (٣) ولا يدخل (الثاني) (٤) بالشك على القولين. قال أبو يوسف: هذا استدلالٌ حسنٌ، لكن النص الذي رَوَيْنَا فوق هذا.
وفي «المحيط»: ومعرفة الزوال بأن تُغْرَزَ خشبةٌ مستويةٌ في أرضٍ مستويةٍ قبل الزوال، فما دام الظل يَنْقُص لم تَزُل الشمس، فإذا لم يَظْهَر له زيادة ولا نقص، فهو وقت الظهيرة ـ أي الاستواء ـ فإذا أخذ الظل في الزيادة، فقد زالت الشمس، فخُطَّ على رأس الزيادة خطاً، فيكون من الخط إلى العود فيء الزَّوَال، فإذا صار الظل من الخط مِثْلَيْن أو مِثْلاً على الخلاف، فهو وقت (العصر) (٥) . هذا، ووقت الجمعة: وقت الظهر. وعند مالك: لا يَخْرُج إلى المغرب، وعند الحنابلة: يجوز قبل الزَّوَال.
(والعَصْرِ) أي ووقت صلاة العصر (مِنْهُ) أي من آخر وقت الظهر على الروايتين (إلى الغُرُوبِ) أي غَيْبُوبة الشمس كلها. وقال الحسن بن زياد: إلى الاصفرار، لِمَا رَوَى مسلم من حديث عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ قال: «وقت العصر ما لم تَصْفَرَّ الشمس».
ولنا: ما في «الكُتُب الستة» من حديث أبي هُرَيْرة: أن رسول الله ﷺ قال: «من
стр. 175
والمَغْرِبِ مِنْهُ إلى غَيْبَةِ الشَّفَقِ:
===
أدرك ركعة من العصر قبل أن تَغْرُب الشمس، فقد أدرك العصر». وأُجِيبَ عن حديث عبد الله بن عمر: بأنه محمولٌ على وقت الاختيار.
هذا، وفي «شرح الآثار» للطحاوي: مذهب أصحابنا: أن الوسطى هي صلاة العصر. قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم، وسُمِّيَت على هذا وُسْطَى، لأنها بين نَهَارِيَّتَيْنِ وبين لَيْلِيَّتَيْنِ. وروى الترمذي وقال: صحيح الإسناد، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «الصلاة الوسطى: صلاة العصر» وعن مالك، وهو نصُ الشافعي في «الأُمِّ»: أنها الصُّبْح، وهو قول عمر، ومُعَاذ، وجابر، وعطاء، وعِكْرِمة، ومُجَاهِد، والربيع بن أنس. «وفي كشف المُغَطَّى عن الصلاة الوسطى» للحافظ الدِّمْيَاطي: أن فيها سبعة عشر قولاً.
قلت: وإذا صَحَّ الحديث، فلا معنى للاختلاف أصلاً.
ثم الإمام مالك شَرَّك بين الظهر والعصر إذا صار ظل كل شيء مثله بقدر أربع ركعات، حتى لو صُلِّيَت الظهر والعصر من يومين في ذلك الوقت، كانت أداءً عنده، لِمَا تقدَّم من إمامة جبرائيل الظهر والعصر من يومين في ذلك الوقت. وظاهرها يدلُّ على التشريك.
قلنا: معناه صلّى الظهر حين قَرُب الظل من مثله بدليل ما روينا من قوله ﷺ «ووقت الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء، ما لم يَحْضُر العصر». وما في الترمذي من قوله ﷺ «إن للصلاة أولاً وآخراً، وإن أول وقت الظهر حين تزولُ الشمس، وآخرها حين يدخلُ وقت العصر، وأول وقت صلاة العصر حين يدخلُ وقتها، وإن آخر وقتها حين تَصفرُّ الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تَغْرُب الشمس، وإن آخر وقتها حين يَغِيبَ الشَّفقُ، وإن أول وقت العشاء حين يَغِيبُ الشَّفقُ». وكذا شَرَّك (١) ما بين العشاءين بقدر أحدهما فيما قبل مغيب الشفق.
(والمَغْرِبِ) أي وقت صلاة المغرب (مِنْهُ) أي من الغروب، لِمَا روى أبو داود، والترمذي وقال: حسنٌ صحيحٌ، عن سَلَمة بن الأكَوْع: أنه ﷺ كان يصلِّي المغرب إذ غَرَبت الشمس وتوارت بالحجاب. وهو ممتدٌ.
(إلى غَيْبَةِ الشَّفَقِ): وهو: البياض الذي يَعْقُب الحُمْرَة عند أبي حنيفة، وأحمد، والمُزَني، وطائفة من الفقهاء وأهل اللغة، وعن أحمد: أنه في السفر
стр. 176
هُوَ الحُمْرَةُ، وبِهِ يُفْتى
===
الحُمْرة، وفي الحَضَر البياض، لقوله ﵊: «وآخر وقت المغرب إذا اسودّ الأفق». أبو داود من حديث أبي مسعود الأنصاري، وفيه: «ويصلِّي العشاء حين يسودّ الأفق»، وهو مرويٌ عن أبي بكر، ومُعَاذ بن جبل، وعائشة، ورواية عن ابن عباس، وبه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، واختاره ثَعْلَب.
وأما ما روى الدَّارَقُطْني عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «الشَّفقُ الحُمْرة، فإذا غاب الشفق، وجبت الصلاة» فقال النَّووي: ليس بثابت، وما رواه موقوفٌ على ابن عمر. ذكره مالك في «الموطأ».
هذا، وفي رواية عن مالك والشافعي: أن وقت المغرب مقدار ما يتوضّأ ويصلي خمس ركعات، لأنَّ جبرائيل أمَّ في المغرب في يومين في وقتٍ واحدٍ.
وقال أبو يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور الفقهاء، وأهل اللغة: (هُوَ الحُمْرَةُ) وهو رواية أسد بن عمرو، عن أبي حنيفة (وبِهِ يُفْتَى) لِمَا روى مسلم من حديث ابن عمر أن النبيّ ﷺ قال: «وقت المغرب ما لم يسقط ثَوْرُ الشفق». وهو بالمثلثة المفتوحة: ثَوَرَان حُمْرَته. ورواه أبو داود: «فور الشفق»، وهو بقية حُمْرته، وسُمِّي فوراً لفورانه وسطوعه، وصحَّفه بعضهم فقال: نُور الشفق، بالنون، ولو صحّت الرواية، لكان له وجه حكاه المُنْذِري في «الحواشي». وقال الخَطَّابي: «فَوْر الشفق»: فَوَرَانه. والحديث حُجَّة على مالك والشافعي في تقديره بسَتْرٍ ووضوء، وأذانين، وخمس ركعات (١) .
وروى الدَّارَقُطْنِي في «سننه» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ «الشَّفق الحُمْرة»، لكن قال البَيْهَقِي: رُوِيَ هذا عن عمر، وعلي، وابن عباس، وعُبَادة بن الصّامت، وشدَّاد بن أوْس، وأبي هريرة، وعليه إطباق أهل اللسان، ولا يصح عن النبيّ ﷺ فيه شيء. انتهى.
وقد نُقل رجوع الإمام إلى هذا القول، لِمَا ثبت عنده من حمل عامة الصحابة الشَّفق على الحُمَرة. واعلم أنَّ قول أبي حنيفة أولاً وافقه زُفَر، لأنه من أثر النهار، وهو قول أبي بكر الصديق، وأنس بن مالك، ومُعاذ بن جَبَل، وعائشة، وأُبَيّ، وابن الزُبَيْر، ورواية عن ابن عباس، وبه قال عُمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهم، واختاره المبرَّد وثَعْلب اللغويان، وهو الأحوط في جانب العشاء.
стр. 177
والعِشَاءِ مِنْهُ، والوِتْرِ بَعْدَهُ إلى الفَجْرِ لَهُمَا.
===
(والعِشَاءِ) أي وقت صلاة العشاء الآخرة (مِنْهُ) أي من غروب الشَّفق (والوِتْرِ) أي وقته (بَعْدَهُ) أي بعد العشاء (إلى الفَجْرِ لهمَا) أي للعشاء والوتر، ويحتمل الظرف، أعني بعد أن يكون خبراً عن الوِتر، كما أن الجار والمجرور ـ أعني منه ـ خبر عن العشاء، فيكون المذكور قول أبي يوسف ومحمد: أن وقت الوِتر بعد وقت العشاء، ويحتمل أن يكون الوِتر معطوفاً على العشاء مشاركاً له في الخبر، ويكون الظرف ـ أعني بعده ـ في محل النصب على الحال، فيكون المذكور قول أبي حنيفة: أن وقت الوتر والعشاء واحد، لأن الوِتر فرض عنده، والوقت إذا جمع بين فرضين كان لهما كقضاء وأداء اجتمعا وإنما امتنع تقديم الوتر على العشاء عند التذكُّر لوجوب الترتيب.
ولهما: ما روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه بسندٍ حسنٍ عن خَارجة بن حُذَافة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «إنَّ الله أمدَّكم بصلاة هي خير لكم من حُمْر النَّعَم، وهي الوِتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر»، وفي رواية الطحاوي: «إن الله زادكم صلاة». وروى أحمد في «المسند» عن مُعَاذ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «زادني ربي صلاةً وهي الوتر، فوقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر».
وقد صنَّف الشيخ علم الدين السخَاوي المُقْرِاء (١) ، تلميذ الشَّاطِبِيّ جزأً ساق فيه الأحاديث التي دلت على فرضية الوتر، ثم قال: فلا يرتاب ذو فَهْم بعد هذا أنها أُلْحِقت بالصلوات الخمس في المحافظة عليها، والجواب عن حديث الأعرابي ظاهر، فإنه كان قبل وجوب الوِتر. وفي قوله: «زادكم» إشارة إلى أنها متأخرة عن الصلوات الخمس. وأما الجواب عن فعله ﷺ إياه على الرَّاحلة، وكذا ابن عمر، فقد روى الطحاوي عنه: أنه كان يصلِّي على راحلته، ويوتر بالأرض. ويَزْعُمُ أن رسول الله ﷺ كان يفعل (الوتر) (٢) ، وما روي عنه ما يخالف ذلك كان قبل تأكده ووجوبه، أو محمول على عذرٍ به في ركوبه.
وثمرة الخلاف تظهر فيمن صلى الوتر قبل العشاء ناسياً، أو صلاهما مُرَتَّبتين، ثم ظهر فساد العشاء دون الوتر، فعند أبي حنيفة تُعاد العشاء وحدها، لأن الترتيب يسقط بمثل هذا العذر، وعندهما يُعاد الوتر أيضاً، لأنه تَبَعٌ للعشاء، فلا يصح قبلها.
هذا، وفي الطَّحَاوي: وأن ابن جُرَيج قال لأبي هريرة: «ما إفراط
стр. 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
صلاة العشاء؟ قال: طلوع الفجر الصادق». وفيه أيضاً أنه يظهر من مجموع الأحاديث أن آخر وقت العشاء حين يطلع الفجر، وذلك أن في حديث ابن عباس، وأبي موسى، والخُدْري: «أنه ﷺ أخّرها إلى ثلث الليل». وفي حديث أبي هريرة وأنس: «أنه أخّرها حتى انتصف الليل». وفي حديث ابن عمر: «أنه أخّرها حتى ذهب ثلثا الليل»، وفي حديث عائشة: «أنه أعتم بها حتّى ذهب عامة الليل».
فثبت أن الليل كله وقت لها، ويؤيده كتاب عمر إلى أبي موسى الأشْعَري رضي الله تعالى عنهما: «وَصَلِّ العشاء أيَّ الليل شئت ولا تُغفلها». وعن ابن عباس: «لا تُفَوِّت صلاة حتى يجيء وقت الأخرى». وفي مسلم عن قَتَادة: «والتفْرِيط أن يؤخّر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى، يدل على بقاء الأولى إلى أن يدخل وقت الأخرى، ووقت الأخرى بطلوع الفجر الثاني. وخُصَّ من ذلك كون آخر صلاة الصبح بطلوع الشمس، للأحاديث الصحيحة الصريحة المؤيَّدة بالإجماع.
ولا يُجْمع عندنا بين ظهر وعصر، ولا بين مغرب وعشاء بسفر أو مطر زماناً إلا في عرفة ومُزْدَلِفة. وجمع الشافعي ومالك بينهما فيهما مطلقاً، لِمَا روى الطحاوي عن ابن مسعود: أن النبي ﷺ كان يجمع بين الصلاتين في السفر. وعن أبي الطُّفَيل، عن مُعَاذ بن جبل أخبره: «أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك، فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء». وعن عبد الله بن عمر: «أنه كان إذا جَدَّ به السيرُ جمع بين المغرب والعشاء بعدما يغيب الشفق، ويقول: إن رسول الله ﷺ كان إذا جَدَّ به السير جمع بينهما».
ولنا ما رويناه في عدم التشريك، ومنع دلالة المروي على الجمع بينهما زماناً، بل كان فعلاً لقول ابن مسعود: «والذي لا إله غيره ما صلّى رسول الله ﷺ صلاة قط إلا لوقتها إلا صلاتين: جمع بين الظهر والعصر بعَرَفة، وبين المغرب والعشاء بِجَمْع (١) »، متّفقٌ عليه. وقول نافع: «أن ابن عمر جدَّ به السير فراح روحة لم ينزل إلا للظهر أو العصر، وأخَّر المغرِب حتى صرخ به سالم: الصلاة، فَصَمَت ابن عمر حتى كان عند غيبُوبة الشَّفق نزل، فجمع بينهما وقال: رأيت رسول الله ﷺ يصنع هكذا إذا جَدَّ به السير». وفي رواية: «حتى إذا كاد آخر الشَّفق نزل، فصلّى المغرب، وغاب الشفق فصلّى العشاء، وقال: هكذا كنّا نفعل مع رسول الله ﷺ إذا جَدَّ بنا السير».
стр. 179
[الأوقات المستحبة]
ويُسْتَحبُّ لِلفَجرِ البَدَاءَةُ مُسْفِرًا،
===
فهذه الروايات صريحة بأنَّ صلاته كانت قبل أن يغيبَ الشَّفق، فتُحْمَل رواية غيبوبته على القرب منها، توفيقاً بينهما. فإنْ قيل: روى أبو الطُّفيل عن مُعَاذ بن جبل: «أنه ﷺ في غزوة تبوك كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخَّرَ الظهر حتى يجمعها مع العصر، فيصليهما جميعاً. وإذا ارتحل بعد زيْغ الشمس، صلّى الظهر والعصر جميعاً، ثم سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب، أخَّر المغرب حتى يصليها مع العشاء. وإذا ارتحل بعد المغرب، عجَّل العشاء فصلاّها مع المغرب». رواه أحمد وغيره. قلنا: قال أبو داود: وليس في تقديم الوقت حديث قائم. وقال الحاكم: حديث أبي الطُّفيل موضوع، ولذا لم يذكر الطَّحَاوي هذه الرواية عن أبي الطُّفيل. وأما الجمع في عرفة والمُزْدَلِفة، فثابت على خلاف القياس، فلا يُلحق غيره به.
(الأوقات المستحبة)
(ويُسْتَحَبُّ للفَجْرِ البَدَاءَةُ مُسْفِراً) يقال: أسفر الصبح إذا أضاء، ومنه قوله تعالى: ﴿والصُّبْح إِذَا أَسْفَرَ﴾ (١) . وأسفر بالصلاة، أي صلاها في وقت الإسْفار. قال الطَّحَاوِي: ويستحبَ البَدَاءَةُ مُغلِّساً، والختم مُسْفِراً، واختاره بعض الشافعية. وقال مالك والشافعي، وهو أقوى الروايات عن أحمد: يستحب التعجيل لِمَا في «الصحيحين» من حديث عائشة قالت: «إنه كان رسول الله ﷺ ليصلّي الصبح، فينصرفُ النساء مُتَلَفِّعَات (٢) بمُرُوطِهنَّ (٣) ، ما يُعْرَفْنَ من الغَلَسِ (٤) »، لكنه معارَض بقول ابن مسعود: «ما رأيت رسول الله ﷺ صلّى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجَمْع، وصلّى الفجر يومئذٍ قبل ميقاتها»، مع أنه كان بعد طلوع الفجر، لما في البخاري: «والفجر حين بزغ الفجر». وفي مسلم: «قبل ميقاتها بغَلَس».
فعُلم أن المراد قبل ميقاتها الذي اعتاد الأداء فيه، لأنه غلَّس بها يومئذ ليمتد وقت الوقوف، وتُرَجَّح روايته على حكايتها، لأن الحال أكشف له منها، أو يحمل حكاية التغْلِيس على ما قبل الإسْفار جداً، أو على تغليس المسجد. وقد أخرج الطَّحَاوي بسند صحيح عن إبراهيم النَّخَعي أنه قال: ما اجتمع أصحاب
стр. 180
بِحَيثُ يُمْكِنُهُ تَرْتِيلُ أرْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ الإعَادَةُ إن ظَهَرَ فَسَادُ وُضُوئِهِ.
ويُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ ظُهْرِ الصَّيفِ
===
رسول الله ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التَّنوير، وقال: ولا يصح أن يجتمعوا على خلاف ما كان رسول الله ﷺ يفعله.
ولنا ما روى أصحاب السنن الأربعة عن رافع بن خَدِيج قال: قال رسول الله ﷺ «أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر». قال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ.
فإن قيل: المراد بالإسفار بالفجر تَبيُّن طلوعه، أجيب بما قال ابن دقيق العيد: وهو أن الحمل على هذا المعنى يأباه، أو يبعده مَا في «صحيح ابن حِبَّان»: «كلما أصبحتم بالصبح فهو أعظم للأجر». وما أخرجه النَّسائي بسند صحيح: «ما أسفرتم بالفجر، فإنه أعظم للأجر». وما في «مسانيد ابن أبي شَيْبَة، وإسحاق، وأبي داود»: «يا بلال نَوِّر بصلاة الصبح حتى يبصرَ القومُ مواقع نبلهم من الإسفار». ولأنه ما لم يتبين، لا يحكم بجواز الصلاة، فضلاً عن إصابة الأجر المفاد بقوله: «فإنه أعظم للأجر».
ثم الإسفار الذي يستحب بداية الفجر فيه أن يبتداء الصلاة (بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ تَرْتِيلُ أرْبَعِينَ آيَةً) أي سوى الفاتحة، والظاهر أن المراد بالأربعين أنه في مجموع الركعتين، لا في كل واحدة منهما، فالأَوْلى أن يقال: بحيث يَقْدِر على الصلاة بقراءة مسنونة (ثُمَّ الإعَادَةُ) أي ويمكنه إعادة الصلاة بقراءتها المستحبة قبل طلوع الشمس (إنْ ظَهَرَ فَسَادُ وُضُوئِهِ) أي في آخر أجزاء صلاته.
(ويُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ ظُهْرِ الصَّيْفِ) أي إبْرَاده (١) في شدة الحر، وهو متفق عليه. لقوله ﵊: «أبْرِدوا بالظهر، فإنَّ شِدَّة الحرِّ من فيح جهنم» (٢) رواه البخاري، والطحاوي بمعناه من طرق. ولقوله ﵊: «إذا اشتد الحر فأبْرِدوا بالصلاة، فإنَّ شِدَّة الحرِّ من فَيْح جهنم» رواه الشيخان. ولِمَا في الطَّحَاوي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «أنه رأى النبيّ ﷺ يعجِّل في الظهر في الشتاء، ويؤخِّرُها في الصيف». وعن أنس نحوه. وروى البخاري من حديث خالد بن دِينَار قال: «صلّى بنا أميرنا الجمعة، ثم قال لأنس: كيف كان رسول الله ﷺ يصلّي الظهر؟ قال: كان النبيّ ﷺ إذا اشتد البرد بَكَّر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبْرد بالصلاة». ورواه النَّسائي عن أنس لفظه: «إذا كان الحر أبْرَد بالصلاة، وإذا كان البرد عجَّل بالصلاة».