← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وَكِيلُهُمْ. وتَصَرُّفِ المُوَكِّلِ فيما وُكِّلَ بِهِ. === العجز، والحجر، والافتراق (وَكِيْلُهُمْ)، لأَن بقاء الوكالة يعتمد قيام الآمِر، وقد بطل بِعَجْز الموكِّل والحجر عليه والافتراق، فكان عزلاً حُكْمياً بهذه الأَشياء فلا يتوقف على العلم بها. (وتَصَرُّفِ المُوَكِّلِ) ـ بالجر ـ أَي وكذا تَبْطُل الوكالة بتصرف المُوكِّل (فيما وُكِّلَ بِهِ) تَصَرُّفاً يعجز الوكيل عن الامتثال به: مثل أَنْ يُوكِّل ببيع عَبدٍ ثم يبيعه، أَوْ يُدَبِّرهُ (أَوْ يُكَاتِبهُ) (١) أَوْ يعتقه بنفسه، وكما لو وَكَّل وكيلاً بطلاق امرأَته فطلقها الموكِّل ثلاثاً أَوْ واحدةً وانقضت عِدَّتُهَا، بطلت الوكالة، لِعَجْزِ الوكيل عن الامتثال. ولو تزوجها الموكِّل بعد ذلك ليس للوكيل أَنْ يطلِّقها، وإِن كان للموكِّل ذلك، لأَن تطليقها حينئذٍ بسببٍ جديدٍ وهو حاصل للموكِّل دون الوكيل. والله أَعلم.

стр. 1262

كِتَابُ الشَّركَةِ هِي ضَرْبَانِ: شَرِكةُ مِلْكٍ: وهي أَنْ يَمْلِكَ اثْنَانِ عَينًا. وكُلٌّ كأَجْنَبِيّ في مَال صَاحِبِهِ. وشَرِكَةُ عَقْدٍ، ورُكْنُهَا: الإِيْجَابُ والقَبُوْلَ. وشَرْطُهَا أَنْ لا يُعَيَّن لأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ مِنْ الرِّبْحِ === كتاب الشَّرِكَة (هِي) لُغَةً: الخَلْط، ويُطلق على عقد الشركة وإِن لم يوجد فيه اختلاط (النَّصيبين) (١) ، لأَن العقد سبب له. وشرعاً: (ضَرْبَانِ) أَي نوعان: (شَرِكَةُ مِلْكٍ: وهي أَنْ يَمْلِكَ اثْنَانِ) أَوْ أَكثر (عَيْنَاً) بإِرْثٍ، أَوْ بشراءٍ، أَوْ باستيلاءٍ، أَوْ بِهِبَةٍ أَوْ بصدقةٍ، أَوْ بوصيةٍ، أَوْ باختلاط مالهما بلا صُنْعٍ من أَحدهما، أَوْ بِصُنْع منه، خَلْطَاً يمتنع معه التمييز، كالبُرِّ مع البُرّ، أَوْ بِعُسْرٍ (٢) كالبُرّ مع الشعير. (وكلٌّ) من الشريكين في هذه الشَّركة (كأَجْنَبِيّ في مَال صَاحِبِهِ) فلا يجوز له أَنْ يتصرف فيه إِلاَّ بإِذنه، ويجوز له أَنْ يبيع نصيب نفسه من شريكه، ومن غيره بغير إِذن شريكه، إِلا في صورة الخلط أَوْ الاختلاط: فإِنه لا يجوز إِلاَّ بإِذن شريكه. (وشَرِكَةُ عَقْدٍ، ورُكْنُهَا الإِيْجَابُ والقَبُوْلَ) بأَن يقول أَحدهما: شاركتك في كذا وكذا، ويقول الآخر: قَبِلْت. (وشَرْطُهَا) أَي شركة العقد (أَنْ لا يُعَيَّنَ لأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ مِنْ الرِّبْحِ) لأَن هذا التعيين قد يقطع الشركة: بأَن لا يبقى بعد تلك الدراهم رِبْحٌ يشتركان فيه. قال ابن المُنْذِر: ولا خلاف فيه لأحد. (مشروعية الشَّرِكة) ومشروعية الشركة بالكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ في الثُّلُثِ﴾ (٣) ، وقوله : ﴿وإِنَّ كَثِيْرَاً من الخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٤) ، والخلطاء: الشركاء. وبالسُّنَّة، وهو ما رَوى أَبو داود في «سُننه»، والحاكم في «مستدرَكِه» ـ وصححه ـ عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى:

стр. 1263

وهِي أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: [شَركَةُ المُفَاوضَة] مُفَاوَضَةٌ: وهِي شَرِكَةُ مُتَسَاوِيَيْن مَالًا وحُرِّيَّةً ودِيْنًا، === أَنا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْن مَا لَمْ يَخُن أَحَدُهُمَا صَاحِبَه، فإِذا خَانَ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا»، أَي تبرأَت عنهما وعن المعاونة معهما. وبإِجماع الأُمة على جوازها. وبالمعقول وهو: أَنها طريق الفضل المشروع بقوله تعالى: ﴿وابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١) ، أَي من رزقه، وبالمعاملة مع خَلْقِه. (وهِي) أَي شركة العقد (أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ:) (شَركَةُ المُفَاوَضَة) الأول: (مُفَاوَضَة) مشتقة من التفويض، إِذْ كل واحدٍ منهما يُفَوِّض التصرف إِلى صاحبه على الإِطلاق. (وهِي شَرِكَةُ مُتَسَاوِيَيْن مَالاً) أَي من جهة المال، والمراد مال يصلح لرأْس مال الشركة، كالدراهم والدنانير، بخلاف العُرُوض (٢) والعَقار والدّيون، حيث لا يُشترط (فيه) التساوي، ولا يُعتبر التفاضل فيه. (وحُرِّيَةً) أَي من جهة الحرية، فلا تنعقد المفاوضة بين حُرَ وعبدٍ، ولا بين عَبْدَين، لأَن العبد لا يملك التصرف. ولو قال: «تَصَرُّفَاً» ـ كما في بعض النُّسَخ ـ بدل حرية، أَوْ زاد (حِلْمَاً) (٣) ـ أَي عَقْلاً، كما في «الوقاية» ـ لكان أَحسن، لأَن المفاوضة لا تنعقد بين صغيرٍ وبالغ، ولا بين صغيرين. وإِنما شَرَط الحرية والبلوغ، لأَن الصبيَّ والعبد لا يملكان التكفل لكونه تبرعاً ابتداءً، وهو شَرْطٌ في هذه الشرِكة. (ودِيْنَاً) أَي من جهة الدِّين، وهو المِلَّة. فلا تنعقد المفاوضة بين مسلم وكافرٍ، وهذا عند أَبي حنيفة ومحمد، خلافاً لأَبي يوسف. وتنعقد بين الكتابي والمجوسي، لأَن الكُفْر كله مِلَّة واحدة عندنا. وقال مالك، والشافعي، وأَحمد: لا تجوز شركة المفاوضة، وهو القياس، لأَنها تضمنت الوَكَالَة بمجهول الجنس، والكفالةَ

стр. 1264

وتَتَضَمَّنُ الوَكَالَةَ والكَفَالَةَ. ومُشْتَرَى كُلٍّ لَهُمْا، إِلَّا طَعَامَ أَهْلِهِ وكِسْوَتَهُمْ. وكُلُّ دَيْنٍ لَزِمَ أَحَدَهُمَا بِمَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَة، كالشِّرَاءِ ونَحْوِهِ، ضَمِنَهُ الآخَرُ. وإِنْ وَرِثَ أَحَدُهُمَا، أَو وُهِبَ لَهُ مَا تَصِحُّ فيه الشرِكَةُ، وَقَبَضَ، صار عِنَانًا. وفي العُرُوض والعَقَارِ بَقِي مُفَاوَضَةً. === بمجهولٍ، وكلٌّ بانفراده فاسد. ووجه الاستحسان أَنْ الناس تعاملوا بها من غير نكير، والقياسُ يُترك بالتعامل كالاستصناع، ودخول الحمام، لأَن التعامل بلا نكير كالإِجماع. (وتَتَضَمَّنُ) المفاوضةُ (الوَكَالَةَ والكَفَالَةَ) لِتُحَقَّقَ الشركة في كل ما شراه أَحدهما، وتثبت المساواة بينهما في المطالبة بثمنه. (ومُشْتَرَى كُلَ) من شريكَي المفاوضة (لَهُمَا) لأَن كل واحد منهما قائمٌ مقام صاحبه في التصرف، فكان شراؤه كشرائه (إِلاَّ طَعَامَ أَهْلِهِ) أَي أَهْل كُلَ، (وكِسْوَتَهُمْ) أَي كسوة أَهْل كُلَ، فإِنها تكون له خاصة، وكذا استئجار كلَ ما يسكنه أَوْ ما يركبه لحج أَوْ غيره، وشراؤه إِداماً (١) ليأَكله، أَوْ أَمَةً ليطأَها، لأَن كل واحدٍ منهما عَالِمٌ حين العقد بحاجة نفسه إِلى ذلك، ولا يقصد أنه شريكه، فكان مستثنى دلالة، والاستثناء الثابت بالدلالة كالاستثناء الثابت بالمقالة. وحُكْمُ طعامِ كُلَ وكسْوَتِهِم حُكْمُ طعام أَهله وكسوتهم. (وكُلُّ دَيْنٍ لَزِمَ أَحَدَهُمَا بِمَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ، كالشِّرَاءِ ونَحْوِهِ) من البيع والاستئجار (ضَمِنَهُ الآخَرُ) لأَنه كفيله. وأَما ما لا تصح (٢) فيه الشركة، كالجِناية، والنكاح، ونفقة الزوجات والأَقارب، والصلح عن دم عَمْد، ونحوها، فلا يَضْمنه الآخَرُ، لأَن كل واحدٍ منهما لم يلتزم إِلاَّ دَين التجارة، وهذه الأَشياء ليست من التجارة. (وإِنْ وَرِثَ أَحَدُهُمَا أَوْ وُهِبَ لَهُ) أَوْ تُصُدِّق عليه (مَا تَصِحُّ فيه الشَّرِكَةُ) كالدراهم والدنانير والفُلُوس (٣) النافقة، (وَقَبَضَ) ذلك، (صار) عَقْدُ المفاوضة (عِنَانَاً)، لأَن المساواة فيما يصلح لرأَس مال الشركة ابتداءً وبقاءً شَرْطٌ في المفاوضة، وقد فاتت بقاءً لعدم مشاركة الآخَر له في الإرث والهِبة، لأَنه إِنما يشاركه فيما يحصل بسبب التجارة أَوْ ما يشبهها، وليست المساواة شَرْطَاً في العِنان، فانقلب عقد المفاوضة إِليها. (وفي العُرُوضِ والعَقَارِ) أَي وفي إِرْثِ أَحدهما للعُرُوض والعَقَار أَوْ هبتهما له (بَقِي) العقد (مُفَاوَضَةً) ولم ينقلب عِناناً، لأَن عدم المساواة فيهما لا يمنع المفاوضة ابتداءً فكذا بقاءً.

стр. 1265

[شَركةُ العِنان] وعِنَانٌ: وهي شَرِكَةٌ فِي كُلِّ تِجَارَةٍ، أَو نَوْعٍ. وتَصِحُّ بِبعْضِ مَالِهِ مَعَ فَضْلِ مَالِ أَحَدِهِمَا، وتَسَاوِي مَالَيهِمَا مَعَ تَفَاوُتِ الرِّبْحِ، وكَوْنِ أَحَدِهِمَا دَرَاهِمَ، والآخَرِ دَنَانِيرَ، وبِلا خَلْطٍ. وكُلٌّ مُطَالَبٌ بِثَمَنِ مَشْرِيِّهِ لا غَيرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى شَرِيْكِهِ بِحِصَّتِهِ إِن أَدَّاهُ مِنْ مَالِهِ. === (شركة العِنان) (و) الوجه الثاني من شَرِكة العقد (عِنَانٌ) بكسر أَوّله (وهي شَرِكَةٌ فِي كُلِّ تِجَارَةٍ، أَوْ) في (نَوْعٍ) من أَنواع التجارة. مأْخوذ مِنْ: عَنَّ له كذا: أَي عَرَض، لأَنه عَرَض لهما شيءٌ فاشتركا فيه، كما ذكره ابن السِّكِّيت. أَوْ من: عِنان الفرس، إِذْ كل منهما جعل عِنَان التصرف في بعض ماله إِلى صاحبه، كما قاله الكِسَائي والأَصْمَعِي. أَوْ لأَنه يجوز أَنْ يتفاوتا في المال والربح كما يتفاوت العِنان في يد الراكب حالة الميل والإِرخاء، كما في «المُغْرِب» و «المبسوط». (وتَصِحُّ) شركة العِنان (بِبَعْضِ مَالِهِ) أَي مال أَحد الشريكين (مَعَ فَضْلِ مَالِ أَحَدِهِمَا) لأَن الحاجة قد تَمَسّ إِلى ذلك مع عدم اقتضاء لفظها المساواة في مال الشركة. (و) تصح مع (تَسَاوِي مَالَيْهِمَا مَعَ تَفَاوُتِ الرِّبْحِ) بينهما، وعكسه: وهو تساوي الربح بينهما مع تفاوت مَالَيْهِمَا، وبه قال أَحمد. وقال زُفر ومالك والشافعي: لا تصح. (و) تصح مع (كَوْنِ أَحَدِهِمَا) أَي أَحد المَالَيْن (دَرَاهِمَ، والآخَرِ دَنَانِيْرَ) وقال زُفَر والشافعيّ: لا تِصح. (و) تصح (بِلَا خَلْطٍ) وبه قال مالك وأَحمد، إِلاَّ أَنَّ مالِكَاً شَرَط أَنْ تكون أَيديهما عليه: بأَن يُجْعلا في حانوت لهما، أَوْ في يد وكيل لهما. وقال زُفَر والشافعي: لا تصح، فإِن الخلط عندهما مشروط. ومعنى قوله «بِلَا خَلْط»: أَنْ الخَلْط ليس بشرطٍ. عندنا، لا أَنه لا يجوز الخلط كما يُوْهِمُ ظاهرُ العبارة. (وكُلٌّ) مِنْ شريكي العِنان (مُطَالَبٌ بِثَمَنِ مَشْرِيَّهِ) اسم مفعول من الشراء، كالمَرْمِيّ من الرمي (لَا غَيْرَ) أَي لا غير مشريه، فلا يُطالب بِمَشْرِيِّ الآخر، لأَن هذه الشركة لا تتضمن الكفالة. (ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى شَرِيْكِهِ بِحِصَّتِهِ) من الثمن (إِنِ أَدَّاهُ مِنْ مَالِهِ) أَي من مال نفسه، لأَنه وكيل بالشراء من جهة شريكه، والوكيل بالشراء إِذا نَقَدَ

стр. 1266

ولا تَصِحَّان إِلَّا بالنَّقْدَيْن، والفُلُوْسِ النَّافِقَةِ، والتِّبْرِ، والنُّقْرَة، إِن تَعَامَل النَّاسُ بِهِما، وبالعَرْض بعد أَنْ بَاعَ كُلٌّ نِصْفَ عَرْضِهِ بِنِصفِ عَرْضِ الآخَرِ. وهَلاكُ مالِهِا، أَو مالِ أَحَدهما قَبْلَ الشِّرَاءِ يُفْسِدُهَا، وهُوَ عَلَى صَاحِبِهِ === الثمن من مال نفسه يرجع على المُوَكِّل، أَما لو كان الأَداء مِنْ مال الشركة، فلم يرجع على شَرِيْكِه. (ولا تَصِحَّان) أَي المفاوضة والعِنَان (إِلاَّ بالنَّقْدَيْن) من الذهب والفضة المضروبَين (والفُلُوْسِ النَّافِقَةِ)، أَي الرائجة، لأَنها حينئذٍ أَثمان، كالنقدين. (والتِّبْرِ) أَي وبالتبر: وهو ذَهَبٌ غير مضروب، (والنُّقْرَة) وهي فضة غير مضروبة (إِنْ تَعَامَل النَّاسُ بِهِما) في ظاهر المذهب وهو الأَصح، كما في «الهداية». بناءً على أَنهما بمنزلةِ العُروض، فلا يصلحان لرأْس مال الشركة ومال المضاربة. وقيل: تجوز بهما الشَّرِكة مُطْلَقَاً، لأَنهما خُلِقَا ثَمَنَيْنِ، فتصح الشَّرِكة بهما تَنْزِيْلاً للتعامل بهما منزلة الضَّرْب المخصوص. (و) تصح المفاوضة والعِنَان (بالعَرْض بعد أَنْ بَاعَ كُلٌّ) من الشريكين (نِصْفَ عَرْضِهِ بِنِصْفِ عَرْضِ الآخَرِ) إِنْ تَساويا قيمةً، وإِن اختلفا: بأَن تكون قيمةُ أَحدهما أَلفاً، وقيمةُ الآخَرِ أَلْفَيْنِ، يبيع صاحب الأَقَلِّ ثُلُثَي عَرْضِهِ بثُلُث عَرْضِ الآخَر، فيكون كُلٌّ من العَرْضَيْن مُشْتَرَكاً بينهما أَثْلَاثَاً. والقصد أَنْ يصير العَرْض مشتركاً بينهما أَولاً شركةَ ملك، حتى لا يجوز لكل واحدٍ منهما حينئذٍ أَنْ يتصرف في مِلْك الآخَر، ثُم يعقدان عَقْد الشركة مُفَاوَضةً أَوْ عِنَانَاً، فيصير العَرْض رأْس مال شركة المفاوضةِ والعِنان، ويجوز لكل واحدٍ منهما حينئذٍ أَنْ يتصرف في نصيب الآخَر. وهذه حيلةٌ لِمَنْ أَراد الشرِكَة مفاوضةً أَوْ عِنَانَاً، وهذا هو المختار تبعاً للقُدُوري، وشيخ الإِسلام، وصاحب «الذَّخِيْرة» والمُزَني من أَصحاب الشافعي. وقال شمس الأَئمة وصاحب «الهداية»: إِنه لا يجوز عَقْدَ شَرِكة، لما تقدم أَنَّ العُروض لا تصلح رأَس مال الشَّركة لبقاء الجهالة في رأَس المال، والربح عند القِسْمة. ولا يَخْفى ضعفه لما تَبَيَّن من زوال جهالتها. ثم التقييد بالنِّصف وقع اتفاقاً على ما قررنا. وقيل: لتصح المفاوضة، فإِنَّ شَرْطَها التساوي، والأَظْهَر أَنْ يبيع كُلُّ وَاحِدٍ منهما نصفَ ماله بِنِصْفِ مال الآخَر وإِن تفاوتت قيمتهما، حتى يصير المال بينهما نصفين. (وهَلَاكُ مَالِهِا) مبتدأَ، أَي مال الشركة قبل أَنْ يشتريا شيئاً، وفي بعض النسخ: «مالهما» أَي مال الشريكين اللَّذَيْن عقدا به الشركة، ويؤيده قوله: (أَوْ مالِ أَحَدهما قَبْلَ الشِّرَاءِ يُفْسِدُهَا) خبر المبتدأَ، (وَهُوَ) أَي هلاك مال أَحدهما (عَلَى صَاحِبِهِ) إِنْ هلك

стр. 1267

قَبْلَ الخَلْطِ في يَدِ أَيِّهِمَا هَلَكَ، وبَعْدَ الخَلْطِ عَلَيهِما. ولِكُلٍّ أَنْ يُبْضِعَ ويُوْدِعَ ويُضَارِبَ ويُوَكِّلَ، والمَالُ في يَدِهِ أَمَانَةٌ. === (قَبْلَ الخَلْطِ في يَدِ أَيِّهِمَا هَلَكَ). أَما إِنْ هَلَك في يد صاحبه فَظاهِرٌ، وأَما إِنْ هلك في يد الآخَرِ، فلأَنه أَمانةٌ في يده، لأَن كلاًّ منهما أَمِيْنٌ في رأَس مال صَاحِبِه، (و) هلاكُ مال أَحدهما (بَعْدَ الخَلْطِ عَلَيْهِما) لأَنه لا يتميز، فَجُعِل من مالهما. (ولِكُلَ) من شريكَي مفاوضةٍ وعِنان (أَنْ يُبْضِعَ) أَي يُعْطِي مال الشركة لِمَنْ يَتَّجِرُ فيه (بغير شيء) (١) ، لأَن لِكُلَ أَنْ يستعمل مَنْ يَتَّجِر مِنْ مال الشركة بِأَجْرٍ، فبغير شيءٍ أَوْلى. (و) أَنْ (يُوْدِعَ) أَي يدفع مال الشركة وَدِيعةً، لأَن للشريك أَنْ يدفع مال الشركة لِمَنْ يحفظه بِأَجْرٍ، فَلأَنْ يدفعه لِمَنْ يحفظه بلا أَجْرٍ ـ وهو المودَع ـ أَوْلَى. (و) أَنْ (يُضَارِبَ) أَي يدفع المال لِمَنْ يَتَّجِرُ فيه بِجُزْءٍ معلومٍ من الربح، لأَن المُضَارِب يصيرُ بالدَّفْع إِليه مودَعَاً، وبالتصرف في المال وكيلاً، وبالربح أَجِيراً. هذا، وللشريك أَنْ يفعل في مال الشركة هذه الأَشياءَ على الانفراد، فكذا على الاجتماع، وهذه روايةُ «الأَصل» وهو الأَصح. (و) أَنْ (يُوَكِّلَ) مَنْ يتصرف في مال الشركة بالبيع والشراء، لأَن ذلك من عادة التجَّار والشركة مُنْعَقِدَةٌ، وهذا استحسانٌ. وفي القياس ليس له ذلك، لأَنَّ كل واحدٍ منهما وكيل صاحبه، وليس للوكيل أَنْ يُوَكِّلَ غيرَه، لأَن المُوَكِّل إِنما رَضِيَ رَأْيَه دون رَأَي غَيْرِه. (والمَالُ) في كلَ من شركة المفاوضة والعِنان (في يَدِهِ) أَي يد كلَ من الشريكين (أَمَانَةٌ)، لأَنه قَبَضَه بإِذْن صاحبه لا على وجه المبادلة والوثيقة، فكان كالوديعة، حتى لا يضمنه إِلاَّ بالتعدي، وبيعِ المال وضيعةً (٢) وإِنْ شرط الفَضْل في الربح، لقول عَليَ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: الرِّبْح على ما شَرَطَا، والوضيعة على قَدْرِ المالين.

стр. 1268

[شَركَةُ الأَعْمَالِ] وشَرِكَةُ الصنائع والتَّقَبُّل: وهِي: أَنْ يَشْتَرِكَ صَانِعَانِ كَخَيَّاطَيْنِ أَو خَيَّاطٍ وصَبَّاغٍ، ويَتقَبَّلا العَمَلَ بِأَجْر بَينَهُمَا، صَحَّتْ وإِنْ شَرَطَا العَمَلَ نِصْفَيْنِ والمالَ أَثْلاثًا. وَلَزِمَ كُلًّا عَمَلٌ قَبِلَهُ أَحَدُهُمَا، ويُطَالِبُ الأَجْرَ، وَيَصِحُّ الدَّفْعُ إِلَيْه. والكَسْبُ بَينَهُمَا وإِنْ عَمِلَ أَحَدُهُمَا. === (شَرِكةُ الأَعْمَالِ) (و) الوجه الثالث مِنْ أَوْجُهِ الشَّرِكَة (شَرِكَةُ الصنائع و) تُسمى شركة (التَّقَبُّل:) وشركة الأَعمال (وهِي: أَنْ يَشْتَرِكَ صَانِعَانِ) مُتَّفِقَا الصَّنعة (كَخَيَّاطَيْنِ أَوْ) مختلفاها نحو (خَيَّاطٍ وصَبَّاغٍ، ويَتَقَبَّلَا العَمَلَ بِأَجْرٍ بَيْنَهُمَا صَحَّتْ) هذه الشركة إِنْ شرطا المساواة في العمل، وفي المال المستفاد منه، وهو الأُجرة. (وإِنْ شَرَطَا العَمَلَ نِصْفَيْنِ، والمَالَ) المستفاد منه (أَثْلَاثاً) لِجَوَازِ أَنْ يكون قيمة عمل أَحَدهما أَكثر، وهذا استحسانٌ، والقياس أَنْ لا يجوز، وهو قول زُفَر، لأَن الضَّمان بِقَدْر العمل، فالزيادة عليه رِبْحُ ما لم يَضْمن. وقال الشافعي: لا تصح شركة الصنائع، وهو إِحدى الروايتين عن زُفَر. وقال مالك ـ وهو رواية عن زُفَر ـ: لا يجوز اشتراك مختلفَي الصَّنعة، ولا اشتراك متفقَيهما في مكانين (١) . (وَلَزِمَ كُلاًّ) من الشريكين (عَمَلٌ قَبِلَهُ أَحَدُهُمَا) لأَن كُلَّ واحدٍ مُتَقَبِّلٌ لِنَفْسِهِ أَصَالَةً، ولشريكه وكالةً (ويُطَالِبُ) أَي كلٌّ (منهما) (٢) (الأَجْرَ) الذي لم يَتَقَبَّل، (وَيَصِحُّ الدَّفْعُ) أَي دفع الأُجرة (إِلَيْه) أَي إِلى الآخَرِ (والكَسْبُ بَينَهُمَا) على ما شَرَطَا (وإِنْ عَمِلَ أَحَدُهُمَا) أَما الذي عمل فظاهرٌ، وأَما الذي لم يعمل فلأَنه لما لَزمه العمل بالتقبل وكان ضامِنَاً له، استحق الأَجر بالضمانِ ولَزِمَ العمل.

стр. 1269

[شَرِكةُ الوُجُوهِ] وشَرِكَةُ الوُجُوهِ: وهي: أَنْ يَشْتَرِكَا بِلا مَالٍ لِيَشْتَرِيَا بِوُجُوهِهِمَا ويَبِيعَا، فَتَصِحُّ مُفَاوَضَةً، ومُطْلَقُهَا عِنَانٌ. وكُلٌّ وَكِيلٌ للآخَرِ، فإِن شَرَطا مُنَاصَفَةَ المُشْتَرَى، أَوْ مُثَالَثَتَهُ، فالرِّبْحُ كَذِلِكَ. وَشَرْطُ الفَضْلِ بَاطِلٌ. === (شَرِكَةُ الوُجُوهِ) (و) الوجه الرابع من أَوجه شركة العَقْد (شَرِكَةُ الوُجُوهِ: وهي أَنْ يَشْتَرِكَا بِلَا مَالٍ لِيَشْتَرِيَا بِوُجُوهِهِمَا ويَبِيْعَا) وما ربحاه يكون بينهما، وسُمِّيت بها، لأَنها (إِنَّما) (١) يشتري بها مَنْ له وَجْهٌ عند الناس، وهي جائزةٌ عندنا باعتبار ما فيها من الوكالة، فإِنَّ توكيل كُلِّ واحد منهما صاحِبَه بالشراء، على أَنْ يكون المُشْتَرَى بينهما نِصفين أَوْ أَثلاثَاً صحيحٌ، فكذا الشرط الذي يتضمن هذه الوكالة. (فَتَصِحُّ) شَرِكَة الوُجُوه (مُفَاوَضَةً) إِذا نَصَّا على المفاوضة واجتمعت فيها شرائطها. (ومُطْلَقُهَا عِنَانٌ) لأَن العِنان معتادٌ بين الناس، والمطلق ينصرف إِلى المعتاد والمتعارَف. (وكُلٌّ) منهما (وَكِيْلٌ للآخَرِ) فيما يشتريه. قيل: لا حاجة إِلى هذا، لأَن هذه الشركة إِما مفاوضةٌ، وإِما عِنانٌ، وقد تبيَّن أَنَّ كُلاًّ منهما في ذلك وكيلُ الآخَر، وإِذا كانت مفاوضةً كان كلٌّ منهما كَفِيلاً للآخر أَيضاً. (فإِن شَرَطا مُنَاصَفَةَ المُشْتَرَى) بينهما (أَوْ مُثَالَثَتَهُ، فالرِّبْحُ كَذِلِكَ) أَي يكون بينهما مناصفةً في صورة مناصفة المُشْترى، ومثالثةً في صورة مثالثة المُشْتَرى. (وَشَرْطُ الفَضْلِ) في الربح (بَاطِلٌ) أَي إِذا شُرِطَ أن تكون حصةُ ربْح أَحَدِهِمَا زائدةً على قَدْر مِلْكه، فهذا الشرط باطل، فإِن الربح يكون على قَدْر المِلْك في المُشْتَرى، فكان الزائد عليه ربحَ ما لم يضمن، وهو غيرُ جائزٍ، وإِنما جاز في العِنان ذلك باعتبار جواز زيادة العمل من أَحَدِهما، وهذا الاعتبار إِنما يجوز إِذا كان المال معلوماً، كما في المضاربة والعِنان، وهنا ليس كذلك.

стр. 1270

[ما لا تَصِحُّ فيهِ الشَّرِكةُ] ولا تَصحُّ الشَّرِكَةُ في أَخْذِ المُبَاحَاتِ، فَخُصَّتْ بِمَنْ أَخَذَهَا، ونُصِّفَتْ إِنْ أَخَذَاهَا، وللمُعَيِّنِ وصَاحِبِ العُدَّةِ أَجْرُ المِثْل، ولا يُزَاد عَلَى نِصْفِ القِيمَةِ عِنْدَ أَبي يُوْسُفَ، خِلافًا لِمُحَمَّدٍ. والرِّبْحُ في الفَاسِدَةِ عَلَى قَدْرِ المَالِ. === (مَا لا تَصحُّ فيهِ الشَّرِكَةُ) (ولا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ في أَخْذِ المُبَاحَاتِ) كالاحتطاب، والاحتشاش، والاصطياد، والاستقاء، واجتناء الثّمار من الجبال والبوادي، وأَخْذ جواهر المعادن، وأَخْذ الجِصّ (١) والملح من المواضع المباحة، والتقاط السنبلة ونحوها، لأَن الشركة تتضمن الوكالة، والوكيل يملكه بالأَخْذ بدون أَمره، فلا يصح نائباً عنه. وقال مالك وأَحمد: تصح لأَنها شركة الأَبدان، ولما روى أَبو داود عن ابن مسعود أَنه قال: اشتركت أَنا وسعد (٢) وعَمَّار يَوْمَ بَدْر، فلم أَجاء أَنا وعَمَّار بشيءٍ، وجاء سعدٌ بِأَسِيرَيْن، فأَشْرَك بَيْنَنا النبيُّ ﷺ . والجواب أَنْ الغنائم مشتركةٌ بين الغانمين، فلا يصح اختصاص أَحد بسبب الشركة فيها، وتشريكُ النبيِّ ﷺ بين ابن مسعود وصاحبيه في الأَسيرين يحتمل أَنْ يكون بإِزاء نصيبهم من الغنيمة، لا لعقد الشركة التي وقعت بينهم. وقيل: غنائم بَدْر كانت للنبيّ ﷺ خاصةً، فله أَنْ يدفعها إِلى مَنْ شاء، فيحتمل أَنْ يكون دَفْعُ الأَسِيْرَيْن لهم لذلك. (فَخُصَّتْ) المباحات إِذا لم تصحَّ الشَّركة فيها (بِمَنْ أَخَذَهَا) لوجود سبب الاستحقاق منه، (ونُصِّفَتْ إِنْ أَخَذَاهَا) لاستِوائهما في سبب الاستحقاق. (وللمُعَيِّنِ) خبر مقدَّم إِنْ اشتركا في الاحتطاب منه على أَنْ يقطع أَحَدُهما ويجمع الآخر (وصَاحِبِ العُدَّةِ) إِنْ اشتركا في الاستقاء على أَنْ العمل مِنْ أَحَدِهما، والدابة والراوية من الآخَر. (أَجْرُ المِثْل) ـ المبتدأَ (٣) ـ (ولا يُزَاد عَلَى نِصْفِ القِيْمَةِ عِنْدَ أَبي يُوْسُفَ) لأَنه رضي به لرضاه بنصف المسمى، كما لا يزاد على المسمى في الإِجارة الفاسدة (خِلَافَاً لِمُحَمَّدٍ) فإِنه قال: لا بد من أَجر المِثْل، لأَن المُسَمَّى مجهولٌ والرِّضَى بالمجهول لَغْوٌ، فيسقط، وقد استوفى منافعه بعقد فاسد فيكون له أَجْرُ مِثْله بَالِغَاً ما بلغ. (والرِّبْحُ في) الشركة (الفَاسِدَةِ عَلَى قَدْرِ المَالِ) وإِنْ شرط الفضل، لأَن الربح تَبعٌ للمال فيقدر بقدره.

стр. 1271

[فيما تَبْطُلُ به الشَّرِكَةُ] تَبْطُلُ الشرِكَةُ بالمَوْتِ، والجُنُونِ، واللَّحاقِ بِدَارِ الحَرْبِ مُرْتَدًّا. [تَزْكيَةُ أحَدِ الشُّركَاء عن بَعْضِهم] وَلَمْ يُزَكِّ أَحَدُهُمَا مَالَ الآخَرِ بِلا إِذْنِهِ، فإِنْ أَذِنَ كلٌّ، فَأَدَّيَا وِلاءً، ضَمِنَ الثَّانِي للأَوَّلِ، وإِنْ أَدَّيَا مَعًا، ضمِن كُلٌّ قِسْطَ غَيرِهِ. === (فيما تبطل به الشركة) (وتَبْطُلُ الشَّرِكَةُ بالمَوْتِ، والجُنُوْنِ، واللَّحاقِ بِدَارِ الحَرْبِ مُرْتَدّاً) لأَن الشركة تَقْتَضِي الوكالة، وهي تَبْطُل بكل من هذه الأُمور، وإِذا بطلت الوكالة بطلت الشركة إِذْ لا بد لها منها، وسواء علم الشريك بموت صاحبه أَوْ لا. (تَزْكِيَةُ أَحَدِ لشُّرَكَاءِ عن بَعْضِهِمْ) (وَلَمْ يُزَكِّ أَحَدُهُمَا مَالَ الآخَرِ بِلا إِذْنِهِ) لأَن كلَّ واحدٍ منهما ليس بِنَائِبٍ عن صاحبه في الزكاة بل في التجارة، وأَداء الزكاة ليس منها. (فإِنْ أَذِنَ كُلٌّ) لصاحبه بأَنْ يؤديَ الزكاة عنه (فَأَدَّيَا وِلَاءً) أَي على التَّوالِي (ضَمِنَ الثَّانِي للأَوَّلِ) عِنْد أَبي حنيفة، علم بأَداء الأول أَوْ لا. وعندهما إِنْ علم بأَداء صاحبه ضَمِنَ وإِلاَّ لا، كذا أَشار في كتاب الزكاة. وفي «الزيادات»: عندهما لا يضمن، عَلِم بأَداء شريكه أَمْ لا، وهو الصحيح عندهما، (وإِنْ أَدَّيَا مَعَاً ضَمِن كُلٌّ قِسْطَ غَيْرِهِ) عَلِم أَوْ لم يعلم عند أَبي حنيفة. وعندهما لا يضمن إِنْ لم يعلم. والله أَعلم.

стр. 1272

كِتَابُ المُضَارَبَةِ هِي عَقْدُ شَرِكَةٍ في الرِّبْحِ بِمَالٍ مِنْ رَجُلٍ وعَمَلٍ مِن آخَرَ === كتاب المُضاربة (هِي) لغةً: مفاعلةٌ من الضَّرْب في الأَرض بمعنى (١) السير (فيها) (٢) ، قال الله تعالى: ﴿وآخَرُوْنَ يَضْرِبُونَ في الأَرْضِ يَبْتَغُوْنَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٣) أَي يسافرون للتجارة ونحوها، سُمِّي بها لأَن العامل فيها يسير في الأَرض غالباً لطلب الربح، ولأَن المضارِب يستحق (الرِّبح) (٤) لِسَعْيهِ وعمله، فهو شريكٌ في الربح، ورأَسُ ماله الضَّرْبُ في الأَرض والتصرف. وأَهْلُ المدينةِ يُسَمُّون هذا العقد مقارضةً من القَرْض بمعنى القَطْع، فصاحب المال قَطَع قَدْراً من ماله عن تَصَرُّفه، وجعل التصرف فيه إِلى العامل بهذا العقد، فَسُمِّي به. وشرعاً: (عَقْدُ شَرِكَةٍ في الرِّبْحِ بِمَالٍ مِنْ رَجُلٍ وعَمَلٍ مِنْ آخَرَ). (مشروعية المضاربة) وهي مشروعةٌ بإِطلاق الآية لأَن سفر الإِنسان للتجارة قد يكون بمالِ نفسه وقد يكون بمال غيره. ولأَن من الناس من هو صاحب مال ولا يهتدي إِلى التصرف، ومنهم مَنْ هو بالعكس، فشُرعت المضاربة لانتظام مصالح الناس. وقد بُعِث النبيُّ ﷺ والناس يتعاملون بها فأَقَرَّهم عليها. وبالسُنَّة، وهي ما روى ابن ماجه مرفوعاً: «ثلاثٌ فيهنَّ البَّرَكَةُ: البيعُ إِلى أَجَل، والمُقَارَضَةُ، وخَلْطُ البُرِّ بالشَّعِيْر، لِلْبَيْتِ لا للبَيْعِ». ولعمل الصحابة. وهو ما روى مالك في «الموطأ»: أَنَّ عبد الله وعبيد الله ابنَي عمر بن الخطاب خرجا إِلى العراق، فأَعطاهُما أَبو موسى الأَشعري من مال الله، على أَنْ يبتاعا به متاعاً ويبيعاه بالمدينة ويؤديا رأَس المال لأَمير المؤمنين والربح لهما، فلما قَدِما المدينةَ رَبِحَا، فقال عمر: أَكُلّ الجيشِ أَسْلَفَهُ كما أَسْلَفَكُمَا؟ فقالا: لا، فقال: ابنا

стр. 1273

[حُكْمُ المُضَارَبَةِ] وهي إِيدَاعٌ أَوَّلًا، وتَوْكِيْلٌ عِنْدَ عَمَلِهِ وشَرِكَةٌ إِنْ رَبِحَ، وغَصْبٌ إِنْ خَالَفَ، === أَمير المؤمنين فَأَسْلَفَكُمَا، أَدِّيا المال ورِبْحَه، فراجعه عبيد الله وقال: ما ينبغي هذا يا أَميرَ المؤمنين، لو هلك المال أَوْ نَقَص لضَمِنَّاه، فقال لعمر بعضُ جلسائه: لو جعلته قِراضاً، فأَخذ عمرُ المال ونَصَّفَ ربحه وأَعطاهما النصف. وفي «المبسوط» و «المعرفة» للبيهقي: أَنَّ عمر أَعطى مال يتيم مضاربة، وكان يعمل به في العراق. وأَن عثمان أَعطى مالاً مقارَضةً (١) . وأَن ابن مسعود أَعطى زيد بن خُلَيْدَة مالاً مقارضةً. وأَن العباس كان إِذا دفع مالاً مضاربةً اشترط على صاحبه أَنْ لا يسلك به بحراً، ولا ينزلَ به وادياً، ولا يشتري به ذات كَبِدٍ رَطْبة (٢) ، فإِن فعل فهو ضامنٌ، فَرُفِع الشرطُ إِلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأَجازه. لكن ضعَّفَه البيهقي بسنده. وفيه وفي الدَّارقطني بسند صحيح: أَنْ حَكيم بنَ حِزَام صاحِبَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان إِذا دفع مالاً مضاربةً شرط مثل هذا. وتنعقد المضاربة بقوله: دفعتُ هذا المال إِليك مضاربةً أَوْ مقارضةً أَوْ معاملة، لأَنه صريحُها. أَوْ: خُذه واعمل بِهِ على أَنَّ لك نصفَ الربح، لأَنه بمعناه. (حكم المضاربة) (وهي إِيْدَاعٌ أَوَّلاً) أَي قبل عمله، لأَن المضارب (قبض) (٣) المال بإِذن مالكه لا على جهة المبادلة والوثيقة. وفي «شرح الطحاوي»: والحيلة في أَنْ يصير المال مضموناً على المضارب: أَنْ يقرض جميع المال من المضارب إِلاَّ درهماً واحداً، ويُسَلِّمه إليه، ثم يعقد شركة عِنان (٤) ، على أن يكون رأس مال المُقْرِض درهماً، ورأَسُ مال المستقرض جميعَ ما استقرضه، على أَنْ يعملا جميعاً والربح بينهما، ثُم يعمل فيه بعد ذلك المستقرض خاصةً، فإِن هلك في يده فالقَرْض عليه، وإِن ربح فالربح بينهما. (و) هي (تَوْكِيْلٌ عِنْدَ عَمَلِهِ) لأَنه يعمل لرب المال بأَمره، ولهذا يرجع بما لحقه من العُهْدَة عليه كالوكيل. (و) هي (شركةٌ) في الربح (إِنْ رَبِحَ) لتحَصُّله بالمال والعمل. (و) هي (غَصْبٌ إِنْ خَالَفَ) المضارب لوجود التعدي منه على مال غيره، وبه

стр. 1274

وبِضَاعَةٌ إِنْ شُرِطَ كُلُّ الرِّبْحِ للمَالِكِ، وقَرْضٌ إِنْ شُرِطَ للمُضَارِبِ، وإجارَةٌ فَاسِدةٌ إِنْ فَسَدَتْ، فَلا رِبْحَ لَهُ بَلْ أجر مثل عَمَلِهِ، رَبحَ أَو لا. ولا يُزَادُ عَلى مَا شُرِط === قال مالك والشافعيّ وأَحمد وأَكثر أَهل العلم. وعن علي والحسن والزُّهْري أَنه لا ضمان على مَنْ شَارَك (١) في الربح. (و) هي (بِضَاعَةٌ إِنْ شُرِطَ كُلُّ الرِّبْحِ للمَالِكِ) لأَن المضارِب لَمَّا لم يَطْلُب لعمله بدلاً، وعملُهُ لا يتقوَّمُ إِلاَّ بالتسمية، كان وكيلاً متبرِّعَاً، وهذا معنى البضاعة، فكأَنَّه (نَصَّ) (٢) عليها. (و) هي (قَرْضٌ إِنْ شُرِطَ) كله (للمُضَارِبِ) لأَن المضارب لا يستحق الربح كله إِذا صار رأَسُ المال مِلْكَاً له، لأَن الربح فَرْعُ المال، فكان تمليكُ المال مقتضىً هنا، لكنَّ لفظ المضاربة يقتضي رَدَّه، فكان قرضاً لاشتماله على معنيين، ولأَن القَرْض أَدْنَى من الهبة، فكان بالاعتبار أَوْلى لكونه أَقل ضرراً. وقال مالك: هي في الصورتين مضاربةٌ صحيحةٌ، لأَنه إِذا (شَرَطا) (٣) لأحدهما كلَّ الربح فكأَن الآخر وَهَبَ له نصيبه. وأُجيب بأَن الربح حال العقد معدوم، والهبة لا تصح عند عدم الموهوب. وقال الشافعي وأَحمد: إِذا قال: خذه مضاربةً والربح لي أَوْ لك، تفسد المضاربة، لأَنها تقتضي أَنْ يكون الربح بينهما، فإِذا شُرِط اختصاصه بأَحدهما فسدت، كما لو شُرِط الربحُ كلُّه في شركة العِنان (٤) . وأُجيب بأَنه لما ثبت حكم الإِبضاع (٥) أَوْ القَرْض انصرف العقد إِليه وصار كأَنه قال: خذه بضاعةً أَوْ قَرْضَاً. (و) هي (إِجارَةٌ فَاسِدَةٌ إِنْ فَسَدَتْ) لأَن الواجِب له حينئذٍ في مقابلة عَمَلَه أَجْرُ المِثْل، كالإِجارة الفاسدة، (فَلَا رِبْحَ لَهُ) أَي للمُضَارِب (بَلْ) له (أَجْرُ مثل عَمَلِهِ) سواء (رَبِحَ أَوْ لا) وبه قال الشافعي وأَحمد في رواية، لأَن الأَجْر يجب بتسليم المنافع أَوْ العمل، وقد وُجِدَ العمل فيجب له أَجر المِثْل. وعن أَبي يوسف لا أَجْر له إِذا لم يَرْبح، وبه قال مالك ـ في روايةٍ ـ وبعضُ أَصحاب أَحمد اعتباراً بالمضاربة الصحيحة، فإِنه إِذا لم يربح فيها لا يستحق شيئاً، والفاسد من العقود يأَخذ حُكْم صحيحه. (ولَا يُزَادُ) في أَجْر العمل للمُضَارِب (عَلى مَا شُرِط) من الربح عند أَبي

стр. 1275

خِلافًا لِمُحَمَّد، ولا يُضْمَنُ المَالُ فِيهَا، كَمَا في الصَّحِيحَةِ. ولا تَصِحُّ إِلَّا بِمَالٍ تَصِحُّ بِهِ الشَّرِكَةُ، ولا بِتَسْلِيمِهِ إِلى المُضَارِبِ وشُيوعِ الرِّبْحِ بَينَهُمَا. وللمُضَارِب في مُطْلَقِهَا أَنْ يَبِيعَ بِنَقْدٍ ونَسِيئَةٍ، إلَّا بأَجَلٍ لَم يُعْهَد، وأَنْ يَشْتَريَ ويُوَكِّلَ بِهِمَا، ويُسَافِرَ يُبْضِبعَ ولو لِرَبِّ المَالِ. === يوسف، لأَنه رضي به (خِلَافاً لِمُحَمَّد) فإِنه قال: له أَجْر المِثْل ولو زاد على ما شُرِط. (ولا يُضْمَنُ المَالُ فِيْهَا) أَي في المضاربة الفاسدة بالهلاك (كَمَا) لا يضمن (في) المضاربة (الصَّحِيْحَةِ). قال الطحاوي: هذا قول أَبي حنيفة، خلافاً لهما. وقال أَبو جعفر الهِنْدُوَاني: لا يضمن المال في المضاربة الفاسدة عند الكل. قال الإسْبِيجَابي: وهو الأَصح، لأَن المال في يد المضارب أَمانةٌ، سواء صَحَّت المضاربة أَوْ فسدت، لأَن رب المال لما قصد أَنْ يكون المال عنده مضاربةً قصد أَنْ يكون أَميناً، وله ولاية ذلك. (ولا تَصِحُّ) المضاربة (إِلاَّ بِمَالٍ تَصِحُّ بِهِ الشَّرِكَةُ) لأَنها عقد شركة في الربح، فلا تصح إِلا بما تصح به الشركة. وقد مَرّ ما تصح به الشركة في كتابها. (ولا) تصح المضاربة إِلاَّ (بِتَسْلِيْمِهِ) أَي المال (إِلى المُضَارِبِ) لأَن يده على المال يدُ أَمانة، فلا تتِمُّ المضاربة إِلاَّ بتَسْلِيمه، كالوديعة. (وشُيوعِ الرِّبْحِ) أَي ولا تصح المضاربة إِلاَّ بشيوعه (بَيْنَهُمَا) أَي بين ربِّ المال والمُضَارِب، لأَن عدم شيوعه بينهما: بأَنْ سَمَّيَا منه لأَحدهما دراهم أَوْ دنانير، يؤدي إِلى قطع الشركة فيه، على تقدير أَنْ لا يُزَاد على المُسَمَّى. (وللمُضَارِب في مُطْلَقِهَا) وهو غير مُقَيَّدٍ بزمانٍ أَوْ مكانٍ أَوْ غيرهما (أَنْ يَبِيْعَ بِنَقْدٍ ونَسِيْئَةٍ) لأَنها من صُنْع التجار. وقال مالك والشافعيّ وأَحمد ـ في رواية ـ: لا يبيع بالنسيئة إِلاَّ بإِذْن رَبِّ المال، (إِلاَّ بأَجَلٍ) هذا مستثنى من النسيئة، (لَمْ يُعْهَد) أَي عند التجار، لأَنهم العمدة في هذا الباب. (وأَنْ يَشْتَريَ و) أَنْ (يُوَكِّلَ بِهِمَا) أَي بالبيع والشراء، (و) أَنْ (يُسَافِرَ) وأَنْ (يُبْضِعَ ولو لِرَبِّ المَالِ) المراد بالإِبضاع هنا مجردُ الاستعانة لا ما هو المتعارَف: من أَنْ يكون المالُ للمُبْضِع والعمل من الآخَر. ولمَّا صح استعانة المضارب بالأَجنبي

стр. 1276

ولا تَفْسُدُ هي به. ويُودِعَ، ويَرْهَنَ، ويَحْتَالَ بالثَّمَن على الأَيْسَر والأَعْسَرِ. ولا يُقْرِضُ ولا يَستَدِيْنُ إلَّا بإِذْنِ المَالِكِ. ولا يُضَارِبُ ولا يَخْلِطُهُ بِمَالِهِ إلَّا بِهِ أَو بـ: "اعْمَلْ بِرَأيِكَ"، فَلَوْ قِيلَ هَذَا وقَصَّرَ، أَو حَمَلَ بِمَالِهِ، تَبَرُّعٌ. بِخِلافِ مَا إِذا صَبَغَ أَحْمَرَ! === فلأَن يصح استعانته بربِّ المال ـ وهو أَشْفَقُ عليه ـ كان أَوْلى. (ولا تَفْسُدُ هي) أَي المضاربة (به) أَي بإِبضاع المضارِبِ رَبَّ المال. وقال زُفَر: تَفْسُد. (و) أَنْ (يُودِعَ و) أَنْ يَرْتَهِن و (يَرْهَنَ و) (أَنْ يُؤجِر و) (١) أَنْ يستأْجر وأَنْ (يَحْتَالَ) أَي يقبل الحَوالة (٢) (بالثَّمَن على الأَيْسَر والأَعْسَرِ) لأَن هذا كله مِنْ صُنْع التجار في تجارتهم، والعقد مطلق، ولا يحصل المقصود منه ـ وهو الربح ـ إِلا بالتجارة، فيتناول ما هو مِنْ صنع التجار في تجارتهم. وعن أَبي يوسف أَنه لا يسافر به إِلا بإِذن، وبه قال الشافعيّ وأَحمد ـ في روايةٍ ـ: لأَن فيه تعريضَ المال للهلاك بلا ضرورة. (ولا يُقْرِضُ) إِلا بإِذْنٍ، لأَن الإقراض تَبَرُّعٌ وليس من ضروريات التجارة فلا يملكه المضارب. وإِن قيل له: اعمل برأَيك. كما لا يملك الهِبة والصدقة. (ولا يَسْتَدِيْنُ) لما في الاستدانة من شغل ذِمَّة المالك (إِلاَّ بإِذْنِ المَالِكِ) لأَن المنع حقُّ المالك وله تَرْكُهُ. (ولا يُضَارِبُ) إِلاَّ بإِذْن المالك، أَوْ بـ: اعمل برأيك. (ولا يَخْلِطُهُ) أَي مال المضارَبة (بِمَالِهِ إِلاَّ بِهِ) أَي بإِذن المالك. وفي نسخة: بإِذنه، أَي صريحاً (أَوْ بـ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ) لأَن شيئاً من المضاربة والخلط لا تتوقف عليه التجارة، فلا يدخل في مطلق المضاربة، ولكنه جهةٌ تتميزُ فيدخل في العقد عند وجود الدلالة على دخوله، وهو إِذْن رب المال، أَوْ قوله: اعمل برأيك. (فَلَوْ قِيْلَ) للمضارب (هَذَا) أَي اعمل برأيك، فاشترى المضارِب ثياباً (وقَصَّرَ (٣) أَوْ حَمَلَ (٤) بِمَالِهِ تَبَرُّعٌ (٥) ) لأَن هذا استدانةٌ على ربِّ المال، وهو لا يملكها بهذا المقال (بِخِلَافِ مَا إِذا صَبَغَ) بماله (أَحْمَرَ) فإِنه يصير شريكاً بما زاد الصِّبْغ، لأَنه

стр. 1277

ولا يُجَاوِزُ بَلَدًا وسِلْعَةً وَوَقْتًا وَشَخْصًا عَيّنه المَالِكُ، فإنْ جَاوَزَ ضَمِنَ، ولَهُ رِبْحُهُ. لا يُزَوِّجُ عَبدًا أَو أَمَةً، ولا يَشْتَري مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ المالِ، ولو شَرَى فللمُضَارِبِ، ولا مَنْ يَعْتِقُ عليه، إِنْ كانَ رِبْحٌ ضَمِنَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ رِبْحٌ صَحَّ. ونَفَقَةُ مُضَارِبٍ عَمِلَ في مِصْرِهِ في مَالِهِ، وفي سَفَرِهِ: طعامُهُ وشرابُه وكِسْوَتُهُ، وأُجْرَةُ خَادِمِهِ، وغَسْلُ ثِيَابِهِ، ورَكُوْبُهُ، === مالٌ قائمٌ، فإِذا بِيْع الثوبُ كان للمضارِب حِصّةُ الصِّبْغ، وكانت حصةُ الثوب الأبيض على المضاربة. (ولا يُجَاوِزُ) المُضَارِب (بَلَدَاً وسِلْعَةً وَوَقْتَاً وَشَخْصَاً عَيَّنه المَالِكُ) وخَصَّ التصرف به، وبه قال أَحمد. وقال مالك والشافعيّ: إِذا شرط المالك أَنْ لا يشتري إِلاَّ من رجل بعينِهِ، أَوْ سلعة بعينها، أَوْ ما لا يَعُم وجوده، لا تصح المضاربة. وإِنما قيد «بلداً» لأَنه لو عيَّن سوقاً لا يتقيَّدُ به، إِلاَّ إِذا صرَّح بالنهي، بأَن قال: لا تعمل في غير هذا السوق، لأَنه صرح بالحَجْر. (فإِنْ جَاوَزَ) المضارب شيئاً من ذلك (ضَمِنَ) لأَنه صار غاصِبَاً بالمُخَالِفَة (ولَهُ رِبْحُهُ) لأَنه مَلَكَهُ بالضمان. (ولا يُزَوِّجُ) المضاربُ (عَبْدَاً أَوْ أَمَةً) من مال المضاربة، لأَنه ليس من عمل التجارة. وعن أَبي يوسف أَنه يزوج الأَمة إِذْ يستفيدُ به المَهْرَ. (ولا يَشْتَري) المضارب (مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ المَالِ) لقرابةٍ أَوْ يمينٍ (١) . (ولو شَرَى) مَنْ يعتق على ربِّ المال (فللمُضَارِبِ) أَي فالمُشْتَرَى للمُضَارِب. (ولا) يشتري (مَنْ يَعْتِقُ عليه) أَي على المضارب (إِنْ كانَ رِبْحٌ) في المال، وإِن كان ربحَ المضارب. (ولو فَعَل) شراءَ مَنْ يَعْتق عليه (ضَمِنَ) لأَنه يصير مشترياً لنفسه فيضمن بالنقد من مال المضاربة. (وإِنْ لَمْ يَكُنْ) في المال (رِبْحٌ) بأَن لم يكن في قيمة العبد المُشْتَرَى زيادةٌ على رأَس المال (صَحَّ) شراءُ المضارب مَنْ يعتق عليه للمضاربة، لأَنه لا مِلك له فيه. (ونَفَقَةُ مُضَارِبٍ) مبتدأ مضاف (عَمِلَ في مِصْرِهِ) صِفة (في مَالِهِ) خبر المبتدأ (وفي سَفَرِهِ) عطف على «في مصره»، أَي ونفقةُ مضارِبٍ عَمِل في سفر (طعامُهُ وشرابُه) دون دوائه في ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي حنيفة: (أَنَّ) (٢) ثمن الدواء في مال المضاربة، ولهذا كانت نفقةُ المرأَة على الزَّوْج، ودوائها في مالِهَا. (وكِسْوَتُهُ وأُجْرَةُ خَادِمِهِ وغَسْلُ ثِيَابِهِ ورَكُوْبُهُ) ـ بفتح الراء ـ مركوبه ومعطوف على

стр. 1278

كِرَاءً وشراءً، وعَلَفُهُ في مَالِهِا بِالمَعْرُوْفِ. وضَمِنَ الفَضْلَ. ومَا دُوْنَ سَفَرٍ يَغْدُو إِليه، ولا يبيتُ بِأَهْلِهِ، كالسَّفَرِ، فإِنْ رَبح أَخَذَ المَالِكُ ما أَنْفَقَ ثُمَّ قَسَمَ البَاقِي. وإِنْ دَفَعَ المُضَارِبُ مُضَارَبَةً بِلا إِذْنٍ، ضَمِنَ عِنْدَ عَمَلِ الثَّانِي، وقِيلَ: عِنْدَ رِبْحِهِ. وصَحَّ إِنْ شُرِطَ لِعَبدِ المَالِكِ شيءٌ لِيحْمَلَ مَعَ المُضَارِبِ. === طعامه. وطعامه وما عطف عليه بيانٌ لنفقة المضارب في سفره (كِرَاءً وشراءً) تمييزان لنسبة الركوب إِليه. (وعَلَفُهُ) أَي عَلَف رَكوبه (في مَالِهِا) أَي مال المضاربة، هذا خبرُ «ونفقة مضارب في سفره» (بِالمَعْرُوْفِ) الشائع فيما بين التجار (وضَمِنَ الفَضْلَ) أَي الزيادة على المعروف. وقال الشافعيّ وأَحمد: نفقته في السفر في مال نفسه. (ومَا دُوْنَ) مسافة (سَفَرٍ) إِنْ كان بحيث (يَغْدُو إِليه ولا يَبِيْتُ بِأَهْلِهِ، كالسَّفَرِ) فيكون نفقته إِنْ عَمِل فيه في مال المضاربة، لأَن خروجه لأَجلها فصار محبوساً لها، وإِنْ كان بحيثُ يغدو إِليه ويبيت بِأَهله، كالمِصْر، فيكون نفقته في مال نفسه، لأَن أَهل المِصْر يتَّجرون في السوقِ ويبيتون في منازلهم. (فإِنْ رَبِحَ) المضارب (أَخَذَ المَالِكُ) من الربح (ما أَنْفَقَ) المضارب من رأَس المال حتى يُتِمَّه (ثُمَّ قَسَمَ البَاقِي) لأَن رأَس المال أَصل، والرِّبْحَ مبنيٌّ عليه، ولا يسلم الفرع حتى يسلم الأَصل، ولأَن ما ذهب للنفقة هالك، والهلاك في المضاربة يُصْرف إِلى الربح. (وإِنْ دَفَعَ المُضَارِبُ) المال إِلى غيره (مُضَارَبَةً بِلَا إِذْنٍ) من ربِّ المال لم يضمن عند الدفع بل (ضَمِنَ عِنْدَ عَمَلِ الثَّانِي)، ربح أَوْ لم يربح، وهذا قول أَبي يوسف ومحمد وهو ظاهر الرواية. (وقِيْلَ:) لا يضمن عند عَمَلِ الثاني بل ضمن (عِنْدَ رِبْحِهِ) وهو رواية الحسن عن أَبي حنيفة. وقال زُفر: يضمن عند الدفع عَمِل أَوْ لم يَعْمل، وهو روايةٌ عن أَبي يوسف، وقول مالك، والشافعيّ، وأَحمد. (وصَحَّ) عقد المضاربة (إِنْ شُرِطَ لِعَبْدِ المَالِكِ شيءٌ) من الربح (لِيَعْمَلَ مَعَ المُضَارِبِ) بأَن شَرَطَ أَنْ يكون ثلثُ الربح للمالك، وثلثُهُ لعبده، وثلثُهُ للمضارب. ثم إِذا صحت المضاربة يكون للمولى ما شرط للعبد إِنْ لم يكن عليه دين، وإِن كان عليه دين فهو للغرماء. وإِنما قال: «عبد المالك» مع أَنَّ الحكم في عبد المضارب كذلك عند شرط العمل ـ دفعاً لما يُتَوَهَّم أَنْ يد العبد للمولى، فلم يحصل التخلية، بخلاف شرط العمل على المالك، فإِنه يمنع التخلية لبقاء يد المالك على المال فيمنع صحة المضاربة.

стр. 1279

وتَبطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، ولَحَاقِ المَالِكِ مُرْتَدًّا. ولا يَنْعَزِلُ إِذَا عَزَلَهُ حَتى يَعْلَمَ بِعَزْلِهِ، فَلَوْ عَلِمَ فَلَهُ بَيعُ عَرْضِهَا، ثُمَّ لا يَتَصَرَّفُ في ثَمَنِهِ، ولا في نَقْدٍ نَضَّ مِن جِنْسِ رَأَسِ مَالِهِ، ويُبدِّلُ خِلافَهُ بِهِ. === وإِنما قال: «ليعمل» لأَنه إِذا لم يشترط عمل العبد فالمشروط للعبد يكون للمولى مطلقاً، لأَن العبد لم يشترط العمل له وليس له رأْس المال، فيكون للمولى. ذكره في «الذخيرة». (وتَبْطُلُ) المضاربة (بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) لأَنه توكيلٌ، وهو يبطل بموت الوكيل أَوْ المُوكِّل (ولَحاقِ المَالِكِ) بدار الحرب (مُرْتَدًّا) لأَنه موتٌ حكماً، ولذا يُقسم ماله بين ورثته، ويُعتق مُدَبَّره (١) وأُمّ ولده (٢) . قَيَّد «باللَّحَاق» لأَن مجرد الارتداد لا يُبْطِل تصرف المضارب عند أَبي حنيفة، بل يوقفه على النفاذ بالإِسلام، أَو البطلان بالموت أَوْ القتل. وقيَّد اللَّحاق «بالمالك» لأَن لَحَاق المضارب مرتدّاً لا يُبْطِل المضاربة عندهم، لأَن تصرفات المرتد إِنما تتوقف عند أَبي حنيفة للتَّوقف في أَملاكه، ولا ملك للمضارب في مال المضاربة فبقيت المضاربة على حالها. (ولا يَنْعَزِلُ) المضارب (إِذَا عَزَلَهُ) ربُّ المال (حَتَّى يَعْلَمَ) المضارب (بِعَزْلِهِ) لأَنه وكيلُ من عزله قبله. وعزل الوكيل قصداً يتوقف على علمه، لأَنه نَهْي، والأَحكام المتعلقة بالأَمر والنهي لا يؤثر فيها الأَمر والنهي إِلا بعد العلم، ودليلهُ أَوامر الشرع ونواهيه، وهذا إِذا كان العزل قصدياً، فلو كان العزل حُكْمياً كالموت، فلا يُشترط علم المضارب، كما في الوكالة. (فَلَوْ عَلِمَ) بعزله بعدما صار مال المضاربة عَرْضاً (فَلَهُ بَيْعُ عَرْضِهَا) لأَن حَقَّه ثَبَتَ في الربح، (وإِنما يظهر بالقسمة، وقسمة الرِّبح) (٣) على أَنْ يَنِضَّ رأَس المال، أَي يتحول عَيْنَاً بَعْد أَنْ كان متاعاً، كذا في «القاموس». (ثُمَّ لا يَتَصَرَّفُ في ثَمَنِهِ) بأَن يشتري به شيئاً آخر (ولا في نَقْدٍ نَضَّ) ـ بفتح النون وتشديد المعجمة ـ أَي حصل (مِنْ جِنْسِ رَأَسِ مَالِهِ) لأَن التصرف في العَرْض (٤) ببيعه بعد العزل إِنما كان لضرورة ظهور الربح، ولا ضرورة ههنا. (ويُبَدِّلُ) المضارب بعد العزل (خِلَافَهُ) خلاف جنس رأَس المال (بِهِ) أَي بجنس رأَس المال، وبه قال الشافعيّ وأَحمد.

стр. 1280

ولَوِ افْتَرَقَا، وفي المَالِ دَيْنٌ، لَزِمَهُ طَلَبُهُ، إِنْ كَانَ رِبْحٌ، وإِلَّا يُوكِّلُ المَالِكَ بِهِ. والبَيَّاعُ والسِّمْسَارُ يُجْبَرَانِ عَلَيهِ، وَمَا هَلَك صُرِفَ إِلى الرِّبْح أَوَّلًا. إِنْ قَالَ المَالِكُ: عَيَّنْتُ نَوْعًا، صُدِّقَ المُضَارِبُ إِنْ جَحَدَ. === (ولَوِ افْتَرَقَا) من المضاربة (وفي المَالِ دَيْنٌ لَزِمَهُ) أَي المضاربَ (طَلَبُهُ) أَي طَلَبَ الدَّيْن، (إِنْ كَانَ ربح) لأَن المضارب كان كالأَجِير، وحِصَّتُه من الربح كالأُجرة وقد سلمت له، فيُجبر على إِتمام العمل. (وإِلاَّ) أَي وإِنْ لم يكن رِبْحٌ لا يلزمه طلب الدين، لأَنه وكِيْلٌ مَحْض، والوكيل متبرعٌ، (والمتبرع) (١) لا يُجبر على إِتمام ما تَبَرَّعَ به. لكن (يُوكِّلُ) المضارب (المَالِكَ بِهِ) أَي بطلب الدَّيْن، لأَن حقوق العقد تتعلق بالعاقد، وهو ههنا المضارب، فلم يكن لربِّ المال المطالبة بالديون التي فيما عقده المضارب إِلا بتوكيل من المضارب، فيؤمر المضارب بتوكيله كيلا يضيع حقه. وقال مالك والشافعي وأَحمد: يَلزم المضارب طلب الدين، لأَنه بعقد المضاربة التزم ردَّ رأَس المال على صفته، فيلزمه أَنْ ينِضَّهُ كما لو كان في المال ربح، وكذا سائر الوكلاء (بالبيع، وسائر المستبضِعِين لا يُجبر أَحدهما بعد العزل على طلب الثمن إِذا امتنع في تقاضيه، ولكن يُجبر على أَنْ يحيل ربّ المال بالثمن على المشتري) (٢) . (والبَيَّاعُ) أَي الدَّلال (والسِّمْسَارُ) ـ بكسر السين الأولى ـ المتوسط بين البائع والمشتري، فارسي (مُعَرَّب) (٣) (يُجْبَرَانِ عَلَيْهِ) أَي على طلب الثَّمن، لأَنهما يعملان بأُجرة عادةً، فكان ذلك بمنزلة الإِجارة الصحيحة. (وَمَا هَلَك) من مال المضاربة (صُرِفَ إِلى الرِّبْح أَوَّلاً) لأَن الربح تابعٌ لرأْس المال لتصور وجود رأَس المال بدون الربح، بخلاف العكس فينصرف الهالك إِليه كما يَصْرِف الهالك من مال الزكاة إِلى العَفْو (٤) دون النصاب، لأَن العفو تبعٌ للنصاب. (وإِنْ قَالَ المَالِكُ: عَيَّنْتُ نَوْعَاً، صُدِّقَ المُضَارِبُ) مع يمينه (إِنْ جَحَدَ) التَعْيين: بأَن قال: ما سميتَ لي تجارةً بعينها، أَوْ قال: عَمَّمْتَ التجارة في الأَنواع كلها. وقال زُفر: صُدِّق رَبُّ المال، لأَن الإِذْن مستفادٌ منه، كما في الوَكالة. ولنا أَنَّ الأَصْل في المضاربة العموم دون الخصوص، وفي الوكالة الخصوص

стр. 1281

وإن ادَّعَى كُلٌّ نَوْعًا، صُدِّقَ المَالِكُ، وكذا إِنْ قَالَ: بضاعةٌ أَو وديعةٌ، وقال: مُضاربةٌ، أَو قرضٌ. === دون العموم، والقول قولُ المتمسك بالأَصل. (وإِن ادَّعَى كُلٌّ) مِنْ المالك والمضارب (نَوْعَاً صُدِّقَ المَالِكُ) مع يمينه، لأَنهما اتفقا على الخصوص. والإِذْن مستفادٌ من جهة المالك، واعتبار قول مَنْ يُستفاد الإِذن من جهته أَحَقُّ من غيره، والبينة بيِّنَةُ المضارب لاحتياجه إِلى نَفْي الضمان، (وكذا) يُصَدَّق المالك مع يمينه (إِنْ قَالَ:) رب المال (بضاعةٌ أَوْ وديعةٌ، وقال:) ذو اليد (مُضاربةٌ) لأَنه يُنْكر دعوى الربح (أَوْ) قال: (قرضٌ) لأَنه ينكر دَعْوَى التمليك، والله تعالى أَعلم ..

стр. 1282

كِتَابُ المُزَارَعَةِ هِي عَقْدُ الزَّرْعِ بِبعْضِ الخَارِجِ. ولا تَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حنيفةَ ﵀. === كتاب المُزَارَعَةِ (هِي) لغةً: مفاعلةٌ من الزراعة، وهي إِنْبَاتٌ، لقوله تعالى: ﴿أَأَنتُم تَزْرَعُونَهُ﴾ (١) ونسبتُها إِلى غيره سبحانه مجاز من إِسناد الفعل إِلى السبب، وهو الحراثة، وهي: إِثارة الأرض للزراعة، وما يُسْتَنْبَتُ بالبَذْرِ يُسَمَّى زَرْعَاً أَيضاً تسمية بالمصدر، وإِنما عَبَّر عنها بالمفاعلة التي تقتضي الفعل من الجانبين لأَن الإِعانة على الفعل من إِعطاء البَذْر والآلة بمنزلة الفعل، كالمُضَارَبة. وتُسمى المزارعة مُخَابرةً أَيضاً، من الخُبْرة، وهي النصيب، أَوْ من خَيْبر لأَنها أَوَّل ما دُفِعَت إِليهم. وشرعاً: (عَقْدُ الزَّرْعِ بِبَعْضِ الخَارِجِ) منه. (ولا تَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حنيفةَ ﵀ فإِن وقعت يجب على صاحب البَذْر أَجْرُ المِثْل للعامل ولرب الأرض، والغلة له لأَنها نماءُ مِلْكه. وإِنَّما لا تصح عنده لما أَخرجه مسلمٌ، عن ثابت بن الضَّحَّاك: أَنْ رسول الله ﷺ نَهَى عن المزارعة وأَمَرَ بالمؤاجرة، وقال: «لا بأَس بِهَا». وما رواه ابن أَبي شيبة عن ثابت بن الحجَّاج، عن زيد بن ثابت قال: نهى رسول الله ﷺ عن المُخَابَرة، قلت: وما المُخَابَرةُ؟ قال: أَنْ تَأَخُذَ الأَرْض بِنِصْفٍ أَوْ ثُلْثٍ أَوْ رُبُعٍ. ولقول ابن عمر: كُنَا نُخَابِرُ ولا نرى بذلك بأَساً، حتى زعم رافعُ بنُ خَدِيْج أَنْ النبي ﷺ نهى عنها، فَتركْنَاهَا من أَجل ذلك. وعن عطاء عن جابر بن عبد الله: نهى رسول الله ﷺ عن المُخَابَرةِ، والمحَاقَلةِ، والمُزَابَنَةِ. قال عطاء: فَسَّرَهَا لنا جابر فقال: أَما المخابرة: فالأَرض البيضاء يدفعُهَا الرجلُ إِلى الرجل، فيُنفق فيها فيأْخذُ من الثَّمر. والمحاقلةُ: بَيْعُ الزَّرْعِ القائم بالحبِّ كَيْلاً. والمُزَابَنَةُ: بَيع الْرُّطَبِ في النَّخْلِ بالتَّمْرِ كَيْلاً. رواهما مسلم. وفي «سُنن أَبي داود» أَنَّ رَافِعَ بنَ خَدِيج قال: كنا نُخَابِرُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، فَذَكَر أَنْ بعضَ عمومته أَتاه فقال: نَهى رسول الله ﷺ عن أَمْرٍ كان لنا نافعاً، وطواعيةُ (٢) اللَّهِ ورسوله أَنفْعُ (لَنا، و) (٣) قال: قلنا وما ذاكَ؟ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كانت له أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخاه، ولا يُكَارِيها بِثُلُثٍ، ولا رُبْع، ولا بِطَعام

стр. 1283

وَصَحَّتِ عِنْدَهمَا، === مُسَمَّى». ولأَن المزارعة استئجارٌ بأَجْرٍ مجهولٍ أَوْ معدومٍ، وكلّ منهما مُفْسِدٌ، ولأَنها استئجارٌ بِبعضِ ما يخرج من العمل، فيكون في معنى قفيزِ (١) الطحَّان: وهو أَنْ يستأْجر رجلاً لِيَطْحَنَ له كُرَّ (٢) حنطةٍ بقفيزٍ من دقيقها. وأَما ما أَخذه النبيُّ ﷺ مِنْ أَهل خَيبرَ فإِنما كان خَراجَ مقاسمةٍ بطريق المَنِّ (٣) والصلح، وذلك جائزٌ بدليلِ أَنه ﵊ لم يُبَيّن لهم المدة، ولو كانت مزارعةً لَبَيَّنَهَا، لأَن المزارعة لا تجوز عند مَنْ يُجِيزها إِلاَّ بِبَيان المدة. وقال أَبو بكر الرازي: ومِمَّا يَدُلُّ على أَنَّ ما شُرِطَ عليهم من نصف الثمر والزرع كان على وَجْه الجزية، أَنه لم يَرِدْ في شيءٍ من الأَخبار أَنَّ النبيَّ ﷺ أَخذ منهم الجزيةَ إِلى أَنْ مات، ولا أَبو بكر إِلى أَنْ مات، ولا عمرُ إِلى أَنْ أَجلَاهم، ولو لم يكن ذلك جزيةً لأَخذ منهم الجِزيةَ حين نزلت آيةُ الجزية. والحيلة عنده: أَنْ يستأْجِر ربَّ البَذْرِ (و) (٤) العَامِلَ بأَجْرٍ مَعلومٍ إِلى مدةٍ معلومةٍ، فإِذا مضت المدةُ يعطيه بعضَ الخارج عما وجب له مِنْ الأَجر في ذمته، سواء حصل الخارج أَوْ لا، فيجوز ذلك بِرِضَاهُمَا، كالدَّيْن إِذا أَعطى عنه خلاف جنسه. (وَصَحَّتِ) المِزارعة (عِنْدَهُمَا) لما أَخرجه الجماعة إِلاَّ النَّسائي عن نافع، عن ابن عمر: أَنْ رسول الله ﷺ عامَل أَهْلَ خيبرَ بشرطِ ما يَخْرج منها: من ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ. وفي لفظٍ: لما فُتِحَتْ خيبرُ، سأَل اليهودُ رسول الله ﷺ أَنْ يُقِرَّهم فيها على أَنْ يعملوا على نِصْف ما يخرج منها: من التَّمْر، والزَّرْعِ. فقال ﵊: «نُقِرُّكُمْ فيها على ذلك ما شئنا». وفي لفظٍ لأَبي داود عن ابن عباس: فلما كان حين يُصْرَمُ (٥) النَّخْلُ بعث إِليهم عبد الله بن رَوَاحَة فَحَزَرَ (٦) عليهم النَّخْل ـ وهو الذي يسميه أَهل المدينة الخَرْص (٧) ـ فقال: في ذِه كذا وكذا، قالوا: أَكْثَرْتَ علينا يا ابنَ

стр. 1284

وبه يُفْتَى، === رَوَاحَة، قال: فأَنا إِليَّ حَزْرُ النَّخْلِ، وأُعطِيكم نِصْفَ الذي قلت، قالوا: هذا الحَقُّ، وبه تقومُ السماءُ والأَرْضُ، قد رضينا أَنْ نأَخذ بالذي قلت. وفيه عن جابر: فَخَرَصَهَا أَربعين أَلْفَ وَسْقٍ (١) ، ولمَّا خَيَّرهم أَخذوا التَّمْرَ وعليهم عشرونَ أَلْفَ وَسْقٍ. وعن عَمرو بنِ دينارٍ قال: قلتُ لِطَاوُس: لو تَرَكْتَ المُخَابَرةَ فإِنهم يَزْعُمُون أَنَّ النبيَّ ﷺ نهى عنها، قال أَي عَمْرُو ـ يعني يا عمُرو ـ إِني أُعطِيهم وأُعينُهُم وأَنَّ أَعْلَمَهُمْ ـ يعني ابن عباس ـ أخبرني أَنَّ النبيَّ ﷺ لم يَنْهَ عنها، وإِنَّما قال: لأَن يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ من أَنْ يَأَخُذَ عليه خَرْجَاً مَعْلُومَاً. متفق عليه. وعن عُروَةَ بن الزُّبَيْر قال: قال زَيْدُ بنُ ثابت: يغفر اللَّهُ لِرَافِع بنِ خَدِيج، أَنا واللَّهِ أَعْلَمُ بالحديثِ منه، أَتاه رجلانِ قد اقتتلا، فقال رسول الله ﷺ : «إِنْ كان هذا شأْنَكُم فلا تُكْرُوا المَزارِع». رواه أَبو داود. وأَما ما فيه من قوله ﵊: «مَنْ لم يَذَرِ المُخَابَرَةَ فَلْيُؤذِن بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ ورسوله»، فمحمولٌ على قول رافع: كُنَّا أَكثرَ أَهل المدينة حَقلاً، وكان أَحدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فيقول: هذه القطعةُ لي، وهَذِهِ لك، فرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِه، ولم تُخْرِج ذِه، فنهاهم النبيُّ ﷺ . متفق عليه. وقد قال أَبو جعفر: ما بالمدينةِ أَهْلُ بيتِ هجرةٍ إِلاَّ يَزْرَعُونَ على الثُّلْثِ والرُّبُعِ. زَارَعَ عليٌّ، وسعد ابن مالك، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقَاسِم، وعُروة، وآل أَبي بكر، وآل عمر، وابن سيرين. وعامَل عمرُ الناسَ على أَنه: إِنْ جاءَ عمرُ بالبذر مِنْ عِنْدِهِ فله الشَّطْرُ، وإِن جاؤوا بالبَذْرِ فلهم كذا. رواه البخاري. ولأَنها عقدُ شركةٍ بين المال والعمل، فيجوز كما في المضاربة، والجامعُ الحاجةُ، لأَن صاحب الأَرض قد لا يَقْدِر على العمل، والقادر على العمل قد لا يَجِد الأَرض، فَمَسَّت الحاجةُ إِلى المزارعة لتنتظم مصلحتُهما وتحصل منفعتُهما من الرَّيْع، كما أَنَّ مَنْ له مالٌ قد لا يهتدي إِلى التجارة، ومَنْ يهتدي إِلى التجارة قد لا يكون له مالٌ، فَمَسَّت الحاجةُ إِلى المضاربة. (وبِهِ) أَي وبقولهما في المزارعة (يُفْتَى) لحاجةِ الناس إِليها، وتعامُلِ الناس بها، والقياس يُتْرَك بالتعامل كما في الاستصناع. وقد أَجازها الخلفاء الراشدون، وعُمْدةٌ من الأَنصار والمهاجرين. وأَما ما رواه من النَّص عن النهي فمُؤَوَّلٌ، فإِنهم كانوا يشترطون فيها شيئاً معلوماً

стр. 1285

بِشَرْطِ صلاحِيَةِ الأَرْضِ للزَّرْع، وَأَهْلِيَّةِ العَاقِدَيْنِ، وذِكْرِ المُدّةِ، ورَبِّ البَذْرِ، وجِنْسِهِ، وقِسْطِ الآخَرِ، والتَّخْلِيَةِ بَينْ الأَرْضِ والعَامِلِ، وشُيُوْعِ الحَبِّ. فَتَفْسُدُ إِن شُرِطَ مَا يُنَافِيه، كَرَفْعِ البَذْرِ أَو الخَرَاجِ، ثمَّ قِسْمَةُ البَاقِي، === من الخارج لربِّ الأَرض وهو مفسد للعقد، كما لو دفع الغنمَ ونحوَهَا إِلى مَنْ يرعاها ويَخْدُمُهَا بنصف الزوائد التي تحدث منها، فلذا نُهُوا عنها. ثُم اعلم أَنَّ أَبا حنيفة فَرَّع مسائل المزارعة والمعاملة على أُصولهما لمَّا علم أَنَّ الناس لا يأخذون بقوله فيهما، كذا في «الفصول العمادية». والأظهر أنَّ صِحَّة المزارعة روايةٌ عنه والمسائلُ متفرّعة عليها إِلاَّ أَنه اختار فسادها، وأَخَذَ أَصحابُهُ بروايةِ صحتها (بِشَرْطِ صَلَاحِيَّةِ الأَرْضِ للزَّرْعِ) لأَن المقصود هو الربح، وهو لا يحصل بدونه (وَأَهْلِيَّةِ العَاقِدَيْنِ) وهما: ربُّ الأَرض، والمُزَارِع: بأَن يكون كلُّ واحدٍ منهما حرّاً عاقِلاً بالغَاً أَوْ عَبداً أَوْ صبيًّا مأْذونَين. وهذا الشرط لا اختصاص له بهذا العقد، بل جميعُ العقودِ كذلك. (وذِكْرِ المُدَّةِ) لأَن العقد يَرِدُ على منفعةِ ربِّ الأَرض إِنْ كان البَذْرُ من جهة العامل، وعلى منفعة العامل إِنْ كان البذر من جهة ربِّ الأرض، والمنفعة هنا لا يُعْرف مقدارُهَا إِلا بِبَيان المدة، فكان معياراً للمنفعة. ويُشترط في المدة: أَنْ لا تكون أَقلَّ مِمَّا يمكن فيه الزراعة، وأَن لا تكون لا يعيشُ إِلى مِثْلها أَحَدُهُما غَالِبَاً، وهو المختار للفتوى، على ما في «الخِزانة». وعند محمد بن سَلَمة لا يُشترط بيانُ المدة، ويقع ما لم يُبَيّن فيه المدة على سنةٍ واحدةٍ، وبه أَخذ الفقيهُ أَبو الليث. وفي «الفتاوى المنصورية»: الفتوى على ما قاله محمد بن سَلَمة. (ورَبِّ البَذْرِ) أَي وذَكَرَهُ بتسميتِهِ لأَنه المستأْجِر. (و) ذكر (جِنْسِهِ) أَي جنس البذر ليصيرَ الأَجْرُ معلوماً، لأَنه منه. (و) ذكر (قِسْطِ الآخَرِ) وهو غيرُ ربِّ البذر، لأَنه أُجرةُ عَملِهِ أَوْ أَرْضِهِ. (والتَّخْلِيَةِ) أَي ويشترط التخلية (بَيْنَ الأَرْضِ والعَامِلِ) ليتمكن من العمل، فلو شُرِط عمل ربِّ الأَرض مع العامل لا يصح، لفَوَاتِ التخلية. (وشُيُوْعِ الحَبِّ) الخارج بين العاقدَيْنِ لتحقق المعنى المقصود من المزارعة وهو الشَّرِكَة، لأَنها تنعقد إِجارةً في الابتداء وشركةً في الانتهاء. (فَتَفْسُدُ) المزارعة (إِنْ شُرِطَ مَا يُنَافِيه) أَي يُنَافي شيوع الحَبِّ الخارج (كَرَفْعِ البَذْرِ) أَي رفع ربِّ البِذْر من الخارج ثُم قسمة الباقي. (أَوْ) رفع (الخَرَاجِ) من الأَرض الخراجية خَراجاً مُوَظَّفَاً، (ثُمَّ قِسْمَةُ البَاقِي) لجواز أَنْ لا يخرج من الأَرض

стр. 1286

وَكَذَا إِنْ شُرِطَ التِّبْنُ لِغَيرِ رَبِّ البَذْرِ، وصَحَّ للآخَرِ، أَو لَمْ يَتَعَرَّضْ. ولا تَصِحُّ إلَّا أَنْ تكون الأَرضُ والبَذْرُ لأَحَدٍ، والبَقَرُ والعَمَلُ لآخَرَ، أَو تَكُوْنَ الأَرْضُ لِوَاحِدٍ والبَاقِي لآخَرَ، أَو العَمَلُ لَهُ والبَاقِي للآخَرِ. وإِذَا صَحَّت فالخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ، ولا شَيءَ للعَامِلِ === إِلا القَدْر المرفوع. قيدنا بكون الخَراج (١) «مُوَظَّفَاً» لأَنه لو كان مُقاسمةً كالربع أَوْ الخمس لا تَفْسُد المزارعةُ، كما لو شُرِطَ رَفْع (٢) العُشْر وقسمة الباقي، لأَن هذا الشرط لا يؤدي إِلى قطع الشركة. (وَكَذَا) تفسد المزارعة (إِنْ شُرِطَ التِّبْنُ لِغَيْرِ رَبِّ البَذْرِ) ثُم قسمة الحَبِّ، لأَن هذا الشرط يؤدي إِلى قَطْع الشَّرِكة إِذا لم يخرج إِلاَّ التبن، لأَن استحقاق غير صاحب البَذْر إِنَّما هو بالشِرط. (وصَحَّ) عقد المزارعة إِنْ شُرِط التِّبن (للآخَرِ) أَي لربِّ البَذْر، لأَن ذلك حُكْمُ عَقْد المزارعة (أَوْ) إِنْ (لَمْ يَتَعَرَّضْ) للتِّبْن لاشتراطهما الشركةَ فيما هو المقصود ـ وهو الحب ـ، والتِّبْن لصاحب البَذْر لا يحتاج في أَخذه إِلى شَرْطٍ، لأَنه نماءُ بَذْرِه. وقال مشايخ بلخ: التِّبْن بينهما، اعتباراً للتصرف فيما لم يَنُصَّ عليه المتعاقدان، ولأَنه تَبَعٌ لِلْحَبِّ، والتَّبَعُ يكونُ بِشَرْط الأَصل. (ولا تَصِحُّ) المزارعة (إِلاَّ أَنْ تكون الأَرْضُ والبَذْرُ لأَحَدٍ) أَي لواحِدٍ من العاقِدَين (والبَقَرُ والعَمَلُ لآخَرَ) لأَن البقر آلة العمل، (أَوْ) إِلاَّ أَنْ (تَكُوْنَ الأَرْضُ لِوَاحِدٍ والبَاقِي لآخَرَ) لأَن صاحب البَذْر حينئذٍ يكون مُستأْجِراً للأَرض بِأجْرٍ معلومٍ من الخارج فيجوز، كما (لو) (٣) استأْجرها بِدراهم في الذمة. (أَوْ) إِلاَّ أَنْ يكون (العَمَلُ لَهُ) أَي لَوَاحِدٍ (والبَاقِي للآخَرِ) لأَن صاحب البَذْر حينئذٍ يكون مستأْجِراً للعامل وحدَهُ بأُجْرَةٍ معلومةٍ من الخارج، فيجوز. (وإِذَا صَحَّتِ) المزارعة (فالخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ) لصحة الالتزام (ولا شَيءَ للعَامِلِ

стр. 1287

إِنْ لَمْ يَخْرُج. ويُجْبَرُ مَنْ أَبَى عن المُضِيِّ إِلَّا رَبَّ البَذْرِ، [فإِنْ أَبَى] بَعْدَما كَرَبَ العَامِلُ، يَجِبُ أَنْ يَستَرضِي. وإِنْ فَسَدَتْ فالخَارِجُ لرَبِّ البَذْرِ، ولِلآخَرِ أَجْرُ مِثْلِهِ، ولا يُزَادُ عَلَى مَا شَرَطَ. وتَبْطُلُ بِمَوتِ أَحَدِهِمَا، === إِنْ لَمْ يَخْرُج) شيء من الزرع، لأَن الشَّرِكَة إِنَّما هي في الخارج فلا يُستحقُّ غَيْرُه، بِخِلَاف ما إِذا فسدت، فإِن الواجب حينئذٍ أَجْرُ المِثْل. (ويُجْبَرُ مَنْ أَبَى) أَي امتنع (عنِ المُضِيِّ) لأَنها عقدُ إِجارة، ويُجبر عليه مَنْ أَبَى عن المُضِي فيه (إِلاَّ رَبَّ البَذْرِ) لأَنه لا يمكنه المضي في العقد إِلاَّ بضررٍ يلزمه، وهو إِلقاءُ بَذْرِهِ على الأَرْض، ولا يدري هل يخرج أَمْ لا، فلا يُجبر عليه، وصار كَمَنْ استأْجر أَجيراً لِهَدْمِ داره ثُم امتنع، ولو امتنع الأَجِيْرُ أُجْبِر على العمل، لأَن المزارعة تنعقد إِجارةً، والإِجارةُ عَقْدٌ لازِمٌ يُفْسخ بالعُذْر عندنا، وهو (١) يتحقق هنا (مِنْ جهةِ ربِّ البذْر لا) (٢) من جهة العامل. (فإِنْ أَبَى (٣) ) ربُّ البَذْر عن المضي في العقدِ، والبَذْرُ من قِبله (بَعْدَ ما كَرَبَ العَامِلُ) الأَرض، أَي قَلَبَهَا للحَرْث (يَجِبُ) عليه ديانَةً (أَنْ يَسْتَرْضِي) أَي يسترضي العامِلَ: بأَن يعطيه أَجْرَ مِثْلِ عَمَلِهِ، لأَنه غَرَّه في ذلك. ولا يَجِب عليه قضاءً، لأَن عمله إِنما يتقوَّم بالعقد وقد قوَّمه بجزءٍ من الخارج، ولا خارج. (الآثار المترتبة على فساد الإجارة) (وإِنْ فَسَدَتْ) المزارعة (فالخَارِجُ لرَبِّ البَذْرِ) لأَنه نماء مِلْكه (ولِلآخَرِ أَجْرُ مِثْلِهِ) مِنْ عَمَلٍ أَوْ أَرْضٍ (ولا يُزَادُ عَلَى مَا شَرَطَ) لأَنه رَضِي بِسُقوطِ الزَّائد عليه، وهذا عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف. وقال محمد: عليه أَجْرُ مِثْله بَالِغَاً ما بلغ. (وتَبْطُلُ) المزارعة (بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) أَي أَحد العاقِدَيْن إِذا عقدَهَا لنفسه، اعتباراً بالإِجارة، سواءً كان قبل الشروع في العمل أَوْ بعده، وهذا على إِطلاقه (هو القياس. و) (٤) في الاستحسان إِذا مات أَحدهما وكانت المدة ثلاثَ سنين مثلاً، وقد نبت الزرع في السنة الأُولى، يبقى عقدُ الإِجارة حتى يُستحصد ذلك الزرع، ثُم

стр. 1288

وتُفْسَخُ بِدَيْنٍ مُحْوِجٍ إِلى بَيعِهَا. فإنْ مَضَتِ المُدَّةُ وَلَمْ يُدْرَكِ الزَّرْعُ، فَعَلَى العَامِلِ أَجْرُ مِثْلِ نَصيبِهِ مِنَ الأَرْضِ حَتَّى يُدْرَكَ. ونَفَقَةُ الزَّرْعِ عَلَيهَما بالحِصَصِ، كَأَجْرِ الحَصَّادِ ونَحْوِهِ. فإِنْ شُرِطَ عَلَى العَامِلِ، صَحَّ عِنْدَ أبي يُوْسُفَ ﵀، === يَبْطُل في الباقي من السنتين، لأَن في إِبقاء العقد مراعاةً للحَقَّيْن فيعمل العامل أَوْ ورثته إِلى أَنْ يُحصد الزرع، ويُقسم على ما شرطاه. (وتُفْسَخُ بِدَيْنٍ) لاحقٍ لربِّ الأَرض (مُحْوِجٍ إِلى بَيْعِهَا) لأَنها تُفْسخ بالأَعْذَار، وهذا عذرٌ كما في الإِجارة. ولا يطالبه العامل إِذا كَرَبَ الأَرض أَوْ حَفَر النهر بشيءٍ، لأَن المنافع إِنَّما تقوَّم بالعقد، وهو إِنما قُوِّم بالخارج، وإِذا لم يكن خارجٌ لم يجب شيءٌ، وهذا إِذا لم ينبت الزرع، وأَما إِذا نبت فلا تباع الأَرض في الدَّيْن حتى تُسْتَحْصَدَ، لأَن في بيعها قبل ذلك إِبطالُ حَقِّ المزارع، وفي تأْخِير بَيْعِهَا حتى يُستحصد الزرع تأْخيرُ حق الغرماء، والتأْخير أَهون من الإِبْطَال. (فإِنْ مَضَتِ المُدَّةُ) المشروطة في المُزارعة (وَلَمْ يُدْرَكُ الزَّرْعُ فَعَلَى العَامِلِ) لصاحب الأَرض (أَجْرُ مِثْلِ نَصِيْبِهِ مِنَ الأَرْضِ حَتَّى يُدْرَكَ) الزرع ويُستحصد، فلا يجوز لربِّ الأَرْض أَنْ يأْخذ الزرع بَقْلاً، لما فيه من إِضرار المزارع، فأَما إِذا أَراد المزارع أَنْ يأْخذه بَقْلاً فلربِّ الأَرض أَنْ يفعله، ويكون بينهما أَوْ يعطيه قيمةَ نصيبِهِ أَوْ ينفق على الزرعِ ويرجع بما ينفقه في حصة المزارع، كذا في «الهداية». (ونَفَقَةُ الزَّرْعِ) مِنْ أَجْرِ السَّقْي. ونحوه، وكذا مُؤنة حِفْظه بعد انقضاء مدة المزارعة (عَلَيْهما بالحِصَصِ) أَي بِقَدْر الحصص (كَأَجْرِ الحَصَّادِ ونَحْوِهِ) من الرِّفاع (١) والدِّياس (٢) والتَّذْرِية (٣) ، لأَن عقد المزارعة يوجِب على العامل عَمَلاً يحتاج إِليه إِلى انتهاء الزرع، وهذه الأَشياء بعد انتهائه، وهو حينئذٍ مالٌ مشترك بينهما، فيجب عليهما على قَدْر مِلْكِهِمَا. (فإِنْ شُرِطَ) أَجْر الحصَّاد ونحوه (عَلَى العَامِلِ صَحَّ عِنْدَ أَبي يُوْسُفَ ﵀،

стр. 1289

وبِهِ يُفْتَى. === وبِهِ يُفْتَى) وهذا اختيار مشايخ بَلْخ. قال شمس الأَئمة: وهو الأَصح في ديارنا، يعني لتعامل الناس بها، كذا في «الهداية». وفسد في ظاهر الرواية، وهو القياس، وهذا بخلاف ما إِذا شرطا على ربِّ الأَرض، فإِنه مُفْسِدٌ بالاتفاق لعدم العُرف، وكذا إِذا شَرَطا الجُذَاذَ (١) على العامل، أَوْ الحَصَادَ على غير العامل لا يجوز بالاتفاق لعدم التعامل. وعن نُصَيْر بن يحيى، ومحمد بن سَلَمة (أَنَّ) (٢) هذا كله يكون على العامل، شُرِط عليه أَمْ لا، بِحُكْم العُرْف. قال شمس الأَئمة السَّرَخْسي: هذا هو الصحيح في ديارنا، كذا في «فتاوى قاضيخان»، والله أَعلم.

стр. 1290

كِتَابُ المُسَاقَاةِ هِي دَفْعُ الشَّجَرِ إِلى مَن يُصْلِحُهُ بِجُزْءٍ مِنْ ثمَرِهِ، وهِي كالمُزَارَعَةِ. وإِنَّما تَصِحُّ بلا ذِكْرِ المُدَّةِ، وَتَقَعُ عَلَى أَولِ ثَمَرٍ يَخْرُجُ. وإِدْرَاكُ بَذْرِ الرَّطْبَة كَإدْرَاكِ الثَّمَرِ، وذِكْرُ مُدَّةٍ لا يَخْرُجُ الثَّمَرُ فِيهَا يُفْسِدُهَا، === كِتَابُ المُسَاقَاةِ (هِي) لغةً: مفاعلة من السَّقْي. وشرعًا: (دَفْعُ الشَّجَرِ إِلَى مَنْ يُصْلِحُهُ بِجُزُءٍ) معلومٍ شائعٍ، كما في المزارعة. (مِنْ ثَمَرِهِ) أَي ما هو المقصود منه، فيتناول الرَّطْبَةِ والفُوَّة (١) والزَّعْفَران وغيرهما. وفي إطلاق الشجر دَفْعٌ لما ذهب إليه الشافعيُّ من أنَّ المساقاة مخصوصةٌ بالنَّخيل والكرم، لأن جوازها بالأَثر إنما ورد في النخل والكرم. ولنا أَنَّ جوازها للحاجة، وهي تَعُمُّ الكلَّ، ولأَن الأَصل في النصوص التعليل لا سيما على أصله، وتُسَمَّى أيضًا المعاملة بِلُغَةِ أَهل المدينة. (وهِيَ كالمُزَارَعَةِ) في أَنها فاسدةٌ عند أَبي حنيفة ﵀، وجائزةُ عندهما، وهو قول ابن أبي ليلى، والفتوى على قولهما. وشروطها عندهما شروط المزارعة، إلَّا أنَّها إذا امتنع أَحَدُهُمَا عن المُضِي يُجبر، لأَنه لا ضرر عليه في المُضِيِّ، بخلاف المزارعة حيث لا يُجبر صاحب البَذْرِ. (وإنَّما تَصِحُّ بلا ذِكْرِ المُدَّةِ) استحسانًا (وَتَقَعُ عَلَى أَوَّلِ ثَمَرٍ يَخْرُجُ) لأن الإدراك الثمر وقتًا معلومًا قَلَّما يتفاوت، [هذا] (٢) إذا لم تُعَيَّن المدة، لأن تَنَاوُلَ العقد أول ثمرة متيقن، وفيما وراءه شكٌ فلا يَثْبُت. (وَإِدْرَاكُ بَذْرِ الرَّطْبَة) مبتدأَ خَبَرُهُ (كَإِدْرَاكِ الثَّمَرِ) فتصح المساقاة عليه بلا ذكر المدة، وتقع على أول رَطْبَة تخرج، لأن له نهايةَ معلومةَ، بخلاف الزرع لأن ابتداءه يختلف خريفًا وشتاءَ وربيعًا، والانتهاء مَبْنِيُّ على الابتداء فتفحُشُ الجهالة. (وذِكْرُ مُدَّةٍ) يُتَيَقَّنُ أَنَّه (لا يَخْرُجُ الثَّمَرُ فِيْهَا يُفْسِدُهَا) أَي المساقاة، للتيقن

стр. 1291

فإِنْ لَمْ يَخْرُج فِيهَا، فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ المِثْل. ولا تَصِحُّ إِنْ أُدْرِكَ الثَّمَرُ وَقتَ العَقْدِ كالمُزَارَعَةِ. وإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا والثَّمَرُ نِيْءٌ يَقُوْمُ العَامِلُ عَلَيهِ أَو وَارِثُهُ. ولا تُفْسَخُ إلَّا بِعُذْرٍ، وَكَوْنُ العَامِلِ مَرِيْضًا لا يَقْدِرُ عَلَى العَمَلِ، أَو سَارِقًا يُخَافُ مِنْهُ عَلَى سَعَفِهِ أَو ثَمَرِهِ، عُذْرٌ. ودَفْعُ فَضَاءٍ === بفوات المقصود، وهو الشركة في الثَّمَرِ، بخلاف مُدةٍ قد يَخْرُجُ الثمر فيها وقد لا يخرج، لعدم التيقن بفوات المقصود. (فَإِنْ لَمْ) الثمر (فِيْهَا) وخرج بعدها (فَلِلْعَامِل أَجْرُ المِثْل) لأَن الخطأَ تَبَيَّن في المدَّةِ المسماة فَيَفْسُدُ العقد، كما لو علم ذلك في الابتداء. وأما إذا لم يَخْرُجُ شيءٌ أَصْلًا فلم يفسد العقد، بل وقع صحيحًا ولا شيء لِوَاحِدٍ منهما على صاحبه، لأن عدم خروج الثَّمَرِ أَصْلًا لآفةٍ سماويةٍ فلم يتبين الخطأ في المدة. (ولَا تَصِحُّ) المساقاة (إِنْ أَدْرِكَ الثَّمَرُ وَقْت العَقْد) وصار بحيث لا يزيد بالعمل. وتصح إن لم يكن كذلك (كالمُزَارَعَةِ) فإنها لا تصح إن أُدرك الزرع واستُحْصِد، وتصح قبل ذلك، لأن العامل إنما يستحق بظهور أثر عمله، ولا أَثر لعمله بعد إدراك الثمر أو الزرع. (وإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا) والثمر نِيءٌ أَوْ مضت مدتها (والثَّمَرُ نِيْءُ) وهو بكسر النون وتحتية ساكنة بعدها همزة وقد يدغم، أَي غيرُ نضيج (يَقُوْمُ العَامِلُ عَلَيْهِ أَوْ وَارِثُهُ) إِلى أَنْ ينتهي الثمر، كما في المزارعة، يعني إِذا كان الثمر غيرَ مُدْرَكٍ، فإِن مات ربُّ الأَرض فَلِلْعَامِلِ أَنْ يقومَ عليه، كما كان قبله إِلى أَنْ يدرك الثمر، ولو كره وَرَثَةُ ربِّ الأَرض فيبقى العقد دفعاً للضرر عنه. وإِن مات العامل فلورثَتِهِ أَنْ يقوموا عليه ولو كَرِهَ رَبُّ الأَرض، إِذْ فيه النظر من الجانبين. (ولا تُفْسَخُ) المساقاةُ (إِلاَّ بِعُذْرٍ) لأَنها إِجارة، والإِجارة تُفْسَخُ بالعذر (وَكَوْنُ العَامِلِ مَرِيْضَاً لا يَقْدِرُ عَلَى العَمَلِ أَوْ) كون العامل (سَارِقَاً يُخَافُ مِنْهُ عَلَى سَعَفِهِ (١) ) أَي سَعَفِ رَبِّ الأُصول (أَوْ ثَمَرِهِ، عُذْرٌ) خبر المبتدأ الذي هو «كون العامل». (ودَفْعُ فَضَاءٍ) مبتدأ مضاف، والفضاء ـ بفاء معجمة ـ أَرضٌ بيضاءُ غيرُ مغروسة

стр. 1292

لِغَرْسِهِ، ويَكُوْنُ الأَرْضُ والشجَرُ بَينَهُمَا، لا يَصِحُّ. فلِلْعَامِلِ قِيْمَةُ غَرْسِهِ وأَجْرُ عَمَلِهِ. === (لِغَرْسِهِ) أَي ليغرس كما في نسخة، والمعنى: ليغرس ذلك الآخَرُ فيها شجراً. (ويَكُوْنُ الأَرْضُ والشَّجَرُ بَيْنَهُمَا) أَي بين رَبِّ الأَرض والغارس نِصْفَين، (لا يَصِحُّ) لاشتراط العامل الشركة فيما كان موجوداً قبلها لا بعمله، وهو الأَرْض، فيفسد. (فلِلْعَامِلِ قِيْمَةُ غَرْسِهِ وأَجْرُ عَمَلِهِ) أَي أَجر مِثْل عمله فيما عمل، أَما قيمة الغَرْسِ لِتَعَذُّر رَدِّه بعينه لاتصاله بالأَرض، وقد غرسه برضاه، وأَما أَجر مثل عمله، لأَنه طلب عوضاً عن عمله ولم يسلم له ذلك، فيجب أَجر المِثل. وأَما ما ذكره الشارح تَبَعَاً للماتن في التعليل: من أَنه في معنى قَفِيْز (١) الطحان إِذْ هو استئجارٌ ببعض ما يخرج عن عمله، وهو نصف الأَشجار (٢) ، فنوقش فيه بأَن مطلق المعاملة في معنى قَفيز الطحان، وجُوِّزَتْ على خلاف القياس بالحديث، وهذا إِذا كان الغرس للعامل، فإِن كان الغَرْس لربِّ الأَرض فعليه أَجر المِثل فقط، وإِنما قال: «الأَرض والشجر بينهما»، لأَنه لو شرط أَنْ يكون الشجر والثمر بينهما جاز. ذَكَره في «فتاوى قاضيخان». والله تعالى أَعلم.

стр. 1293

كتَابُ إحْيَاءِ المَوَاتِ هي: أرضٌ بِلا نَفْعٍ لانْقِطَاعِ مَائِهَا ونَحْوِهِ، ولا يُعْرَفُ مَالِكُهَا، بَعِيدَةٌ عن العَامِرٍ، لا يُسْمَعُ صَوْتٌ مِنْ أَقْصَاه. مَنْ أحْيَاهُ مَلَكَهُ إِنْ أَذِنَ لَهُ الإِمَامُ. === كتاب إِحْيَاءِ المَوَاتِ (هي) أَي الموات (أَرْضٌ بِلا نَفْعٍ لانْقِطَاعِ مَائِهَا) في أَرضٍ لا تُزْرَعُ إِلاَّ بِمَاءِ الأَنْهَار أَوْ الآبار (ونَحْوِهِ) مِنْ غَلَبَةِ الماء عليها، أَوْ كونها سَبْخَةً (١) ، أَوْ نَازَّةً (٢) ، أَوْ تَعَذَّرَ زَرْعُهَا لكثرة الشجر أَوْ الحجر أَوْ الرمل فيها. وسُمِّيت بذلك تشبيهاً لها بالحيوان الميت في عدم الانتفاع به. (ولَا يُعْرَفُ مَالِكُهَا) عَطْفٌ على «بلا نفع»، وفي بعض النسخ: «لا يعرف» بلا «واو»، فهو صِفَةٌ ثانيةٌ لأَرض، أَي غير مملوكةٍ لمسلم ولا ذِمِّي. وعدمُ معرفة مالكها: إِما بأَن لا يكون لها مالك في الإِسلام، وهو حقيقةُ الموات، وإِما بأَن يكون لها مالك فيها ولا يُعرف، فليس هذا بحقيقةِ الموات، وإِنما حُكْمه حكم الموات حيث يَتَصَرَّف فيه الإِمام كما يتصرف في الموات. فلو ظهر المالك بعد ذلك أَخَذَهَا وضمن له مَنْ زَرْعَهَا إِنْ نَقَصَتْ بالزراعة، وإِلاَّ فلا شيء عليه، وهو المختار للفَتْوى. (بَعِيْدَةٌ عن العَامِرِ (٣) ) وحدُّ بُعْدِها أَنْ تكون بحيث (لا يُسْمَعُ) فيها (صَوْتٌ مِنْ أَقْصَاه) أَي أَقصى العامر ومنتهاه، وهذا عند أَبي يوسف ﵀، لأَن الظاهر أَنَّ ما يكون قريباً من العامر لا ينقطع ارتفاق (٤) أَهْلِهِ عنه، فيدور الحكم بالإِحياء على البعد. وعند محمد يُشترط في الموات انقطاع الارتفاق حقيقةً، وإِن كان الموات قريباً من العامر. واعتمد شمس الأَئمة السَّرَخْسي على قول أَبي يوسف ﵀. (مَنْ أَحْيَاهُ) أَي عمره (مَلَكَهُ) مُسْلِمَاً كان أَوْ ذِمِّيَاً، لأَنهما لا يختلفان في سبب المِلْك (إِنْ أَذِنَ لَهُ الإِمَامُ) في إِحيائه حتى لو أَحياه بغير إِذْن الإِمام لا يملكه، وهذا عند أَبي حنيفة ﵀. وقالا: يملكه مَنْ أَحياه، أَذِن له الإِمام أَوْ لم يأَذن، وبه قال مالك

стр. 1294

ومَنْ حَجَرَ أَرْضًا وَلَمْ يُعْمرهَا ثَلاثَ حِجَجٍ دَفَعَهَا الإِمَامُ إِلى غَيرِهِ. === والشافعي رحمهما الله لما أَخرجه الترمذي ـ وقال: حديث حسن صحيح ـ عن جابر ابن عبد الله أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَحيا أَرضاً ميتةً فهي له». ولقوله ﵊: «مَنْ أَعْمَرَ أَرضاً ليستْ لأَحد فهو أَحقُّ بها». رواه البخاري من حديث عائشة، ولفظ أَبي يَعْلَى عنها: «مَنْ أَحْيَا أَرْضَاً ميتةً فهي له، وليس لِعِرْقِ (١) ظَالِمٍ حَقٌّ». وهكذا رواه أَبو داود والترمذي والنَّسائي من حديث سعيد بن زيد. وفي رواية الطبراني عن فَضَالَة بنِ عُبَيْد قال: قال رسول الله ﷺ : «الأَرْضُ أَرْضُ اللَّهِ، والعبادُ عبادُ اللَّهِ، مَنْ أَحْيَا أَرْضَاً مواتاً فهي له». ولأَنه مالٌ مباحٌ سبقت يدُهُ إِليه فيملكه، كما في الحطب والصيد. ولأَبي حنيفة ﵀ ما روى الطبراني من حديث معاذ: أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: «ليس للمرءِ إِلاَّ ما طابَتْ نَفْسُ إِمَامِهِ به». ولأَن ما يتعلق به حقُّ جماعة المسلمين لا يختص به واحدٌ دون واحدٍ إِلاَّ بإِذن الإِمام، أَصله الرزق من بيت المال. والقياس على الحطب والصيد ليس بتام، لأَن الإِمام. لا يملك أَنْ يأْمر واحداً دون واحد بالحطب والصيد، لكن الحديث فيه ضعيف، وعلى تقدير صحته فإِنه لا دلالة للأَعم على الأَخص. ولو تركها بعد الإِحياء وزرعها غيره، قيل: الثاني أَحق بها، لأَن الأَول ملك استغلالها دون رقبتها، والأَصح أَنْ الأَول أَحقُّ بها، لأَنه مَلَكَ رقبتها بالإِحياء فلا تخرج عن ملكه بِتَرْكها. (ومَنْ حَجَرَ أَرْضَاً) أَي وضع حجراً أَوْ شيئاً للإِعلام بأَنه قصد إِحياءها، مأَخوذٌ من الحَجَر بفتح الجيم، لأَن الغالب أَنْ يكون ذلك بالأَحجار، أَوْ بسكون الجيم بمعنى المنع (٢) ، (وَلَمْ يُعْمرهَا ثَلَاثَ حِجَجٍ) ـ بكسر الحاء ـ أَي سنين (دَفَعَهَا الإِمَامُ إِلى غَيْرِهِ) لأَن الدفع للأَول إِنما كان ليُعْمِرَهَا فتحصل المنفعة للمسلمين من العُشْر والخَرَاج، فإِذا لم يُعْمِرها يدفعها الإِمام إِلى غيره ليحصل ذلك، والتقدير بثلاثِ حِجج لما روى مسلمٌ في كتاب الخَرَاج عن الحسن بن عُمارة، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المُسَيَّب قال: قال عمر ﵁: مَنْ أَحيا أَرضاً ميتةً فهي له، وليس للمُحْتَجِرِ (٣) حقٌّ بعد ثلاث سنين. وروى حُمَيْد بن زَنْجُويَهْ النَّسائي (٤) في كتاب «الأَموال» عن عَمْرو بن شُعَيْب

стр. 1295

ومَنْ حَفَرَ بئرًا في مَوَات بالإِذْنِ، فَلَهُ حَرِيْمُهَا: لِلْعَطَنِ النَّاضِحِ أَرْبَعُوْنَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ في الأصَحِّ، وللْعَيْنِ خَمْسُ مِئةٍ كَذَلِكَ. ولَهُ مَنْعُ غَيرِهِ، فإنْ حَفَرَ في منتهاه فَلَهُ الحَريمُ ثَلاث جَوَانِبَ. === أَنْ النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم أَقْطَعَ أُناساً من جُهَيْنَة أَرْضَاً فعطَّلوها، فأَخذها قومٌ آخرون فَأَحْيَوْهَا فخاصم فيها الأَولون إِلى عمر بن الخطاب، فقال: لو كانت قطيعةً مني أَوْ من أَبي بكر لم أَرْدُدْهَا، ولكنها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال: مَنْ كان له أَرضٌ فعطَّلَها ثلاث سنين لا يَعْمُرُها فعمرها غيرُه، فهو أَحقُّ بها. (ومَنْ حَفَرَ بِئْرَاً في مَوَاتٍ بالإِذْنِ) من الإِمام عند أَبي حنيفة رحمه الله تعالى، وبغير الإِذن أَيضاً عندهما (فَلَهُ حَرِيْمُهَا) أَي ما حولها (لِلْعَطَنِ) وهي التي يُنْزع منها الماءُ باليد. (النَّاضِحِ) وهي التي ينزع الماء منها بالبعير (أَرْبَعُوْنَ ذِرَاعَاً مِنْ كُلِّ جَانِبٍ في الأَصَحِّ). واحترز به عن قول بعضهم «أَربعون ذراعاً من الجوانب الأَربعة من كل جانب عشرة». وقال أَبو يوسف ومحمد: إِنْ كان البِئْرُ للعَطَن فَحَريمُهَا (١) أَربعون ذراعاً، وإِن كان للناضح فستونُ ذِرَاعًا لما أَخرجه ابن ماجه في «سُننه» من حديث عبد الله بن مُغَفَّل: أَنْ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «مَنْ حَفَرَ بِئْرَاً فله أَربعونَ ذِرَاعَاً عَطناً (٢) لماشِيتِهِ». (ولِلْعَيْنِ خَمْسُ مِئةٍ كَذَلِكَ) أَي من كل جانب، على الأَصح، وهو قول الزُّهْري. وقيل: خمس مِئة من الجوانب الأربعة: من كُلِّ جانب مئةٌ وخمسةٌ وعشرون ذراعاً. وفي بعض نسخ القُدُوري: حَرِيْمُ العين ثَلَاثُ مئة ذراع، وعليها اعتمد الأَقْطَع، وهو قول سعيد بن المُسَيَّب. (ولَهُ مَنْعُ غَيْرِهِ) أَي غير حافر البئر أَوْ العين من الحَفْرِ فيه، أَي فيما ذُكِر من حريم البئر وحريم العين. (فإِنْ حَفَرَ) غيرُهُ (في منتهاه) أَي منتهى حريم الأول بإِذن الإمام عِنْده، أَوْ بلا إِذْن عندهما (فَلَهُ) أَي فللذي حَفَرَ المنتهى (الحَرِيْمُ) من الحَفْر الذي حفر (ثَلاث جَوَانِبَ) دون الجانب الذي يلي ملك الأَول لِسَبْقِ مِلْكِه فيه. ولو ذهب ماء الأَوَّل إِلى الثاني فلا شيء عليه، لأَنه غير مُتَعَدَ في فعله، فصار كَمَنْ بَنَى حَانوتاً بجنب حانوتِ غيره فكسد الأوَّل بسببه.

стр. 1296

وللقَنَاةِ حَريمٌ بِقَدْرِ ما يُصْلِحُهَا، وَلا حَريمَ للنَّهْرِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. فَصْلٌ [في الشِّرْب] الشِّربُ هُو نَصِيبُ المَاءِ، === (وللقَنَاةِ) وهي مجرى الماء تحت الأَرض (حَرِيْمٌ بِقَدْرِ ما يُصْلِحُهَا) ولم يُقَدَّر بشيءٍ يمكن ضَبْطُهُ (وَلَا حَرِيْمَ للنَّهْرِ) عند أَبي حنيفة ﵀، لا في الأَموات ولا في غيره (إَلاَّ بِبَيِّنَةٍ) أَي حُجة شرعية أَوْ دلالة عُرْفية، كطينٍ مُلقى على مُسَنَّاته (١) ، أَوْ شجرٍ مغروسٍ فيها له، وكونها أَرْفَع مِنْ الأَرض. وقال أَبو يوسف ومحمد: له مُسنَّاة يمشي عليها ويلقي عليها طِيْنَه، وبه قال مالك والشافعيّ. وفي «الجامع الصغير»: نهر لرجلٍ إِلى جنبه مُسَنَّاة ولآخر خلف المُسَنَّاة أَرض، وليس لأَحدهما عليها غرس ولا طين ملقى لصاحب النهر وتنازعا، فهي لصاحب الأَرض عند أَبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقالا: لصاحب النهر حريم له يلقي طينه وغير ذلك. وهذا يكشف الخلاف في هذه المسأَلة. هذا، وحَرِيْمُ الشجرة خمسة أَذْرُع مِنْ كلِّ جانب لما روى أَبو داود عن أَبي سعيد الخُدْري قال: اختَصَمَ إِلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجلان في حريم نخلة، فأَمر بها فذُرعت (٢) فوُجِدَتْ سبعةَ أَذْرُع ـ وفي روايةٍ: فوجدت خمسةَ أَذْرع ـ فقضى بذلك. وفي لفظٍ له: قَضَى رسولُ الله ﷺ في حَرِيْمِ النخلة طُولَ عَسِيْبِهَا. ورواه الطحاوي في «آثاره» ولفظه: اختصم رجلانِ إِلى النبيِّ ﷺ في نخلة، فقطع منها جريدة، ثُم ذرع بها النخلة، فإِذا فيها خمسة أَذرع، فجعلها حريمها. وفي «مستدرك الحاكم» عن عُبادةَ بنِ الصامت: أَنَّ النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم قضى في النخلة: أَنْ حَرِيْمها مبلغ جريدها. فصل (في الشِّرْبِ) (الشِّرْبُ) بكسر الشين المعجمة (هُو نَصِيْبُ المَاءِ) أَي نصيبٌ من الماء، فالإِضافة بمعنى «من» نحو: خاتم حديد، وهذا معناه اللغوي. وأَما الشرعي: فهو الانتفاع بالماء سَقْيَاً للمَزَارِع أَوْ الدَّواب، ومنه قوله تعالى:

стр. 1297

والشَّفَة شُرْبُ بَنِي آدَمَ والبَهَائِمِ. ولكُلٍّ حَقُّهَا وَحَقُّ سَقْي الدَّوَابِّ إِنْ لَمْ يَخَف تَخْرِيبَ النهرِ، فِي كُلِّ مَاءٍ لَم يُحْرَز بإنَاءٍ. وحَقُّ الشِّربِ، ونَصْبُ الرَّحَى، إِلَّا إِذا أَضَرَّ بالعَامَّةِ، أَو خُصَّ النَّهْرُ بِغَيرِهِ، أَي: دَخَلَ في المَقَاسِم. === ﴿لها شِرْبٌ ولَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (١) . وخَصَّه المصنفُ بالنوع الأَول ولذا قال: (والشَّفَة شُرْبُ بَنِي آدَمَ) بضم الشين (والبَهَائِمِ) يقال هم أَهل الشَّفَة، أَي: الذين لهم حقُّ الشِّرْب بِشفاههم. (ولِكُلَ) أَي ولكل واحدٍ من بني آدم (حَقُّهَا) أَي حق الشَّفَة (وَحَقُّ سَقْي الدَّوَابِّ) أَي إِذا كانت له دابَّةٌ (إِنْ لَمْ يَخَف تَخْرِيْبَ النَّهْرِ) أَما لو خِيْف تخريبُهُ بالدوابِّ لكثرتها فلم يكن لهم حَقُّ سَقْيِهَا، لأَن أَصل الحقِّ له على الخصوص، وإِنما أَثبتناه لغيره ضرورةً، فلا معنى لإِثباته على وجه يتضررُ صاحبه، إِذْ به تَبْطُل منفعتُهُ. (فِي كُلِّ مَاءٍ لَمْ يُحْرَز بإِنَاءٍ) سواء في ذلك الأَنْهَار الكبار، والصغار، والآبار. أَما الأَنْهَار العظام كَدِجْلَة، والفُرَات والنِّيل وسَيْحُون وجَيْحُون، فلأَنها ليس لأَحد فيها يَدٌ على الخصوص. وأَما الأَنهار المملوكة، والآبار، والحياض، فلأَنها لا توضع للإِحراز، والمباح لا يُملك إِلا به، فصار الماء فيها كالصيد إِذا سكن في أَرض إِنسانٍ حيث لا يُمْلَك إلاَّ بأخذه. (و) لكل أَحَدٍ في الأَنهار الكِبَار (حَقُّ الشِّرْبِ) ـ بكسر المعجمة ـ بأَن يحفر منها نهراً إِلى أَرضه (ونَصْبُ الرَّحَى) لأَن الانتفاع بالأَنهار كالانتفاع بالشمس والقمر، لا يُمنع منه على أَي وجهٍ كان، والأَنهار العظام مباحةُ الأَصل، لأَن قهر الماء يمنع قهر غيره. (إِلاَّ إِذا أَضَرَّ بالعَامَّةِ) لأَن دَفْعَ الضرر عنهم واجبٌ، وذلك بأَن يكون مَيْلُ الماء إِلى الأرْض التي تُسقَى، أَوْ إِلى الرَّحَى التي تُنْصَب، وتُكْسَر حافَّةُ النهر، فتغرق الأَراضي والقرى. (أَوْ خُصَّ النَّهْرُ) بصيغة المجهول، أَي اختص (بِغَيْرِهِ) أَي بغير مَنْ يريد أَنْ ينصب عليه رَحى ويسقي منه أَرضاً (أَي دَخَلَ في المَقَاسِم) حين قسم الإِمام، لأَن الماء متى دخل في المقاسم انقطعت الشركة في الشرب ونحوه عنه مِمَّنْ لم يدخل في قسمته، إِذْ لو بقيت لم يكن مختصاً. والأصل في هذا الباب ما أَخرجه ابن ماجه في «سُننه» عن ابن عباس، والطبراني في «مُعجمه» عن ابن عمر أَنَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال:

стр. 1298

وكَرْيُ نَهْرٍ لَمْ يُمْلَك مِنْ بَيتِ المَالِ، فإنْ لَم يَكُنْ فِيهِ شَيءٌ، فَعَلَى العَامَّةِ، وكَرْيُ نَهْر مُلِكَ على أَهْلِهِ، مِنْ أَعْلاهُ. === «المسلمونَ شُرَكَاءُ في ثلاثٍ: الماءِ والكلأ والنَّارِ». ورواه أَبو داود، (وزاد) (١) ابن ماجه: «وثَمَنُهُ حَرَامٌ»، والمراد بالماء: ما ليس بِمُحْرَز، وبالكلأ: الحشيش الذي يَنبت بنفسه من غير أَنْ يزرعه أَحدٌ أَوْ يسقيَهُ، وإِن كان في أَرض غيره، وبالنار الاستضاءة والاصْطِلاء، أَي الاستدفاء والإِيقاد من لَهَبِهَا في الصحراء لا الجمر لأَنه ملكه. والمراد بالشركة شَرِكَةُ إِباحة لا شركةُ مِلْك. وما روى أَبو يوسف في «كتاب الخَراج»: حدثنا المُعَلَّى بنُ كثير، عن مَكْحُوْل أَنْ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «لا تَمْنَعُوا كلأً، ولا ماءً ولا ناراً، فإِنَّه متاعٌ للمُقْوِين، وقُوتٌ للمُسْتَضْعَفِيْن». والمُقْوِين: المسافرين، كذا قاله ابن عباس ومجاهد والضَّحَّاك في قوله تعالى: ﴿وَمَتَاعَاً للمُقْوِين﴾ (٢) . (وكَرْيُ نَهْرٍ لَمْ يُمْلَك) أَي حَفْره (مِنْ بَيْتِ المَالِ) لأَن ذلك لمصلحةِ عامةِ المسلمين، وبيت المال الخَرَاجي مَعَدٌّ لمصالحهم (فإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِ) أَي في بيت المال (شَيءٌ) يكفيه، ومن جملة بيت المال ما في أَيدي الملوك، والوزراء، والأُمراء من آلات الذهب والفضة. وفي حَلَق نسائهم من الجواهر ونحوها (فَعَلَى العَامَّةِ) كَرْيُه. يُجْبِرُهم الإِمام على ذلك، لأَن في تركه ضرراً، وقَلَّمَا يُنْفق العامة على المصالح باختيارهم، إِلا أَنَّ الإِمام يُخْرِج له مَنْ يُطِيقه (٣) ، ويجعل مُؤنته على المياسير الذين لا يطيقونه بأَنفسهم (٤) ، كما في تجهيز الجيوش (٥) . (وكَرْيُ نهر مُلِكَ على أَهْلِهِ) لأَن منفعته لهم على الخصوص، فتكون مُؤنته عليهم، لأَن الغُرْم بالغُنْم، ومَنْ أبى أُجْبر. وقيل: لا يجبر إِلاَّ إِذا كان مُشْتَركَاً وأَبى أَحَدُ شركائه، وإِلاَّ فلا معنى للإِجبار مع تَرْك حَقِّهم بالاختيار، (مِنْ أَعْلَاهُ) خبرٌ ثانٍ لكَرْي نهر مُلِكَ لبيان كيفية كَرْيه، أَي من أَوله لأسفله.

стр. 1299

مِنْ جَاوَزَ مَنْ أَرْضِهِ بَرِئَ. وصَحَّ دَعْوَى الشِّرْبِ بِلا أَرْضٍ. ولَوْ اخْتَصَمَ قَوْمٌ في شِرْبٍ بينهم، قُسِمَ بِقَدْرِ أَرَاضِيهِمْ، ومُنِعَ الأَعْلَى مِنْ سَكْرِ النَّهْرِ، وإِنْ لم يَشْرَبْ بِدُوْنِهِ إلَّا بِرِضَاهُم، وكُلٌّ مِنْهُمْ مِنْ نَصْبِ رَحىً ونحوِه، لا في مِلْكِهِ، بِحَيْثُ لا يَضُرُّ بالنَّهْرِ وَلا بِالمَاءِ، === (ومَنْ جَاوَزَ) أَي الكَرْي (مِنْ أَرْضِهِ) هكذا في النسخ بزيادة «من»، وزيادتها وإِن صحت بعد الشرط على قول أَبي عليَ الفارسي إِلاَّ أَنْ مجرورها يُشترط أَنْ يكون نكرةً، وهو هنا معرفة فكان حَقّه أَنْ يقول: «ومَنْ جَاوَزَ أَرضه»، ولا يبعد أَنْ يقال بالتضمين، فالتقدير ومَنْ تَعدَّى مِنْ أَرضه (بَرِاءَ) من الكَرْي، وهذا عند أبي حنيفة والفتوى عليه، ذَكَرَهُ قاضيخان. وقالا: هو عليهم جميعاً، من أول النهر إِلى آخِرِه بِحصص الشِّرْكِ (١) والأَرضين. وتوضيحه: أَنْ الشركاء في النهر إِذا كانوا عشرةً، فعند أَبي حنيفة مُؤنة الكَرْي عليهم جميعاً من أَول النهر أَعشاراً إِلى أَنْ يجاوز أَرض أَحدهم، فحينئذٍ يكون مُؤنة الكَرْي على الباقين اتساعاً إِلى أَنْ يجاوز أَرضاً أُخرى، ثُم يكون على الباقين أَثماناً وعلى هذا النقصان إِلى أَخِر النهر. وعندهما المُؤنة عليهم أَعشاراً مِنْ أَول النهر إِلى آخِره، لأَن كلَّ واحدٍ ينتفع بالأَسفل كما ينتفع بالأَعلى لاحتياجه إِلى تسييل ما فضل من الماء، فإِنه إِذا سَدَّ ذلك فاض على أَرضه فيفسد زرعه، فيتبين أَنْ كل واحدٍ منهم ينتفع بالنهر من أَوله إِلى آخِره، فإِذا استووا في الغُنْم استَوَوا في الغُرْم. (وصَحَّ دَعْوَى الشِّرْبِ بِلَا أَرْضٍ) استحساناً، والقياس أَنْ لا يصح (ولَوْ اخْتَصَمَ قَوْمٌ في شِرْبٍ بينهم قُسِمَ بِقَدْرِ أَرَاضِيْهِمْ) لأَن المقصود من الشِّرب الانتفاع بِسَقْي الأَرض فيتقدر بِقَدْرها (ومُنِعَ الأَعْلَى مِنْ سَكْرِ النَّهْرِ) أَي سَدِّه على الأَسفل حتى يشرب حصته (وإِنْ لَمْ يَشْرَبِ) الأَعلى (بِدُوْنِهِ) أَي بدون السَّكْر، لما فيه مِنْ إِبطال حقِّ الأَسفل مدة السَّكْر (إِلاَّ بِرِضَاهُمْ) أَي برضاء شركائهم على أَنَّ الأَعلى يَسْكُر النهر حتى يشرب بحصته، أَوْ عَلَى أَنْ يَسْكُر كُلُّ واحدٍ منهم في نوبته، لأَن الحق لهم وقد رضوا بتركه. (و) منع (كُلٌّ مِنْهُمْ) أَي من الشركاء في النهر (مِنْ نَصْبِ رَحى ونحوِه (٢) ، لا في مِلْكِهِ) وهو ما يكون بطن النهر وحافتاه له وللآخَر التسييل، لأَن ذلك تَصَرُّفٌ في مِلْك نَفْسِه (بِحَيْثُ لا يَضُرُّ بالنَّهْرِ) من كَسْر حَافَّتِهِ (وَلَا بِالمَاءِ) مِنْ تَغَيُّرِه عن سَنَنِهِ

стр. 1300

وعن التغيير مِمَّا كَانَ عَلَيهِ قَدِيْمًا. والشِّرْبُ يُورَث، ويُوصَىَ بالانتفاع به، ولا يُبَاع بِلا أَرْضٍ إلَّا عِنْدَ مَشَايخِ بَلْخٍ. وكَذَا الإِجارةُ والهِبةُ والصَّدَقَة. ومَنْ سَقَى مِنْ شِرْبِ غَيرِهِ يَضْمَن، لا مَنْ سَقَى أَرْضَهُ فَنَزَّت أَرضُ جَارِهِ. === الذي كان يجري عليه. (وعن التغيير) أَي ومنع كل من الشركاء عن التغيير (مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَدِيْمَاً) لأَن شَرَّ الأُمور مُحْدَثَاتُهَا كما ورد. (والشِّرْبُ يُورَث، ويُوصَى بالانتفاع به، ولا يباع بِلَا أَرْضٍ إِلاَّ عِنْدَ مَشَايِخِ بَلْخ) فإِنهم أَجازوا بَيْع الشِّرْب، يوماً أَوْ يومين، لأَن أَهل بلخ تعاملوا على ذلك لحاجتهم إِليه. (وكَذَا الإِجارة والهِبة والصَّدَقَة) أَي، وكما لا يُباع الشِّرْب إِلاَّ تَبَعَاً للأَرْضِ لا يُؤجَر، ولا يُوهب، ولا يُتَصَدَّق به إِلا تَبَعاً للأَرْض إِما للجهالة، أَوْ للغرور. أَوْ لأنه ليس بمالٍ متقوّم، أَوْ لعدم الملك فيه للحال، أَوْ لعدم إِمكان تسليمه. (ومَنْ سَقَى) أَرضه (مِنْ شِرْبِ غَيْرِهِ يَضْمَن) لأَنه أَتلف شِرْب غيره باستعماله لأَرضه، وهذا اختيار فَخر الإِسلام رحمه الله تعالى. وقال الإِمامُ المعروف بخَوَاهر زَادَه: لا يَضمن، لأَنه ليس بمالٍ متقوّم. (لا) أَي: لا يضمن (مَنْ سَقَى أَرْضَهُ) أَوْ شَجَرَهُ (فَنَزَّت أَرضُ جَارِهِ) أَوْ سالَ مِنْ مائها في أَرض جاره فَغَرِقت، لأَنه بسببٍ غَيْر مُتَعَدَ، لأَن له أَنْ يملأَ أَرضه ويسقيها، والسبب إِنما يضمن إِذا تَعَدَّى، وفِعْلُهُ في أَرضه ليس بِتَعَدَ، كما لو أَوْقَد ناراً في داره فأَحرق دار جاره، فإِنه إِنْ أَوقد مثل العادة لا يضمن، وإِن أَوقد بخلافها يضمن، إِلا أَنَّ مَنْ حفر بئراً في أَرضه لا يضمن، ما عَطِب منها، ومَنْ حفر بئراً في الطريق يضمن. قالوا: وهذا إِذا سقى أَرضه سقياً معتاداً: بأَن سقاها قدر ما يتحمله عادةً. وأَما إِذا سقاها سقياً لا تتحمله فإِنه يضمن. وكان الشيخ الإمام إِسماعيل يقول: إِنما لا يضمن بالسقي المعتاد إِذا كان محقاً فيه، بأَن سقى أَرضه في نوبته مقدار حصته، وأَما إِذا سقاها في غير نوبته، أَوْ فى نوبته زيادة على حقه وحصته، فإِنه يضمن لوجود التعدي في السبب، والله تعالى أَعلم.
следующие страницы →