← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وللقَنَاةِ حَريمٌ بِقَدْرِ ما يُصْلِحُهَا، وَلا حَريمَ للنَّهْرِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. فَصْلٌ [في الشِّرْب] الشِّربُ هُو نَصِيبُ المَاءِ، === (وللقَنَاةِ) وهي مجرى الماء تحت الأَرض (حَرِيْمٌ بِقَدْرِ ما يُصْلِحُهَا) ولم يُقَدَّر بشيءٍ يمكن ضَبْطُهُ (وَلَا حَرِيْمَ للنَّهْرِ) عند أَبي حنيفة ﵀، لا في الأَموات ولا في غيره (إَلاَّ بِبَيِّنَةٍ) أَي حُجة شرعية أَوْ دلالة عُرْفية، كطينٍ مُلقى على مُسَنَّاته (١) ، أَوْ شجرٍ مغروسٍ فيها له، وكونها أَرْفَع مِنْ الأَرض. وقال أَبو يوسف ومحمد: له مُسنَّاة يمشي عليها ويلقي عليها طِيْنَه، وبه قال مالك والشافعيّ. وفي «الجامع الصغير»: نهر لرجلٍ إِلى جنبه مُسَنَّاة ولآخر خلف المُسَنَّاة أَرض، وليس لأَحدهما عليها غرس ولا طين ملقى لصاحب النهر وتنازعا، فهي لصاحب الأَرض عند أَبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقالا: لصاحب النهر حريم له يلقي طينه وغير ذلك. وهذا يكشف الخلاف في هذه المسأَلة. هذا، وحَرِيْمُ الشجرة خمسة أَذْرُع مِنْ كلِّ جانب لما روى أَبو داود عن أَبي سعيد الخُدْري قال: اختَصَمَ إِلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجلان في حريم نخلة، فأَمر بها فذُرعت (٢) فوُجِدَتْ سبعةَ أَذْرُع ـ وفي روايةٍ: فوجدت خمسةَ أَذْرع ـ فقضى بذلك. وفي لفظٍ له: قَضَى رسولُ الله ﷺ في حَرِيْمِ النخلة طُولَ عَسِيْبِهَا. ورواه الطحاوي في «آثاره» ولفظه: اختصم رجلانِ إِلى النبيِّ ﷺ في نخلة، فقطع منها جريدة، ثُم ذرع بها النخلة، فإِذا فيها خمسة أَذرع، فجعلها حريمها. وفي «مستدرك الحاكم» عن عُبادةَ بنِ الصامت: أَنَّ النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم قضى في النخلة: أَنْ حَرِيْمها مبلغ جريدها. فصل (في الشِّرْبِ) (الشِّرْبُ) بكسر الشين المعجمة (هُو نَصِيْبُ المَاءِ) أَي نصيبٌ من الماء، فالإِضافة بمعنى «من» نحو: خاتم حديد، وهذا معناه اللغوي. وأَما الشرعي: فهو الانتفاع بالماء سَقْيَاً للمَزَارِع أَوْ الدَّواب، ومنه قوله تعالى:

стр. 1297

والشَّفَة شُرْبُ بَنِي آدَمَ والبَهَائِمِ. ولكُلٍّ حَقُّهَا وَحَقُّ سَقْي الدَّوَابِّ إِنْ لَمْ يَخَف تَخْرِيبَ النهرِ، فِي كُلِّ مَاءٍ لَم يُحْرَز بإنَاءٍ. وحَقُّ الشِّربِ، ونَصْبُ الرَّحَى، إِلَّا إِذا أَضَرَّ بالعَامَّةِ، أَو خُصَّ النَّهْرُ بِغَيرِهِ، أَي: دَخَلَ في المَقَاسِم. === ﴿لها شِرْبٌ ولَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (١) . وخَصَّه المصنفُ بالنوع الأَول ولذا قال: (والشَّفَة شُرْبُ بَنِي آدَمَ) بضم الشين (والبَهَائِمِ) يقال هم أَهل الشَّفَة، أَي: الذين لهم حقُّ الشِّرْب بِشفاههم. (ولِكُلَ) أَي ولكل واحدٍ من بني آدم (حَقُّهَا) أَي حق الشَّفَة (وَحَقُّ سَقْي الدَّوَابِّ) أَي إِذا كانت له دابَّةٌ (إِنْ لَمْ يَخَف تَخْرِيْبَ النَّهْرِ) أَما لو خِيْف تخريبُهُ بالدوابِّ لكثرتها فلم يكن لهم حَقُّ سَقْيِهَا، لأَن أَصل الحقِّ له على الخصوص، وإِنما أَثبتناه لغيره ضرورةً، فلا معنى لإِثباته على وجه يتضررُ صاحبه، إِذْ به تَبْطُل منفعتُهُ. (فِي كُلِّ مَاءٍ لَمْ يُحْرَز بإِنَاءٍ) سواء في ذلك الأَنْهَار الكبار، والصغار، والآبار. أَما الأَنْهَار العظام كَدِجْلَة، والفُرَات والنِّيل وسَيْحُون وجَيْحُون، فلأَنها ليس لأَحد فيها يَدٌ على الخصوص. وأَما الأَنهار المملوكة، والآبار، والحياض، فلأَنها لا توضع للإِحراز، والمباح لا يُملك إِلا به، فصار الماء فيها كالصيد إِذا سكن في أَرض إِنسانٍ حيث لا يُمْلَك إلاَّ بأخذه. (و) لكل أَحَدٍ في الأَنهار الكِبَار (حَقُّ الشِّرْبِ) ـ بكسر المعجمة ـ بأَن يحفر منها نهراً إِلى أَرضه (ونَصْبُ الرَّحَى) لأَن الانتفاع بالأَنهار كالانتفاع بالشمس والقمر، لا يُمنع منه على أَي وجهٍ كان، والأَنهار العظام مباحةُ الأَصل، لأَن قهر الماء يمنع قهر غيره. (إِلاَّ إِذا أَضَرَّ بالعَامَّةِ) لأَن دَفْعَ الضرر عنهم واجبٌ، وذلك بأَن يكون مَيْلُ الماء إِلى الأرْض التي تُسقَى، أَوْ إِلى الرَّحَى التي تُنْصَب، وتُكْسَر حافَّةُ النهر، فتغرق الأَراضي والقرى. (أَوْ خُصَّ النَّهْرُ) بصيغة المجهول، أَي اختص (بِغَيْرِهِ) أَي بغير مَنْ يريد أَنْ ينصب عليه رَحى ويسقي منه أَرضاً (أَي دَخَلَ في المَقَاسِم) حين قسم الإِمام، لأَن الماء متى دخل في المقاسم انقطعت الشركة في الشرب ونحوه عنه مِمَّنْ لم يدخل في قسمته، إِذْ لو بقيت لم يكن مختصاً. والأصل في هذا الباب ما أَخرجه ابن ماجه في «سُننه» عن ابن عباس، والطبراني في «مُعجمه» عن ابن عمر أَنَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال:

стр. 1298

وكَرْيُ نَهْرٍ لَمْ يُمْلَك مِنْ بَيتِ المَالِ، فإنْ لَم يَكُنْ فِيهِ شَيءٌ، فَعَلَى العَامَّةِ، وكَرْيُ نَهْر مُلِكَ على أَهْلِهِ، مِنْ أَعْلاهُ. === «المسلمونَ شُرَكَاءُ في ثلاثٍ: الماءِ والكلأ والنَّارِ». ورواه أَبو داود، (وزاد) (١) ابن ماجه: «وثَمَنُهُ حَرَامٌ»، والمراد بالماء: ما ليس بِمُحْرَز، وبالكلأ: الحشيش الذي يَنبت بنفسه من غير أَنْ يزرعه أَحدٌ أَوْ يسقيَهُ، وإِن كان في أَرض غيره، وبالنار الاستضاءة والاصْطِلاء، أَي الاستدفاء والإِيقاد من لَهَبِهَا في الصحراء لا الجمر لأَنه ملكه. والمراد بالشركة شَرِكَةُ إِباحة لا شركةُ مِلْك. وما روى أَبو يوسف في «كتاب الخَراج»: حدثنا المُعَلَّى بنُ كثير، عن مَكْحُوْل أَنْ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «لا تَمْنَعُوا كلأً، ولا ماءً ولا ناراً، فإِنَّه متاعٌ للمُقْوِين، وقُوتٌ للمُسْتَضْعَفِيْن». والمُقْوِين: المسافرين، كذا قاله ابن عباس ومجاهد والضَّحَّاك في قوله تعالى: ﴿وَمَتَاعَاً للمُقْوِين﴾ (٢) . (وكَرْيُ نَهْرٍ لَمْ يُمْلَك) أَي حَفْره (مِنْ بَيْتِ المَالِ) لأَن ذلك لمصلحةِ عامةِ المسلمين، وبيت المال الخَرَاجي مَعَدٌّ لمصالحهم (فإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِ) أَي في بيت المال (شَيءٌ) يكفيه، ومن جملة بيت المال ما في أَيدي الملوك، والوزراء، والأُمراء من آلات الذهب والفضة. وفي حَلَق نسائهم من الجواهر ونحوها (فَعَلَى العَامَّةِ) كَرْيُه. يُجْبِرُهم الإِمام على ذلك، لأَن في تركه ضرراً، وقَلَّمَا يُنْفق العامة على المصالح باختيارهم، إِلا أَنَّ الإِمام يُخْرِج له مَنْ يُطِيقه (٣) ، ويجعل مُؤنته على المياسير الذين لا يطيقونه بأَنفسهم (٤) ، كما في تجهيز الجيوش (٥) . (وكَرْيُ نهر مُلِكَ على أَهْلِهِ) لأَن منفعته لهم على الخصوص، فتكون مُؤنته عليهم، لأَن الغُرْم بالغُنْم، ومَنْ أبى أُجْبر. وقيل: لا يجبر إِلاَّ إِذا كان مُشْتَركَاً وأَبى أَحَدُ شركائه، وإِلاَّ فلا معنى للإِجبار مع تَرْك حَقِّهم بالاختيار، (مِنْ أَعْلَاهُ) خبرٌ ثانٍ لكَرْي نهر مُلِكَ لبيان كيفية كَرْيه، أَي من أَوله لأسفله.

стр. 1299

مِنْ جَاوَزَ مَنْ أَرْضِهِ بَرِئَ. وصَحَّ دَعْوَى الشِّرْبِ بِلا أَرْضٍ. ولَوْ اخْتَصَمَ قَوْمٌ في شِرْبٍ بينهم، قُسِمَ بِقَدْرِ أَرَاضِيهِمْ، ومُنِعَ الأَعْلَى مِنْ سَكْرِ النَّهْرِ، وإِنْ لم يَشْرَبْ بِدُوْنِهِ إلَّا بِرِضَاهُم، وكُلٌّ مِنْهُمْ مِنْ نَصْبِ رَحىً ونحوِه، لا في مِلْكِهِ، بِحَيْثُ لا يَضُرُّ بالنَّهْرِ وَلا بِالمَاءِ، === (ومَنْ جَاوَزَ) أَي الكَرْي (مِنْ أَرْضِهِ) هكذا في النسخ بزيادة «من»، وزيادتها وإِن صحت بعد الشرط على قول أَبي عليَ الفارسي إِلاَّ أَنْ مجرورها يُشترط أَنْ يكون نكرةً، وهو هنا معرفة فكان حَقّه أَنْ يقول: «ومَنْ جَاوَزَ أَرضه»، ولا يبعد أَنْ يقال بالتضمين، فالتقدير ومَنْ تَعدَّى مِنْ أَرضه (بَرِاءَ) من الكَرْي، وهذا عند أبي حنيفة والفتوى عليه، ذَكَرَهُ قاضيخان. وقالا: هو عليهم جميعاً، من أول النهر إِلى آخِرِه بِحصص الشِّرْكِ (١) والأَرضين. وتوضيحه: أَنْ الشركاء في النهر إِذا كانوا عشرةً، فعند أَبي حنيفة مُؤنة الكَرْي عليهم جميعاً من أَول النهر أَعشاراً إِلى أَنْ يجاوز أَرض أَحدهم، فحينئذٍ يكون مُؤنة الكَرْي على الباقين اتساعاً إِلى أَنْ يجاوز أَرضاً أُخرى، ثُم يكون على الباقين أَثماناً وعلى هذا النقصان إِلى أَخِر النهر. وعندهما المُؤنة عليهم أَعشاراً مِنْ أَول النهر إِلى آخِره، لأَن كلَّ واحدٍ ينتفع بالأَسفل كما ينتفع بالأَعلى لاحتياجه إِلى تسييل ما فضل من الماء، فإِنه إِذا سَدَّ ذلك فاض على أَرضه فيفسد زرعه، فيتبين أَنْ كل واحدٍ منهم ينتفع بالنهر من أَوله إِلى آخِره، فإِذا استووا في الغُنْم استَوَوا في الغُرْم. (وصَحَّ دَعْوَى الشِّرْبِ بِلَا أَرْضٍ) استحساناً، والقياس أَنْ لا يصح (ولَوْ اخْتَصَمَ قَوْمٌ في شِرْبٍ بينهم قُسِمَ بِقَدْرِ أَرَاضِيْهِمْ) لأَن المقصود من الشِّرب الانتفاع بِسَقْي الأَرض فيتقدر بِقَدْرها (ومُنِعَ الأَعْلَى مِنْ سَكْرِ النَّهْرِ) أَي سَدِّه على الأَسفل حتى يشرب حصته (وإِنْ لَمْ يَشْرَبِ) الأَعلى (بِدُوْنِهِ) أَي بدون السَّكْر، لما فيه مِنْ إِبطال حقِّ الأَسفل مدة السَّكْر (إِلاَّ بِرِضَاهُمْ) أَي برضاء شركائهم على أَنَّ الأَعلى يَسْكُر النهر حتى يشرب بحصته، أَوْ عَلَى أَنْ يَسْكُر كُلُّ واحدٍ منهم في نوبته، لأَن الحق لهم وقد رضوا بتركه. (و) منع (كُلٌّ مِنْهُمْ) أَي من الشركاء في النهر (مِنْ نَصْبِ رَحى ونحوِه (٢) ، لا في مِلْكِهِ) وهو ما يكون بطن النهر وحافتاه له وللآخَر التسييل، لأَن ذلك تَصَرُّفٌ في مِلْك نَفْسِه (بِحَيْثُ لا يَضُرُّ بالنَّهْرِ) من كَسْر حَافَّتِهِ (وَلَا بِالمَاءِ) مِنْ تَغَيُّرِه عن سَنَنِهِ

стр. 1300

وعن التغيير مِمَّا كَانَ عَلَيهِ قَدِيْمًا. والشِّرْبُ يُورَث، ويُوصَىَ بالانتفاع به، ولا يُبَاع بِلا أَرْضٍ إلَّا عِنْدَ مَشَايخِ بَلْخٍ. وكَذَا الإِجارةُ والهِبةُ والصَّدَقَة. ومَنْ سَقَى مِنْ شِرْبِ غَيرِهِ يَضْمَن، لا مَنْ سَقَى أَرْضَهُ فَنَزَّت أَرضُ جَارِهِ. === الذي كان يجري عليه. (وعن التغيير) أَي ومنع كل من الشركاء عن التغيير (مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَدِيْمَاً) لأَن شَرَّ الأُمور مُحْدَثَاتُهَا كما ورد. (والشِّرْبُ يُورَث، ويُوصَى بالانتفاع به، ولا يباع بِلَا أَرْضٍ إِلاَّ عِنْدَ مَشَايِخِ بَلْخ) فإِنهم أَجازوا بَيْع الشِّرْب، يوماً أَوْ يومين، لأَن أَهل بلخ تعاملوا على ذلك لحاجتهم إِليه. (وكَذَا الإِجارة والهِبة والصَّدَقَة) أَي، وكما لا يُباع الشِّرْب إِلاَّ تَبَعَاً للأَرْضِ لا يُؤجَر، ولا يُوهب، ولا يُتَصَدَّق به إِلا تَبَعاً للأَرْض إِما للجهالة، أَوْ للغرور. أَوْ لأنه ليس بمالٍ متقوّم، أَوْ لعدم الملك فيه للحال، أَوْ لعدم إِمكان تسليمه. (ومَنْ سَقَى) أَرضه (مِنْ شِرْبِ غَيْرِهِ يَضْمَن) لأَنه أَتلف شِرْب غيره باستعماله لأَرضه، وهذا اختيار فَخر الإِسلام رحمه الله تعالى. وقال الإِمامُ المعروف بخَوَاهر زَادَه: لا يَضمن، لأَنه ليس بمالٍ متقوّم. (لا) أَي: لا يضمن (مَنْ سَقَى أَرْضَهُ) أَوْ شَجَرَهُ (فَنَزَّت أَرضُ جَارِهِ) أَوْ سالَ مِنْ مائها في أَرض جاره فَغَرِقت، لأَنه بسببٍ غَيْر مُتَعَدَ، لأَن له أَنْ يملأَ أَرضه ويسقيها، والسبب إِنما يضمن إِذا تَعَدَّى، وفِعْلُهُ في أَرضه ليس بِتَعَدَ، كما لو أَوْقَد ناراً في داره فأَحرق دار جاره، فإِنه إِنْ أَوقد مثل العادة لا يضمن، وإِن أَوقد بخلافها يضمن، إِلا أَنَّ مَنْ حفر بئراً في أَرضه لا يضمن، ما عَطِب منها، ومَنْ حفر بئراً في الطريق يضمن. قالوا: وهذا إِذا سقى أَرضه سقياً معتاداً: بأَن سقاها قدر ما يتحمله عادةً. وأَما إِذا سقاها سقياً لا تتحمله فإِنه يضمن. وكان الشيخ الإمام إِسماعيل يقول: إِنما لا يضمن بالسقي المعتاد إِذا كان محقاً فيه، بأَن سقى أَرضه في نوبته مقدار حصته، وأَما إِذا سقاها في غير نوبته، أَوْ فى نوبته زيادة على حقه وحصته، فإِنه يضمن لوجود التعدي في السبب، والله تعالى أَعلم.

стр. 1301

كِتَابُ الوَقْفِ هُوَ حَبْسُ العَيْنِ عَلَى مِلْكِ الوَاقِفِ، والتَّصَدُّقُ بِالمَنْفَعَةِ كَالعَارِيَّةِ. وَعِنْدَهُمَا هُوَ حَبْسٌ عَلَى مِلْكِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلا يَزُولُ مِلْكُ المَالِكِ عِنْدَ أَبي حَنِيفَةَ ﵀ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ، وإلّا فِي مَسجِدٍ بُنِيَ وَأُفْرِزَ بِطَرِيقِهِ، وَأَذِنَ لِلْنَّاسِ بالصَّلاةِ فِيهِ، وَصَلَّى فِيهِ وَاحِدٌ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَسْلِيمُهُ إلَى المُتَوَلِّي وَقَبضُهُ === كتاب الوَقْفِ (هُوَ) لغةً: الحبس، ويقال للموقوف تسميةً للمفعول بالمصدر. ويُجْمَع على أوقاف كوقتٍ وأوقات. ولا يقال أوقفه إلاّ في لغةٍ رديئةٍ. وشرعاً: (حَبْسُ العَيْنِ عَلَى مِلْكِ الوَاقِفِ والتَّصَدُّقُ بِالمَنْفَعَةِ، كَالعَارِيَّةِ) وهذا عند أبي حنيفة (وَعِنْدَهُمَا: هُوَ حَبْسٌ) للعين (عَلَى مِلْكِ اللَّهِ تَعَالَى) وقيل: الفتوى على قولهما. (فَلَا يَزُولُ مِلْكُ المَالِكِ عِنْدَ أَبي حَنِيفَةَ ﵀ قيل: أصل هذا أَنّ الوقف لا يجوز عنده، وهو المذكور في الأصل. وقيل: (يجوز) (١) عنده ولا يلزم بمنزلة العَارِيَّة فَيُوَرَّثُ ويُرْجَعُ عنه ويُبَاع (إِلاَّ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ) ولاّه الإمام، فإنّه حينئذٍ يزول ملك الواقف عنه لقضائه في أمرٍ مجتهدٍ فيه. وصورة الحكم أن يُسَلِّم الواقف وقفه إلى المُتَوَلّي، ثم يريد أن يرجع بعلّة عدم اللّزوم، فيختصمان إلى القاضي فيقضي باللّزوم. (وإلاّ فِي مَسْجِدٍ بُنِيَ وَأُفْرِزَ بِطَرِيقِهِ) أي مُيِّزَ به عن غيره بتعيّنه (وَأَذِنَ لِلْنَّاسِ بالصَّلَاةِ فِيهِ) أي إذناً عاماً (وَصَلَّى فِيهِ وَاحِدٌ) فإنّه أيضاً يزول مِلْكه عنه، لأنّه جعله خالصاً لله تعالى. وشَرَطَ الإفراز، لأنّه لا يَخْلُص لله إلاّ به، والإذن بالصلاة لأنّ التَّسليم لا بدّ منه عند أبي حنيفة ومحمد، وهو (٢) في المسجد بذلك، لأنّه في كل شيءٍ بحسبه. واكتفى بصلاة الواحد، لأنّ فعل الجميع متعذّرٌ فاشترط الأقلّ، ولأنّ المسجد موضع السجود، ويحصل بفعل الواحد. (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تسليمُه) أي الوقف (إلَى المُتَوَلِّي وَقَبْضُهُ) أي قبض المتولّي

стр. 1302

شرْطٌ. وَعِنْدَ أَبَي يوسفَ يَزُولُ بِنَفْسِ القَوْل، === (شَرْطٌ) في زوال ملك الواقف عنه، لأنّه تَقَرّبَ إلى الله تعالى بماله فيتوقّف جوازه على التَّسليم، كالصّدقة بالعين. (وَعِنْدَ أَبَي يُوسُفَ يَزُولُ) ملك الواقف (بِنَفْسِ القَوْل) وهو قول الشَّافعيّ وأكثر أهل العلم، لأنّه إسقاطٌ للملك، كالإعتاق. وبقول أبي يوسف ومحمد أنّ ملك الواقف يزول لا إلى مالك، بل يرجع إلى مالك الأملاك وخالق الأفلاك، وبه قال عامة الفقهاء، وهو الأصحّ من مذهب الشّافعيّ وأحمد. وللشَّافعيّ قول، وهو رواية عن أحمد: أنه ينتقل إلى ملك الموقوف عليه إن كان أهلاً للملك لامتناع السائبة (١) . وقال مالك: لا يزول الوقف عن ملك الواقف، لكن لا يباع ولا يورّث ولا يوهب، وهو قول آخر للشّافعيّ. والأصل في جوازه ما رواه محمد بن الحسن في «الآثار»، وأصحاب (الكتب) (٢) الستة في سننهم، عن نافع، عن ابن عمر قال: أصاب عمر بِخَيْبَرَ أرْضاً فأتى النّبيّ ﷺ (يستأمره فيها) (٣) ، فقال: (يا رسول الله) (٤) إنّي أصبت أرضاً بِخَيْبَر لم أُصِبْ مالاً قطُّ أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: «إنْ شئت حَبَسْتَ أصلها وتَصدَّقْتَ بها». (قال) (٤): فتصدّق بها عمر، أنّه لا يُبَاع أصلها، ولا (يُوْهَبُ) (٥) : في الفقراء، والقُرْبَى، والرِّقاب، وفي سبِيل الله، (وابن السبيل) (٤)، والضَّيْف. لا جُنَاح على من وَلِيَها أَنْ يأكل منها بالمعروف، أو يُطْعِم منه صديقاً غير مُتَمَوِّلٍ فيه (٦) . وفي لفظٍ:

стр. 1303

فَصَحَّ عِنْدَهُ وَقْفُ المُشَاعِ، === «غير مُتَأثِّلٍ (١) مالاً». وفي بعض طرق البخاري: فقال النبي ﷺ : «تصدّق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يُورَث، ولكن يُنْفَقُ من ثمره» فتصدّق به عمر. وفي «الإسْعَاف»: ما حدّث به الخصَّاف عن محمد بن عمر الوَاقِدِيّ قال: قُتِل مُخَيْريق على رأس اثنين وثلاثين شهراً من مُهَاجر رسول الله ﷺ ، وأوصى إن أُصِيبَ فأمواله لرسول الله ﷺ ، فقبضها ﵊ وتصدّق بها، وهي سبعة حوائط (٢) بالمدينة (الأعراف ـ وقيل (٣) ): الأعواف ـ والصَّافية، والدَّلَال، والمِيثَب، وبُرقة، وحَسناء، ومَشْرَبَة أمّ إبراهيم، سُمِّيت بها لنزول أمّ إبراهيم فيها. وما حدّث عنه أيضاً: أن أبا بكر وعثمان وعلياً وجمعاً من أصحاب النّبيّ ﷺ وأزواجه حَبسوا على نحو ما حبس عمر ﵁، فكان هذا إِجماعاً فِعْلياً منهم على صحته ولزومه. قال في «المَبْسُوط»: وقد استبعد محمد قول أبي حنيفة في «الكتاب»، وسمّاه تحكّماً على النّاس من غير حجّة، فقال: ما أخذَ النّاس بقول أبي حنيفة وأصحابه إلاّ بتركهم التحكّم على النّاس. فإذا كانوا هم الذين يتحكَّمون على النّاس بغير أثرٍ ولا قياس ولم يقلِّدوا هذه الأشياء فكيف يُقَلَّدُونَ؟ (٤) ، ولو جاز التقليد لكان من مَضَى قبل أبي حنيفة مثل الحسن البَصْرِيّ، وإبراهيم النَّخَعِيّ أحرى أنْ يُقَلَّدُوا. ولم يُحْمَدْ على ما قاله. وقيل: بسبب ذلك انقطع خاطره فلم يتمكن من تفريع مسائل الوقف حتّى خاض في الصُّكوك، واستكثر أصحابه (من بعده من تفريع) مسائل الوقف كالخصَّاف وهلال (٥) ، والله تعالى أعلم بالحال. ولأبي حنيفة ما أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» في الفرائض عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا حبس في فرائض الله». وفي نسخة: «عن فرائض الله» أي لا مال يحبس بعد موت المالك عن القسمة بين ورثته. ورواه ابن أبي شَيْبَةَ عن عليّ موقوفاً. وقال ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»: عن شُرَيْح أنّه قد جاء محمد ﷺ ببيع الحبس. إذا عرفت ذلك (فَصَحَّ عِنْدَهُ) أي عند أبي يوسف (وَقْفُ المُشَاعِ) وبه قال مالك والشّافعيّ، لأنّ القسمة من تمام القبض، والقبض ليس عنده بشَرطٍ فكذا تتمته.

стр. 1304

وَجَعْلُ الغَلَّةِ وَالوِلايَةِ لِنَفْسِهِ. وَشَرْطُهُ أَنْ يَستَبدِلَ بِهِ === ولم يصحّ عند محمد، لأنّ أصل القبض عنده شرطٌ، فكذا ما يتمّ به. وهذا الخلاف فيما يحتمل القسمة، وأمّا ما لا يحتملها، كالحمّام فإن وقفه يجوز مع الشيوع، كالهبة والصّدقة، إلاّ في المسجد والمقبرة، فإنّه لا يتمّ مع الشيوع مطلقاً بالاتفاق، لأنّ بقاء الشّركة فيهما يمنع الخلوص لله تعالى. وفي «الذَّخِيرَة» مشايخ بَلْخ أخذوا بقول أبي يوسف في وقف المُشَاع، ومشايخ بُخَارى أخذوا بقول محمد. (وَ) صَحَّ عند أبي يوسف (جَعْلُ الغَلَّةِ) أي غلّة الوقف كلّها أو بعضها لنفسه، لأنّ المقصود من الوقف القُربة، وفي صرف الغلّة إلى نفسه ذلك. فقد ورد: «أنّ نفقة المرء على نفسه صدقةٌ» (١) ، ولا يصحّ على قياس قول محمد رحمه الله تعالى، وهو قول مالك والشّافعيّ، واختاره هلال. وفي «فتاوى قَاضِيخَان»: ذكر الصَّدر الشهيد أنّ الفتوى على قول أبي يوسف ترغيباً للناس في الوقف. انتهى. وهو قول أحمد، وابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة، والزُّهْرِيّ، وابن شُرَيْح من أصحاب الشّافعيّ، وبه أخذ مشايخ بَلْخ. ويؤيّده أنّه إذا بنى خاناً (٢) ، أو سِقَايَةً، أو جعل أرضَه مقبرة وشرط أن يَنْزِل في الخان أو يَشْرَب من السِّقاية أو يُدْفن في المقبرة، فإنّه جائز اتفاقاً. (وَ) صحّ عن الواقف جعل (الوِلَايَة) على الوقف (لِنَفْسِهِ) باتفاقهما، لأنّ شرط الواقف معتبر فيراعى كالنَّص، إلاّ أنه عند محمد يسلمه ثم يكون له الولاية، لأنّ التَّسليم شرط عنده، ولو لم يشترط الواقف الولاية لأحدٍ فهي له عند أبي يوسف. وقال محمد: لا تكون له بل للقاضي، لأنّه لمّا ترك الشرط في ابتداء الوقف خرج الأمرُ من يده وصار أجنبياً. ولأبي يوسف: أنّ المتولّي إنّما يستفيد الولاية من جهته بشرطه، ويستحيل أن لا يكون له ولايةٌ، وغيره يستفيد الولاية منه، ولأنّه أقرب النّاس إلى الوقف، فيكون أولى بولايته، كمن اتّخذ مسجداً فإنّه أولى بعمارته. ولو شَرَطَ الولاية لنفسه وكان غير مأمونٍ على الوقف، فللقاضي أن ينتزعه من يده نظراً للفقراء، كما له أن يُخْرِج الوصي نظراً للضُّعفاء. (وَ) صحّ عند أبي يوسف (شَرْطُهُ) أي شرط الواقف (أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ) أي

стр. 1305

أرْضًا أخْرَى إِذَا شَاءَ، وَتَرْكُ ذِكْرِ مَصْرِفٍ مُوَبَّدٍ، فَإِذَا انْقَطَعَ صُرِفَ إِلَى الفُقَرَاءِ. وَصَحَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَقْفُ مَنْقُولٍ فِيهِ تَعَامُلٌ، كَالْمُصْحَفِ وَنَحْوِهِ، === بالوقف (أرْضاً أخْرَى إِذَا شَاءَ) ويكون وقفاً مكانَه. والقياس أن لا يصحّ الوقف ولا الشرط، وهو قول الشّافعيّ وأحمد، لأنّه شرطٌ منافٍ لمقتضى الوقف فكان إبطالاً له. ووجه الاستحسان: أنّ فيه تحويلَ الوقف إلى ما يكون خيراً منه أو مثله، فكان تقريراً للوقف لا إبطالاً له، واختاره الخصَّاف وهلال. ولو باعه بغبنٍ فاحشٍ لا يصحّ في قول أبي يوسف وهلال. وعند محمد وأهل البَصْرة، وهو وجهٌ عن أحمد: أنّ الشرطَ باطلٌ، والوقف جائزٌ، لأنّ هذا شرط يمنع من زوال الملك قربةً إلى الله تعالى، ويتمّ الوقف بدونه فكان فاسداً، كما لو شرط أن يصلّي في المسجد قومٌ دون قومٍ، فإنّ الشّرط باطلٌ، ووقف المسجد صحيحٌ. وأمّا إذا لم يشرطه الواقف، لا يملكه إلاّ القاضي العالم العامل إذا رآه مصلحةً لئلا يتطرّق إلى أوقاف المسلمين جَوْر قضاة (السُّوء، كما هو الغالب على قضاة) (١) زماننا. وفي «شرح الوقاية»: لا منافاة بين صحة الوقف وبين الاستبدال عند أبي يوسف، فإنّه يجوز الاستبدال في الوقف من غير شرط إذا ضَعُف عن الرَّيع (٢) . ونحن لا نُفْتِي به فقد شاهدنا في الاستبدال من الفساد ما لا يُعدّ ولا يُحْصَى. (وَ) صَحَّ عند أبي يوسف (تَرْكُ ذِكْرِ مَصْرِفٍ مُوَبَّدٍ) بأن ذكر جهةً تنقطع، وبه قال مالك والشّافعيّ في قولٍ وأحمد. في روايةٍ، (فَإِذَا انْقَطَعَ صُرِفَ إِلَى الفُقَرَاءِ) وبه قال مالك وأحمد في روايةٍ، والشّافعيّ في قولٍ. وله قول آخر: يُصْرَفُ إلى أقارب الواقف المحتاجين، وهو رواية عن أحمد. وعن أحمد: يوضع في بيت المال. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يصحّ الوقف حتّى يَذكُرَ مصرفاً مؤبّداً. وقيل: التَّأبيد شرطٌ بالاتفاق، إلاّ أنّ أبا يوسف لا يشترطُ ذكر التأبيد لأنّ لفظة الوقف والصدقة مُنْبِئَةٌ عنه، ومحمد يشترط لأنّ الوقف صدقةٌ بالمنفعة أو بالغلَّة، وذلك قد يكون مؤقتاً وقد يكون مؤبّداً، فمطلقه لا ينصرف إلى المؤبّد. وفي «المُحيط»: لو قال: أرضي هذه صدقةٌ موقوفةٌ، أو محررةٌ، أو محبوسةٌ ولم يذكر التَّأبيد صَحَّ الوقف عند الكلّ. (وَصَحَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَقْفُ مَنْقُولٍ فِيهِ تَعَامُلٌ كَالْمُصْحَفِ وَنَحْوِهِ) من كتب العلم وغيرها، كالفأس، والقَدُوم، والمِنْشَار، والقِدْرِ، والجِنَازة (٣) وثيابها وما يُحتاج

стр. 1306

وَعَلَيهِ الفَتْوِى. === إليه من الأواني في غسل الموتى والكُرَاع (١) والسِّلاح (وَعَلَيْهِ الفَتْوِى) وهو قول عامة المشايخ، ومنهم شمس الأئمة السَّرَخْسِيّ. وأما وقف السّلاح والكُرَاع فيجوز اتفاقاً لِمَا في زكاة «الصحيحين» عن أبي هريرة قال: بعث النّبيّ ﷺ عمر بن الخطّاب على الصّدقة فمنع ابن جميل وخالد والعبّاس، فقال رسول الله ﷺ : «ما يَنْقِم ابن جميلٍ إلاّ أنّه كان فقيراً فأغناه الله تعالى، وأمّا خالد فإنكم تظلمون خالداً فقد احتبس أدراعه (٢) وأعتُدَه (٣) في سبيل الله تعالى، وأمّا العبّاس عمّ رسول الله فهي عليه ومثلها» (٤) .. ثم قال: «أما شعرت أنّ عمّ الرّجل صِنْو (٥) أبيه»؟. والمراد بالكُرَاع: الخيل، ويدخل في حكمه الإبل، (لأنّ العرب) (٦) تجاهد عليها وتحمل عليها السِّلاح. ورُوِيَ أنّه اجتمع في خلافة عمر ثلاث مئة فرسٍ مكتوبٍ على أفخاذها حَبْسٌ في سبيل الله. وعند أبي حنيفة لا يصحّ، وعند أبي يوسف (يصح) (٧) تبعاً للعَقَار، كالبقر والعبيدِ الأَكَرَة (٨) فيه، وسائر آلة الحراثة، وفي الكُرَاع والسِّلاح. لأبي حنيفة: أنّ شَرْط صحة الوقف التأبيد، ولا تأبيد في المنقول. ولأبي يوسف: أنّ النّص ورد في الكُرَاع والسِّلاح فيقتصر عليه. ولمحمّد: أنّ القياس قد يترك بالتعامل كما في الاستصناع، لأنّ التعامل أقوى من القياس، فإنّه بمنزلة الإجماع. وأكثر فقهاء الأمصار على قول محمّد. وفي «القِنْيَة» عن «المحيط البُرْهَانِي»: وقف مئة دينارٍ على مرضى الصُّوفية يصحّ، ويدفَعُ الذَّهب إلى إنسانٍ مضاربةً ليستغلها

стр. 1307

وَلا يُمْلكُ الوَقْفُ وَلا يُتَمَلَّكُ، لَكِنْ يَجُوزُ قِسْمَةُ المُشَاعِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَيَبدَأُ مِن ارْتِفَاعِ الوَقْفِ بِعِمَارَتِهِ إِنْ وَقَفَ عَلَى الفُقَرَاءِ، وَإنْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ وآجَرَهُ للفقراء، فَهِي في مَالِهِ. فَإنْ امْتَنَعَ، أَوْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهُ الحَاكِمُ وعمّره بأُجْرَتِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ الحاكم إلَى مَصْرِفِهِ. وَنِقْضُهُ يُصْرَفُ إلى عِمَارَتِهِ أوْ يُدَّخَرُ === ويصرف الربح. (وَلَا يُمْلَكُ الوَقْفُ) إذا صحّ لانحباسه، وإن كان على أولاد الواقف، لأنّ الموقوف عليه لا حقَّ له في العين بل في الغلَّة (وَلَا يُتَمَلَّكُ) لقوله ﵊ لعمر: «تَصدّق بأصلها، لا يُبَاع ولا يُوهب» (١) . وكذا لا يُرهن لعدم إمكان استيفاء الدّين منه، ولا يُعَار لعدم جواز تمليك منفعة مَجَّاناً (لَكِنْ يَجُوزُ قِسْمَةُ المُشَاعِ) بين المُلاّك (٢) (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) ومالك والشَّافعيّ وأحمد إذا طلب الشَّريك القسمة. وقال أبو حنيفة: لا تجوز القسمة ويتهايئون (٣) . قيَّدنا بالملاَّك إذ لا يجوز قسمة الوقفِ بين مصارفِهِ باتفاق الأصحاب. (وَيَبْدَأُ مِنْ ارْتِفَاعِ الوَقْفِ بِعِمَارَتِهِ إِنْ وَقَفَ عَلَى الفُقَرَاءِ) شَرَطَ الواقف أو لم يشرط، لأنّ قصد الواقف صرف الغلّة على التَّأبيد، ولا يتَأتى ذلك إلاّ بعمارة الوقف، والفقراء ليس لهم شيء حتّى يعمّروا به. وأقرب أموالهم غلّةً الوقفُ، فيعمّر منها. (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ وَآجَرَهُ للفقراء فَهِي) أي العمارة (في مَالِهِ) أي مال ذلك المعيَّن لأنّه يمكن مطالبته، وتكون العِمَارة بقدر ما يبقى الموقوف على الصّفة التي وُقِفَ عليها. (فَإِنْ امْتَنَعَ) المعيّن (أَوْ كَانَ فَقِيراً آجَرَهُ) أي الوقفَ (الحَاكِمُ) لذلك المعيّن أو لغيره بقدر عمارة الوقف على الصّفة التي وقفها الواقف، ولا يُزَاد على ذلك إلاّ برضا ذلك المعيّن. وكذا إن كان وَقْفاً على الفقراء لا يزيد على ذلك في الأصحّ. (وعمّره بأُجْرَتِهِ ثُمَّ رَدَّهُ الحاكم إلَى مَصْرِفِهِ) لأنّ في ذلك رعايةً لحقّ الواقف وحقّ الموقوف عليه. ولا يُجْبَرُ الممتنع على العِمَارة لما فيها من إتلاف ماله. (وَنِقْضُهُ) بكسر النون، أي منقوضه (يُصْرَفُ إلى عِمَارَتِهِ) إن احتاج (أوْ يُدَّخَرُ

стр. 1308

لِوَقْتِ الحَاجَةِ إليها. وَإنْ تَعَذَّرَ صَرْفُهُ إِلَيهَا بِيعَ وَصُرِفَ ثَمَنُهُ إِلَيْهَا. وَلا يُقْسَمُ بَين مَصَارِفِهِ. === لِوَقْتِ الحَاجَةِ إليها) (أي إلى العِمَارة) (١) ، وفي بعض النسخ: إليه أي إلى النِّقْض (وَإِنْ تَعَذَّرَ صَرْفُهُ) أي النِّقْض (إِلَيْهَا) أي إلى العِمَارة (بِيعَ) النِّقْض (وَصُرِفَ ثَمَنُهُ إِلَيْهَا) إقامة للبدل مُقام المُبدل. (وَلَا يُقْسَمُ) النِّقْض ولا ثمنه (بَيْنَ مَصَارِفِهِ) أي مصارف الوقف، وهم المستحقّون له، لأنّه جزءٌ من العين ولا حقّ للموقوف عليهم فيها، وإنّما حقّهم في المنفعة، والعين حقّ الله تعالى فلا يُصْرَف إليهم. ولذا لا يباع بعض الوقف لعمارة باقيه في الأصحّ، لخروجه بكل أجزائه عن قابلية الملك. وقيل: يجوز لِعَود الثَّمن القائم مُقام ما بيع إليه. ولا يُعيد أبو يوسف المسجد ملكاً لبانيه أو وارثه بخراب ما حوله والاستغناء عنه، لأنّه إسقاطٌ منه، فلا يعود إلى ملكه، وخالفه محمد وحَكَمَ بعوده إلى بانيه أو إلى وارثه، لأنّه عيّنه لنوع قُربة وقد انقطعت، وصار كحصير المسجد إذا استُغْنِي عنه، إلاّ أنّ أبا يوسف يقول في الحصير أنّه يُنْقَل إلى مسجدٍ آخر على الصحيح من مذهبه، أو يبيعها القيّم لأجل المسجد. ويجوز توسعة المسجد من الطريق عند ضيقه وسعة الطريق، وكذا عكسه، لأنّ كلاًّ منهما للمسلمين. وكذا توسعته من وقفه عند الحاجة بإذن القاضي، ومِن مِلْكِ الغير أيضاً بقيمته، ولو كُرْهاً عند الحاجة إليها، بأن يضيق على النّاس دفعاً للضَّرر العام، ويجبر الخاص بالقيمة. وهذا وإذا شرط الواقف لإجارته مدّة لا يزاد عليها، وإلاّ فالمختار أن لا يزيد في الدُّور على سَنَة وفي الأراضي (٢) على ثلاث سنين. ولا يؤجر إلاّ بأجر المثل، ولا ينقض (٣) الإجارة إن زادت الأجرة في المدّة بكثرة الرَّغْبة، بخلاف غلو السعر. ولا يؤجره الموقوفُ عليه إلاّ بولاية له عليه، أو نيابة من المتولّي أو القاضي. ولا تفسخ الإجارة بموت المؤجر، متولياً كان أو قاضياً. وضمن منافعَه بالغصب في المختار، وكذا (منافع) (١) مال الأطفال والمعدِّ للاستغلال، وهي اختيار المتأخرين دفعاً للمفسدين عن ضرر المستضعفين. وتجوز الشَّهادة بالتَّسَامع والشهرة، لإثبات أصل الوقف المتقادِم في الأصحّ، كما لا يُسمع شرطه وجهته بالتّسامع في الصَّحيح.

стр. 1309

كتاب الكَراهيةِ ما كُرِهَ حَرَامٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ يَتَلَفَّظ بِهِ لِعَدَمِ القَاطِعِ، وَعِنْدَهُمَا إِلَى الحَرَامِ أقرب. الأَكْلُ فَرْضٌ إِنْ دَفَعَ بِهِ هَلاكَهُ، وَمَأْجُورٌ عَلَيهِ إنْ مَكَّنَهُ مِنْ صَلاِتهِ قَائِمًا وَمِنْ صَوْمِهِ، وَمُبَاحٌ إلى الشِّبَعِ لِيَزِيدَ قُوَّتَهُ. === كتاب الكَرَاهِيَةِ بتخفيف الياء، أي المكروهات، وهي أعمّ من أن تكون كراهةَ تحريم أو تنزيه، وقد يَذْكُرُ فيها المباحُ لدفع توهّم كونه مكروهاً، ويَذْكُر الغرضَ لِتَعْلَمَ أن تركه حرام. ولقّبه القُدُورِيّ بالحظر والإباحة. ولقّبه بعضهم بكتاب الزُّهد والورَع. (مَا كُرِهَ) أي كل مكروهٍ تحريماً (حَرَامٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ يَتَلَفَّظ بِهِ) أي بالحرام، بل عدل عنه إلى لفظ المكروه (لِعَدَمِ القَاطِعِ) الدَّال على حرمته، فهو يُسمِّي ما ثبت حرمته بدليل قطعي حراماً، وما ثبت بدليلٍ غير قطعيّ من خبر آحاد أو قول صحابيّ، أو غير ذلك، مكروهاً. فنسبة المكروه إلى الحرام كنسبة الواجب إلى الفرض، وهذا في كراهة التَّحريم، أمّا كراهة التَّنزيه فهي في مقابلة السُّنة. (وَعِنْدَهُمَا) أي عند أبي حنيفة وأبي يوسف ما كره ليس بحرامٍ، بل (إِلَى الحَرَامِ أقْرَبُ) وهذه في المكروه التّحريميّ، وأمّا التَّنزيهيّ فإلى الحِلِّ أقرب اتفاقاً. (الأَكْلُ فَرْضٌ) وكذا الشُّرب لقوله تعالى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ (١) بشرط أن يكون حلالاً لقوله تعالى: ﴿كُلُوا من طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٢) (إِنْ دَفَعَ) الأكل (بِهِ هَلَاكَهُ) حتّى لو جوّع نفسه رياضةً حتّى مات، أو امتنع عن أَكْلِ المَيْتة حال المَخْمَصَةِ (٣) حتّى مات، مات عاصياً. (وَمَأْجُورٌ عَلَيْهِ) أي أَجْرَ الواجب أو السّنة بالزّيادة على قدر الرَّمق وما دون الشِّبَع (إنْ مَكَّنَهُ مِنْ صَلاتِهِ قَائِماً، وَ) إن مَكَّنَه (مِنْ صَوْمِهِ) فرضاً. (وَمُبَاحٌ إلى الشِّبَعِ لِيَزِيدَ قُوَّتَهُ) في التّصرفات الدنيوية. وأمّا الزِّيادة لقوة الطاعة والعبادة فمستحبٌّ. وقد أغرب العَيْنِيّ في «شرح تحفة الملوك» حيث قال: ومباحٌ، وهو أدنى الشِّبع بنية أن يتقوى به على العبادة. قال: وهذا

стр. 1310

وَحَرَامٌ فَوْقَهُ إِلّا لِقَصْدِ قُوَّةِ صَوْمِ الغَدِ، أَوْ لِئَلَّا يَستَحِي ضَيفُهُ. === القسم لا أجر فيه ولا وزر، ولكن يُحاسب فيه حساباً يسيراً، ولو كان من حِلّ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (١) . (وَحَرَامٌ فَوْقَهُ) أي فوق الشِّبع لضرره وإسرافه الممنوع. لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٢) ولِمَا في «شُعَبِ الإِيمان» عن عائشة أنّ رسول الله ﷺ أراد أن يشتري غلاماً فألقى بين يديه تمراً فأكل الغلام فأكثر. فقال ﵊: «إن كثرة الأكل شُؤْمٌ»، فأمر بِرَدِّه. ولقوله ﵊: «إنّ أكثر النَّاس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة». رواه ابن ماجه. (إِلاّ لِقَصْدِ قُوَّةِ صَوْمِ الغَدِ) بأن يأكل أوّل الليل أو آخره زيادة على الشبع (أَوْ لِئَلاَّ يَسْتَحِي ضَيْفُهُ) فيمتنع عن الأكل لأجله. قيل: وكذا لا يجوز الأكل فوق الشِّبع تطييباً لخاطر مُضيفِهِ. ثم التنوّع (٣) بأنواع الفاكهة مباحٌ، لقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٤) أي مستلذّاته، وترك المداومة عليه أفضل له، لظاهر قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا واسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (٥) . وقد أغرب صاحب «تحفة الملوك» وشارحه العَيْنِيّ في هذا المحل مسائل لا تطابق ما ذكروه من دلائل. منها قوله: والجمع بين أنواع الأطعمة حرامٌ. لأنّ ذلك إسراف وهو حرامٌ، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾، ومنها قوله: وكذا وضع الخبز على المائدة أضعاف ما يحتاج إليه الآكلون، فإنه إسرافٌ فيكون حراماً، ومنها قوله: وكذا رفع الخبز على الخِوَان (٦) حرامٌ. لما رُوِيَ عن قَتَادة عن أنس قال: ما علمت النّبيّ ﷺ أكل في سَكُرُّجَةٍ (٧) قطُّ ولا خُبِزَ له مُرَقَّق، ولا أكل على خِوَانٍ. ومنها قوله: وكذا وضع الخبز تحت القَصْعَةِ ليستقيم حرامٌ، لأنّ في ذلك استخفافاً وقد أمُرنا بتكريمه، وكذا مسح الأصابع والسّكين بالخبز، ووضع المِمْلَحَة عليه، وأكل وجهه خاصة. ولا يخفى غرابته، لأنّ أمثال ذلك خلاف الأولى، وغايته أنْ يكون كراهةَ تنزيهٍ،

стр. 1311

وَحَلّ اسْتِعْمَالُ المُفَضَّضِ مُتَّقِيًا مَوْضِعَ الفِضَّةِ، وَالأَحْجَارِ === وأمّا كونه محرّماً أو كراهة تحريم فلا دلالة فيه فيما ذكره، فتأمّل فإنه موضع زللٍ. (وَحَلّ) عند أبي حنيفة (اسْتِعْمَالُ المُفَضَّضِ) أي المرصّع بالفضّة وكذا المُضَبَّب، وهو المشدود بها حال كون المستعمِل (مُتَّقِياً) أي مُجْتَنِباً (مَوْضِعَ الفِضَّةِ) فيتقي في الشرب موضع الفم، وقيل: وموضع اليد في الأخذ، ويتقي في السَّرير والسَّرْج والكُرْسِيّ موضع الجلوس. وكذا إذا جعل ذلك في نَصْل (١) السيف أو السِّكين أو قبضتهما ولم يضع يده في موضع الذَّهب والفضَّة. وكذا المُفَضَّض من اللِّجام والرِّكَاب (٢) . وكذا الثوب فيه كتابةٌ بذهب أو فِضَّة لا يكره عند أبي حنيفة لأنّ موضع التّضْبيب (٣) تابعٌ لغيره، فلا يكره. وصار كالجُبّة المكفوفة بالحرير، والثوب المُعْلَم بالحرير، والفَصّ المُسَمَّر بمسمار الذَّهب، والعِمَامة المُعْلَمَة بالذَّهب. وقال أبو يوسف: يكره ذلك، لأنّ من استعمل إناءً كان مستعملاً لكل جزءٍ منه، فيكره المضبب مع اتّقاء موضع الفضّة، كما يكره مع استعمال موضعها. وقول محمد يروى مع أبي (حنيفة ويروى مع أبي) (٤) يوسف، وعلى هذا الخلاف إذا جعل ذلك في السّقف أو في المسجد، أو جعل حلقة المرآة من الذّهب أو الفضّة، أو جعل المصحف مذهّباً أو مفضّضاً. وهذا كله إذا كان يخلص منه شيء. وأمّا الذي لا يخلص منه شيء كالمُمَوَّه فلا بأس به إجماعاً لأنّه مستَهلَك فلا عبرة ببقاء لونه. (وَالأَحْجَارِ) أي وحلّ استعمال الأحجار الثّمينة للإباحة العامة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فَي الأرْضِ جَمِيعاً﴾ (٥) . وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (٦) لا الذهب، أي لا يحلُّ استعمال الحُلِيِّ الذهب والفضة للرجال، لما أخرجه الجماعة إلاّ البخاري من حديث عبد الله بن جُبَيْر أَنَّ رسول الله ﷺ نهى عن التَّختُّم بالذَّهب. وأخرج الترمذي (والنَّسائي) (٧) عن أبي موسى الأشعري أنّ رسول

стр. 1312

إلَّا خَاتَمٍ وَمِنْطَقَةٍ، وحِلْيَةِ سَيفٍ مِنْهَا، === الله ﷺ قال: «حُرِّمَ لباس الحرير والذّهب على ذكور أمتي، وأُحِلَّ لإناثهم». (إِلاَّ خَاتَمٍ) بالجر على البدل (وَمِنْطَقَةٍ (١) وحِلْيَةِ سَيْفٍ مِنْهَا) أي من الفضة. أمّا الخاتم فلما أخرجه الجماعة أنّ رسول الله ﷺ اتّخذ خاتماً من فضة له فَصٌّ حبشيٌّ ونقش فيه: محمد رسول الله. وفي لفظٍ: إنّ رسول الله ﷺ أراد أن يكتب إلى بعض الأعاجم فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتاباً إلاّ بخاتم. فاتخذ خاتماً من فضة ونقش فيه محمد رسول الله، فكان في يده حتّى قُبِضَ، وفي يد أبي بكر حتى قُبِضَ، وفي يد عمر حتّى قُبِضَ، وفي يد عثمان حتّى سقط منه في بئر أَرِيس فأمر بها فنزعت فلم يقدر عليه. والعبرة للحلقة، لأن قوام الخاتم بها دون الفَصّ. ويَجعلُ الرَّجلُ في لبسه الفَصّ إلى باطن الكف، بخلاف المرأة لأنّه للتزيين في حقها. ويُستحب للقاضي والسلطان ونحوهما ممن يحتاج إلى الختم، والأفضل لغيرهم تركه. وأمّا المِنْطَقَة فلما في «عيون الأثر» لأبي الفتح اليَعْمُرِي، ويُقَال له: ابن سَيِّد الناس: أنّ النبي ﷺ كان له مِنْطَقة من أَديمٍ مَبْشُورٍ ـ أي مشقورٍ ـ ثلث حلقها وإبْزيمُهَا وطرفها فضّة. والإبْزِيمُ: الذي في رأس المِنْطَقَة ونحوها. وأمّا السيف فلما أخرجه أبو داود والترمذي والنَّسائي عن أنس قال: كانت قَبِيعَةُ سيف رسول الله ﷺ من فضة. (وفي لفظ للنِّسائي: كان نعل سيف رسول الله ﷺ من فضة، وقبيعة سيفه، وما بين ذلك حَلَقٌ من فضة. وفي لفظ: كان حلية سيف رسول الله ﷺ من فضة) (٢) . وأخرج الطَّبَرَاني في «معجمه» عن مرزوق الصقيل (٣) ، أنّه صقل سيف رسول الله ﷺ ذا الفَقَار، وكانت له قَبِيعة من فضةٍ وحَلَقٍ من فضّةٍ. والقبيعة بقاف فموحدة ثم تحتية ثم مهملة على وزن سفينة: ما على طرف مَقْبِضِ السيف من فضة أو حديد. وأخرج عبد الرَّزاق في «مصنفه» عن جعفر بن محمد قال: رأيت سيف

стр. 1313

وَمِسْمَارُ ذَهَبٍ في الخَاتَم. === رسول الله ﷺ قائمته من فضة، ونعله من فضة، وبين ذلك حَلَق من فضة، وهو عند هؤلاء يعني بني العباس. وأخرج البَيْهَقِيّ عن عثمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر أنه تقلد سيف عمر يوم قتل عثمان فكان محلّى. قلت: كم كانت حليته؟ قال: أربع مئة (درهم) (١) . قيّدنا الذهب والفضة بالحُلِيّ، لأنّه لا يحل للرِّجال ولا للنساء استعمال آنية الذهب والفضة بالأكل والشرب وغيرها، كاستعمال المِلْعَقة من أحدهما، والاكتحال بِمِيل أو من مُكْحُلَة من أحدهما، والادّهان بدهن في إناء من أحدهما لعموم النهي. وفي رواية أمّ سَلَمة أنّ النّبيّ ﷺ قال: «الذي يشرب في آنية الفضة إنما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنم». رواه الشيخان. ومعنى يجرجر: يُرَدِّدُ، وفي رواية مسلم: «من شرب في إناءٍ من ذهب أو فضة». وفي أخرى له: «إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب». وفي الكتب الستة من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: استسقى حُذَيْفَةُ، فسقاه مجوسيّ في إناء فضة فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تلبَسوا الحرير ولا الدِّيبَاج (٢) ، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صِحَافِها فإنّها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». وكذا يَحْرُم كلُّ استعمال كالأكل بملعقة الفضة، والاكتحال بميلها، واتخاذ المُكْحُلَة والمرآة، والدواة من الفضة، وما أشبه ذلك من الاستعمال. ورُوِيَ عن عليّ ﵁ (أنه قال) (١) : صنعت طعاماً فدعوته ﵊، فجاء فرأى في البيت تصاوير، فرجع. رواه ابن ماجه. لأنّ إجابة الدعوة سنة، ورؤية المنكر بدعة. (وَ) حلّ (مِسْمَارُ ذَهَبٍ في الخَاتَم) أي في ثَقْبٍ فَصِّه، لأنه تابع (له) (١) ، فصار كالعَلَم في الثوب. وجوّز محمد شدّ السِّنِّ التي يخاف سقوطها بالذهب كالفضة، وكاتخاذ الأنف من الذهب. وعنهما: الجواز وعدمه. أمّا الجواز فلما في «السنن» سوى ابن ماجه عن عبد الرحمن بن طَرَفة: أنّ جده

стр. 1314

وَلا يَتَخَتَّمُ بحديد وصُفْرٍ وحَجَرٍ، === عَرْفَجَة بن سعد أُصِيب أَنفُه يومٍ الكُلاب، فاتّخذ أنفاً من وَرِق (١) فأنتن عليه، فأمره النبيّ ﷺ فاتخذ أنفاً من ذهب. وفي «معجم الطَّبَرَانِيّ» بسنده إلى هِشَام بن عُرْوَة، عن عبد الله بن عمرو: أَنَّ أباه سقطت ثنيّته، فأمره النبي ﷺ أن يشدّها بذهب. وفي «معجم الصحابة» لابن قَانِع بسنده إلى هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عبد الله بن عبد الله بن أُبِيّ بن (أبِي) (٢) سلول قال: اندقّت ثنيّتيّ يوم أحد، فأمرني النبيّ ﷺ أن اتّخذ ثنية من ذهب. وأمَّا عدمه عنهما، فلأنّ الأصل فيهما التحريم، والإباحة للضرورة، وقد اندفعت بالفضة، وهي الأدنى فبقي الذهب على التحريم، والضرورةُ لم تندفع في الأنف دونه حيث أنتن. كذا ذكره بعض الشُّراح، وفيه أنّ نصه ﷺ ابتداءً باتخاذ الثنيَّة من ذهب يأبى عن ذلك، فالمعتمد أن يقال مهما تندفع الضرورة بالفضة، فلا يجوز بالذهب اعتباراً للأخفّ، حيث جوّزوا خاتم الفضة دون خاتم الذهب، والله أعلم. (وَلَا يَتَخَتَّمُ) أي ولا يجوز للرجل والمرأة أن يتختَّم (بحديد وصُفْرٍ) أي نحاس أصفر، لما أخرجه أبو داود والترمذي والنَّسائي عن عبد الله بن بُرَيْدَة، عن أبيه قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ وعليه خاتم من حديدٍ فقال: «ما لي أرى عليك حِلْيَة أهل النار»؟ ثم جاء وعليه خاتم من شَبَهٍ فقال: «ما لي أجد منك ريح الأصنام»؟ فقال: يا رسول الله من أي شيء أتّخذه؟ قال: «اتّخذه من وَرِق ولا تُتُمّه مثقالاً». زاد الترمذي: قبل التعليم (٣) ، ثم جاءه وعليه خاتم من ذهب فقال: «ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة»؟ وقال: «صُفْرٍ» عوض «شَبَهٍ». انتهى. والشَّبه بحركة وبكسر: النحاس الأصفر. (وحَجَرٍ) كاليَشْبِ (٤) المشهور باليَشْمِ (٥) ويقال له: البلور. واعلم أنه وقع في «الجامع الصغير»: ولا يتختم إلاَّ بالفضة. قال شمس الأئمة السَّرَخَسِيّ في «شرحه»: ولظاهر هذا اللفظ، يعني بطريق الحصر، كره بعض مشايخنا التختم باليَشْبِ، والأصحّ أنه لا بأس بذلك، وأنّ مراده كراهة التختم بالذهب

стр. 1315

وَلا يلبسُ الرَّجُلُ حَرِيرًا إلَّا قَدْرَ أَرْبَعَةِ أصابع، === والحديد على ما ورد به الأثر. وأمّا اليَشْبُ ونحوه فلا بأس بالتختم به كالعقيق، فقد ورد أنّ النبيّ ﷺ تختم بالعقيق. ثم اللبس من الحلال فرض أيضاً لقوله سبحانه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١) ، لأنّه لا يقدر على أداء الصلاة إلاّ بستر العورة، ولأنّه يجب عليه ستر عورته عن غيره، ولأنّ خلقته لا تحتمل الحر والبرد، فيحتاج إلى ذلك بالكسوة، فصار نظير الطعام والشراب. ويستحب ستر غير العورة، لقوله ﵊: «إنّ الله يحب أنْ يرى أثر نعمته على عبده». رواه الترمذي. (وَلَا يَلْبَسُ الرَّجُلُ حَرِيراً إلاّ قَدْرَ أَرْبَعَةِ أصابِعٍ) عرضاً، فإنه حلال لما أخرجه مسلم عن قَتَادة، عن الشَّعْبي، عن سُوَيد بن غَفَلة أنّ عمر بن الخطاب ﵁ خطب بالجَابِيَة فقال: نهى نبيّ الله ﷺ عن لبس الحرير إلاّ موضع أصبعين، أو ثلاث، أو أربع. (ولما في «الصحيحين» عن ابن عمر بن الخطاب رأى حُلّة سِيَراء (٢) عند باب المسجد فقال: يا رسول الله فلو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنما يلبَسُ الحرير في الدنيا من لا خَلاق (٣) له في الآخرة» … الحديثَ. وقد روي عن ثلاثة عشر من الصحابة منهم عليّ بن أبي طالب بأسانيد متّصلة أن النبيّ ﷺ أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله ثم قال: «إن هذين حرامٌ على ذكور أمتي حلّ لإناثهم». وعن أبي موسى الأشعري أنه ﵊ أحلّ الذهب والفضة والحرير للإناث من أمته وحرّم على ذكورها. رواه أحمد والنَّسائي والترمذي وصححه) (٤) . ولما في «صحيح مسلم» عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر ـ أنّها أخرجت إليَّ جُبَّة (٥) طَيَالِسَة كِسْرَوَانِيّةً لها لِبْنَة (٦) دِيبَاج وفَرْجَاها

стр. 1316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مكْفُوفَان بالدِّيبَاج (١) . فقالت: كانت هذه عند عائشة ﵂ فَلما قُبِضَتْ أخذتها وكان النبيّ ﷺ يلبَسُها. فنحن نَغْسِلُها لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بها. (ولفظ البخاري في كتاب «المُفْرَد في الأدب»: فأَخْرَجَتْ له أسماء جُبَّة من طَيَالِسة عليها لِبْنَة شبر من ديباج، وإنّ فرجيْها مكفوفان به، فقالت: هذه جُبّة رسول الله ﷺ كان يلبسها للوفد والجمعة. وروى عمر أنّه ﵊ نهى عن لَبُوس الحرير، قال: «إلاّ هكذا» ورفع لنا رسول الله ﷺ السَّبَّابة والوُسْطَى وضمهما. رواه أحمد والشيخان. وفي معنى العَلَم (٢) : الحرير المنسوج بالذهب. ويَحْرُم لِبْنَة الحرير والديباج، وهي قطعة منهما تُعْلَمُ في جيب القميص والجبة) (٣) . وروى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم أنّ عمر بن الخطاب بعث جيشاً ففتح الله عليهم وأصابوا غنائم كثيرة، فلما أقبلوا وبلغ عمر أنهم قد دَنَوْا، خرج بالناس ليستقبلهم، فلمّا بلغهم خروج عمر بالناس لبسوا ما معهم من الحرير والدِّيباج، فلمّا رآهم عمر غضب فأعرض عنهم، (ثم قال: أَلقُوا ثياب أهل النار) (٤) ، فلمّا رأوا غضب عمر أَلْقَوْها ثم أقبلوا يعتذرون، فقالوا: إنما لبسنا لنريك ما أفاء الله علينا. قال: فَسَرَّني ذلك عن عمر، ثم رخص في العَلَم الأصبع والأصبعين والثلاث والأربع. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة. وكذا الثوب المنسوج بالذهب، لا يكره إذا كان قدر عرض أربع (أصابع) (٥) ، ولعلّ الحكمة في جواز هذا القدر القليل من اللبس والاستعمال، لِيَعْلَمَ العبدُ به ما أعدّ الله له في الآخرة من لدنه، فيرغب فيما يكون سبباً لتحصيله. والتِّكَّة (٦) من الحرير والقَبّ (٧) منه لا يحل للرجل، لأنه استعمال تام.

стр. 1317

وَيَتَوَّسَّدُهُ وَيَفْرُشُهُ، وَيَلْبَسُ ماسُدَاهُ إبْرِيْسَمُ ولُحْمَتُهُ غَيرُهُ، === ويستحبّ لبس الثياب الجميلة للتجمُّل والتزيُّن وإظهار نعمة الله تعالى لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ (١) الآية. ولقوله تعالى: ﴿قَدْ أنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً﴾ (٢) وهو لباس الزِّينة. ولقوله ﵊: «إنّ الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». رواه الترمذي. وقد رُوِيَ أن أبا حنيفة ارتدى بِرِداء قيمته أربع مئة دينار. وأمّا إذا لبس الزِّينة للتفاخر وإظهار التكاثر، فهو حرامٌ ليس فيه كلام. (وَيَتَوَسَّدُهُ) أي يجوز أن يجعل الحرير وسَادة أي مِخَدَّة (وَيَفْرُشُهُ) ويستر به بابه عند أبي حنيفة، وقالا: يكره للعمومات، ولأنّه من زِيّ المترفهِين، وهيئة المتنعمين من الكفار والفجار، وقد ذمهم الله تعالى بقوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَوتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (٣) ، وبقولهما قال مالك والشَّافعيّ، وهو الصحيح لِمَا في «صحيح البخاري» عن ابن أبي ليلى عن حُذَيْفَةَ قال: نهانا رسول الله ﷺ أنْ نشرب في آنية الذَّهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليهما. ولأبي حنيفة: ما أخرجه ابن سعد في «الطبقات» في ترجمة ابن عباس، عن راشد مولى لبني (٤) عامر قال: رأيت على فراش ابن عباس مِرْفَقة حرير. وما أخرجه عن مؤذن بني وداعة قال: دخلت على ابن عباس وهو متّكيء على مِرْفَقَةِ (٥) حرير، وسعيد بن جُبَيْر عند رجليه وهو يقول: انظر كيف تحدِّث عني فإنك حفظت عني كثيراً. (وَيَلْبَسُ) الرجل (ماسُدَاهُ) بضم أوله وهو طوله (إبْرِيْسَمُ) بكسر الهمزة والراء وفتح السين المهملة الحرير (ولُحْمَتُهُ) بضم لامه أي عرضه (غَيْرُهُ) أي غير إبْرِيْسَم، من قطن وكَتان وصوف. ويستوي فيه الحرب وغيره لما روى عبد الرَّزاق في «مصنفه» عن وَهْب بن كَيْسَان أنه قال: رأيت ستة من أصحاب رسول الله ﷺ يلبَسون الخز: سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأنس بن مالك. والخَزّ: هو المُسَدَّى بالحرير. ولما في «سنن أبي داود» عن خُصَيْف، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: إنما نهى النبيّ ﷺ عن الثوب المُصْمَت (٦) من الحرير. فأمّا العَلَم من الحرير وسُدَى الثّوب فلا بأس به، ولأنّ الثوب إنّما يصيرُ ثوباً

стр. 1318

وَعَكْسَهُ في حَرْبٍ فَقَطْ. وَكُرِهَ إلْبَاسُ الصَّبِيّ، ذَهَبًا أوْ حَرِيرًا. [تَحدِيدُ عَوْرَةِ المرَأةِ والرَّجُلِ] وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنَ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةُ مِنَ المَرْأَةِ وَالرَّجُلِ، سِوَى ما بَين السُّرَةِ إلى الرُّكْبَةِ، === بالنسج وهو يتم باللُّحْمَة، فكانت هي المعتبرة دون السُّدَى. وقال أبو يوسف: لا أرى بأساً بحشو القز، لأنّ الثوب ملبوس والحشو غير ملبوس. (وَ) يلبس (عَكْسَهُ) وهو ما لحمته إبْرِيْسَم وسُدَاه غيره (في حَرْبٍ فَقَطْ) أي ولا يُلبس في غيرها. وأمّا الخالص فلا يُلبس في الحرب عند أبي حنيفة، ويلبس عندهما، وهو قول مالك والشّافعيّ، لأنّه أرفع للسلاح وأهيب للعدو. ولأبي حنيفة: أنّ النصوص الناهية عن لبسه لم تفصّل بين حال وحال، ورفع السلاح والهيبة يحصلان بالمخلوط الذي لحمته حرير. وأمّا ما في «كامل ابن عَدِيّ» عن الحكم بن عُمير (١) ، وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: رخَّصَ رسول الله ﷺ في لباس الحرير عند القتال. فقد أعلّه عبد الحق بعيسى من رواته، وقال: إنه ضعيف عندهم، بل متروك. وفي «طبقات ابن سعد» (٢) بسنده إلى الحسن قال: كان المسلمون يلبسون الحرير في الحرب. انتهى. وهو على تقدير صحته قابل للتأويل كما لا يخفى. (وَكُرِهَ إلْبَاسُ (٣) الصَّبِيّ ذَهَباً أوْ حَرِيراً) لأنّ الصبي يُمْنَعُ ممّا لا يجوز له في الشرع إذا كبر ليألف ذلك. ألا ترى أنّه إنّما نمنعه من شرب الخمر ونأخذه بالصوم والصلاة؟ خلافاً لمالك والشَّافعيّ لعدم كونه مخاطَباً. (تَحَدِيدُ عَوْرَةِ الَمْرأَةِ والرَّجُلِ) (وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنَ الرَّجُلِ وَ) تنظر (المَرْأَةُ مِنَ المَرْأَةِ وَ) من (الرَّجُلِ) الأجنبيّ إذا أمنت الشَّهوة (سِوَى ما بَيْنَ السُّرَّةِ إلى الرُّكْبَةِ) أمّا نظر الرّجل من الرّجل فيما عداهما، فلأنّ السرة ليست بعورة. لِمَا روى أحمد في «مسنده»، وابن حِبّان في «صحيحه»، والبيهقيّ في «سننه» عن ابن عَوْن، عن عُمير بن إسحاق (٤) قال: كنت

стр. 1319

وَمِنْ مَحْرَمِهِ وَمِنْ أَمَةِ غَيرِهِ إِلَى مَا وَرَاءِ الظَّهْرِ والبَطْنِ === أمشي مع الحسن بن عليّ في بعض طرق المدينة فلقينا أبا هريرة فقال للحسن: اكشف لي عن بطنك ـ جُعِلتُ فداك ـ حتّى أُقَبِّل حيث رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يُقَبِّل قال: فكشف عن بطنه فقبَّل سرته، ولو كانت من العورة لما كشفها الحسن ولا قَبَّلَها أبو هريرة. وما تحت السُّرة إلى الركبة عورة، لِمَا مرَّ في شروط الصلاة. وأمّا نظر المرأة فلوجود المجانسة بين المرأتين، وانعدام الشهوة غالباً من الطرفين كما في نظر الرجل (من الرّجل) (١) إذا لم يكن أمردَ صبيحاً (٢) . ولا ينظر إليه بعين الشهوة وأمّا نظرها من الرجل فلأنّ الرجل يعمل في شغله متجرداً غالباً، فلو لم يجز لها النظر (إليه) (٣) لضاق الأمر على الناس. وفي كتاب الخُنْثَى من «الأصل»: إنّ نظر المرأة إلى الرجل الأجنبيّ بمنزلة نظر الرجل إلى محارمه، فلا يجوز لها أن تنظر إلى البطن والظهر لأنّ النظر إلى خلاف الجنس أغلظ. وعلى الرواية الأُولى يجوز وهو الأصحّ. ولو نظرت المرأة إلى ما يجوز (٤) لها النظر منه وفي قلبها شهوة، أو فى أكثر رأيها أنها تَشتهي، أو شكَّت في ذلك استُحبّ لها أنْ تغضّ بصرها، بخلاف الرجل إذا نظر من المرأة إلى ما يجوز له النظر منها وهو الوجه والكف، فإنّه يغضّ بصره حتماً مع خوف الشهوة، لقوله ﵊: «كَتَبَ الله على ابن آدم نصيبه من الزنا، يُدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر» … الحديثَ. رواه مسلم. (وَمِنْ مَحْرَمِهِ) أي وينظر الرجل من مَحْرَمِهِ، وهي مَنْ لا يجوز المناكحة بينه وبينها على التأبيد بنسبٍ أو سببٍ، من رضاع أو مُصَاهرة بنكاحٍ أو سِفَاحٍ. (وَمِنْ أَمَةِ غَيْرِهِ) قِنّاً (٥) كانت أوْ مُدَبَّرَة (٦) أوْ مُكَاتَبة (٧) أوْ أمّ وَلَد (٨) (إِلَى مَا وَرَاءِ الظَّهْرِ والبَطْنِ

стр. 1320

والفَخِذِ. وَالرُجُل مِنَ الأَجْنَبِيةِ والسَّيِّدَةِ إِلَى الوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ. === والفَخِذِ) أي ما عدا هذه الأشياء. أمّا المَحْرَم فلقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ (١) … الآية. والمراد ـ والله تعالى أعلم مواضع زينتهنّ، وما عدا البطن والفخذ مواضع الزينة. وقد قال عليّ وابن عباس: الزينة هي الكحل والخَاتَم. رواه الطَّبَرانيّ والبيهقي. فالمراد بها موضعهما وهو الوجه والكف. وفي رواية عنه: إلاّ ما ظهر منها قال: الوجه والكفان، وهذا عن عائشة. وأمّا أَمَةُ غيره فلأنّ الأَمَة تخرج لحوائج مولاها، وتخدُم أضيافه وهي في ثياب مهنتها، فصار حالها خارج البيت في حق الأجانب كحال المرأة داخله في حق محارم الأقارب، فلا يحل النظر إلى بطنها وفرجها، خلافاً لما يقوله محمد بن مُقَاتِل: أنه يباح ما دون السرة إلى الركبة، وحُجَّتُه قولُ ابن عباس: من أراد أن يشتري جارية فلينظر إليها إلاّ موضع المِئزر، ولتعامل أهل الحرمين. وأمّا الخَلْوَة بها والسفر بها فقيل: يباح كما في المحارم، وإليه مال شمس الأئمة السَّرَخْسِيّ، لأنّ المولى قد يحتاج أن يبعثها في حاجته إلى بلدة أخرى ولا تجد مَحْرَماً ليسافر معها. وقيل: لا يباح لعدم الضرورة، وإليه مال الحاكم الشهيد لقوله ﵊: «لا يَبيتَنَّ رجل عند امرأة إلاّ أن يكون ناكحاً أو ذا رحم». رواه مسلم. وقوله ﵊: «لا يَخْلُوَنّ رجلٌ بامرأة فإن الشيطان ثالثهما». رواه ابن حِبّان في «صحيحه». وقد ذكر أبو بكر الرَّازِيّ في «أحكام القرآن» عن ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب أنهم تأوَّلوا (٢) : قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ﴾ (٣) على الإماء. قلت: ويؤيده الإجماع عليه في قوله: ﴿إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٤) . (وَ) ينظر (الرَّجل مِنَ الأَجْنَبِيَّةِ و) من (السَّيِّدَةِ إِلَى الوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ) لأنها محتاجة إلى إبداء ذلك لحاجتهما إلى الإشهاد وإلى الأخذ والإعطاء، ومواضع الضرورة مستثناة من قواعد الشرع. والقدم كالوجه في رواية الحسن كما ذَكَرَه الطَّحَاوِيُّ، لأنها تحتاج إلى إبداء (٥) قدمها إذا مشت حافية أو منتعلة، وقد لا تجد

стр. 1321

وشُرِطَ الأَمْنُ عَنِ الشَّهْوَةِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالقَضَاءِ، وَالشَّهَادَةِ، وَإِرَادَةِ النِّكَاحِ، وَالشِّرَاءِ، والمُدَاوَاةِ. وينظر إِلَى مَوْضِعِ المَرَضِ بَقْدرِ الضَّرُورَةِ. الخَصِيُّ ونَحْوُهُ === خُفّاً في (كل) (١) وقتٍ. وأمّا ما ذكرَه في «الهداية» عن عليّ: مَنْ نظر إلى محاسن امرأةٍ أجنبيةٍ عن شهوة صبَّ الله في عينيه الآنُك (٢) يوم القيامة». فالمعروف من هذا الحديث: «من استمع إلى حديث قوم وهم كارهون صُبَّ في أذنيه الآنُك يوم القيامة». وهو حديث صحيح رواه البخاري. (وشُرِطَ) في (حِلِّ) (٣) النظر (الأَمْنُ عَنِ الشَّهْوَةِ) فإنّ مَنْ لم يأمن لم يحل النظر احترازاً عن الوقوع في الحرام (إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ) أي أدائها لضرورة إحياء حقوق النَّاس. وقَيَّدنا بأدائها لأنّ النظر لتحمّلها لا يباح مع الشهوة على الأصحّ، لأنه يوجد من لا يشتهي فلا ضرورة. (وَ) إلاّ عند (إِرَادَةِ النِّكَاحِ) لإطلاق ما أخرجه النَّسائي والترمذي ـ وقال: حديث حسنٌ، ـ عن المُغِيرَةِ بن شُعْبَة أنه خطب امرأةً فقال له النبيّ ﷺ : «انظر إليها فإنه أحرى أن يُؤْدَمَ بينكما». أي أن تدوم المودة بينكما. وقد رُويَ من طُرُقٍ. وأخرج مسلم عن أبي حَازِم، عن أبي هريرة قال: خطب رجلٌ امرأةً من الأنصار فقال له رسول الله ﷺ : «اذهب فانظر إليها، فإن في عين الأنصار شيئاً». ولأن المقصود إقامة السنة لا قضاء الشهوة. (وَ) إلاّ عند (الشِّرَاءِ) أي شراء الأمة، لأَنّه في معنى إرادة النِّكاح. (وَ) إلاَّ عند (المُدَاوَاةِ) بقدر الحاجات. (وَيَنْظُرُ) الرجل الطبيب (إِلَى مَوْضِعِ المَرَضِ بَقْدرِ الضَّرُورَةِ) وصار كنظر الخافِضَة (٤) والختَّان إلى موضع الخَفْضِ والخِتَان (٥) ، ويجوز للرجل النظر إلى موضع الاحتقان من الرجل عند الضرورة، لأنّه مداواة. (والخَصِيُّ ونَحْوُهُ) من المجبوب (٦)

стр. 1322

كَالفَحْلِ، وإلَى كُلِّ أَعْضَاءِ مَنْ يَحِلُّ بَينَهُمَا الوَطْءُ. === والمُخَنَّث (كَالفَحْلِ) (١) الخالص في حكم النظر لأنهم ذكور حقيقة، ولقول عائشة: الخِصَاءُ مُثْلَة فلا يُبيح ما كان حراماً قبله. ذكره في «المَبْسُوط». وقيل: هو أشد الناس جماعاً، فإنه لا تَفْتُر آلته بالإنزال، وكذا المجبوبُ لأنّه قد يُسْحَقُ (فَيُنْزِل) (٢) . وإن كان مجبوباً قد جفّ ماؤُه، فقد رخّص بعض مشايخنا في حقه الاختلاط بالنساء لوقوع الأمن من الفتنة. وقد قال تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ (٣) فقيل: هو المجبوب الذي جفّ ماؤُه، والأصحّ أنه لا يحل له ذلك لعموم النصوص. وكذا المخنث في الرديء من الأفعال، لأنه كغيره من الرجال، بل هو من الفُسَّاق فيُنَحَّى عن النساء. فأما إذا كان في أعضائه لين، وفي لسانه تكسّر ولا يشتهي النساءَ، ولا يكون مخنثاً في الرديء من الأفعال، فقد رخَّص بعض مشايخنا في ترك مثله مع النساء، وهو أحد تأويلي (٤) قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعينَ﴾. وقيل: المراد الأَبله الذي لا يدري ما يصنع بالنساء وإنّما همته بطنه. والأصحّ أن نقول: إنه من المتشابِه، وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٥) محكمٌ فنأخذ بالمحكم ونقول: كل من كان من الرجال لا يحلّ لها أن تبدي موضع الزينة الباطنة بين يديه، ولا يحلّ له أن ينظر إليها إلاّ أن يكون صغيراً، فحينئدٍ لا بأس (٦) به، لقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء﴾ كذا ذكره بعض علمائنا. والأظهر أنه ليس من المتشابه ولو اختُلف في معناه، فإنّ مآل الكل إلى اشتراط عدم الشهوة، كما هو منصوص عليه في قوله سبحانه: ﴿غَيْرَ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾، ولا يبعد أَنْ يكون الموصول نعتاً للرجال والأطفال، والله تعالى أَعلم بالأَحوال. (وإلَى) أي ينظر الرجل ولو بشهوة إلى (كُلِّ أَعْضَاءِ مَنْ يَحِلُّ بَيْنَهُمَا الوَطْءُ) وهي زوجته وأَمته، لأنّ ما فوق النظر من المسيس والغشيان يباح له، فالنظر أولى، ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ

стр. 1323

ومَا حَلَّ نَظَرُهُ حَلَّ مَسُّهُ. === فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مِلُومِينَ﴾ (١) ، ولِمَا في «السنن الأربعة» عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده معاوية بن حَيْدَة قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلاّ من زوجتك أو ما ملكت يمينك». قال: قلت: يا رسول الله، أرأيتَ لو كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يَرَينَّها أحد فلا تَرَيَنَّها». قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خالياً؟ قال: «فالله أحق أن يَسْتَحْيِىَ منه الناسُ». وحسّنه الترمذي. ورواه الحاكم وصحح إسناده. وفي «معجم (٢) الطَّبَرانيّ» بسنده إلى سعد (٣) بن مسعود الكندي، قال: أتى عثمان بن مَظْعُون إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إِني أستحي أن يرى أهلي عورتي. قال: «ولِمَ وقد جعلكم الله لهم وجعلهم الله لكم»؟ قال: أكره ذلك. قال: «فإنهنّ يَرَيْنَهُ مني وأراه منهن». قال: أنت يا رسول الله؟ قال: «أنا». قال: فمن بعدك إذاً يا رسول الله؟ فلما أدبر عثمان قال ﷺ : «إن ابن مظعون لحَيِيٌّ سِتِّير». وأمّا حديث عائشة: أنه ما رأى مني ولا رأيته منه (٤) ـ يعني الفرج ـ، كما رواه الترمذي في «الشمائل»، فلعله من خصائصها. وكان ابن عمر يقول: الأولى أن ينظر ليكون أبلغ في تحصيل معنى اللذة. وروى ابن عَدِيّ عن ابن عباس مرفوعاً: «أنه يورث العمى». وضُعِّفَ. وأمّا قول صاحب «الهداية»: لأن ذلك ـ يعني النظر إلى العورة ـ يورث النسيان لورود الأثر، فغير معروف. (وَمَا حَلَّ نَظَرُهُ حَلَّ مَسُّهُ) لتحقق الحاجة إلى ذلك في المخالطة مع قِلةِ الشهوة في المحارم، وهذا في غير نظر المرأة من الأجنبيّ، ونظر الرجل من الأجنبية، حتى لا يجوز للرجل مسّ وَجْه الأجنبية ولا كفيها، ويجوز له مسّ ما ينظر من محارمه، إلاّ إذا خاف عليها أو على نفسه الشهوة، فإنه حينئذٍ لا يمسّها ولا ينظر إليها، ولا يخلو بها. ولا بأس بالمسافرة بها، فإن احتاجت إلى الإركاب والإنزال ولم يمكنها الركوب بنفسها، فلا بأس بأن يمسّ من وراء ثيابها، ويأخذ ظهرها وبطنها دون ما تحتهما إن أَمن الشهوة، وإن خافَها عليها، أو على نفسه، أو ظنّ أو شكّ أجتنب ذلك بجهده.

стр. 1324

وَإذَا حَدَثَ مِلْكُ أمةٍ وَلَوْ بِكْرًا، أَو مُشْتَرَاةً، مِمَّنْ لا يَطَؤهَا، حَرُمَ وَطْؤُهَا وَدَوَاعِيهِ حَتَّى تَستَبْرِئ بِحَيضَةٍ بَعْدَ === وأمّا عبد المرأة فكالأجنبيّ عندنا، وجعل مالك والشافعي نظره إليها، كنظر الرجل إلى ذات محارمه، لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (١) ، ولا يجوز أن يُحْمَل على الإماء، لأنّهن دخلنَ في قوله: ﴿أو نسائهنَّ﴾ (١). قلنا: المراد بالنص الإماء للتأكيد (والمبالغة) (٢) ، لما في «مصنف ابن أبي شَيْبَة» عن سعيد بن المُسَيَّب أنه قال: لا تَغُرَّنَّكُمْ الآية، إنّما عُنِيَ به الإماء ولم يُعْنَ به العبيد. وعن الحسن أنه كره أن يدخل المملوك على مولاته بغير إذنها. ولا يكره الرَّتِيمَة: وهي خيط يربط في الأصبع أو الخاتم، ليتذكر به الحاجة، لأنه من عادات العرب، قال الشاعر: *إِذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَاتُنَا فِي نُفُوسِكُمْ … فَلَيْسَ بِمُغنٍ عَنْكَ عَقْدُ الرَّتَائِمِ وقد روى أبو يَعْلَى المَوصِلِيّ، عن سالم بن عبد الأعلى، عن نافع، عن ابن عمر أنّ النَّبيّ ﷺ كان إذا أشفق من الحاجة أن ينساها ربط في أصبعه خيطاً ليذكرها. إلاَّ أن في سنده ضعفاً. ويجوز أن يعزل عن امرأته بإذنها، وعن أمته بدونه. أمّا الأول فلما في «سنن ابن ماجه» عن عمر بن الخطاب أنّ النّبيّ ﷺ نهى عن أن يعزل عن الحرّة إلا بإذنها. وأمّا الثاني فلما في «صحيح مسلم» عن جابر قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل فقال: «اعزل إن شئت، فإنه سيأتيها ما قُدِّرَ لها». فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حملت. قال: «قد أخبرتك أنها سيأتيها ما قُدِّرَ لها». والأولى أن (لا) (٢) ينظر كل منهما إلى عورة صاحبه، وكان ابن عمر يقول: الأولى أن ينظر إلى فرج امرأته حال الوقوع، ليكون أبلغ في تحصيل اللّذة. قلت: والطبائع مختلفة. (وَإِذَا حَدَثَ مِلْكُ أمةٍ) بشراءٍ، أو هبةٍ، أو إرثٍ، أو وصيةٍ، أوْ غيرها (وَلَوْ بِكْراً) أو صغيرةً (أَوْ مُشْتَرَاةً مِمَّنْ لَا يَطَؤُهَا (٣) ) بأن اشتراها من محرمها، أو من امرأة، أو من مال صبيّ (حَرُمَ وَطْؤُهَا وَدَوَاعِيهِ) من اللَّمْسِ وغيره (حَتَّى تَسْتَبْرِاء بِحَيْضَةٍ بَعْدَ

стр. 1325

القَبضِ، فِيمَنْ تَحِيضُ، وَبِشَهْرٍ في ذَاتِ شَهْرٍ، وَبِوَضْعِ الحَمْلِ في الحَامِل. وَرُخِّصَ حِيلَةُ إِسْقَاطِهِ إنْ عَلِمَ عَدَمَ وَطْء بَائِعِهَا فِي هَذا الطُّهْر، === القَبْضِ فِيمَنْ تَحِيضُ، وَبِشَهْرٍ في ذَاتِ شَهْرٍ) لآيسٍ أو صغيرة (وَبِوَضْعِ الحَمْلِ في الحَامِل) لما أخرجه أبو داود والحاكم ـ وقال: صحيحٌ على شرط مسلم ـ عن أبي سعيد الخُدْرِيّ أنّ النّبيّ ﷺ قال في سبايا أَوْطَاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة». وفي لفظ لأبي داود: «ولا يحلّ لامراءٍ يؤمن بالله واليوم الآخر (أن) (١) يسقي ماءَه زرعَ غيره، ولا يحل لامراءٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السَّبي حتَّى يستبرئها». وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن عليّ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تُوطأ الحامل حتى تضع، أو (الحائل) (٢) حتّى تستبراء بحيضة. وحرم دواعي الوطء (كما) (٣) في الظهار لأنها قد تفضي إليه، وما يفضي إلى الحرام حرام، بحديث الراعي حول الحمى. وإنّما حلّ الدّواعي في الحيض والصوم، لأنّ الوطء حَرُم في الحيض لمعنى الأذى، وذلك لا يوجد في الدواعي، ولأنّ الصوم قد يمتد إلى شهر فيؤدي إلى الحرج، كذا قالوه. والأولى أن يقال: إنه استفيد من الأحاديث الواردة فيهما. (وَرُخِّصَ حِيلَةُ إِسْقَاطِهِ) أي الاستبراء (إنْ عَلِمَ عَدَمَ وَطْءِ بَائِعِهَا فِي هَذا الطّهْر) اعلم أنّ أبا يوسف رخَّص الحيلة وخالفه محمد وكرهه، لأنّ الفرار من الأَحْكام الشرعية ليس من أخلاق المؤمنين، فيكره له اكتساب سبب الفرار. ولأبي يوسف: أن هذا مَنْعٌ عن وجوب الاستبراء ورَفْع لثبوته، فلا تكره الحيلة في إسقاطه كما لا يكره في إسقاط الرِّبا. وأخذ المشايخ بقول أبي يوسف إن عَلِمَ المشتري عدم وَطْءَ البائع لها في ذلك الطهر، وبقول محمد إن علم وَطْءَ البائع لها فيه. وعن أبي يوسف: أنه إذا تيقّن بفراغ رحمها من ماء البائع فليس عليه استبراء. قلنا: إن هذه حكمة الاستبراء، والحُكْمُ (٤) يتعلق بالعلة لا بالحكمة، لبطونها (٥) ، تيسيراً للعامة.

стр. 1326

وَهِيَ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةً، أَنْ يَنْكِحَهَا ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا. وَإنْ كَانَتْ، أَنْ يُنْكِحَهَا لآخَرَ ثُمَّ يَشْتَرِيَ، أوْ يَقْبِضَ ثمَّ يُطَلِّقَ. وَمَنْ فَعَلَ بِشَهْوَةٍ إِحْدَى دَوَاعِي الوَطْءِ بِأَمَتَيْهِ، لا يَجْتَمِعَانِ نِكَاحًا، حَرُمَ عَلَيهِ وَطْؤُهُمَا بِدَوَاعِيهِ حَتى يُحَرِّمَ إحداهما. وَكُرِهَ تَقْبِيلُ الرَّجُلِ وَعِنَاقُهُ في إزار وَاحِدٍ. === (وَهِيَ) أي الحيلة (إِنْ لَمْ تَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةً أَنْ يَنْكِحَهَا) أي يتزوّجها قبل الشِّراء (ثُمَّ يَشْتَرِيهَا) كذا في «الهداية». وَشَرَطَ بعضهم أن يقبضها قبل الشِّراء، وقيل: يتزوّجها ويطؤها ثم يشتريها. (وَإِنْ كَانَتْ) تحته حرّة (أَنْ يُنْكِحَهَا) أي يزوّجها البائع قبل الشراء أو المشتري قبل القبض (لآخَرَ) يثق به أو يشترط أن يكون أمرُها بيده (ثُمَّ يَشْتَرِيَ) المشتري إن كان الإنكاح قبل الشِّراء (أَوْ يَقْبِضَ) المشتري إن كان بعد الشراء قبل القبض (ثُمَّ يُطَلِّقَ) ذلك الزّوج أو مَنْ أَمْرُها بيده. ومن الحيلة: أن يشتريها ويقبضها فيكاتبها ثم يَفْسَخ العقد برضاها، لأنّ بعقد الكتابة حَرُمَت عليه، ثم بعجزها صارت كالمطلقة قبل الدخول، وهذا سهل الوصول. (وَمَنْ فَعَلَ بِشَهْوَةٍ إِحْدَى دَوَاعِي الوَطْءِ) وهي القُبْلة، واللمس، والنظر إلى الفرج (بِأَمَتَيْهِ) حال كونهما (لَا يَجْتَمِعَانِ نِكَاحاً، حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهُمَا بِدَوَاعِيهِ حَتَّى يُحَرِّمَ إحداهما) بتمليك كلها أو بعضها، أو بإنكاحها نكاحاً صحيحاً أو إعتاقها كلها أو بعضها، لأنّ الجمع بين الأختين المملوكتين لا يجوز وَطْأً (١) ، لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ (٢) لأنّ المراد به الجمع بينهما وطأً وعقداً، لأنه معطوفٌ على المُحَرَّمات وطأً وعقداً، ولا يعارِض هذا قولَه تعالى: ﴿إلاّ مَا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ﴾ (٣) ، لأنّ الترجيح للمُحَرِّم، ولأنه استثناء من المحصنات من النساء، والمراد بها: المَسْبِيّات. وكذا لا يجوز الجمع بينهما في الدواعي، لأنّ النص مطلق فيتناولها، أو لأنّ الداعي إلى الوطء بمنزلته في التحريم، ويستحب لمن أراد بيع أمته الموطوءة أن يستبرئها لاحتمال أن يكون علقت منه، ولا يستبرئها المشتري فيثبت النسب، وأوجبه مالك صوناً لمائه. (وَكُرِهَ) للرجل (تَقْبِيلُ الرَّجُلِ) في فمه أو شيء منه (وَعِنَاقُهُ في إِزار وَاحِدٍ) ولو

стр. 1327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بلا شهوة عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: لا بأس بذلك عند عدم الشهوة، لما أخرجه الحاكم في «المستدرك» ـ وقال: إسناده صحيحٌ لا غبار عليه، ـ من حديث ابن عمر قال: وجَّه رسول الله ﷺ جعفر بن أبي طالب إلى بلاد الحبشة، فلمّا قَدِم منها اعتنقه النبيّ ﷺ وقبَّل بين عينيه، فصار كالمصافحة. وتقبيل يد العالم (العامل) (١) ، والسلطان العادل للتبرك. أمّا المصافحة فلقوله ﵊: «إن المؤمن إذا لَقِيَ المؤمن فسلّم عليه، وأخذ بيده تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر». رواه الطَّبَراني في «معجمه الأوسط». وقوله ﵊: «ما من مسلمَين يلتقيان فيتصافحان إلاَّ غُفِرَ لهما قبل أن يفترقا». رواه أبو داود والترمذي. وأمّا قول صاحب «الهداية» عنه ﵊: «مَنْ صافح أخاه المسلم وحرك يده تناثرت ذنوبه». فقوله: «حرك يده» غير معروفٍ. وأمّا التقبيل فلقول ابن عمر كنّا في سَرِيّة من سرايا رسول الله ﷺ فدنونا من النبيّ ﷺ فقبَّلنا يده. رواه أبو داود والترمذي. ولقول صَفْوَان بن عسَّال: إن قوماً من اليهود قبّلوا يد النبيّ ﷺ ورجله. رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأما ما قيل من أن حديث جعفر محمولٌ على ما قَبْلَ التحريم، فغير ظاهر، بل ينبغي أن يُخصّ جواز المعانقة بالقادم من السفر، والله تعالى أعلم. وروى الطَّحَاوِيّ أنه ﵊ نهى عن المكاعمة، (وعن المكامَعة) (٢) . وفي «الجامع الصغير»: ويكره أن يُقَبِّل فمَ الرجل أو يده أو شيئاً منه أو يعانقه. وذكر الطَّحاويّ: أنّ هذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا بأس بالتقبيل والمعانقة. وقالوا الخلاف فيما إذا لم يكن عليهما غير الإزار، وأمّا إذا كان عليهما قميص أو جُبَّة فلا بأس بالإجماع، وهو الذي اختاره الشيخ أبو مَنْصُور المَاتُرِيدِيّ. ثم لا بأس بتقبيل يد العالم والسلطان العادل على سبيل التبرُّك، وكذا تقبيل يد الأبوين والشيخ والرجل (الصالح) (١) . وما يفعله الجهّال من تقبيل يد نفسه إذا لقي

стр. 1328

وَكُرِهَ بَيعُ العَذِرَةِ خَالِصةً، وَصَحَّ مَخْلُوطةً، وَالانْتِفَاعُ بِهَذِهِ. وَبَيعُ السِّرْقيِن، وَخِصَاءُ البَهَائِمِ لا الآدَمِيّ، === غيره فمكرُوهٌ، وما يفعلون من تقبيل الأرض بين يدي السلطان والمشايخ فحرامٌ، والفاعل الرَّاضي به آثم، لأنّه يُشْبِه عبادة الأوثان. وذكر الصدر الشهيد: أنّه لا يكفر بهذا السجود، لأنّه يريد به التحية، فَفُهِمِ منه أنّه لو سجد للتعظيم كَفَر كما صرَّح به السَّرَخْسِيّ. ولهما ما روى ابن أبي شَيْبَةَ وعبد الرَّزَّاق في «مصنفيهما» من حديث عامر الحَجْري قال: سمعت أبا رُكَانَة ـ وفي نسخة صحيحة: أبا رَيْحَانَة ـ صاحب النبيّ ﷺ واسمه سَمْعُون ـ بالمهملة أو المعجمة ـ قال: كان رسول الله ﷺ ينهى عن مكامعة أو مكاعمة (١) المرأة المرأة ليس بينهما شيء، وعن (مكامعة أو) (٢) مكاعمة الرجل الرجل ليس بينهما شيء. قال أبو عُبَيْد القاسم بن سلاَّم: والمكاعمة: أن يلثم الرجل فاه صاحبه. (والمكامعة أن يضاجع الرجل صاحبه) (٢) في ثوب واحدٍ. وفي «سنن» الترمذي عن أنس قال: (قال) (٢) رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أَيَنْحَنِي له؟ قال: «لا»، قال: أفيلتزمه ويقبّله؟ قال: «لا»، قال: فيأخذه بيده ويصافحه؟ قال: «نعم». ويمكن الجمع بأن نهي التقبيل محمولٌ على تقبيل الفم، ونهى العِنَاق على غير القادم أو على ما كان بإزارٍ واحدٍ. أمّا الانحناء للسلطان أو غيره فمكروهٌ، ويَحْرُم تقبيل الأرض بين يدي العالم والشيخ أو السلطان للتحية، وأما السجود فحرامٌ، واختلف في كونه كفراً. (وَكُرِهَ بَيْعُ العَذِرَةِ خَالِصَةً وَصَحَّ) بيعها (مَخْلُوطةً) بمنزلة زيت خالطه نجاسة (وَ) جَازَ (الانْتِفَاعُ بِهَذِهِ) أي بالمخلوطة، لأنّ العادة لم تجر بالانتفاع بخالص العَذِرَةِ وجرت بالمخلوطة. وفي «شرح الكنز»: والصحيح عن أبي حنيفة أنّ الانتفاع بالعَذِرَةِ الخالصة جائز. (وَ) صح (بَيْعُ السِّرْقينِ) (٣) لأنه يُنتفع به ويُدّخر لوقت الحاجة، فإنه يُلقى في الأرض لاستكثار الزّرع. (وَ) جَازَ (خِصَاءُ البَهَائِمِ) لأنّه ﷺ ضحى بكَبشين مَوْجُوءَيْنِ، أي خَصِيَّيْنِ، ولأن لحمها يطيب به. (لَا الآدَمِيّ) أي ولا يجوز خصاء الآدمي لأنه تمثيل به وهو حرام.

стр. 1329

وَإنْزاءُ الحَمِيرِ عَلَى الخَيلِ، وَسَفَرُ الأَمَةِ وَأُمِّ الوَلَدِ بِلا مَحْرَمٍ. وصَحَّ بَيعُ العَصِيرِ مِنْ مُتّخِذِهِ خَمْرًا. وَكُرِهَ اسْتِخْدَامُ الخَصِيِّ، وَ === (وَ) جاز (إِنْزاء (١) الحَمِيرِ عَلَى الخَيْلِ) لأنّ النبيّ ﷺ ركب البغلة، وهي من إنزاء الحمير على الخيل، ولو كان هذا الفعل حَرَاماً لمَا ركبها، لِمَا في ركوبها من فتح بابه كذا ذكروه. وفيه بحثٌ، إذ لا يلزم من ركوبها جواز الإنزاء، فقد روى أبو داود والنَّسائي عن عليّ قال: أُهديت لرسول الله ﷺ بغلة فركبها فقلت: لو حملنا الحمير على الخيل فكانت لنا مثل هذا، فقال رسول الله ﷺ : «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون». ولعلّ علماءنا حملوه على كراهة التنزيه وجوّزوه. (وَ) جاز (سَفَرُ الأَمَةِ وَأُمِّ الوَلَدِ بِلَا مَحْرَمٍ) لأنّ الأجانب مع الإماء فيما يرجع إلى النظر والمس بمنزلة المحارم، فكما يجوز للحرة أن تسافر مع المَحْرَم، فكذا يجوز للأمة أن تسافر مع الأجنبي، وأُمّ الولد أَمَةٌ لقيام الملك فيها، وإن امتنع بيعها، وكذا المُكَاتَبة لأنها مملوكة رقبةً، وقد تقدّم اختلاف المشايخ في اختيارهم. وفي «النهاية» معزياً إلى شيخ الإسلام: هذا في زمانهم لغلبة أهل الصلاح، وأمّا في زماننا فلا، لغلبة أهل الفساد. ((وصَحَّ (٢) ) بَيْعُ العَصِيرِ مِنْ مُتّخَذِهِ خَمْراً) لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ (٣) ، ولأنّ المعصية لا تُقام بعينه باقياً على حاله، بل بعد تغيره وصيرورته أمراً آخر ممتازاً عن العصير بالاسم والخاصة، بخلاف بيع السلاح في أيام الفتنة، فإنّ المعصية تقام بعينه. كذا ذكروه. وينبغي أن يكون مكروهاً لكونه سبباً لتحصيل المعصية، ولقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثم وَالعُدْوَانِ﴾ (٤) ولذا منعه مالك والشّافعيّ. ويَحْرُم على المسلم أخذ دَيْنه من ثمن خمر باعها مسلم لا ذمي، لأنّ بيع المسلم الخمرَ باطل، إذْ لا قيمة للخمر في حق المسلمين، فلم ينعقد البيع، وإذا لم ينعقد لم يجب الثمن فلم يملكه، ولا يحل لربِّ الدَّين أَخْذُه. وأمّا بيع الذميّ الخمرَ فصحيحٌ، لأنها مال في حقّه فيملك الثمن فيصحّ أخذه. (وَكُرِهَ اسْتِخْدَامُ الخَصِيِّ) لأن في استخدامه حثاً على هذا الصنع الحرام. (وَ)

стр. 1330

إِقْراضُ بِقَّالٍ شَيئًا يَأَخُذُ مِنْهُ مَا شَاءَ، وَاللَّعِبُ بِالنَّرْدِ والشّطْرَنْجِ، وَالغِنَاءُ، وَكُلُّ لَهْوٍ. === كره (إِقْراض بِقَّالٍ شَيْئاً يَأَخُذُ مِنْهُ مَا شَاءَ) (١) لأنه إذا ملَّكه الدرهم فقد أقرضه إيّاه، وقد شرط أن يأخذ منه ما يريد حالاً (٢) (حالاً) (٣) ، وله في ذلك نَفْع، فيصير في معنى القرض الذي جرّ نفعاً، وهو منهيّ عنه. وإن أودعه إيّاه ثم أَخَذ منه ما شاء مفرّقاً لا يكره. (وَ) كُرِه (اللعِبُ بِالنَّرْدِ) إجماعاً (والشِّطْرَنْجِ) وفيه خلاف يأتي. (وَ) كره (الغِنَاءُ) وهي الممدودة بمعنى التَّغَنِّي بالأنغام الموسيقية ونحوها، (وَكُلّ لهْوٍ) أي لعب مُشْغل عن الفرض. أمّا النَّرْد، فلما أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود عن سليمان بن بُرَيْدَة عن أبيه بُرَيْدَة قال: قال رسول الله ﷺ : «من لعب بالنَّرْدَشير فكأنما (٤) صبغ يده في لحم خنزير (ودمه)» (٥) . وليس فيه ذكر الشِّطْرَنْج الذي ذكره في «الهداية». وروى مالك وأحمد وابن ماجه بلفظ: «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله». وأمّا الشِّطْرَنْجُ، فلما أخرجه العُقَيْلي في «ضعفائه» عن أبي هريرة قال: مرّ رسول الله ﷺ بقوم يلعبون بالشِّطْرَنْج فقال: «ما هذه الكُوبَة؟ أَلَم أنْهَ عنها؟ لعن الله من يلعب بها». والكُوبَة: النَّرد. ولما رواه ابن حِبَّان في «ضعفائه» عن وَاثِلَة بن الأسْقَع عن النبيّ ﷺ قال: «إن لله في كل يوم ثلاث مئة وستين نظرة لا ينظر فيها إلى صاحب الشاه». يعني الشطرنج. وأمّا الغناء فلقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ (٦) وفُسِّر بالمُغَنِّين (٧) ، وقد كتبتُ في هذه المسألة رسالة مستقلة. واستعمال الملاهي محرمة بالاتفاق، وطبل الغزاة والدُّفّ في العرس مستثناة للإذن فيهما شرعاً. وسئل أبو يوسف: أيكره الدُّف في غير العرس تضربه المرأة للصبي

стр. 1331

وَجَعْلُ الغُلِّ في عُنُقِ عَبْدهِ، بخلاف التَّقييد، وَاحْتِكَارُ قُوتِ البَشَرِ وَالبَهَائِم في بَلَدٍ يَضُرُّ بِأَهْلِهِ، === في غير فسقٍ؟ قال: لا، فأمّا الذي يجيء منه الفاحشة (١) كالغناء فإني أكره. وأمّا اللهو فلما أخرجه الحاكم في «المُسْتَدْرَكُ» ـ وقال: حديث صحيحٌ على شرط مسلم ـ، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «كل شيء من لهو الدنيا باطلٌ إلاّ ثلاثة: انتضالك بقوسك، وتأديبك فرسك، وملاعبتك أهلك، فإنّهن من الحقّ». وفيه دلالة على أنّ الشِّطْرَنْج لعب باطل كما يدل عليه صيغة الحصر في لهو الحقّ. وأباح الشَّافعيّ اللعب بالشِّطْرَنْج إذا لم يكن قمار، ولا إخلال بشيء من الواجبات، إذ فيه تشحيذ الخواطر وتزكية الأفهام. قال سهل بن محمد الصُّعْلُوكِي رئيس أصحاب الشافعي: إذا سَلِمَتْ اليد من الخسران، والصلاة من النسيان، واللسان من الهَذَيَان، فهو أدبٌ بين الخلاّن، ولو أكثر منه رُدَّت شهادته. وفي «المُجْتَبَى»: قول الشافعي رواية عن أبي يوسف. ولنا: أنه لهو يصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة غالباً، فيكون حراماً كالخمر والميسر، ولأن فيه معنى النرد والأربعة عشر (٢) ، ثُم إن قامر به تسقط عدالته، وإن لم يقامر به وكان متأوّلاً ولم يصدّه ذلك عن الصلاة لا تسقط. ولم ير أبو حنيفة بالسلام عليهم بأساً لشغلهم عمّا هم فيه، وكرهاه تحقيراً لهم. ويؤيّدهما ما رُويَ أن علياً ﵁ مرّ بقومٍ يلعبون بالشِّطْرَنْج فلم يسلِّم عليهم فقيل له (في) (٣) ذلك، قال: كيف أسلّم على قومٍ يعكفون على أصنامٍ لهم؟ ذكره العَيْنِيّ. (وَ) كره من سيدٍ (جَعْلُ الغُلِّ في عُنُقِ عَبْدهِ) لأنه عقوبة أهل النار فيكره كالإحراق بها (بخلاف التَّقييد) لأنّه سنة المسلمين في السفهاء، فلا يكره في العبد تحرزاً عن إباقه. (وَ) كره كراهة تحريم (احْتِكَارُ قُوتِ البَشَرِ وَالبَهَائِمِ) كالحِنْطَةِ والشعير والتبن (في بَلَدٍ يَضُرُّ بِأَهْلِهِ) لما أخرجه مسلم عن مَعْمَر بن عبد الله العَدَوِي أنّ النبيّ ﷺ قال: «لا يحتكر إلاَّ خاطاءٌ» أي مذنبٌ. وأخرج ابن ماجه في «سننه»، وأبو يَعْلَى المَوْصِلِي في «مسنده» عن عمر بن

стр. 1332

لا غَلَّةَ أرْضِهِ، وَمَجْلُوبَةٍ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ، وَتَسْعِيرُ الحاكِم، إلّا إذَا تَعَدَّى الأرْبَابُ عَنْ القِيمَةِ فَاحِشًا. === الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : «الجالب مرزوقٌ والمحتكر ملعونٌ». أمّا لو لم يضرّ بهم بأن كان المِصْرُ كبيراً لا يُكره، لأنه حابسٌ لملكه من غير إضرار غيره. وقال أبو يوسف: كل ما أضرّ بالعامة فهو احتكار ولو كان ثياباً (أو دنانير) (١) أو دراهم. ثم إذا قَصُرَت المدّة لا يكون حبس القوت احتكاراً لعدم الضرر، بخلاف ما إذا طالت لتحققه. وحدّ المدّة الطويلة أربعون يوماً لما أخرجه أحمد وابن أبي شَيْبَة والبزَّار والحاكم في «المستدرك» عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد براء من الله وبراء الله منه. وأيّما أهل عَرْصة (٢) بات فيهم امرؤٌ جائعٌ، فقد برئت منهم ذمة الله». وقيل: المدّة المضروبة للمعاقبة في الدنيا، بأن أمره القاضي ببيع (ما فضل عن قوته وقوت أهله سَنَةً، فإن لم يفعل يعزّر، ويبيع القاضي بنفسه عنهم،) (٣) هو الصحيح. وأمّا الإِثم فيحصُل وإنْ قَصُرَت. (لا غَلَّةَ أرْضِهِ) أي لا يكره احتكار الشخص غَلْة أرضه. ينبغي أن يقيّد بما لم يزد على نفقة سنة. (وَ) لا (مَجْلُوبَةٍ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ) وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يكره أن يحبس ما جَلَبَه من بلد آخر لإطلاق ما روينا. (وَ) كره (تَسْعِيرُ الحاكِم) لما أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي ـ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ ـ من حديث أنس قال: قال النَّاس: يا رسول الله، غلا السعر فسعّر لنا، فقال رسول الله ﷺ : «إنّ الله هو المسعّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحدٌ منكم يطالبني بمظلمةٍ من دمٍ ولا مالٍ». ولأنّ الثمن حقّ المُلاك، فلا ينبغي للإِمام أن يتعرض (عليهم في) (٤) حقّهم. (إلاّ إذَا تَعَدَّى الأرْبَابُ) أي أرباب السلع (عَنْ القِيمَةِ) تعدّياً (فَاحِشاً) بأن باعوا بضعف القيمة وعجز السلطان عن صيانة حقوق المسلمين إلاّ بالتَّسعير، فإنه يسعّر لما فيه من رفع الضرر (العام) (٤) ولكن بمشورة أهل الرأي. ثم إذا سعّر الحاكم وباع رجلٌ بأكثر ممّا سعّر به جاز عند أبي حنيفة مطلقاً، لأنه لا يرى الحَجْر على الحرّ، وفي

стр. 1333

وَقُبِلَ قَوْلُ فَرْدٍ كَيْفَمَا كَانَ في المُعَامَلاتِ، فَإِنْ قَالَ كَافِرٌ: شَرَيتُ اللَّحْمَ مِنْ مُسْلِمٍ، أوْ كتابِيّ، حَلَّ أَكْلُهُ، وَ: مِنْ مَجُوسِيّ حَرُمَ. وَشُرِطَ العَدْلُ في الدِّيَانَاتِ كَالخَبَرِ عَنْ نَجَاسَةِ المَاءِ، === إبطال بيعه نوع حَجْرٍ عليه. وعندهما يجوز إذا لم يكن التَّسعير على قوم بعينهم، لأنه لا يكون حَجْراً بل فتوى، فإنهما لا يريان الحَجْر على (قومٍ) (١) مجهولين. ومن باع بما سعّره الإمام صحّ، لأنه غير مُكْرَه على البيع، كذا في «الهداية». وفي «المحيط» و «شرح المختار»: أن البائع إذا كان يخاف إذا نقض (٢) (أن يضربه الإمام) (٣) لا يحل للمشتري ذلك، لأنّه في معنى المكرَه. والحيلة أن يقول المشتري له: بعني بما تحب، فبأيّ شيءٍ باعه يحلّ. ولو خاف الإمام على أهل مصر الهلاك أخذ الطعام من المحتكرين وفرّقه، فإذا وجدوا (سعة) (٣) ردّوا مثله، وليس هذا من الحَجْر بل من دفع الضرر كما في حال المَخْمَصَة (٤) . وكذا يَحْرُم تلقِّي الجَلَب في بلد يضرّ بأهله، لقوله ﵊: «لا تَتَلَقَّوُا الرُّكبان (٥) ، ولا يبع حاضرٌ لبادٍ» (٦) . رواه الشيخان، وفي لفظ لمسلم: «لا تلقَّوا الجَلَب، فمن تلقّاه فاشتراه، فأتى سيده السوق فهو بالخيار». (وَقُبِلَ قَوْلُ فَرْدٍ كَيْفَمَا كَانَ) أي عدلاً كان أو فاسقاً، مسلماً كان أو كافراً، حرّاً كان أو عبداً، ذكراً كان أو أنثى (في المُعَامَلَاتِ) كالوكالات والمضاربات والإذن في التجارات، لأنّه يكثر وجودها بين الناس، والعدل عزيز الوجود، فلو شُرِطَ فيها أمرٌ زائدٌ لأدّى إلى الحَرَج. (فَإِنَّ قَالَ كَافرٌ: شَرَبْتُ اللَّحْمَ مِنْ مُسْلِمٍ أوْ كِتَابِيّ حَلَّ أَكْلُهُ وَ) إن قال: (مِنْ مَجُوسِيّ حَرُمَ) بخلاف ما إذا قال: هذا حلال أو حرام، فإنّه لا يقبل قوله. (وَشُرِطَ العَدْلُ في الدِّيَانَاتِ كَالخَبَرِ عَنْ نَجَاسَةِ المَاءِ) وعن حلّ الطعام وحرمته،

стр. 1334

وَفِي الفَاسِقِ وَالمَسْتُوَرِ تَحَرَّى === لأنه لا يكثر وقوعها كثرةَ وقوع المعاملات، فيشترط فيها الإسلام والعدالة. ففي المخبِر العدل بنجاسة الماء لا يتوضأ به لعدم التهمة، وفي الكافر يتوضأ به للتهمة. (وَفِي الفَاسِقِ وَالمَستُوَرِ تَحَرَّى) فإن كان أكبرُ رأيه أنّه صادق تيمَّم ولم يتوضأ به لترجّح جانب الصّدق بالتَّحرّي، والأحوط أن يريق الماء ثم يتيمّم. وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب يتوضأ به و (لا) (١) يتيمم لترجُّح جانب الكذب بالتحرّي. ولو أخبرها ثقةٌ أنّ زوجها الغائب مات أو طلّقها ثلاثاً، أو أخبرها غير ثقة ومعه كتاب بطلاقها ولم تدرِ أنه منه، إلاّ أنها تحرّت فترجّح عندها صدقه، جاز الاعتداد والتزوّج. ولو أخبرها أن أصل نكاحها كان فاسداً، أو زوجها كان أخاها من الرَّضاع لم يسعها أن تتزوّج بقوله، وإن كان ثقة، لأنّ في هذا الفصل أخبرها بخبر مُسْتَنْكَرٍ وقد ألزمها الحكم بخلافه، وفي الأوَّل أخبرها بخبر محتملٍ، وهو أمر بينها وبين ربّها، فلها أن تعتمد ذلك الخبر وتتزوّج. ويُقْبَلُ قول الصَّبيِّ والقِنِّ (٢) في الهدية والإذن له في التجارة، لأن الهدايا تبعث على يد هؤلاء عادةً، فلو لم يقبل قولهم لأدّى إلى الحرج. والعبد يُحْتَاج في الأسواق والأمصار البعيدة ولا يمكنه استحضار الشهود إلى تلك المواضع، فلو لم يُقْبَل قوله في الإذن لتحرّج الناس في المعاملة مع العبيد. (مَسَائِلُ شَتَّى) ومّما ينبغي أن يُلحق بهذا الكتاب مسائلُ شتّى ممّا يناسب هذا الباب. فقد قال علماؤنا: لا بأس بتعشير المصحف ونَقْطِهِ وشَكْلِهِ في زماننا. وأصل الرواية أنه يُكْره التعشير والنَّقْط في المصحف لقول ابن مسعود: جرِّدُوا القرآن، ولا تُلْحِقُوا به (ما) (٣) ليس منه. رواه ابن أبي شَيْبَة. وله معنيان: أحدهما: جرّدوه في التلاوة ولا تخلطوا به غيره، وثانيهما جرّدوه في الخط من التعشير والنَّقْط. وفي زماننا لا بدّ لغالب الناس من الدلالة، فبالتعشير تحفظ الآي، وبالنَّقْط يحفظ التصحيف، وبالشكل يحفظ الإعراب، فيكون بِدَعاً مستحسنة، وقد صحّ عن ابن مسعود: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن. ويجوز تحليته لِمَا فيها من تعظيمه، وكذا نقش المسجد وتزيينُه بماء الذهب ونحوه، لكن لا من غَلّة وقفه حتى لو فُعِلَ منها ضُمِنَ. ثم هو قُربة في الأصحّ لما فيه من تعظيم بيت الله، ولظاهر قوله

стр. 1335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (١) . وقيل: مكروه لأنّه من الأمور المبتدعة. ويكره في المسجد عمل الدنيا كخياطة وكتابة بأجرة (لما) (٢) ورد: أنّ المساجد إنما بنيت للصلاة، إلاّ لضرورةٍ بأن لم يجد مكاناً غيره، وكان قوته من صنعته. ولا يكره عندنا دخول الذميّ المسجد الحرام، وكرهه الشّافعيّ لقوله تعالى: ﴿إنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَام بَعْدَ عَامِهِمْ هَذا﴾ (٣) ، ولأنّ الكافر لا يخلو عن جنابة. وأُجيبَ بأنّه محمولٌ على منعهم أَنْ يدخلوه طائفين عراةً، أو مستولين، وعلى أهل الإسلام مستعلين، وبأنّ النجاسة محمولةٌ على خبث عقائدهم، وكرهه مالك في كل مسجد اعتباراً بالمسجد الحرام لعموم العلة وهي النجاسة. ولنا: ما في «سنن أبي داود» عن عثمان بن أبي العاص أنّ وفد ثقيف لمّا قدموا على النبيّ ﷺ أنزلهم المسجد ليكون أرقّ لقلوبهم، فاشترطوا عليه أنْ لا يُحْشَرُوا (٤) ولا يُعْشَرُوا (٥) ولا يُجَبَّوا (٦) . فقال رسول الله ﷺ : «لكم أنْ لا تُحْشَروا ولا تُعْشَروا، ولا خير في دين ليس فيه ركوع». والتجبية بالجيم والموحدة وضع اليدين على الركبتين. وفي «مراسيله» عن الحسن أنّ وَفْدَ ثقيف أتوْا رسول الله، ﷺ فضرب (٧) لهم قُبْة في مؤخر المسجد لينظروا صلاة المسلمين، فقيل له: يا رسول الله أتنزلهم (٨) في المسجد وهم مشركون؟ قال: «إن الأرض لا تتنجس بابن آدم». ويَحْرُم بيع أراضي مكة عند أبي حنيفة خلافاً لهما، ولا يَحْرُم بيع أبنيتها اتفاقاً، لأن البناء ملك لمن بناه، ألا ترى أنه لو بنى في المستأجر، أو في الوقف صار البناء له وجاز له بيعه؟. ولا يكره عيادة الذِّمي لقوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ في الدِّينِ وَلَم يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ (٩) ولِمَا في «صحيح البخاري» عن أنس قال: كان غلامٌ يخدُم رسول الله ﷺ فمرض، فأتاه النبيّ ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه
следующие страницы →