← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وَجَعْلُ الغُلِّ في عُنُقِ عَبْدهِ، بخلاف التَّقييد، وَاحْتِكَارُ قُوتِ البَشَرِ وَالبَهَائِم في بَلَدٍ يَضُرُّ بِأَهْلِهِ، === في غير فسقٍ؟ قال: لا، فأمّا الذي يجيء منه الفاحشة (١) كالغناء فإني أكره. وأمّا اللهو فلما أخرجه الحاكم في «المُسْتَدْرَكُ» ـ وقال: حديث صحيحٌ على شرط مسلم ـ، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «كل شيء من لهو الدنيا باطلٌ إلاّ ثلاثة: انتضالك بقوسك، وتأديبك فرسك، وملاعبتك أهلك، فإنّهن من الحقّ». وفيه دلالة على أنّ الشِّطْرَنْج لعب باطل كما يدل عليه صيغة الحصر في لهو الحقّ. وأباح الشَّافعيّ اللعب بالشِّطْرَنْج إذا لم يكن قمار، ولا إخلال بشيء من الواجبات، إذ فيه تشحيذ الخواطر وتزكية الأفهام. قال سهل بن محمد الصُّعْلُوكِي رئيس أصحاب الشافعي: إذا سَلِمَتْ اليد من الخسران، والصلاة من النسيان، واللسان من الهَذَيَان، فهو أدبٌ بين الخلاّن، ولو أكثر منه رُدَّت شهادته. وفي «المُجْتَبَى»: قول الشافعي رواية عن أبي يوسف. ولنا: أنه لهو يصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة غالباً، فيكون حراماً كالخمر والميسر، ولأن فيه معنى النرد والأربعة عشر (٢) ، ثُم إن قامر به تسقط عدالته، وإن لم يقامر به وكان متأوّلاً ولم يصدّه ذلك عن الصلاة لا تسقط. ولم ير أبو حنيفة بالسلام عليهم بأساً لشغلهم عمّا هم فيه، وكرهاه تحقيراً لهم. ويؤيّدهما ما رُويَ أن علياً ﵁ مرّ بقومٍ يلعبون بالشِّطْرَنْج فلم يسلِّم عليهم فقيل له (في) (٣) ذلك، قال: كيف أسلّم على قومٍ يعكفون على أصنامٍ لهم؟ ذكره العَيْنِيّ. (وَ) كره من سيدٍ (جَعْلُ الغُلِّ في عُنُقِ عَبْدهِ) لأنه عقوبة أهل النار فيكره كالإحراق بها (بخلاف التَّقييد) لأنّه سنة المسلمين في السفهاء، فلا يكره في العبد تحرزاً عن إباقه. (وَ) كره كراهة تحريم (احْتِكَارُ قُوتِ البَشَرِ وَالبَهَائِمِ) كالحِنْطَةِ والشعير والتبن (في بَلَدٍ يَضُرُّ بِأَهْلِهِ) لما أخرجه مسلم عن مَعْمَر بن عبد الله العَدَوِي أنّ النبيّ ﷺ قال: «لا يحتكر إلاَّ خاطاءٌ» أي مذنبٌ. وأخرج ابن ماجه في «سننه»، وأبو يَعْلَى المَوْصِلِي في «مسنده» عن عمر بن

стр. 1332

لا غَلَّةَ أرْضِهِ، وَمَجْلُوبَةٍ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ، وَتَسْعِيرُ الحاكِم، إلّا إذَا تَعَدَّى الأرْبَابُ عَنْ القِيمَةِ فَاحِشًا. === الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : «الجالب مرزوقٌ والمحتكر ملعونٌ». أمّا لو لم يضرّ بهم بأن كان المِصْرُ كبيراً لا يُكره، لأنه حابسٌ لملكه من غير إضرار غيره. وقال أبو يوسف: كل ما أضرّ بالعامة فهو احتكار ولو كان ثياباً (أو دنانير) (١) أو دراهم. ثم إذا قَصُرَت المدّة لا يكون حبس القوت احتكاراً لعدم الضرر، بخلاف ما إذا طالت لتحققه. وحدّ المدّة الطويلة أربعون يوماً لما أخرجه أحمد وابن أبي شَيْبَة والبزَّار والحاكم في «المستدرك» عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد براء من الله وبراء الله منه. وأيّما أهل عَرْصة (٢) بات فيهم امرؤٌ جائعٌ، فقد برئت منهم ذمة الله». وقيل: المدّة المضروبة للمعاقبة في الدنيا، بأن أمره القاضي ببيع (ما فضل عن قوته وقوت أهله سَنَةً، فإن لم يفعل يعزّر، ويبيع القاضي بنفسه عنهم،) (٣) هو الصحيح. وأمّا الإِثم فيحصُل وإنْ قَصُرَت. (لا غَلَّةَ أرْضِهِ) أي لا يكره احتكار الشخص غَلْة أرضه. ينبغي أن يقيّد بما لم يزد على نفقة سنة. (وَ) لا (مَجْلُوبَةٍ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ) وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يكره أن يحبس ما جَلَبَه من بلد آخر لإطلاق ما روينا. (وَ) كره (تَسْعِيرُ الحاكِم) لما أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي ـ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ ـ من حديث أنس قال: قال النَّاس: يا رسول الله، غلا السعر فسعّر لنا، فقال رسول الله ﷺ : «إنّ الله هو المسعّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحدٌ منكم يطالبني بمظلمةٍ من دمٍ ولا مالٍ». ولأنّ الثمن حقّ المُلاك، فلا ينبغي للإِمام أن يتعرض (عليهم في) (٤) حقّهم. (إلاّ إذَا تَعَدَّى الأرْبَابُ) أي أرباب السلع (عَنْ القِيمَةِ) تعدّياً (فَاحِشاً) بأن باعوا بضعف القيمة وعجز السلطان عن صيانة حقوق المسلمين إلاّ بالتَّسعير، فإنه يسعّر لما فيه من رفع الضرر (العام) (٤) ولكن بمشورة أهل الرأي. ثم إذا سعّر الحاكم وباع رجلٌ بأكثر ممّا سعّر به جاز عند أبي حنيفة مطلقاً، لأنه لا يرى الحَجْر على الحرّ، وفي

стр. 1333

وَقُبِلَ قَوْلُ فَرْدٍ كَيْفَمَا كَانَ في المُعَامَلاتِ، فَإِنْ قَالَ كَافِرٌ: شَرَيتُ اللَّحْمَ مِنْ مُسْلِمٍ، أوْ كتابِيّ، حَلَّ أَكْلُهُ، وَ: مِنْ مَجُوسِيّ حَرُمَ. وَشُرِطَ العَدْلُ في الدِّيَانَاتِ كَالخَبَرِ عَنْ نَجَاسَةِ المَاءِ، === إبطال بيعه نوع حَجْرٍ عليه. وعندهما يجوز إذا لم يكن التَّسعير على قوم بعينهم، لأنه لا يكون حَجْراً بل فتوى، فإنهما لا يريان الحَجْر على (قومٍ) (١) مجهولين. ومن باع بما سعّره الإمام صحّ، لأنه غير مُكْرَه على البيع، كذا في «الهداية». وفي «المحيط» و «شرح المختار»: أن البائع إذا كان يخاف إذا نقض (٢) (أن يضربه الإمام) (٣) لا يحل للمشتري ذلك، لأنّه في معنى المكرَه. والحيلة أن يقول المشتري له: بعني بما تحب، فبأيّ شيءٍ باعه يحلّ. ولو خاف الإمام على أهل مصر الهلاك أخذ الطعام من المحتكرين وفرّقه، فإذا وجدوا (سعة) (٣) ردّوا مثله، وليس هذا من الحَجْر بل من دفع الضرر كما في حال المَخْمَصَة (٤) . وكذا يَحْرُم تلقِّي الجَلَب في بلد يضرّ بأهله، لقوله ﵊: «لا تَتَلَقَّوُا الرُّكبان (٥) ، ولا يبع حاضرٌ لبادٍ» (٦) . رواه الشيخان، وفي لفظ لمسلم: «لا تلقَّوا الجَلَب، فمن تلقّاه فاشتراه، فأتى سيده السوق فهو بالخيار». (وَقُبِلَ قَوْلُ فَرْدٍ كَيْفَمَا كَانَ) أي عدلاً كان أو فاسقاً، مسلماً كان أو كافراً، حرّاً كان أو عبداً، ذكراً كان أو أنثى (في المُعَامَلَاتِ) كالوكالات والمضاربات والإذن في التجارات، لأنّه يكثر وجودها بين الناس، والعدل عزيز الوجود، فلو شُرِطَ فيها أمرٌ زائدٌ لأدّى إلى الحَرَج. (فَإِنَّ قَالَ كَافرٌ: شَرَبْتُ اللَّحْمَ مِنْ مُسْلِمٍ أوْ كِتَابِيّ حَلَّ أَكْلُهُ وَ) إن قال: (مِنْ مَجُوسِيّ حَرُمَ) بخلاف ما إذا قال: هذا حلال أو حرام، فإنّه لا يقبل قوله. (وَشُرِطَ العَدْلُ في الدِّيَانَاتِ كَالخَبَرِ عَنْ نَجَاسَةِ المَاءِ) وعن حلّ الطعام وحرمته،

стр. 1334

وَفِي الفَاسِقِ وَالمَسْتُوَرِ تَحَرَّى === لأنه لا يكثر وقوعها كثرةَ وقوع المعاملات، فيشترط فيها الإسلام والعدالة. ففي المخبِر العدل بنجاسة الماء لا يتوضأ به لعدم التهمة، وفي الكافر يتوضأ به للتهمة. (وَفِي الفَاسِقِ وَالمَستُوَرِ تَحَرَّى) فإن كان أكبرُ رأيه أنّه صادق تيمَّم ولم يتوضأ به لترجّح جانب الصّدق بالتَّحرّي، والأحوط أن يريق الماء ثم يتيمّم. وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب يتوضأ به و (لا) (١) يتيمم لترجُّح جانب الكذب بالتحرّي. ولو أخبرها ثقةٌ أنّ زوجها الغائب مات أو طلّقها ثلاثاً، أو أخبرها غير ثقة ومعه كتاب بطلاقها ولم تدرِ أنه منه، إلاّ أنها تحرّت فترجّح عندها صدقه، جاز الاعتداد والتزوّج. ولو أخبرها أن أصل نكاحها كان فاسداً، أو زوجها كان أخاها من الرَّضاع لم يسعها أن تتزوّج بقوله، وإن كان ثقة، لأنّ في هذا الفصل أخبرها بخبر مُسْتَنْكَرٍ وقد ألزمها الحكم بخلافه، وفي الأوَّل أخبرها بخبر محتملٍ، وهو أمر بينها وبين ربّها، فلها أن تعتمد ذلك الخبر وتتزوّج. ويُقْبَلُ قول الصَّبيِّ والقِنِّ (٢) في الهدية والإذن له في التجارة، لأن الهدايا تبعث على يد هؤلاء عادةً، فلو لم يقبل قولهم لأدّى إلى الحرج. والعبد يُحْتَاج في الأسواق والأمصار البعيدة ولا يمكنه استحضار الشهود إلى تلك المواضع، فلو لم يُقْبَل قوله في الإذن لتحرّج الناس في المعاملة مع العبيد. (مَسَائِلُ شَتَّى) ومّما ينبغي أن يُلحق بهذا الكتاب مسائلُ شتّى ممّا يناسب هذا الباب. فقد قال علماؤنا: لا بأس بتعشير المصحف ونَقْطِهِ وشَكْلِهِ في زماننا. وأصل الرواية أنه يُكْره التعشير والنَّقْط في المصحف لقول ابن مسعود: جرِّدُوا القرآن، ولا تُلْحِقُوا به (ما) (٣) ليس منه. رواه ابن أبي شَيْبَة. وله معنيان: أحدهما: جرّدوه في التلاوة ولا تخلطوا به غيره، وثانيهما جرّدوه في الخط من التعشير والنَّقْط. وفي زماننا لا بدّ لغالب الناس من الدلالة، فبالتعشير تحفظ الآي، وبالنَّقْط يحفظ التصحيف، وبالشكل يحفظ الإعراب، فيكون بِدَعاً مستحسنة، وقد صحّ عن ابن مسعود: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن. ويجوز تحليته لِمَا فيها من تعظيمه، وكذا نقش المسجد وتزيينُه بماء الذهب ونحوه، لكن لا من غَلّة وقفه حتى لو فُعِلَ منها ضُمِنَ. ثم هو قُربة في الأصحّ لما فيه من تعظيم بيت الله، ولظاهر قوله

стр. 1335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (١) . وقيل: مكروه لأنّه من الأمور المبتدعة. ويكره في المسجد عمل الدنيا كخياطة وكتابة بأجرة (لما) (٢) ورد: أنّ المساجد إنما بنيت للصلاة، إلاّ لضرورةٍ بأن لم يجد مكاناً غيره، وكان قوته من صنعته. ولا يكره عندنا دخول الذميّ المسجد الحرام، وكرهه الشّافعيّ لقوله تعالى: ﴿إنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَام بَعْدَ عَامِهِمْ هَذا﴾ (٣) ، ولأنّ الكافر لا يخلو عن جنابة. وأُجيبَ بأنّه محمولٌ على منعهم أَنْ يدخلوه طائفين عراةً، أو مستولين، وعلى أهل الإسلام مستعلين، وبأنّ النجاسة محمولةٌ على خبث عقائدهم، وكرهه مالك في كل مسجد اعتباراً بالمسجد الحرام لعموم العلة وهي النجاسة. ولنا: ما في «سنن أبي داود» عن عثمان بن أبي العاص أنّ وفد ثقيف لمّا قدموا على النبيّ ﷺ أنزلهم المسجد ليكون أرقّ لقلوبهم، فاشترطوا عليه أنْ لا يُحْشَرُوا (٤) ولا يُعْشَرُوا (٥) ولا يُجَبَّوا (٦) . فقال رسول الله ﷺ : «لكم أنْ لا تُحْشَروا ولا تُعْشَروا، ولا خير في دين ليس فيه ركوع». والتجبية بالجيم والموحدة وضع اليدين على الركبتين. وفي «مراسيله» عن الحسن أنّ وَفْدَ ثقيف أتوْا رسول الله، ﷺ فضرب (٧) لهم قُبْة في مؤخر المسجد لينظروا صلاة المسلمين، فقيل له: يا رسول الله أتنزلهم (٨) في المسجد وهم مشركون؟ قال: «إن الأرض لا تتنجس بابن آدم». ويَحْرُم بيع أراضي مكة عند أبي حنيفة خلافاً لهما، ولا يَحْرُم بيع أبنيتها اتفاقاً، لأن البناء ملك لمن بناه، ألا ترى أنه لو بنى في المستأجر، أو في الوقف صار البناء له وجاز له بيعه؟. ولا يكره عيادة الذِّمي لقوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ في الدِّينِ وَلَم يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ (٩) ولِمَا في «صحيح البخاري» عن أنس قال: كان غلامٌ يخدُم رسول الله ﷺ فمرض، فأتاه النبيّ ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه

стр. 1336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فقال له: «أسلم» فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: أطِعْ أبا القاسم. فأسلم فخرج النبيّ ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه بي من النار». واختلفوا في عيادة الفاسق والمبتدع، والأصحّ أنه لا بأس بهذا لأنه مسلم. قيل: ويحرم قوله في الدعاء: أسألك بِمَعَقْدِ (١) العز من عرشك، وقد رُوِيَ بتقديم القاف على العين، فلا يجوز اتفاقاً لاستحالة معناه على الله . ورُوِيَ بَعكسه، فكذا يحرم، لأنه يوهم تعلّق العزّ بالعرش، والعرش حادثٌ وما يتعلّق به يكون حادثاً، والله سبحانه متعالٍ عن تعلّق عزّه بالحوادث، فإنّ عزّه قديم كذاته وسائر صفاته. وعن أبي يوسف: أنه لا بأس به، وبه أخذ الفقيه أبو الليث. قيل: ويحرم أن يقول في دعائه: بحقّ فلانٍ، نبيّاً كان أو وليّاً، أو بحقّ البيت أو المشعر الحرام، لأنه لا حقّ للخلق على الله، لكن قد يقال: إنه لا حقّ لهم وجوباً من أصله، لكنّ الله سبحانه جعل لهم حقّاً من فضله (٢) ، أو يراد بالحقّ الحرمة والعظمة، فيكون من باب الوسيلة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ (٣) وقد عُدَّ من آداب الدعاء: التوسل بالأنبياء والأولياء على ما في «الحصن الحصين»: وجاء في رواية: «اللهم إني أسألك بحقّ السائلين عليك، وبحقِّ ممشايَ إليك، فإني لم أخرج أَشَراً (٤) ولا بَطَراً». الحديث (٥) . ولا يكره قبول هدية طعام العبد التّاجر لما رُوِيَ من طرق في قصة إسلام سَلْمان أنّ النّبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم قَبِل هديته وأكل منها، بخلاف هدية النقدين والثياب على يده (٦) لعدَم ورود نصَ وعُرْفٍ بذلك، فبقي على أصل القياس في المنع. وكره أن يجعل الرَّاية في عنق العبد وهي: طوق من حديد مسمّر بمسمار عظيم يمنعه من أن يحرّك رأسه، وهو معتادٌ بين الظَّلمة لأنه عقوبة أهل النَّار فيكره، كالإحراق بها، وحلّ قيده لأنه سنة المسلمين في السفهاء وأهل الدعارة، فلا يكره في العبد تحرزاً عن إباقه وصيانةً لماله.

стр. 1337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وحلّت الحُقْنَة للتداوي لما في السنن الأربعة عن أُسَامة بن شَرِيك قال: أتيت النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا ومن ههنا فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: «تَدَاوَوْا، فإنّ الله لم يضع داءً إلاّ وضع له دواءً إلاّ الهَرَم». ولفظ أحمد في «مسنده»: «فإن الله لم يُنْزِل داءً إلاّ أنزل له دواءً إلاّ الموت». قالوا: يا رسول الله فما أفضل ما أُعْطي العبد؟ قال: «خلقٌ حسنٌ». ولا يجوز استعمال المُحَرّم في الحُقْنَة وغيرها كالخمر ونحوها، لأنّ التّداوي بالمحرّم حرامٌ. ثم التداوي بالحلال جائزٌ لا واجبٌ، فمن ترك المعالجة فمات لم يمت عاصياً لأنه ليس في ترك المعالجة إهلاك النفس، إذ ربّما يصحّ من غير معالجة وربّما لا تنفعه المعالجة. (ويجب على من رأى منكراً أن ينهى عنه، لو قَدِرَ عليه، ولو لم يفعل مَثُلَ (١) ، لأنّه) (٢) يجب عليه ترك المنكر والنهي عنه، فإذا ترك أحدهما لا يسقط عنه الآخر. وينهى الإمام مَنْ أظهر الفسق في داره، فإن لم يكفَّ، حبسه أو ضربه سياطاً أو أزعجه منها (٣) ردعاً له وزجراً عن ارتكاب الفواحش. ويَحْرُم على المغنّي والنائحة أخذ المال المشروط على الغناء والنوح، لأنّه أجرٌ على معصيةٍ بخلاف غير المشروط فإنّه تبرُّع، لكنه يكره لأنه وسيلةٌ إلى فعله. ولا بأس بدخول الحمّام للرجل والمرأة إذا اتَّزَرَ وغضَّ البصر لقوله ﵊: «إنها ستُفتح لكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتاً يقال لها الحمَّامات، فلا يدخُلَنَّها الرّجال إلا بالأُزُرِ، وامنعوها النساء إلاّ مريضة أو نُفَسَاء». رواه أبو داود وغيره. وكره غَمْز (٤) الأعضاء في الحمّام، لأنه فعل المُتَرفِّهين إلاّ لتعبٍ ونحوه من الأوجاع، فإن فيه منفعة وتخفيفاً. وكره الجلوس على القبور لقوله ﵊: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها» (٥) . وقوله: «لأن يجلس أحدكم على جمرةٍ فتحرق ثيابه حتى تخلص إلى جلده خيرٌ له من أن يجلس على قبرٍ» (٦) .

стр. 1338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ويكره الإشارة إلى الهلال عند رؤيته لأنّه من عادة الجاهلية كانوا يفعلونه تعظيماً له، أمّا إذا أشار إليه ليريه صاحبه فلا (بأس به) (١) . ولا بأس بإسقاط حَمْل لم يستبن شيء من خلقه لأنّه مضغة بعدُ، ولا حكم لها، إلاّ أنه مكروه بغير ضرورة. ويُقْطَع حملٌ ميتٌ اعتَرَض في بطن حامل، خِيفَ عليها الموت منه، إذا لم يَخْرُج إلاّ به، لأنه ليس للميت حرمة بالنسبة إلى الحيّ. وأمّا إذا اعترض الولد في (بطن) (١) الحامل وقت الولادة وخيف (٢) على الحامل، ولم يمكن إخراج الولد إلاّ بقطعه، بأن تُدخِل القابلة يدها إلى داخل الفرج فتقطعه بآلة ونحوها، فلا يُقْطَع لأنّ موتها موهومٌ، فبأمرٍ موهومٍ لا يجوز إتلاف آدميّ حيّ محقق. ويُشَقّ من الجانب الأيسر بطن من ماتت فاضطرب الولد فيه وعُلِمَت حياته، ولو بغلبة الظن لما قدمنا، وقد فعل أبو حنيفة ذلك وعاش الولد. وكذا يُشَقُّ بطن من ابتلع دُرَّةَ (٣) غيرِهِ ومات مفلساً، لأنّ حق صاحب الدُّرَّة مقدّمٌ على احترام بطن من مات جانياً، وقيل: لا يشق لإمكان الوصول إليه بعد تفسّخه، ودُفِعَ بأنّه يلزم تأخير حقّه وقد لا يعيش إليه. ولو دفنت الحامل وقد أتى على الولد سبعة أشهر وكان يتحرّك في بطنها، فرؤيت في المنام أنها تقول: وَلَدتُ، لا يشقّ لأنّ الظاهر موته، ذكره العَيْنِيّ. ولا بأس بثقب أُذُن الصغيرة لأنّه للزينة فصار كالخِتَان. ويجوز الحِجامة والفِصادة (٤) عند الحاجة، وربّما يجب لِمَا صحّ أنّ النّبيّ ﷺ احتجم، والفِصَادة مثلها، ولأنّهما للتَّداوي وهو مأذونٌ فيه شرعاً. ويجب على كل مكلّف تعلّم ما يحتاج إليه لإقامة الفرائض والواجبات، ولمعرفة العقد الصحيح من غيره في المعاملات والحلال من الحرام من المأكولات والمشروبات لقوله ﵊: «طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم ومسلمة (٥) ، وواضع العلم عند غير أهله كمقلّد الخنازير الجوهرَ واللؤلؤَ والذهب».

стр. 1339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === رواه ابن ماجه. وقوله: «تعلّموا الفرائض والقرآن، وعلّموا الناس فإني مقبوضٌ». رواه الترمذي. ويكره تعلّمه للمُبَاهاة والمُمَارَة (١) وطلب المال والجاه لقوله ﵊: «من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو لِيُمَارِي السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النَّار». رواه الترمذي وابن ماجه. ولقوله ﷺ : «من تعلّم عِلماً ممّا يبتغى به وجه الله لا يتعلّمه إلاّ ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة». يعني ريحها. رواه أبو داود. وقد ورد أن ريحها يشمّ من قدر خمس مئة عام. ويجب على العالم التعليم إلى حدّ التفهيم لقوله ﵊: «مِنْ سُئِلَ عن علم عَلِمَه ثم كتمه أُلْجِمَ يوم القيامة بلجام من النار». رواه الترمذي. وإنما يلزمه التفهيم لأنه لا يوجد بدونه التعليم. ويستحب تعلّم علم يكون وسيلة إلى معرفة الكتاب والسنة، ويباح علم لا يضرّ ولا ينفع كالتواريخ والأشعار والأنساب، ويَحْرُم علم السحر والمنطق والكلام والهيئة والنجوم إلاّ قدر ما يعرف به الوقت والقِبْلة. ويجب الكسب من الحلال بقدر كفاية نفسه وعياله وقضاء دينه، لقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي بالتجارة، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ (٢) أي بالزراعة. ولقول رسول الله ﷺ : «إنَّ أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم». رواه ابن ماجه. ولقوله ﷺ : «طلب كسب الحلال فريضة بعد الفريضة». رواه البيهقي في «شعب الإِيمان». ولقوله ﵊: «إنّ أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى الله عنها: أن يموت رجلٌ وعليه دين لا يدع له قضاءً». رواه أبو داود. ويستحب الزيارة لمواساة الفقراء ومجاراة الأقرباء فإنه أفضل من التخلّي للعبادات لكون منفعته متعدّية ولقوله ﵊: «السَّاعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يقوم الليل ويصوم النهار». رواه ابن ماجه. وفي رواية له: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي القرابة اثنتان: صِلَةٌ وصدقةٌ».

стр. 1340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ويباح للتجمّل والتنعّم حين يبني البنيان (١) ، وينقش الحيطان، ويشتري السَّراري والغلْمان لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٢) ولقول رسول الله ﷺ : «نِعْمَ المال الصالح للرجل الصالح» (٣) . ويكره التفاخر والتكاثر ولو كان من حلَ لقوله تعالى: ﴿ألْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِر﴾ (٤) ولقوله ﵊: «التجار يحشرون فجاراً إلاّ من اتقى وبرّ وصدق». رواه الترمذي وغيره، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأفضل الكسب: الجهاد لما ورد في فضله من الكتاب والسنة، ولأنّ فيه إعلاء كلمة الله تعالى قصداً والكسب فضلاً، ثم التجارة لقوله ﷺ : «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين». رواه الترمذي والدَّارَقُطْنِي وابن ماجه. ثم الزِّراعة لقوله ﵊: «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير، أو إنسانٌ أو بهيمةٌ، إلاّ كان له به صدقة». رواه البخاري. ومنهم من فضّل الزراعة على التجارة لأنها أعمّ نفعاً، وعندي: أنّ الكتابة أفضل منهما لاشتمالها على العلم والنّفع المتعدّي والصدقة الجارية، ثم الصناعة لقوله ﵊: «ما أكل أحدٌ طعاماً قطٌ خيراً من أن يأكل من عمل يديه، وإن نبيّ الله داود كان يأكل من عمل يديه». رواه البخاري. ويلزم العاجز عن الكسب سؤاله من الناس، فإنه كسب مثله، فإن عجز عن السؤال واشتدّ جوعه وجب على من علم به أن يُطْعِمَه أو يدلّ عليه من يطعمه لما روينا من قوله ﵊: «وأيُّما أهل عَرْصَةٍ (٥) بات فيهم امرؤٌ جائعٌ، فقد برئت منهم ذمة الله». أخرجه أحمد وغيره عن ابن عمر مرفوعاً. ويكره إعطاء السائل في المسجد إلاّ إذا لم يتخطّ رقاب الناس ولم يمش بين يدي المصلين، في القول المختار، فقد رُوي أنهم كانوا يسألون في المساجد على عهد رسول الله ﷺ ، حتَّى رُوي أنّ عليّاً تصدّق بخاتمه في الصلاة فمدحه الله تعالى:

стр. 1341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ﴿إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ والَّذِينَ آمِنْوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (١) . وأما إذا تخطَّى رقابهم أو تعدّى إمامهم، فمكروه لأنه أعانه على أذى الناس حتى قيل: هذا فَلْسٌ (لا) (٢) يكفّره سبعون فَلْساً. ثم اعلم أنّه يَحْرُم التسبيح والتكبير والصلاة على النبي ﵊ عند عمل محرّمٍ كما، إذا سبّح أو كبَّر أو هلّل أو صلّى على النبيّ ﷺ في مجلس الفسق واللهو، فهو حرامٌ يأثم فيه، وكذلك التاجر إذا فتح متاعه لمشتريه وسبَّحَ وصلّى على النبيّ ﷺ وأراد بذلك إعلام المشتري جودة متاعه، وكذلك الفُقَّاعِي (٣) يقول عند فتح كوز الفُقَّاع: لا إله إلا الله، أو يقول: صلّى الله على النبيّ أو نحو ذلك، لأنّه يأخذ (به) (٤) ثمناً ويرغب المشتري هنالك. كذا في «شرح تحفة الملوك» للعَيْنِيّ. ومن هنا يُفهم أن بالأولى يَحْرُمُ ذِكْرُ اللَّه أو النبيّ مع الرَّباب كما هو شأن الأعراب، أو مع الزَّمَّارة كما هو شِعَار السَّيَّارة (٥) من شُحَّاذ أهل اليمن في السوق وأبواب أرباب التجارة. ثم قال: ويجب منع الصوفية الَّذين يَدَّعون الوَجْد والمحبة عن رفع الصوت وتمزيق الثياب عند سماع الغناء، مع أنّ ذلك حرامٌ عند سماع القرآن، فكيف (٦) عند سماع الغناء الذي هو حرام؟ خصوصاً في هذا الزمان الذي اشتهر فيه الفسق، وظهرت فيه أنواع البدع، واشتهرت فيه طائفة تَحَلَّوا بحِليةِ العلماء وتَزَيَّوا بزيّ الصُّلحاء، والحال أنّ قلوبهم ممتلئة من الشهوات الكاسدة، والأهواء الفاسدة. فالعجب منهم أنهم يدّعون محبة الله ويخالفون سنة رسوله ﷺ فيصفقون بأيديهم، ويضربون بأرجلهم، وَيَصْعَقُون بأفواههم، ويُظْهِرُونَ (ما ليس في قلوبهم، ويتحرَّكون) (٧) بحركات مختلفة في أبدانهم، والأزباد تنزل من أشداقهم، حتى (إنّ) (٤) الجهّال والحَمْقَى من العامة

стр. 1342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === يعتقدونهم ويلازمونهم (ويقصدونهم) (١) ، ويعطونهم ويَنْسُبون أنفسهم إليهم، وينفقون (عليهم) (٢) ، أعاذنا الله من شرّهم وشرّ ما لديهم. ولا يحلّ قَبول هدية أمراء الجَور وسائر الظلمة، إلاّ إذا عُلِمَ أنّ أكثر مالهم حلال بأن كان صاحب تجارة أو زراعة، فلا بأس به لأنّ أموال الناس لا تخلو عن قليل حرام فالمعتبر الغالب، وكذا طعامهم. وهذا بالنسبة إلى الأغنياء، وأمّا الفقراء، فلهم أن يأخذوا من أموال الأمراء، لأنّ غالب أموالهم (من) (٣) بيت المال، ومَصْرِفه الفقراء. وهذا طريق الفتوى، والأحوط امتناعه للتقوى. وفي «تُحْفة الملوك»: رجلٌ يتردد إلى الظلمة ليدفع شرهم عنه، فإن كان مفتياً أو مُقْتَدىً به لا يحلّ له ذلك، لأن دفع شرهم عنه ممكن بغير التردد، ولأن فيه إهانةً للعلم وأهله، وإن كان غير مُقْتَدى به فلا بأس بتردده إليهم ليدفع شرهم عنه. وأمّا إذا تردد لأجل أن يُصيب منهم، فلا يجوز لقوله ﵊: «إن أناساً من أمتي سيتفقّهون في الدين، ويقرؤون القرآن، ويقولون: نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونَعْتَزلُهُم بديننا، ولا يكون ذلك، كَما لا يُجْتَنَى من القَتَاد إلاّ الشوك، كذلك لا يُجْتَنَى من قربهم (٤) إلاّ الخطايا (٥) ». رواه ابن ماجه. والقَتَاد بفتح القاف والتاء ثالث (٦) الحروف: ضربٌ من العِضاه وهي جمع عِضَة: وهي شجرة من شجر الشوك ليس فيه غير الشوك. وكان ابن عباس وابن عمر يقبلان هديّة المختار، وكان أبو ذر وأبو الدَّرْداء لا يُجَوِّزَان ذلك حتّى رُوِيَ أنّ أميراً أهدى إلى أبي ذر مئة دينار فقال: هل أهدى لكل مسلم مثل هذا؟ فقيل: لا، فردَّها وقال: ﴿كَلاَّ إِنّها لَظَى نَزَّاعَةً للشَّوَى﴾ (٧) ولا يبعد أن يُحمل أخذ ابنيْ عباس وعمر على نية تفريقه على الفقراء، وإنّهم (يعلمون أنهم) لو لم يأخذوه لأعطى الأغنياء أو لم يُعطِ لأحدٍ شيئاً من الأشياء. فلأَخْذِهم

стр. 1343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وجهٌ، وإن كان الامتناع عن أخذهم أوجه، لأنه أبعد من الرِّيبة وأشدّ على الظالم في مقام الإهانة. (أمور الفِطْرَة) ويُسَنُّ قصّ الشارب، وتقليم الأظافر، ونَتْف الإبط، وحلق العَانَة، فإنّها من الفطرة وسنن الخليل ﵊ الوارد فيها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (١) ، وقد فعلها نبينا ﷺ وأمر بها. وفي حديثٍ: «قَصُّ (الشارب وتقليم) (٢) الظفر، ونتف الإبط، وحلق العانة يوم الخميس، والغسل والطيب واللباس يوم الجمعة». رواه الدَّيْلَمِيّ عن عليّ. قال الطَّحَاوِيّ في «شرح الآثار»: وقص الشارب حسنٌ، وهو أن يأخذ منه حتى ينتقص عن الطرف الأعلى من الشَّفَة العليا. وأجاز بعضهم حلقه لقوله ﵊: «أَحفوا الشارب وأَعفوا اللِّحى». وفُسِّرَ الإحفاء بالاستئصال، ودُفِعَ بأنه ورد: «قُصُّوا الشارب واعفوا اللِّحى» (٣) كما رواه أحمد عن أبي هريرة ﵁ وهو تفسيرٌ للإحفاء. ولأنّه ﵊ لم يُحفظ عنه أنّه حلق شاربه، بل قد ورد: «قصّوا الشوارب مع الشفاه». رواه الطَّبرَانيّ عن الحكم بن عمرو. وحَسَنٌ تَرْكُ قَصِّه مع بقاء أَظْفاره في الجهاد ليكون أهيب في عين العدو، والأَظْفَارُ سلاح عند الاحتياج به. وسُنَّ الخِتَان للرجال وهو من الفطرة، وعُدَّ مَكْرُمَةً للنساء لحصول الكرامة لهنَّ به عند أزواجهنّ، وقُدِّرَ وقته بسبع سنين، وهو مختار أبي اللَّيث، أو تسعٍ أو عشرٍ. وقيل: بما يطابق المراد بالبلوع. ويُتْرَك لو وُلِد شبيهاً بالمختون، أو أسلم كبيراً وخيف عليه منه. وإن تركه أهل بلد قوتلوا عليه لأنّه من شعائر الإسلام فصار كالأذان. وتجوز المسابقة بالخيل والبغال والحمير والإبل والأقدام، والرمي بالنَّبْلِ. والأصل فيه، حديث أبي هريرة أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لا سَبَق إلاّ في خُفَ أو نَصْلٍ أو حافرٍ». رواه أحمد والأربعة، والمراد بالخُفِّ: الإبل، وبالنَّصْلِ: الرمي، وبالحافر: الفرس والبغل والحمار. قال الخطَّابيّ: الرواية الصحيحة بفتح الموحدة وهو ما يجعل من المال رهناً على المسابقة (٤) ، وبالسكون مصدر سَبَقْتُه أسبقه. وعن أبي هُرَيْرَةَ أيضاً

стр. 1344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال: كانت المسابقة بين أصحاب رسول الله ﷺ في الخيل والرِّكَاب (١) والأرجل. وحلّ الجُعْل من أحد الجانبين بأن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك كذا، وإن سبقتك فلا شيء لي. أو من شخصٍ ثالثٍ لأسْبَقِهما بأن يقول: من سبق منكما دفعت إليه ديناراً. وحَرُمَ من الجانبين لأنه يصير قماراً إلاّ أن يوجد محلِّل بينهما، ويكون فرسه كفؤاً لفرسيهما. ويشترط أنّه إنْ سبقهما أخذ منهما الجُعْل، وإن سبقاه لا شيء لهما عليه لخروجه حينئذٍ عن القمار (٢) . ويُلحق بالمسابقة بِجُعْل طالبان اختلفا في مسألة ورجعا إلى الشيخ لِيَفْصِلَ بينهما فيها، لأنّه لمّا جاز في الأفراس لمعنى يرجع إلى الجهاد يجوز هنا للحث على الاجتهاد (٣) في طلب العلم، لأنّ الدِّين كما يقوم بالجهاد يقوم بالعلم والاجتهاد. ثم رمي السهم له فضائل كثيرة لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٤) وَرَدَ تفسيرها عنه ﵊: «ألَا إنَّ القُوَّة الرمي ثلاث مرات». وقد ورد: «إنّ الله لَيُدْخِل بالسهم الواحد ثلاثةً الجنةَ: صانعه يحتسب في صَنْعَتِهِ الخير، والراميَ به، والمُمِدَّ به» (٥) . رواه ابن ماجه. وفي رواية له: «من رمى بسهم فبلغ سهمه العدو، أصاب أو أخطأ، فيعدل رقبةً». وفي رواية له أيضاً: «من تعلّم الرمي ثم تركه فقد عصى». وأما الجوز الذي يلعب به الصبيان يوم العيد فيُؤْكَلُ، لأنّ ابن عمر كان يشتري الجوز للصبيان وهم يلعبون به ثم يأكله معهم. كذا ذكره العَيْنِيّ، ثم قال: إذا لم يُقَامِرُوا. انتهى. وهذا صورةً ليس فيه قمار متعارف كما لا يخفى، وإلاّ فلا يحلّ له من البالغين، فكيف من

стр. 1345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الصبيان مع كون أكثرهم (١) غير مالكين؟ وكذا حكم البيض الذي يلعبون به في العيد وغيره. وتُضْرَب الدَّابة على النِّفار دون العِثَار، لأنّ العثار يكون من سوء إمساك الرَّاكب اللِّجَام، والنِّفار من سوء (خلق) (٢) الدابة فتؤدب عليه. ولما في «كامل ابن عَدِيّ» عن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ قال: «اضربوا الدَّواب على النِّفار، ولا تضربوها على العِثَار». ورَكض الدَّابة (٣) ونَخْسُهَا (٤) كما يفعله الدّلاَّلون (٥) مكروه، وكذا إذا كان بطريق اللهو، لأنّه تعذيب الحيوان بلا غرضٍ صحيحٍ. بخلاف الفرار من العدو والكرار عليه. ويُستحب القَيْلُولَة (٦) في شدة الحر لأنّه وقت انتشار الشياطين، وقد ورد: «قيلوا فإن الشيطان لا يَقِيل» (٧) . ويحرم لبس الأحمر والمُعَصْفَر (٨) لما في «سنن أبي داود والترمذي» عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: مرّ رجل وعليه ثوبان أحمران فسلّم على النبيّ ﷺ فلم يردّ عليه. وفي «سنن أبي داود» عنه أيضاً قال: رآني رسول الله ﷺ وعَلَيَّ ثوبٌ مصبوغٌ بعُصْفُر مُوَرَّداً فقال: «ما هذا»؟ فعرفت ما كره، فانطلقت فأحرقته. فقال النبيّ ﷺ : «ما صنعت»؟ قلت: أحرقته. قال: «أفلا كسوتَه بعض أهلك؟ فإنه لا بأس به للنساء». وفي «صحيح مسلم» عنه أيضاً قال: رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين مُعَصْفَرَيْن فقال: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تَلْبِسْهَا (٩) ». وفي رواية: قلت: أَغْسِلُهُمَا؟ قال: «بَلْ أحْرِقْهُما» (١٠) وهذا مبالغة في النهي لِمَا تقدّم. وروى أبو داود

стр. 1346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والترمذي عن عليّ أنه ﵊ نهى عن لبس المُعَصْفَر. وأمّا لبس الأخضر فمستحبٌ لقول أبي رِمْثة رأيت رسول الله ﷺ وعليه ثوبان أخضران. أخرجه أبو داود والترمذي، وللنَّسائي: وعليه بُرْدَان أخضران. ونُدِبَ لبس البياض (أو السواد) (١) لقوله ﵊: «إنّ أحسن ما زرتم الله به (٢) في قبوركم ومساجدكم البياض». رواه ابن ماجه. وفي رواية للترمذي والنَّسائي: «البَسُوا من ثيابكم البياض، فإنها أطهر وأطيب، وكفِّنوا فيها موتاكم». وأمّا لبس السواد فجائز لقول سعد بن أبي وقَّاص: رأيت رجلاً على بغلةٍ بيضاء على رأسه عِمامة سوداء، وقال: كسانيها ﵊. رواه أبو داود. وقال عمرو بن أُميَّة: كأنّي أنظر الساعة إلى رسول الله ﷺ على المنبر وعليه عِمَامة سوداء، وقد أرخى طرفها بين كتفيه. أخرجه النَّسائي وابن ماجه. وقد دخل النّبي ﵊ مكة يوم الفتح وهو متعمِّم بعمامة سوداء. رواه الترمذي في «شمائله». ولا ينبغي أن يُظَاهِر بين جُبَّتيْن أو أكثر في الشتاء إذا اكتفى بدون ذلك، لأنّه يغيظ المحتاجين وطريق المتجبّرين (من المتكبرين) (٣) ، ونُدِب إرسال ذَنَبِ العمامة بين الكتفين قدر شبر، وقيل: إلى وسط الظهر، وقيل: إلى موضع الجلوس. والأصل فيه قوله ﵊: «عليكم بالعمائم فإنها سيماء الملائكة، وأرخوها خلف ظهوركم». رواه البيهقي في «شعب الإيمان». وقوله ﵊: «فرقُ ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس». رواه الترمذي. وقول ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا اعتمّ سدل عِمامته بين كتفيه. رواه الترمذي وقال: حسنٌ غريبٌ. وعن عبد الرحمن بن عوف: عمَّمني رسول الله ﷺ فسدلها بين يديّ ومن خلفي. رواه أبو داود.

стр. 1347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ويُكره الترجيع (١) بقراءة القرآن واستماعه، لأنه تشبّه بفعل الفسقة. وقيل: لا بأس به إذا لم يُخْرِج الحرف عن حَدِّه، والمدّ عن قَدْرِ مدّه لما ورد: «زيِّنوا القرآن بأصواتكم». رواه أحمد وجماعة، وصححه الحاكم عن البراء، وزاد الحاكم في رواية عنه: «فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً». وفي رواية: «زيِّنوا أصواتكم بالقرآن» (٢) . وكره رفع الصوت عند قراءة القرآن وعند الجنازة وحين الزَّحف على العدو وحين الوعظ، لأنّه يُذهب الهيبة والخشوع. ويَحْرُم قيام التالي للقرآن، وكذا الراوي للحديث، للدَّاخل عليه، لأن فيه نوع إهانة له بإعراضه عنه وإقباله على من ليس له عليه حقّ، إلاّ لأستاذه الذي علّمه أو لأبيه، لما لهما عليه من حقّ الإكرام وزيادة الاحترام. والقراءة عند القبور مكروهةٌ عند أبي حنيفة، وتجوز عند محمد لقوله ﵊: «اقرؤا يس على موتاكم». رواه أبو داود. وتَحرم الغِيبة والنميمة والكذب إلاّ للخديعة في الحرب لقوله ﵊: «الحرب خَدْعة» (٣) ، والصلح بين اثنين، ولإرضاء أهْله لأنه من باب إصلاح ذات البين. قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلاّ مَنْ أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٤) وورد: «ليس الكذَّاب الذي يُصْلِحُ بين النّاس، ويقول خيراً ويَنْمِي (٥) خيراً» (٦) . قال ابن شهاب: ولم أسمع يُرَخَّصُ في شيءٍ ممّا يقول الناس كذبٌ إلاّ في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، (وحديث الرجل امرأته) (٧) وحديث المرأة زوجها. رواه مسلم. ولدفع الظالم عن ظلمه لأنّه نهيٌّ عن

стр. 1348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === المنكر، وأخذٌ على يد الظالم. ويكره التعريض بالكذب لأنّه كذب في الظاهر إلاّ عند الضرورة كـ: أكلتُ ـ يعني أمس ـ جواباً لمن دعاه إلى الأكل لأنّه صادق في قصده. ولا غِيْبَةَ لفاسقٍ مُعْلِنٍ ولا لغير معيّن، ولا لظالمٍ يُؤذي النّاس بقوله أو فعله، ولا يأثم السَّاعي به إلى السلطان ليزجره بل يثاب عليه، لأنه من باب النهيّ عن المنكر، والمنع عن الظلم. والحاصل: أنّ الكلام إمّا مستحب كالأذكار، وإمّاحرامٌ كالكذب والغيبة والنميمة، وإمّا مباحٌ كضروريات الإنسان من قوله: قم واقعد ونحو ذلك. وأمّا ما لا يعنيه فتركه مستحبٌ لقوله ﵊: «إن من حسن (إسلام) (١) المرء تركه ما لا يعينه» (٢) . واخْتُلِفَ هل يُكْتَبُ المباح: فقيل: لا أصلاً لقول ابن عباس: إن الملائكة لا تكتب إلاّ ما كان فيه أجرٌ أو وِزْرٌ. وقيل: يُكْتَبُ ذلك لظاهر قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٣) فقيل: يكتب ذلك عليه ثم ينسخ متى قوبل عليه باللوح المحفوظ كلَّ اثنين وخميس، فما كان فيه جزاءُ خيرٍ أو شرَ ثبت، وما لم يكن كذلك مُحِيَ لقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أمُّ الكِتَابِ﴾ (٤) ولقوله: ﴿إنّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥) . وقيل: يكتب ويُنْسخ يوم القيامة، لأنّه يوم الحساب والجزاء إمّا بالثواب أو بالعقاب. والله أعلم بالصواب. وينبغي لحافظ القرآن أن يختمه في ثلاثة أيام أو في أسبوع أو في شهر أو في أربعين يوماً، فإنّ نسيان القرآن من الكبائر. ويتقدّم الشاب العالم على الشيخ العابد الجاهل لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٦) وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٧) وقوله ﵊: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم». رواه الترمذي عن أبي أُمَامة. وقوله: «فضل حملة القرآن على من لم

стр. 1349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === يحمله كفضل الخالق على المخلوق». رواه الدَّيْلَمِيّ عن ابن عباس. ويُسَنُّ السلام، وجوابه فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (١) وثواب هذه السُّنَّة أفضل من الفرض الذي هو جوابه، لأنها سببٌ له، ولدلالته (٢) على التواضع لقوله ﵊: «الباداء بالسلام بريءٌ من الكبر». كذا في «شُعَب الإيمان». ولا يُسَلِّم وقت الخُطبة والتلاوة لئلا يُخِلّ بالاستماع، وكون القاضي في المحكمة حال كونه يحكم هيبة واحتشاماً، وبهذا جرى الرسم. ويجب الردّ إلاّ على القاضي والخطيب لأنّ وجوبه على من يُسَن السلام عليه، وكذا لا يجب على من جلس يفقّه تلامذته أو يُقْرِئُهم القرآن، لأنّه جلس للتعليم لا لردّ التسليم. ويسلّم الرَّاكب على الرَّاجل لقوله ﵊: «يسلّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير». متفقٌ عليه. ويسلّم الرجل على المرأة لأنه ﵊ مرّ على نِسْوَةٍ فسلّم عليهنّ. رواه الأمام أحمد. ويجيب الذِّميَّ إذا سلّم بقوله: وعليك، لما في «الصحيحين» عن ابن عمر (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سلّم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السَّام عليك، فقولوا: وعليك». ولا يبدؤه بالسَّلام لقوله ﵊: «لا تبدؤا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه». رواه مسلم. ويجب كفايةً تشميت العاطس الحامد بـ: يرحمك الله، لأحاديث وردت بذلك، وإن تكرر منه في مجلس يستحبّ إلى الثلاث، ولو زاد يقول: عافاك الله، لأنّ النّبيّ ﷺ قال لمن زاد: «الرجل مزكوم» (٤) . ويُجيب هو بقوله: «يهدينا الله ويهديكم ويصلح بالكم» (٥) أو: «يغفر الله لنا ولكم» (٦) على ما ورد في الخبر.

стр. 1350

كِتاب الأشرِبةِ حَرُمَ الخَمْرُ، وَهِيَ: النِّيء === كتاب الأَشْرِبَةِ هي جمع الشَّراب وهو لغةً: ما يُشْرَب. وهنا ما يُشْرَبُ ويُسْكِرُ (حَرُمَ الخَمْرُ) لقوله تعالى: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ والأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (١) الآية. ولإجماع الأمة، ولصحيح الأخبار وهي كثيرة منها ما في «الصحيحين» عن أنس بن مالك قال: كنت ساقي القوم، يوم حُرِّمت الخمر في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلاّ الفَضِيخ (٢) البُسْر (٣) والتمر، فإذا منادٍ ينادي، فقال لي أبو طلحة، اخرج فانظر، فخرجت فإذا منادٍ ينادي: ألا إنّ الخمر قد حُرِّمَت. قال: فَجَرَتْ في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهْرِقْهَا فخرجت فَأَهَرَقْتُها. وفي «صحيح مسلم» عن عبد الرَّحْمن بن وَعْلَة (٤) قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر فقال: كان لرسول الله ﷺ صديقٌ من ثقيفٍ أو من دَوْسٍ فَلَقِيَهُ يوم الفتح براوية (٥) خمر يهديها إليه، فقال رسول الله ﷺ : «يا فلان، أما علمتَ أنّ الله حرَّمها»؟ فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها. فقال (له رسول الله ﷺ (٦): «يا فلان، بماذا أمرتَه»؟ قال: أمرته أن يبيعها. فقال: «إنّ الَّذي حرَّم شربها حرَّم بيعها». فأمر بها فأُهْرِقَتْ (٧) في البطحاء. (وَهِيَ): أي الخمرُ هو (النِّيء) (٨) بكسر النون في أوله وبهمزة في آخره وقد

стр. 1351

مَنْ مَاء عِنَبٍ غَلا وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بالزَّبَدِ، وَإنْ قَلَّتْ، كالطِّلاءِ، وَهُوَ: ماءُ عِنَبٍ طُبِخَ فَذَهَبَ أَقَل مِنْ ثُلُثَيْهِ، وغَلِظَا نَجَاسَةً. === يُدْغَم (مَنْ مَاء عِنَبٍ غَلَا وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بالزَّبَدِ، وَإِنْ قَلَّتْ) الخمر وإن كانت قطرة. فإنّ حُرْمَتَها غير معللة بالسُّكْر ولا موقوفة عليه. وبعض المعتزلة أنكر حرمة عينها، وزعم أن السُّكْر حرامٌ إذ به يحصل وقوع العداوة والبغضاء والصدّ عن ذكر الله. وذلك باطلٌ مخالفٌ للكتاب والسنّة وإجماع الأمة، فكان كفراً منهم. وهذا لأنّ الله تعالى سمّاها رجساً، وهو اسم للحرام النجس عيناً بلا شبهة. ولم يَشترط أبو يوسف ومحمد القذفَ بالزَّبد، وهو قول مالك والشَّافعيّ وهو الأظهر، لأنّ اللذّة المطربة والقوة المسكرة تحصل بالاشتداد، وهو المؤثِّر في إيقاع العداوة والصدّ عن ذكر الله. والقذف بالزَّبد صفاءٌ لا تأثير له في السُّكْر. ولأبي حنيفة: أنّ الغليان بداية الشِّدَّة وقذف الزَّبد كمالها، إذ به يتميّز الصافي عن الكدِر. وأحكام الخمر قطعيّةٌ كالحدِّ وإكفارِ المستحلّ وحرمةِ البيع، فيناط بالكمال. وقيل: يؤخذ في حرمة الشرب بمجرد الاشتداد احتياطاً، فينبغي أن يؤخذ في الحد والتكفير بقذف الزَّبد احتياطاً. (كالطِّلَاءِ) أي كما حَرُمَ الطِّلاء (وَهُوَ) بكسر الأول (مَاءُ عِنَبٍ طُبِخَ فَذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ) كذا في «الهداية». وفي «المحيط»: الطلاء: اسم للمُثَلَّث وهو ماء عنب طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وصار مسكراً. وفي «الصحاح» مثل (ما في) (١) «المحيط» لكن من غير ذكر الإسكار. ويدخل في تفسير المُصنِّف (المُنَصَّفُ) (٢) وهو ما طبخ من ماء العنب حتى ذهب نصفه إلا أن يقال: مراد المصنِّف: ما ذهب أقلّ من ثلثيه وأكثر من نصفه فلا يدخل. لكن المراد لا يَدفع الإيراد. ثم كل ذلك عندنا حرامٌ إذا غلا واشتدّ وقذف بالزَّبد، وإن لم يقذف فهو على الخلاف لأنه رقيق مُلِذٌّ مُطْرِب يدعو قليله إلى كثيره، فيحرم شربه دفعاً للفساد المتعلّق به كالخمر. وأمّا البَاذِق فاسم لذاهبِ ما دون النصف، فأظهر الروايتين عن أبي حنيفة أنّه بمنزلة المُنَصَّف في حكم البيع والحد، وعنه في رواية أخرى أنه أَلحق ذلك بالخمر في أنه لا يجوز بيعه كذا في «المبسوط». (وغَلِظَا) أي الخمر والطِّلاء (نَجَاسَةً) أي من جهة النجاسة.

стр. 1352

وَحَرُمَ نَقِيعُ التَّمْرِ أي السَّكَرُ، وَنَقِيعُ الزّبيبِ نِيئَيْنِ، إِذا غَلا وَاشْتَدَّ. وَحُرْمَةُ الخَمْر أَقْوَى، فَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا فَقَطْ. وَحَلّ المُثَلَّثُ العِنَبِيّ مُشْتَدًّا، === (وَحَرُمَ نَقِيعُ التَّمْرِ أي السَّكَرُ) بفتحتين (وَنَقِيعُ الزّبِيبِ نِيئَيْنِ) تثنية النِّيء. (إِذا غَلَا) كلّ واحدٍ منهما (وَاشْتَدَّ). وعند أبي حنيفة: وإذا قذف بالزَّبد. وقال شَريك بن عبد الله: السَّكَر حلالٌ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ (١) ذكره في موضع المِنَّة وهي لا تتحقّق بالمُحَرَّم، فأوجب إباحته. ولنا: إجماع الصحابة على حرمة ذلك، وقد قال النبيّ ﷺ : «الخمر من هاتين الشجرتين» (٢) . والنص محمولٌ على ما قبل التحريم فيكون منسوخاً، وهو مذهب الشَّعبيّ والنَّخَعِيّ. وفي «مصنف ابن أبي شَيْبَة» عن إبراهيم قال: قال عبد الله: السَّكَرُ خَمْرٌ. وفيه عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عمر أنه سُئِلَ عن السَّكَر فقال: الخمر. وقيل: السَّكَرُ: نبيذٌ، وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طُبِخَ حتّى ذهب ثلثاه، ثم تُرِكَ حتّى اشتدّ. وهو حلالٌ عند أبي حنيفة إلى حدّ السُّكْر، ويحتج بهذه الآية، ويحمل السَّكَر المذكور في الآية على هذا. وعن الشيخ أبي مَنْصُور المَاتُرِيدِي: معناه: تتخذون من الحلال الخالص ما هو حرامٌ كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلَالاً﴾ (٣) . وأمّا نقيع الزبيب فحرامٌ عندنا خلافاً للأَوْزاعَي. (وَحُرْمَةُ الخَمْر أَقْوَى) لأنّها قطعيّة (فَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا فَقَطْ) أي ولا يكفر مستحلّ واحدٍ من الثلاثة الأُخر، لأنّ حرمتها اجتهادية، ويُحَدّ شاربها ولو قطرة، ولا يحدّ شارب واحد من الثلاثة الأخر حتى يَسْكر. (وَحَلّ المُثَلَّثُ العِنَبِيّ) وهو ما طُبخَ من ماء العنب حتّى ذهب ثلثاه. (مُشْتَدّاً) لأنه لغلظه لا يحصل بشرب قليله الفساد، ولا يدعو قليله إلى كثيره بخلاف الخمر. قال البخاري: ورأى عمر وأبو عُبَيْدَة ومُعَاذ شرب الطِّلاء على الثلث. وروى النَّسائي شربه عن أبي موسى. وقال أبو داود: وسألت أحمد عن شرب الطِّلاء إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه فقال: لا بأس به. قلت: إنهم يقولون: إنه يُسْكِر قال: لو كان يسكر لما أحلّه عمر.

стр. 1353

وَنَبِيذُ التَّمْرِ والزبيبِ مَطْبُوخًا أَدْنَى طَبخَةٍ، وَإنْ اشْتَدَّ. إذَا شَرِبَ مَا لَمْ يُسْكِرْ بِلا نِيَّةِ لَهْوٍ وَطَرَبٍ، === وفي «المبسوط» عن داود بن (أبي هند) (١) قال: قلت لسعيد بن المُسَيَّب: الطِّلاء الذي كان يأمر عمر باتخاذه الناسَ ويسقيهم منه كيف كان؟ قال: يُطبخ العصير حتّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. وقال الأوْزَاعِيّ: المُنَصَّفُ والبَاذِق مباحٌ، وهو قول بعض أصحاب الظواهر وبعض المعتزلة. (وَ) حلّ (نَبِيذُ التَّمْرِ والزَّبيبِ مَطْبُوخاً أَدْنَى طَبْخَةٍ) بأن طُبِخَ حتّى نَضِجَ (وَإِنْ اشْتَدَّ، إذَا شَرِبَ مَا لَمْ يُسْكِرْ بِلَا نِيَّةِ لَهْوٍ وَطَرَبٍ) بل بنية تقوِّي، لما روينا أن رجلاً شرب نبيذاً من قِرْبَة (٢) عمر (٣) فسكر، فضربه الحد، فقال: إنما شربت من قِرْبَتك فقال له عمر: إنما جلدناك لسكرك. وأنّ رجلاً شرب من إداوة (٤) عليّ نبيذاً بصِفِّين فسكر، فضربه الحد ثمانين. ولما في «آثار محمد بن الحسن»: أخبرنا أبو حنيفة، عن سليمان الشَّيْبَانيّ (٥) ، عن ابن زياد أنّه أفطر عند عبد الله بن عمر، فسقاه شراباً فكأنّه أخذ منه، فلمّا أصبح غدا إليه فقال: ما هذا الشراب؟ ما كدت أهتدي إلى منزلي. فقال ابن عمر: ما زدناك على عجوة وزبيب. ولقول عليّ ﵁: طاف النبيّ ﷺ بين الصفا والمروة أسبوعاً، ثم استند إلى حائطٍ من حيطان مكة، فقال: «هل من شربة»؟ فأُتِيَ بقَعْبٍ (٦) من نبيذٍ، فذاقهُ فقطَّبَ (٧) وردَّه إليه. فقام رجل من آل حاطب فقال: يا رسول الله، هذا شراب أهل مكة، قال: فصَبَّ عليه الماء ثم شرب ثم قال: «حُرّمت الخمر بعينها (٨) والسَّكَر (٩) من كلَ». رواه العُقَيْلي عن محمد بن الفُرات، وأعلّه به. ورواه أيضاً عن عبد الرحمن بن بِشْر الغَطَفَاني عن عليّ قال: سألت رسول الله ﷺ عن الأشربة عام

стр. 1354

والخليطان، === حجة الوداع فقال: «حرَّم الله الخمر بعينها والسَّكَر من كلّ شراب». ثم قال: وعبد الرحمن هذا مجهولٌ في الرواية والنسب وإنّما يروي عن ابن عباس من قوله. ورواه النَّسائي موقوفاً عليه من طرق. (وَ) حلّ (الخَلِيطَانِ) وهو أن يُجْمَعَ التمر والزبيب، أو الرطب والبُسْر ويُطْبَخَ أدنى طبخة ويترك إلى أن يغلي ويشتدّ. فإن قيل: أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الزبيب والتمر، والبُسْر والتمر، وقال: «نبيذ كل واحد منهما على حِدَتِه». أُجِيبَ: بأنّه محمولٌ على شدّة العيش توسعة على النَّاس. روى هذا محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم قال: لا بأس بنبيذ خليط التمر والزبيب، وإنّما كره لشدّة العيش في الزمن (١) الأول، كما كُرِهَ السَّمن واللحم، وكما كره الإِقران (٢) . وأمّا إذا وسّع الله على المسلمين فلا بأس به. وحرَّمه مالك والشافعيّ لما قدمنا، ولما في الكتب الستة عن جابر عن النبي ﷺ أنّه نهى أن يُنْبَذَ الزبيب والتمر جميعاً، ونهى أن يُنْبَذَ البُسْر والرُّطَب جميعاً. وفيها أيضاً سوى الترمذي عن عبد الله بن أبي قَتَادَة، عن أبيه أن النبيّ ﷺ نهى عن خليط الزَّبيب والتمر، وعن خليط البُسْر والتمر، وعن خليط الزَّهو (٣) والتمر، وقال: «انتبذوا كلّ واحدٍ على حِدّةٍ». وعن مسلم عن (أبي سعيد) (٤) الخُدْرِيّ قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نخلط بُسْراً بتمرٍ، أو زبيباً بتمرٍ، أو زبيباً ببُسْرٍ وقال: «مَنْ شَربَ منكم النبيذ، فليشربه زبيباً فرداً، أو تمراً فرداً، أو بسراً فرداً». ولنا ما قدمنا، (وما) (٥) في «كامل» ابن عَدِيّ عن أمّ سُلَيْم وأبي طَلْحَة أنهما كانا يشربان (٦) نبيذ الزبيب والبسر يخلطانه، فقيل له: يا أبا طلحة، إنّ رسول الله ﷺ نهى عن هذا قال: إنّما نهى عن العَوَز في ذلك الزّمان كما نهى عن الإقران. وفي

стр. 1355

وَنَبِيذُ العَسَلِ، والتِّيِن، وَالبُرِّ، والشَعِيرِ، والذُّرَةِ، وَإنْ لَمْ يُطْبَخْ، بِلا نِيَّةِ لَهْو وَطَرَبٍ. === «سنن أبي داود» عن صَفِيَّة بنت عَطيّة قالت: دخلت مع نسوة من عبد القيس على عائشة فسألناها عن التمر والزبيب. فقالت: كنت آخذ قبضة من (تمرٍ وقبضته من) (١) زبيب، فأُلقيه في إناء فأمرُسُهُ، ثم أسقيه النبيّ ﷺ . (و) (حلّ) (٢) (نَبِيذُ العَسَلِ والتِّينِ وَالبُرِّ والشَعِيرِ والذُّرَةِ) وسائر الحبوب (وَإِنْ لَمْ يُطْبَخْ بِلَا نِيَّةِ لَهْوٍ وَطَرَبٍ) بل للتقوي لِمَا روى مسلم وغيره أنّ النبيّ ﷺ قال: «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنب» وفي لفظٍ (لمسلمٍ) (٣) : «الكرمة والنخلة». والمراد بيان الحكم، لأنّ الخمر حقيقةٌ في ماء العنب. ولم يُشترط في نبيذ العسل وما عُطِف عليه الطبخُ، لأنّ قليله لا يدعو إلى كثيره. ثم حلّ ذلك (في) قول أبي حنيفة وأبي يوسف، فلا يحدّ شاربه وإن سكر منه ولا يقع طلاقه كالنائم وذاهب العقل بالبِنج وبلبن الرِّمَاك، وهو بكسر، جمع رمكة وهي الفرس الأنثى. وقال محمد، وهو قول مالك والشافعي: كل ما أسكر كثيره حَرُم قليله من أي نوعٍ كان. ويحدّ السكران منه ويقع طلاقه، كما في سائر الأشربة المحرّمة. والفتوى في زماننا على قول محمد حتى يحدّ مَنْ سَكِرَ من الأنبذة المتّخذة من الحبوب والعسل والتين واللبن، لأنّ الفُسَّاق يجتمعون عليها ويقصدون اللهو بشربها والسكر بها، ولِمَا في «صحيح مسلم» من قوله ﵊: «كل مسكرٍ خمرٌ، وكل مسكرٍ حرامٌ». وفيه وفي «مسند أحمد» و «صحيح ابن حِبّان»: «كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكل خمرٍ حرامٌ». ولِمَا في مسلم عن جابر: أنّ رجلاً قَدِمَ من اليمن فسأل النّبيّ ﵊ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذُّرة يقال له: المِزْر فقال النبيّ ﷺ : «أوَ مُسْكِرٌ هو»؟ قال: نعم. قال (رسول الله ﷺ (٤) : «كل مسكر حرامٌ، إنَّ على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينه الخبال (٥) ». وفي «الصحيحين» عن عائشة

стр. 1356

وَخَلُّ الخَمْر وَلَوْ بِعِلاجٍ، === قالت: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن البِتْع ـ وهو نبيد العسل ـ فقال: «كل شراب أسكر فهو حرامٌ». وفي «سنن أبي داود» و «ابن ماجه» و «الترمذي» عن النعْمَان بن بَشَير قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من الحِنْطَة خمراً، وإن من الشعير خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن العسل خمراً». وفي «سنن النَّسائي وابن ماجه» من حديث عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده أن النبيّ ﷺ قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». وهكذا رواه الدَّارَقُطْني عن عليّ مرفوعاً. وفي «سنن أبي داود والترمذي» عن عائشة أنها سمعت النبيّ ﷺ يقول: كلُّ مسكرٍ حرامٌ، وما أسكر الفَرَق (١) منه فَمْلءُ الكف منه حرامٌ». وفي لفظ الترمذيّ: «الحَسْوَة (٢) منه حرامٌ». ولَمَّا ذُكِرَ لابن المبارك حديث ابن مسعود ﵁ في كل مسكرٍ، وهي الشربة التي أسكرتك قال: حديثٌ باطلٌ. وفي «المبسوط»: ولأنّ المُثَلَّث بعدما اشتدّ خمرٌ، لأنّ الخمر إنما سُمِّيَ بهذا الاسم لمخامرته العقل، وذلك موجودٌ في سائر الأشربة المسكرة، وقد سمّاه رسول الله ﷺ خمراً. ولو سمّاه أحد من أهل اللغة خمراً لكان يستدلّ بقوله على إثبات هذا الاسم، فإذا سمّاه صاحب الشرع ـ وهو أفصح العرب ـ أولى. وأبو حنيفة وأبو يوسف أوجبا الحد بالسكر من الأشربة المذكورة في الصحيح عنهما، لما روينا عن عمر وعليّ، ولقطع مادة مَفَاسد لازمة للسُّكْر منها. (وَ) حلَّ (خَلُّ الخَمْر وَلَوْ بِعِلَاجٍ) من إلقاء خَلَ أو ملحٍ فيها ليصير خَلاًّ، لإطلاق ما أخرجه الجماعة إلاّ البخاري من حديث جابر قال: قال رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم: «نِعْمَ الإِدَام (٣) الخَلُّ» وقال مالك والشافعي: لا يحلّ تخليل الخمر ولا أكل الحاصل منه لِمَا أخرجه مسلم قال: سُئِلَ النبيّ ﷺ عن الخمر: أتتخذ خَلاًّ؟ قال: «لا». وأخرج أيضاً عن أنس أنّ أبا طلحة سأل النبيّ ﵊ عن أيتام ورثوا خمراً. قال: «أَهْرِقْهَا». قال: أفلا نجعلها خَلاًّ؟ قال: «لا». ولأنّ الصحابة أهرقوها (٤) حين نزلت آية التحريم، ولو جاز التخليل لنبّه ﵊ عليه

стр. 1357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === كما نبّه أهلَ الشاة الميتة على دباغ إهابها. وفي «مسند أحمد» عن ابن عمر قال: أمرني ﷺ أن آتيه بِمُدْيَةٍ (١) ، (قال) (٢) فأتيته بها، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زِقَاق (٣) الخمر، فشقّ ما كان من ذلك الزِّقاق بحضرته، ثم أعطانيها وأمر أصحابه أن يمضوا معي ويعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق كلّها فلا أجد فيها زقّ خمرٍ إلاّ شققته ففعلت، فلم أترك في أسواقها زِقّاً إلا شققته. وأجاب الطَّحاوي بأن ذلك محمولٌ على التغليظ والتشديد بدليل أنه ورد في بعض طرقه الأمر بكسر الدِّنَان (٤) فيما روى الدَّارَقُطْنِيّ والطَّبَرَانيّ (في «معجمه») (٥) . وبدليل ما روى أحمد في «مسنده» عن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ شقّ زِقاق الخمر بيده في أسواق المدينة. وهذا صريحٌ في التغليظ، لأنّ فيه إتلاف مال الغير، إذ قد كان يمكن إراقة الدِّنان والزِّقاق وتطهيرها، ولكن قصد بإتلافها التشديد ليكون أبلغ في الرَّدع. قلت: ويؤيّده ما رواه البيهقي كما تقدّم عن أحمد وفيه: فقال الناس: إنّ في هذه الزِّقاق منفعةٌ يا رسول الله. قال: «أجل، ولكن إنّما أفعل ذلك غضباً لله لِمَا فيه من سخطه». وفي «مسند أبي يَعْلى الموصِلِي» عن جابر بن عبد الله قال: كان رجل يحمل الخمر من خَيْبَر إلى المدينة فيبيعها من المسلمين. فحمل منها بمالٍ فَقَدِمَ فلقيه رجل من المسلمين فقال: إنّ الخمر قد حرّمت فوضعها حيث انتهى على تلٍ، وسجَّاها (٦) بأكسيةٍ، ثم أتى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله بلغني أنّ الخمر قد حرّمت. قال: «أجل». قال: فهل لي أن أردّها على من ابتعتها منه؟ قال: «لا» قال: أفأهديها إلى من يكافئني منها؟ قال: «لا» قال: فإنّ فيها (مالاً) (٧) ليتامى في حِجْري. قال: «إذا أتانا مال البحرين فأتنا نعوِّض أيتامك من مالهم»، ثم نادى بالمدينة، فقال رجلٌ: يا رسول الله الأوعية يُنْتَفع بها. قال: «فحُلُّوا أَوْكِيَتَها» (٨) ، فانصبّت حتى استقرت في بطن الوادي.

стр. 1358

وَالانْتِبَاذُ في الدُّباءِ والحَنْتَمِ. === ومن أدلتنا: ما في «سنن الدَّارَقُطْنِيّ» عن فَرَج بن فُضَالة عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرَة، عن أمّ سَلَمَة أنّها قالت: كان لنا شاة نحتلبها ففقدها (١) النبيّ ﷺ فقال: «ما فعلت شاتكم»؟ قالوا: ماتت. قال: «أفلا انتفعتم بإهابها»؟ فقلنا: إنها ميتة فقال ﷺ : «إن دباغها يَحِلُّ، كما يَحِلُّ خَلُّ الخمر». إلاّ أنّه قال: تفرّد به فَرَج بن فُضَالة (عن يحيى) (٢) وهو ضعيفٌ يروي عن يحيى بن سعيد أحاديث عدة لا يُتابَع عليها. وفي «المعرفة» للبيهقي عن المُغِيرة بن زياد (٣) ، عن أبي الزُّبَيْر عن جابر عن النبيّ ﷺ أنه قال: «خيرُ خَلِّكم خَلُّ خَمْرِكم». ثم قال: تفرّد به المُغِيرَة عن أبي الزُّبَيْر وليس بالقوي. قال: وإن صحّ فهو محمولٌ على ما إذا تخلّل بنفسه وكذا أيضاً حديث فرج بن فُضَالة. قلت: ولا يخفى بُعْد هذا الحمل. وفي «المبسوط»: حجتنا ما رُوِىَ أنّه ﵊ قال: «أيُّما إهاب دُبِغَ فقد طَهُرَ، كالخمر تُخَلَّلُ فتَحِلّ». ولا يقال: قد روي: «كالخمر تخلّل» أي تخلّل فتحلّ»، لأنّ الروايتين كالخبرين فيُعمل بهما. ثم إذا صارت خلاًّ يطهر ما يوازيها من الإناء، وأمّا أعلاه وهو الذي انتقص منه الخمر فقيل: يطهر تبعاً. وقيل: لا يطهر لأنّه تنجس بإصابة الخمر، ولم يوجد ما يوجب طهارته فبقي نجساً. ولا تَحِلُّ هذه الأشربة الأربعة بالطبخ بعد اشتدادها، لأنه لاقىَ عيناً حراماً فلا يفيد الحلّ فيه كطبخ لحم الخنزير، وهذا لأنه ليس للنار (٤) تأثيرٌ في إثبات الحلّ ولها تأثير في ثبوت صفة الحرمة فيه. ثم بيع غير الخمر من هذه الأشربة جائزٌ عند أبي حنيفة ومضمونة بالإتلاف، لأنها شرابٌ مختلفٌ في إباحة شربها بين العلماء، فيجوز كالمُثَلَّثِ، وهذا لأنه ليس من ضرورة حرمة التناول حرمة البيع، وقالا: لا يجوز بيعها كمالك والشافعيّ، وهو الأظهر لأنّ عينها محرّم التناول فلا يجوز بيعها كالخمر. (وَ) حَلَّ (الانْتِبَاذُ في الدُّبَّاءِ) وهو القَرْع (والحَنْتَمِ) وهو الجَرّة الخضراء، والمَزَفَّتِ، وهو الظرف (٥) المَطْلِيّ بالزفت، وكذا النَّقِير وهو المنقور (من الخشب) (٦)

стр. 1359

وَحَرُمَ شُرْبُ دُرْدِيّ الخَمرِ، والامْتِشَاطُ بِهِ. === لما روى الجماعة من حديث بُرَيْدَةَ (أنّ النبيّ ﷺ قال) (١) : «إنّي نهيتكم عن الظروف فإنّ ظرفاً لا يُحِلُّ شيئاً ولا يُحَرّمه، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ». وفي رواية: «كنت نهيتكم عن الأشربة إلاّ في ظروف الأَدَم (٢) ، فاشربوا في كلّ وعاءٍ غير أن لا تشربوا مسكراً». وفي لفظ لمسلم: «كنت نهيتكم عن الظُّروف، والظُّروف لا تُحِلُّ شيئاً ولا تحرّمه، وكلّ مسكر حرام». وفي «سنن أبي داود» عن بُرَيْدَة قال: قال رسول الله ﷺ : «نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهنّ: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن زيارتها تَذْكِرَة، ونهيتكم عن الأشربة أن تشربوا إلاّ في ظروف الأَدَم، فاشربوا في كلّ وعاء غير أن لا تشربوا مسكراً، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تأكلوها بعد ثلاث، فكلوا واستمتعوا بها في أسفاركم». (وَحَرُمَ شُرْبُ دُرْدِيّ (٣) الخَمرِ) لأنّ فيه أجزاء الخمر فكان حراماً ونجساً (والامْتِشَاطُ بِهِ) لأنّه انتفاع به، والانتفاع بالنجس حرامٌ. ولا يُحَدُّ شاربه بلا سكر، لأنّ وجوب الحدّ للزجر، والزاجر إنما يُشْرَعُ فيما تميل الطباع إليه، ولا تميل الطباع إلى شِرْب الدُّرْدِيّ، بل تعافه وتنفر عنه، فأشبه غير الخمر من الأشربة التي لا حدّ فيها إلاّ بالسُّكْر، ويكره الاحتقان بالخمر وإقطارها في الإحليل (٤) لأنه انتفاع بالنجس المُحَرَّم. والله أعلم.

стр. 1360

كِتَابُ الذَّبائِحِ حَرُمَ ذَبِيحَةٌ لَم تُذَكَّ. وذَكَاةُ الضَّرُورة: جَرْحٌ أَيْنَ كَانَ مِنَ البَدَنِ، وَالاخْتِيَارِ: ذَبْحٌ بَين الحَلْقِ واللَّبَّة. وَعُرُوقُهُ: الحُلْقومُ، والمَرِيءُ، والوَدَجَان. === كتاب الذَّبَائِحِ (حَرُمَ ذِبِيحَةٌ لَم تُذَكَّ) لقوله تعالى: ﴿حُرِّمْتُ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخَنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمَنْخَنِقَةُ (١) وَالمَوْقُوذَةُ (٢) والمُتَرَدِّيَة (٣) والنَّطِيحَةُ (٤) وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٥) أي أدركتم ذبحها. والمراد بالذبيحة: ما من شأنها أن تُذْبَح، ليتناول حرمة ما ليس بمذبوح، كالمُتَرَدِّية والنَّطيحة ونحوهما، وحرمة عضوٍ قُطِعَ من الحيوان، وليخرج السمك والجراد. وذَكَاةُ الضَّرُورَةِ: (جَرْحٌ أَيْنَ كَانَ مِنَ البَدَنِ وَ) ذكاة (الاخْتِيَارِ ذَبْحٌ بَيْنَ الحَلْقِ واللَّبَّةِ) أي الصدر لما رُوي أنّه ﵊ بعث منادياً ينادي في مجامع مِنَى: أَلا إنّ الذَّكاة في الحلق. رواه الدَّارَقُطْنِيّ. (وَعُرُوقُهُ) أي عروق الذبح (الحُلْقُومُ) وهو مجرى النَّفَس، سواء كان الذبح في وسطه أو في أعلاه أو في أسفله بعد أن يكون فيه، حتى لو ذبح أعلى من الحلقوم أو أسفل منه يَحْرُم، لأنّه ذبح في غير المذبح، ذكره في «الواقعات»، وفي بعض الفتاوى ما يخالف ذلك وهو أنّه سُئِلَ عن ذبح شاة فبقيت عقدة الحلقوم فقال: يجوز أكلها سواء بقيت العقدة ممّا يلي الرأس أو ممّا يلي الصدر. (والمَرِيءُ) بفتح الميم وكسر الرَّاء وهو مجرى الطَّعام والشراب، وهو رأس المَعِدَة والكَرِش اللازم بالحلقوم: (والوَدَجَان) وهما مجرى الدّم. وفي «الهداية» الحلقوم. مجرى العَلَف: والمريء: مجرى النفس، وهذا موافق لما في «مبسوط»

стр. 1361

وَحَلَّ بِقَطْعِ أيّ ثَلاث مِنْهَا، فَلَمْ يَجُزْ فَوْقَ العُقْدَة، === شيخ الإسلام خَوَاهِرْ زَادَه وهو: المريء: عرق أحمر هو مجرى النَّفس. ولِمَا في «الكشاف»: الحلقوم: مدخل الطّعام والشراب، والأول أصحّ وقد ذكره القُدُّوري في «شرح مختصر الكَرْخِيّ»، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُوم﴾ (١) ولِمَا في ديوان الأدب وهو: المريء: الذي يدخل فيه الطعام والشراب، ونحوه في «المُغْرِب»، وإنّما كانت عروق الذَّبح هذه الأربعة لأنّ قطع الوَدَجَيْنِ لإنهار الدّم والحلقوم والمريء للتعجيل عليه. (وَحَلَّ) الذَّبح (بِقَطْعِ أيّ ثَلَاثٍ مِنْهَا) عِنْدَ أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف أولاً، ثم رجع إلى أنه لا بدّ من قطع الحلقوم والمريء وأحد الوَدَجين. وعن محمد: أنّه لا بدّ من قطع أكثر كلّ واحد من الأربعة، وهو رواية عن أبي حنيفة، لأنّ كلّ فرد منها أصل بنفسه لانفصاله عن غيره، وقد ورد الأمر بقطعه، ولأبي يوسف: أنّ المقصود من قطع الوَدَجين إنهار الدّم فينوب أحدهما عن الآخر. ولأبي حنيفة: أنّ الأكثر يقام مقام الكلّ في كثير من الأحكام، ويحصل بأيّ ثلاث منها إنهار الدّم كذا ذكروه، وفيه أنّ أكثر الشيء يقوم مقام كله لا أكثر الأشياء، وبهذا يتبيّن أنّ الأظهر قول محمد. ثم المعتمد أن الذَّبح الاختياري يتعيّن بين الحلقوم واللَّبَّة وهي المَنْحَر تحت العقدة على ما صرّح به في ذبائح «الذخيرة»: أنّ الذَّبح إذا وقع أعلى من الحلقوم لا يحلّ، وكذا في فتاوى أهل سَمَرقَنْد لأنه ذبح في غير المذبح. والأصل في ذلك قول عمر وابن عباس: الذكاة في الحلق واللَّبَّة. رواه عبد الرَّزاق في «مصنفه». وفي «سنن الدَّارَقُطْنِيّ» عن سعيد بن سلام العَطَّار: حدّثنا عبد الله بن بُدَيْل الخُزَاعي عن الزُهْرِي، عن سعيد بن المُسَيَّب، عن أبي هُرَيْرَة قال: بعث رسول الله ﷺ بُدَيْل بن وَرْقَاء (الخُزَاعِيّ) (٢) على جملٍ أورق (٣) يصيح في فجاج منى: ألا إنّ الذكاة في الحلق واللَّبَّة. ثم قال: وسعيد بن سلاَّم يحدّث بالبواطل متروك. وقال في «التنقيح»: هذا إسناد ضعيف بالمرّة، وسعيد بن سلام أجمع الأئمة على ترك الاحتجاج به، وكذَّبه ابن نُمَيْرٍ، وقال البخاري: يذكر بوضع الحديث. إذا عرفت هذا (فَلَمْ يَجُزْ) الذَّبح (فَوْقَ العُقْدَة) أي عقدة الحلقوم بأن يكون

стр. 1362

وَقِيلَ: يَجُوزُ. وَحَلّ بِكُلِّ مَا فِيهِ حِدَّةٌ إلَّا سِنًّا وَظُفْرًا قَائِمَتَيْنِ. === الذبح بينهما وبين الرأس (بل لا بدّ أن يكون) (١) تحت العقدة بأن يكون الذَّبح بينهما وبين اللَّبَّة، لأنّه لم يحصل حينئذٍ قطع واحدٍ من الحلقوم والمريء. والأصحاب وإن اشترطوا قطع الأكثر فلا بدّ عندهم من قطع الحلقوم أو المريء. وقال مالك: لا بدّ من قطع الأربع. (وَقِيلَ: يَجُوزُ) سواء بقيت (العقدة) (٢) مما يلي الرأس أو مما يلي الصدر. شرط في الذبح أن يكون حلالاً خارج الحرم في حق الصيد. (وَحَلّ) الذَّبح (بِكُلِّ مَا فِيهِ حِدَّةٌ) ولو كان لِيطَةً بكسر اللام: وهي قشر القصب، أو مَرْوَةً وهي الحجر الحادّ لِمَا في «سنن أبي داود والنَّسائي» عن عَدِيّ بن حاتم، قلت: يا رسول الله، أرأيت أحدنا يصيب صيداً وليس معه سكّين، أيذبح بالمَرْوَة وشِقَّة العصا؟ قال «امْرِ الدَّم بما شئت، واذكر اسم الله». وفي رواية لمسلم: «أفْرِ (٣) الأوداج بما شئت، واذكر اسم الله عليه». وفي «مصنف (ابن) (٤) أبي شَيْبَة» عن رافع بن خَدِيْج قال: سألت رسول الله ﷺ عن الذَّبح باللِّيطَة قال: «كل ما أفْرَى الأوداج إلاّ سنّاً وظُفْراً». وهذا معنى قوله: (إلاَّ سنّاً وَظُفْراً قَائِمَتَيْنِ) وقال الشَّافعيّ: لا يجوز بهما الذَّبح سواء كانتا قائمتين أو غير قَائمتين لِمَا رواه الستة عن عَبَايَة بن رِفَاعَةَ بن رَافع بن خَدِيج (٥) عن جدّه، أنّه قيل: يا رسول الله إنا نكون في المغازي وليس معنا مُدَى أفنذبح بالقصب؟ قال: «ما أنهر الدَّم وذُكِر اسم الله عليه فَكلْ، ليس الظَّفْر والسِّن، أمّا الظُّفْر فمُدَى الحبشة، وأمّا السِّنْ: فعظم». أخرجوه مختصراً ومطولاً وفي رواية: «فكلوا ما لم يكن سنّاً أو ظفراً وسأحدثكم عن ذلك، أمّا السِّن فعظمٌ، وأمَّا الظُّفْر فمُدَى الحبشة».

стр. 1363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال ابن القطَّان في كتابه: هذا حديث برواية مسلم من حديث سفيان الثَّوري عن رافع بن خَدِيج قال: كنا … الحديث. وقال: والشك في قوله أمّا السِّن: هل هو من كلام النبيّ ﷺ أو لا؟ فقد رواه أبو داود عن أبي الأحوص عن سعيد بن مَسْرُوق، ـ (والد سفيان) (١) ـ عن عَبَاية بن رِفَاعة (٢) بن رافع عن أبيه عن جده رافع بن خَدِيج قال: أتيت النَّبيّ ﷺ فقلت له: يا رسول الله إنّا نلقى العدو غداً وليس عندنا مُدَىً أفنذبح بالمَرْوَةِ وشقة العصا؟ فقال ﵊: «ما أنهر الدَّم وذُكِر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنّاً أَوْ ظُفْراً». قال رافعٌ: سأحدثكم عن ذلك: أمّا السِّن فعظمٌ، وأمّا الظُّفْر فمُدَى الحبشة. قال: فهذا كما ترى فيه بيان قوله (أمّا السن من كلام رافع وليس في حديث مسلم نصّ أن قوله) (٣) : «أمّا السّن» من كلام النبيّ ﷺ فبيّنه أبو الأحوص من قول رافع لأنه محتمل فيه. قال: وليس لأحدٍ أن يقول: أخطأ أبو الأحوص إلاّ كان لآخر أن يقول: أخطأ مخالفه لأنّه ثقة، كذا في التخريج باختصار. والحاصل أنه ﵊ لم يفصل بين القائم وغيره فدل على عدم جواز الذبح بهما مطلقاً. ولنا ما أخرج البخاري أيضاً عن كعب بن مالك أن جاريةً لهم كانت ترعى بِسَلْعٍ (٤) فأبصرت بشاةٍ من غنمها موتاً، فكسرت حجراً فذبحتها. فقال لأهله: لا تأكلوا حتى آتيَ النبيَّ ﷺ فأسأله، أو حتّى أُرسل إليه (من يسأله) (٥) ، فأتى النبيّ ﷺ ، أو بعث إليه، فأمر النبيُ ﷺ بأكلها. وإذا صلح الحجر آلة للذَّبح لمعنى الجرح، فكذا الظُّفر والسِّن المنزوعان

стр. 1364

وَكُرِهَ النَّخْعُ وَالسَّلْخُ قَبْلَ أن تَبْرُدَ، وَكُلُّ تَعْذِيبٍ بِلا فَائِدَةٍ. === بخلاف غير المنزوع، فإنه يوجب الموت بالثقل مع الحدة، فتصير الذبيحة في معنى المُنْخَنِقَة. نعم، يكره الذبح بالمنزوع لِمَا فيه من زيادة الضّرر بالحيوان كما لو ذبح بشفرة كليلة. وحديث عَبَايَة (١) يُحْمَل على القائمتين توفيقاً بين الأحاديث، ولأنّ الحبشة يحدّدون أسنانهم، ولا يقلِّمون أظفارهم، ويقاتلون بالخدش والعضّ. (وَكُرِهَ النَّخْعُ) وهو بنون ومعجمة فمهملة أن يبلغ بالسكين النُّخاع وهو بضم النون والكسر والفتح: عِرْقٌ أبيض في جوف عظم الرقبة (يمتدّ إلى الصلب) (٢) لما أخرجه الطَّبَرَانِيّ والبَيْهَقِيّ عن ابن عباس أنّ النبيّ ﷺ نهى عن الذبيحة أن تُفْرَسَ قبل أن تموت، وفي غريب الحديث: الفَرْس: أن تذبح الشاة فتنخع. وقيل: معنى النَّخْع: أن يمدَّ رأسه حتى يظهر مذبحه. وقيل: أن يكسر عنقه قبل أن يسكن اضطرابه، وكل ذلك مكروهٌ لِمَا فيه من زيادة تعذيب الحيوان وقد نُهِينَا عنه. (وَ) كره (السَّلْخُ قَبْلَ أن تَبْرُدَ وَكُلُّ تَعْذِيبٍ بِلا فَائِدَةٍ) كقطع الرأس وجرّ ما يريد ذبحه إلى المذبح. ثم الكراهة في هذه لمعنى زيادة الألم قبل الذبح أو بعده فلا يوجب التحريم، بل يوجب التّنزيه لما أخرجه الجماعة عن شدّاد بن أوْس أنّ النبيّ ﷺ قال: «إنّ الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبِحَة، وليحدّ أحدكم شَفْرتَهَ وليُرِحْ ذبيحته». و «على» في الحديث بمعنى اللام وعلى مقدّرة فيه أي: كتب عليكم بمعنى أوجب. وأخرج الحاكم في «المُسْتَدْرَك» وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين عن ابن عبّاس أنّ رجلاً أضْجعَ شاتاً يريد أن يذبحها وهو يحدّ شفرته فقال (له) (٣) النبيّ ﷺ : «أتريد أن تميتها موتتين؟ هلا حَدَدْتَ شفرتك قبل أن تُضْجِعَهَا». والشفرة هي: السكين العظيم. وفي «سنن ابن ماجه» عن ابن عمر، قال: إنّ رسول الله ﷺ أمر أن تحدّ الشِفَار وأنْ توارى عن البهائم. وقال: «إذا ذبح أحدكم فليجهز» أي ليسرع.

стр. 1365

[شرُوطُ الذَّابِحِ] وَشُرِطَ كَوْنُ الذَّابِحِ: مُسْلِمًا، أوْ كِتَابِيًّا، أَوَ امْرَأةً، أو مَجْنُونًا، أوْ صَبِيًّا يَعْقِلُ، أَوْ أَقْلَفَ، أَوْ أَخْرَسَ، لا مَنْ لا كتابَ لَهُ، وَلا مُرتَدًّا، === (شُرُوطُ الذَّابِحِ) (وَشُرِطَ كَوْنُ الذَّابِحِ مُسْلِماً) لقوله تعالى: ﴿إلاّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (١) (أوْ كِتَابِيّاً) ولو كان الكتابيّ حربياً لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أوتُوا الكِتَاب حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) والمراد مذكّاهم لإطلاق قوله تعالى: ﴿إلاّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ لأنّ مطلق الطعام غير المذكّى يَحِلّ من أي كافرٍ كان بالإجماع، ويشترط أن لا يذكر الكتابي عند الذبح غير الله، حتى لو ذكر المسيح أو عُزَيْراً لا تحلّ ذبيحته. (أَوَ) ولو كان الذابح (امْرَأةً) لِمَا تقدّم، (أو مَجْنُوناً) إذ لا يشترط التكليف بغير الإسلام في حقّه (أوْ صَبيَّاً يَعْقِلُ) كما في سائر أفعاله من الصلاة والصوم ونحوهما من العبادات والمعاملات، ويضبط الذّبيحة والتسمية. (أَوْ أَقْلَفَ (٣) أَوْ أَخْرَسَ) وَلَوْ كِتَابياً لإطلاق ما تلونا من قوله إلاّ ما ذكيتم أيّها المؤمنون، ولأن عذر المجنون والأخرس أبين من عذر الناسي، فأقيمت الملّة مقام التسمية في حقّ الناسي، ففي حقّ المجنون والأخرس أولى. (لَا مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ) أي وشُرِطَ أن لا يكون الذابح غير كتابي مجوسيّاً أو وَثنياً، أمّا المجوسيّ فلما أخرجه عبد الرزَّاق وابن أبي شَيْبَة في «مصنفيهما» عن عليّ أن النّبيّ ﷺ كتب إلى مجوس هَجَر يعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم قُبِلَ منه، ومن لم يُسْلِم ضَرَبَ عليه الجزية، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم. (ولأنّه لا يدّعي التوحيد فانعدمت منه الملّة اعتقاداً، كما في المسلم، ودعوى، كما في الكتابي) (٤) . وأمّا الوثني فلأنه مثل المجوسيّ في عدم دعوى التوحيد. (وَلَا مُرْتَدّاً) لأنه لا ملة له إذ لا يُقَرُّ على ما انتقل إليه، ولهذا لا يجوز نكاحه بخلاف اليهوديّ إذا تنصّر، والنَّصرانيّ إذا تهوّد، والمجوسيّ إذا تنصّر أو تهوّد، فإنه

стр. 1366

وَتَارِكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا. === يُقَرُّ على ما انتقل إليه عندنا، فيعتبر ما هو عليه عند الذبح ولو تَمجَّس اليهودي أو النّصرانيّ لا تحلّ ذكاته لأنه لا يقرّ على ذلك. ويشترط بالتسمية في ذكاة الاختيار أن يقصد أنها للذَّبيحة. ولو سمّى ولم تحضره النية حلّت، لأنه أتى بالتسمية، وظاهر حاله أنها للذبيحة فتقع عنها، ولو سمّى لابتداء الفعل كسائر الأفعال لا تحلّ الذبيحة. ويشترط أن يسمّي حالة الذبح لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ (١) وهذه الحالة حالة النحر وحالة الذبح أختها، فيكون مثل هذا الحكم لها. وأن يذبح عقيب التسمية قبل أن يتبدّل المجلس، فلو سمّى واشتغل بعملٍ آخر من كلامٍ قليلٍ، أو شرب ماءٍ، أو أكل لقمةٍ أو تحديد شفرةٍ ثم ذبح تحلّ الذبيحة، وإن كان بعملٍ كثيرٍ لا تحلّ، لأن في إيقاع الذّبح متّصلاً بالتسمية بحيث لا يتخلّل بينهما شيءٌ حرجاً فأقيم المجلس مقام الاتّصال. ولا تُؤكَل (٢) ذبيحة المُحْرِم الصيدَ، لأن فعله فيه غير مشروع وذبيحته غير الصيد تؤكل، لأن فعله مشروع. وما ذُبح من الصيد في الحَرَم حرامٌ ولو ذبحه حلالٌ، لأنّه منهي عنه فلا يكون مشروعاً، وكذا يَحْرُم لو صِيْد خارج الحَرَم ثم أُدْخِل فيه فذبح خلافاً للشَّافعيّ. (وَ) لا (تَارِكَ التَّسْمِيَةِ عَمْداً) مسلماً كان أو كتابياً؛ (وبه قال مالك) (٣) وقال الشافعيّ ﵀: يحلّ متروك التسمية عمداً لأنها عنده سنة، ولما رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن مروان بن سالم، عن الأوْزَاعِيّ، عن يحيى بن (أبي) (٤) كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: سأَل رجل النبيّ ﷺ : الرجل منا يذبح وينسى أن يسمّي الله؟ فقال النبيّ ﷺ : «اسم الله على كل مسلم». وفي لفظ: «على فم كل مسلم». قلنا: مروان بن سالم ضعيفٌ ضعَّفه الدَّارَقُطْنِيّ وابن القطَّان وابن عدي وأحمد والنَّسائي على ما في «المحيط»، وأمّا ما رواه أبو داود في «المراسيل» عن عبد الله بن داود، عن ثور بن يزيد، عن الصَّلت عن النبيّ ﷺ قال: «ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أولم يذكر». فقد قال ابن القطَّان فيه مع الإرسال: إنّ الصَّلْت السَّدُوسِيّ لا يُعْرَف

стр. 1367

وَإنْ نَسِيَ التَّسمِيَةَ صَحَّ. === له حال ولا يعرف بغير هذا الحديث، ولا روى عنه غير ثَوْر بن يزيد. ولنا: إطلاق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اسْمُ اللَّه عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (١) أي وإن الذي لم يذكر اسم الله عليه حرام، لأنّ الفسق هو الخروج عن الطاعة، وإنّ مطلق النهي يقتضي التَّحريم. وما أخرجه أصحاب الكتب الستة عن عَدِيّ بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إني أُرْسِلُ كلبي وأجد معه كلباً آخرَ لا أدري أيّهما أخذه قال: «لا تأكل فإنك إنّما سمّيت على كلبك ولم تسمّ على الكلب الآخر». ووجه الدّلالة على أنه علّل الحرمة بترك التسمية عمداً. (وَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ صَحَّ) لأنّ النسيان مرفوع الحكم عن الأمة بقوله ﵊: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» (٢) . ولأنّ في اعتباره حرجاً لأن الإنسان كثير النسيان، والحرج مرفوعٌ في الشرع، وفي المسألة خلاف مالك مستدلاًّ بظاهر قوله ﵊ لعديّ: «إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله عليه». وقوله ﵊: (له) (٣) أيضاً: «إذا أرسلت كلبك وسمّيت، فأخذ فقتل، فَكُل» (٤) إذ لا فصل فيه، فيفيد الحرمة بحالة العمد زيادةً على النص، فيجري مجرى النسخ، وقد سبق الجواب عنه. ووقت التسمية في غير الصيد عن الذبح لقوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾ (٥) وهي حالة النحر، وفي الصيد عند الرمي أو إرسال الجارح، لأنَّ التكليف بحيب الوسع. وفي الخلاصة: ولو ذبح ولم يظهر الهاء في باسم الله: غن قصد ذكر اسم الله يحل، [وإن ل يقصد أو قصد ترك الهاء الهاء لا يحل] (٦) . ولو ذبح المنخنقة، أو الموقوذة وهي المصروبة بنحو خسب أو حجر، أو حجر، أو المتردية التي تردت من علة او بئر،

стр. 1368

وَإنْ عَطَفَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ غَيْرَهُ نَحْوُ: باسْمِ اللهِ واسْمِ فلان. وَكُرِهَ إِنْ وَصَلَ وَلَمْ يعْطِفْ نَحْوُ: باسْمِ اللَّهِ اللهمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فلانٍ. === أو النطيحة التي نطحتها أخرى أو التي شق (١) الذئب بطنها وفيها حياة خفيفة حلَّت، ظاهر الرواية، وتحل ذبيحة علم حياتها قبل الذبح وإن لم تتحرك ولم يخرج منها دم لأنَّ سبق الحياة قرينة على أن الموت حصل بالذكاة، وإن لم يعلم بسبق حياتها، فلا بدّ من وجود أحدهما وهو الحركة أو خروج الدّم ليُعلم بقاء الحياة عند الذكاة. وحَرُمَ الدَّم المَسْفُوح لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (٢) وكره أن يأكل من الشاة الحَيَا وهو الرحم والخُصْية، والغُدَّة، والمَثَانة وهي موضع البول والمَرَارَة، وهي التي فيها المِرَّة لما في "سنن البَيْهَقِي" وغيره أنه ﵊ كان يكره من الشاة إذا ذبحت سبعاً: الدَّم، والمرارة، والذكر، والأُنثَيْين، والحَيَا، والغُدَّة والمثانة. (و) حَرُم المذبوح (إنْ عَطَفَ عَلَى اسْمِ اللهِ غَيْرَهُ) موصولاً به على سبيل الشركة (نَخوُ، باسمِ اللهِ واسم فُلان) أو باسم الله وفلان، أو باسم الله وبمحمدٍ، لأنه أهلّ، لغير الله، لأنَّ العطف للتشريك بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا يعتبر بالإعراب، لأنَّ كلام الناس اليوم لا يجري عليه، وفي "النوازل" سُئِلَ أبو نصر عن رجلٍ ذبح شاةً فقال: باسم الله واسم فلان: قال: سمعت محمد بن سلمة قال: سمعت إبراهيم بن يوسف يقول: يصير ميتة. وقال محمد بن نصر (٣) : لا تصير ميتة إذ لو صارت ميتة لصار الرجل كافراً. انتهى. ولا يخفى أنه لا ملازمة، لأن عدم التكفير إنما هو لعدم اعتقاده الشركة، والحكم بالميتة لصورة التشريك، فرجع الحكم في كل منهما إلى الأحوط في بابه. (وَكُرِهَ إِنْ وَصَلَ وَلَمْ يَعْطِفْ نَحْوُ، باسْمِ اللهِ اللهِ تَقَبَّل من فُلَانٍ) لأنَّ الشركة لم توجد، فلم يكن الذبح لغير الله فلا يَحْرُم، ولكن يكره لوجود القرآن في الصورة فَيْنَزَّه لكمال الاحتياط. وفي «النوازل»: ولو قال: باسم الله ومحمد رسول الله بالخفض لا يحل. وقال بعضهم: هذا إذا كان يعرف النحو، والأوجه أن لا يعتبر الإعراب بل يحرم مطلقاً بالعطف، لأنَّ كلام الناس اليوم لا يجري عليه، وأما إذا قال: باسم الله ومحمد رسول الله بالنصب أو الرفع فيكره، وإذا قال: باسم الله محمدٍ

стр. 1369

وَحَلَّ إِنْ فَصَلَ صُورَة وَمَعْنَىً، كالدُّعَاءِ قَبْلَ الإِضْجَاعِ وَالتَّسْمِيَةِ. ونُدِبَ نَحْرُ الإبِلِ، وَكُرِهَ ذَبْحُهَا، وَفِي البَقَرِ والغَنَمِ عَكْسُهُ. === رسول الله بالجر فيحرم المذبوح لأنه أهل به لغير الله. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١) ولقول ابن مسعود: جَرِّدُوا التَّسْمِيَة. (وَحَلَّ إِنْ فَصَلَ صُورَةً وَمَعْنَىً كالدُّعَاءِ قَبْلَ الإِضْجَاعِ وَ) الدعاء قبل (التَّسْمِيَةِ) أو بعد الذَّبح لعدم القِرَان أصلاً بأن يقول: اللَّهم تقبّل من فلانٍ كما رُوِيَ أنه ﵊ كان إذا أراد أن يذبح أضحيته قال: «اللهم هذا منك ولك، إن صلاتي ونُسُكي» إلى «وأنا من المسلمين، بسم الله والله أكبر» (٢) . وأخرج الحاكم في «المستدرك» وقال: حديثٌ صحيحٌ عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ كان إذا ضحَّى اشترى كبشين أمْلَحَيْن أقْرَنَيْنِ، فإذا خطب وصلّى ذبح أحد الكبشين بنفسه بالمُدْية (وفي نسخة بالمدينة) (٣) ثم يقول: «هذا عن أمتي جميعاً ممّن شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ»، ثم أتى بالآخر فذبحه وقال: «اللَّهم هذا عن محمدٍ وآلِ محمدٍ»، ثم يطعمهما المساكين ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين وقد كفانا الله الغُرْم (٤) والمؤنة ليس أحد من بني هاشم يضحّي. والكبش الأملح: هو الأغبر الذي فيه بياض وسواد. ثم الشرط هو الذِكْر الخالص حتّى لو قال عند الذبح: اللَّهم اغفر لي، واكتفى به لا تحلّ الذبيحة، لأنّه دعاء. ولو قال: سبحان الله، والحمد لله يريد به التسمية حلّت. وذكر الحَلْوانيّ: أنه يستحب أن يقول: بسم الله الله أكبر، لأن ذكر الواو يقطع فور التسمية يعني وفورها أولى. وأمّا ما في «الهداية» لقول ابن مسعود: جرِّدوا التسمية. فالمعروف عنه جرِّدوا القرآن. (ونُدِبَ نَحْرُ الإبِلِ) وهو قطع العروق في أسفل العنق عند الصدر، لأنه فيها أيسر، لأن العروق مجتمعة في المنحر. (وَكُرِهَ ذَبْحُهَا) لأنه خلاف السنة، وإنما حلَّ لحصول المقصود وهو تسييل الدم والتعجيل (وَفِي البَقَرِ والغَنَمِ عَكْسُهُ) فندب

стр. 1370

وَكَفَى الجَرْحُ في نَعَمٍ تَوَحَّشَ، أَوْ سَقَطَ في بِئْرٍ وَلَمْ يُمْكِنْ ذَبْحُهُ، لا في صَيدٍ استَأنسَ. وَلا يَحِلُّ جَنِينٌ مَيِّتٌ وُجِدَ فِي بَطْنِ أُمهِ، === ذبحهما لأن الذبح فيهما أيسر، وكره نحرهما لأنه خلاف السنة، لأنه ﷺ نحر الإبل وذبح البقر والغنم. وقد قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي الجَزُور وقال: ﴿إنّ ايَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرةً﴾ (١) وقال الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) أي مذبوحٍ وهو كَبشٌ سمينٌ. وكذا كره الذّبْح (٣) من القفا وبه قال الشَّافعيّ. وحكم مالك بحرمة العكس لما سبق. وذبح القفا لمخالفة المشروع، وصار كالجرح في غير محل الذبح، ولنا: ما روينا من قوله ﵊: «ما أنهر الدَّم وذكر اسم الله عليه فكلوه» (٤) ولأنّ المقصود تسييل الدّم وهو حاصل. (وَكَفَى الجَرْحُ في نَعَمٍ تَوَحَّشَ أَوْ سَقَطَ في بِئْرٍ وَلَمْ يُمْكِنْ ذَبْحُهُ) ولا نحره. وقال مالك: لا يحلّ بذكاة الاضطرار في الوجهين، لأنّ ذلك نادرٌ ولا عبرة للنادر في الأحكام قلنا: إذا وقع لا بدّ من اعتباره، كيف وقد قال ﷺ : «إنّ لها أوابد (٥) كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا» (٦) قاله في بعيرٍ ندّ فرماه رجلٌ بسهم. (لا في صَيْدٍ اسْتَأْنَسَ (٧) ) لأنّ ذكاة الاضطرار إنّما يُصَار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار والعجز متحقّقٌ في الأول دون الثاني. (وَلَا يَحِلُّ) أي ويحرم (جَنِينٌ مَيِّتٌ وُجِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) سواء أشعر أو لم يُشْعر، وهذا عند أبي حنيفة وزُفَر، والحسن بن زياد، وهو قول إبراهيم والحكم بن عُيَيْنَة لقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ (٨) ولقوله ﵊ لِعَدِيّ بن حاتم: «إذا وقعت رميتك في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري أن الماء قتل أو سهمك» (٩) فقد حَرُم الأكل
следующие страницы →