← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وَتَارِكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا. === يُقَرُّ على ما انتقل إليه عندنا، فيعتبر ما هو عليه عند الذبح ولو تَمجَّس اليهودي أو النّصرانيّ لا تحلّ ذكاته لأنه لا يقرّ على ذلك. ويشترط بالتسمية في ذكاة الاختيار أن يقصد أنها للذَّبيحة. ولو سمّى ولم تحضره النية حلّت، لأنه أتى بالتسمية، وظاهر حاله أنها للذبيحة فتقع عنها، ولو سمّى لابتداء الفعل كسائر الأفعال لا تحلّ الذبيحة. ويشترط أن يسمّي حالة الذبح لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ (١) وهذه الحالة حالة النحر وحالة الذبح أختها، فيكون مثل هذا الحكم لها. وأن يذبح عقيب التسمية قبل أن يتبدّل المجلس، فلو سمّى واشتغل بعملٍ آخر من كلامٍ قليلٍ، أو شرب ماءٍ، أو أكل لقمةٍ أو تحديد شفرةٍ ثم ذبح تحلّ الذبيحة، وإن كان بعملٍ كثيرٍ لا تحلّ، لأن في إيقاع الذّبح متّصلاً بالتسمية بحيث لا يتخلّل بينهما شيءٌ حرجاً فأقيم المجلس مقام الاتّصال. ولا تُؤكَل (٢) ذبيحة المُحْرِم الصيدَ، لأن فعله فيه غير مشروع وذبيحته غير الصيد تؤكل، لأن فعله مشروع. وما ذُبح من الصيد في الحَرَم حرامٌ ولو ذبحه حلالٌ، لأنّه منهي عنه فلا يكون مشروعاً، وكذا يَحْرُم لو صِيْد خارج الحَرَم ثم أُدْخِل فيه فذبح خلافاً للشَّافعيّ. (وَ) لا (تَارِكَ التَّسْمِيَةِ عَمْداً) مسلماً كان أو كتابياً؛ (وبه قال مالك) (٣) وقال الشافعيّ ﵀: يحلّ متروك التسمية عمداً لأنها عنده سنة، ولما رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن مروان بن سالم، عن الأوْزَاعِيّ، عن يحيى بن (أبي) (٤) كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: سأَل رجل النبيّ ﷺ : الرجل منا يذبح وينسى أن يسمّي الله؟ فقال النبيّ ﷺ : «اسم الله على كل مسلم». وفي لفظ: «على فم كل مسلم». قلنا: مروان بن سالم ضعيفٌ ضعَّفه الدَّارَقُطْنِيّ وابن القطَّان وابن عدي وأحمد والنَّسائي على ما في «المحيط»، وأمّا ما رواه أبو داود في «المراسيل» عن عبد الله بن داود، عن ثور بن يزيد، عن الصَّلت عن النبيّ ﷺ قال: «ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أولم يذكر». فقد قال ابن القطَّان فيه مع الإرسال: إنّ الصَّلْت السَّدُوسِيّ لا يُعْرَف

стр. 1367

وَإنْ نَسِيَ التَّسمِيَةَ صَحَّ. === له حال ولا يعرف بغير هذا الحديث، ولا روى عنه غير ثَوْر بن يزيد. ولنا: إطلاق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اسْمُ اللَّه عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (١) أي وإن الذي لم يذكر اسم الله عليه حرام، لأنّ الفسق هو الخروج عن الطاعة، وإنّ مطلق النهي يقتضي التَّحريم. وما أخرجه أصحاب الكتب الستة عن عَدِيّ بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إني أُرْسِلُ كلبي وأجد معه كلباً آخرَ لا أدري أيّهما أخذه قال: «لا تأكل فإنك إنّما سمّيت على كلبك ولم تسمّ على الكلب الآخر». ووجه الدّلالة على أنه علّل الحرمة بترك التسمية عمداً. (وَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ صَحَّ) لأنّ النسيان مرفوع الحكم عن الأمة بقوله ﵊: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» (٢) . ولأنّ في اعتباره حرجاً لأن الإنسان كثير النسيان، والحرج مرفوعٌ في الشرع، وفي المسألة خلاف مالك مستدلاًّ بظاهر قوله ﵊ لعديّ: «إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله عليه». وقوله ﵊: (له) (٣) أيضاً: «إذا أرسلت كلبك وسمّيت، فأخذ فقتل، فَكُل» (٤) إذ لا فصل فيه، فيفيد الحرمة بحالة العمد زيادةً على النص، فيجري مجرى النسخ، وقد سبق الجواب عنه. ووقت التسمية في غير الصيد عن الذبح لقوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾ (٥) وهي حالة النحر، وفي الصيد عند الرمي أو إرسال الجارح، لأنَّ التكليف بحيب الوسع. وفي الخلاصة: ولو ذبح ولم يظهر الهاء في باسم الله: غن قصد ذكر اسم الله يحل، [وإن ل يقصد أو قصد ترك الهاء الهاء لا يحل] (٦) . ولو ذبح المنخنقة، أو الموقوذة وهي المصروبة بنحو خسب أو حجر، أو حجر، أو المتردية التي تردت من علة او بئر،

стр. 1368

وَإنْ عَطَفَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ غَيْرَهُ نَحْوُ: باسْمِ اللهِ واسْمِ فلان. وَكُرِهَ إِنْ وَصَلَ وَلَمْ يعْطِفْ نَحْوُ: باسْمِ اللَّهِ اللهمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فلانٍ. === أو النطيحة التي نطحتها أخرى أو التي شق (١) الذئب بطنها وفيها حياة خفيفة حلَّت، ظاهر الرواية، وتحل ذبيحة علم حياتها قبل الذبح وإن لم تتحرك ولم يخرج منها دم لأنَّ سبق الحياة قرينة على أن الموت حصل بالذكاة، وإن لم يعلم بسبق حياتها، فلا بدّ من وجود أحدهما وهو الحركة أو خروج الدّم ليُعلم بقاء الحياة عند الذكاة. وحَرُمَ الدَّم المَسْفُوح لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (٢) وكره أن يأكل من الشاة الحَيَا وهو الرحم والخُصْية، والغُدَّة، والمَثَانة وهي موضع البول والمَرَارَة، وهي التي فيها المِرَّة لما في "سنن البَيْهَقِي" وغيره أنه ﵊ كان يكره من الشاة إذا ذبحت سبعاً: الدَّم، والمرارة، والذكر، والأُنثَيْين، والحَيَا، والغُدَّة والمثانة. (و) حَرُم المذبوح (إنْ عَطَفَ عَلَى اسْمِ اللهِ غَيْرَهُ) موصولاً به على سبيل الشركة (نَخوُ، باسمِ اللهِ واسم فُلان) أو باسم الله وفلان، أو باسم الله وبمحمدٍ، لأنه أهلّ، لغير الله، لأنَّ العطف للتشريك بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا يعتبر بالإعراب، لأنَّ كلام الناس اليوم لا يجري عليه، وفي "النوازل" سُئِلَ أبو نصر عن رجلٍ ذبح شاةً فقال: باسم الله واسم فلان: قال: سمعت محمد بن سلمة قال: سمعت إبراهيم بن يوسف يقول: يصير ميتة. وقال محمد بن نصر (٣) : لا تصير ميتة إذ لو صارت ميتة لصار الرجل كافراً. انتهى. ولا يخفى أنه لا ملازمة، لأن عدم التكفير إنما هو لعدم اعتقاده الشركة، والحكم بالميتة لصورة التشريك، فرجع الحكم في كل منهما إلى الأحوط في بابه. (وَكُرِهَ إِنْ وَصَلَ وَلَمْ يَعْطِفْ نَحْوُ، باسْمِ اللهِ اللهِ تَقَبَّل من فُلَانٍ) لأنَّ الشركة لم توجد، فلم يكن الذبح لغير الله فلا يَحْرُم، ولكن يكره لوجود القرآن في الصورة فَيْنَزَّه لكمال الاحتياط. وفي «النوازل»: ولو قال: باسم الله ومحمد رسول الله بالخفض لا يحل. وقال بعضهم: هذا إذا كان يعرف النحو، والأوجه أن لا يعتبر الإعراب بل يحرم مطلقاً بالعطف، لأنَّ كلام الناس اليوم لا يجري عليه، وأما إذا قال: باسم الله ومحمد رسول الله بالنصب أو الرفع فيكره، وإذا قال: باسم الله محمدٍ

стр. 1369

وَحَلَّ إِنْ فَصَلَ صُورَة وَمَعْنَىً، كالدُّعَاءِ قَبْلَ الإِضْجَاعِ وَالتَّسْمِيَةِ. ونُدِبَ نَحْرُ الإبِلِ، وَكُرِهَ ذَبْحُهَا، وَفِي البَقَرِ والغَنَمِ عَكْسُهُ. === رسول الله بالجر فيحرم المذبوح لأنه أهل به لغير الله. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١) ولقول ابن مسعود: جَرِّدُوا التَّسْمِيَة. (وَحَلَّ إِنْ فَصَلَ صُورَةً وَمَعْنَىً كالدُّعَاءِ قَبْلَ الإِضْجَاعِ وَ) الدعاء قبل (التَّسْمِيَةِ) أو بعد الذَّبح لعدم القِرَان أصلاً بأن يقول: اللَّهم تقبّل من فلانٍ كما رُوِيَ أنه ﵊ كان إذا أراد أن يذبح أضحيته قال: «اللهم هذا منك ولك، إن صلاتي ونُسُكي» إلى «وأنا من المسلمين، بسم الله والله أكبر» (٢) . وأخرج الحاكم في «المستدرك» وقال: حديثٌ صحيحٌ عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ كان إذا ضحَّى اشترى كبشين أمْلَحَيْن أقْرَنَيْنِ، فإذا خطب وصلّى ذبح أحد الكبشين بنفسه بالمُدْية (وفي نسخة بالمدينة) (٣) ثم يقول: «هذا عن أمتي جميعاً ممّن شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ»، ثم أتى بالآخر فذبحه وقال: «اللَّهم هذا عن محمدٍ وآلِ محمدٍ»، ثم يطعمهما المساكين ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين وقد كفانا الله الغُرْم (٤) والمؤنة ليس أحد من بني هاشم يضحّي. والكبش الأملح: هو الأغبر الذي فيه بياض وسواد. ثم الشرط هو الذِكْر الخالص حتّى لو قال عند الذبح: اللَّهم اغفر لي، واكتفى به لا تحلّ الذبيحة، لأنّه دعاء. ولو قال: سبحان الله، والحمد لله يريد به التسمية حلّت. وذكر الحَلْوانيّ: أنه يستحب أن يقول: بسم الله الله أكبر، لأن ذكر الواو يقطع فور التسمية يعني وفورها أولى. وأمّا ما في «الهداية» لقول ابن مسعود: جرِّدوا التسمية. فالمعروف عنه جرِّدوا القرآن. (ونُدِبَ نَحْرُ الإبِلِ) وهو قطع العروق في أسفل العنق عند الصدر، لأنه فيها أيسر، لأن العروق مجتمعة في المنحر. (وَكُرِهَ ذَبْحُهَا) لأنه خلاف السنة، وإنما حلَّ لحصول المقصود وهو تسييل الدم والتعجيل (وَفِي البَقَرِ والغَنَمِ عَكْسُهُ) فندب

стр. 1370

وَكَفَى الجَرْحُ في نَعَمٍ تَوَحَّشَ، أَوْ سَقَطَ في بِئْرٍ وَلَمْ يُمْكِنْ ذَبْحُهُ، لا في صَيدٍ استَأنسَ. وَلا يَحِلُّ جَنِينٌ مَيِّتٌ وُجِدَ فِي بَطْنِ أُمهِ، === ذبحهما لأن الذبح فيهما أيسر، وكره نحرهما لأنه خلاف السنة، لأنه ﷺ نحر الإبل وذبح البقر والغنم. وقد قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي الجَزُور وقال: ﴿إنّ ايَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرةً﴾ (١) وقال الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) أي مذبوحٍ وهو كَبشٌ سمينٌ. وكذا كره الذّبْح (٣) من القفا وبه قال الشَّافعيّ. وحكم مالك بحرمة العكس لما سبق. وذبح القفا لمخالفة المشروع، وصار كالجرح في غير محل الذبح، ولنا: ما روينا من قوله ﵊: «ما أنهر الدَّم وذكر اسم الله عليه فكلوه» (٤) ولأنّ المقصود تسييل الدّم وهو حاصل. (وَكَفَى الجَرْحُ في نَعَمٍ تَوَحَّشَ أَوْ سَقَطَ في بِئْرٍ وَلَمْ يُمْكِنْ ذَبْحُهُ) ولا نحره. وقال مالك: لا يحلّ بذكاة الاضطرار في الوجهين، لأنّ ذلك نادرٌ ولا عبرة للنادر في الأحكام قلنا: إذا وقع لا بدّ من اعتباره، كيف وقد قال ﷺ : «إنّ لها أوابد (٥) كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا» (٦) قاله في بعيرٍ ندّ فرماه رجلٌ بسهم. (لا في صَيْدٍ اسْتَأْنَسَ (٧) ) لأنّ ذكاة الاضطرار إنّما يُصَار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار والعجز متحقّقٌ في الأول دون الثاني. (وَلَا يَحِلُّ) أي ويحرم (جَنِينٌ مَيِّتٌ وُجِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) سواء أشعر أو لم يُشْعر، وهذا عند أبي حنيفة وزُفَر، والحسن بن زياد، وهو قول إبراهيم والحكم بن عُيَيْنَة لقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ (٨) ولقوله ﵊ لِعَدِيّ بن حاتم: «إذا وقعت رميتك في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري أن الماء قتل أو سهمك» (٩) فقد حَرُم الأكل

стр. 1371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عند وقوع الشك في سبب زهوق الرُّوح، وذلك موجود في الجنين، فإنه لا يدري أنه مات بذبح الأم أو باحتباس نفسه. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تمّ خلقه حلّ وبه قال الشافعيّ، لِمَا أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ عن أبي سعيد الخُدْرِيّ أن النّبيّ ﷺ قال: «ذكاةُ الجنين ذكاةُ أُمِّه» وهذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود: وقال قلنا يا رسول الله، ننحر الناقة، ونذبح البقرة أو الشاة وفي بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: «كلوه إن شئتم، فإن ذكاته من ذكاة أمّه». ورواه الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» من حديث ابن مسعود وابن عباس وزاد: «أَشْعَرَ أو لم يُشْعِر» (١) . وأسنده الحاكم في «المُسْتَدْرَك» باللفظ الأول من حديث ابن عمر وأبي أيوب وأبي هُرَيْرَة، وأسنده البزار من حديث أبي أُمَامة وأبي الدَّرْداء. وأجِيب بأن معنى الحديث: كذكاة أمّه، والتشبيه بهذا الطريق كثيرٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّموَاتُ والأَرْضُ﴾ (٢) ويدلّ على هذا أنّه رُوِيَ «ذكاةَ أمه» بالنصب، أي يذكَّى ذكاةً مثل ذكاة أمّه. والتحقيق أنّ هذا التأويل إنّما يصحّ في الرواية بالنصب إذا كان المنزوع حرف الكاف كقوله تعالى: ﴿وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحَاب﴾ (٣) ، ويحتمل بالباء أيضاً، لكن إن جعلناه الكاف لم يحلّ الجنين، وإن جعلناه الباء يحلّ، ومتى اجتمع الموجِب للحلّ والموجِب للحرمة يُغَلَّب المُوجِب للحرمة. وعلَّل إبراهيم النَّخَعِيّ فقال: ذكاةُ نفسٍ لا تكون ذكاة نفسين، وبسط الكلام عليه في «المبسوط». وزبدة (٤) كلام أبي حنيفة: أنّ الله حرّم الميتة وشرط الذكاة بقوله: ﴿إلاّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٥) فيحرم الجنين الميت بنصّ الكتاب، وما رُوِيَ لا يعارض الدليل القطعي في فصل الخطاب، وفيه أنه عليه الصلاة السلام مبيّن للكلام. فإن قيل: لو لم يحلّ أكله بذكاة أمّه لَمَا حلّ ذبح أمه، لأنّ في ذبحها إضاعته، وقد نهى النبيّ ﷺ عن إضاعة المال. أُجِيبَ بأنّ موته ليس بمُتَيَقَّن، بل يرجى إدراكه حياً فيذبح، فلا يَحْرُم ذبح أُمِّه. ويكره ذبح الحامل المُقْرِب: وهي التي قَرُبَتْ ولادتها، لأنّ في ذلك ترك التحرُّم (٦) .

стр. 1372

وَلا يَحِلُّ ذُو نَابٍ أَوْ ذُو مَخْلَبٍ مَنْ سَبُعٍ أو طَيرٍ، وَلا يَحِلُّ الحَشَرَاتُ، وَلا الحَمِيرُ الأَهْلِيَّةُ، وَلا البِغَالُ، وَلا الخَيلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، === (وَلَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ أَوْ ذُو مَخْلَبٍ مَنْ سَبُعٍ) بيان لذي نابٍ (أو طَيْرٍ) بيان لذي مَخْلَبٍ لما أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه وغيرهم عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السِّباع، وعن أكل كل ذي مخلب من الطير. والفقرة الأولى أخرجها الجماعة عن أبي ثَعْلَبة. وفي رواية لمسلم: «كلُّ ذي نابٍ من السباع حرامٌ. والسَّبُعُ: كل مُخْتَطِف مُنْتَهِبٍ جارحٍ قاتلٍ عادٍ في العادة، فذو النَّاب من السِّباع: الأسد، والذئب والنَّمِر والفهد والثعلب والضَّبُع والكلب والسِّنَّوْرِ (١) البري والأهلي، وذو المخلب من الطير: الصقر والبازي (٢) والنسر والعُقَاب (٣) والشاهين (٤) . والمؤثِّر في الحرمة الإيذاء: وهو طوراً يكون بالناب، وطوراً يكون بالمخلب، أو الخُبْث: وهو قد يكون خِلْقة كما في الخنزير، وقد يكون عارضاً كما في الجَلاَّلة. ومعنى التحريم تكريم بني آدم لئلا يتعدّى شيء من هذه الأوصاف الذَّميمة إليهم بالأكل. (وَلَا يَحِلُّ الحَشَرَاتُ) والهوامُّ والزنابير واليَرْبُوع (٥) والقُنْفُذ وغيرها، لأنّها من الخبائث وقال الله تعالى: ﴿وَيُحْرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ﴾ (٦) ولأنّ الطباع السليمة تستخبثها. (وَلَا الحَمِيرُ الأَهْلِيَّةُ وَلَا البِغَالُ) اتفاقاً (وَلَا) يحل (الخَيْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) أي يكره أكل لحمه لِمَا أخرجه أبو داود والنَّسائي وابن ماجه عن خالد ابن الوليد قال: نهى ﷺ عن لحوم الخيل والبغال والحمير. وهذا لفظ ابن ماجه، وأمّا لفظ أبي داود قال: غزوْت مع رسول الله ﷺ فأتت اليهود فَشَكوا أنّ الناس قد أسرعوا إلى حظائرهم فقال: «لا يحلّ أموال المعاهدين إلاّ بحقّها، وحرامٌ عليكم الحمير الأَهْليّة وخيلها وبغالها، وكلّ ذي نابٍ من السباع، وكلّ ذي مخلبٍ من الطير». ورواه الواقدي في «المغازي» مثل أبي داود ثم قال: ثبت عندنا أنّ خالداً لم

стр. 1373

وَلا الضَّبُعُ، === يشهد خيبر وأسلم قبل الفتح هو وعمرو بن العاص وعثمان بن أبي طلحة أول يومٍ من يوم صفر سنة ثمان. وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس بأكل الخيل لِمَا أخرجه البخاري في غَزْوَة خيبر، ومسلم في الذبائح عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ يوم خَيْبَر عن لحوم الحُمر الأهلية، وأَذِن في لحوم الخيل وفي لفظٍ للبخاري: ورخص في لحوم الخيل. وعُورِضَ بحديث خالدٍ، وأُجيب: بأنّ حديث جابر صحيح، وحديث خالد فيه كلامٌ. ولحم الخيل مكروه تحريماً في رواية عن أبي حنيفة، فإن قوله في «الجامع الصغير»: أكره لحم الخيل، يدلّ على أنه كراهة تحريم لِمَا رُوِيَ أنّ أبا يوسف قال لأبي حنيفة: إذا قلتَ في شيء أكرهه فما رأيك فيه؟ قال: التحريم. وفي ظاهر الرواية مكروه تنزيهاً، وبه قالا، وهو الصحيح لما قدمناه، ولما في الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر قالت: نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرساً فأكلناه. وفي روايةٍ: أكلنا لحم فرسٍ عند رسول الله ﷺ ولم ينكره. ولقول جابر بن عبد الله: إنَّهم ذبحوا يوم خَيْبَر الحمير والبغال والخيل فنهاهم النبيّ ﷺ عن الحمير والبغال، ولم ينههم عن الخيل. رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيحٌ على شرط مسلم. ولم يخرجاه. وأمّا ما احتجّ في «المبسوط» وغيره بقوله تعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغَالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (١) فقال: قد منّ الله على عباده بما جعل لهم من منفعة الركوب والزينة في الخيل، ولو كان مأكولاً لكان الأولى بيان منفعة الأكل، لأنها أعظم المنافع وبه بقاء النفوس، ولا يليق بذكر الحكيم ترك أعظم وجوه المنفعة وذكر ما دون ذلك في مقام المِنَّة، ألا ترى أنّه تعالى في الأنعام ذكر الأكل بقوله: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (٢) . انتهى. فلا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالباً أن لا يقصد غيره أصلاً، ويدلّ عليه أن الآية مكيّة، وعامة المفسرين والمحدثين على أن الحمر الأهلية حرِّمت يوم خيبر. (وَلَا الضَّبُعُ) وهو قول سعيد بن المُسَيَّب والثَّوْرِيّ لأنّه ذو ناب ولما في «سنن الترمذي» عن ابن جَزْء قال: سألت رسول الله ﷺ عن أكل الضَّبُع فقال: «أَوَ يأكلُ الضَّبُعَ أحدٌ فيه خير». رواه ابن ماجه ولفظه: «ومن يأكل الضبع»؟ وحلّ عند

стр. 1374

وَلا اليَرْبُوعُ، وَلا يَحَلُّ الغُرَاب الَّذِي يَأكلُ الجِيَفَ، وَلا حَيَوَانٌ مَائِيٌّ، === الشافعيّ وأحمد وإسحاق لِمَا في «سنن التَرمِذي وابن ماجه والنَّسائي» عن عبد الرَّحْمن بن أبي عَمّار قال: سألتُ جابراً عن الضَّبُع أصيدٌ هي؟ قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: أشيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. ورواه الحاكم في «مستدركه» عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «الضَّبُع صيدٌ، فإذا أصابه المُحْرِم ففيه كبشٌ مسنٌ ويؤكل». وقال: حديثٌ صحيحٌ (١) ولم يخرّجاه. وقال مالك: يكره أكلها. والمكروه عنده: ما أثم بأكله ولا يقطع بتحريمه. (وَلَا اليَرْبُوعُ) لأنّه من الحشرات، وفيه خلاف الشافعيّ وأحمد، ولنا: ما روى أحمد وإسحاق بن رَاهُوَيه وأبو يَعْلَى المَوْصِلِيّ عن عبد الله بن يزيد السَّعْدِيّ قال: سألت سعيد بن المُسَيَّب: أن أُناساً من قومي يأكلون الضَّبُع؟ فقال: إنّ أكلها لا يحلّ وكان عنده شيخٌ أبيضُ الرّأس واللحية، فقال ذلك الشيخ: يا عبد الله ألا أخبرك بما سمعت أبا الدَّرْدَاء يقول فيه؟ قلت: نعم. قال: سمعت أبا الدَّرْداء يقول: نهى رسول الله ﷺ عن أكل كلّ ذي خَطْفة ونَهبة ومُجَثَّمة، وكل ذي نابٍ من السِّباع. فقال سعيد: صدق. والمُجَثَّمَة بتشديد المثلثة المفتوحة: كلّ حيوان يُنْصَب ويُرْمَى ليقتل، إلاّ أنها تكثر في الطير والأرانب وأشباه ذلك. يَجْثَم الأرض يلزمها ويلزق بها، وجُثُوم الطير بمنزلة برُوك الإبل. (وَلَا يَحِلُّ الغُرَاب الَّذِي يَأْكُلُ الجِيَفَ) لأنّه بأكلها صار كسباع الطير، وأمّا غراب الزرع فحلال كما سيأتي (وَلَا) يَحِلُّ (حَيَوَانٌ مَائِيٌّ) لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ﴾ (٢) وما سوى السَّمك خبيثٌ، فقد أخرج أبو داود والنَّسائي عن عبد الرحمن ابن عثمان القُرَشي: أنّ طبيباً سأل رسول الله ﷺ عن الضِفْدع يجعلها في الدواء فنهى عن قتلها. ورواه أحمد وإسحاق وأبو داود الطَّيَالِسِي في «مسانيدهم» والحاكم في «مستدركه» وقال: صحيحُ الإسناد. قال: المُنْذِرِيّ فيه دليلٌ على تحريم أكل الضِفْدَع، لأنّ رسول الله ﷺ نهى عن قتله. والنهيّ عن قتل الحيوان إمّا لحرمته كالآدَميّ، وأمّا لتحريم أكله كالصُّرَد (٣) ، والضِفْدع ليس بمحترمٍ فكان النهي منصرفاً إلى أكله.

стр. 1375

سِوَى سَمَكٍ لَمْ يَطْفُ. وَحَلَّ الجَرَادُ وَأَنْوَاعُ السَّمَكِ بلا ذَكَاةٍ، === (سِوَى سَمَكٍ لَمْ يَطْفُ) من طفا إذا علا. وفي «الجامع الصغير»: إن وُجِدَ السَّمك ميتاً على وجه الماء وبطنه من فوق لم يُؤْكل لأنّه طاف، وإن كان ظهره من فوقٍ، أُكِلَ، لأنّه ليس بطافٍ أي لم يعلُ على الماء. قيّد به لأنّ السمك الطافي يكره أكله عندنا، لما أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: «ما ألقاه البحر أو جَزَر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه». وهو حجة على مالك والشّافعيّ في إباحتهما الطافي. وجزر بجيم فزاي فراء: انكشف. وفي رواية: «فحسر»: وهو بمعناه. وروى ابن أبي شَيْبَة وعبد الرَّزاق في «مصنفيهما» كراهة أكل الطّافي عن جابر بن عبد الله (وعلي) (١) وابن عباس وابن المُسَيَّب وأبي الشَّعْثَاء والنَّخَعَي وطاوس والزُّهْرِيّ. (وَحَلَّ الجَرَادُ) أي إجماعاً (وَأَنْوَاعُ السَّمَكِ) أي من الجِرِّيث (٢) والمارماهي (٣) ونحوهما ما عدا الطافي، فإنّه مكروهٌ عندنا (بلا ذَكَاةِ) لِمَا أخرجه الشَّافعيّ وأحمد وابن ماجه في كتاب الأطعمة من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «أُحلّت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدّمان: فالكبد والطِحَال». وأطلق مالك والشّافعيّ (في حلّ حيوان البحر، وقيل: عند الشّافعي) (٤) : إنْ أُكِل مثله في البرّ حلّ وإلا فلا كالكلب والحمار، وفي الخنزير البحري قولان في مذهب مالك. لهما على إطلاق الحلّ قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً﴾ (٥) من غير فصلٍ وقوله ﵊: «هو الطهور ماؤُه، الحِلُّ ميتَتُه» (٦) . وما في «الصحيحين» عن جابر قال: بعثنا رسول الله ﷺ وأمَّرَ علينا أبا عُبَيْدَه نتلقّى عيراً لقريش، وزودنا جِرَاباً (٧) من تمرٍ لم يجد لنا غيره، فكان أبو عُبَيْدة يعطينا

стр. 1376

وَغُرَابُ الزَّرْعِ، والعَقْعَقُ مَعَهَا. === تمرةً تمرةً فكنا نمصّها كما يمصّ الصغير، ثم نشرب عليه من الماء فتكفينا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الَخَبطَ (١) ثم نبلّه بالماء فنأكله. قال: فانطلقنا على ساحل البحر فألقى لنا البحر دابة يقال لها العَنْبَر. قال أبو عُبَيْدَة: ميتة ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا. قال: فأقمنا عليه شهراً، ونحن ثلاث مئة حتّى سَمِنّا. ولقد كنا نغترف الدّهن من وَقْبِ عينية بالقِلال، وأخذ أبو عبيدة ثلاثة رجال فأقعدهم في وقب (٢) عينه وأخذ ضلعاً من أضلاعه فأقامه، ثم رحَّل أعظم بعير معنا فمرّ من تحتها. وتزوّدنا من لحمه وشائق، فلمّا قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له فقال: «هو رزقٌ أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا»؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ فأكله. والوشائق، جمع الوَشِيقة: وهي اللحم يُغلى إغْلَاءَةً ثم يُقَدَّد ويُحْمَل في الأسفار، وهو أبقى قَدِيدٍ يكون. ولنا: ما قدّمنا من الحديث المفصّل، وأن المراد طعام البحر المالح المقدّد من السمك (وبميتته ما لَفَظَه ليكون موته مضافاً إلى البحر لا ما مات فيها. وحل السمك) (٣) بلا ذكاة كالجراد لما في «مصنف عبد الرزَّاق»: أخبرنا سفيان الثّوريّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ قال: الحيتان والجراد ذُكيّ كله. وأخرج عن عمر: الحوت ذكيّ كله، والجراد ذكيّ كله. وعن أبي هاشم الأَيْلِي عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: «كلّ دابة من دواب البر والبحر ليس لها دم ينعقد فليس لها ذكاة». وعن أحمد في الجراد: إذا قتله البرد لم يؤكل. وملخص مذهب مالك: إن قُطِعَ رأسه حلّ وإلاّ فلا. (وَ) حلّ (غُرَابُ الزَّرْعِ) لأنه يأكل الحب دون الجِيَف، وليس من سباع الطير. (والعَقْعَقُ) (٤) بفتح العَينين (مَعَهَا) أي مع الذّكاة، وهذا عند أبي حنيفة، لأنّه يأكل الحب والجِيَف فأشبه الدَّجاج. وقال أبو يوسف: يكره لأنّ غالب مأكوله النجاسة. ويحرم الضَّبّ (٥) والثعلب خلافاً لمالك والشّافعيّ فيهما. أمّا الضَّبُّ فلما في

стр. 1377

وَحَلَّ الأَرْنَبُ. === «الصحيحين» عن خالد بن الوليد أنّه دخل مع رسول الله ﷺ على ميمونة ـ وهي خالته ـ فوجد عندها ضَبّاً مَحْنُوذاً (١) فأهوى رسول الله ﷺ بيده إلى الضَّبّ فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخْبِرْنَ رسول الله ﷺ بما قَدَّمْتُنَّ له. قُلْنَ: هو الضَّبُّ يا رسول الله. فَرَفَعَ يده، فقال خالدٌ: أحرامٌ الضَّبُّ يا رسول الله؟) (٢) : قال: لا؟ ولكن لم يكن بأرضِ قومي، فأجِدُني أعافُه (قال خالد) (٣) : فأجْتَرَرْتُهُ فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر، فلم يَنْهَنِي. وفيهما أيضاً عن ابن عمر قال: كان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ وفيهم سعد، فذهبوا يأكلون من لحم فنادتهم امرأة من بعض أصحاب رسول الله ﷺ : إنه لحم ضبّ فأمسكوا. فقال ﵊: «كلوا وأطعموا فإنّه حلالٌ» (أو قال) (٤) : «لا بأس به، ولكنّه ليس من طعامي». وأمّا الثعلب فكأنه ملحق بالضَّبُع عندهما، ولنا إطلاق ما روينا في أول الفصل من أن النبيّ ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السَّبُع. وما في «سنن أبي داود» عن عبد الرَّحمن بن شِبْل أنّ رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحم الضَّب. (وَحَلَّ الأَرْنَبُ) عندنا وسائر الأئمة، لِمَا في البخاري عن أنس بن مالك قال: أَنْفَجْنَا أرنباً (٥) بِمَرِّ الظهران، فسعى القوم فلَغِبوا (٦) فأدركتها، فأخذتها فأتيت بها إلى أبي طلحة. فذبحها وبعث بوَرِكها ـ أو قال بفخذها ـ إلى رسول الله ﷺ فقبله، قلت: وأكل منه. وفي «سنن النَّسائي» عن أبي هريرة قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ بأرنبٍ قد شواها، فوضعها بين يديه فأمسك رسول الله ﷺ فلم يأكل وأمر القوم أن يأكلوا. وزاد في لفظ (وقال) (٧) : «إني لو اشتهيتُها أكلتُها». ولحم الفرس مكروه عند أبي حنيفة، وكراهته كرامة لأنه للجهاد آلة، وفي أكله قِلَّتُها. وقالا: مباحٌ كسائر الأئمة. وفي قاضيخان: أنّ لبنه يكره كلحمه، وفي

стр. 1378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === «شرح الكنز»: لبن الرَّمَكَة (١) حلال بالإجماع. ويَحْرُم شرب لبن الأُتُن (٢) لأنّ اللبن يتولّد من اللحم فصار مثله. ويَحْرُم شرب أبوال الإبل، وهذا عند أبي حنيفة. وعند أبي يوسف: يجوز للتّداوي. وعند محمد: يباح مطلقاً، وبه قال مالك: ويَحْرُم أكل لحم الإبل والبقر الجلاّلة، لأنها تتغير وكذا شرب لبنها لأنه يتولّد من لحمها. وفي «المُنْتَقَى»: الجلاّلة: هي التي تغيّرت وأنتنت فوجد منها رائحة خبيثة. وأمّا الدجاجة المُخَلاَّة فلا يَحْرُم أكلها، لأنّها لا تتغير كذا ذكره بعضهم. فإن حبست الجلاّلة في مكانٍ وعُلِفَتْ حلّت. وكان أبو حنيفة لا يوقّت لحبسها ويقول: تُحْبَس حتى تطيب ويذهب نَتْنُهَا، وهو قولهما. كذا في «التتمة». وقيل: يقدّر في الإبل أربعين (يوماً) (٣) ، وفي البقر عشرين، وفي الشاة بعشرة أيامٍ، وفي الدجاجة بثلاثة أيام. ولو وقع ما نثر من السُّكَّر والدّراهم في حِجْر رجلٍ فأخذه غيره حلّ له، لأنه مباح، والمباح لمن سبق يده إليه، إلاّ أن يكون الأول قد تهيّأ له أو ضمّه إلى نفسه، لأنّه بذلك يملكه، ثم التهيئة هل هي جائزة؟ فعن محمد جازت إذا كان أَذِنَ فيها صاحبُها، فقد صحّ أنه ﵊ نحر يوم النحر (٤) خمسة أبْقُرٍ وقال: «من شاء فليقطع» (٥) . ويحرم أكل التراب والطين لورود النهي، ولأنه يورث الإصفرار ووجع المَثَانة. ويسنّ للنساء خضاب اليد والرِجْل، ويحرم على الرجال، وكذا يحرم أن يخضب أيدي الصبيان وأرجلهم. ولا بأس بخضاب الرأس واللحية بالحناء والوَسْمَةِ (٦) للرجال والنساء لقول رسول الله ﷺ : «إنّ أحسن ما غيّرتم به الشيب الحناء والكتَم» (٧) . رواه ابن ماجه. وإن أردت تفصيل المحرمات والمباحات من الحيوانات فعليك بكتابنا المسمى بـ: «بهجة الإنسان في مهجة الحيوان». والله المستعان في كل مكان وزمان. والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 1379

كتابُ الأُضْحِيَةِ هِيَ: شَاةٌ مِنْ فَرْدٍ، وَبَقَرَةٌ أَو بَعِيرٌ مِنْهُ إِلَى سبعَةٍ، إِنْ لَمْ يَكُن لِفَردٍ أَقَلُّ مِنْ سُبعٍ. وَيُقْسَمُ اللّحْمُ وَزْنًا لا جُزَافًا، إلّا إذَا ضُمَّ مَعَهُ مِنْ أكَارِعِهِ أوْ جِلْدِهِ. وَصَحَّ اشِترَاكُ سِتّةٍ في بَقَرَةٍ مَشْرِيَّةٍ لأُضْحِيَةٍ، وَذَا قَبْلَ الشِّرَاءِ أَحَبُّ. === كتاب الأُضْحِيَةِ (هِيَ) لغةً ما يضحّى به. وشرعاً: (شَاةٌ) تذبح يوم الأَضحى (مِنْ فَرْدٍ) أي شخصٍ واحدٍ (وَبَقَرَةٌ أَوْ بَعِيرٌ مِنْهُ) أي من فردٍ (إِلَى سَبْعَةٍ) والقياس أن لا يجوز إلاّ عن فردٍ، لأنّ الإراقة واحدةٌ وهي القُربة إلاّ أَنَّ تركناه لِمَا أخرجه الجماعة إلاّ البخاري عن جابر قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ بالحُدَيْبِيَةِ البَدَنَة عن سبعةٍ، والبقرة عن سبعة. وإنّما قال إلى سبعة لأنّ كلاًّ منهما يجوز عن ستة وأقل، لأنه إذا جاز عن سبعة فما دونها أولى. ولا يجوز عن ثمانية أخذاً بالقياس فيما لا نصّ فيه، لكن أخرج الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ غريب، والنَّسائي وأحمد، وابن حبّان في صحيحه عن ابن عباس قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر فحضر الأضحى فاشتركنا في البقر سبعة، وفي الجَزُور عشرة. (إِنْ لَمْ يَكُنْ لِفَرْدٍ) منهم (أَقَلُّ مِنْ سُبْعٍ) قيّد به لأنه لو كان لأحدهم أقلّ من سُبْعٍ لا يجوز عن الكل لانعدام القُربة في البعض. (وَيُقْسَمُ اللَّحْمُ) بينهم (وَزْناً) لأنّه موزون عرفاً (لا جُزَافاً) إذ لا يتحقق التَّساوي ويدخل فيه شائبة الرِّبا. (إلاّ إذَا ضَمَّ مَعَهُ مِنْ أَكارِعِهِ أوْ جِلْدِهِ) ليكون في كل جانب شيءٌ من اللحم وشيء من الأكارع، أو يكون في كل جانب لحم وأكارع، وفي آخر لحم وجلد. وإنما يجوز إذا كان ذلك صرفاً لكل جنس إلى خلافه. (وَصَحَّ اشْتِرَاكُ سِتّةٍ في بَقَرَةٍ مَشْرِيَّةٍ لأُضْحِيَةٍ) بأن اشترى شخصٌ بقرةً يريد أن يضحّي بها عن نفسه ثم اشترك فيها معه ستة. وقال زفر: لا يصحّ وهو القياس، لأنّ إعدادَها للقُربة يمنع عن بيعها تموّلاً. (ووجه) (١) الاستحسان أنه قد يجد بقرة يشتريها، ولا يجد شركاءَ وقت الشراء، فكانت الحاجة ماسة إلى ذلك دفعاً للحَرَج. (وَذَا) أي الاشتراك (قَبْلَ الشِّرَاءِ أَحَبُّ) ليكون أبعد عن الخلاف وعن صورة الرجوع في القُربة.

стр. 1380

وَيُضَحِي الأَبُ أوْ الوَصِيُّ مِنْ مَالِ طِفْلٍ غَنِيٍّ، فَيَأكلُ الطِفْل مِنْهُ، وَمَا يَبقَى يبدَلُ بِمَا يُنْتَفَعُ بِعَينِهِ. وَأَوَّلُ وَقتهَا بَعْدَ صَلاةِ العَيدِ إِنْ ذَبَحَ في مِصْرٍ، === وعن أبي حنيفة أنه يكره الاشتراك بعد الشراء. واعلم أنّ الأضحية واجبةٌ عندنا على كلّ حرَ مسلمٍ، مقيمٍ، موسرٍ، فجر يوم النَّحر وتِلْوَيه، وقالا سنة في رواية، كمالك والشّافعي، لقول رسول الله ﷺ : «من رأى هلال ذي الحِجة منكم وأراد أن يضحّي فليمسك عن شعره وأظفاره». رواه الجماعة إلاّ البخاري. والتعليق بالإرادة ينافي الوجوب، ولقول رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ هنَّ عليّ فرائض، وهي لكم تطوعٌ: الوتر، والنحر، وصلاة الأضحى». رواه أحمد في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه» وسكت عنه. ولنا إطلاق قوله تعالى: ﴿وَانْحَرْ﴾ أي الأضحية، والأمر للوجوب، وقول رسول الله ﷺ : «من كان له سَعَةٌ ولم يضحِّ فلا يَقْرَبَنَّ مصلاّنا». رواه أحمد، وابن أبي شَيْبَة، والحاكم وقال: صحيحُ الإسناد ولم يخرِّجاه. وما في «السنن الأربعة» عن ابن عَوْن عن أبي رَمْلَة: حدّثنا مِحْنَف بن سُلَيْم (١) قال: كنّا وقوفاً مع رسول الله ﷺ بعرفاتٍ. قال: «يا أيها النَّاس على كلِّ أهل بيتٍ في كل عام أُضْحِيَةٌ وعَتِيرةٌ (٢) ، أتدرون ما العتيرةُ؟ وهي التي يقول الناس أنها الرّجبيّة». انتهى. والعَتِيرة منسوخة، فالأضحية باقية على وجوبها، فيذبح عن نفسه شاةً، أو سُبْع بَدَنة، ولا يذبح عن طفله الفقير في ظاهر الرواية، ولا يجب عن طفله الغني من ماله في أصحّ ما يُفْتَى به كما في «شرح الوافي». قال بعض مشايخنا: على الأب أو الوصي أن يذبح من ماله عند أبي حنيفة. وهذا معنى قوله: (وَيُضَحِّي الأَبُ أوْ الوَصِيُّ مِنْ مَالِ طِفْلٍ غَنِيَ) وفي «الهداية»: أنه الأصحّ. (فَيَأْكُلُ الطِفْل مِنْهُ وَمَا يَبْقَى يُبْدَلُ بِمَا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ) كالخفّ والثوب، لا بما ينتفع باستهلاكه كالخُبز، ونحوه. (وَأَوَّلُ وَقْتِهَا بَعْدَ صَلَاةِ العَيدِ إِنْ ذَبَحَ في مِصْرٍ) لِمَا رواه البخاري من حديث أنس أنّه ﵊ قال: «مَنْ ذبح قبل الصلاة فليعد، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تمّ نُسُكه». وما أخرجه الشيخان عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : «إن

стр. 1381

وَبَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ إنْ ذَبَحَ فِي غَيرِهِ. وَآخِرُهُ قُبَيلَ غُرُوبِ اليَوْمِ الثَّالِثِ. === أول ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلّي ثم نرجع فَننْحَر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سُنَّتَنَا، ومن ذبح قبلُ، فإنما هو لحم قدّمه لأهله ليس من النُّسُك في شيء». وفي «سنن أبي داود»: فقام أبو بُرْدَة بن نِيَار (١) فقال: يا رسول الله، لقد نَسَكْتُ قبل أن أخرج إلى الصلاة وعرفت أنّ اليوم يومُ أكلٍ وشربٍ، فَتَعجَّلْت (فأكلتُ) وأطعمت أهلي وجيراني، فقال رسول الله ﷺ : «تلك شاةُ لحمٍ» فقال: إن عندي عَنَاقاً (٢) جَذَعَةً (٣) ، وهي خير من شاتَيْ لحم فهل تجزاء عني؟ فقال: «اذبحها ولا تصلح (٤) لغيرك». كذا في «المواهب». وفي الشُمُنِّي: أخرج الشيخان عن البراء بن عازب قال: ضحَّى خالي أبو بُرْدَة قبل الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : «تلك شاة لحم». فقال: يا رسول الله إنّ عندي جَذَعة من المَعْز، فقال: «ضحِّ بها ولا تصلح لغيرك، من ضحَّى قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تمّ نُسُكُه وأصاب سُنَّة المسلمين». (وَبَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ إنْ ذَبَحَ فِي غَيْرِهِ) أي في غير مِصْره، والمُعْتَبَر في ذلك مكان الأضحية، حتّى لو كانت في السَّواد والمضحِّي في المِصْر يجوز وقت الفجر، ولو كانت في المِصْر والمضحّي في السواد لا يجوز إلاّ بعد الصلاة، لأنها تسقط بالهلاك قبل مُضِيِّ أيام النَّحْر، كالزكاة تسقط بهلاك النِّصاب فيعتبر فيها مكانُ المحل، وهو المال لا مكان الفاعل كالزكاة، بخلاف صدقة الفطر حيث يعتبر فيها مكانُ الفاعل، لأنّها تتعلّق به في الذِّمة. (وَآخِرُهُ قُبَيْلَ غُرُوبِ اليَوْمِ الثَّالِثِ) من أيام النحر لِمَا روى مالك في «الموطّأ» عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: الأضحى يومان بعد يوم الأضحى. وقال مالك: بلغني أن عليّ بن أبي طالب كان يقول مِثْل ذلك. فإن لم يصلِّ الإمام ذبح هو والناس بعد الزَّوال، وعند الشَّافعيّ: إذا مضى من الوقت مقدار ما يصلِّي فيه صلاة العيد عادة، جازت الأضحية بعد ذلك، لأنهم لو صلّوا جازت

стр. 1382

وَاعْتُبِرَ الآخِرُ لِلفَقْرِ وَضِدِّه والولادَةِ وَالمَوْتِ. وَكُرِهَ الذَّبْحُ فِي اللَّيلِ، وَيَقْضِي النَّاذِرُ وَفقيرٌ شَرَى الأُضْحِيَةَ بَتَصُّدقِها حَيَّةً، والغَنِيُّ بِتَصَدُّقِ قِيمَتِهَا، شَرَى أَوْ لا. وصَحَّ الجَذَعُ مِنَ الضَّأنِ والثَّنِيُّ فَصَاعِدًا مِنْ غَيرِهِ، وَهُوَ: ابن حَوْلٍ مِنَ الضَّأنِ والمعزِ، و: حَوْلَين مِنَ البَقَر، وَ: خَمسٍ مِنَ الإبِلِ. وتُذْبَحُ الثَّوْلاءُ والجَمَّاءُ === الأُضحِيَة، فلا يتغير ذلك بتأخير الإمام الصلاة كما لو زالت الشمس. قلنا: الواجب مراعاة الترتيب المنصوص، وما بَقِيَ وقت الصلاة فمراعاة الترتيب ممكنٌ بخلاف ما بعد الزوال، فقد خرج وقت صلاة العيد بزوال الشمس في هذا اليوم، فلهذا يجوز التضحية بعده. (وَاعْتُبِر الآخِرُ) أي آخر وقت النَّحر (لِلفَقْرِ وَضِدِّه) الغنى (والولَادَةِ وَالمَوْتِ) فإن كان إنسان غنياً (في أوّل الوقت فقيراً) (١) في آخره لا يجب عليه، (وإن كان فقيراً في أوله غنياً في آخره يجب عليه) (١)، وإن وُلِدَ في اليوم الآخِرِ، (يجب) (١) وإن مات فيه لا يجب، كما اعتبر آخر وقت الصلاة في حقّ الحيض والطُّهْر، وآخر وقت المسح على الخفين في حقّ السفر والإقامة. (وَكُرِهَ الذَّبْحُ فِي اللَّيْلِ) لاحتمال الغلط (وَيَقْضِي النَّاذرُ) أن يضحِّي بهذه الشاة إذا لم يضحِّ حتّى مضت أيام النَّحر (وَ) يقضي (فقيرٌ شَرى الأُضحِية) ولم يضحِّ حتى مضت الأيام (بتصدُّقها حيَّةً) الباء تتعلق بيقضي (و) يقضي (الغَنِيُّ) إذا مضت الأيام (بِتَصَدُّقِ قِيمَتِهَا) سواء (شَرَى) الأضحية (أَوْ لا) وإن تعَيَّبت قبل إضجاعها للذَّبح ـ وهي لغني ـ بَدَلَهَا بغيرها لعدم إجزائها عنه بخلاف الفقير، فإنه ليس عليه أضحية وإنما لزمته بالتزامه في هذا المحلّ بعينه، ولهذا لو هلكت لم يلزمه شيء. (وصَحَّ الجَذَعُ مِنَ الضَّأنِ) وهو عند الفقهاء ما تم له ستة أشهر (والثَّنِيُّ فَصَاعِداً مِنْ غَيْرِهِ) لِمَا أَخرجه مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَذْبَحُوا إِلاَّ مُسِنَّةً (٢) إلاّ أن يُعْسُر عليكم فتذبحوا جَذَعَة من الضأن». (وَهُوَ) أي الثَّنِيُّ (ابن حَوْلٍ مِنَ الضَّأنِ والمَعْزِ و) ابن (حَوْلَيْنِ مِنَ البَقَر وَ) ابن (خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ) ويدخل في البقر الجاموس، لأنه في جنسه. (وتُذْبحُ) في الأُضحية (الثَّوْلاءُ) وهي المجنونة و (الجَمَّاءُ) وهي التي لا قَرْن

стр. 1383

وَالجَرْبَاءُ، لا عَجْفَاءُ وَعَرْجَاءُ لا تَمْشِي إلى المَنْسِكِ. وَمَا ذَهَبَ أكثَرُ مِنْ ثُلْثِ أُذُنِهَا، أو عَينهَا، أو أَلِيَتِهَا، أو ذَنَبِهَا. وإنْ مَاتَ أَحَدُ سَبْعَةٍ وَقَالَ وَرَثتُهُ: اذْبَحُوها عَنْهُ وَعَنْكُمْ، صحَّ. كَبَقَرَةٍ عَنْ أُضْحِيَةٍ وَمُتْعَةٍ وَقِرَانٍ. وإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ كَافِرًا، أوْ مُرِيدًا اللَّحْم لا، === لها، لأن القرن لا يتعلّق به مقصود، والخَصِيُّ لأنّ لحمه أطيب، ولما روى أبو داود وابن ماجه من حديث عائشة وأبي هُرَيْرَة وأبي رافع وأبي الدَّرْدَاء أنّ رسول الله ﷺ ذبح يوم النّحر كَبْشَين أقْرَنَيْنِ أمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَينِ. ورُوِيَ: مُوجَأَينِ. قال ابن المُنْذِر: أي منزوعي الأُنْثَيَيْنِ، قاله أبو موسى الأصبهاني. وقال الجَوْهَرِيّ: الوِجَاء بالكسر والمد: رضُّ عرق الأُنْثَيْين. وقال ابن الأثير: منهم من يرويه بغير همزة، فيكون من وَجَيْتُه وَجْيَاً. (وَ) تذبح (الجَرْبَاءُ) إن كانت سمينة ولم يتلَف جلدها، لأنه لا يُخِلّ بالمقصود (لَا عَجْفَاءُ) (١) أي لا تذبح في الأضحية عَجْفَاء. (وَ) لا (عَرْجَاء) بحيث (لا تَمْشِي إلى المَنْسِكِ) أي المذْبَح لِما أخرجه أصحاب السنن الأربع، ومالك في «الموطّأ» من حديث البراء بن عازب قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: «أربعٌ لا يجوز في الضحايا: العَوْراءُ البيِّنُ عَوَرها، والمريضة البيِّنُ مرضُها، والعَرْجاء البين ظَلْعُها (٢) ، والكَسِيرة (٣) التي لا تُنْقِي». بمثناة فوقية مضمومة، فَنُون ساكنة، فقاف مكسورة، أي بلغ بها العَجَف إلى حدَ لا يكون في عظامها نِقْيٌ أي مخ. وقال مالك والترمذي عوض الكسيرة: العجفاء. (وَ) لا (مَا ذَهَبَ أكثَرُ مِنْ ثُلْثِ أُذُنِهَا أو عَيْنِهَا أو أَلْيَتِهَا أو ذَنَبِهَا) وهكذا عند أبي حنيفة، ويُرْوى عنه الرُّبْع والثُّلث. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا بَقِيَ أكثر من النصف أَجزأَه اعتباراً للحقيقة، وهو اختيار أبي اللَّيْث. وفي كون النصف مانعاً روايتان عنهما. (وإنْ مَاتَ أَحَدُ سَبْعَةٍ) اشتركوا في بقرةٍ أو بعيرٍ للأُضحية (وَقَالَ وَرَثَتُهُ: اذْبَحُوها عَنْهُ وَعَنْكُمْ صَحَّ) والقياس أن لا يصحَّ وهو رواية عن أبي يوسف (كَبَقَرَةٍ) أي كما يصحّ بقرة (عَنْ أُضْحِيَةٍ وَمُتْعَةٍ وَقِرَانٍ) لاتحاد المقصود وهو القربة وإن اختلفت جهاتها. (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ) أي أحد السبعة (كَافِراً أوْ مُرِيداً اللَّحْم لَا) أي

стр. 1384

وَيَأكلُ مِنْهَا. وَيُؤْكِلُ وَيَهَبُ مَنْ يَشَاءُ. وَنُدِبَ التَّصَدُّقُ بِثُلُثِهَا، وَتَرْكُهُ لِذِي عِيَالٍ تَوْسِعَةً عَلَيهِمْ. وَالذَّبْحُ بِيَدِهِ إنْ أحْسَنَ === لا يصحّ عن أحدٍ، لأنّ الكافر ليس من أهل القُربة، وقَصْدُ اللحم ينافيها. وإذا لم يقع البعض قربة لم يقع الكلّ، إذ الإراقة لا تجزي في حقّ القربة. (وَيَأْكُلُ) المضحّي (مِنْهَا) أي من أضحيته (وَيُؤْكِلُ) أي يطعم الأغنياء والفقراء (وَيَهَبُ مَنْ يَشَاءُ) لما روى مسلم عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أهل المدينة لا تأكلوا لحمَ الأضاحي فوق ثلاث». فشَكَوْا إلى رسول الله ﷺ أنّ لهم عيالاً وحَشَماً وخَدَماً فقال: «كلوا وأطعموا واحْبِسُوا وادَّخروا». وروى البخاري عن سَلَمة بن الأكْوَع قال: قال رسول الله ﷺ : «من ضحّى منكم فلا يُصْبِحَنَّ (١) بعد ثالثةٍ وفي بيته منه شيء». فلمّا كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا عام الماضي؟ قال: «كلوا وأطعموا وادّخروا، فإنّ ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تُعينوا فيها». ولأنّه لَمّا جاز أكل المضحِّي منها وهو غني، جاز أن يُؤْكِلَ الغنيّ. (وَنُدِبَ التَّصَدُّقُ بِثُلُثِهَا) لأنّ الجهات ثلاثة: الأكل والادخار والإطعام، لما ذكرنا من الأحاديث، فانقسمت الأضحية عليها أثلاثاً، والإطعام: التصدّق لِما في رواية «تصدّقوا» (٢) بدل: «أطعموا» ولقوله تعالى: ﴿وأَطْعِمُوا القَانِعَ والمُعْترَّ﴾ (٣) والقانع: السائل، يقال: قَنَعَ قُنوعاً كمنع: إذا سأل وخضع، وقَنِع قناعة كفرح: إذا رضي بما عنده وبما يُعْطَى من غير سؤال. والمعترّ المعترض بغير السؤال، أو المراد بالقانع: الرَّاضي، وبالمعترّ: المعترض بالسؤال، وهو الأظهر. (وَ) نُدِبَ (تَرْكُهُ) التصدّق (لِذِي) أي لصاحب (عِيَالٍ تَوْسِعَةً عَلَيْهِمْ) هذا كلّه في الأضحية السنة والواجبة بغير النذر، وأمّا الواجبة بالنذر فليس لصاحبها أن يأكل شيئاً منها، ولا أن يُطْعِم الأغنياء، سواء كان الناذر غنياً أو فقيراً، لأنّ سبيلها التصدّق، وليس للمتصدّق أن يأكل من صدقته ولا أن يُطعم منها غنياً. (وَ) ندب للمضحِّي (الذَّبْحُ بِيَدِهِ إنْ أحْسَنَ) الذبح لأنه قربة، والأَولى في القُربةِ

стр. 1385

وَإلَّا أَمَرَ غَيرَهُ، وَكُرِهَ ذَبْحُ كتَابِيٍّ. وَيَتَصَدَّقُ بِجِلْدِهَا أَوْ يَعْمَلُهُ آلَةً مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ بَاقِيًا، فَإِنْ بِيعَ بِغَيرِ ذَلِكَ يَتَصَدّق بِثَمَنِهِ. === التي تَقْبَل النيابة أن يتولاّها صاحبها بنفسه. وقد نحر النبيّ ﵊ ثلاثاً وستين بَدَنة بيده الشريفة في حجة الوداع عدد سنيّ عمره الكريم. (وَإِلاَّ) أي وإن لم يحسن بيده (أَمَرَ غَيْرَهُ) بذبحها. وينبغي أن يشهَدَها بنفسه لِمَا روى الحاكم في «مستدركه»، والبيهقيّ في «سننه»، والطَّبَرانيّ في «معجمه»، عن عِمْرَان بن حُصَيْن أنّ النبيّ ﷺ قال لفاطمة: «قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه يُغْفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه، وقولي: إنّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مَنْ المُسْلِمِينَ». قال عِمْرَان: قلت: يا رسول الله، هذا لك ولأهل بيتك خاصّة أم للمسلمين عامة؟ فقال: بل للمسلمين عامة». وفي «المُسْتَدْرَك» عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: قال رسول الله ﷺ (لفاطمة) (١) : «قومي إلى أُضْحِيَتِك فأشهديها، فإن لكِ بأول قطرة تَقْطُر من دمها أن يُغْفَر لكِ كلُّ ما سلف من ذنوبك». فقالت فاطمة: يا رسول الله هذا لنا أهل البيت خاصة أو لنا وللمسلمين عامة؟ قال: «لا بل لنا وللمسلمين». (وَكُرِهَ ذَبْحُ كِتَابِيَ) الأضحية لأنّ ذبحها قربة والكتابيّ ليس من أهلها، لكن لو أَمره صاحبها فذبحها جاز، لأنه من أهل الذكاة. (وَيَتَصَدَّقُ بِجِلْدِهَا) لأنّه جزءٌ منها (أَوْ يَعْمَلُهُ آلَةً) يستعمل في البيت كالنِّطْع (٢) والجِرَاب (٣) والغِرْبال، لأن الانتفاع بها غير مُحَرَّم، ولأنّه يجوز الانتفاع باللحم، فكذا بالجلد أو بِبَدَله. (مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ بَاقِياً) لأنّ للبدل حكمَ المُبْدَلِ. قيّد بقوله: باقياً لأنّه لا يبدل بما ينتفع به مُسْتَهْلَكاً، كالخلِّ والملح والأبازير (٤) اعتباراً بالبيع بالدَّراهم. والمعنى فيه أنه يُصْرَف على قصد التموّل (فَإِنْ بِيعَ) الجلد (بِغَيْرِ ذَلِكَ) أي غير ما ينتفع به باقياً (يَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ) لأنّ القربة انتقلت إلى بدلها، واللَّحم بمنزلة الجلد في الصحيح. وأمّا ما رواه الحاكم ـ وقال: صحيحُ الإسناد ولم يخرّجاه ـ في تفسير سورة الحج عن الأَعرج، عن أبي هُرَيْرَةَ أن النبيّ ﷺ قال: «من

стр. 1386

وَلَوْ غَلِطَ اثْنَانِ وَذَبَحَ كَلٌّ شَاةَ صَاحِبِهِ، صَحَّ بِلا غُرْمٍ. وَصَحَّ التَّضْحِيَةُ بِشَاةٍ الغَصْبِ، لا الوَدِيعَةِ وضَمِنَهُمَا. === باع جلد أضحية فلا أضحية له». وكذا رواه البيهقيّ في «سننه» فيفيد كراهة البيع، لأنه جائز لقيام الملك والقدرة على التَّسليم. (وَلَوْ غَلِطَ اثْنَانِ وَذَبَحَ كَلٌّ) منهما (شَاةَ صَاحِبِهِ صَحَّ) عنهما (بِلَا غُرْمٍ) عليهما خلافاً لزُفَر، وهو القياس، لأنّه ذبح شاة غيره بغير أمره، ويضمن كلّ منهما شاة الآخر عنده. ووجه الاستحسان: أنها تعيّنت للأضحية، والإذن حاصلٌ دلالة، لجِري العادة بالاستعانة بالغير في أمر الذبح، وإذا صحّ الذبح عنهما يأخذ كلٌّ منهما أضحيته، إن كانت باقيةً، ولا يضمن الآخر لأنّه بمنزلة وكيله ويحلّل كل منهما صاحبه (إن كان كلّ منهما أكل ما ذبحه، لأنّ صاحبها لو أطعمه الكلَّ جاز، وإن كان غنياً فكذا إذا حلّله منه) (١) وإن تشاحّا كان لكل منهما أن يُضمِّن صاحبه قيمة لحمه، ثم يتصدّق بتلك القيمة لأنها بدلٌ عن لحم الأضحية، فصار كما لو باع (أضحيته فإنه يجب عليه أن يتصدّق بالثمن، وهذا لأن التضحية لمّا وقعت عن المالك كان) (٢) اللحم له. (وَصَحَّ التَّضْحِيَةُ بِشَاةِ الغَصْبِ) وضَمِن قيمتها، ولم يصحّ عند زفر، وهو قول الأئمة الثلاثة لأنه حين ضحّى بها لم يكن مالكها. ولنا: أنه ملكها عند أداء الضمان مستنداً إلى الغصب السابق فكانت التَّضحية واردةً على ملكه (لَا الوَدِيعَةِ) أي لا تصحّ التضحية بشاة الوديعة لأنها لا تصير ملكه إلاّ بعد الذبح، فكانت التضحية في غير ملكه. (وضَمِنَهُمَا) أي شاة الغصب والوديعة لحصول التعدّي منه بالذبح، وضمانهما بالقيمة. وكُره الانتفاع بلبن الأضحية وجزُّ صوفها قبل الذبح، لأنّه أعد للقربة بجميع أجزائها، فلا ينبغي أن يَصْرِف شيئاً منها إلى حاجة نفسه، لأنّه في معنى الرُّجوع عن الصدقة بخلاف ما بَعْد الذبح، لأنّ القُرْبة أقيمت بالذبح، والانتفاع بعد إقامة القربة مطلقاً كالأكل. والله أعلم بالصواب.

стр. 1387

كِتَابُ الصَّيدِ يَحِلُّ صَيدُ كُلِّ ذِي نَابٍ وَمِخْلَبٍ، بِشَرْطِ عِلْمِهِمَا === كتاب الصَّيْدِ الصيد مصدرٌ بمعنى الاصطياد، ويُطْلَق على المَصِيد تسميةً للمفعول بالمصدر. والاصطياد حلالٌ في غير الحَرَم ولغير المُحْرِم. والصيد يحلّ إن كان مأكولاً، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١) والأمر للإباحة، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ (٢) . (يَحِلُّ صَيْدُ كُلِّ ذِي نَابٍ وَ) ذي (مِخْلَبٍ) أي يحلّ الاصطياد بكل منهما، لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مِكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٣) فقوله: وما عَلَّمتم عطفٌ على الطَّيِّبَات، على أنّ «ما» موصولة أي وحَلّ لكم صيد ما علَّمتم، أو «ما» شرطية وجوابها فكلوا. والجوارح: الكواسب من سباع البهائم والطير، كالكلب والفهد والنَّمِر والعُقَاب (٤) ، والصَّقْر، والبازي (٥) . والمكلِّبُ: مؤدِّب الجوارح ومُضْرِيهَا (٦) لصاحبها، ورائضها لذلك بما عُلِّم من الحِيَل وطرق التأديب واشتقاقه من الكلب، لأنّ ذلك أكثر ما يكون في الكلاب، أو لأنّ السَّبُعَ يسمى كلباً. واستثنى الخنزير، فإنّ الاصطياد به لا يجوز بالإجماع لنجاسة عينه. (بِشَرْطِ عِلْمِهِمَا) أي علم ذي ناب وذي مِخْلَبٍ بأخذ الصيد لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾، ولقوله ﵊ (لأبي) (٧) ثعلبة: «ما صِدت بكلبك المعلَّم فذكرتَ اسم الله عليه فَكُل، وما صدت بكلبك غيَرِ معلَّمٍ، فأدركت ذَكَاته فكل». رواه أحمد والبخاري.

стр. 1388

وَجَرْحِهِمَا، وَإِرْسَالِ مسلِمٍ أوْ كتَابِيّ مُسَمِّيًا، عَلَى مُمْتَنِعٍ === (وَ) بشرط (جَرْحِهِمَا) في أي موضعٍ كان لتحقّق الذكاة الاضطرارية ولتوافق أصل المعنى اللغوي من الجراحة في الجوارح، وإن كان نُقِل الجَرْح إلى معنى الكَسْب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (١) . وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه لا يشترط، وهو قول الشَّعْبي لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) من غير قيدٍ بالجرح. وقيل: هذا رجوع منهما إلى تأويل الجوارح بالكواسب، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي كسبتم. ولنا: أنَّ لها تأويلًا آخر وهو أن يكون جارحًا بنابه أو بِمخْلَبِهِ ويمكن حمله عليها، فيشترط أن يكون من الكواسب التي تجرح لتعمل بالجرح بيقين. والأصل عند أهل التأويل أنَّ اللفظ إذا كان له تأويلات مختلفة وأمكن الجمع بينها يقال بجميعها كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ (٣) قيل في تفسيره: مسلمًا، وقيل: مخلصًا، وقيل: حاجًّا (٤) ، فنقول بجميعها بخلاف المشترك. ووجه الظاهر أيضًا أن المقصود إخراج الدّم المسفوح، وهو بالجرح عادة، وأقيم الجرح مقامه كما في الذكاة الاختيارية والرمي بالسهم، ولأنَّه لو لم يجرحه صار مَوْقُوذة (٥) وهي محرّمة بالنّص. (وَ) بشرط (إِرْسَالِ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيّ) لأنّ ذا الناب والمِخْلَب بمنزلة آلة الذبح، ولا يحصل بمجرد الآلة بل باستعمالها، وذلك فيهما بالإرسال. والكتابي أهلٌ للذكاة الاختيارية، فيكون أهلًا للاضطرارية بخلاف المجوسيّ والوثنيّ والمرتدّ. (مُسَمِّيًا) أي حال كون المسلم أو الكتابيّ مسمّيًا عند الإرسال، فمتروك التَّسمية عامدًا لا يحلّ، وناسيًا يحلّ لما بيناه في الذبائح لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٦) ، ولقوله ﵊ لِعَدِيّ بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك فأدركته حيًا فاذبحه، وإن أدركتَه قد قُتِلَ ولم يأكل منه فكله، فإنَّ أخذَ الكلب ذكاة". رواه أحمد والشيخان. (عَلَى مُمْتَنِعٍ). متعلّق پارسال. واحترز به عن الإرسال على غير الممتنع بقوائمه أو

стр. 1389

مُتَوَحِّشٍ يُؤْكَلُ، وَأن لا يُشَارِكَ المُعَلَّم مَا لا يَحِلّ صَيدُهُ، وَلا تَطُولَ وَقْفَتُهُ بَعْدَ الإِرْسَالِ. وَيُعْلَمُ المُعَلَّمُ: بِتَرْكِ أكلِ الكَلْبِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَرُجُوعِ البَازِي بِدُعَائِهِ، === بجناحيه، فلو أخذ الكلب ونحوه صيدًا قد قيّد في شبك، أو سقط في بئرٍ، أو أثخنه آخَرُ لم يحِلَّ بمجرد جرحه إيّاه، لأنَّه خرج بهذه العوارض عن الامتناع. (مُتَوَحِّشٍ) احترز به عن المُسْتَأْنس (يُؤْكَلُ) لأنَّ الكلام فيما يحلّ أكله بالصيد، فلا بدّ أن يكون ممَّا يؤكل. (وَ) بشرط أن لَا يُشَارِكَ المُعَلَّمَ مَا لَا يَحِلّ صَيْدُهُ) وهو كلب غير معلَّم، أو کلبُ مجوسيّ، أو كلبٌ لم يُرْسل للصيد، أو كلبُ أرسل وتَرَكَ التسمية عليه عمدًا لما أخرجه أصحاب الكتب الستة عن عديّ بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله: إني أُرسل كلبي فأجدُ معه كلبًا آخر لا أدري أيهما أخذه؟ فقال: "لا تأكل فإنّما سمّيت على كلبك، ولم تسمّ على كلبٍ آخر". وفي لفظ: "إذا أرسلت كلبك فسمّيت فأخذ فقتلَ فكُلْ، وإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نَفْسِهِ". وفي لفظٍ: قلت: يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلّمة فيُمْسِكْنَ عليَّ وأَذْكر اسم الله، فقال: "إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله فكُلْ ما أمسك عليك". قلت: وإن قتلْنَ؟ قال: [إن قتلن] (١) ما لم يشركه كلبٌ ليس معه". وفي رواية لأحمد والشيخين: "إذا أرسلت کلبك، فاذكر اسم الله عليه، فإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره وقد قتل، فلا تأكل، فإنَّك لا تدري أيهما قتله». ولأنَّه اجتمع الإباحة والحرمة فغلبت الحرمة. (وَ) بشرط أن (لَا تَطُولَ وَقْفَتُهُ) أي توقف ما أرسل (بَعْدَ الإِرْسَالِ) لأنه إذا طال وقوفه بعد الإِرسال لم يكن اصطياده مضافاً إلى الإرسال. (وُيُعْلَمُ) أي يُعْرَفُ (المُعَلَّمُ) بالصيد في نحو الكلب والبازي (٢) (بِتَرْكِ أَكْلِ الكَلْبِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَرُجُوعِ البَازِي بِدُعَائِهِ) عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، لأن علامة التعلّم ترك ما هو مألوف عادةً، والبازي متوحّشٌ متنفّرٌ، فكانت الإجابة علامة تعلُّمه، ولو بمرّة، والكلب ألوفٌ لا يترك الأكل عادةً، فكان علامةُ تعلّمه تَرْكَ أكله. وإنّما قُدّر بثلاث مراتٍ، لأنه ربّما يترك الأكل لشِبَعه، فقدّر له مدّة ضربت للاختبار كما في مدّة الخيار. وعند أبي حنيفة ﵀: لا يثبت التعلّم إلاّ بأن يَغْلُب على الظن أنّه تعلّم، ولا يقدّر بشيء، لأنّ المقادير تُعْرَفُ بالنص لا بالاجتهاد، ولا نصّ فيفوّض إلى رأى المُبْتَلى به، ورواية الحسن عنه كقولهما.

стр. 1390

فَإنْ أكَلَ بَعْدَ تَرْكِهِ ثَلاثًا، تَبَيَّنَ جَهْلُهُ. وَلا يُؤْكَلُ مَا قَدْ صَادَ وَبَقِيَ في مِلْكِهِ، وَلا مَا بِصَيْدِهِ حَتَّى يَتَعَلَّمَ. وَشَرْطُ الحِلِّ بِالرَّمْيِ التَّسْمِيَةُ، والجَرْحُ، وأَنْ لا يَبعُدَ عَنْ طَلَبِهِ إِنْ غَابَ مُتحَامِلًا سَهْمَهُ، === (فَإِنْ أكَلَ) الكلب (بَعْدَ تَرْكِهِ ثَلَاثاً تَبَيَّنَ جَهْلُهُ) عندهما (وَلَا يُؤْكَلُ مَا قَدْ صَادَ) قبل أكله (وَبَقِيَ في مِلْكِهِ) أي ملك مالكه من الصائد وغيره، سواء لم يكن مُحرزاً بأن كان في المفازة (١) بعدُ، وهذا بالاتفاق، أو كان محرزاً، وهذا عند أبي حنيفة. وأمّا عندهما: فيؤكل، لأنّ الأَكل لا يدلّ على الجهل فيما تقدّم، لأنّ الحرفة تُنْسَى بخلاف غير المحرز، لأنه صيدٌ من وجهٍ لعدم الإحراز، فَحَرُم احتياطاً. ولأبي حنيفة: أنّ أكل الكلب علامة الجهل من الابتداء، لأن الحرفة لا تُنْسى أَصْلُها، فإذا أكل تبين أنه إنّما كان ترك الأكل للشِّبع لا للتعلّم. ولو شرب الكلب من دم الصيد ولم يأكل منه حلّ، لأنّه ممسك عليه، وهذا غاية علمه حيث شرب ما لا يصلح لصاحبه، وأمسك عليه ما يصلح له. (وَلَا) يؤكل (مَا يَصَيْدُهُ) الكلب (حَتَّى يَتَعَلَّمَ) فإذا ترك ثلاثاً لا يؤكل الأول ولا الثاني اتفاقاً، ولا الثالث عندهما خلافاً لأبي حنيفة. وأمّا إن أكل البازي ونحوه منه فلا يَحْرُم اتفاقاً لما رُوِيَ عن ابن عبّاس في البازي: يَقْتل الصيد، ويأكل منه قال: كُلْ. (وَشَرْطُ الحِلِّ) مبتدأ (بِالرَّمْيِ) أي بالحادِّ، وهو متعلّق بالحِلّ والخبر (التَّسْمِيَةُ) وهذا عندنا، وبه قال مالك. وذلك لأنّ الرمي، كالذبح لكون السهم آلةً، ولقوله ﵊ لِعَدِي: «إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله عليه، فإن وجدته قد قتل فكُلْ، إلاّ أن تجده قد وقع في ماءٍ». رواه الشيخان وزاد مسلم: «فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك»؟ (والجَرْحُ) أي وشرط حلِّه بالجراحة ليتحقق معنى الذكاة (وَأَنْ لَا يَبْعُدَ عَنْ طَلَبِهِ إِنْ غَابَ) الصيد حال كونه (مُتَحَامِلاً سَهْمَهُ) لِمَا روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»، والطَّبَرانيّ في «معجمه»، عن أبي رَزِين عن النبيّ ﷺ في الصيد يتوارى عن صاحبه قال: «لعلّ هوامَّ الأرض قتلَتْه». وروى عبد الرَّزَّاق نحوه عن عائشة مرفوعاً بلفظ: أن رجلاً أتى النبي ﷺ بظبْيٍ قد أصابه بالأمس وهو ميت فقال: يا رسول الله عرفت فيه سهمي، وقد رميته

стр. 1391

فَإنْ أدْرَكَهُ المُرْسِلُ أَوْ الرَّامي حَيًّا ذَكّاهُ. فَإنْ تَرَكَهَا عَمْدًا حَرُمَ، === بالأمس. فقال: «لو أعلم إنّ سهمك قتله أكلته، ولكن (لا) (١) أدري وهوامُّ الأرض كثيرة». وفي «مراسيل أبي داود» عن الشَّعْبِيّ أن أعرابياً أهدى إلى النبيّ ﷺ ظَبْياً فقال: «من أين أصبت هذا»؟ قال: رميته فطلبته فأعجزني حتى أدركني المساء فرجعت، فلمّا أصبحت اتّبعت أثره فوجدته في غارٍ، وهذا مِشْقَصِي (٢) فيه أعرفه»، قال: «بات عنك الليلة فلا آمَنُ أن يكون هامَّةٌ أعانتك عليه فلا حاجة لي فيه». هذا ولكنه يخالف صريح ما في مسلم وأحمد وأبي داود والنَّسائي عن أبي ثَعْلَبَة الخُشَنِيّ عن النبي ﷺ في الذي يدرك صيده بعد ثلاث قال: «كُلْ ما لم يُنْتِنْ». وكذا ما في «صحيح البخاري» ومسلم والنَّسائي عن عدي بن حاتم: «وإن رميتَ بسهمِك فاذكر اسمَ الله، فإن غاب عنك يوماً فلم تجد فيه إلاّ أثرَ سَهْمِك فَكُلْ إن شئت، وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك»؟. وفي مسلم عنه أيضاً أنه قال: يا رسول الله يرمي أحدنا الصيد فيقتفي أثره اليومين أو الثلاثة ثم يجده ميتاً وفيه سهمه (أيأكل) (٣) قال: «يأكل إن شاء». وفي سنن الترمذي والنَّسائي عنه أيضاً قال: قلت: يا رسول الله إنَّا أهل صيد، وإنّ أحدنا يرمي الصيد فيغيب عنه الليلة والليلتين، فيبتغي الأثر فيجده ميتاً. قال: «إذا وجدت السهم فيه ولم تجد أثر غيره، وعلمت أنّ سهمك قتله فكله». ولا شك أنّ الصريح مقدّم على الظاهر في الاستدلال، اللَّهم إلاّ أن يقال: إنّ الظاهر حاظرٌ، وهو مقدّمٌ على المبيح. (فَإِنْ أدْرَكَهُ المُرْسِلُ أَوْ الرَّامي حَيّاً ذَكّاهُ) لأنه قَدِر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل، لأنّ المقصود هو الإباحة، وهي لا تثبت قبل موته. (فَإِنْ تَرَكَهَا) أي الذكاة (عَمْداً حَرُمَ) لأنّه ميْتَةٌ، لأنّ الواجب فيه الذكاة الاختيارية ولم يفعل، وهذا إذا تمكّن من ذبحه ولم يذبحه، أو لم يتمكن، وفيه من الحياة فوق ما في المذبوح في ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنّه يحِلّ، وهو قول الشافعيّ. لأن ذكاة الاضطرار بدلٌ عن ذكاة الاختيار، وما لم يقدِر على الأصل لا يسقط حُكْمُ البدل. وهنا لم يقدر على الأصل فصار كالمتيمم إذا وجد الماء وبينه (وبينه) (٤) سَبُعٌ أو عدوٌ. وأمّا إذا لم يتمكّن من ذبحه وكان فيه من الحياة بقدر ما في المذبوح، بأن لم

стр. 1392

كَمَا إِذَا قَتَلَهُ مِعْرَاضٌ بِعَرْضِهِ، أَوَ بُنْدُقَةٌ ثَقِيلَةٌ ذَاتُ حِدَّةٍ، أوْ رُمِيَ فَوَقَعَ في مَاءٍ، أَوْ عَلَى سَطْحٍ ثُمَّ عَلَى الأَرْضِ. === يبق إلاّ مضطرباً اضطراب المذبوح، فإنه يحِلّ اتفاقاً، لأنّ هذا القدر من الحياة لا يعتبر، فكان ميتاً حكماً، وإذا كان ميتاً حكماً لا يكون محلاً للذبح. قال الصدر الشهيد: إن هذا وِفاق، وقيل: هو قولُهما. وعند أبي حنيفة لا تحِلّ إلاّ إذا ذكَّاه بناءً على أنّ الحياة الحقيقية معتبرةٌ عنده غير معتبرةٍ عندهما. وقال بعض المشايخ: إن لم يتمكن لفقد الآلة لم يُؤْكَل اتفاقاً، لأنّ التقصير (١) من قِبَلِهِ حيث لم يحمل آلة الذكاة معه، وإن لم يتمكن لضيق الوقت لم يؤكل عندنا. وقال حسن بن زياد، ومحمد بن مُقَاتل: يحِلّ استحساناً، لأنّه لم يقدر على الأصل لِضِيق الوقت، فبقيت ذكاة الاضطرار مُوجِبة للحلّ. وبالاستحسان أخذ الإمام فخر الدين قاضيخان. ولنا: أنه بالوقوع في يده لم يَبْقَ صيداً فلم يُعْتبر حُكْمُ ذكاة الاضطرار فيه، وصار كما لو خنقه الكلب ولم يَجْرَحْه. (كَمَا) حرم الصيد (إِذَا قَتَلَهُ مِعْرَاضٌ) وهو السهم الذي لا ريش له (بِعَرْضِهِ) متعلّق بقتل، وإنّما حرم لما روى أصحاب الكتب الستة عن عَدِي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إني أرمي بالمِعْراض الصيدَ فأَصيد، قال: «إذا أصاب بحدِّه فَكُلْ، وإذا أصاب بِعَرْضِهِ فقتل فلا تأكل، فإنه وقِيذٌ» (٢) . (أَوَ) قتله (بُنْدُقَةٌ ثَقِيلَةٌ ذَاتُ حِدَّةٍ) لأنّ البُنْدُقة تَكْسِر ولا تَجْرَح، فكانت كالمِعْراض، ولأنّه ﵊ نهى عن الخَذْفِ (٣) وقال: «إنها لا تصيد ولكنها تكسر السِّنَّ، وتفقأُ العين». رواه أحمد والشيخان. قيّد بالثقيلة لأنها لو كانت خفيفة ذات حدّة لم يحرم لتيقن الموت بالجَرْح. والأصل هنا أن الموت إن حصل بالجَرْح بيقين يؤكل، وإن حصل بالثِّقَل أو شكّ فيه لا يؤكل فيه حتماً أو احتياطاً. (أوْ رُمِيَ فَوَقَعَ) الصيد (في مَاءٍ أَوْ عَلَى سَطْحٍ ثُمَّ عَلَى الأَرْضِ) لاحتمال أنه مات بغير الرمي إِذْ كلٌّ من الماء والسقوط من عُلُوَ مهلكٌ، أمّا الماء فلما روينا من قوله ﵊: «إلاّ أن يجده قد وقع في ماء». وأمّا المُتَرَدِّي فلقوله تعالى:

стр. 1393

وَيُعْتَبَرُ الزَّجْرُ فِيمَا لَمْ يُرْسِلْ، وَلَوْ اجْتَمَعَا يُعْتَبَرُ الإِرْسَالُ. وَإنْ أخَذَ غَيْرَ مَا أُرْسِلَ إِلَيهِ حَلَّ، كَصَيدٍ رُمِيَ فَقُطِعَ عُضْوٌ مِنْهُ، لا العُضْوُ. فَإنْ قُطِعَ أَثْلاثًا وَأكثرُهُ مَعْ عَجُزِهِ، أوْ قُطِعَ نِصْفُ رَأْسِهِ أوْ أكثَرُهُ، أوْ قُدَّ بِنِصْفَيْنِ، أُكُلَ كُلُّهُ. === ﴿وَالمُتَرَدِّيَة﴾ (١) ، وأمّا الواقع على الأرض ابتداءً أُكِلَ استحساناً، لأنّه لا يمكن الاحتراز عنه، إذ في اعتباره سدّ باب الاصطياد. (وَيُعْتَبَرُ الزَّجْرُ) وهو الإغراء بالصياح عليه، والانزجار: إظهار زيادة الطلب (فِيمَا) انفلت الجارح و (لَمْ يُرْسِلْ) فإنّ الزَّجر عند عدم الإِرسال أقيم مقام الإِرسال، لأن انزجاره عَقِيب زجره دليلٌ على طاعته، فإن لم يرسل الكلب أحدٌ وزجره مسلم فانزجر فأخذ الصيد حلّ، ولو زجره مجوسيّ فانزجر فأخذ الصيد حَرُم. (وَلَوْ اجْتَمَعَا) أي الإِرسال والزَّجر مِنْ مُسْلِمٍ وَمَجُوسِيّ. أو مُحْرِمٍ أو مرتدَ أو تاركٍ التسمية عمداً (يُعْتَبَرُ الإِرْسَالُ) لأنّ الفعل يُرفع بما فوقه أو مِثْلُه، لا بما هو دونه. والزجر دون الإِرسال لكونه بناء عليه. (وَإِنْ أخَذَ) المُرْسَل (غَيْرَ مَا أُرْسِلَ إِلَيْهِ حَلَّ) لأنه لا يمكن تعليمه على وجهٍ يأخذ ما عيّنه لأخذه، فسقط اعتباره. (كَصَيْدٍ) أي كَحِلّ صيدٍ (رُمِيَ فَقُطِعَ عُضْوٌ مِنْهُ) لوجود الجَرْح (لا العُضْوُ) أي: لا يَحِلّ العضو، لأنه ميتة لِمَا أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ عن أبي واقدٍ اللَّيْثِيّ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «ما قُطِعَ عن البهيمة وهي حيةٌ فهو ميتةٌ». زاد الترمذي: قال: قدم النبيّ ﷺ وهم يَجُبُّونَ (٢) أسْنِمَةَ الإبل ويقطعون أَلْيَات الغنم، فقال ﷺ : «ما قُطع من البهيمة وهي حيةٌ فهو ميتةٌ». وفي «المستدرك» عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيّ أن رسول الله ﷺ سُئِلَ عن قطع أليات الغنم وجبّ أَسْنِمَة الإبل، فقال: «ما قطع من حي فهو ميتٌ». وقال: حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. (فَإنْ قُطِعَ) الصيد (أَثْلَاثاً، وَأَكْثَرُهُ مَعْ عَجُزِهِ، أوْ قُطِعَ نِصْفُ رَأْسِهِ، أوْ أكثَرُهُ، أوْ قُدَّ) أي شُقَّ (بِنِصْفَيْنِ أُكِلَ كُلُّهُ)، لأن المُبَان منه في الصُّوَر الثلاث حيّ صورةً لا حُكْماً، إذ لا يتوهم بقاء الحياة فيه، وصار كما لو أُبين رأسه في الذكاة الاختيارية، وذلك أنّ فيه من الحياة بقدر ما في المذبوح. ولهذا لو وقع في الماء وبه هذا القدر من الحياة، أو تردّى من جبلٍ أو سطحٍ، لا يَحْرُم.

стр. 1394

وَإنْ رَمَى صَيدًا، فَرَمَاهُ آخَرُ، فَقَتَلَه، فَهُوَ للأَوَّلِ وَحَرُمَ، وَضَمِنَ الثَّاني له قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا إنْ كانَ الأَوَّلُ أثْخَنَهُ، وَإلَّا فَلِلْثّانِي، وَحَلَّ. وَيُصَادُ مَا يؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَمَا لا يُؤكَلُ. === (وَإِنْ رَمَى صَيْداً فَرَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَه فَهُوَ للأَوَّلِ وَحَرُمَ) لاحتمال موته بالرمي الثاني، وهو ليس بذكاة له، لوجود القدرة على الذكاة الاختيارية. (وَضَمِنَ الثَّاني له) أي للأَوَّل (قِيمَتَهُ مَجْرُوحاً إنْ كانَ الأَوَّلُ أثْخَنَهُ) بأن أخرجه عن حيّز الامتناع، لأنه أتلف صيْداً مملوكاً للأوَّل، لأنّه مَلَكَه بالرمي المثخن، وقيمة المُتْلَف يعتبر يوم الإتلاف، فيلزمه قيمته ناقصاً بجراحة الأوّل، كما لو أتلف عبداً مريضاً أو شاةً مجروحة، فإنه يضمن قيمته ناقصاً بالمرض أو الجُرْح. (وَإِلاَّ) أي وإنْ لم يُثْخِنْهُ الأول (فَلِلْثّانِي) أي فالصيد للثاني، لأنه هو الصائد له وهو صيد بعدُ، وقد قال النبيّ ﷺ : «الصيد لمن أخذه، لا لمن أثاره (١) » رواه ابن حمدون في «التذكرة» من حديث أبي هريرة. (وَحَلَّ) لأنه ذُكِّيَ ذكاةً اضطرارية، وهو حينئذٍ ممّا يذَّكى به. (وَيُصَادُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ) لإطلاق الآية، ولأنّ صيد ما لا يؤكل سببٌ للانتفاع بجلده أو شعره أو ريشه أو لاستدفاع شرّه، وكل ذلك مشروع، والله تعالى أعلم.

стр. 1395

كِتَابُ اللَّقيطِ واللُّقَطَةِ والآبِقِ رَفْعُهُ أَحَبُّ، وَإنْ خِيفَ هَلاكُهُ يجبُ === كتاب اللَّقِيطِ واللُّقَطَةِ والآبِقِ اللَّقِيط لغةً: فعيلٌ بمعنى مفعول، من لقَطَه إذا رفعه من الأرض. وعُرْفا: غَلَب على الصبيّ المنبوذ، لأنه بصدد أن يُلْقَطَ. وشرعاً: مولودٌ حيّ طرحه أهله خوفاً من العَيْلة (١) أو فراراً من تهمة الزِّنا. سُمِّي بما يؤول أو بما هو مشرفٌ عليه كقوله ﵊: «من قَتَل قتيلاً فله سَلَبُهُ (٢) » (٣) . ومضيِّعُه آثمٌ، ومحرزه غانمٌ، لِمَا في إحرازه (٤) من إحياء النفس، وفي إهماله من التسبب لهلاكها. وقد قال الله تعالى: ﴿من أَجَل ذلك كَتَبنْاَ على بني إسرائيلَ أنَّه مَنْ قتَل نفساً بغيرِ نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنَّما قَتَلَ النَّاسَ جميعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ (٥) . ولذا (رَفْعُهُ) أي اللَّقيط (أَحَبُّ) من تركه إن لم يُخَف هلاكُه بأن كان في مِصْرٍ، لما في رَفْعِه من التَّرحُّم، وفي تركه من عدمه. (وَإِنْ خِيفَ هَلَاكُهُ) بأن كان في مَفَازَةٍ أو بئرٍ أو مَسْبَغَة (٦) (يَجِبُ) صيانةً له عن الهلاك وجوبَ فَرْض الكفاية لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى﴾ (٧) لحصول المقصود بالبعض. وقال مالك والشَّافعيّ وأحمد: رَفْعُه إن لم يُخَف هلاكُه فرضُ كفاية لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى﴾، وإنْ خيف فرضُ عينٍ، كمن رأى أعمى يقع في البئر فإنه يُفَترض عليه حِفْظه من الوقوع. كذا ذكروه، وفيه أنّ هذا إذا كان هناك

стр. 1396

كاللُّقَطَةِ. وَهُوَ حُرٌّ إلّا بحُجَّةِ رِقّهِ، وَنَفَقَتُهُ وَجِنَايَتُهُ فِي بَيتِ المالِ، وَإِرْثُهُ لَهُ. === شخصٌ واحدٌ، فظاهرٌ أنه يصير فرض عينٍ عليه إجماعاً. وأمّا إذا كان جماعةٌ فلا شكّ أنّه فرضِ كفايةٍ إن خيف هلاكه، وإلاّ فيستحبُّ. (كاللُّقَطَةِ) فإنّ رفعها أحبُّ من تركها إن لم يخَف ضياعها، أو من نفسه عليها. وواجبٌ إن خاف ضياعها، ومكروهٌ إن خاف من نفسه عليها. وقال بعض التابعين: يحِلّ رفعها، والأفضل تركها، وبه قال أحمد. وعن الشَّافعيّ إذا لم يأمن عليها وجب رفعها لقوله تعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمؤمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ (١) وإذا كان المؤمن ولي المؤمن وجب عليه حِفْظُ ماله. وقال مالك: إن كانت شيئاً له بالٌ فرفْعُه أحبُّ، لأن فيه حفظَ مال المسلم، فكان أولى من تضييعه. (وَهُوَ) أي اللَّقيط (حُرٌّ إلاّ بحُجَّةِ رِقّهِ) لأنّ الأصل في بني آدم الحرية، ولقضاء عليّ ﵁ في اللقيط أنه حرٌ، وقرأ هذه الآية ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ (٢) . رواه البيهقي. (وَنَفَقَتُهُ وَجِنَايَتُهُ فِي بَيْتِ المالِ وَإِرْثُهُ لَهُ) أي يوضع فيه. أمّا الإرث والأَرْش (٣) فلأنّ الخَراج بالضمان. وأمّا النفقة فَلِما روى مالك في «الموطّأ» في كتاب الأقضية عن ابن شِهَاب الزُّهْرِيّ، عن سُنَيْن (٤) أبي جميلة ـ رجلٌ من بني سُلَيْم ـ أنّه وُجِد منبوذاً في زمن عمر بن الخطاب ﵁، قال: فجئت به إلى عمر، فقال: ما حملك على أخذ هذه النَّسَمَة (٥) ؟ قال: وجدتها ضائعةً فأخذتها. فقال له عَرِيفُهُ: يا أمير المؤمنين إنه رجلٌ صالحٌ قال: أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: اذهب به فهو حُرٌّ (ولك ولاؤه) (٦) ، وعلينا نفقته. وفي «المُغْرِب»: عريفه: الذي بينه وبينه معرِفة. وفي رواية عبد الرَّزَّاق فقال له: عسى الغَوَيْرُ أَبْؤُساً. وهو مَثَل مضروب (٧) لمن

стр. 1397

وَلا يُؤْخَذُ مِنْ آخِذِهِ، وَنَسَبُهُ مِنْ مُدّعِيهِ وَلَوْ رَجُلَيِنْ، أَوْ مِمَّنْ يَصفُ مِنْهُمَا عَلامَتَهُ، أَوْ عَبْدًا وَكَانَ حُرًّا، أوْ ذِمّيًا وَكَانَ مُسْلِمًا، إنْ لَمْ يَكُنْ في مَقَرِّهِم === يكون باطنُه بخلاف ظاهره. وأول من تكلم به الزَّبَاءُ الملكة حين رأت الصناديق فيها الرِّجال، وقد أُخبرت أن فيها الأموال، فلمّا أحست بذلك أنشأت شعراً هذه آخِرُه، فصار كلامها مثلاً. وكأن عمر ظنَّ أنّ هذا الرّجل جاء إليه بولده يزعم أنّه لقيطٌ ليستوفي منه نفقته، فلذا ذَكَر هذا المَثَل. (وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ آخِذِهِ) إلاّ بإذْنِهِ لسَبْقِه. ولو دفعه إلى غيره ليس له أن يستردّه منه، لأنه رضي بإسقاط حقّه. (وَ) يثبت (نَسَبُهُ) استحساناً (مِنْ مُدّعِيهِ وَلَوْ) كان مدعيه (رَجُلَيْنِ) ليس أحدهما المُلْتَقِط ولا سبقت دعوته. (أَوْ مِمَّنْ يَصفُ مِنْهُمَا عَلَامَتَهُ) لأنّ الظاهر شاهدٌ له. وإنّما ثبت نَسَبُه من اثنين لاستوائهما في دعوى ما فيه نفعٌ له. وعندنا: يثبت النسب من اثنين في باب الاستيلاد (١) إذا استويا في الحُجَّة. وأمّا لو كان أحدهما المُلْتَقِط أو سبقت دعوته لكان أولى، لترجّح المُلْتَقِط باليد، وسابق الدّعوى بثبوت حقّه في زمانٍ لا منازع له فيه إلاّ إذا أقام الآخر البيِّنة، لأنها أقوى. وقال الشّافعيّ وأحمد: يعتبر قول القَافَة (٢) إذا ادَّعاه اثنان ولم يبيّنا، سواء وصف أحدهما علامةً أو لم يصف، أو بيّنا وتعارضا، وإذا اشتبه على القَافَةِ (يقرع ولو ألحقته القافة) (٣) بهما عند أحمد. ولو ادّعاه امرأتان يثبت منهما عند أبي حنيفة كالرجلين، وعندهما: لا يثبت، لأن ثبوت النَّسب من المرأة متعلّق بحقيقة الولادة، وولادته عنهما محال. (أَوْ) كان مدعيه (عَبْداً) لأنّ في ثبوت نسبه له نفعاً (وَكَانَ حُرّاً) لأنّ المملوك قد تلد له الحرَّةُ ولداً، فيكون تبعاً لأُمه (أوْ) كان مدعيه (ذِمّياً وَكَانَ مُسْلِماً إنْ لَمْ يَكُنْ في مَقَرِّهِمْ) أي مقّر أهل الذِّمة بإن وُجِدَ في قرية من قرى المسلمين، أو في مسجدٍ. أمّا إذا وُجِدَ في مقرّهم، بأن وجد في قرية من قراهم، أو في بِيعةٍ (٤) أو كنيسةٍ كان ذمياً. وفي «المبسوط»: ولو وجده مسلم في مكان المسلمين ولم يدَّعه أحد، يُحكم بإسلامه، وبه قال مالك وأحمد والشَّافعيّ. ولو وجده كافرٌ في مكان (أهل الكفر يحكم بكفره حتى لا يصلّى عليه إذا مات. ولو وجده كافر في مكان) (٥) المسلمين

стр. 1398

وَمَا شُدَّ عَلَيهِ لَهُ، صُرِفَ إِلَيهِ. وَلِلْمُلْتَقِطِ قَبْضُ هِبَتِهِ وَتَسْلِيمُهُ في حِرْفَةٍ، لا إِنْكَاحُهُ، ولا تَصرُفُ مَالِهِ وَلا إِجَارَتُهُ. === أو مسلم في مكان الكفَّار ففي كتاب اللقيط: العبرة للمكان في الفصلين لسَبْقهِ، ولأنّ المسلم لا يضع ولدَه في البِيعة، والكافر لا يضع ولده في المسجد. وفي رواية ابن سَمَاعَة عن محمد: العبرة للواجد لقوة اليد. وفي رواية: الاعتبار للإسلام نظراً للصغير أو للزِّيّ كما في اختلاط موتانا بموتاهم في الحرب. وفي «المبسوط»: إنّ أسْلَمَ الروايات اعتبارُ الإسلام، لأنّه يَعْلُو ولا يُعْلَى. (وَمَا شُدَّ) أي رُبط من المال (عَلَيْهِ) أي على اللّقيط أو على دابة هو عليها (لَهُ) أي للَّقيط اعتباراً للظاهر في دفع دعوى الغير ولليد في الملك، وأصله القميص الذي عليه. (صُرِفَ إِلَيْهِ) أي إلى مصالح اللقيط بأمر القاضي، لأنه مالٌ ضائعٌ، وللقاضي ولاية صرف مثله إليه. وقيل: بغير إذن القاضي، لأنّه للَّقيط ظاهراً، فاندفعت يد الغير عنه فبقي المال ضائعاً، فيُصْرَفُ في مصالحه على أنّه له أو لبيت المال، أو لأنّه للقيط ظاهراً. وله ولاية الإنفاق وشراء ما لا بدّ له كالطعام والكِسوة، ولأن الظاهر أن واضعه إنّما وضع ذلك المال معه ليُنْفِق عليه منه. والبناء على الظاهر جائزٌ ما لم يظهر خلافه، وهو مصدَّق في نفقة مثله عليه، لأنّه أمينٌ يُخْبرُ عمّا هو محتمل. ويكون وجوب الضمان عليه فيقبل قوله فيه، كمن دفع مالاً إلى إنسان وأمره أن يُنْفِقَ على عياله، فإنه يقبل قوله في نفقة مِثْلهم. (وَلِلْمُلْتَقِطِ قَبْضُ هِبَتِهِ) وصدقته لأنه نفعٌ محضٌ له (وَتَسْلِيمُهُ في حِرْفَةٍ) أي صناعة، لأنّه من باب تأديبه، لأنّ من اشتغل بعمل قَلَّما يشتغل بالفساد (لَا إِنْكَاحُهُ) أي ليس للملتقط إنكاح اللقيط ذكراً كان أو أنثى، لانعدام سبب الولاية من القرابة والملك والسلطنة. (ولا تَصَرُّفُ مَالِهِ) لما قدمناه (وَلَا إِجَارَتُهُ) في الأصحّ. ويصحّ صلح الإمام عن دمه بالدِّيَة، لأنّه نفعٌ للمسلمين لا عفوه، لأنه إبطال حقِّ مسلمٍ. ويمنعه أبو يوسف من استيفاء القصاص لأنه استيفاء لوليه وهو مجهولٌ، وأجازا له استيفاءَه لقوله ﵊: «السلطان ولي من لا ولي له» (١) . والمولى إذا كان مجهولاً لا يكون ولياً، لأنّه لا ينتفع به مع جهالته فالتحق وجوده بعدمه.

стр. 1399

[فَصْلٌ في اللُّقَطَةِ] وَاللُّقَطَةُ: أمَانَةٌ إنْ أَشْهَدَ عَلَى أَخْذِهِ ليرُدَّها عَلَى رَبِّهَا، وَإلَّا ضَمِنَ إن جَحَدَ المَالِكُ أَخْذَهُ لِلرَّد. === (فَصْلٌ في اللُّقَطَةِ) (وَاللُّقَطَةُ) بضم اللاّم وفتح القاف، ويُسكَّن: المال الملقوط (أمَانَةٌ) سواء (في الحِلِّ والحَرَم، وسواء كانت) (١) متاعاً أو بهيمةً. ونُدِبَ رفعها لمن يثق من نفسه الأمانة، وهو قول علمائنا وعامة الفقهاء، لأنه لو تركها لا يأمن أن تصل إليها يدٌ خائنةٌ فيكتمها عن مالكها، ولأنّه يلتزم أداء الأمانة في رفعها، والتزام أداء الأمانة تَعَرَّضٌ بمنزلة المثوبة قال الله تعالى: ﴿إنّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أنْ تؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا﴾ (٢) وامتثال الأمر سببٌ لمنال الأجر. والمُتَقَشِّفَةُ يقولون: لا يحلّ له أن يرفعها لأنه أخذ مال الغير بغير إذن صاحبه، وذلك حرامٌ شرعاً. وبعض المتقدمين من الأئمة التابعين كان يقول: يحلّ له أن يرفعها، والترك أفضل، لأنّ صاحبها إنّما يطلبها في الموضع الذي سقطت منه إذا فقدها، فإذا تركها وجدها صاحبها فيها، ولأنّه لا يأمن على نفسه أن يطمع فيها بعد رفعها، فكان معرِّضاً نفسه للفتنة. قلنا: نعم، لكن الحكم لغلبة الظنّ، والأفضل مراعاة الطرفين. (إنْ أَشْهَدَ) الآخِذ (عَلَى أَخْذِهِ) أنه أخذها (ليرُدَّها عَلَى رَبِّهَا) ذَكَر الضمير باعتبار المأخوذ ثم أنَّثَهُ باعتبار اللُّقَطَة رعاية لمعناها تارةً ولمبناها أخرى، وهذا نوع تفنُّنٍ في العبارة. وإنما كانت أمانة لأنّ أخذها على هذا الوجه مأذونٌ فيه شرعاً، فلا تكون مضمونة. وَشُرِطَ الإشهاد لما روى إسحاق بن رَاهُويه في «مسنده» عن عِيَاض بن حَمَّاد أن رسول الله ﷺ قال: «من أصاب لُقَطَةً فليُشْهِدْ ذا عدل ثم لا يكتم ولْيُعَرِّفَنَّهَا سنةً، فإن جاء صاحبها، وإلاّ فهو مال الله يؤتيه مَنْ يشاء». قالوا: ويكفي في الإشهاد أن يقول: من سَمِعْتُمُوهُ يَنْشُدُ لُقَطَةً فدلُّوه عليّ (وَإِلاَّ) أي وإن لم يشهد وادّعى أنّه أخذها للردّ (ضَمِنَ) عند أبي حنيفة ومحمد (إن جَحَدَ المَالِكُ أَخْذَهُ لِلرَّدِّ). وقال أبو يوسف: لا يضمن، لأن صاحبها يدّعي سبب الضمان وهو يُنكر، فكان القول قوله كما في الغصب، وهو قول مالك والشّافعيّ (وأحمد) (٣) ، لأنّ الإشهاد غير

стр. 1400

وَعُرِّفَتْ في مَكَانٍ وُجِدَتْ، وَفي المَجَامِعِ مُدَّةً لا تُطْلَبُ بَعْدَهَا. وَمَا لا يبقَى إلَى أَنْ يُخَافَ فَسَادُهُ، === واجب عندهم، بل مستحب. وحاصله أَنَّ الإشهاد شرطُ الأمانة عند أبي حنيفة ومحمد، ويَكتَفِي أبو يوسف ليكون أمانة، بقصد ردّها إلى مالكها، كمالك والشافعي، وهو رواية عن محمد. والقول قوله في ذلك بيمينه. ولهما: أنّه أقر بسبب الضَّمان، وهو أخذ مال الغير بغير إذنه وادّعى ما يبرئه، وهو الأَخْذ لمالكه، فلا يصدّق، كمن أخذ مال الغير وهلك في يده ثم ادّعى أن صاحبه أودعه إيّاه حيث لا يصدّق إلاّ بحجّة. وفي «الخَانِية»: وهذا الاختلاف فيها إذا أمكنه الإشهاد، وأمّا إذا لم يمكنه عند الرفع، أو خاف أنّه لو أشهد يأخذها منه ظالمٌ فتركَ الإشهاد فلا يضمن بالاتفاق، لأن ترك الإشهاد (لا) (١) يدل على أنه أخذها لنفسه إلاّ عند القدرة على الإشهاد. وقيّد بجحود المالك، لأنه لو صدّقه لا يضمن بالاتفاق، لأن تصديقه حجّة عليه كالبينة. ولو أشهد عند الأخذ وعرَّفها ثم ردّها (إلى موضعها) (٢) لا يضمن بالاتفاق كذا قاله الشارح. والصواب أنه في ظاهر الرواية. وتوضيحه أنه إذا أعاد اللُّقَطَةَ إلى موضعها الذي وجدها فيه بعدما أخذها ليعرّفها براء من ضمانها. ولو هلكت أو استهلكها رجلٌ قبل أن يصل إليها صاحبها، لأنّ أخذها لم يكن سبباً لوجوب الضمان عليه، وكذلك ردّها إلى مكانها إذ قد يأخذها لِيُعَرِّف صفتها حتّى إذا سمع إنساناً يطلبها دلّه عليها، وقد يأخذها ليردّها إلى مالكها ثم يُحسّ في نفسه عجزاً أو طمعاً فيردّها إلى مكانها، فلهذا لا يضمن شيئاً، وإنما الضمان على مستهلكها. وفي «مختصر الحاكم»: إن ردّها بعدما حوّلها يضمن، لأنّه بالتحويل التزم حفظها، وبالردّ صار مضيّعاً لها ولا كذلك قبل التحويل. بخلاف ما إذا لم يُشْهِد حيث لا يبرأ من الضمان اتفاقاً، لأن الظاهر أنه أخذها لنفسه فلا يبرأ بغير الردّ على صاحبها. (وَعُرِّفَتْ) ما يبقى ـ على سبيل الوجوب ـ (في مَكَانٍ وُجِدَتْ) بأن نادى إني وجدت لُقَطَة لا أدري مالكها، فليأت مالكها أو لِيَصِفَهَا لأَرُدَّهَا عَلَيه (وَ) عُرِّفَ أيضاً (في المَجَامِعِ) (٣) لأن ذلك أقرب إلى الوصول إلى صاحبها (مُدَّةً لا تُطْلَبُ بَعْدَهَا) وهو يختلف باختلاف اللُّقَطَة في قيمتها. (وَ) عُرِّفَ (مَا لَا يَبْقَى إلَى أَنْ يُخَافَ فَسَادُهُ

стр. 1401

ثُمَّ تُصُدِّقَ. === ثُمَّ تُصُدِّق) لأنّ في التَّصَدّق بها عِوضاً آجِلاً وهو الثواب في العقبى، أو عاجلاً وهو الضمان في الدنيا. وروى محمد عن أبي حنيفة: إن كانت أقلّ من عشرة دراهمٍ عرّفها أياماً على حسب ما يرى، وإن كانت عشرة فصاعداً (١) عرّفها حولاً. وروى الحسن عن أبي حنيفة أن يُعَرِّفَ مئتين فما فوقها حولاً اعتباراً بالزكاة، ويعرِّف العشرة فما فوقها شهراً، وما دونها إلى ثلاثة دراهم أياماً عشرة أو شهراً، ويُعَرِّفَ الثلاثة إلى الدرهم جمعة أو ثلاثة، والدرهم يوماً، والفَلْس بالنظر يَمْنَةً ويَسْرَةً. وقدّر محمد في «الأصل» مدّة التعريف بالحول من غير تفصيل بين الكثير والقليل، وهو قول مالك والشّافعيّ وأحمد، لِمَا روى الشيخان عن زيد بن خالد الجُهَنِيّ قال: سأل رجلٌ رسول الله ﷺ عن اللُّقَطَةِ فقال: «عَرِّفْهَا سنةً، ثم اعرف عِفَاصها ووكَاءَها، (فإن جاء أحدٌ يخبرك بها، وإلاّ فَاسْتَنْفِقْهَا) (٢) (فإن جاء صاحبها فأدِّها إليه») (٣) . والعِفَاص: الوعاء الذي يكون فيه النفقة من جلدٍ أو خِرقة ونحوها. والوِكَاء: الذي يُشَدُّ به الكيس وغيره. والصحيح أن شيئاً من هذه التقادير ليس بلازمٍ، وإن تفويض التقدير إلى رأي الآخِذِ، لإطلاق حديث مسلم عن أُبَيّ بن كعبٍ أن رسول الله ﷺ قال في اللقطة: «عرِّفها، فإن جاء أحد يخبرك بعددها (٤) ووعائها وَوِكَائِها فأعطها إيّاه، وإلاّ فاستمتع بها». وفي رواية: «وإلاّ فهي كسبيل مالك». وأخرجه عن زيد بن خالد أيضاً. وفيه: «فإن جاء صاحبُها فَعَرَف عِفَاصَها وعددَها ووكاءها فأعطها إياه، وإلاّ فهي لك». ولأنّ النبيّ ﷺ قد زاد على السَّنَةِ ونقص منها. أمّا الزيادة فلِمَا في «الصحيحين» من حديث أبيّ بن كعب: أنه وجد صُرَّةً فيها مئة دينارٍ، فأتى بها النبيّ ﷺ فقال له: «عرِّفها حولاً»، فعرَّفها فلم يجد من يعرِفها ثم أتاه. فقال له: «عرِّفها حولاً». فعرَّفها فلم يجد من يعرفها. فقال له: «احفظ (٥) وعاءها وعددها». الحديث. وأمّا النُّقْصان فلما في «مصنف عبد الرَّزاق» وغيره عن أبي سعيد الخُدْرِيّ: أنّ

стр. 1402

فإنْ جَاءَ رَبُّهَا، إِنْ شَاءَ أَجازَ أَو ضَمِنَ الآخِذُ. === عليّ بن أبي طالب ﵁ وَجَد ديناراً في السوق. فأتى النبيَّ ﷺ (فقال: «عَرِّفْهُ ثلاثة أيام». قال: فعرَّفه ثلاثة أيام، فلم يجد من يعرِفه، فرجع إلى النبيّ ﷺ (١) فأَخْبَره، فقال: «شأنك به» قال: فباعه عليّ، فابتاع منه بثلاثة دراهم شعيراً، وبثلاثة دراهم تمراً، وقضى ثلاثة دراهم، وابتاع بدرهم لحماً، وبدرهم زيتاً، وكان الدينار بأحد عشر درهماً، فلمّا كان بعد ذلك جاء صاحبه فعرَّفه، فقال عليّ: قد أمرني رسول الله ﷺ (فأكلته) (٢) فانطلق صاحب الدّينار إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فقال لعليّ: «ردَّه إليه»، فقال: قد أكلته. فقال النبيّ ﷺ للرجل: «إذا جاءنا شيءٌ أدّيناه إليك». ورواه أبو داود ولم يذكر فيه ثلاثة أيام. فعُلِمَ أنّ التقدير بالسَّنَةِ ليس بعلّةٍ لازمةٍ في كل شيء، وإنما يُعرِّف مدّةً يتوهم أن صاحبها يطلبها، وذلك يختلف باختلاف المال وكثرته. وأمّا ما ورد من التقييد بالسنة فلعلّه لكون اللُّقَطَة المسؤول عنها كانت تقتضي ذلك، أو لأنّ الغالب في اللُّقَطَة أن يكون كذلك. ولو كانت اللُّقَطَة شيئاً يُعْلَمُ أنّ صاحبه لا يطلبه، كالنَّواةِ وقِشْر الرُّمان، يكون إلقاؤه إباحةً حتى جاز الانتفاع به من غير تعريف، ولكنه يبقى على ملك مالكه، لأنّ التمليك من المجهول لا يصحّ وملك المبيح لا يزول بالإباحة. قال شيخ الإسلام: ولو كانت متفرِّقة فجمعها الآخِذ ليس للمالك أَخْذُها بعد جمعها، لأنها تصير ملكاً له به. وكذا الجواب في التقاط السنابل بعد الحصاد وبه كان يُفْتِي الصدر الشهيد. (فإِنْ جَاءَ رَبُّهَا) بعد التصدّق بها (إِنْ شَاءَ أَجازَ) التصدّق بها ولو بعد هلاكها، لأنّ التصدّق لم يحصل بإذنه فيتوقف على إجازته. والملك يثبت للفقير فيها قبل الإجازة فلا تتوقّف الإجازة فيها على قيام المحل. ولا فرق بين أن يتصدّق بأمر القاضي أو بغير أمره على الصحيح. (أَوْ ضَمِنَ الآخِذُ) أي آخذ اللُّقطة لأنّه سلّم مالاً إلى غير صاحبه بغير إذنه إلاّ أنه بإباحةٍ من جهة الشرع. وهذا لا ينافي الضمان حقاً للعبد كما في تناول مال الغير حال المَخْمَصَة (٣) . وإن شاء ضَمَّنَ الفقير إن كانت اللُّقَطة هلكت في يده، لأنه قبض ماله بغير إذنه، ولا يرجع الفقير على المُلْتَقِطِ بما لِحِقه من الضمان كما لا يرجع الملتقط على الفقير، وإن كانت قائمةً أخذها، لأنها عين ماله، وبه قال مالك والثوريّ والحسن بن صالح.

стр. 1403

وَمَا أَنْفَقَ عَلَيهَا بِلا إِذْنِ حَاكِمٍ تَبَرُّعٌ، وَبِإذْنِهِ دَيْنٌ عَلَى رَبِّهَا. وَآجَرَ القَاضِي مَا لَهُ مَنْفِعَةٌ وَأَنْفَقَ عَلَيهَا كَالآبِقِ، وَمَا لا مَنْفَعَةَ لَهُ، أَذِنَ بِالإِنْفَاقِ إِنْ كَانَ الإِنْفاقُ أَصْلَحَ، وَإِلَّا بَاعَ. وَلِلْمُنْفِقِ حَبْسُهَا لأَخْذِ النَّفَقَةِ، فَإنْ هَلكَتْ بَعْدَ الحَبْسِ سَقَطَتْ، فَإِنْ بَيَّن مُدَّعِيهَا عَلامَتَهَا === وقال الشَّافعيّ وأحمد: إذا لم يجاء ربها بعد التعريف، مَلَكَها الملتقط بحكم القرض، فصارت كسائر أمواله، غنياً كان الملتقط أو فقيراً، لما في حديث مسلم السابق عن أبيّ بن كعب في رواية: «وإلاّ فهي كسبيل مالك». ولنا: ما أخرجه البزَّار في «مسنده» والدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ سُئِلَ عن اللُّقطة فقال: «لا تحلّ اللُّقَطَة، فمن التقط شيئاً فليعرّفه سنةً، فإن جاء صاحبها فليردّه إليه، وإن لم يأتِ فليتصدّق به. فإن جاء فليُخيّره بين الأجر وبين الذي لهُ». (وَمَا أَنْفَقَ) الملتقط (عَلَيْهَا) على اللُّقَطَة وكذا حكم اللقيط (بِلَا إِذْنِ حَاكِمٍ تَبَرُّعٌ) لقصور ولايته عن ذمة المالك، وصار كما لو قضى دين غيره بغير أمره (وَبِإِذْنِهِ) أي الحاكم (دَيْنٌ عَلَى رَبِّهَا) لأنّ للحاكم ولاية في مال الغائب نظراً له، وقد يكون النظر في الإنفاق (وَآجَرَ القَاضِي مَا) أيّ شيئاً (لَهُ مَنْفِعَةٌ) من البهائم (وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا) من أجرتها، لأنّ في ذلك إبقاءً للعين على ملك المالك من غير إلزام الدَّين عليه. (كَالآبِقِ) كما أنّ الآبِق يُفْعَل به ذلك. (وَمَا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ أَذِنَ) القاضي (بِالإِنْفَاقِ) عليه (إِنْ كَانَ الإِنْفاقُ أَصْلَحَ) وجعل النفقة دَيناً على مالكه، لأنّ القاضي نُصب ناظراً لمصالح الناس، وفي هذا نظر لجانب المالك بإبقاء عين ماله ولجانب الملتقط بالرُّجوع (وَإِلاَّ) أي وإن لم يكن الإنفاق أصلح بأن كانت النفقة تستغرق قيمة اللُّقطة (بَاعَ) القاضي اللُّقَطة وأمر بحفظ ثمنها إبقاءً لها معنىً عند تعذّر إبقائها صورةً. قالوا: وإنما يأذن بالإنفاق يومين أو ثلاثة على قَدْر ما يرى رجاءَ أن يَظْهَر مالكها، فإن لم يظهر أمر ببيعها لأنه لا نظر في الإنفاق مدّة مديدةً. (وَلِلْمُنْفِقِ حَبْسُهَا لأَخْذِ النَّفَقَةِ) لأنها حَييَتْ بنفقته فصار المالك كأنّه استفاد الملك من جهته فأشبه المبيع (فَإِنْ هَلكَتْ) اللُّقطة (بَعْدَ الحَبْسِ سَقَطَتْ) النَّفَقَة التي حُبِسَتْ لأجلها لأنها تصير بالحبس كالرَّهن. (فَإِنْ بَيَّنَ مُدَّعِيهَا) أي اللُّقَطَة (عَلَامَتَهَا) كأن سمّى الدارهم أو الدنانير وعددها

стр. 1404

حَلَّ الدَّفْعُ، وَلا يَجبُ بِلا حُجَّةٍ. وَيَنْتفَعُ بِهَا فَقِيرًا، وَإلَّا تَصَدَّقَ بِهَا، وَلَوْ عَلَى أصْلِهِ وَفَرْعِهِ وعِرْسِهِ. === ووكاءها (حَلَّ الدَّفْعُ) أي جاز دفعها إليه (وَلَا يَجِبُ) الدَّفع (بِلَا حُجَّةٍ) وهو قول الشّافعيّ. وقال مالك وأحمد وأبو داود وابن المُنْذِر: يجب الدفع بالعلامة، لقوله ﵊ في الحديث السابق: «فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها، فأعطه إيّاها». ولنا أنه مدّعٍ وعلى المدّعي البيّنة، والعلامة لا تدلّ على أنّها له، إذ قد يقف الإنسان على علامةٍ في مال صديقه، ولا يقف على علامةٍ في مال نفسه. والأمر في قوله ﵊: «فأعطه إيّاها» للإباحة، ولو دفعها بالعلامة يأخذ من صاحبها كفيلاً بلا خلافٍ لاحتمال أن يجيء غيره ويقيم البيّنة أنّها له، فيضمن ولا يمكنه الرّجوع على الذي أخذها لخفائه، ولو دفعها بالعلامة فجاء آخر وأقام بيّنة أنّها له، فإن كانت قائمةً أخذها، وإن كانت هالكةً ضَمن أَيَّهُما شاء لتعدّيهما بالدفع والأخذ، ورجع الملتقط على الآخِذ ولا يرجع الآخِذ على أحد. (وَيَنْتَفِعُ) الملتقط (بِهَا) حال كونه (فَقِيراً، وَإِلاَّ) أي وإن لم يكن الملتقط فقيراً (تَصَدَّقَ بِهَا وَلَوْ عَلَى أصْلِهِ وَفَرْعِهِ وعِرْسِهِ) (١) لحصول المقصود بالكلّ وهو التصدّق على المحتاج. ولو التقط العبد شيئاً بغير إذن مولاه يجوز عندنا وعند مالك وأحمد والشّافعيّ في قولٍ، فإن أتلفه طُولب ربُّهُ بقضاء الدين أو بالبيع، سواء أتلفه قبل التعريف أو بعده، وبه قال أحمد والشافعي (في وجهٍ) (٢) . وعند مالك إن أتلفه قبل التعريف يؤمر المولى بالدفع أو الفداء، وإن أتلفه بعد التعريف يُطالب العبد بعد العتق، لأنّ الشرع أذن له في الانتفاع فكان ضماناً يخصّه، فلا يظهر في حق المولى. ويُلْتَقَطُ إبلٌ وبقرٌ وغنمٌ ونحوها وجوباً إن خِيف ضياعها على مالكها من خيانة، أو لكونها في مَضْيَعَةٍ (٣) وإلاّ نَدْباً لما في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ قال: لما فتح الله تعالى على رسوله مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إنّ الله حبس عن مكة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنّها لم تحلّ لأحدٍ قبلي، وأنّها أُحِلَّت لي ساعةً من نهارٍ، وأنّها لا تحِلُّ لأحدٍ بعدي فلا يُنَفَّرُ صيدُها، ولا يُخْتَلَى شوكُها،

стр. 1405

وَنُدِبَ أَخْذُ الآبِقِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيهِ. وَتَرْكُ الضَّالِّ، قِيلَ: أَحَبُّ، === ولا تَحِلُّ ساقطتُها إلاّ لمنشدٍ» … الحديث. وفي الكتب الستة عن زيد بن خالد الجُهَنِيّ قال: جاء رجلٌ فسأل النبيّ ﷺ عن اللُّقَطة فقال: «اعرف عِفَاصها ووِكَاءَها ثم عرّفها سنةً، فإن جاء صاحبها وإلاّ فشأنك بها». قال: فَضَالَّةُ الغنم؟. قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب». قال: فَضَالَّةُ الإبل؟ قال: «ما لك ولها؟ معها سِقاؤها وحِذَاؤها تَرِد الماء وترعى الشجر، فَذَرْهَا حتى يلقاها ربّها». ولهذا منع مالك من التقاط الإبل في الصحراء. وحمَلَه مشايخنا على ما لم يخف ضياعها من يدٍ خائنة، بدليل قوله: «حتى يلقاها ربّها». ويحلّ أخذ التُّفاح والكُمَّثْرَى (١) من الأنهار الجارية بين البساتين، لأن هذا ممّا يفسد لو تُرِكَ، وكذا أخذ ما لا يبقى من الثِّمار الواقعة تحت الأشجار في غير الأمصار على القول المختار، لأنه يعلم أنّ مالكه لا يطلبه عادةً. ولو سَيَّبَ صيدَه أو دابته لهُزَالها، فأخذها غيره وأصلحها، بأن داواها وعلفها وسقاها حتى صارت ممّا يُنْتَفَعُ بها، فإن قال عند التسييب: جعلتها لمن أخذ، ليس له أن يأخذها منه، لأن التمليك من المعلوم صحيح والزيادة تمنع من الرُّجوع. وإن لم يقل ذلك جاز له أخذها لِمَا قَدَّمنا من عَدَمِ جواز التمليك من المجهول. ولو أُخِذَ نعله ووجد غيره مكانه لا يملكه لعدم تمليكه من مالكه، ويصير كاللُّقطة في الحكم لاحتمال أن يكون لغير مَنْ أخذه. (وَنُدِبَ أَخْذُ الآبِقِ) وهو المملوك الذي فرّ من مالكه قصداً، اسم فاعل من أَبَق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إلَى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ (٢) (لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ) أي قدر على أخذه وحفظه إلى أن يوصله إلى سيده، لِمَا فيه من إحياء ماله ونفعه، ولا خلاف في ذلك بين العلماء. (وَتَرْكُ الضَّالِّ) وهو المملوك الذي ضلّ الطريق إلى منزل مولاه (قِيلَ: أَحَبُّ) وقيل: يُنْدَبُ أخذه كالآبق. ووجه الأول وهو الفرق، أنَّ الضَّال لا يبرح مكانه (فيجده مالكه) (٣) ولا كذلك الآبق. ثم آخِذ الآبق يأتي به إلى السلطان، لأنه لا يَقْدِر على حفظه بنفسه عادةً، بخلاف اللَّقِيط واللُّقَطة، وهذا اختيار السَّرَخْسِيّ. وقال الحَلْوَانِيّ: الآخذ بالخيار، إن شاء حفظه، وإن شاء دفعه إلى الإمام، وكذا
следующие страницы →