← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

ثُمَّ تُصُدِّقَ. === ثُمَّ تُصُدِّق) لأنّ في التَّصَدّق بها عِوضاً آجِلاً وهو الثواب في العقبى، أو عاجلاً وهو الضمان في الدنيا. وروى محمد عن أبي حنيفة: إن كانت أقلّ من عشرة دراهمٍ عرّفها أياماً على حسب ما يرى، وإن كانت عشرة فصاعداً (١) عرّفها حولاً. وروى الحسن عن أبي حنيفة أن يُعَرِّفَ مئتين فما فوقها حولاً اعتباراً بالزكاة، ويعرِّف العشرة فما فوقها شهراً، وما دونها إلى ثلاثة دراهم أياماً عشرة أو شهراً، ويُعَرِّفَ الثلاثة إلى الدرهم جمعة أو ثلاثة، والدرهم يوماً، والفَلْس بالنظر يَمْنَةً ويَسْرَةً. وقدّر محمد في «الأصل» مدّة التعريف بالحول من غير تفصيل بين الكثير والقليل، وهو قول مالك والشّافعيّ وأحمد، لِمَا روى الشيخان عن زيد بن خالد الجُهَنِيّ قال: سأل رجلٌ رسول الله ﷺ عن اللُّقَطَةِ فقال: «عَرِّفْهَا سنةً، ثم اعرف عِفَاصها ووكَاءَها، (فإن جاء أحدٌ يخبرك بها، وإلاّ فَاسْتَنْفِقْهَا) (٢) (فإن جاء صاحبها فأدِّها إليه») (٣) . والعِفَاص: الوعاء الذي يكون فيه النفقة من جلدٍ أو خِرقة ونحوها. والوِكَاء: الذي يُشَدُّ به الكيس وغيره. والصحيح أن شيئاً من هذه التقادير ليس بلازمٍ، وإن تفويض التقدير إلى رأي الآخِذِ، لإطلاق حديث مسلم عن أُبَيّ بن كعبٍ أن رسول الله ﷺ قال في اللقطة: «عرِّفها، فإن جاء أحد يخبرك بعددها (٤) ووعائها وَوِكَائِها فأعطها إيّاه، وإلاّ فاستمتع بها». وفي رواية: «وإلاّ فهي كسبيل مالك». وأخرجه عن زيد بن خالد أيضاً. وفيه: «فإن جاء صاحبُها فَعَرَف عِفَاصَها وعددَها ووكاءها فأعطها إياه، وإلاّ فهي لك». ولأنّ النبيّ ﷺ قد زاد على السَّنَةِ ونقص منها. أمّا الزيادة فلِمَا في «الصحيحين» من حديث أبيّ بن كعب: أنه وجد صُرَّةً فيها مئة دينارٍ، فأتى بها النبيّ ﷺ فقال له: «عرِّفها حولاً»، فعرَّفها فلم يجد من يعرِفها ثم أتاه. فقال له: «عرِّفها حولاً». فعرَّفها فلم يجد من يعرفها. فقال له: «احفظ (٥) وعاءها وعددها». الحديث. وأمّا النُّقْصان فلما في «مصنف عبد الرَّزاق» وغيره عن أبي سعيد الخُدْرِيّ: أنّ

стр. 1402

فإنْ جَاءَ رَبُّهَا، إِنْ شَاءَ أَجازَ أَو ضَمِنَ الآخِذُ. === عليّ بن أبي طالب ﵁ وَجَد ديناراً في السوق. فأتى النبيَّ ﷺ (فقال: «عَرِّفْهُ ثلاثة أيام». قال: فعرَّفه ثلاثة أيام، فلم يجد من يعرِفه، فرجع إلى النبيّ ﷺ (١) فأَخْبَره، فقال: «شأنك به» قال: فباعه عليّ، فابتاع منه بثلاثة دراهم شعيراً، وبثلاثة دراهم تمراً، وقضى ثلاثة دراهم، وابتاع بدرهم لحماً، وبدرهم زيتاً، وكان الدينار بأحد عشر درهماً، فلمّا كان بعد ذلك جاء صاحبه فعرَّفه، فقال عليّ: قد أمرني رسول الله ﷺ (فأكلته) (٢) فانطلق صاحب الدّينار إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فقال لعليّ: «ردَّه إليه»، فقال: قد أكلته. فقال النبيّ ﷺ للرجل: «إذا جاءنا شيءٌ أدّيناه إليك». ورواه أبو داود ولم يذكر فيه ثلاثة أيام. فعُلِمَ أنّ التقدير بالسَّنَةِ ليس بعلّةٍ لازمةٍ في كل شيء، وإنما يُعرِّف مدّةً يتوهم أن صاحبها يطلبها، وذلك يختلف باختلاف المال وكثرته. وأمّا ما ورد من التقييد بالسنة فلعلّه لكون اللُّقَطَة المسؤول عنها كانت تقتضي ذلك، أو لأنّ الغالب في اللُّقَطَة أن يكون كذلك. ولو كانت اللُّقَطَة شيئاً يُعْلَمُ أنّ صاحبه لا يطلبه، كالنَّواةِ وقِشْر الرُّمان، يكون إلقاؤه إباحةً حتى جاز الانتفاع به من غير تعريف، ولكنه يبقى على ملك مالكه، لأنّ التمليك من المجهول لا يصحّ وملك المبيح لا يزول بالإباحة. قال شيخ الإسلام: ولو كانت متفرِّقة فجمعها الآخِذ ليس للمالك أَخْذُها بعد جمعها، لأنها تصير ملكاً له به. وكذا الجواب في التقاط السنابل بعد الحصاد وبه كان يُفْتِي الصدر الشهيد. (فإِنْ جَاءَ رَبُّهَا) بعد التصدّق بها (إِنْ شَاءَ أَجازَ) التصدّق بها ولو بعد هلاكها، لأنّ التصدّق لم يحصل بإذنه فيتوقف على إجازته. والملك يثبت للفقير فيها قبل الإجازة فلا تتوقّف الإجازة فيها على قيام المحل. ولا فرق بين أن يتصدّق بأمر القاضي أو بغير أمره على الصحيح. (أَوْ ضَمِنَ الآخِذُ) أي آخذ اللُّقطة لأنّه سلّم مالاً إلى غير صاحبه بغير إذنه إلاّ أنه بإباحةٍ من جهة الشرع. وهذا لا ينافي الضمان حقاً للعبد كما في تناول مال الغير حال المَخْمَصَة (٣) . وإن شاء ضَمَّنَ الفقير إن كانت اللُّقَطة هلكت في يده، لأنه قبض ماله بغير إذنه، ولا يرجع الفقير على المُلْتَقِطِ بما لِحِقه من الضمان كما لا يرجع الملتقط على الفقير، وإن كانت قائمةً أخذها، لأنها عين ماله، وبه قال مالك والثوريّ والحسن بن صالح.

стр. 1403

وَمَا أَنْفَقَ عَلَيهَا بِلا إِذْنِ حَاكِمٍ تَبَرُّعٌ، وَبِإذْنِهِ دَيْنٌ عَلَى رَبِّهَا. وَآجَرَ القَاضِي مَا لَهُ مَنْفِعَةٌ وَأَنْفَقَ عَلَيهَا كَالآبِقِ، وَمَا لا مَنْفَعَةَ لَهُ، أَذِنَ بِالإِنْفَاقِ إِنْ كَانَ الإِنْفاقُ أَصْلَحَ، وَإِلَّا بَاعَ. وَلِلْمُنْفِقِ حَبْسُهَا لأَخْذِ النَّفَقَةِ، فَإنْ هَلكَتْ بَعْدَ الحَبْسِ سَقَطَتْ، فَإِنْ بَيَّن مُدَّعِيهَا عَلامَتَهَا === وقال الشَّافعيّ وأحمد: إذا لم يجاء ربها بعد التعريف، مَلَكَها الملتقط بحكم القرض، فصارت كسائر أمواله، غنياً كان الملتقط أو فقيراً، لما في حديث مسلم السابق عن أبيّ بن كعب في رواية: «وإلاّ فهي كسبيل مالك». ولنا: ما أخرجه البزَّار في «مسنده» والدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ سُئِلَ عن اللُّقطة فقال: «لا تحلّ اللُّقَطَة، فمن التقط شيئاً فليعرّفه سنةً، فإن جاء صاحبها فليردّه إليه، وإن لم يأتِ فليتصدّق به. فإن جاء فليُخيّره بين الأجر وبين الذي لهُ». (وَمَا أَنْفَقَ) الملتقط (عَلَيْهَا) على اللُّقَطَة وكذا حكم اللقيط (بِلَا إِذْنِ حَاكِمٍ تَبَرُّعٌ) لقصور ولايته عن ذمة المالك، وصار كما لو قضى دين غيره بغير أمره (وَبِإِذْنِهِ) أي الحاكم (دَيْنٌ عَلَى رَبِّهَا) لأنّ للحاكم ولاية في مال الغائب نظراً له، وقد يكون النظر في الإنفاق (وَآجَرَ القَاضِي مَا) أيّ شيئاً (لَهُ مَنْفِعَةٌ) من البهائم (وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا) من أجرتها، لأنّ في ذلك إبقاءً للعين على ملك المالك من غير إلزام الدَّين عليه. (كَالآبِقِ) كما أنّ الآبِق يُفْعَل به ذلك. (وَمَا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ أَذِنَ) القاضي (بِالإِنْفَاقِ) عليه (إِنْ كَانَ الإِنْفاقُ أَصْلَحَ) وجعل النفقة دَيناً على مالكه، لأنّ القاضي نُصب ناظراً لمصالح الناس، وفي هذا نظر لجانب المالك بإبقاء عين ماله ولجانب الملتقط بالرُّجوع (وَإِلاَّ) أي وإن لم يكن الإنفاق أصلح بأن كانت النفقة تستغرق قيمة اللُّقطة (بَاعَ) القاضي اللُّقَطة وأمر بحفظ ثمنها إبقاءً لها معنىً عند تعذّر إبقائها صورةً. قالوا: وإنما يأذن بالإنفاق يومين أو ثلاثة على قَدْر ما يرى رجاءَ أن يَظْهَر مالكها، فإن لم يظهر أمر ببيعها لأنه لا نظر في الإنفاق مدّة مديدةً. (وَلِلْمُنْفِقِ حَبْسُهَا لأَخْذِ النَّفَقَةِ) لأنها حَييَتْ بنفقته فصار المالك كأنّه استفاد الملك من جهته فأشبه المبيع (فَإِنْ هَلكَتْ) اللُّقطة (بَعْدَ الحَبْسِ سَقَطَتْ) النَّفَقَة التي حُبِسَتْ لأجلها لأنها تصير بالحبس كالرَّهن. (فَإِنْ بَيَّنَ مُدَّعِيهَا) أي اللُّقَطَة (عَلَامَتَهَا) كأن سمّى الدارهم أو الدنانير وعددها

стр. 1404

حَلَّ الدَّفْعُ، وَلا يَجبُ بِلا حُجَّةٍ. وَيَنْتفَعُ بِهَا فَقِيرًا، وَإلَّا تَصَدَّقَ بِهَا، وَلَوْ عَلَى أصْلِهِ وَفَرْعِهِ وعِرْسِهِ. === ووكاءها (حَلَّ الدَّفْعُ) أي جاز دفعها إليه (وَلَا يَجِبُ) الدَّفع (بِلَا حُجَّةٍ) وهو قول الشّافعيّ. وقال مالك وأحمد وأبو داود وابن المُنْذِر: يجب الدفع بالعلامة، لقوله ﵊ في الحديث السابق: «فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها، فأعطه إيّاها». ولنا أنه مدّعٍ وعلى المدّعي البيّنة، والعلامة لا تدلّ على أنّها له، إذ قد يقف الإنسان على علامةٍ في مال صديقه، ولا يقف على علامةٍ في مال نفسه. والأمر في قوله ﵊: «فأعطه إيّاها» للإباحة، ولو دفعها بالعلامة يأخذ من صاحبها كفيلاً بلا خلافٍ لاحتمال أن يجيء غيره ويقيم البيّنة أنّها له، فيضمن ولا يمكنه الرّجوع على الذي أخذها لخفائه، ولو دفعها بالعلامة فجاء آخر وأقام بيّنة أنّها له، فإن كانت قائمةً أخذها، وإن كانت هالكةً ضَمن أَيَّهُما شاء لتعدّيهما بالدفع والأخذ، ورجع الملتقط على الآخِذ ولا يرجع الآخِذ على أحد. (وَيَنْتَفِعُ) الملتقط (بِهَا) حال كونه (فَقِيراً، وَإِلاَّ) أي وإن لم يكن الملتقط فقيراً (تَصَدَّقَ بِهَا وَلَوْ عَلَى أصْلِهِ وَفَرْعِهِ وعِرْسِهِ) (١) لحصول المقصود بالكلّ وهو التصدّق على المحتاج. ولو التقط العبد شيئاً بغير إذن مولاه يجوز عندنا وعند مالك وأحمد والشّافعيّ في قولٍ، فإن أتلفه طُولب ربُّهُ بقضاء الدين أو بالبيع، سواء أتلفه قبل التعريف أو بعده، وبه قال أحمد والشافعي (في وجهٍ) (٢) . وعند مالك إن أتلفه قبل التعريف يؤمر المولى بالدفع أو الفداء، وإن أتلفه بعد التعريف يُطالب العبد بعد العتق، لأنّ الشرع أذن له في الانتفاع فكان ضماناً يخصّه، فلا يظهر في حق المولى. ويُلْتَقَطُ إبلٌ وبقرٌ وغنمٌ ونحوها وجوباً إن خِيف ضياعها على مالكها من خيانة، أو لكونها في مَضْيَعَةٍ (٣) وإلاّ نَدْباً لما في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ قال: لما فتح الله تعالى على رسوله مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إنّ الله حبس عن مكة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنّها لم تحلّ لأحدٍ قبلي، وأنّها أُحِلَّت لي ساعةً من نهارٍ، وأنّها لا تحِلُّ لأحدٍ بعدي فلا يُنَفَّرُ صيدُها، ولا يُخْتَلَى شوكُها،

стр. 1405

وَنُدِبَ أَخْذُ الآبِقِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيهِ. وَتَرْكُ الضَّالِّ، قِيلَ: أَحَبُّ، === ولا تَحِلُّ ساقطتُها إلاّ لمنشدٍ» … الحديث. وفي الكتب الستة عن زيد بن خالد الجُهَنِيّ قال: جاء رجلٌ فسأل النبيّ ﷺ عن اللُّقَطة فقال: «اعرف عِفَاصها ووِكَاءَها ثم عرّفها سنةً، فإن جاء صاحبها وإلاّ فشأنك بها». قال: فَضَالَّةُ الغنم؟. قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب». قال: فَضَالَّةُ الإبل؟ قال: «ما لك ولها؟ معها سِقاؤها وحِذَاؤها تَرِد الماء وترعى الشجر، فَذَرْهَا حتى يلقاها ربّها». ولهذا منع مالك من التقاط الإبل في الصحراء. وحمَلَه مشايخنا على ما لم يخف ضياعها من يدٍ خائنة، بدليل قوله: «حتى يلقاها ربّها». ويحلّ أخذ التُّفاح والكُمَّثْرَى (١) من الأنهار الجارية بين البساتين، لأن هذا ممّا يفسد لو تُرِكَ، وكذا أخذ ما لا يبقى من الثِّمار الواقعة تحت الأشجار في غير الأمصار على القول المختار، لأنه يعلم أنّ مالكه لا يطلبه عادةً. ولو سَيَّبَ صيدَه أو دابته لهُزَالها، فأخذها غيره وأصلحها، بأن داواها وعلفها وسقاها حتى صارت ممّا يُنْتَفَعُ بها، فإن قال عند التسييب: جعلتها لمن أخذ، ليس له أن يأخذها منه، لأن التمليك من المعلوم صحيح والزيادة تمنع من الرُّجوع. وإن لم يقل ذلك جاز له أخذها لِمَا قَدَّمنا من عَدَمِ جواز التمليك من المجهول. ولو أُخِذَ نعله ووجد غيره مكانه لا يملكه لعدم تمليكه من مالكه، ويصير كاللُّقطة في الحكم لاحتمال أن يكون لغير مَنْ أخذه. (وَنُدِبَ أَخْذُ الآبِقِ) وهو المملوك الذي فرّ من مالكه قصداً، اسم فاعل من أَبَق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إلَى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ (٢) (لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ) أي قدر على أخذه وحفظه إلى أن يوصله إلى سيده، لِمَا فيه من إحياء ماله ونفعه، ولا خلاف في ذلك بين العلماء. (وَتَرْكُ الضَّالِّ) وهو المملوك الذي ضلّ الطريق إلى منزل مولاه (قِيلَ: أَحَبُّ) وقيل: يُنْدَبُ أخذه كالآبق. ووجه الأول وهو الفرق، أنَّ الضَّال لا يبرح مكانه (فيجده مالكه) (٣) ولا كذلك الآبق. ثم آخِذ الآبق يأتي به إلى السلطان، لأنه لا يَقْدِر على حفظه بنفسه عادةً، بخلاف اللَّقِيط واللُّقَطة، وهذا اختيار السَّرَخْسِيّ. وقال الحَلْوَانِيّ: الآخذ بالخيار، إن شاء حفظه، وإن شاء دفعه إلى الإمام، وكذا

стр. 1406

وَلِرَادِّهِ مِنْ مُدَّة سَفَرٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَإنْ لَمْ يَعْدِلها، إِنْ أشْهَدَ أَنه أَخَذَهُ لِلْرَّدِّ. === واجد الضَّال. وإذا دُفِعَ الآبق إلى السلطان يحبسه تعزيراً له في إباقه، وإذا دُفِعَ الضَّال إليه لا يحبسه لعدم ما يوجبه. ولأنّ الآبق لا يُؤْمن عليه الإباق ثانياً بخلاف الضَّال، ولهذا لا يؤجره إن كان له منفعة وينفق عليه من بيت المال، دَيْناً على مالكه. وإذا طالت المدة ولم يجاء صاحبه باعه وحفظ ثمنه. وفي «المَبْسُوطِ»: لو حبس السلطان الآبق فجاء واحدٌ، وأقام بيّنةً أنه له، يحلف بالله ما بعته ولا وهبته، ثم يدفَعُه إليه، لأنه يحتمل أنه باعه أو وهبه، ولا يعرف الشهود ذلك. قلت: وينبغي أن يحلِّفَه ثانية بأنه: ما أعتقته، لوجود احتمال عتقه. ولو دفعه بإقرار العبد بلا بيّنة يأخذ كفيلاً، ويجوز الدفع بإقراره لأن العبد في يد نفسه فيعتبر إقراره كما لو ادّعى الحرية. (وَلِرَادِّهِ) أي الآبق (مِنْ مُدَّة سَفَرٍ) وهي ثلاثة أيامٍ فصاعداً (أَرْبَعُونَ دِرْهَماً) ولو كان أمَّ ولدٍ (١) أو مُدَبَّراً (٢) في حياة المولى لأنهما مملوكان له بخلاف المُكَاتَب (٣) ، لأنّه أحقّ بمكاسبه، وبخلافهما بعد حياة المولى، لأنّ أمّ الولد تعتِق بموته فتكون حرّة ولا جُعْلَ (٤) في ردّ الحرّ، وكذا المُدَبَّر إن خرج من الثلث، وكذا إن لم يخرج عندهما، لأنّه حرٌّ عليه دين، لأنّ العتق لا يتجزّاء عندهما، ومكاتبٌ عند أبي حنيفة، ولا جُعلَ في المُكَاتَب. (وَإِنْ لَمْ يَعْدِلها) أي لم يعدل الآبق الأربعين بأن كانت قيمته أقلّ منها، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يُقْضَى له بقيمته إلاّ درهماً ليُسَلَّمَ للمالك شيءٌ تحقيقاً للفائدة، وهو رواية عن أبي حنيفة. ولأبي يوسف أنه ورد التقدير بها، فلا ينقص عنها. (إِنْ أشْهَدَ أَنه أَخَذَهُ لِلْرَّدِّ) قيّد به، لأن الإشهاد شرطٌ في أخد الآبق على الآخذ عند أبي حنيفة ومحمد كما في اللُّقطة، وعند أبي يوسف ومالك والشَّافعيّ وأحمد ليس بشرطٍ. ثم القياس أن لا شيء (عليه) (٥) لرادّه إلاّ بشرط أن يقول: كلُّ من ردّ عليّ آبقي فله كذا، وهو قول الشّافعيّ والنَّخَعِيّ وبعض أصحاب أحمد، لأن الرادّ تبرّع بمنافعه في ردّه على سيده، وهو لو تبرّع بمنافعه في ردّ غيره من أعيان ماله، أو في ردّ

стр. 1407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الضّال، لا يستوجب الأجر إلاّ بشرطٍ، فكذا هذا. وقال مالك: له أَجْر مِثْله بقدر تعبه إن كان ممّن شأنه طلب الآبق (١) وإن لم يكن فله نفقته عليه. وعن أحمد: إنْ ردّه من المِصْر فله عشرة دراهم، وإن ردّه من خارجه، سواء ردّه من مدّة سفر أو لا فله أربعون درهماً. ولنا أنّ الصحابة قد اتفقوا على الجُعْلِ وإن اختلفوا في مقداره. فإنّ محمداً روى عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن سعيد بن مَرْزُبَان، عن أبي عمرو الشَّيْبَانِيّ قال: كنت قاعداً عند ابن مسعود فجاءه رجلٌ فقال: إنّ فلاناً قَدِم بإباقٍ من الفيُّوم (٢) فقال (القوم) (٣) أصاب أجراً، فقال عبد الله: وجُعْلاً إن شاء من كل رأسٍ أربعين درهماً. وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سفيان الثّوريّ، عن أبي رَبَاح، عن أبي عمرو الشَّيْبَانِيّ قال: أصبت غِلْمَاناً أُبَّاقاً بَالِغِين، فذكرت ذلك لابن مسعود، فقال: الأجر والغنيمة. فقلت: هذا الأجر، فما الغنيمة؟ قال: أربعون درهماً من كل رأس. وأخرج ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن قَتَادة وأبي هاشم أنّ عمر قضى في جُعْل الآبق بأربعين درهماً. وروى أيضاً (عن وَكِيع، عن سُفْيان، عن أبي إِسْحاق قال: أُعْطِيَتْ الجُعْلُ زمن معاوية أربعين درهماً، وروى أيضاً) (٤) عن سعيد بن المُسَيَّب أنّ عمر جَعَل في جُعل الآبق ديناراً، أو اثني عشر درهماً. وروى أيضاً عن عليّ أنه جَعَل في جُعْل الآبق ديناراً، أو اثني عشر درهماً. وروى هو وعبد الرَّزَّاق عن عمرو بن دَينَار أن رسول الله ﷺ قضى في العبد الآبق الذي يؤخذ خارج الحرم بدينار أو عشرة دراهمٍ. والمفهوم عن خارج الحرم في المتبادر (٥) القُرْب، لا قدر مسيرة سَفَرٍ عنه، ولهذا رُوِيَ عن عمّار بن ياسر: إن أخذه في المصر فله عشرة، وإن أخذه خارج الحرم فله أربعون. ولعلَّه اعتبر الحرم كالمكان الواحد، على أنَّ المروي عن ابن مسعود أقوى من الكل فرجَّحناه، وإنّما يؤخد بالأقلّ إذا ساوى الأكثر في القوة. وفي «المبسوط» ولأنّ الرادّ يحتاج إلى معالجةٍ ومُؤْنة في ردّه،

стр. 1408

وَمِنْ أَقَلَّ مِنْهَا بِقِسْطِهِ، فَإِنْ أَبَقَ لَمْ يَضْمَنْ، فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ فَلا شيء لَهُ وَضَمِنَ إنْ أَبَقَ مِنْهُ. === وقلما يرغب الناس في التزام ذلك حِسْبَةً، ففي إيجاب الجُعْل له ترغيبٌ له في ردّه وإظهارٌ للشكر من المردود إليه لإحسان الردّ. ثم إنّ الشافعي استحسن برأيه في هذه المسألة من وجه فقال: لو أنّ المولى خاطب قوماً فقال: من ردّ منكم عبدي فله كذا فردّه أحدهم، استوجب ذلك المُسَمَّى، وهذا شيءٌ يأباه القياس، لأنّ العقد مع المجهول لا ينعقد، وبدون القبول كذلك. ولا شكّ أنّ الاستحسان الثابت باتفاق الصحابة خيرٌ من الاستحسان الثابت برأيه إذ الشريعة قامت بفتواهم إلى آخر الدَّهر، وليس لأحدٍ أن يظنّ بهم إلاّ أحسن الوجوه، ولكنه بحرٌ عميقٌ لا يقطعه كل سابحٍ ولا يصيبه كل طالبٍ. (وَمِنْ أَقَلَّ مِنْهَا) ولرادّ الآبق من أقل مدّة سفرٍ (بِقِسْطِهِ) اعتباراً للأقل بالأكثر، (فَإِنْ أَبَقَ) من رادّه أو مات عنده (لَمْ يَضْمَنْ) لأنّه أمانة في يده، وهذا إذا أشهد (فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ فَلَا شَيء لَهُ) من الجُعْلِ، لأنّ ترك الإشهاد أَمارة أنّه أخذه لنفسه عند أبي حنيفة ومحمد (وَضَمِنَ إنْ أَبَقَ مِنْهُ) لأنه ليس بأمانة في يده. والله أعلم بالصواب.

стр. 1409

كِتَابُ المَفْقُودِ هُوَ غَائِبٌ لَم يُدْرَ أَثَرُهُ، حَيٌّ في حَقّ نَفْسِهِ. فَلا تُنْكَحُ عِرْسُهُ، وَلا يُقْسَمُ مَالُهُ، وَلا تُفْسَخُ إِجَارَتُهُ. وَيُقِيمُ القَاضِي مَنْ يَقْبِضُ حَقَّهُ، وَيَحْفَظُ مَالَهُ، وَيَبِيعُ مَا يَخَافُ فَسَادَهُ، وَيُنْفِقُ عَلَى وَلَدِه وَأبَوَيْهِ وَعِرْسِهِ. === كتاب المَفْقُودِ (هُوَ) لغةً: مفعولٌ من فقدت الشيء: غاب عَنِّي، وشرعاً: (غَائِبٌ لَمْ يُدْرَ أَثَرُهُ) أي موضعه ولا حياته ولا موته مع جَدِّ أهله في طلبه. وحكمه أنّه (حَيٌّ في حَقّ نَفْسِهِ) استصحاباً للحال. (فَلَا تُنْكَحُ عِرْسُهُ) ولا يفرّق بينه وبينها، لأنّ النِّكاح حقّه، وهو حيٌّ في حقّ نفسه، والتفريق بالإيلاء لدفع الظلم، ولا ظلم من المفقود. (وَلَا يُقْسَمُ مَالُهُ) لأنه حيّ في حقّ نفسه، فكذا في ماله لأنّه تبعٌ له. (وَلَا تُفْسَخُ إِجَارَتُهُ) لأن الاستصحاب يصلح لإبقاء ما كان، وهذا منه. (وَيُقِيمُ القَاضِي مَنْ يَقْبِضُ حَقَّهُ وَيَحْفَظُ مَالَهُ) لأنّ القاضي نُصِبَ ناظراً لكل عاجزٍ عن النظر لنفسه، والمفقود بهذه الصفة بل أقوى. وفي نصب الحافظ لماله نظرٌ، له فصار كالصبيّ والمجنون. (وَيَبِيعُ مَا يَخَافُ فَسَادَهُ) لأنّه لمّا تعذّر حفظه له بصورته، كان النظر له في حفظه بمعناه وهو ثمنه. أمّا ما لا يَخاف فساده فلا يبيعه، لأنّ القاضي لا ولاية له على الغائب إلاّ في حفظ ماله. (وَيُنْفِقُ عَلَى وَلَدِه وَأَبَوَيْهِ وَعِرْسِهِ) لأنّ الأصل أنّ كلَّ من يستحقّ النَّفقة في ماله حال حضرته بغير قضاء القاضي، يُنْفَقُ عليه من ماله عند غيبته، لأنّ القضاء حينئذ يكون لإعانته، وكلُّ من لا يستحقها في حضرته إلاّ بالقضاء لا يُنْفَقُ عليه في غيبته، لأنّ النفقة حينئذٍ بالقضاء، وهو على الغائب ممتنع. فمن الأول: الوَالِدان والأولاد الصِّغار والإناث الكبار والذكور الزَّمْنَى (١) الكبار. ومن الثاني: الأخ والأخت والعمّ والعمّة والخال والخالة. وإذا لم يكن للمفقود مالٌ وطلبت الزوجة من القاضي أن يقضي لها بالنفقة عليه، كان أبو حنيفة يقول: يُجيبها إلى ذلك، وهو قول إبراهيم ثم رجع إلى قول شُرَيْح. وقال: لا يجيبها إليه، ووجه قوله الأول: حديث هِنْد (٢) . ووجه قوله الآخر: إن نفقة الزّوجة لا تصير ديناً إلاّ بقضاء القاضي، وليس له أن يوجّه

стр. 1410

مَيْتٌ في حَقِّ غَيرِهِ، فَلا يَرِثُ مِن غَيرِهِ، أي يُوقَفُ قِسْطُهُ مِن مَالِ مُوَرِّثِهِ إِلَى تِسْعِينَ سَنَةً. فَإنْ ظَهَر حَيًّا فَلَهُ ذَلِكَ، وَبَعْدَهَا يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ في مَاله يَوْمَ تَمَّتْ المُدَّةُ. === القضاء (١) على الغائب، وهذا إذا كان النّكاح معلوماً له. وإن أرادت إثباته بالبيّنة لم يسمعها القاضي عندنا خلافاً لزُفَر. (مَيْتٌ في حَقِّ غَيْرِهِ، فَلَا يَرِثُ مِنْ غَيْرِهِ) لأنّ بقاءه حيّاً باستصحاب الحال، وفي توريثه من غيره إثباتُ ما لم يكن، والاستصحاب لا يصلح لذلك. ولمّا كان قوله: فلا يرِث ظاهراً في نفي التوريث أصلاً فسَّرَه بقوله: (أي يُوقَفُ قِسْطُهُ مِنْ مَالِ مُوَرِّثِهِ إِلَى تِسْعِينَ سَنَةً) من يوم وُلِدَ على المفتى به، لأنّ الغالب في زماننا عدم الحياة إلى تسعين إلاّ نادراً، والنادر لا عبرة به. وروى الحسن عن أبي حنيفة مئة وعشرين سنةً. وعن أبي يوسف مئة سنة. وظاهر الرِّواية: التقدير بموت الأقران في بلده. والمختار أنّ ذلك مفوّضٌ إلى رأى الإمام إذ يختلف باختلاف الأشخاص، فإنّ المَلِكَ العظيم إذا انقطع خبره يغلب على الظنّ في أدنى مدّة أنه مات، لا سيما إذا دخل في مَهْلَكَةٍ (٢) . واقتصر مالك على أربعة أعوام واحتج بما رواه في «الموطّأ» عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المُسَيَّب أنّ عمربن الخطاب رضيالله عنه قال: أيُّما امرأة فقدت زوجها فلم تَدْر أين هو؟ فإنها تنتظر أربع سنين ثم تعتدّ أربعة أشهرٍ وعشراً ثم تحِلّ. ورواه عَبد الرَّزَّاق في «مصنفه» وزاد: إِنْ بَدَا لَهَا. قلنا: تربُّصُها أربعُ سنين كان قول عمر في الابتداء، ثم رجع إلى قول عليّ: إنها امرأة ابْتُلِيَتْ، فَلْتبْصِر حتى يأتيها موتٌ أو طلاقٌ. رواه عبد الرَّزَّاق، وقال أيضاً: أخبرنا ابن جُرَيْج قال: بلغني عن ابن مسعود أنه وافق عليّاً على أنها تنتظر أبداً. وروى ابن أبي شيبة عن أبي قِلَابَة وجابر بن زيد والشَّعْبِيّ والنَّخَعِيّ كلّهم قالوا: ليس لها أن تتزوج حتى يتبيّن موته. (فَإِنْ ظَهَر) المفقود (حَيّاً فَلَهُ ذَلِكَ) القسط الموقوف له (وَبَعْدَهَا) أي بعد التسعين سنةً (يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ في) حقّ (مَاله يَوْمَ تَمَّتْ المُدَّةُ) لأن هذا موت حكمي

стр. 1411

فَتَعْتَدُّ عِرْسُهُ لِلْمَوْتِ، وَيُقْسَمُ مَالُهُ بَين مَنْ يَرِثَهُ الآنَ، وَفِي مَالِ غَيْرِهِ مِن حِينِ فَقْدِهِ، فَرُدَّ مَا وُقِفَ لَهُ إلى مَنْ يَرِثُ الغَيرَ عِنْدَ مَوْتِهِ. === والحكم معتبر بالحقيقي (فَتَعْتَدُّ عِرْسُهُ لِلْمَوْتِ) من ذلك الوقت. (وَيُقْسَمُ مَالُهُ بَيْنَ مَنْ يَرِثَهُ الآنَ) أي في ذلك الوقت كأنه مات فيه مُعَايَنَة (وَ) يحكم بموته (فِي) حقّ (مَالِ غَيْرِهِ مِنْ حِينِ فَقْدِهِ) لأنّه ميت في حقّ غيره في ذلك الوقت حُكْماً، فكأنه مات فيه عِيَاناً (فَرُدَّ مَا وُقِفَ لَهُ) أي للمفقود (إلى مَنْ يَرِثُ الغَيْرَ عِنْدَ مَوْتِهِ) أي موت ذلك الغير، والله أعلم.

стр. 1412

كِتَابُ القَضَاءِ أَهْلُهُ أَهْلُ الشَّهَادَةِ، وَيَصِحَّانِ مِنَ الفَاسِقِ، لَكِنْ لا يُقَلَّدُ وَلا يُقْبَلُ. وَلَوْ فَسَقَ العَدْلُ يُعْزَلُ، وَقِيلَ: يَنْعَزِلُ. وَمَنْ أَخَذَهُ بِالرِّشْوَةِ لا يَصِيرُ قَاضِيًا، === كتاب القَضَاءِ هو لغةً: الفَرَاغ عن الأمر، ومنه قوله تعالى: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ﴾ (١) . وشرعاً: إلزام الحكومات، وفصل الخصومات، وقطع المنازعات. وهو فرض كفاية بالإجماع، فإن لم يصلح للقضاء إلاّ واحدٌ تعيّن عليه. (أَهْلُهُ أَهْلُ الشَّهَادَةِ) أي يُشترط فيمن يفوَّض إليه القضاء أن يكون من أهل الشهادة، يعني: حرّاً مكلفاً مسلماً، وذلك لأنّ ولاية القضاء كالفرع لولاية الشهادة، إذ حكم القضاء يُبتنى على حكم الشهادة. (وَيَصِحَّانِ) أي الشَّهادة والقضاء (مِنَ الفَاسِقِ) لأنّ العدالة فيهما شرط الأولوية، لأن السلف أجازوا حُكْمَ مَنْ تغلّب من الأمراء وجار، ولولا صحته لما فعلوا ذلك. وفي «وسيط الغزالي»: اجتماع هذه الشرائط من الاجتهاد والعدالة وغيرهما متعذِّر في عصرنا لِخُلوّ العصر (٢) عن المجتهد والعَدْل، فالوجه تنفيذ قضاء كلّ مَنْ ولاّه سلطانٌ ذو شوكة، وإن كان جاهلاً فاسقاً. (لَكِنْ) ينبغي أنّه (لَا يُقَلَّدُ) الفاسق القضاء (وَلَا يُقْبَلُ) إذا شهد، لأنّ الفاسق لا يُؤْمن، لقلة مبالاته بواسطة فِسْقه. (وَلَوْ فَسَقَ) القاضي (العَدْلُ) بأخذ الرِشْوَة أو بغيره كالزنا وشرب الخمر (يُعْزَلُ) أي يستحقّ العزل في ظاهر المذهب، وعليه مشايخ بخارى وسَمَرْقَنْد. ومعنى يستحق العزل: أنّه يجب على السلطان عزله. (وَقِيلَ: يَنْعَزِلُ) بمجرد الفسق ولا يصحّ قضاؤه بعد ذلك، كما لا تقبل شهادته، وهو قول مالك والشّافعيّ (وأحمد) (٣) . واختاره الكَرْخِيّ والطَّحَاوِيّ وعليّ الرَّازي صاحب أبي يوسف، وهو اختيارٌ حسنٌ لعدم ائتمان الفاسق على حقوق النَّاس. (وَمَنْ أَخَذَهُ) أي القضاء (بِالرِّشْوَةِ لا يَصِيرُ قَاضِياً) وكذا لا ينفذ قضاؤه في الأمر الذي أخذ الرِّشْوَة لأجله. قال القاضي فخر الدين: أجمعوا أنه إذا ارتشى لا ينفذ قضاؤه فيما ارتشى، وقال: إذا أَخَذَ القضاء بالرِّشْوَة لا يصير قاضياً، ولو قضى لا ينفذ

стр. 1413

وَالاجْتِهَادُ شَرْطٌ للأَوْلَوِيَّةِ. === قضاؤه، كذا في «الكافي». وفي «أدب القاضي» للصدر الشهيد: أنّ الرِّشْوَة على أربعة أوجه: منها ما هو حرامٌ للآخذ والمعطي، وهو الرِّشْوة في تقلّد القضاء، فإنه لا يصير قاضياً. ومنها ما يأخذه القاضي على القضاء وهو حرامٌ من الجانبين أيضاً، ولا ينفذ قضاؤه ولو كان بحقّ. ومنها ما دَفَعَها لخوف على نفسه أو ماله، وهذه حرامٌ على الآخذ لا الدَّافع. ومنها ما دفعها ليستوي حاله عند السلطان، وهذه تحِلّ لدافع لا لآخذ. (وَالاجْتِهَادُ شَرْطٌ للأَوْلَوِيَّةِ) عندنا في الأصح، وهو ظاهر الرواية لا شرط الصحة، لما رُوِيَ أنّ النبيَّ ﵊ قلّد عليّاً قضاء اليمن حيث لم يبلغ حدّ الاجتهاد. فقد روى أبو داود عن عليّ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضياً فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء، فقال: «إنّ الله سيهدي قلبك، ويُثَبِّتُ لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضيَنَّ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبيّن لك القضاء»، قال: فما زلت قاضياً وما شككت في قضاء بعدُ. خلافاً (لزُفر) (١) ومالك والشّافعيّ وأحمد، وهو نصّ محمد في «الأصل»: أنّ المقلِّد لا يجوز أن يكون قاضياً، لأنه مأمورٌ بالقضاء بالحقّ، ولا أمر بلا قدرة، ولا قدرة بلا علم. ولنا: أنّ المقصود من القضاء، وهو إيصال الحقّ إلى مستَحِقِّه، يحصل بفتوى غيره، والمراد بالعلم ليس ما يقطع بصوابه، بل ما يظنه المجتهد، فإنه لا قطع في مسائل الفقه غالباً، فإذا قضى بقولٍ مجتَهَدٍ فقد قضى بذلك العلم وهو المطلوب، ولكن إذا وُجِدَ في الرَّعيّة عدلٌ عالمٌ لا يحلّ تولية من ليس كذلك، بل لا يصحّ تولية الجاهل الفاسق في رواية «النوادر» عن أئمتنا الثلاثة، كسائر أقوال أصحاب المذاهب. واختارها الطَّحاوي لقوله ﵊: «مَنْ استَعمل رجلاً على عِصَابَةٍ، وفي تلك العصابة مَنْ هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسولَه وجماعة المسلمين». رواه الحاكم من حديث ابن عبّاس. وأخرجه الطَّبَرَانِيّ عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَوَلَّى من أمر المسملين شيئاً، فاستعمل عليهم رجلاً وهو يعلم أنّ فيهم من أولى بذلك، وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسوله، فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين». وأصحّ ما قيل في حدّ المجتهد أن يكون قد حوى عِلْمَ الكتاب ووجوه

стр. 1414

وَلا يَطْلُبُ، وَإنَّما يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ يَثِقُ عَدْلَهُ. === معانيه، وعِلْمَ السُّنَّةِ بطرقها ومتونها ووجوه معانيها، وكذا علم الآثار المنقولة عن الصحابة، وما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه، وأن يكون عالماً بالقياس وعُرف النَّاس. (وَلَا يَطْلُبُ) القضاء لا بقلبه ولا بلسانه إلاّ إذا لم يكن غيره يصلح للقضاء، فإنه يُفترض عليه صيانةً لحقوق المسلمين، كصلاة الجنازة إذا تعيّن واحد لإقامتها يفترض عليه. وقال بعض أصحاب الشّافعيّ: إن كان خامل الذِّكْر ولو وُلِيَ القضاء لاشتهر وانتفع الناس بعلمه، أو لم يكن له كفاية ولو وُلِيَ صار مكفياً من بيت المال، يستحب له الطلب. والأصل في ذلك ما أخرج البخاري عن النبي ﵊ أنّه قال: «يا عبد الرحمن بن سَمُرَة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعْطِيْتَها (١) عن مسألة وُكِلْتَ إليها، وإن أعطيتَها عن غير مسألة أُعِنْتَ عليها». وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من سأل القضاء وُكِلَ إلى نفسه، ومن أُجْبِرَ عليه نزل إليه مَلَك يُسَدِّدُهُ». وإنما وُكِلَ إلى نفسه لأنه اعتمد على نفسه (٢) وورعه، بخلاف من أُكْرِهَ، فإنه اعتصم بالله وحِفْظِهِ. وقيل: يَحْرُمُ الدُّخول فيه إلاّ أن يُكره عليه، لقوله ﵊: «من جُعِلَ على القضاء فقد ذُبِحَ بغير سكين». رواه أصحاب السنن من حديث أبي هُرَيْرَة، وحسَّنه الترمذي. ورواه ابن عدي في «الكامل» عن ابن عباس عن النبيّ ﷺ : «من اسْتُقْضِيَ فقد ذُبِحَ بغير سكين». وفي «صحيح مسلم» عن أبي ذرَ أنّ النبيّ ﷺ قال له: «يا أبا ذر إني أحبّ لك ما أحبّ لنفسي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّيَنَّ مال يتيم». (وَإِنَّما يَدْخُلُ فِيهِ) أي القضاء (مَنْ يَثِقُ عَدْلَهُ) أي يعتمد عدل نفسه، صيانةً لحقوق العباد، وإخلاءً للعالَم عن الفساد. وأمّا من يخاف على نفسه العجز عنه، أو لا يأمن على نفسه الظلم، فيكره له الدُّخول في القضاء. وذلك لأنّ عليّاً لما امتَحَنَ قاضياً قال: ما صلاح الأمر؟ قال: الورع، قال: ما فساده؟ قال: الطمع. فقال: حُقَّ لك أنّ تقضي. وعن عمر أنّه قال: إذا كان في القاضي خمس خصالٍ فقد كَمُل، وإن كان فيه أربع ولم تكن واحدة ففيه وَصْمَة، وإن كان فيه ثلاثة، ولم تكن فيه اثنتان ففيه وَصْمَتَان، قيل: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: (علمٌ) (٣) بما كان قبله. ـ وهو إشارة

стр. 1415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === إلى ما بُيّن في حق المجتهد ـ وقال: نُزْهَةٌ عن الطمع، وحِلمٌ على الخصم، واستخفاف الملامة من الناس ـ يعني لا ينبغي للقاضي فيما يفصل من القضاء (أن يخاف) (١) الملامة من الناس، فإنّه إذا خافها يتعذّر عليه القضاء بالحق ـ. وهذا لأنه لا بد أن ينصرف أحدُ الخصمين من مجلسه شاكياً يلوم القاضي مع أصدقائه على ما كان منه، فإذا تفكَّر القاضي واشتغل بالتعرّض علن الآئمةِ يتعذّر عليه فصل القضاء، ولعله مقتَبَسٌ من قوله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (٢) . وقيل: ومع هذا يستحبّ أن يعتذر للمقضي عليه ويبيّن له وجه قضائه لديه، وأَنّ الحكم في الشرع يقتضي القضاء عليه صيانةً لعرضه من نسبة الجَور إليه. قال (٣) : ومشاورة أولي العلم. وفيه دليل على أنّ القاضي وإن كان عالماً ينبغي له أن لا يدع مشاورة العلماء. قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (٤) وقال : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٥) وكان رسول الله ﷺ أكثر الناس مشورةً لأصحابه، وكان عمر يستشير الصحابة مع كمال فقهه، حتى كان إذا رُفِعَت إليه حادثةٌ قال: ادعوا لي عليّاً، ادعو لي زيدَ بن ثابت، ادعوا لي أُبيّ بن كعب، وكان يستشيرهم ثم يفصل بما اتفقوا عليه. وفي «سنن أبي داود» عن بُرَيْدَةَ (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : «القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، رجلٌ عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجلٌ عرف الحق فجار في الحكم، فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار». وفي «صحيح ابن حِبَّان» (٧) عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُؤْتَى بالقاضي العدل يوم القيامة فَيلْقَى من شدّة الحساب ما يتمنى أنّه لم يقض بين اثنين في تمرةٍ». وأَخرج الحاكم عن ابن عبَّاس أنّ رسول الله ﷺ قال: «من وَلِيَ عشرة فَحَكَم

стр. 1416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بينهم بما أحبّوا أو كرهوا، جيء به يوم القيامة مغلولةٌ يده إلى عُنُقِه، فإن حكم بما أنزل الله ولم يرتشِ في حكم، ولم يَخُن (١) ، فكَّ الله عنه غُلَّه، وإن حكم بغير ما أنزل الله وارتشى في حكمه وخان فيه، شُدَّت يساره إلى يمينه ثم رُمِيَ في جهنم». ولهذا اجتنبه أبو حنيفة وصبر على الضرب والسجن حتى مات فيه. وقال: البحر عميق فكيف أَعْبُرُه بالسباحة؟ فقال أبو يوسف: البحر عميق، والسفينة وثيق، والملاّح عالم. فقال أبو حنيفة: كأني بك قاضياً. وقد اجتنبه كثير من السلف. وقُيِّدَ محمد بن الحسن نيفاً وثلاثين يوماً ليتقلّده. وقال مكحول: لو خُيِّرتُ بين ضرب عنقي وبين القضاء لاخترت ضرب عنقي. رواه النَّسائي عنه. هذا، ويصحّ تقلّده ولو من السلطان الجائر وأهل البغي، لأنّ بعض الصحابة تقلّدوه من معاوية بعد ما أظهر الخلاف مع عليّ وكان الحق مع عليّ في نوبته. وبعض التابعين تقلّدوه من الحجَّاج وكان جائراً، فقد قال الحسن في حقّه: لو جاء كلّ أمة بخُبَثَائها وجئنا به لغلبناهم. ولكن إنما يجوز التقلّد من السلطان الجائر إذا مكّنه من القضاء (٢) بحقّ، وأما إذا لم يمكّنه فلا، لأن المقصود لا يحصل بالتقلّد منه. ويصحّ تولية المرأة عندنا، وأبطلها مالك والشّافعيّ، لأن المرأة ناقصة العقل ليست أهلاً للخصومة مع الرجال في محافل الحكومة. وقد قال ﵊: «لن يفلح قومٌ وَلَّوا أمرهم امرأة». رواه البخاري. والجواب: أن ما ذكر غاية ما يفيد منع أن تُستقضى وعدم حلّه. والكلام فيما لو وَلّيت ـ وأثم المقلِّد بذلك ـ وحَكَّمَهَا (٣) خصمان، فقضت قضاء موافقاً لدين الله، أكان ينفذ أم لا؟ لم ينهض الدليل على نفيه بعد موافقته ما أنزل الله إلاّ أن يثبت شرعاً سَلبُ أهليتها، وليس في الشرع سوى نقصان عقلها. ومعلوم أنه لم يصل إلى حدّ سلب ولايتها بالكلية، أَلا ترى أنها تصلح شاهدةً وناظرة في الأوقاف ووصيةً على اليتامى، مع أنّ عقل بعض النساء أقوى من عقول كثيرٍ من الرجال. وفي «أدب القاضي» للصَّدر الشهيد: للسلطان أن يَعْزِل (القاضي) (٤) بِرِيبةٍ وبغير

стр. 1417

وَمَنْ قُلِّدَ القَضَاءَ سَأَلَ دِيوَانَ قَاضٍ قَبْلَهُ، وَلا يَعْمَلُ في المَحْبُوسِ بِقَوْلِ المَعْزُولِ، وَكَذَا فِي غَلَّةِ الوَقْفِ وَالوَدِيعَةِ، إلّا إذَا أَقَرَّ ذُو اليَدِ بِالتَّسْلِيمِ مِنْهُ. وَيُقْرِض مَالَ اليتيمِ. === رِيبة. أمّا بريبة فظاهر، وأمّا بغير ريبة فلما رُوِيَ عن أبي حنيفة: أنّ القاضي لا يُتْرَكُ على القضاء إلاّ حولاً، لأنه متى اشتغل بالقضاء أكثر من سنة نسي العلم. وقال الشافعي وأحمد: يجوز عزله بخلَلِه. وقال مالك: بشكوى أحد، ولو عزله بغير خللٍ منه لا ينعزل، فإن كان أحدٌ صالحٌ أفضلَ منه جاز عزله، وإن كان دونه أو مثله، فإن كان لتسكين فتنةٍ أو لمصلحةٍ أخرى جاز عزله. والقضاة والولاة لا ينعزلون بموت السلطان بلا خلاف، ولو عَزَل القاضي نفسه ينعزل. (وَمَنْ قُلِّدَ القَضَاءَ سَأَلَ) أي طلب (دِيوَانَ قَاضٍ قَبْلَهُ) وهو الخرائط التي فيها نُسخ السجلات وغيرها من الصكوك والمحاضر ونصب الأوصياء والقَيِّم في أموال الوقف وتقدير النفقات. وهذا لأنّ القاضي يكتب نسختين إحداهما في يد الخصم والأخرى تكون في يد القاضي، ربّما يحتاج إليها لمعنىً من المعاني، وما في يد الخصم لا يؤمن عليه من الزيادة والنقص. فيبعث القاضي عدلين أو عدلاً واحداً ليقبض ديوان القاضي المعزول بحضرته أو بحضرة أمينه. (وَلَا يَعْمَلُ) القاضي المتولي (في المَحْبُوسِ) المِنْكِر (بِقَوْلِ المَعْزُولِ) بل بالبيّنة فإن لم يكن بيّنه نادى: من له حقّ على فلانٍ فليحضر مجلس القضاء، فإن لم يحضر أحد خلَّى سبيله وأخذ منه كفيلاً، وإنّما لا يعمل بقول المعزول، لأنّ قوله حينئذٍ شهادةٌ، وشهادة الفردِ ليست بحجَّة لا سيما إذا كانت على فعلِ نفسه. (وَكَذَا فِي غَلَّةِ الوَقْفِ وَالوَدِيعَةِ) لا يعمل بقول المعزول: إنَّ وديعة فلان دفعتُها إلى هذا الرجل، وهو منكرٌ، بل يعمل بالبيَّنة (إلاّ إذَا أَقَرَّ ذُو اليَدِ بِالتَّسْلِيمِ مِنْهُ) أي بالأخذ من المعزول، لأنّ ذا اليد أقرَّ بأن اليد كانت للمعزول. ولو كان المال في يد المعزول يُقبل إقراره فيه، فكذا إذا كان في يد مُودِعِه، لأن يد المودَع كيد المودِع. (وَيُقْرِضُ) القاضي (مَالَ اليَتِيمِ) وكذا مال الغائب، لأنّ في إقراضه مصلحةً لليتيم ونحوه، وهي بقاء ماله محفوظاً، ويكتب الصَّكُّ تذكرةً للحقّ. قيّد بالقاضي، لأن الوصيّ لا يقرض مال اليتيم لعجزه عن الاستخلاص، فربّما يجحد (١) المستقرض ولا يجد شهوداً يوافقونه على أداء الشهادة، ولو وَجَدَ فلا كلّ بيّنة تُعَدَّل،

стр. 1418

وَالجَامِعُ أَوْلَى لِجُلُوسِهِ الظَّاهِرِ. === ولا كلّ قاضٍ يَعْدِل. وفي الجُثُوِّ بين يدي القاضي ذُلٌّ فكان إضراراً بالصغار بهذا الاعتبار، وكذا الأب في أظهر الروايتين. ولو أخذ الأب مال الابن قرضاً لنفسه قالوا: يجوز، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز. ويجوز للقاضي أن يحكم بعلمه عندنا كما يحكم بعلمه بعد ثبوت البيّنة، وهو قول للشّافعيّ ورواية عن مالك وأحمد. وقال الشافعي في قول ومالك وأحمد في ظاهر مذهبه: لا يَحْكم لأنّه يُتَهم في الحكم بعلمه، كالحكم لولده. ولو رأى شيئاً قبل أن يقلَّد القضاء أو في غير مصره الذي هو قاضيه، لا يحكم عند أبي حنيفة ومالك، ويحكم عند أبي يوسف ومحمد والشَّافعيّ في قول، وأحمد في رواية، لأن العلم حاصلٌ له كعلمه في حال قضائه أو في مصره. ولأبي حنيفة: أنه عِلم شهادةٍ لا عِلم قضاء، فلا يصير موجِباً إلاّ بلفظ الشهادة والعدد. (وَالجَامِعُ) الذي في وسط البلد (أَوْلَى) من داره (لِجُلُوسِهِ الظَّاهِرِ) وهو الجلوس الذي يأتي الناس فيه لقطع الخصومات، كيلا يشتبه مكانه على الغرباء وبعض المقيمين في البلد. والحاصل: أنّ جلوسه للحكم في أَشهر الأماكن ومجامع الناس بلا حاجبٍ ولا بوّابٍ أفضل، ولو جلس في أي مكان شاء جاز. وقال الشَّافعيّ: يكره الجلوس في المسجد للقضاء، لأنه يحضره المشرك وهو نجس، والحائض وهي ممنوعة عن دخوله. ولنا: أنّ النبيّ ﷺ قضى في المسجد الجامع، وكذلك الصحابة والتابعون لما في الصحيحين عن سَهْل بن سَعْد في قصة اللِّعَان: أنّ رجلاً قال: يا رسول الله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً إلى أن قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهدٌ. ولما أخرجه الجماعة إلاّ الترمذي عن كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حَدْرَدٍ ديناً كان عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف سجْف حُجْرَتِهِ فنادى: «يا كعب»، قال: (لبّيك) (١) يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر (٢) من دَينك. قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال: «قم فاقضه». والسَِّجْف بفتح السين وكسرها: السِّتْر. وفي البخاري: ولَاعَنَ عمر عند منبر النبيّ ﷺ . وقضى شُرَيْح والشَّعْبِيّ ويحيى بن يَعْمُر في المسجد. وقضى مروان على

стр. 1419

وَلا يَقْبَلُ هَدِيَّةً إِلّا مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، أو مِمَّنْ اعْتَادَ مُهَادَاتَهُ قَبْلَ القَضَاءِ قَدْرًا عُهِدَ إِذا لَمْ يَكنْ لَهُمَا خصُومَةٌ. === زيد بن ثابت باليمين عند المنبر. وأخرج ابن سعد في «الطبقات» عن رَبِيعَة بن أبي عبد الرحمن أنه رأى أبا بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم يقضي في المسجد عند القبر، وكان على القضاء بالمدينة في ولاية عمر بن عبد العزيز. وأخرج أيضاً عن سعيد بن مسلم بن فاتك قال: رأيت سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عَوْف يقضي في المسجد، وكان قد وُلِّيَ قضاء المدينة. وأمّا استدلال صاحب «الهداية» بقوله ﵊: «إنّما بُنيت المساجد لذكر الله والحُكْم» (فقوله: والحكم) (١) غير معروفٍ، وإنما المحفوظ في مسلم حديث أنس في بول الأعرابي في المسجد قال أنس: ثم إنّ رسول الله ﷺ دعاه فقال: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القَذَر، إنّما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن». ولأنّ القضاء عبادةٌ فيجوز إقامتها في المسجد كالصلاة، ونجاسة المشرك في اعتقاده فلا يُمنع من دخوله، والحائض تُخْبِر بحالها، فيخرج القاضي إليها، أو تبعث من يفصل بينها وبين خصمها، كما إذا كانت الخصومة في دابة. ويستحب له أن يقعد مع أهل العلم ويُجْلِسهُمْ قريباً منه للمشورة، وكذا أهل العدل للشهادة بخلاف الأعوان، فإنّ بُعدَهم أولى لحصول الهيبة. ولا يقضي في حال شُغْلِ قلبه بشيء، فلا يقضي وهو: غَضْبَان، أو فَرْحَان، أو جائع، أو عَطْشَان، أو مهموم، أو نَعْسَان، أو حاقن، أو متألّم من حَرَ، أو بردٍ. وينبغي أن يتّخذ مترجماً ثقةً ليُبَيِّن له ما لا يعرفه من لسان الخصم، لأنه ﵊ أمر زيد بن ثابت أن يتعلّم العبرانية. وكان يترجم لرسول الله ﷺ عمّن كان يتكلم بين يديه بتلك اللغة، وكذا يتّخذ كاتباً أميناً عدلاً صالحاً وَرِعاً. (وَلَا يَقْبَلُ) القاضي من أحدٍ (هَدِيَّةً) وهي ما تُعْطَى لأجل المحبة (إِلاّ مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ) لأنه من صلة الرحم (أو) إلاّ (مِمَّنْ اعْتَادَ مُهَادَاتَهُ قَبْلَ القَضَاءِ) لقوله ﵊: «تَهَادَوا تَحَابُّوا» (٢) (قَدْراً عُهِدَ) من ذلك المهدي حتى لو زاده عليه لا يَقْبَل الزِّيادة (إِذا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا) أي لذي الرّحم المَحْرَم ولمن اعتاد الإهداء للقاضي قبل القضاء (خُصُومَةٌ) حتى لو كان لأحدهما خصومة لا يقبل القاضي هديته ما دامت

стр. 1420

وَلا يَحْضُرُ دَعْوَة إِلَّا عَامَّةً. وَيُسَوِّي بَين الخَصْمَيْنِ جُلُوسًا وَإقْبَالًا، وَلا يُسَارُّ أَحَدَهُمَا، ولا يُضِيفُهُ، === الخصومة، لأنها حينئذٍ لأجل القضاء فيكون من الرِّشْوَة. (وَلَا يَحْضُرُ) القاضي (دَعْوَةً) لأحدٍ ولو كان صاحبها ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ من القاضي (إِلاَّ) دعوة (عَامَّةً) لتحقق التهمة في الخاصة وانتفائه في العامة. وفي «الكفاية»: لو كان صاحب الدّعوة خصماً لا يحضر القاضي دعوته ولو كانت عامة، والخاصة هي التي لو علم صاحبها أنّ القاضي لا يحضرها لا يصنعها. وقيل: ما كانت لغير عُرسٍ أو خِتَانٍ، والعامة خلافها. وأجاز له محمد حضور دعوة قريبه الخاصة كالعامة، وعيادة المريض وشهادة الجنائز إذا لم يكن لهم ولا عليهم دعوى. وأبو حنيفة وأبو يوسف منعاه منها لمكان التهمة. (وَيُسَوِّي) القاضي (بَيْنَ الخَصْمَيْنِ جُلُوساً) بين يديه غير متربِّعَين ولا مُقْعِيَيْنِ (١) ولا مُحْتَبِيَيْنِ (٢) ويكون بينهما وبين القاضي قدر ذراعين، ولا يُقْعِدُ أحدهما من الجانب اليمين والأخر من الجانب اليسار، لأنّ جانب اليمين أفضل والقلب إليه أميل. يفعل ذلك مع الشريف والضعيف والأب والابن والخليفة والرَّعية. وإذا سوّى بينهما وحكم بالحقّ ولكنه يجد في قلبه الميل إلى أحدهما فلا بأس به، لأن ذلك لا قدرة له عليه كما في القَسْم بين النِّساء (وَإِقْبَالاً) أي توجّهاً والتفاتاً لقوله ﵊: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فَلْيُسوِّ بينهم في المجلس في الإشارة والنظر، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الآخر». رواه إسحاق بن رَاهُويه في «مسنده» من حديث أم سلمة. وأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عن النبيّ ﷺ : «من ابتُلِيَ بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لَحْظِه وإشارته ومقعده». ورُوِىَ عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري: أن آس (٣) بين الناس في عدلك ووجهك ومجلسك، حتى لا يطمع شريفٌ في حَيْفِكَ (٤) ، ولَا يَيْأَسَ ضعيف من عدلك. (وَلَا يُسَارّ أَحَدَهُمَا) أي لا يكلّمه سرّاً (ولا يُضِيفهُ) أي لا يصنع القاضي لأحدهما ضيافةً. قيّد بالأحد لأنه لو سارَّهما معاً أو أضافهما معاً لا بأس به، كذا قاله

стр. 1421

وَلا يَضْحَكُ، وَلا يَمْزَحُ مَعَهُ، وَلا يُشِيرُ إِلَيهِ، وَلا يَلَقِّنُهُ حُجَّةً، وَلا يُلَقِّنُ: أَتَشْهَدُ بِكَذَا وَكَذَا. وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ فِيمَا لا تُهْمَةَ فِيهِ. وَيَحْبِسُ الخَصْمَ مُدَّةً رَآهَا مَصْلَحَةً === الشارح. وفي جواز مسارَّاتهما معاً نظرٌ ظاهرٌ، إذ لا يخلو عن تهمة ورِيبَة لكلّ منهما. (وَلَا يَضْحَكُ) مع أحدهما (وَلَا يَمْزَحُ مَعَهُ) بل ولا معهما، لأنّ كلاًّ منهما يُذْهِبُ مهابة القضاء (وَلَا يُشِيرُ إِلَيْهِ) لأنه بذلك يجتريء الخصم لديه (وَلَا يَلَقِّنُهُ حُجَّةً) لأن فيه تهمةً وكسراً لقلب الآخر، وربّما أدّى إلى ترك حقّه (وَلَا يُلَقِّنُ) القاضي الشهادة بقوله: (أَتَشْهَدُ بِكَذَا وَكَذَا) لأنّ فيه إعانة أحد الخصمين. (وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ فِيمَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ) لأنّ الشاهد قد يهاب مجلس القاضي فيُحْصَرُ (١) ، فكان في تلقين الشاهد إحياءٌ للحقّ. (وَيَحْبِسُ) القاضي (الخَصْمَ مُدَّةً رَآهَا مَصْلَحَةً) ليظهر ماله (٢) إن كان يخفيه. وقيل: شهراً، وهو اختيار الطَّحَاوِيّ، لأن ما زاد في حكم الآجل، وما دونه في حكم العاجل. وقيل: بشهرين. وقيل: ثلاثة. وقيل: أربعة إلى ستة أشهر، روايات عن أبي حنيفة. والصحيح ما في المتن، لأن من الأشخاص من يرى حبسه في زمان طويل أيسر من إعطاء ما عليه من مال قليل. وصِفة الحبس أن يكون في موضع ليس فيه فراشٌ ولا وِطَاءٌ (٣) ، ولا يدخل عليه أحدٌ يستأنس به، ولا يخرج لجماعة (ولا لجمعة) (٤) ولا لجنازة. ولو أعطى كفيلاً، ولا لموت قريبٍ إلاّ إذا لم يوجد من يجهّزه. ولو مرض مرضاً أضناه لا يخرج إن كان له من يَخْدُمه، ولو احتاج إلى الجماع لا يُمْنَع من دخول امرأته أو جاريته عليه، إن كان في السجن موضع يستره، لأنّ اقتضاء شهوة الفرج كاقتضاء شهوة البطن. وقيل: يمنع، لأنّ الوطيء من فضول الحوائج. والحبس ثابتٌ بالكتاب وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ (٥) والمراد بالنفي: الحبس. وبالسنة فإنه حبس ﵊ رجلاً في تهمةٍ. رواه أبو داود، وزاد الترمذي والنَّسائي، ثم خلَّى عنه. ولم يكن في عهده ﵊

стр. 1422

بِطَلَبِ وَلِيِّ الحَقِّ، إن امْتنَعَ المُقِرُّ عَنِ الإيفَاءِ، أَوْ ثَبَتَ الحَقُّ بِالبَيِّنَةِ فِيمَا لَزِمَهُ بِعَقْدٍ، كَالْكفَالَةِ، أوْ بَدَلِ مَالٍ حَصَلَ لَهُ. وَفِي نَفَقَةِ عِرْسِهِ، وَفِي نَفَقَةِ وَلَدِهِ، لا في دَيْنِهِ، وَفِي غَيْرِهَا لا، إِذَا ادَّعَى فَقْرَهُ، إِلّا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِضِدِّهِ. === وعهد أبي بكر سجن، وإنّما كان يحبس في المسجد أو الدِّهْلِيز (١) بالرَّبط، حتى اشترى عمر داراً بمكة بأربعة آلاف درهمٍ فاتخذه مَحْبَساً. وقيل: بل لم يكن في زمن عمر ولا عثمان إلى زمن عليّ، فبنى سجناً وسمّاه نافعاً، فانفلت الناس منه فبنى آخر وسمّاه مَحْبَساً (بِطَلَبِ وَلِيّ الحَقّ) حبسه، لأنه يحبس لأجل حقّه فلا بدّ من طلبه (إن امْتَنَعَ) المديون (المُقِرُّ عَنِ الإيفَاءِ) بعدما أمر القاضي له بالأداء (أَوْ ثَبَتَ الحَقُّ بِالبَيِّنَةِ فِيمَا لَزِمَهُ) متعلّق بـ: يحبس (بِعَقْدٍ) متعلّق بلزم (كَالْكَفَالَةِ) لأنّ التزامه المال باختياره دليلٌ على يَسَاره ظاهراً، إذ العاقل لا يلتزم ما لا يَقْدِرُ على أدائه. (أوْ بَدَلِ مَالٍ) عطفٌ على بعقد، أي وفيما لزمه بدل مال (حَصَلَ لَهُ) كثمن المبيع وبدل القرض، لأن دخول المال في يده مُثْبِت لغناه (وَفِي نَفَقَةِ عِرْسِهِ) المقدّرة، لأنّه بالامتناع عن الإنفاق عليها صار ظالماً (وَفِي نَفَقَةِ وَلَدِهِ) لأنها لإحيائه (لَا في دَيْنِهِ) أي لا يحبس الوالد في دينٍ عليه لولده، لأنّ الحبس عقوبةٌ فلا يقع من الولد على والده إكراماً له، وكذا الوالدة والجدّ والجدّة، وإن عَلَوْا كالحدود والقصاص، إلاّ إذا أبى من الإنفاق عليه طفلاً. وكذا كلّ من وجبت عليه نفقته من جدّ أو جدّة، لأنها تسقط بمُضِيّ الوقت، فلو لم يحبس عليها تفوت بخلاف سائر الديون. (وَفِي غَيْرِهَا) أي غير هذه الأشياء كضمان المُتْلَفات وأَرْش الجنايات، ونفقة الأقارب (لَا) أي لا يَحْبِس القاضي الخصم (إِذَا ادَّعَى فَقْرَهُ) لعدم وجود أَمارة تدلّ على غناه (إِلاّ إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ) من المدّعي (بِضِدِّهِ) أي بضد فَقْر الخصم وهو غناه. فلو قال بغناه، لكان أظهر في مدَّعاه. والمعنى: فحينئذٍ يَحْبِسه بقدر ما يرى، لأنه مدّعي الفقر، وهو متمسك بالأصل إذ الآدمي حين يولد لا مال له، فكان القول له ما لم يكذبه الظاهر، كما فيما لزم بعقدٍ أو بدل مالٍ. واختيار الخَصَّاف وهو مروي عن الأصحاب: أن القول لمن عليه الدين، سواء كان بدل مالٍ أو لا، لأنّ الفقر أصلٌ والغنى عارضٌ فاحتيج إلى إثباته. ثم بعد ذلك يسأل القاضي جيرانه وأهل الخبرة به عن ماله احتياطاً لا حتماً، فإن شهد شاهدان عنده أنه قادرٌ على قضاء الدين أبَّدَ حبسه، وإن لم يظهر له مال بأن قالوا: إنه ضيق

стр. 1423

وَإذَا شَهِدُوا عَلَى حَاضرٍ، حَكَمَ وَكَتَبَ بِهِ، وَهُوَ السِّجِلُّ، وَعَلَى غَائِبٍ لا، === الحال، أطلقه لقوله تعالى: ﴿وَإنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ (١) ولو رأى أنْ يسأل عنه قبل مُضِيِّ مدّة الحبس كان له ذلك. وأمّا السؤال قبل الحبس وقَبول بيّنة الإعسار، فعن محمد يقبل، وبه أفتى محمد بن الفضل وإسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة، وهو قول الشّافعيّ. والأكثر أنها لا تقبل قبل الحبس، وهو قول مالك، وهو الأصح. فإنَّ بيّنةَ الإعسار بيِّنةٌ على النفي، فلا تقبل حتى تتأيّد بمؤيِّد، وبعد مضي المدّة تأيّدت، إذ الظاهر أنه لو كان له مالٌ لم يتحمل ضيق السجن وَمرَازِئَهُ (٢) . ولو طلب المديون يمين المدَّعي أنه لا يعلم أنه مُعِسرٌ حلّفه، فإن نكل أطلقه ولو قبل الحبس، وإن حلف حبسه. ولغريمه ملازمته بعد خروجه من الحبس، وأخذ فضل كسبه عند أبي حنيفة لعدم تحقّق القضاء بالإفلاس عنده إِذْ المال غادٍ ورائحٌ. ولأن وقوف الشهود على عسرته من حيث الظاهر، فيصلح لدفع الحبس عن المديون لا لإبطال حقّ الغريم في الملازمة. ومَنَعَاه من ملازمته وأَخْذ فضل كسبه، لأن القضاء بالإفلاس يصحّ عندهما، فتثبت العسرة فتجب النَّظِرَة إلى أن يقيم بيّنة على أنه اكتسب مالاً يفي بدينه كلّه أو بعضه، فحينئذٍ يؤمر بحبسه. وتُقَدَّم بيّنة اليَسار على بيّنة العِسار، لأنها تُثْبِتُ أمراً عارضاً. (وَإِذَا شَهِدُوا عَلَى) خصمٍ (حَاضِرٍ حَكَمَ) القاضي لوجود الحُجَّة (وَكَتَبَ بِهِ) أي بحكمه (وَهُوَ) أي هذا المكتوب (السِّجِل وَ) إن شهدوا (عَلَى غَائِبٍ لا) أي لا يحكم القاضي، لأنّ القضاء على الغائب لا يجوز، وكذا للغائب عندنا إلاّ أن يكون له وكيلٌ عنه أو وصيٌّ ولو من جهة القاضي. وجوَّز مالكٌ والشافعي القضاء عليه لقول رسول الله ﷺ : «البيّنةُ على المدَّعي، واليمين على من أنكر» (٣) . فاشتراط حضور الخصم زيادة عليه بلا دليل. ولنا قول رسول الله ﷺ لعليّ حين استقضاه علي اليمن: «لا تقضِ لأحد الخصمين بشيء حتى تسمع كلام الآخر، (فإنك إذا سمعت كلام الآخر) (٤) علمت كيف تقضي». رواه أحمد وأبو داود وغيرهما.

стр. 1424

بَلْ يَكْتُبُ كِتَابًا حَكِيمًا لِيَحْكُمَ المَكْتُوبُ إِلَيهِ، إلّا في حَدٍّ وَقَوَدٍ، فَيَقْرَأُ القَاضِي عَلَى الشُّهُودِ، وَيَخْتِمُ عِنْدَهُمْ، وَيُسَلَّمُ إِلَيهِم. وَعِنْدَ أَبي يُوسُفَ يَكْفِي. وَعَنْهُ أَنّ الخَتْمَ لَيسَ بِشَرْطٍ. ثُمَّ المَكْتُوبُ إلَيهِ لا يقبله إلَّا بِحُضُورِ الخَصمِ وَالبَيِّنَةِ، عَلَى أنّه كتابُ فُلان، قَرَأَهُ عَلَينا، وَخَتَمَهُ وَسَلَّمَهُ، === وفي نفوذ القضاء على الغائب روايتان: ذكر شمس الأئمة وشيخ الإسلام أنه ينفذ. (بَلْ يَكْتُبُ كِتَاباً حَكِيماً لِيَحْكُمَ) القاضي (المَكْتُوبُ إِلَيْهِ) وهذا الكتاب هو نقل الشهادة في الحقيقة، لأن القاضي الكاتب لم يحكم بالشهادة، وإنّما نقلها إلى المكتوب إليه ليحكم بها، ولهذا يحكم المكتوب إليه برأيه، وإن خالف رأى الكاتب، بخلاف السِّجِل فإنه ليس لأحد أن يخالفه ولا أن ينقض حكمه إذا كان في فصلٍ مجتَهَدٍ فيه أو متفقٍ عليه (إلاّ في حَدَ وَقَوَدٍ) فلا يكْتُب فيهما كتاباً حكمياً. وقال مالك وأحمد: يكتب فيهما، لأنّ الاعتماد على الشهود. ولنا: أن في كتاب القاضي شبهة وهما لا يثبتان معهما. وفي ظاهر الرِّواية: أن كتاب القاضي لا يُقْبَل في المنقولات لأنها تحتاج إلى الإشارة إليها عند الدَّعوى والشهادة بخلاف العَقار وغيره من الحقوق، لأنها تعرف بالوصف. وعن محمد: أنه يُقْبَل في جميع ما ينقل، وعليه الفتوى وعمل المتأخرين، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في قولٍ. (فَيَقْرَأُ القَاضِي) الكتاب (عَلَى الشُّهُودِ) الذين ينقلون الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه، ويشهدون لديه أنّ هذا كتابٌ إلى فلان القاضي أو يعلمهم بما فيه، لأنهم يشهدون عند الثاني ولا شهادة بدون العلم، وهي بأحد هذين الطريقين. (وَيَخْتِمُ عِنْدَهُمْ) أي بحضرتهم كيلا يتوهم تغييره، وهذا شرطٌ عند أبي حنيفة ومحمد والشَّافعيّ ومالك وأحمد في رواية (وَيُسَلَّمُ إِلَيْهِمْ) على قول أبي حنيفة ومحمد وإلى المدَّعِي على قول شمس الأئمة، وهو المختار للفتوى. (وَعِنْدَ أَبي يُوسُفَ يَكْفِي) أن يُشْهِدَهم أنّ هذا كتابه وخَتْمه، وبه قال مالك في روايةٍ، (وَعَنْهُ أَنّ الخَتْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ) فسهّل في ذلك لما ابتلي بالقضاء، واختاره شمس الأئمة السَّرَخْسِيّ، وما قاله أبو حنيفة ومحمد أحوط. (ثُمَّ) القاضي (المَكْتُوبُ إلَيْهِ لَا يقبله (١) إلاّ بُحضُورِ الخَصْمِ وَالبَيِّنَةِ) أي وإلاّ بالبيّنة عند أبي حنيفة ومحمد (عَلَى أنّه كِتَابُ فُلَانٍ قَرَأَهُ عَلَيْنا وَخَتَمَهُ وَسَلَّمَهُ) لئلا يكون الكتاب زُوراً. وقال أبو يوسف: يَقبل القاضي المكتوب إليه بلا بيّنة، ولكن لا يعمل به إلاّ بالبيّنة.

стр. 1425

فَيَفْتَحُهُ وَيَقْرَؤُهُ، وَيُلْزِمُهُ مَا فِيهِ، إِنْ بَقِيَ الكَاتِبُ قَاضِيًا. وَلا يَعْمَلُ بِهِ غَيرُهُ إلّا إذا كَتَبَ بَعْدَ اسمِهِ: وَإلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إلَيهِ مِنْ قُضاةِ المُسلِمِينَ. وَعِنْدَ أَبي يُوسُفَ: إنْ كَتَبَ هَذَا ابْتِدَاءً، يُقْبَلُ. وَإنْ مَاتَ الخَصْمُ يَنْفُذُ عَلَى وَارِثِهِ. وَالمَرْأَةُ تَقْضِي إلّا في حَدٍّ وَقَوَدٍ. وَلا يَستَخْلِفُ قَاضٍ قَاضِيًا، === (فَيَفْتَحُهُ) القاضي (وَيَقْرَؤُهُ) على الخصم (وَيُلْزِمُهُ مَا فِيهِ) إذا ثبتت عدالة الشهود عنده، بأن كان القاضي الأول كتب عدالتهم، أو كان المكتوب إليه يعرفهم بالعدالة، أو سأل من يعرفهم من الثقات فزكَّاهم. (إِنْ بَقِيَ الكَاتِبُ قَاضِياً) قيّد به لأن الكتاب يبطل بموت الكاتب وعزله، وبكونه لم يبق أهلاً للقضاء: بأن جُنّ أو ارتدّ أو قذف فَحُدَّ، أو عَمِي قبل وصول الكتاب إلى الثَّاني أو بعد وصوله قبل أن يقرأه. وقال أبو يوسف (والشافعيّ) (١) وأحمد: لا يَبْطُل. (وَلَا يَعْمَلُ بِهِ) أي بالكتاب (غَيْرُهُ) أي غير المكتوب إليه وإن مات المكتوب إليه أو عُزِلَ، بل يبطل (٢) (إلاّ إذا كَتَبَ بَعْدَ اسمِهِ): أي اسم المكتوب إليه (وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ المُسْلِمِينَ) وقال الشّافعيّ وأحمد: يعمل به وإن لم يكتب ذلك (وَعِنْدَ أَبي يُوسُفَ إنْ كَتَبَ هَذَا) أي إلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين (ابْتِدَاءً) بأن كتب من فلانٍ ابن فلانٍ (ابن فلانٍ) إلى كلّ من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكّامهم (يُقْبَلُ) وبه قال الشافعي وأحمد، واستحسنه كثيرٌ من المشايخ تسهيلاً للأمر على النّاس. وقال أبو حنيفة: لا يُقْبل أخذاً بالاحتياط (وَإِنْ مَاتَ الخَصْمُ يَنْفُذُ) الكتاب (عَلَى وَارِثِهِ) لقيامه مقامه. (وَالمَرْأَةُ تَقْضِي) لأنها من أهل الشهادة، فتكون من أهل القضاء، إذ كل منهما من باب الولاية. وقول رسول الله ﷺ : «لا يفلح قوم وَلَّوْا أمرهم امرأة» (٣) يدلّ على نقصان حال ذلك القوم لا على عدم جواز توليتها، وقد سبق تحقيقه (٤) . (إلاّ في حَدَ وَقَوَدٍ) (٥) لعدم جواز شهادتها فيهما. (وَلَا يَسْتَخْلِفُ قَاضٍ قَاضِياً) لأنّه قُلِّدَ القضاء دون أن يُقَلِّدَه لغيره، ولأنّ الإمام

стр. 1426

وَلا يُوَكِّلُ وَكِيلٌ وَكِيلًا، إِلّا مَنْ فَوِّضَ إِلَيهِ ذَلِكَ، فَفِي المُفَوَّضِ نَائِبُهُ لا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ وَمَوْتِهِ مُوَكَّلًا، بَلْ هُوَ نَائِبُ الأَصلِ، وَفِي غَيرِهِ إِنْ فَعَلَ نَائِبُهُ عِنْدَهُ، أَوْ أَجَازَ هُوَ، أَوْ كَانَ قَدَّرَ الثَّمَنَ، وَبـ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ، يُوَكِّلُ. والقَضاءُ فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ عَلَى خِلافِ مَذْهَبِهِ، نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا، لا يَنْفُذُ. === رَضِيَ بقضائه دون غيره (وَلَا يُوَكِّلُ وَكِيلٌ وَكِيلاً) لأن الموكِّل إنما رضي بتصرّفه دون غيره (إِلاّ مَنْ فُوِّضَ إِلَيْهِ ذَلِكَ) أي إلاّ القاضي المفوَّض إليه الاستخلاف، والوكيل المفوَّض إليه التوكيل، بخلاف المأمور بإقامة الجمعة، فإنه يجوز له الاستخلاف فيها، وإن لم يُفَوَّض إليه ذلك، لأنّه لما فَوِّضَ إليه الجمعة مع علمه أن العوارض المانعة من إقامتها قد تعتريه ولا يمكن انتظار إذن الإمام الأعظم لضيق الوقت، كان الإذن بإقامتها إذناً بالاستخلاف فيها دلالة. (فَفِي المُفَوَّضِ) إليه الاستخلاف والتوكيل (نَائِبُهُ لَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ وَمَوْتِهِ مُوَكَّلاً) في «شرح الوقاية»: إنما قال مُوَكَّلاً، لأن في الوكالة ينعزل الوكيل بموت مُوَكِّلِهِ، فأراد أن يصرّح بأن الوكيل ههنا لا ينعزل بموت مُوَكِّلِهِ، لأنه في الحقيقة ليس نائبه بل هو نائب الأصل. أمّا في القضاء فلأنّ النائب لا ينعزل بموت المَنُوب، فخَصَّ الموكِّل بالذكر للاشتباه، ولا اشتباه في باب القضاء فلم يذكره. (بَلْ هُوَ نَائِبُ الأَصْلِ) إلاّ أنه في التوكيل ينعزل بموت الأصل، وفي القضاء لا ينعزل. وقال الشَّافعيّ وأحمد: إذا عَزَلَ القاضي المُفَوَّض إليه نائبَه ينعزل، لأنه كوكيله، والمُوَكِّل يملك عزل وكيله. ولنا: أنه لمّا صحّ الاستخلاف من جهة الإمام كان نائباً عن الإمام، ولم يملك المفوَّض إليه عزله إلاّ أن يقول الإمام: وَلِّ من شئت واستبدل من شئت. (وَفِي غَيْرِهِ) أي غير المفوَّض (إِنْ فَعَلَ نَائِبُهُ عِنْدَهُ) أي بحضرته (أَوْ أَجَازَ هُوَ) ما فعل نائبه في غيبته (أَوْ كَانَ) المُوَكَّل الأوَّل (قَدَّرَ الثَّمَن) في الوكالة صحّ. أمّا إذا فعل بحضوره ففعله ينتقل إليه، وأمّا إذا أجاز فعلَه فلأنه صار كأنه فعله. وأمّا إذا فعل بالثمن الذي قدَّر الأول فلحصول المقصود باستعمال رأيه في تقدير الثمن (وَبـ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ يُوَكِّلُ) الوكيل لإطلاق التفويض إلى رأيه. (والقَضاءُ) أي قضاء القاضي (فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ) أي (رأيه) (١) (نَاسِياً أَوْ عَامِداً لا يَنْفُذُ) عند أبي حنيفة ومحمد، وبه قال مالك والشّافعيّ وأحمد، وعليه الفتوى، لأنه زاعِمٌ فساد قضائه فيؤاخذ بزعمه. وقال أبو حنيفة: إن كان

стр. 1427

وَعَلَى وِفَاقِهِ يُجْعَلُ المُخْتَلَفُ فِيهِ مُجْمَعًا عَلَيهِ، فَإنْ عُرِضَ عَلَى آخَرَ يُمْضِهِ، إلَّا فِيمَا خالَفَ الكِتَابَ، أو السّنَّةَ المَشْهُورَةَ، أَوْ الإِجْمَاعَ. === ناسياً يَنْفُذ، وإن كان عامداً ففيه روايتان. ووجه النَّفاذ أنه ليس خطأ بيقين، لأن كل مجتَهِد لا يُقطع بصواب اجتهاده، وبه كان يُفْتِي الصدر الشهيد والمَرْغِينَانِيّ. وفي «الذَّخيرة»: الخلاف في نفاذ القضاء، وقيل: في حِلِّ الإقدام عليه. وقال بعض المحققين: والوجه في هذا الزمان أن يُفْتى بقولهما، لأن التارك لمذهبه عمداً لا يفعله إلاّ لهوى باطلٍ لا لقصدٍ جميلٍ، وأمّا النَّاسي فلأَنّ المقلِّد ما قلّده إلاّ ليحكم بمذهبه لا بمذهب غيره، وهذا كله في القاضي المجتهد، وأمّا المقلِّد فإنما ولاّه ليحكم بمذهب أبي حنيفة مثلاً، فلا يمكن المخالفة فيكون معزولاً بالنسبة إلى ذلك الحكم. (وَعَلَى وِفَاقِهِ) أي القضاء على وِفَاق رأي القاضي (يُجْعَلُ المُخْتَلَفُ فِيهِ مُجْمَعاً عَلَيْهِ) لأنّ الخلاف الموجود قبل القضاء يرتفع (به كما يرتفع) (١) بإجماع العلماء على قولٍ بعد اختلافهم على قولين في العصر الذي قبله. (فَإِنْ عُرِضَ عَلَى) قاضٍ (آخَرَ يُمْضِهِ) سواء كان على رأيه أو على خلافه، لأن القضاء متى لاقى مُجْتَهداً فيه يَنْفُذُ ولا يُنْقض باجتهادٍ آخر، لأنّ اجتهاد الثاني كاجتهاد الأول، وقد ترجَّح الأول باتصال القضاء به فلا يُنقض بما دونه. وشرطه أن يكون القاضي عالماً باختلاف العلماء حتّى لو قضى في فصلٍ مُجْتَهدٍ فيه وهو لا يعلم بذلك لا يجوز قضاؤه عند عامتهم، ولا يمضيه الثاني، كذا في «النهاية» عن «المحيط». وقال شمس الأئمة: إنه ظاهر الرواية. (إلاّ فِيمَا خالَفَ الكِتَابَ) أي ظاهره (أوْ السّنَّةَ المَشْهُورَةَ) أي ما قاربت المتواترة (أَوْ الإِجْمَاعَ) أي اتفاق الأئمة، فإنه لا يَنفُذُ قضاؤه ولا يُنْفِذُ قاضٍ آخر له، لأنه يكون حكماً بلا دليل فيكون باطلاً ولا يعود بالتنفيد صحيحاً. فَمُخالفُ الكتابِ. كالحكم بحلِّ متروك التسمية عمداً، ومخالف السنة المشهورة: كالحكم بحلِّ المطلّقة ثلاثاً بمجرد عقد الزوج الثاني، ومخالف الإجماع: كالحكم ببطلان قضاء القاضي في المجتهدات. والمراد بالإجماع: ما ليس فيه خلاف يَستند إلى دليلٍ شرعيّ (وعُدَّ من ذلك: القضاء بشاهدٍ ويمينٍ) (٢) وبصحة نكاح المتعة، وبعدم وقوع الطلاق الثلاث جملةً، وبعدم وقوع الطلاق على حُبْلى أو حائض أو قبل الدّخول، وبيع أمّ الولد (٣) من

стр. 1428

وَإنْ كَانَ نَفْسُ القَضَاءِ مُخْتَلَفًا فِيهِ يَصِيرُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بِإِمْضَاءِ آخَرَ. وَالْقَضَاءُ بِحُرْمَةٍ أَوْ حِلٍّ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلَوْ بِشَهَادَةِ زُورٍ، إِذَا ادَّعَاهُ بِسَبَب مُعَيٍّن. === هذا القبيل عند محمد خلافاً لهما. (وَإِنْ كَانَ نَفْسُ القَضَاءِ مُخْتَلفاً فِيهِ) مثل القضاء على الغائب، وقضاء المحدود في القذف بعد التوبة، وقضاء الفاسق قبل التوبة. (يَصِيرُ مُجْمَعاً عَلَيْهِ بِإِمْضَاءِ) قاضٍ (آخَرَ) لأن محلّ الخلاف لم يوجد قبل القضاء، بل وُجِدَ بعده فلا بدَّ من قضاءٍ آخر للترجيح. (وَالْقَضَاءُ بِحُرْمَةٍ أَوْ حِلَ يَنْفُذُ ظَاهِراً وَبَاطِناً) أي عند الله (وَلَوْ بِشَهَادَةِ زُورٍ) وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف أولاً. وقال محمد وأبو يوسف آخِراً كمالك والشَّافعي وأحمد: لا ينفذ بالزور إلاّ ظاهراً وعليه الفتوى، كما لو كان الشهود عبيداً أو محدودين في قذفٍ أو كفاراً، والمشهود له يعلم بحالهم دون القاضي، أو كما لو قضى القاضي بنكاح الرَّجل على امرأةٍ منكوحةٍ أو معتدّة لغيره، وكما في الأملاك المرسلة. (إِذَا ادَّعَاهُ بِسَبَبٍ مُعَيّنٍ) قيّد به لأن القضاء بحلَ وحرمةٍ في المدَّعى بلا سببٍ لا يَنْفُذُ إِلاّ ظاهراً بالاتفاق. ثم معنى النفاذ ظاهراً: أن تسلّم المرأة نفسها له بقول القاضي: سلِّمي نفسك فإنه زوجك، والنفاذ باطناً: أن يحلّ له وطؤها ويحلّ لها التمكين فيما بينهما وبين الله تعالى. ولنا: أن القضاء لقطع المنازعة، وقد عُهِدَ نفوذ القضاء بمثل ذلك في الشرع، ألا ترى أنّ التفريق باللعان ينفذ باطناً وأحدهما كاذبٌ بيقينٍ؟ وكذا إذا اختلف المتبايعان وتحالفا يَفسخ القاضي بينهما البيع، فينفذ الفَسْخ باطناً حتى يحلّ للبائع وطاءُ الجارية المبيعة، فكذا في باقي الفسوخ والعقود، وأمّا العبيد والكفار والمحدودون في القذف، فيمكن الوقوف عليهم بخلاف الشهود الزور. وعدم النَّفاذ في الحكم بنكاح منكوحة الغير أو معتدّته لفوات شرط الحكم لا لِزُور الشهود، إذ شرط الحكم أن يكون في محلّ قابلٍ له، ومنكوحة الغير ومعتدّته ليست بمحلٍ للنكاح، وإنما لم ينفذ باطناً في المدّعي بلا سببٍ، لأن في أسباب الملك تزاحماً إذ الملك تارةً يثبت بالشِّراء وتارةً بالإرث وغيره، وليس تعيين بعض أولى من بعض. وإثبات الملك مطلقاً من غير سببٍ ليس في وسع البشر بخلاف المدَّعي بسببٍ معينٍ، كالبيع والشراء والإجارة والنِّكاح والإقالة والفُرْقة بطلاقٍ أو غيره. وفي الهبة والصدقة روايتان. احتجّ أبو حنيفة بما رُوِيَ أنّ رجلاً ادّعى على امرأةٍ نكاحاً بين يديّ عليّ كرّم

стр. 1429

وَلا يَقْضي عَلَى غَائِبٍ إِلَّا بِحَفْرَةِ نَائِبِهِ حَقِيقَةً أَوْ شَرْعًا، كَوَصِي القَاضِي، أَوْ حُكْمًا، بأنْ كَانَ مَا يَدَّعِي عَلَى الغَائِبِ، لا مَحَالَةَ، سَبَبًا لِمَا يَدَّعِي عَلَى الحَاضِرِ، لا إنْ كَانَ شَرْطًا. === الله وجهه وأقام شاهدين فقضى عليّ بالنكاح بينهما. فقالت المرأة: إن لم يكن بدّ يا أمير المؤمنين فزوِّجني منه، فإنه لا نكاح بيننا. فقال عليّ: شاهِداكِ زوَّجاكِ. فقد طلبت منه أن يعفّها عن الزِّنَا بأن يعقد النكاح بينهما فلم يُجِبْها إلى ذلك، ولو لم ينعقد العقد بينهما بقضائه لما امتنع من تجديده عند طلبها ورغبة الزوج فيها، وإنما لم يجبها لذلك لترجيح قول الشهود على قولها واتهامها بالكذب (١) ، إذ مثله لا يقضي إلاّ بشهودٍ عدولٍ. ولهم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّام لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) فقد نهى الله عن أكل مال الغير بالباطل محتجّاً بحكم الحاكم، فهو تنصيصٌ على أنه وإن قضى القاضي له بالشراء بشهادة الزُّور لا يحلّ له تناوله، ويكون ذلك منه أكلاً بالباطل. وقول رسول الله ﷺ : «إنما أنا بشرٌ وإنكم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعضٍ، فاقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيتُ له بشيءٍ من حقّ أخيه فلا يأخذنَّه، فإنما أَقْطَعُ له قطعةً من نارٍ». متفقٌ عليه. (وَلَا يَقْضِي) القاضي (عَلَى غَائِبٍ) لما سبق (إِلاّ بِحَضْرَةِ نَائِبِهِ حَقِيقَةً) وهو وكيله (أَوْ) نائبه (شَرْعاً كَوَصِي القَاضِي أَوْ) نائبه (حُكْماً بأنْ كَانَ مَا يَدَّعِي عَلَى الغَائِبِ لَا مَحَالَةَ) أي بيقين (سَبَباً لِمَا يَدَّعِي عَلَى الحَاضِرِ) كما لو ادّعى عيناً في يد غيره أنه اشتراها من فلانٍ الغائب، وأقام البيّنة على ذي اليد بعد إنكاره، وقضى به. ثم حضر الغائب وأنْكر، لا يُلْتَفَتُ إلى إنكاره. وأمّا احتمال السببية، كما إذا قال لامرأةٍ: إنّ زوجك الغائب وكَّلَنِي بأن أحملك إليه فأقامت البيّنة أنّه طلّقها ثلاثاً، فإنه لا يقضي بالطلاق على الغائب، لأنه يحتمل أن يكون وكيلاً بالحمل بعده (في العدّة) (٣) وأن يكون وكيلاً بالحمل قبله، فلما كان سبباً من وجه (دون وجهٍ) (٤) يقضي بقصر يد الوكيل ولا يقضي بالطلاق، كذا في «الفصول العِمَادية». (لَا) أي لا يكون الحاضر نائباً عن الغائب (إنْ كَانَ) ما يَدَّعِي على الغائب (شَرْطاً)

стр. 1430

وَصَحَّ تَحْكِيمُ الخَصْمَين === لِمَا يدَّعي على الحاضر، كما لو قال رجلٌ لامرأته: إن طلّق فلانٌ امرأته فأنت طالقٌ، ثم برهنت المرأة على أنّ فلاناً طلّق امرأته وفلانٌ غائبٌ لا يُقبل منها، ولا يُحْكم بوقوع الطّلاق عند عامة المشايخ. بخلاف ما لو قال: إذا دخل فلان الدَّار فأنت طالقٌ، وبرهنت على دخول فلانٍ وهو غائبٌ، حيث يُقْبَل ويُحْكم بوقوع الطَّلاق، لأنّ هذا ليس بقضاء على الغائب، إذ ليس فيه إبطال حقّ له. وأفتى بعض المتأخرين بقبول البيّنة ووقوع الطلاق في المسألة الأولى، منهم فخر الإسلام، لأن دعوى المدَّعي كما تتوقف على السبب تتوقف على الشرط، والأصحّ خلافه، وبه كان يُفْتِي المَرْغِينَانِيّ. وقال الشّافعيّ: يجوز الحكم على الغائب عن البلد وعن مجلس الحكم إذا كان مستتراً في البلد قولاً واحداً، وبه قال مالك وأحمد. وللشّافعي في الغائب عن مجلس الحكم غير مستتر في البلد قولان: أصحّهما: أنه لا يحكم بدون حضوره، (وبه قال مالك وأحمد: لأنّ في المستتر تضييعَ الحقوق وفي غيره لا) (١) . والثاني: أنه يحكم عليه لوجود الحجّة وظهور الحقّ. ولنا: أن القضاء لقطع المنازعة، ولا منازعة بدون الإنكار ولم يوجد. وأمّا قول رسول الله ﷺ لهند امرأة أبي سفيان: «خذي من ماله ما يكفيكِ ووَلَدَكِ بالمعروف» (٢) . فلم يكن قوله ﵊ قضاءً على أبي سفيان، بل كان فتوى لها. (وَصَحَّ تَحْكِيمُ الخَصْمَيْنِ) لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣) . ولعمل رسول الله ﷺ بتحكيم سعد بن مُعَاذ في بني قُرَيْظَةَ بسَبْي ذَراريِّهم وقتل مقاتليهم كما في الصحيح. ولِمَا قال أبو شُرَيْحٍ: يا رسول الله إنّ قومي إذا اختلفوا في شيء أَتَوني فحكمت بينهم فَرَضِيَ عني الفريقان، فقال ﷺ : «ما أحسن هذا». رواه النَّسائي. ورُوِيَ أنه كان بين عمر وأُبَيّ بن كعب منازعةٌ في نخلٍ، فحكَّما بينهما زيد بن ثابت. فأتياه فخرج زيد وقال لعمر: هلاَّ بعثت إليّ فأتيتك يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: في بيته يُؤتَى الحَكَم فدخلا بيته فألقى لعمر وِسَادة، فقال عمر: هذا أول جورك، وكانت اليمين على عمر، فقال زيد لأُبيّ: لو أعفيت أمير المؤمنين، فقال عمر: عن يمين لزمتني، فقال أُبَيّ: نُعفي أمير المؤمنين ونَصْدُقُه. ولأنّ لهما ولاية على أنفسهما، فصحّ تحكيمهما.

стр. 1431

مَنْ صَلَحَ قَاضِيًا في غَيرِ حَدّ وَقَوَدٍ، وَلَزِمَهُمَا حُكْمُهُ وَإخْبَارُهُ بِإِقْرَارِ أحَدِهِمَا، وَبِعَدَالَةِ شَاهِدٍ حَالَ وِلايَتِهِ. وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ حُكْمِهِ، فَإِنْ رَفَعَ حُكْمَهُ إلى قَاضٍ أَمْضَاهُ إن وَافَقَ مَذْهَبَهُ. وَلا يَصِحُّ القَضَاءُ وَالشَّهَادَةُ لِمَنْ بَينَهُمَا وَلاءٌ أوْ زَوْجِيَّةٌ. وَصَحَّ الإيصاءُ بِلا عِلْمِ الوَصِيّ، لا التَّوْكِيلُ. === (مَنْ صَلَحَ قَاضِياً) لأن المحكِّم بينهما بمنزلة القاضي، فيُشْتَرَطُ فيه ما يُشْتَرَط في القاضي. ويُشْتَرَطُ في نفوذ حكمه أن يكون (في غَيْرِ حَدّ وَقَوَدٍ) لأنه لا ولاية لهما على دمهما، ولهذا لا يملكان إباحته، فلا يصحّ تحكيمهما فيه. والحدود بمنزلة (الدم) (١) (وَلَزِمَهُمَا حُكْمُهُ) إذا حكم بالبيّنة أو الإقرار أو النُّكول، لأنه صدر عن ولاية شرعية عليهما. ثم بالعزل لا يبطل حكمُه كالقاضي (وَإِخْبَارُهُ) أي وصحّ إخبار الحكم (بِإِقْرَارِ أحَدِهِمَا) بأن يقول: إنك أقررت عندي بكذا، ذكره في «الخِزَانة» (وَبِعَدَالَةِ شَاهِدٍ) بأن يقول: قام عليك بيّنةٌ لهذا بكذا، وعُدِّلُوا عندي وقد حكمت عليك به لهذا. وإنما يلزمهما إخباره بذلك (حَالَ وِلَايَتِهِ) فإن إخباره حال ولايته قائمٌ مَقَام شهادة رجلين. قيل: ولكن لا يُفْتَى به لئَلا تَذهب مهابةُ منصب القضاء. أمّا لو أخبر بذلك حال عزله فلا يصدَّق لانقضاء الولاية. (وَلِكُلَ مِنْهُمَا) أي المُحَكَّمين. (أَنْ يَرْجِعَ) عن تحكيمه (قَبْلَ حُكْمِهِ) أي حكم الحاكم، لأنه مقلَّد من جهتهما، فكان لهما عزلُه قبل أن يحكم بينهما، كما أن المقلَّد من جهة الإمام له أن يعزله قبل أن يحكم بين الناس. (فَإِنْ رَفَعَ حُكْمَهُ إلى قَاضٍ أَمْضَاهُ إن وَافَقَ مَذْهَبَهُ) إذ لا فائدة في نقضه ثم إبرامه. أمّا لو خالفه، فلم يُمْضِهِ إن شاء، بخلاف حكم القاضي إذا خالف مذهب قاضٍ ورُفِعَ إليه، حيث يمضيه وجوباً، لأنّ القاضي المُوَلَّى من جهة الإمام له ولاية على الناس، فكان قضاؤه حجّة على الكلِّ بخلاف المُوَلَّى من الخصمين، فإنه لا ولاية له على غيرهما. وفائدة إمضاء القاضي حكم الموافق لمذهبه أن لا يكون لقاضٍ آخَر يرى خلافه نَقْضُه إذا رُفِعَ إليه، لأن إمضاءه بمنزلة قضائه ابتداءً. (وَلَا يَصِحُّ القَضَاءُ) توليةً وتحكيماً (وَ) لا (الشَّهَادَةُ لِمَنْ بَيْنَهُمَا وَلَاءٌ أوْ زَوْجِيَّةٌ) للتُّهْمَةِ. وأما لو كان القضاء والشهادة عليهم صحّا لعدم التُّهْمَة. (وَصَحَّ الإِيصَاءُ بِلَا عِلْمِ الوَصِيِّ لَا التَوْكِيلُ) بلا علم الوكيل. فلو باع الوصيّ

стр. 1432

وَشُرِطَ خَبَرُ عَدْلٍ أَوْ مَستُورَيْنِ بِعَزْلِ الوَكِيلِ، وَعِلْمُ السَّيِّدِ بِجِنَايةِ عَبدِهِ، وَالشَّفِيعِ بِالبَيعِ، وَالبِكْرِ بالنِّكَاحِ، وَمُسْلِمٍ لَمْ يُهَاجِر بالشَّرَائِعِ، لا لِصِحَّةِ التَّوْكِيلِ. وَقُبِلَ قَوْلُ قَاضٍ عالمٍ عَدْلٍ: قَضَيتُ بِهَذَا، وَجَاهِلٍ عَدْلٍ، إنْ بَينَّ سَبَبَهُ لا غَيرِهِمَا. === شيئاً من التركة قبل علمه صحّ بيعه، ولو تصرّف الوكيل فيما وُكِّلَ به قبل علمه لم يصحّ تصرّفه. (وَشُرِطَ) عند أبي حنيفة (خَبَرُ عَدْلٍ أَوْ مَسْتُورَيْنِ بِعَزْلِ الوَكِيلِ وَعِلْمُ السَّيِّدِ بِجِنَايةِ عَبْدِهِ وَ) علم (الشَّفِيعِ بِالبَيْعِ وَ) علم (البِكْرِ بالنِّكَاحِ وَ) علم (مُسْلِمٍ) في دار الحرب (لَمْ يُهَاجِرْ بالشَّرَائِعِ). وقال أبو يوسف ومحمد: لا يشترط إلاّ التمييز، والأصحّ في حقّ المسلم الذي لم يهاجر أن يَقْبَل خبر الفاسق، حتى تجب عليه الأحكام بخبره، لأنّ المُخْبِرَ له مبلِّغٌ ورسولٌ، وفي الرسول لا تشترط العدالة، كما في رسول الوليّ إلى البكر بالتزويج. (لَا لِصِحَّةِ التَّوْكِيلِ) أي لا يشترط خبر عدلٍ أو مستورين لصحة التوكيل، حتّى لو أعلم الوكيلَ واحدٌ غيرُ عدل صحّ توكيله، لأنه من المعاملات وليس فيه إلزام، فلا يُشْتَرَطُ فيه إلاّ التمييز. (وَقُبِلَ قَوْلُ قَاضٍ عالمٍ عَدْلٍ: قَضَيْتُ بِهَذَا) من غير بيان سبب القضاء، لأن عدالته تمنعه من المَيْل إلى الرِّشْوة، وعلمه يمنعه من الغلط في الحكم، (وَجَاهِلٍ) عطفٌ على عالمٍ، أي: وقُبِل قول قاضٍ جاهلٍ (عَدْلٍ إنْ بَيَّنَ سَبَبَهُ) على وجه التَّبَرُّع بأن قال في الزِّنا بإقرار: استفسرت المقرّ كما هو المعروف فيه، وحكمت برجمه. وقال في السرقة: ثبت بالحجّة عندي أنه أخذ نصاباً من حِرْزِ لا شبهة فيه، لأنّ عدالته تمنعه من الخيانة، وتبينه السبب يمنع من الغلط، فإذا قَبِلَ قولهما يُعْمَلُ وِفْقَ أمرهما من قتلٍ وقطع وغيرهما. (لَا) يقبل قول (غَيْرِهِمَا) وهو العالم الفاسق، والجاهل الفاسق، لتهمة الخطأ للجهالة، وتهمة الخيانة لعدم العدالة، وهذا الذي ذكره المصنِّف مختار أبي منصور المَاتُرِيدِيّ. وفي «الجامع الصغير» لم يقيّد بعلم ولا بعدالة، وهو ظاهر الرواية، لأن طاعة أولي الأمر واجبةٌ، وفي تصديق القاضي طاعته. ثم رجع محمد عن هذا وقال: لا يؤخذ بقوله إلاّ أن تُعَايَنَ الحُجَّة، أو يشهد بذلك القاضي العدل، لأن قوله يحتمل الغلط

стр. 1433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والخطأ، والتدارك غير ممكن، وحرمة النفس عظيمةٌ، والحدود تندراء بالشبهة. واستحسن المشايخ هذه الرواية لفساد الحال في أكثر القضاة. ولا بأس برزق القاضي لأنّ رسول الله ﷺ عام فتح مكة (لمَّا أسلم عَتَّاب بن أُسَيْد استعمله على مكة) (١) حين خروجه إلى حُنَيْن. فقام للناس بالحج تلك السنة، وهي سنة ثمان، ولم يزل عَتَّاب أميراً على مكّة حتّى قُبِضَ رسول الله ﷺ . فأقرّه أبو بكر عليها، فلم يزل عليها إلى أن مات وكانت وفاته فيما ذكره الوَاقِدِيّ يوم مات أبو بكر الصديق ﵁. قال: ماتا في يوم واحدٍ. ورُوِيَ عن عمرو بن عَوْفٍ قال: سمعت عَتَّاب بن أُسَيْد يقول: وهو يخطب مسنِداً ظهره إلى الكعبة يحلف: ما أصبت في عملي الذي بعثني رسول الله ﷺ إلاّ ثوبين كسوتهما مولاي كَيْسان. وقد ذكر الأصحاب: أنه ﵊ فرض لعَتَّاب بن أُسَيْد أربعين أوقِيَّةً في السَّنَةِ. والأُوقِيَّةُ: أربعون درهماً. وتكلَّموا في أيّ مالٍ رزقه، ولم يكن يومئذٍ الدواوين، ولا بيت المال. فإنّ الدواوين وُضِعَتْ في زمن عمر. فقيل: إنَّما رزقه من الفيء ممّا أفاء الله، فقيل: من المال الذي أُخِذَ من نَصَارَى نَجْرَان. وقيل: من الجزية التي أخذها من مجوس هَجَر (٢) . وقيل: إن رسول الله ﷺ فرض له كل يوم درهماً. وكان شُرَيْح أخذ على القضاء أجراً. والله سبحانه أعلم.

стр. 1434

كِتَابُ الشَّهَادَةِ هِي إِخْبَارٌ بِحَقٍّ للْغَيرِ عَلَى آخَرَ، وَتَجِبُ بِطلبِ المُدَّعي، === كتاب الشَّهَادَةِ (هِي) لُغةً: إِخبارٌ بشيء عن مشاهدة وَعِيَانٍ، لا عن تخمين وحُسبان. وشرعاً: (إِخْبَارٌ بِحَقَ لِلْغَيْرِ) أَي إِخبار صدقٍ بإِثبات حقَ لغير المخبِر (عَلَى آخَرَ) احترز به عن الإِقرار، فإِنه إِخبار بحقَ لغير المُخبَر على المُخبِر. وسببها في حقّ التحمل: المشاهدة أَوْ السَّماع، وفي حق الأَداء: طلب المُدَّعي. وركنها استعمال لفظ الشهادة (بلفظ الشهادة) (١) ، لأَن النصوص وردت بهذه اللفظة فتقيد (٢) بها. وتكون عند القاضي، لأَن المقصود منها القضاء بها. وشروطها كثيرة: منها: أَنْ يكون حراً، عاقلاً، بالغاً، مسلماً، عَدْلاً باجتناب الكبائر وعدم الإصرار (٣) على الصغائر، لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهدَاءِ﴾ (٤) والمَرْضِيُّ هو العدل، وقوله : ﴿وأَشهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥) . وحكمها: وجوبُ الحكم على القاضي بما ثبت بها. وفي «المبسوط»: والقياس يأَبى كون الشهادة حجةً مُلزمة، لأَنها خَبرٌ يحتمِلُ الصدق والكذب، والمُحْتِمل لا يكون حجة، إِلا أَنّ هذا القياس تُرك بالنصوص والإِجماع. (وَتَجِبُ بِطلبِ المُدَّعي) لقوله تعالى: ﴿ولا يأْبَ الشُّهدَاءُ إِذا ما دُعُوا﴾ (٦) . وقوله تعالى: ﴿ولا تَكْتُموا الشهادة ومَنْ يَكْتُمْهَا فإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٧) وهاتان الآيتان وإِن كانتا نهتا (٨) عن الإباء والكتمان، إِلا أَنّ النهي عن الشيء أَمرٌ بضِدِّه إِذا كان له ضد واحد. وإِنما خَص القلبَ بالإِثم لأَنه رئيسُ الأَعضاء، والمُضْغَة التي إِذا صَلَحَتْ صَلَح الجسد كله، وإِذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسدُ كله، كما ورد في الصحيح (٩) .

стр. 1435

وسَترُهَا في الحدود أَفضل، ويقول في السرقة: أَخَذَ لا سَرَقَ. ونِصَابُهَا للزنا أَربعةُ رجالٍ، === ثم أَداء الشهادة إِنما يجبُ إِذا كان الشاهدُ قريباً من مجلس القضاء، أَوْ بعيداً بحال لو حضر مَجْلِسَ الحُكْم وشَهِدَ، يمكنه الرجوع إِلى أَهله في يومه، لأَنه لا ضرر عليه حينئذٍ في حُضوره وقد قال الله تعالى: ﴿ولا يُضَارَّ كَاتِبٌ ولا شَهِيْدٌ﴾ (١) . وفي «المُجتبى»: تَحَمُّلُ الشهادةِ فرضٌ على الكفاية كأَدائها وإِلا لضاعت حقوق الناس، وعلى هذا كتابة الكاتب، لقوله تعالى: ﴿ولا يَأْبَ كاتبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ (٢) إِلا أَنه يجوز أَخذ الأُجرة على الكتابة، ولا يجوز على الشهادة فيمن تعيَّن عليه أَداؤها بإِجماع الفقهاء، وفيمن لم يتعين عليه أَيضاً عندنا، وبه قال الشافعي في قول. وقال في آخر: يجوز لعدم تعيُّنه عليه. (وسَترُهَا) أَي الشهادة (في الحدود أَفضل) من إِظهارها لما في «الصحيحين» من حديث أَبي هريرة عن النبي ﷺ أَنه قال: «مَنْ سَتَرَ مسلماً سَتَرَهُ اللَّهُ في الدنيا والآخرة» … الحديث، ولأَنه ﵊ لَقَّنَ المقرَّ بالزنا والمقرَّ بالسرقة لدرء الحد عنه، فإِن قيل: هذا معارَض بقوله تعالى: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (٣) . وتقييدُ المطلقِ من الكتاب لا يجوز بخبر الواحد. وأُجيب بأَن الآيةَ محمولة على الشهادة في حقوقِ العبادِ بدليل سِيَاقِهَا وهي آية المداينة، وبالإِجماع، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِيْنَ يُحِبُّوْنَ أَنْ تَشِيْع الفَاحِشَةُ﴾ (٤) … الآية، وإِنَّما اخْتَصت بذلك الحدود، لأَنها حقُ اللَّهُ تعالى، وهو غني عن كل شيء كريمٌ لطيف بعباده، بخلاف غيرها فإِنها حق العبد وهو محتاج شحيح. (ويقول) الشاهدُ (في السرقة: أَخَذَ) إِحياء لحق المسروق منه (لا سَرَق) محافظة على الستر، لأَن الشهادَةَ بالمال واجبة إِنْ طلب المدّعي، والستر في الحدود أَفضل. وفي قوله: أَخذ مراعاة الأمرين. (ونِصَابُهَا) أَي الشهادة (للزنا أَربعةُ رجالٍ) فلا يقبل فيه شهادة النساء، لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٥) وقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شهداء﴾ (٦) ، وقوله: ﴿واللاَّتِي يَأْتِيْنَ الفَاحِشَةَ مِنْ نِسِآئِكُمْ فاسْتَشْهُدوا

стр. 1436

وللقَوَدِ وباقي الحدود: رجلان، وللبَكَارة، والولادة، وعيوبِ النساء - فيما لا يَّطلع عليه الرجالِ -: امرأَةٌ. === عَلَيْهنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (١) والتاءُ لا تدخلُ على العدد إِلا إِذا كان معدُودُه مذكَّراً. وعن عطاء وحمَّاد: لو شهد ثلاثةُ رجال وامرأَتان في الزنا قُبِلوا لإطلاق قوله تعالى: ﴿أَربعةً منكم﴾. ولنا ما روى ابن أَبي شيبة في «مصنفه» عن حفص عن حجاج عن الزُّهري أَنه قال: مضت السنة من رسول الله ﷺ والخليفتين من بعده أَنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود. والحاصل: أَنْ الله سبحانه يحبُ السِّتر على عباده ولا يرضى بإِشاعة الفاحشة، ولهذا جعل النسبة إِلى هذه الفاحشة في الأَجانب موجِبةً للحدّ، وفي الأزواج موجِبة للِّعان، بخلاف سائر الفواحش ليستر بعضهم على بعض. (و) نصابها (للقَوَدِ وباقي الحدود رجلان) لقوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيْدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٢) مع ما روينا عن الزُّهري. وقال الحسن البصري: لا يُقبل في القتل إِلا أَربعةٌ كالزنا. (و) نصابها (للبَكَارة، والولادة، وعيوبِ النساء ـ فيما لا يَطلع عليه الرجال ـ: امرأَةٌ) والأَصل في ذلك قوله تعالى: ﴿ولا يَحِلُ لِهنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ في أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٣) . وقال الشافعي: يشترط الأربع، وهو قول عطاء، لأَن كلَّ امرأَتين مقام رجل واحد، والحجة (شهادة) (٤) رجلين لا رجل واحد. وقال مالك: يشترط اثنتان، وهو قول الثوري، لأَنه لما سقط اعتبارُ الذكورة بقي العدد معتبراً. ولنا ما رواه مُجَاهد، وسعيد بن المسيَّب، وابن جُبَيْر، وعطاء، وطاوس، عنه ﵊ أَنه قال: «شهادةُ النِّساء جائزةٌ فيما لا يستطيعُ الرجال النظر إِليه» (٥) . وما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن جُريج وعن الزهري أَنه قال: مضت السنة أَنه تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادات النساء وعيوبِهِنَّ. ووجه الدلالة أَنْ النِّساء جمعٌ مُحلى باللام من غير عهد، فيكون للجنس، فيَصْدُق بالأقلّ كما في قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٦) فيتناولُ الأَقلَّ. وما روى أَيضاً في «مصنفه» عن إِبراهيم بن أَبي يحيى، عن إِسحاق، عن

стр. 1437

ولغيرها رجلان، أَو رجلٌ وامرأَتان. وشُرِطَ للكُلِّ العَدَالةُ، ولفظُ الشهادة. ويَسأَل القاضي عن حالِ الشاهدِ عندهما مطلقًا، وبه === الزهري: أَنْ عمر بن الخطاب أَجاز شهادة امرأَة في الاستهلال ـ أَي صياح الصبي عند الولادة ـ ولا تُقبل شهادة النساء على استهلال الصبي عند أَبي حنيفة في حق الإِرث، وتقبل في حق الصلاة. وقال أَبو يوسف ومحمد: تقبل في حق الإرث أَيضاً، وبه قال مالك والشافعي وأَحمد لحديث علي ﵁ أَنه أَجاز شهادةَ القابلة في الاستهلال. (و) نصابها (لغيرها) أَي لغير الشهادة على الأُمور التي تقدم نِصَابها، وهو الحقوق (رجلان، أَوْ رجلٌ وامرأَتان) سواء كان الحق مالاً أَوْ غير مالٍ، كالنكاح، والطلاق، والوكالة، والوصية، والعَتاق، والرجعة، والنَّسب. وقال الشافعي ومالك وأَحمد في رواية: لا تُقبل شهادةُ النساء مع الرجال إِلا في الأموال وتوابعها كالإِجارة، والكفالة، (والأجل) (١) ، وشرط الخيار. ولذا يكفي في النكاح ونحوه رجل وامرأَتان عندنا. ومنع مالكٌ والشافعي انعقاده بحضرة رجل وامرأَتين. ولنا ما رُوِيَ أَنْ عمر وعلياً ﵄ أَجازا شهادة النساء مع الرجال في النكاح والفُرقة. (وشُرِطَ للكل العَدَالة) وفي «الذخيرة»: وأَحسن ما قيل في تفسيرها ما نُقِل عن أَبي يوسف: وهو أَنْ يكون مجتنباً عن الكبائر ولا يكون مُصراً على الصغائر، فيكون صلاحُهُ أَكثرَ من فساده، وصوابُهُ أَكثرَ من خطائه. وإِنما شرطت العدالة لقوله تعالى: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) (ولفظُ الشهادة) حتى لو قال الشاهد: أَعلم أَوْ أَتيقن، لا تُقبل شهادته، لأَن النصوص الواردة فيها لم ترد إِلا بلفظ الشهادة، والإشهاد، قال الله تعالى: ﴿وأَقيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٣) ، وقال: ﴿وأَشْهِدُوا إِذا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٤) ، وقال: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيْدَيْنِ من رِجَالِكُمْ﴾ (٥) . (ويَسأَل القاضي عن حالِ الشاهدِ عندهما) أَي عند أَبي يوسف ومحمد (مطلقاً) أَي في سائر الحقوق والدعاوى (٦) ، سواء طعنَ الخصمُ أَوْ لم يطعن (وبه

стр. 1438

يُفتَى. وكفى السؤالُ سِرًّا في زمانِنِا. === يُفتى) لكثرة الفساد في هذا الزمان بين العباد، وهو قول الشافعي وأَحمد. وقال مالك: يجب عليه السؤال إِذا شك وإِن سكت الخصم، إِلا أَنْ يُقر بِعَدَالَتِهِمَا، لأَن القضاء مبنيٌ على الحجة وهي شهادة العُدُول. وقال أَبو حنيفة: يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم، ولا يَسأَل عنه حتى يَطْعُن الخصمُ، إِلا في الحدود والقِصاص، لأَنهما يُدْرَآن بالشُبْهة ويُحْتاط لإسقاطهما، فيستقصى في كل منهما ابتداءً من غير طعن من خصم، رجاءَ أَنْ يسقط. ولما روى ابن أَبي شيبة في «مصنفه» عن عمرو بن شعيب، عن أَبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «المسلمون عُدُولٌ بعضهم على بعض إِلا محدوداً في قذف» وفي نُسخة: «إِلا في فِرْية». ومثله عن عمر ﵁. وهذا من صاحب الشرع وخليفته أَقوى من تعديل المزكِّي. وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان، لأَن أَبا حنيفة كان في القرن الثاني وقد شهد رسول الله ﷺ لأَهله بالخير والصلاح حيث: قال: «خيرُ القرونِ قَرْنِي ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يَلُونهم» (١) وأَبا يوسف ومحمد كانا بعده، وقد تغيرَّت أَحوالُ الناس وكثرت الخيانات والكذب في الشهادات، كما أَخبر عنهم ﷺ أَنه يفشو الكذب فيهم (٢) . (وكفى السؤالُ سِراً في زمانِنِا) تحرزاً عن الفتنة. وكيفيته أَنْ يبعثَ القاضي مع المُعدِّل المستورة، وهي: رُقعة فيها اسم الشاهد، ونسبُه، وحِلْيتُه (٣) ، ومسجده الذي يُصلي فيه، ومحلَّتُه، وسوقُه إِنْ كان سوقياً، فيسأَل جيرانَه وأَصدقاءه، فمن عَرَفه بالعدالة يكتب تحت اسمه في كتاب القاضي أَنه عدلٌ جائز الشهادة، ومن عَرَفه بالفسق لا يذُكر حالَه احترازاً عن الهتك، بل يقول: الله أَعلم، إِلا إِذا عدَّلَه غيره وخاف أَنْ يحكم القاضي بشهادته، فحينئذٍ يُصَرِّحُ بحاله. ومن لا يُعْرَف حالُهُ يُكتبُ تحت اسمه أَنه مستور، ويَرُدُّ المُعدِّلُ المستورةَ إِلى القاضي سراً.

стр. 1439

والاثنانِ أَحْوَطُ في التَّزْكيةِ، وفي ترجمةِ الشاهد، وفي الرسالة إِلى المُزكِّي. ولا يُشْتَرَطُ الإِشهادُ إِلا في الشهادةِ على الشَّهادةِ، ولا يَشْهدُ منْ رأَى خَطَّه ولم يَذْكُرْ شَهَادَتَه، === وتزكيةُ العلانيةِ أَنْ يَجمعَ القاضي بين المزكِّي والشهود (١) في مجلس القضاء، فيسأَل المزكي عن الشهود بحضرتهم: (أَهؤلاء عدول مقبولو الشهادة ليزكيهم أَوْ يجرحهم، وفيه نفي شبهة تعديل غيرهم) (٢) . وكانت التزكية في عهد رسول الله ﵊ وأَصحابه علانية، لأَن المُعدِّل كَان لا يَتَوقى عن الجرح، ولا يخاف من المُدَّعي، ولا من الشهود، لأَنهم كانوا مُنقادين للحق ولا يُقَابِلُونه بالأذى لو جَرَحَهم، ووقع الاكتفاء بتزكية السِّر في زماننا وتركت تزكية العلانية، لأَنها بلاءٌ وفتنةٌ، إِذْ الشهود والمُدَّعي يُقَابِلون الجارح بالأَذى والإضرار. (والاثنان أَحوط في التزكية) أَي تزكيةُ السر، أَما في تزكية العلانيةِ فالعدد شرط بالإِجماع، لأَن معنى الشهادة فيها أَبْين، فإِنها تختصُ بمجلس القضاء (وفي ترجمةِ الشاهد) أَي ترجمة المُترجِم عن الشاهد (وفي الرسالة) أَي رسول القاضي (إِلى المُزكِّي) ويجوز الواحد عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف، وبه قال مالك وأَحمد في رواية. وعند محمد والشافعي: يُشترط في التزكيةِ ما يُشْتَرط في الشهادة من العدد ووصفِ الذكورة، حتى يُشترط في تزكية شهود الزنا أَربعة ذكور، وفي غيره من الحدود والقصاص رجلان. (ولا يُشترطُ الإِشهاد إِلا في الشهادةِ على الشهادة) فإِنها لا تجوز إِلا إِنْ أَشهده عليها، فمن رأَى الغصب، أَوْ النهب، أَوْ القتل، أَوْ الجرح، أَوْ السرقة، أَوْ سمع الإِقرار بمال أَوْ منفعة، أَوْ البيع، أَوْ الإِجارة، أَوْ النكاح، أَوْ الهبة، أَوْ حُكم قاض، جاز له أَنْ يَشْهدَ (به) (٣) ، وإِن لم يُشْهَدْ عليه، لأَنه عَلِم بما هو مُوجِبٌ بنفسه عِياناً، وذا مطلقٌ للأَدَاء، قال الله تعالى: ﴿إِلاْ مَنْ شَهِدَ بالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُوْنَ﴾ (٤) وإِذا سمعَ شاهداً يشهدُ بشيء لم يَجز له أَنْ يشهدَ على شهادته إِلا أَنْ يُشهِده. (ولا يشهدُ مَنْ رأَى خَطَّه ولم يذكرْ شَهَادَتَه) لأَن الخطَّ يُشبه الخط، وكذا لا يروي راوٍ وجد بخطه أَوْ بخط غيره أَنه قرأَ على فلان، أَوْ سمع كذا حتى يذكر

стр. 1440

ولا بالتَّسَامُعِ إِلا في النَّسبِ، والموتِ، والنِّكَاح، والدُّخُول، وَوِلايَةِ القاضي، وأنّ هذا وقفٌ على كذا، لا على شُرُوطِهِ إِذا أَخبر رَجُلان، أَو رجلٌ وامرأَتان. ويشهدُ رائي جالس مجلِسَ القضاء يَدخُلُ عليه الخُصوم أَنه قاضٍ، ورائي رجل وامرأَة يَسكنان بيتًا وبينهما انبساطُ الأزواج، أَنها عِرْسُهُ، ورائي سوى الَّرقِيِق في يدِ مُتصرِّفٍ كالَمُلَّاك، أَنه ملكُهُ، === الرواية، وهذا عند أَبي حنيفة. وقال أَبو يوسف ومحمد: يجوز لكلٍ أَنْ يعمل بالخط، وبه يُفتى. لأَن الظاهر أَنه خطُّه، والعمل بالظاهر واجب. وعن أَبي يوسف يجوز للراوي دون الشاهد. (ولا) يشهدُ (بالتسامُعِ) لأَن الشهادةَ لا تجوز إِلا عن علم، والتسامع لا يُفِيْدُه (إِلا في النَّسبِ، والموتِ والنِّكَاح، والدخول) بزوجته (وولاية القاضي) إِذا أَخبره بذلك من يثقُ به استحساناً. (وأَنّ هذا وقفٌ على كذا) فإِنه يَشهد بالتسامع (لا على شُرُوطِهِ) فإِنه لا يشهدُ بالتسامع على شرائط الوقف، وعليه الفتوى. وفي «المُجتبى» و «المختار»: أَنها تقبل على شرائط الوقف أَيضاً. وكان القياس أَنْ لا تجوز الشهادةُ بالتسامع في المسائل المذكورة. ووجه الاستحسان أَنْ هذه الأمور تختصُ بمعاينة أَسبابها خواصٌّ من الناس، وتَتَعلق بها أَحكام، فلو لم تُقبل الشهادةُ فيها بالتسامع لتعطلت أَحكامُهَا، بخلاف البيع ونحوه. وقال مالك والشافعي وأَحمد: لا تُقبلُ الشهادةُ بالتسامع في الدخول، لأَنه مما يُعايَن، كما في الشهادة على الزنا. قلنا: الزنا فاحشةٌ فلا (يحتال) (١) في إِثباتها بخلاف الدخول. (إِذا أَخبر) بلفظ الشهادة (رجلان، أَوْ رجل وامرأَتان) عدولٌ. وهذا شرطٌ لجواز شهادة الشاهدِ بالتسامُعِ في المسائل المذكورة، وإِنما شُرِطَ فيه ذلك ليحصُلَ لَهُ نوعُ عِلْمٍ، وهو أَقلُ نِصَابٍ يفيدُ العلم الذي يُبْنى عليه الحكم في المعاملات. (ويشهدُ رائي جالس مجلِسَ القضاء) مفعول مطلق، أَوْ فيه لرائي (يَدخل عليه الخصوم أَنه قاضٍ، ورائي رجل وامرأَة يَسكنان بيتاً وبينهما انبساط الأزواج أَنها عِرْسه، ورائي) شيء (سوى الرقيق في يدِ مُتصرفٍ كالمُلاك أَنه مِلْكُهُ) وإِنما قال: سوى الرقيق، لأن الآدمي له يدٌ على نفسه، فيدفع يدَ غيره. حتى إِذا ادعى أَنه حرُّ الأَصل فالقول له، فاليد لا تعتبرُ فيه، وكذا لا يعتبر فيه التصرف وهو الاستخدام، لأَن الحر قد يَخْدُمُ غيرهُ. هذا إِذا كان الرقيق بالغاً أَوْ صغيراً يعبر عن نفسه، أَما إِذا كان صغيراً لا يُعبر عن نفسه فهو كالدابة والمتاع.
следующие страницы →