وللقَوَدِ وباقي الحدود: رجلان، وللبَكَارة، والولادة، وعيوبِ النساء - فيما لا يَّطلع عليه الرجالِ -: امرأَةٌ.
===
عَلَيْهنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (١) والتاءُ لا تدخلُ على العدد إِلا إِذا كان معدُودُه مذكَّراً. وعن عطاء وحمَّاد: لو شهد ثلاثةُ رجال وامرأَتان في الزنا قُبِلوا لإطلاق قوله تعالى: ﴿أَربعةً منكم﴾.
ولنا ما روى ابن أَبي شيبة في «مصنفه» عن حفص عن حجاج عن الزُّهري أَنه قال: مضت السنة من رسول الله ﷺ والخليفتين من بعده أَنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود.
والحاصل:
أَنْ الله سبحانه يحبُ السِّتر على عباده ولا يرضى بإِشاعة الفاحشة، ولهذا جعل النسبة إِلى هذه الفاحشة في الأَجانب موجِبةً للحدّ، وفي الأزواج موجِبة للِّعان، بخلاف سائر الفواحش ليستر بعضهم على بعض.
(و) نصابها (للقَوَدِ وباقي الحدود رجلان) لقوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيْدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٢) مع ما روينا عن الزُّهري. وقال الحسن البصري: لا يُقبل في القتل إِلا أَربعةٌ كالزنا.
(و) نصابها (للبَكَارة، والولادة، وعيوبِ النساء ـ فيما لا يَطلع عليه الرجال ـ: امرأَةٌ) والأَصل في ذلك قوله تعالى: ﴿ولا يَحِلُ لِهنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ في أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٣) . وقال الشافعي: يشترط الأربع، وهو قول عطاء، لأَن كلَّ امرأَتين مقام رجل واحد، والحجة (شهادة) (٤) رجلين لا رجل واحد. وقال مالك: يشترط اثنتان، وهو قول الثوري، لأَنه لما سقط اعتبارُ الذكورة بقي العدد معتبراً.
ولنا ما رواه مُجَاهد، وسعيد بن المسيَّب، وابن جُبَيْر، وعطاء، وطاوس، عنه ﵊ أَنه قال: «شهادةُ النِّساء جائزةٌ فيما لا يستطيعُ الرجال النظر إِليه» (٥) . وما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن جُريج وعن الزهري أَنه قال: مضت السنة أَنه تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادات النساء وعيوبِهِنَّ. ووجه الدلالة أَنْ النِّساء جمعٌ مُحلى باللام من غير عهد، فيكون للجنس، فيَصْدُق بالأقلّ كما في قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٦) فيتناولُ الأَقلَّ.
وما روى أَيضاً في «مصنفه» عن إِبراهيم بن أَبي يحيى، عن إِسحاق، عن
стр. 1437
ولغيرها رجلان، أَو رجلٌ وامرأَتان.
وشُرِطَ للكُلِّ العَدَالةُ، ولفظُ الشهادة. ويَسأَل القاضي عن حالِ الشاهدِ عندهما مطلقًا، وبه
===
الزهري: أَنْ عمر بن الخطاب أَجاز شهادة امرأَة في الاستهلال ـ أَي صياح الصبي عند الولادة ـ ولا تُقبل شهادة النساء على استهلال الصبي عند أَبي حنيفة في حق الإِرث، وتقبل في حق الصلاة. وقال أَبو يوسف ومحمد: تقبل في حق الإرث أَيضاً، وبه قال مالك والشافعي وأَحمد لحديث علي ﵁ أَنه أَجاز شهادةَ القابلة في الاستهلال.
(و) نصابها (لغيرها) أَي لغير الشهادة على الأُمور التي تقدم نِصَابها، وهو الحقوق (رجلان، أَوْ رجلٌ وامرأَتان) سواء كان الحق مالاً أَوْ غير مالٍ، كالنكاح، والطلاق، والوكالة، والوصية، والعَتاق، والرجعة، والنَّسب. وقال الشافعي ومالك وأَحمد في رواية: لا تُقبل شهادةُ النساء مع الرجال إِلا في الأموال وتوابعها كالإِجارة، والكفالة، (والأجل) (١) ، وشرط الخيار. ولذا يكفي في النكاح ونحوه رجل وامرأَتان عندنا. ومنع مالكٌ والشافعي انعقاده بحضرة رجل وامرأَتين. ولنا ما رُوِيَ أَنْ عمر وعلياً ﵄ أَجازا شهادة النساء مع الرجال في النكاح والفُرقة.
(وشُرِطَ للكل العَدَالة) وفي «الذخيرة»: وأَحسن ما قيل في تفسيرها ما نُقِل عن أَبي يوسف: وهو أَنْ يكون مجتنباً عن الكبائر ولا يكون مُصراً على الصغائر، فيكون صلاحُهُ أَكثرَ من فساده، وصوابُهُ أَكثرَ من خطائه. وإِنما شرطت العدالة لقوله تعالى: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) (ولفظُ الشهادة) حتى لو قال الشاهد: أَعلم أَوْ أَتيقن، لا تُقبل شهادته، لأَن النصوص الواردة فيها لم ترد إِلا بلفظ الشهادة، والإشهاد، قال الله تعالى: ﴿وأَقيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٣) ، وقال: ﴿وأَشْهِدُوا إِذا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٤) ، وقال: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيْدَيْنِ من رِجَالِكُمْ﴾ (٥) .
(ويَسأَل القاضي عن حالِ الشاهدِ عندهما) أَي عند أَبي يوسف ومحمد (مطلقاً) أَي في سائر الحقوق والدعاوى (٦) ، سواء طعنَ الخصمُ أَوْ لم يطعن (وبه
стр. 1438
يُفتَى. وكفى السؤالُ سِرًّا في زمانِنِا.
===
يُفتى) لكثرة الفساد في هذا الزمان بين العباد، وهو قول الشافعي وأَحمد. وقال مالك: يجب عليه السؤال إِذا شك وإِن سكت الخصم، إِلا أَنْ يُقر بِعَدَالَتِهِمَا، لأَن القضاء مبنيٌ على الحجة وهي شهادة العُدُول. وقال أَبو حنيفة: يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم، ولا يَسأَل عنه حتى يَطْعُن الخصمُ، إِلا في الحدود والقِصاص، لأَنهما يُدْرَآن بالشُبْهة ويُحْتاط لإسقاطهما، فيستقصى في كل منهما ابتداءً من غير طعن من خصم، رجاءَ أَنْ يسقط.
ولما روى ابن أَبي شيبة في «مصنفه» عن عمرو بن شعيب، عن أَبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «المسلمون عُدُولٌ بعضهم على بعض إِلا محدوداً في قذف» وفي نُسخة: «إِلا في فِرْية». ومثله عن عمر ﵁. وهذا من صاحب الشرع وخليفته أَقوى من تعديل المزكِّي. وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان، لأَن أَبا حنيفة كان في القرن الثاني وقد شهد رسول الله ﷺ لأَهله بالخير والصلاح حيث: قال: «خيرُ القرونِ قَرْنِي ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يَلُونهم» (١) وأَبا يوسف ومحمد كانا بعده، وقد تغيرَّت أَحوالُ الناس وكثرت الخيانات والكذب في الشهادات، كما أَخبر عنهم ﷺ أَنه يفشو الكذب فيهم (٢) .
(وكفى السؤالُ سِراً في زمانِنِا) تحرزاً عن الفتنة. وكيفيته أَنْ يبعثَ القاضي مع المُعدِّل المستورة، وهي: رُقعة فيها اسم الشاهد، ونسبُه، وحِلْيتُه (٣) ، ومسجده الذي يُصلي فيه، ومحلَّتُه، وسوقُه إِنْ كان سوقياً، فيسأَل جيرانَه وأَصدقاءه، فمن عَرَفه بالعدالة يكتب تحت اسمه في كتاب القاضي أَنه عدلٌ جائز الشهادة، ومن عَرَفه بالفسق لا يذُكر حالَه احترازاً عن الهتك، بل يقول: الله أَعلم، إِلا إِذا عدَّلَه غيره وخاف أَنْ يحكم القاضي بشهادته، فحينئذٍ يُصَرِّحُ بحاله. ومن لا يُعْرَف حالُهُ يُكتبُ تحت اسمه أَنه مستور، ويَرُدُّ المُعدِّلُ المستورةَ إِلى القاضي سراً.
стр. 1439
والاثنانِ أَحْوَطُ في التَّزْكيةِ، وفي ترجمةِ الشاهد، وفي الرسالة إِلى المُزكِّي.
ولا يُشْتَرَطُ الإِشهادُ إِلا في الشهادةِ على الشَّهادةِ، ولا يَشْهدُ منْ رأَى خَطَّه ولم يَذْكُرْ شَهَادَتَه،
===
وتزكيةُ العلانيةِ أَنْ يَجمعَ القاضي بين المزكِّي والشهود (١) في مجلس القضاء، فيسأَل المزكي عن الشهود بحضرتهم: (أَهؤلاء عدول مقبولو الشهادة ليزكيهم أَوْ يجرحهم، وفيه نفي شبهة تعديل غيرهم) (٢) .
وكانت التزكية في عهد رسول الله ﵊ وأَصحابه علانية، لأَن المُعدِّل كَان لا يَتَوقى عن الجرح، ولا يخاف من المُدَّعي، ولا من الشهود، لأَنهم كانوا مُنقادين للحق ولا يُقَابِلُونه بالأذى لو جَرَحَهم، ووقع الاكتفاء بتزكية السِّر في زماننا وتركت تزكية العلانية، لأَنها بلاءٌ وفتنةٌ، إِذْ الشهود والمُدَّعي يُقَابِلون الجارح بالأَذى والإضرار.
(والاثنان أَحوط في التزكية) أَي تزكيةُ السر، أَما في تزكية العلانيةِ فالعدد شرط بالإِجماع، لأَن معنى الشهادة فيها أَبْين، فإِنها تختصُ بمجلس القضاء (وفي ترجمةِ الشاهد) أَي ترجمة المُترجِم عن الشاهد (وفي الرسالة) أَي رسول القاضي (إِلى المُزكِّي) ويجوز الواحد عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف، وبه قال مالك وأَحمد في رواية. وعند محمد والشافعي: يُشترط في التزكيةِ ما يُشْتَرط في الشهادة من العدد ووصفِ الذكورة، حتى يُشترط في تزكية شهود الزنا أَربعة ذكور، وفي غيره من الحدود والقصاص رجلان.
(ولا يُشترطُ الإِشهاد إِلا في الشهادةِ على الشهادة) فإِنها لا تجوز إِلا إِنْ أَشهده عليها، فمن رأَى الغصب، أَوْ النهب، أَوْ القتل، أَوْ الجرح، أَوْ السرقة، أَوْ سمع الإِقرار بمال أَوْ منفعة، أَوْ البيع، أَوْ الإِجارة، أَوْ النكاح، أَوْ الهبة، أَوْ حُكم قاض، جاز له أَنْ يَشْهدَ (به) (٣) ، وإِن لم يُشْهَدْ عليه، لأَنه عَلِم بما هو مُوجِبٌ بنفسه عِياناً، وذا مطلقٌ للأَدَاء، قال الله تعالى: ﴿إِلاْ مَنْ شَهِدَ بالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُوْنَ﴾ (٤) وإِذا سمعَ شاهداً يشهدُ بشيء لم يَجز له أَنْ يشهدَ على شهادته إِلا أَنْ يُشهِده.
(ولا يشهدُ مَنْ رأَى خَطَّه ولم يذكرْ شَهَادَتَه) لأَن الخطَّ يُشبه الخط، وكذا لا يروي راوٍ وجد بخطه أَوْ بخط غيره أَنه قرأَ على فلان، أَوْ سمع كذا حتى يذكر
стр. 1440
ولا بالتَّسَامُعِ إِلا في النَّسبِ، والموتِ، والنِّكَاح، والدُّخُول، وَوِلايَةِ القاضي، وأنّ هذا وقفٌ على كذا، لا على شُرُوطِهِ إِذا أَخبر رَجُلان، أَو رجلٌ وامرأَتان.
ويشهدُ رائي جالس مجلِسَ القضاء يَدخُلُ عليه الخُصوم أَنه قاضٍ، ورائي رجل وامرأَة يَسكنان بيتًا وبينهما انبساطُ الأزواج، أَنها عِرْسُهُ، ورائي سوى الَّرقِيِق في يدِ مُتصرِّفٍ كالَمُلَّاك، أَنه ملكُهُ،
===
الرواية، وهذا عند أَبي حنيفة. وقال أَبو يوسف ومحمد: يجوز لكلٍ أَنْ يعمل بالخط، وبه يُفتى. لأَن الظاهر أَنه خطُّه، والعمل بالظاهر واجب. وعن أَبي يوسف يجوز للراوي دون الشاهد. (ولا) يشهدُ (بالتسامُعِ) لأَن الشهادةَ لا تجوز إِلا عن علم، والتسامع لا يُفِيْدُه (إِلا في النَّسبِ، والموتِ والنِّكَاح، والدخول) بزوجته (وولاية القاضي) إِذا أَخبره بذلك من يثقُ به استحساناً.
(وأَنّ هذا وقفٌ على كذا) فإِنه يَشهد بالتسامع (لا على شُرُوطِهِ) فإِنه لا يشهدُ بالتسامع على شرائط الوقف، وعليه الفتوى. وفي «المُجتبى» و «المختار»: أَنها تقبل على شرائط الوقف أَيضاً. وكان القياس أَنْ لا تجوز الشهادةُ بالتسامع في المسائل المذكورة. ووجه الاستحسان أَنْ هذه الأمور تختصُ بمعاينة أَسبابها خواصٌّ من الناس، وتَتَعلق بها أَحكام، فلو لم تُقبل الشهادةُ فيها بالتسامع لتعطلت أَحكامُهَا، بخلاف البيع ونحوه. وقال مالك والشافعي وأَحمد: لا تُقبلُ الشهادةُ بالتسامع في الدخول، لأَنه مما يُعايَن، كما في الشهادة على الزنا. قلنا: الزنا فاحشةٌ فلا (يحتال) (١) في إِثباتها بخلاف الدخول.
(إِذا أَخبر) بلفظ الشهادة (رجلان، أَوْ رجل وامرأَتان) عدولٌ. وهذا شرطٌ لجواز شهادة الشاهدِ بالتسامُعِ في المسائل المذكورة، وإِنما شُرِطَ فيه ذلك ليحصُلَ لَهُ نوعُ عِلْمٍ، وهو أَقلُ نِصَابٍ يفيدُ العلم الذي يُبْنى عليه الحكم في المعاملات.
(ويشهدُ رائي جالس مجلِسَ القضاء) مفعول مطلق، أَوْ فيه لرائي (يَدخل عليه الخصوم أَنه قاضٍ، ورائي رجل وامرأَة يَسكنان بيتاً وبينهما انبساط الأزواج أَنها عِرْسه، ورائي) شيء (سوى الرقيق في يدِ مُتصرفٍ كالمُلاك أَنه مِلْكُهُ) وإِنما قال: سوى الرقيق، لأن الآدمي له يدٌ على نفسه، فيدفع يدَ غيره.
حتى إِذا ادعى أَنه حرُّ الأَصل فالقول له، فاليد لا تعتبرُ فيه، وكذا لا يعتبر فيه التصرف وهو الاستخدام، لأَن الحر قد يَخْدُمُ غيرهُ. هذا إِذا كان الرقيق بالغاً أَوْ صغيراً يعبر عن نفسه، أَما إِذا كان صغيراً لا يُعبر عن نفسه فهو كالدابة والمتاع.
стр. 1441
لكن إِن قال: شهادتي بالتَّسَامُع، أَو بِحُكْمِ اليَدِ، بَطَلَتْ.
ومَنْ شَهِدَ أَنه حَضَرَ دفنَ زيدٍ، أَو صلَّى عليه، قُبِلْت. وهذا عِيانٌ.
فصل [مَن تُقْبَل شَهَادَتُهُ ومن لا تُقْبَل]
وتُقبل الشهادةُ من أَهلِ الأَهواء
===
وقيد اليدَ بالمتصرف كالمُلاك ليتحقق دليل المِلك بالاتفاق، فإِن الخَصَّاف قال: دليل المِلك اليد مع التصرف. وهو قول مالك والشافعي وابن حامد الحنبلي، لأَن اليد تتنوع إِلى مِلك، ونيابة، وضمان. ولنا أَنْ اليد أَقصى ما يُستدل به على المِلك. إِذْ هي مرجع الدلائل في أَسباب المِلك كلها، فيُكتفى بها. والمذهب عندنا عدمُ شرطِ التصرف لجواز الشهادة لذي اليد.
وعن أَبي يوسف وهو رواية عن محمد: أَنه يُشترطُ مع ما ذكر أَنْ يقع في قلبه أَنه له، ليحصلَ له نوعُ عِلمٍ، لأَن الشهادة بلا علم لا تجوز لقوله ﵊: «إِذا عَلِمْتَ مثلَ الشمسِ فاشهد وإِلا فَدع» (١) . ولذا قيل: لو رأَى دُرة ثمينةً في يد كنّاس، أَوْ كتاباً في يد جاهلٍ وليس في آبائه من هو أَهل لذلك، لا يسعه أَنْ يشهد له. وأُجيب أَنّ اليد أَقوى أَسباب ظن المِلك، ولهذا يقضي القاضي به لأَجْلِها.
(لكن) ينبغي للشاهد أَنْ يُطلق في أَداء الشهادة، ولا يقول: إِنها بالتسامع حتى (إِنْ قال: شهادتي بالتسامع، أَوْ بحكم اليد: بطلت) لأَنه قد أَقر بأَنه شَهِدَ بغير علم، ولأَنَّ القاضي إِنما يُلزم بالشهادة إِذا كانت عن عِيان أَوْ عن إِطلاق لاحتمالها المشاهدة، فيحمل عليها، أَما إِذا كانت عن تسامعٍ أَوْ رؤية في يد فإِنها لا تزيدُهُ علماً فلا يجوز له أَنْ يحكم بها (ومَنْ شَهِدَ أَنه حَضَرَ دفن زيد أَوْ صلى عليه: قُبِلْت) شهادته لأَنه شهد عن علم (وهذا عِيانٌ) حتى لو فسّر للقاضي قَبِلَ هذا.
فصل (مَنْ تُقْبَل شَهَادَتُهُ ومن لا تُقْبَل)
(وتُقبل الشهادةُ من أَهلِ الأَهواء) وهو جمع هوىً، بمعنى مَيَلان النَّفْس إِلى ما يَسْتلذ به الطبع من غير داعية الشرع. قال الله تعالى: ﴿أَفرأَيْتَ مِنْ اتَّخَذَ إِلهَهُ
стр. 1442
إِلا الخَطَّابِيّة، ومِنَ الذِّميِّ على مِثِلِه وإن تَخَالَفَا مِلَّةً، وعلى المسُتَأْمَن
===
هَوَاه﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿ومَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ (٢) سمُّوا بذلك لمتابعتِهم أَنفسَهُم ومخالفتهم أَهل السنةِ والجماعة. وإِنما قُبِلَت شهادتهم لأن فسقَهم من حيث الاعتقادُ، وما أَوقعَهم فيه إِلا التعمقُ والغلوُ في الدين. والفاسق إِنما تُرَد شهادتُه لتُهمة الكذب، وقد قال ﵊: «لا شهادة لمُتَّهَم» (٣) . والفسق من حيث الاعتقادُ لا يدل على الكذب.
(إِلا الخَطَّابِيّة) وهم قوم من الرَّوَافض يُنْسبَون إِلى ابن الخطَّاب محمد بن وَهْب الأَجدع، يَسْتَجِيْزُون أَنْ يشهدوا للمدعي إِذا حلف أَنه محق، ويقولون: المسلمُ لا يحلفُ كاذباً، فباعتقادهم هذا تمكنتِ الشبهةُ في شهادتهم. وقيل: لأَنهم يعتقدون أَنْ من ادَّعى منهم شيئاً على غيره، يجب أَنْ يشهدَ له بقيتُهم. وفي «شرح الأقطع»: إِنهم قومٌ يُنْسَبون إِلى الخطَّاب رجل خرج بالكوفة وحارب عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان يَزعمُ أَنّ علياً الإله الأَكبر، وجعفراً الصادق الإله الأصغر. وكان أَظهرَ الدعوةَ إِلى جعفر فتبرَّأَ منه ودعا عليه فقتِلَ هو وأَصحابه، قَتَلَهُ عيسى وصَلَبَه بالكنائس.
وأَما غيرهم: فمنهم من يُكفِّر بالذنب كالخوارج، ومنهم من يُخرج المُذْنب عن الإِيمان ولا يدخله في الكفر كالمُعتزلة، وذلك يكون أَقوى اجتناباً عن الكذب حذراً من الخروج عن الدين، كمن تناول المُثَلَّث (٤) أَوْ متروكَ التسميةِ عمداً معتقِداً إِباحتَه، فإِنه لا يصير به مردود الشهادة.
وشرط في «الذخيرة»: أَنْ يكون هوىً لا يُكَفَّر به صاحبه كالمُجسِّمة. وفي «النهاية»: أَصول أَهل الهوى ستة: الجَبْرُ، والقَدَر، والرَّفْض، والخُرُوج، والتِّشْبيه، والتَّعْطِيل. وكل واحد ينقسم إِلى اثني عشر فرقة. وقال مالك: لا تقبل شهادة أَحد من أَهل الأهواء لأَنه أَغلظ وجوه الفسق. وقال أَحمد: لا تقبل شهادة ثلاثة من أَهل الأهواء القَدَرِيةَ والجَهْمِية، والرَّافِضة.
(و) تقبل (من الذِّمي على مثله) أَي على ذمي آخر (وإِن تخالفا ملة) كالتهود والتنصر (و) من الذمي (على المستأَمَن) وقال مالك والشافعي: لا تقبل لأَن الله تعالى
стр. 1443
ومن المُستَأْمَنِ على مثلِهِ، إِن كانا من دار، ومِن عَدُوٍّ بسبب الدِّينِ، وممن اجتنبَ الكبائرَ، ولم يُصرَّ على الصغائِرِ، وغلبَ صوابُهُ.
===
قال: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢) والكافر ليس بعدلٍ ولا بمرضي ولا منا، فصار كالمرتد حيث لا تقبلُ شهادته على مثله ولا على غيره. ولنا ما أَخرجه ابن ماجه في «سننه» عن مجاهد، عن الشَّعْبي، عن جابر بن عبد الله: أَنْ النبي ﷺ أَجاز شهادة أَهلِ الكتاب بعضهم على بعض. وإِذا قُبِلَ الذمِي عند اتحاد الملة قُبِل عند اختلافها، إِذْ لا قائل بالفصل، إِلا أَنَّ مجاهداً فيه مقال.
وما في «سنن أَبي داود» بهذا الإِسناد جاءت اليهود برجل وامرأَة منهم زنيا إِلى رسول الله ﷺ ، فقال: «ائتوني بأَعلم رجلين منكم». فأَتوه بابني صُورِيا، فَنَشَدهما كيف تَجِدان أَمر هذين في التوراة؟ قالا: نجد فيها إِذا شهد أَربعة منهم أَنهم رأَوا ذَكَرَه في فَرْجها كالمِيل في المُكحُلة رجما. قال: «فما يَمْنَعُكُمَا أَنْ تَرْجمُوهما؟» قالا: ذهب سلطانُنا فكرهنا القتل، فدعا رسول الله ﷺ بالشهود فجاء أَربعة فشهدوا أَنهم رأَوا ذَكَرَه في فَرْجها كالمِيل في المُكحُلة، فأَمر النبي ﷺ بِرَجْمِهِمَا. وأَسند الطحاوي إِلى الشعبي عن جابر (٣) وفيه أَنه ﷺ قال: «ائْتوني بأَربعة منكم يشهدون».
(و) تقبلُ (من المستأمن على مثلِهِ) قيد به لأَنه لا ولاية له على الذِّمي، لأَن الذِّميَ أَعلى حالاً منه، لأَنه من أَهل دارنا فلا تقبل شهادته عليه (إِنْ كانا من دار) وأَما لو كانا من دارين كالتركي والرومي، لا تقبل، لأَن اختلاف الدار يقطع الولاية، ولهذا لا يتوارثان (و) تقبل (من عدو بسبب الدين) لأَن معاداته من ديانته فيدل على عدالته (و) تُقبل (ممن اجتنبَ الكبائرَ ولم يُصِرَّ على الصغائِرِ وغلبَ صوابُهُ) على خطائه وصلاحُه على فساده، إِذْ العدل من كان كذلك على ما نُقل عن أَبي يوسف.
والحاصل:
أَنْ ارتكابَ الكبيرةِ يُوجب سقوطَ العدالةِ، وارتكابَ الصغيرةِ لا يُوجبِ سقوطها، لأَن ارتكابَ الكبيرةِ يَدُل على تهاونِ مرتكبها في الدين، والمتهاونُ لا يمتنعُ من شهادة الزور. وارتكاب الصغيرة لا يَدُل على التهاون في الدين إِلا أَنْ يُصرَّ عليها، لأَن الصغيرةَ تصيرُ بالإصرار كبيرة، كذا في «الذخيرة».
стр. 1444
والأَقْلَفِ، والخَصيّ وَوَلدِ الزِّنَا، والعُمَّالِ،
===
(و) تقبل من (الأَقْلَفِ) وهو الذي لم يُختن، لأَن ذلك لا يُخل بالعدالة، وهذا إِذا كان عن عذر، وهو الكِبَر وخوفِ الهلاك، وأَما إِذا كان من غير عذر فإِن شهادَته لا تُقبل، لأَنه مُسْتَخِفٌّ بالخِتَان، ومع الاستخفاف به لا يكون عدلاً.
ثم الخِتَانُ للذكور واجبٌ عند الشافعي وأَحمد. وعندنا وعند مالك سنة، وهو قول الشافعي. ولم يقدِّر أَبو حنيفة مُدَّته بشيء، لأَن التقديرَ لم يرد في الكتاب ولا في السُّنة. وطريقُ معرفةِ التقادير السماعُ. وقدّرها المتأَخرون بسبع سنين إِلى عشر. وقيل: اليوم السابع من ولادته، أَوْ بعد السابع إِنْ احتمل الصبي ذلك. وعند بعض أَصحاب الشافعي لا يُختن حتى يصيرَ ابنَ عشر.
(و) تقبل من (الخَصِيّ) لما روى ابن أَبي شيبة في «مصنفه» عن ابن عُلَيّة، عن ابن عوف، عن ابن سيرين: أَنْ النبي ﷺ أَجاز شهادةَ علقمة الخَصِيِّ على ابن مظعون. وفي «حلية أَبي نُعيم»: حدثنا إِسماعيل بن مسلم، عن أَبي المتوكل بن الجارود، عن أَبيه: أَنه شهد على قُدَامة أَنه شرب الخمر. فقال عمر: هل معك شاهد آخر؟ قال: لا، قال: يا جارود ما أَراك إِلا مجلوداً. قال: يشربُ ختنُك الخمرَ وأُجلد أَنا فقال علقمة الخَصِيُّ لعمر: أَتجوز شهادة الخَصِي؟ قال: وما بال الخَصِيِّ لا تقبل شهادته. قال: فإِني أَشهد أَني رأَيته يَتَقيَّؤُها، فقال عمر: ما قاءها حتى شربها، فأَقامه ثم جلده. كذا رواه الشارح مرسلاً. وروى غيره عن عمر موقوفاً. ولأَنه قُطع منه عضو ظلماً، فصار كما لو قطعت يده.
(و) تقبل من (ولد الزنا) لأَن فِسق الوالدين (لا يوجب فِسق الولد) (١)، ككفرهما. وأَما حديث: «ولد الزنا شر الثلاثة»، فباطل لا أَصل له، وعلى تقدير ثبوته يُحمل على غالب حاله. وقال مالك: لا تقبل شهادته في الزنا للتهمة، لأَنه يحب أَنْ يكون غيرُه مثله. وأُجيب بأَن العدل لا يحب ذلك والكلام فيه.
(و) تقبل من (العمال) أَي عمال السلطان، وهم الذين يأْخذون الحقوقَ الواجبة: كالخَراج، والجِزْية، والصدقات، لقوله تعالى: ﴿والعَامِلِيْنَ عَلَيْهَا﴾ (٢)، ولأَن بعض الصحابة كانوا عُمَّالاً، لأَن العمل ليس بفسقٍ، وإِنما الفسقُ الظلم. وقيل: هم الأُمراء.
وفي «شرح الوافي»: هذا في زمانهم، لأَن الغالبَ عليهم الصلاح، وأَما في
стр. 1445
لا منْ أَعْمَى، ومَمْلُوكٍ، ومَحْدُودٍ في قَذْفٍ وإن تَابَ، إلَّا مَنْ حُدَّ في كُفْرِهِ فَأَسْلَم.
===
زماننا فلا تقبل شهادةُ العمال لغلبة ظلمهم.
وتقبل شهادة الإنسان لأَخيه، وعمّه، وأَبويه، رضاعاً، وامرأَة ابنه، وزوج بنته، وأَصل امرأَته وفرعها، لأَن الأَملاك بينهم متميِّزة، والأيادي متغيرة (١) .
(لا من أَعمى) أَي لا تُقبل الشهادة من أَعمى. وقال زُفَر وهو رواية عن أَبي حنيفة: تُقبل فيما يجري فيه التسامع، وبه قال مالك والشافعي وأَحمد، وكذا أَبو يوسف، وهو قول النَّخَعي، والحسن البصري، وسعيد بن جُبير، والثَّوري، لأَن الحاجة في ذلك إِلى السماع، ولا خلل من الأعمى في ذلك. وأَما شهادته في الحدود والقصاص فلا تقبل بالإِجماع. وفي «المبسوط»: ولا تجوز شهادة الأخرس، لأَن الأداء يختص بلفظ الشهادة، وهي لا تتحقق منه. وقال الشافعي: في الأَصح تقبل إِذا كان له إِشارة مفهومة.
(و) لا من (مملوك) لأَن الشهادة من باب الولاية، وهو لا يلي على نفسه، فأَولى أَنْ لا يليَ على غيره، (و) لا من (محدودٍ في قَذْفٍ وإِنْ تاب) أَي أَظهرَ توبتَه وكذَّب نفسه في قذفِه. وقال مالك والشافعي وأَحمد: تقبل لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدَاً وأَولئك هُمُ الفَاسِقُونَ إِلاَّ الذينَ تَابُوا﴾ (٢) فإِنّ الاستثناء إِذا تعقب جُملاً بعضُها معطوفة على بعض ينصرف إِلى الكل، كقول القائل: امرأَته طالقٌ وعبده حرٌ، وعليه الحجّة إِلا أَنْ يدخل الدار، فإِن الاستثناء ينصرف إِلى جميع ما تقدم.
ولنا أَنْ قوله تعالى: ﴿ولا تَقْبَلوا لهم شَهادةً أَبداً﴾ معطوف على قوله: ﴿فاجلِدُوهم﴾ والعطفُ للاشتراك، فيكون رد الشهادة من حد القذف. والحد لا يرتفع بالتوبة، ولا نُسلِّم أَنَّ الاستثناء في الآية يَعقُب جُملاً بعضها معطوف على بعض، لأَنه يعقب جُملة: ﴿وأَولئك هم الفَاسِقُونَ﴾ وهي جُملةٌ مستأْنفة، لأَن ما قبلها أَمرٌ ونهيٌ، فلم يَحسُنُ عطفها عليه، بخلاف المثال، فإِن الجمل كلها فيه إِنشائية معطوفة، فيتوقف كلها على آخرها، حتى إِذا وجد المغيّر تغير الكل. وقال ابن عباس: التوبةُ فيما بينه وبين الله، فأَما نحن فلا نقبلُ شهادَته. وعن إِبراهيم وشُرَيْح مثله.
(إِلاَّ مَنْ حُدّ في كُفْرِهِ فَأَسْلَم) فإِنّ شهادتَه تُقبل بعد الإسلام. (و) لا من
стр. 1446
وعَدُوٍّ بسَبَب الدُّنْيَا، وسَيِّدٍ لعبده ومُكَاتَبِهِ وشَرِيْكِهِ فِيمَا يَشْتَرِكَانِهِ.
ومُخنَّث
===
(عدوَ بسبب الدنيا) لأَنه لا يُؤمَنُ من التَّقَوُّلِ على عدوه، (و) لا من (سيدٍ لعبده) قِنًّا كان، أَوْ مدبَّراً، أَوْ أَمْ ولد. (و) لا (مكاتَبه) لأنه شهادة لنفسِهِ من وجهٍ (و) لا لشريكٍ من (شريْكه) (فِيْمَا يشترِكَانِهِ) لأَنها شهادةٌ له من وجه.
قيد «بما يشتركانه» لأَنها تُقبل في غيره لانتفاء التُّهمة. كان حقه أَنْ يقول: ولأحد الزوجين للآخر، كالأصل لفرِعِه وبالعكس وإِن بَعُدا، لما أَخرجه ابن أَبي شيبة وعبد الرزاق عن شُرَيح أَنه قال: لا تجوز شهادةُ الابن لأبيه، ولا الأب لابنه، ولا المرأَة لزوجها، ولا الزوج لامرأَته، ولا الشريك لشريكه في شيء بينهما. لكن في غيره يجوز، ولا الأجيرُ لمن استأجَرَه، ولا العبد لسيده.
وروى ابن أَبي شيبة عن سفيان وإِبراهيم مثله. وقد أَسنده الجَصَّاص (١) ـ وهو أَبو بكر الرَّازي الذي شهد (٢) له أَكابر المشايخ أَنه كبير في العلم ـ فقال: حدثنا صالح بن رُزَيق ـ وكان ثقةً ـ قال: حدثنا مروان بن معاوية الفَزَارِي، عن يزيد (بن زياد الشَّامي، عن الزُّهري، عن عُروة عن عائشة، عن النبي ﷺ قال:) (٣) لا تجوز شهادة (الوالد لولده، ولا) (٤) الولد لوالده، ولا المرأَة لزوجها، ولا الزوج لامرأَته، ولا العبد لسيده، ولا السيد لعبده، ولا الشَّريكُ لشريكه، ولا الأجيرُ لمن استأجره».
قيل: المراد بالأَجير التلميذ الخاص الذي يَعُدُّ ضررَ أَستاذه ضرر نفسه، ونفعَه نفعَ نفسه. وهو معنى قوله ﵊: «ولا القانع بأَهل البيت … » (٥) الحديث. وقَبِل الشافعي شهادةَ أَحد الزوجين للآخر، لأَنه ليس بينهما بعضية، والزوجية قد تكون سبباً للتنافر والعداوة، وقد تكون سبباً للميل والمحبة، وهي نظير الأخوة أَوْ دونها، فإِنها تحتمل الفسخ والقطع، والأخوة لا تحتملُ. والجواب أَنْ التعليل في مَعْرِضِ النص غير مقبول.
(و) لا من (مخنَّث)،
وهو المتشَبِّهِ بالنساء في لين الكلام وتكسُّرِ الأَعضاء
стр. 1447
يفعلُ الرَّدِيء، ونَائِحَةٍ، ومُغَنِّيَةٍ ومُدْمِن الشُّربِ على اللَّهْو، ومَنْ يَلعَبُ بالطيور، أَو الطُّنْبُور، أَو يُغَني للناس، أَو يَرْتَكِبُ ما يُحَدُّ به،
===
(يفعل الرَّديء) وهو تمكين الرجال منه. وأَما مَنْ لم يفعل الرديء فتقبلُ شهادته. (و) لا من (نائحة، و) لا من (مغنِّية) لأَن رفعَ المرأَة صوتَها حرامٌ. وفي «الذخيرة»: ولم يرد بالنائحة التي تنوحُ في مصيبتها، بل التي تنوح في مصيبة غيرها، لأَنها لا تُؤمَن أَنْ ترتكبَ شهادةَ الزورِ لأجل المال، فكان حق الماتن أَنْ يقيدهما بأُجرة، (و) لا من (مُدمن الشُّرب) من الخمر والسَّكَر وغيرهما من المحرمات (على اللهو) وإِنما اشتُرط الإدمان وهو المداومة، ليكون ذلك ظاهراً منه، فإِن مَنْ شرب الخمر سراً ولا يَظْهَرُ ذلك منه، لا تسقط عدالته، وإِنْ كان شِرْبُها كبيرةً (١) .
وإِنما تسقطُ عدالته إِذا كان يَظهرُ ذلك منه، أَوْ يخرج وهو سَكران ويلعب به الصبيان، فإِنه لا يَحترز عن الكذب عادة، كذا في «الخانية» و «شرح الوافي». والصواب ما في «النهاية» عن «الذخيرة»: أَنْ المراد به الإدمان في النية، بأَن يشرب، ومن نيته أَنْ يشربَ بعد ذلك إِذا وجده.
والحاصل:
أَنّ المراد به مَنْ شربَ ولم يتبُ فإِنه فاسق. ومما يدل عليه قولهم: ولا تقبلُ شهادةُ من يجلس في مجالس الفجور والشرب، وإِن لم يشرب، لأَنه يتشبه بهم، ولم يحترز من أَنْ يَظْهَرَ عليه ما يظهرُ عليهم، فلا يحترز عن شهادة الزور. ثم قيدّ باللَّهو احترازاً عمن شرب لِغَصِّ لقمةٍ في حلقه.
(و) لا (مَنْ يَلْعبُ بالطُّيور) لما في «سنن أَبي داود» عن أَبي هريرة: أَنْ رسول الله ﷺ رأَى رجلاً يتبعُ حَمَامة فقال: «شيطانٌ يتبعُ شيطانه»، (أَوْ الطُّنْبُور) لأَنه من اللهو المحظور. وفي قوله: «يَلْعبُ» إِيماءٌ إِلى أَنه لو أَخذ طيوراً في بيته للاستئناس لا يكون مسقطاً للشهادة، لأَن اتخاذَ الحمامِ في البيوتِ للاستئناس مباح.
(أَوْ) مَنْ (يُغْنِّي للناس) لأَنه يجمعُ الناسَ على اللهو واللعب، فلا يمتنع عادةً من إِتيان المحارم والكذب. أَما لو كان لإزالة الوحشةِ عن نفسِهِ من غير أَنْ يُسْمِع غيرَه فلا بأْس على الصحيح. ثم إِنشادُ الشِّعر إِنْ كان فيه وعظٌ وحكمة، فجائز بالاتفاق، وإِن كان فيه ذكر امرأَة غير معينةٍ أَوْ معينة وهي ميتة فلا بأَس به. وفي المعينةِ الحية يُكْرَه.
(أَوْ) مَنْ (يَرْتكبُ ما يُحدّ به) لأَنه فاسق لا يُؤمَن من الكذب والزور، وقد قال
стр. 1448
أَو يَدْخُلُ الحَمَّامَ بلا إِزَارٍ، أَو يَأكُلُ الرِّبَا، أَو يُقَامِرُ بالنَّردِ والشِّطْرَنْجِ، أَو تَفوتُهُ الصلاةُ بهما، أَو يَبُوْلُ على الطرِيقِ، أَو يأكلُ فيِهِ، أَوْ مَنْ يُظْهِرُ سَبَّ السَّلَفِ.
ولا تُقْبلُ الشهادةُ على جَرْحٍ مُجَرَّدٍ، وهو: ما يُفْسِّقُ الشاهدَ ولم يُوْجِبْ حقًّا للشَّرْعِ، أَو لِلْعَبْد، مثل: هو فاسق، أو آكِلُ الرِّبا، أَو أَنه استأجرهم.
===
الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١) ، والأَمر بالتوقفِ يَمنعُ العمل بالشهادة، (أَوْ) مَنْ (يَدْخُل الحَمَّام بلا إِزَارٍ) لأَنه يَرتكِبُ محرماً، وهو كشفُ العورة، (أَوْ) مَنْ (يأَكل الربا، أَوْ يُقَامِر بالنَّرْد والشِّطْرَنْج، أَوْ) من (تَفُوتُهُ الصلاة بهما) لأَن ذلك كله حرام. وشَرَطَ محمدٌ في «الأصل» أَنْ يكون آكل الربا اشتُهِرَ به، لأَن الإنسان قَلَّما يخلو عن مباشرة عقد فاسد، وذلك رباً، بخلاف أَكل مال اليتيم، حيث لا يُشترطُ فيه ذلك، لأَن التحرز عنه ممكن.
ثم اللعِبُ بالنَّرد بمجرده يُسقط الشهادة، لما روى أَبو داود عن النبي ﷺ : «أَنه مَنْ لعب بالنَّرْدَشِيْر فقد عصى أَبا القاسم». واللعب بالشِّطْرَنْج يُسْقِطُها إِذا اقترن بالقِمَار، أَوْ بفوتِ الصلاة، أَوْ بكثرةِ الحَلِف، وأَما إِذا لم يقترن بشيء من هذه الأمور، فإِنه عند مالك والشافعي يباح مع الكراهة، وعندنا وعند أَحمد يَحْرم، فكان حق الماتن أَنْ يقول: أَوْ يَلْعَبُ بالنَّرْدِ أَوْ يُقَامِرُ بالشِّطْرَنْج.
(أَوْ) مَنْ (يَبُوْل على الطريقِ، أَوْ) من (يأكل فيه)، لأَنه إِذا كان لا يستحي عن مثل ذلك لا يستحي عن الكذب، فيُتهم في الشَّهادة (أَوْ مَنْ يُظْهِرُ سَبّ السَّلَفِ) وهم الصحابة والتابعون ومَن اقتفى أَثرهم في الدين.
(ولا تُقْبلُ الشهادةُ على جَرْحٍ مجردٍ وهو) أَي الجَرْح المُجَّرد (ما يُفْسِّقُ الشاهدَ ولم يُوْجِبْ حقاً للشرع، أَوْ للعبد، مثل: هو) أَي الشاهد (فاسقٌ، أَوْ آكل الربا) أَوْ شاربُ خمر، أَوْ زانٍ، أَوْ قاتل نفسٍ، أَوْ شاهد زور.
(أَوْ أَنه) أَي المدَّعي (استأْجرهم) أَي الشهود، أَوْ أَنهم أَقروا أَنهم شَهِدوا بالزور، أَوْ أَنهم أَقروا أَنَّ المُدَّعي مبطِلٌ في هذه الدعوى، أَوْ أَنهم أَقروا أَنْ لا شهادةَ لهم على المُدَّعى عليه في هذه الحالة، لأَن الشهادة إِنما تُقبل على ما يدخُلُ تحت حكم القاضي وفيما وسعه إِلزامه، ومجردُ الفسق ليس كذلك، لأَن الفاسقَ يرتفعُ فِسقه بالتوبة، ولعله تاب في مجلِسِه أَوْ قبله، فلا يتحققُ الإلزام. ولأَنها إِشاعة الفاحشة من غير ضرورة، وإِشاعة الفاحشة فِسْق، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذِيْنَ يُحِبُّوْنَ أَنْ
стр. 1449
وتُقْبَلُ على إِقرار المُدَّعِي بفسقِهم، وعلى أَنهم عبيدٌ، أَو أَنّهم شَارِبو خَمْرٍ، أَو قَذَفَةٌ، أَو أَنهم شرَكاءُ المُدَّعِي، أَو أَعطاهم الأجرةَ لها من مالي، أَو دَفَعْتُ إِليهم كذا لِئَلَّا يشَهدوا عليَّ.
وشُرِطَ موافقةُ الشهادة للدَّعوى، كاتفاق الشَّاهِدَينِ لَفْظًا ومعنىً عند أَبي حنيفة. فَتُرَدُّ في أَلفٍ وأَلفين،
===
تَشِيْعَ الفَاحِشَةُ في الذِيْنَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ﴾ (١) ، فإِن قيل: فيها ضرورة، وهي منع الظالم عن الظلم. أُجيب بأَنه لا ضرورة فيها لإِمكان إِخباره القاضي سراً حتى يَرُدَّ شهادَتَهما.
(وتُقْبَلُ) الشهادةُ (على إِقرار المدعي بفسقِهم) لأَنهم ما أَظهروا الفاحشة، بل شَهِدُوا على إِظهار غيرهم، فلا يوجب ذلك فسقَهم، (و) تُقبل (على أَنهم عبيد) لأَن فيها إِثبات حقّ الرِّق، (أَوْ) على (أَنّهم شاربو خمر) ولم يتقادم، لإِثباتهم الحد. قيدنا بعدم التقادُمِ، لأَنه لو تقادَم لا تُقبل لعدم الحد، (أَوْ) على أَنهم (قَذَفةٌ) بفتح المعجمة جمع قَاذف. وهذا إِذا كان المقذوفُ يدّعي القذف لتعلَّق الحد بهم، (أَوْ) على (أَنهم شركاء المدَّعي) لإثباتهم حق الشركة، (أَوْ) على أَنه (أَعطاهم الأُجرة لها) أي للشهادة (من مالي) الذي كان في يده وطلب استرداده، لأَنه خصمٌ في ذلك، (أَوْ) على أَني (دَفَعْتُ إِليهم كذا) من المال (لئلا يشَهدوا عليَّ) وقد شهدوا، وطالبهم بردِّ ذلك المال، لأَنهم أَخصام في ذلك.
(وشُرِطَ) في قَبُوْل الشهادة (موافقةُ الشهادة للدّعوى) وهذا في حقوق العباد، لأَن الشهادة في حقوق الله تعالى واجبةٌ على كل أَحد، فكان كل واحد فيها خصماً في إِثباتها. وحقوقُ العبد تتوقف على مطالبَتِهِ أَوْ مطالبةِ من يقوم مَقَامَهُ. فلو ادعى داراً إِرثاً أَوْ شراءً، فشهدا بملكٍ مطلق لا تُقْبل، لأنهما شهِدا بأَكَثر مما ادّعى، لأنه ادّعى ملكاً حادثاً، وشهدا بملكٍ قديم، لأَن المِلْكَ المطلقَ يثبُتُ من الأَصل حتى يَستحِقّ المدعي به الزوائد. ولو ادعى ملكاً مطلقاً وشهدا بملك بسبب معين تُقبل، لأَنهم شهدوا بأَقلَ مما ادعاه، فلم يخالف شهادتهما الدعوى، بخلاف الأول.
(كاتفاق الشاهدين) أَي كما شُرِط اتفاقُهما (لَفْظَاً ومعنىً عند أَبي حنيفة) واكتفيا بالمعنى كمالك والشافعي، (فتردُّ في أَلف وأَلفين) أَي شهادة أَحد الشاهدين بأَلف والآخر بأَلفين. وتقبل عند أَبي يوسف ومحمد على الأقل إِذا كان المُدّعي يَدّعي الأكثر. وبه قال الشافعي في وجه، وأَحمد في روايةٍ لأَنهما اتفقا على الألف
стр. 1450
ويَثْبُتُ في أَلفٍ وأَلفِ ومئةٍ، الأَوَّلُ عند دعوى الأكثر إِنْ قَصَدَ المالَ لا العَقْدَ، فتُقْبَلُ في عتقٍ بمالٍ، وصُلْح عن قَوَدٍ، ورهنٍ، وخُلْع إِنْ ادّعى مَنْ له المالُ.
والإِجارة بيعٌ في أَوَّلِ المُدَّةِ،
===
وتفرد أَحدهما بالزيادة، فيثبت ما اجتمعا عليه دون ما تفرد به أَحدهما.
ولأبي حنيفة أَنهما اختلفا بلفظين غير مترادفين، فاختلفا معنى وحصل على كل واحد منهما شاهد واحد، أَلا ترى أَنه لو شهد أَحدهما أَنه قال لامرأَته: أَنت خليّة، وشهد الآخر بأَنه قال لها: أَنت بريّة لا يثبت شيء وإِن اتفق المعنى. وفي «النهاية»: إِنْ كانت المخالفة بينهما في اللفظ دون المعنى تقبل، نحو: أَنْ يشهدَ أَحدُهما على الهبة، والآخر على العَطِيَّة، لأَن اللفظ ليس بمقصود في الشهادة، بل المقصودُ ما صار اللفظ عَلَماً عليه، فإِذا وجدت الموافقةُ في ذلك لا تضرُ المخالفةُ فيما سواه، وكذا إِذا شهد أَحدهما بالنكاح والآخر بالتزويج.
(ويَثْبُتُ في أَلفٍ وأَلفٍ ومئةٍ، الأَوَّلُ عند دعوى الأَكثر) لاتفاق الشاهدين على الأقل لفظاً ومعنىً، لأَن المئة عطفٌ على الألف، والعطف يقررُ الأول، ولأن المعطوفَ غيرُ المعطوف عليه، فكانا كلمتين «وأَلفان» كلمة واحدة. فإِن قيل: لو ادعى أَلفين وشهدا بأَلف تُقبل اتفاقاً، مع أَنْ شَرطَ صحةِ القضاء الموافقةُ بين الشهادة والدعوى ولم يوجد. أُجيبَ بأَن الاتفاق في اللفظ بين الدعوى والشهادة ليس بشرطٍ على حسب الاتفاق في اللفظ بين شهادتي الشاهدين (إِنْ قَصَدَ) المدعي (المال لا العَقْدَ) أَما لو قصد العقد، فالشهادة باطلةٌ، لأَن العقدَ يختلفُ باختلاف الثمن، فكان هناك عقدان لم يَتِمّ نصابُ الشهادة على واحد منهما، فإِن ادعى الشراء مثلاً، فشهد أَحدهما على الشراء بأَلف والآخر بأَلف ومئة لا يثبتُ الشراءُ لاختلاف المشهود به. ولا فرقَ بين أَنْ يدّعي المُدّعي الأقل والأكثر.
(فتُقْبَلُ) شهادة أَحدهما بأَلف والآخَر بأَلف وخمس مئة (في عِتقٍ بمالٍ، وصُلْحٍ عن قَوَدٍ، ورهنٍ وخُلْعٍ إِنْ ادّعى من له المال) بأَن ادّعى في العتق المولى، وفي الصُلح وليّ المقتول، وفي الرهن المُرتهن، وفي الخُلعِ الزوج، لأَن قَصْدَ كل منهم إِلى المال، فكان كمدّعي الدين.
قيد بكون المُدَّعي مَنْ له المال، لأَنه لو كان الآخَر وهو العبدُ في العتق، والقاتلُ في الصلح، (والراهنُ في الرهن) (١) ، والمرأَةُ في الخُلع، كان القصد إِلى إِثبات العقد، فكانت الشهادة باطلة.
(والإِجارة بيعٌ في أَول المدة) وهو إِنما يقصد فيه إِلى إِثبات العقد، سواء كان
стр. 1451
ومالٌ بعدها. ويَثْبُتُ النِّكَاحُ بأَلف، ولَزِمَ الجَرُّ في الإرث بقوله: مات مُوَرِّثُه وتَرَكَهُ ميراثًا له، أَو: مات وذا ملْكهُ، أَو في يَدِهِ، فإن قال: كان لأبيه أَوْدَعَه، أَو أَعارَهُ مَنْ في يده، جاز بلا جرٍّ.
===
المدَّعي المُؤجِر أَوْ المُستأْجر، وسواء كانت الدعوى بأَقل المالين أَوْ بأَكثرهما (ومالٌ بعدها) أَي بعد المدة فيثبت ما اتفق عليه الشاهدان وهو الأقل، أَما لو كان المُدَّعي هو الآجر، فإِنه لا حاجة حينئذٍ إِلى إِثباتِ العقد، وأَما إِنْ كان المُستأْجر، فلأن ذلك منه اعترافٌ بمال الإِجارة، فيجب عليه ما اعترف به من غير حاجةٍ إِلى اتفاق الشاهدين أَوْ اختلافهما، وهذا إِذا كان المُدعي يدعى الأكثر، وإِن كان يدعي الأقل لا تُقبل شهادة من يشهد بالأكثر، لأَن المدعي يكذبه.
(ويَثْبُتُ النكاح بأَلف) يعني بأَقل المالين، سواء ادعى الزوج أَوْ المرأَة عند أَبي حنيفة، خلافاً لهما كمالك والشافعي فإِنّ عندهما تبطل الشهادة ولا يُقضى بشيء، لأَن الحاجة إِلى إِثباتِ العقد والنكاح بأَلف غير النكاح بأَلف وخمس مئة. ولأبي حنيفة أَنْ المال في النكاح تابع للأصل فيه، وهو الحِل والازدواج والملك، ومن حُكْم التَّبَعِ أَنْ لا يُغَيِّر الأصل، فيبقى العقد سالماً عن الاختلاف، فيلزم، ويُقضى بالأَقل مما وقع فيه الاختلاف وهو المال، كما في الدَّين، ويستوي فيه أَنْ يكونَ المُدعي الزوج أَوْ المرأَة.
ثم الأَصل أَنْ المشهود به إِنْ كان قولاً كالبيع، فاختلاف الشاهدين بالمكانِ أَوْ بالزمان لا يمنعُ الشهادة، لأَن القولَ مما يعاد. وإِن كان المشهودُ به فعلاً: كالغصب والقتل والجرح، أَوْ قولاً والفعلُ شرطٌ كالنكاح. فإِنه قول، وحضور الشاهدين فعلٌ، فاختلافُ الشاهدين بالزمان أَوْ المكان يمنعها.
(ولزم الجرّ) (أَي أَنْ يجر الشاهد) (١) (في) دعوى (الإرث) الميراث إِلى المدَّعي (بقوله) في الشهادة لمن ادعى شيئاً في يد غيره: إِنه ميراثه من أَبيه (مات (مُوَرِّثُه) (٢) وتركه ميراثاً له، أَوْ مات وذا مِلْكُه) وقت الموت، لثبوت الانتقال ضرورةً (أَوْ) مات وذا (في يده) لأَن اليدَ المجهولة عند الموت تنقلبُ يدَ مِلك بواسطةِ الضمان، إِذا مات مجهّلاً لتركه الحفظ. والمضمونُ يملِكُه الضامن، ولأَن الظاهرَ من حال من حضره الموت أَنْ يُبينَ ما كان عندَه من الودائع والمغصوب، فإِذا لم يبين فالظاهر أَنه مِلكه (فإِن قال:) الشاهدُ في دعوى الإرث: (كان لأبيه أَودَعَه، أَوْ أَعاره) أَوْ آجره أَوْ رهنه، أَوْ غصبه منه (مَنْ في يده، جاز بلا جرّ) لأَن إِثباتَ يد من يقوم مقَامَه يُغني عن إثباتِ المِلك وقتَ الموت، فاكتُفِي به عن ذِكْر الجَرِّ.
стр. 1452
وتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ على الشَّهَادةِ إِلا في حَدٍّ وقَوَدٍ. وشُرِطَ لها تعذُّر حُضُورِ الأصل بموتٍ، أَو مَرَضٍ، أَو سَفَرٍ، وشهادةُ عددٍ عن كُلِّ أَصل.
لا تَغَايُر فَرْعَي هذا وذَاك. ويقول الأصل: اشْهَدْ على شَهَادَتِي أَنِّي أَشهدُ بكذا،
===
(وتُقبل الشهادة على الشهادة إِلا في حَدَ وقَوَدٍ). وقال مالك: تُقبل في كل الحقوق، وبه قال الشافعي في الأصح، لأَن الفروعَ عدول نقلوا شهادةَ الأصول، فالحُكْم بِشَهادةِ الأصول. وصار الفروع كالتُّرجُمَان. ولنا أَنْ القياس أَنْ لا تجوز الشهادة على الشهادة، لأَن الأخبار إِذا تداولَتْها الألسنة، تمكّن فيها شبهةُ النقصان والزيادة، وإِنما جَوَّزْنَاها استحساناً لحاجة الناس، وإِنما لا يجوز في حدَ وقَوَدٍ لأَنهما يُدْرآن بالشبهة. وفي الشهادة على الشهادة شبهة من حيث البَدَليّة. وأَجازها مالك والشافعي فيهما، نظراً لحقِّ العبد.
(وشُرِطَ لها) أَي للشهادة على الشهادة (تعذُّر حضور الأصل بموتٍ أَوْ مَرَضٍ) لا يستطيع معه الحضور إِلى مجلِسِ القضاء (أَوْ سفرٍ) مسيرة ثلاثة أَيام فصاعداً، لأَن جَوَازها للحاجة. وهي عند عجز الأصل، وهو يتحققُ بهذه الأشياء. وعن أَبي يوسف: أَنه إِنْ كان في مكان لو غَدَا لأداء الشهادة لا يَستطيع أَنْ يبيتَ في أَهله، صح الإِشهادُ إِحياءً لحقوق العباد ودفعاً للحَرَجِ عن الشاهد، لأَن في بيتوتتهِ عند غير أَهله حرجاً في حقه، وبه قال الشافعي في قول وأَحمد في رواية، وأَخذ به أَبو الليث وكثيرٌ من المشايخ، وذكره محمد في «السِّير الكبير». وفي «الذخيرة» عن محمد: أَنه يجوز كيف ما كان حتى لو كان الأصلُ في زاوية المسجدِ والفرعُ في زاوية أَخرى من ذلك المسجد تُقبل.
(و) شُرط (شهادةُ عدد) رجلين أَوْ رجل وامرأَتين (عن كل أَصل) لما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن علي أَنه قال: لا يجوز على شهادة الميت إِلا رجلان. ولفظ «الهداية» عن علي: لا تجوز على شهادة رجل إِلا شهادة رجلين. وما روى ابن أَبي شيبة في «مصنفه» عن الشَّعبي أَنه قال: لا تجوز شهادةُ الشاهِدِ على الشاهد حتى يكونا اثنين.
(لا) أَي لا يُشترط (تَغَايُر فرعي هذا) الأصل (و) فرعي (ذَاك) الأصل. حتى لو أَشهد أَحد الأصلين على شهادتِهِ شاهدين، وأَشهدهما الآخَرُ بعينِهما على شهادته جاز. وقال الشافعي في وجه: لا يجوز إِلا أَربع على كل أَصل شاهدان. ولا يكفي شهادةُ فردٍ على شهادة أَصل، وشهادة فردٍ آخر على شهادة الأصل الآخر، إِلا على قول الحسن البصري، وعثمان البَتِّي، وابن أَبي ليلى، والعنبري.
(ويقول الأصل) في إِشهاد الفرع: (اشهد على شهادتي أَني أَشهدُ بكذا) لأَنَّ
стр. 1453
والفَرْعُ عند الحاكم: أَشهد أَن فلانًا أَشْهَدَني على شهادته بكذا، وقال لي: اشْهَدْ على شهادتي بذلك.
وصَحَّ تَعْدِيلُ الفَرْعِ الأصلَ، وأَحَدُ الشاهِدَين الآخرَ. وإِنكارُ الأصل يُبْطلُ شهادَةَ الفَرع. ومَنْ أَقرَّ أَنه شَهِدَ زُوْرًا، شُهِّرَ ولم يُعَزَّرْ.
===
الفرع كالغائب عن الأصل، فلا بدُ من التَّحميل والتوكيل له، ومن أَنْ يشهدَ الأصلُ عنده كما يشهدَ عند القاضي لينقله إِلى مجلس القضاء.
(و) يقول (الفَرْعُ) في أَداء الشهادة (عند الحاكم: أَشهد أَنْ فلاناً أَشهدني على شهادته بكذا، وقال لي: اشهد على شهادتي بذلك) لأَنه لا بد من ذِكْر (شهادَتِهِ، وذِكْر) (١) شهادةِ الأصل، وذكر التحميل، وهو يحصل بهذا. وفيه خمس شِيْنَات. (وصح تعديلُ الفَرْعِ) أَي تزكية الشاهد الفَرْع (الأصلَ و) تعديل (أَحد الشاهدَينِ الآخَرَ) بأَن شهد شاهدان في واقعةٍ، فزكّى أَحدهما الآخر، لأَنه من أَهل التزكية، فكانت تزكيته كتزكية غيره.
(وإِنكارُ الأصل يُبطل شهادَة الفَرع) لأَن التحميل شرط، وهو لم يثبت للتعارض بين خبر الفروع وخبر الأصول (ومَنْ أَقر أَنه شَهِدَ زُوْراً) أَوْ شهد بقتلِ رجلٍ أَوْ موته، ثم جاء ذلك الرجل حياً (شُهِّر) في الأسواق (ولم يُعزَّرْ) بضرب ولا يحبس عند أَبي حنيفة. وعُزِّر بالضربِ والحبس عند أَبي يوسف ومحمد وباقي العلماء، على قدر ما يراه القاضي، حتى يُظهر توبَتَه. ثم التَّشْهِيْرُ لإعلام الناس حتى لا يعتمدوا شهادتَهَ بعد ذلك. والتعزير لارتكاب كبيرة، فشهادةُ الزور من أَعظمِ الكبائر، فإِنها عدلت الشرك بالله تعالى في قوله سبحانه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّوْرِ﴾ (٢) وفيه إِشارة إِلى عِظَم حُرمة المسلم، فقد جعل الله الشهادةَ عليه بالزور كالشهادةِ على ذاتِهِ بالزور.
والحاصل:
أَنْ شاهدَ الزُّوْرِ يُعَزَّر بالاتفاق، سواء اتصل القضاء بشهادتِهِ أَوْ لم يتصل، لأَنه ارتكبَ كبيرةً اتصل ضَرَرُها بالمسلمين، وليس فيها حدٌ مُقدَّرٌ، فيعزَّرُ زجراً له، إِلا أَنهم اختلفوا في كيفية تعزيره، فقال أَبو حنيفة: بِتَشْهِيْرِهِ فقط. وقال غيره: بضربه وحبسه، لما روى ابن أَبي شيبة في «مصنفه» عن أَبي خالد، عن حجاج، عن مكحول، عن الوليد بن أَبي مالك أَنْ عمر بن الخطاب ﵁ كتب إِلى عُمّاله بالشام في شاهد الزور: يضرب أَربعين سَوْطاً، ويُسحَّم وجهه، ويُحْلَق رأْسه، ويُطال
стр. 1454
فَصْل [في الرُّجُوعِ عن الشَّهَادَةَ]
لا رجوعَ عنها إِلا عند قاضٍ،
===
سجنه. ومعنى يُسَحَّم بالحاء المهملة والمعجمة (١) : يُسَوَّد، من الأَسْحَم وهو الأَسْوَد. وهذا الأثر دليل على إِثبات الضرب. ونفي قول أَبي حنيفة، إِلا أَنهما لا يقولان بالتَّسْحِيم. ومحمد لا يقول بتبليغ التعزير إِلى أَربعين.
ولأبي حنيفة ما روى محمد في «الآثار»: عن ابن أَبي الهيثم عن مَنْ حَدَّثه عن شُريح: أَنه كان إِذا أَخذ شاهد زور، فإِن كان من أَهلِ السوق، قال للرسول: قل لهم: إِنْ شُرَيْحَاً يقرؤكم السلام ويقول لكم: إِنّا وجدنا هذا شاهد زُور فاحذروه، وإِن كان من العرب أَرسل به إِلى مسجدِ قومِهِ أَجمعَ ما كانوا، فقال للرسول مثل ما قال في المرة الأُولى.
فإِن قيل: أَبو حنيفة لا يرى تقليدَ التابعي. أُجيب: بأَنه لم يذكرْ فعلَ شُريح مستدِلاً به، وإِنما ذكره لبيان أَنه لم يسَتْبدّ (٢) بهذا القول، بل سبقه إِليه غيره، أَوْ استدلاله إِنما هو بتجويز الصحابة فعل شُرَيح، فإِنه كان قاضياً في زمن عُمر وعلي، ومثل هذا التَّشهير لا يخفى على الصحابة الذين كان هو في زمنهم. وأَما حديث عمر فمحمول على السياسة. ولو قال: غلِطْتُ، أَوْ نسيتُ، أَوْ أَخطأت، أَوْ رُدت شهادتي لتهمة، أَوْ مخالفةٍ بين الدّعوى والشهادة، أَوْ بين الشهادتين، لا يُعزَّر.
والرجال، والنساء، وأَهل الذمة: في حكم شهادة الزور سواء، ولو تاب بعد ذلك وشهد قالوا: إِنْ كان فاسقاً تُقبل، لأَن الذي حَمَلَه على الزور فِسْقُه وقد زال. وقدر بعضهم مدة ذلك بستة أَشهر وبعضهم بسنة، لأَن بِمُضِيِّ الزمان يتغير حال الإنسان، والله المستعان. والصحيح أَنه مفوض إِلى رأَي القاضي. وإِن كان عدلاً أَوْ مستوراً لا تُقبل شهادتُهُ أَبداً لأَن عدالته لا تُعتمد. وروى الفقيه أَبو جعفر عن أَبي يوسف: أَنها تُقبل، وبه يُفتى.
فصلٌ (في الرُجُوْعِ عن الشَّهَادة)
(لا رجوع عنها) أَي لا يصَح الرجوعُ عن الشهادة (إِلا عند قاضٍ) أَيُّ قاضٍ كان، لأَن الرجوعَ عن الشهادة فسخٌ لها، فيختص بما اختصت به، وهو كونها عند قاضٍ كفسخ البيع، حيث يُشترط فيه ما يُشترط في البيع: من قيام
стр. 1455
فإِن رَجَعَا عنها قَبل الحُكْم سَقَطَتْ، ولم يَضْمَنَا، وبعده لم يُفسخ، وضَمِنَا ما أَتْلَفَاهُ بها، إِذا قَبَضَ مُدَّعَاه.
فإِن رَجَعَ أَحَدُ ثلاثةٍ لم يَضْمَنْ، فإن رَجَعَ آخَرُ ضَمِنَا نصفًا، وإِنْ شَهِدَ رجلٌ وعَشْرةُ نِسوةٍ ثم رجعوا، فعَلَى الَّرجُلِ سُدُسٌ عند أَبي حنيفة، وعلى النِّسوة خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ، ونِصْفٌ عندهما،
===
المبيع، ورضى المتابعين، ولأَن الرجوع عن الشهادة توبةٌ عما ارتكب من قول في مجلس القضاء، فتكون توبته بالرجوع كذلك، هكذا في «الهداية» و «الكافي» أَخذاً من «المبسوط». ويؤيده ما ورد أَنه ﷺ قال: «إِذا أَحدثت ذنباً، فأَحْدِث لله توبةً، السِّرُّ بالسر، والعلانيةُ بالعلانية» (١) . (فإِن رجعا عنها قبل الحُكْم سقطت) لأَن الحق إِنما يثبت بالقضاء، والقاضي لا يقضي بكلام متناقض.
(ولم يَضْمَنَا) لأَنهما لم يُتلفا شيئاً على المُدَّعي ولا على المدعى عليه (و) إِنْ رجعا عنها (بعده) أَي بعد الحكم (لم يُفسخ) الحكم لأَن آخِر كلامهم في الدلالة على الصدق مثلُ أَوله، وقد ترجّح الأولُ باتصال القضاء به (وضَمِنَا ما أَتلفاه) للمشهود عليه (بها) أَي بشهادتهما لإقراراهم على أَنفسهم بسبب الضمان، والتناقض لا يمنع الإقرار. (إِذا قَبَضَ) المدَّعي (مُدَّعَاه) دَيناً كان أَوْ عيناً، لأَن الإتلافَ يتحقق بقبض المُدعي، وفي ذلك لا يتفاوت الحكم بين العين والدين (والعبرة للباقي لا للراجع)
إذ لولا ذلك لوجبَ الضمانُ، مع بقاء مَنْ يقومُ الحقُ بشهادته، بأَن بقي النصاب.
(فإِن رجع أَحد ثلاثة) شهدوا بحق، وقضى القاضي به وقبضَه المُدعي (لم يضمن) لأَن شهادة الشاهدين تكفي لثبوت الحق في غير الزنا والكلام فيه، فصار الحق مُستحِقاً بهما. وقال أَحمد: يضمنُ ثُلُثَ الحق، وبه قال الشافعي في قول، ومالك في رواية.
(فإِن رجع آخَرُ ضَمِنَا) أَي الراجعُ أَولاً والراجع ثانياً (نصفاً) لأَنه بقي من الثلاثة واحد، فبقي ببقائه نصف الحق (وإِنْ شَهِدَ رجلٌ وعَشْرة نِسوة ثم رجعوا، فعلى الرجلِ سدسٌ عند أَبي حنيفة وعلى النِّسوة خمسة أَسداس) وبه قال مالك والشافعي وأَحمد (ونصف عندهما) وعلى النسوة النصف الآخر، وبه قال أَبو العباس ـ من أَصحاب الشافعي ـ لأَن النِّسوة وإِن كَثُرَتْ يُقَمْنَ مُقَام الرجل الواحد، ولذا لا تُقبل شهادتهنَّ إِلا إِذا شَهِدَ معهنَّ رجلٌ، فكان الثابتُ بشهادتهن نصفَ المال وبشهادة الرجل النصف الآخر، وذلك لقوله ﷺ في نقصان عقل النساء: «عَدَلَتْ شهادةُ اثنتين
стр. 1456
وإِن رَجَعْنَ فقط فعليهنَّ نِصْفٌ، وضَمِنَ الفَرْعُ إِن رَجَعَ هو والأصلُ والمُزكِّي، لا شاهدُ الإحصان، وشاهِدَا اليمين، لا الشَّرْطِ إِذا رجعوا.
===
منهنَّ بشهادة رجل» (١) .
(وإِن رَجَعْنَ) أَي النِّسوة العشرة (فقط) أَي ولم يرجع الرجل (فعليهنَّ نصفٌ) من الحق اتفاقاً، لأَنه بقي مَنْ يبقى به نِصْفُ الحق، وهو حقُّ الرجل، وبه قال الشافعي في قول. وقال أَحمد والشافعي في قول آخر: عليهن خمسةُ أَسداس بناءٍ على أَنَّ العبرة للراجع، وكذلك إِنْ رجعَ الرجلُ وحده عليه نصفُ الحقِ لبقاء من يقوم بالنصف. (وضَمِنَ الفرع إِنْ رجع هو والأصل) عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف، لأَن القضاء وقع بشهادة الفروع، فكانوا مباشرين والأصول مُتَسبِّبين، وإِذا اجتمع المباشرُ والمُتسببُ كان الضمانُ على المباشر.
وعند محمد: المشهودُ عليه بالخِيار إِنْ شاء ضَمَّنَ الأصول وإِن شاء ضَمَّن الفروع، لأَن القضاء وقع بشهادة الفروع، من حيث إِنْ القاضي عاين شهادتهم وشهادة الأصول من حيث إِنْ الفروع نائبون عنهم، وناقلون لشهادتهم بأَمرهم، فيتخير في تضمين أَي الفريقين شاء. والجهتان متغايرتان، لأَن شهادة الأصول على أَصل الحق، وشهادة الفروع على شهادة الأصول، فلا يُجمع بينهما في التضمين بل يُجعل كل فريقٍ كالمتفرد. ولو رجع شهود الأصل بأَن قالوا: لم نُشْهِد الفروعَ على شهادتنا، أَوْ أَشهدناهم وغلِطنا لا يضمنون. وقال محمد: يضمن شهود الأصل.
(و) ضَمِنَ (المُزكِّي) إِذا رجع عند أَبي حنيفة. وقالا: لا يضمن (لا شاهدُ الإحصان) أَي لا يضمنُ شهود الإحصان إِذا رجعوا وهو قول للشافعي ورواية عن مالك، سواء رَجَعُوا مع الشهود أَوْ وحدَهم. وقال زفر وأَحمد والشافعي في قول ومالك في رواية: يضمنون، لأن الزنا صار موجِباً للرجم بقولهم، فكان في معنى علة العلة. ولنا أَنّ الإحصان شرط محضٌ لا يضافُ الحكمُ إِليه، كما تقرر في الأصول.
(و) ضمن (شاهدا اليمين) أَي التعليق (لا الشرط) أَي لا يضمن شاهدا وجود الشرط (إِذا رجعوا) أَي شاهدا اليمين وشاهدا وجود الشرط، فلو شهدا بتعليق العِتق أَوْ الطلاق قبل الدخول بشرط، وشهد آخَران بوجود الشرط فقضى القاضي ثم رجعوا
стр. 1457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كلهم، ضمنَ شهودُ اليمين قيمةَ العبد ونصف المهر، لا شهودُ وجود الشرط. وقال زفر: يضمنون لأن التَّلَف حصل بشهادة الفريقين جميعاً، ولو رجع شهود الشرط وحدَهم، بأَن كانت اليمين ثابتة بالإقرار ضمِنوا عند بعض المشايخ، وإِليه مال فخر الإسلام. والصحيح أَنْ شهودَ الشرط لا يضمنونَ بحال، وإِليه مال شمس الأئمة السَّرَخْسِيّ، والله تعالى أَعلم.
ولو رجعوا بعدما شَهِدوا بِقصاص ضمِنُوا الدِّيَة وإِن قالوا: تعمدنا الكذب، ولا يقتص منهم عندنا. وبه قال مالك. وحَكَم الشافعي بالقِصاص ومعه أَشهب المالكي إِنْ قالوا: تعمدنا، وصاروا كالمُكْرَه، لأَن كل واحد قاتلٌ تسبباً.
ولنا أَنْ القِصَاصَ جزاءُ مباشرة الفعل، ولم يوجد منهم القتلُ مباشرةً، لأنها بفعل الولي، بخلاف المكرَه، لأَن المُكرَه صار آلةً للمُكْرِه، فأَضيفَ فعله إِليه، لأَن اختيارَه فاسدٌ واختيارَ المُكْرِه صحيح، على أَنه إِنْ لم يقطع النسبة بالكلية، فلا أَقلّ من أَنْ يُورث الشبهة، وهي مانعة للقَوَد، بخلاف الدِّية، لأَن المال يثبت مع الشبهة، والله أَعلم.
стр. 1458
كِتَابُ الإقْرَارِ
إِخبارٌ بحقٍّ لآخَرَ عليه. وحُكمه ظُهُورُ المُقَرِّ به لا إِنْشَاؤُهُ، فصحّ الإقرَار بالخَمْر للمُسْلِمِ، لا بطلاق وعِتْقٍ مُكْرَهًا، فلو أَقَرَّ حُرٌّ مُكَلَّفٌ بحقٍّ، صَحَّ ولو مجهولًا،
===
كتاب الإِقْرَارِ
هو لغةً: إِفعال مِنْ قَرّ الشيءُ: ثَبَتَ.
وشَرْعَاً: (إِخبارٌ بحقَ لآخَرَ عليه) فخرجت الشهادة، فإِنها إِخبار بحق لآخَر على غيره، والدَّعْوى فإِنها إِخبار بحق نفسه على آخر. (وحُكمه): أَي الإقرار (ظهور المُقَرِّ به) أَي لَزِمَ على المُقرِّ ما أَقر به، لوقوعه دليلاً على صدق المُخبَرِ به. قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قوَّامِيْنَ بالقِسْطِ شُهَدَاءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ (١) والشهادةُ على نفسه هو الإقرار، وقال : ﴿بِلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيْرَةٌ﴾ (٢) أَي شاهدة بالحق. وقد رَجَم النبيُّ ﷺ بإِقراره على نفسه بالزنا (لا إِنشاؤه) لأن الإقرار إِخبارٌ بوجود المُقَرِّ به، والإخبار إِظهار المُخبِرِ بلسانه للمُخْبَرِ به لا إِيجادُهُ له (فصحّ الإقرَار بالخَمْر للمُسْلِمِ) ولو كان الإقرار إِنشاءً لَمَا صَحّ، لأَن المسلمَ لا يَصِحُ له تمليك الخمر.
(لا بطلاق) أَي لا يصح الإقرار بطلاق (وعِتْقٍ مُكْرَهاً) ولو كان إِنشاءً صح، لأَن طلاق المُكْرَه وإِعتاقَه واقعان عندنا. وإِنمّا خَصّ الطلاق والعَتاق بالذكر مع أَنْ كلَّ إِقرارٍ مع الإكراه غير صحيح، لأَنه أَراد أَنْ يُبيِّنَ أَنّ الإقرار ليس بإِنشاء.
(فلو أَقر حرٌ مكلفٌ بحقٍ صَحَّ ولو) كان الحق (مجهولاً) لأن جهالة المُقَرِّ به لا تمنع صِحَّةَ الإقرار، لأَن الحق قد يَلزمه مجهولاً، بأَن أَتلَف ما لا يَدْرِي قيمته، أَوْ جَرَح جِرَاحَة لا يدري أَرْشَهَا (٣) ، أَوْ يبقى عليه بقية حساب لا يعرف قدرها، وهو محتاج لإبراء ذمته بالإيفاء أَوْ (بالإرضاء) (٤) ، بخلاف الجهالةِ بالمُقرِّ له، سواءٌ تفاحشت بأَن قال: عليّ أَلف درهم لواحد من الناس، أَوْ لم يتفاحش على الأصح، بأَن قال: عليّ أَلف لأحد هذين، لأَن المجهولَ لا يصلح مُستحِقاً، إِذْ لا يمكن الجبرُ على البيان من غير تعيين المدَّعي.
стр. 1459
ولَزِمَه بيانُهُ بما له قِيْمةٌ. والقولُ له إِن ادّعى المُقَرُّ له أَكثرَ منه.
ولا يُصَدَّقُ في أَقَلَّ من درهم في: عليَّ مالٌ، ومن النِّصَابِ في: مالٍ عظيمٍ، من ذهب أَو فِضةٍ، ولا من خمسٍ وعشرين من الإِبِلِ، ولا من قَدْر النِّصَاب قيمةً غير مالِ الزكاة.
وفي: دَرَاهِمَ ثَلاثة، و: دَرَاهِمَ كَثيرةٍ عَشْرةٌ،
===
ولو كان المُقَرُّ عليه مجهولاً بأَن قال: لك على أَحدنا أَلف درهم، لا يصح اتفاقاً، لأَن المقضي عليه مجهول، ذكره في «النهاية». قيد بالحر لأن المراد صحة الإقرار مطلقاً، والعبد المحجورُ عليه يتأَخر إِقراره بالمال إِلى ما بعد العتق.
وعن أَحمد أَنْ إِقرار العبد بالحدّ والقِصاص فيما دون النفس يصح، وبالقصاص في النفس يتبعُ به بعد العتق. وبه قال زفر، والمُزَنيّ، وداود، وابن جَرِيْر الطبريّ، لأَن به يسقطُ حقُّ سيده، فأَشبه الإقرار بقتل الخطأ. وقيد بالمكلف لأَن إِقرار المجنون (والمعتوه) (١) والصبي العاقل لا يصح لانعدام أَهلية الالتزام، والنائم والمُغمى عليه كالمجنون لعدم التميُّز. وإِقرار السَّكَران من مُحرّم يلزم، إِلا فيما يقبل الرجوع كالحدود الخالصة لله تعالى، والسُّكْر إِنْ كان بطريق مبيح، كالشُّرْبِ مُكْرَها لا يلزم من إِقراره شيء.
(ولَزِمَه) أَي المُقِر (بيانُهِ) أَي المجهول، حتى لو امتنع عن البيان أُجبر عليه (بما لَهُ قِيْمةٌ) لأنه أَخبر بإِقراره عن الوجوب في ذمته، وما لا قيمة له لا يجب فيها، فكان رجوعاً (والقولُ له) أَي للمُقِر مع يمينهِ (إِنْ ادّعى المُقَرُّ له أَكثرَ منه) لأَن المُقِر هو المُنِكر.
(ولا يُصدَّق) المُقِر (في أَقل من درهم في: عليّ مالٌ) لأَنه لا يُعد مالاً عرفاً (و) لا في أَقل (من النِّصَاب) أَي نصاب الزكاة (في مالٍ عظيمٍ من ذهبٍ أَوْ فِضةٍ) لأَن النصاب مالٌ عظيمٌ، حتى اعتُبِرَ صاحبه غنياً في الشرع، ووجب عليه مُوَاسَاة الفقراء.
وقال الشافعي وأَحمد: يُقْبلُ تفسيرُه بالقليلِ والكثير.
(ولا) في أَقل (من خمسٍ وعشرين) في: عليّ مالٌ عظيمٌ (من الإِبِلِ) لأَنها أَدنى نصاب منها يجبُ فيه من جنسِهِ (ولا) في أَقل (من قَدْر النِّصَاب قيمةً) في: عليّ مالٌ عظيم من كذا، مشيراً إِلى مال (غير مالِ الزكاة).
(و) لزمه (في دراهم ثلاثة) لأَنه أَقل الجمعِ الصحيح، فصار متيقَّناً به والزائد عليه مشكوك فيه. (و) لزمه في (دراهم كثيرة عَشْرةٌ) عند أَبي حنيفة، ومئتان
стр. 1460
و: كذا درهمًا دِرْهَمٌ، و: كذا كذا أَحَد عَشَر، وكذا وكذا أَحد وعشرون. ولو ثَلَّثَ بلا واو، فأَحَدَ عَشَر، ومع واو فمئةٌ وأَحَدٌ وعِشرون، وإِن رَبَّع زِيدَ أَلفٌ.
و: عَلَيَّ وقِبَلِي إِقرارٌ بِدَينٍ، وَصُدِّقَ إِن وَصَلَ به: وهو وَدِيعةٌ، وإِن فَصَلَ لا. و: عندي أَو معي ونَحْوُهُ أَمَانَةٌ. وقوله لِمُدَّعِي الأَلف: اتَّزِنْها، أَو قَضَيتُكَها ونحوهما، إِقرارٌ.
===
عندهما، لأَن صاحبَ النصاب مكثر، حتى وجب عليه مواساة غيره، بخلاف ما دونه. ولأبي حنيفة أَنْ العشرة أَقصى ما يُذكر بلفظ الجمعِ، أَلا ترى أَنه يقال: عَشَرةُ دراهم، ثم يقال: أَحد عشر درهماً، فكان هو الأكثر من حيثُ اللفظُ فيصرف إِليه.
(و) لزمه في (كذا درهماً درهمٌ) لأَن كذا مُبهم ودرهماً تفسير له، (و) لزمه في (كذا كذا أَحد عَشَر و) في (كذا وكذا أَحد وعشرون) لأن هذه الكلمات مبهمة، فيجبُ حَمْلُهَا على نظيْرِهَا من المفسر، وأَقل عددين يُذكران من غير حرف عطف بينهما: أَحد عشر وبحرف عطف أَحد وعشرون (ولو ثَلَّثَ بلا واو فأَحد عَشَر) لأنه لا نظير له، فلا يُزاد على الأول، (ومع واو فمئةٌ وأَحد وعِشرون) لأَنه أَقلُ ثلاثة أَعداد، بين كل اثنين فيها حرف عطف (وإِن رَبَّع زِيدَ أَلفٌ) لأَنه أَقل أَربعة أَعداد، بين كل اثنين فيها حرف عطف.
(وعَلَيَّ وقِبَلِي إِقرارٌ بدَين) لأن كلمة عليّ للوجوب، وكلمة قبل للضمان. يقال: قَبِلَ فلانٌ عن فلانٍ أَي ضمن. وإِنما يكون المال واجباً ومضموناً إِذا كان دَيناً في الذمة (وَصُدِّقَ) من قال: عليّ أَوْ قبلي (إِنْ وَصَلَ به) قوله: (وهو وديعةٌ) لأنه يحتملُه مجازاً، لأَن الحفظَ واجبٌ على المُودِعِ، فيجوز تفسيرُه به متصلاً، (وإِن فَصَلَ لا) أَي لا يُصدَّقُ، لأَنه يُقررُ حكمَه بالسكوت، فلا يجوز تغييرُه بعد ذلك كسائر المغيرات في الاستثناء والشرط. (وعندي أَوْ معي ونحوه) كـ: في بيتي، وفي كيسي، وفي صُنْدوقي (أَمانة) لأن ذلك إِقرار بكون الشيء في يده، وذلك يتنوع إِلى مضمون وأَمانة، فيثبت أَقلُّهما، وهو الأمانة.
(وقوله لمدعي الأَلف: اتَّزنها) بتشديد التاء أَمْرٌ من الاتزان، افتعال من الوزن (أَوْ قَضَيْتُكَها ونحوهما) كانتقِدْها أَوْ أَجِّلْنِي بها، أَوْ اقعد فاقبِضْها (إِقرار) لأن الهاء كنايةٌ عن المذكور في الدعوى في جميع ذلك، فصار كأَنه أَعاد المُدَّعى وهو الألف، فيكون إِقراراً بها. وأَما لو لم يكن فيها ضميرٌ لا يكون إِقراراً، لأنه لا دليلَ على انصرافها إِلى المال المذكور، فيكون كلاماً مبتدأَ فلا يلزمه شيءٌ. وقال الشافعي وأَحمد في اتَّزن وانتقد: إِنه ليس بإِقرار، وبه قال بعض أَصحاب مالك، لأنه
стр. 1461
و: مئةٌ ودِرهمٌ، أَو: وثلاث أَثواب، دراهمُ وثيابٌ. وفي: مئةٌ وثوبٌ أَو ثوبان يُفَسِّرُ المئة.
===
يحتمل الإقرار ويحتمل الاستهزاءَ والمبالغة في الجُحود، فلا يكون إِقراراً بالشك.
(و) قوله: (مئة ودرهم،) أَوْ مئة (وثلاث أَثواب) يلزم به في الأول مئة كلها (دراهم و) في الثاني مئة كلها (ثياب وفي) قوله: (مئة وثوب، أَوْ) مئة و (ثوبان يفسر المئة) والقياسُ أَنْ يُرجَع في تفسير المئة إِليه في الكل، لأن المعطوفَ غيرُ المعطوف عليه، فلا يكون مُفَسِّراً له، فبقيت المئة على إِبهامها، كما في عطف الثوب عليها. ووجه الاستحسان أَنْ الدراهم يَكثُر استعماله، فاستَثْقَلوا تكرارَه واكتفَوا بذكره مرةً، وكذا كلُ ما يكثرُ استعماله ويثبتُ في الذِّمَّةِ من المكِيْلِ والموزونِ، وإِنما لزم مئة ثوب في مئة وثلاث أَثواب، لأَن الأثواب لم تذكَّر بحرف العطف، فانصرفت إِلى الجميع. ولزم تفسير المئة في مئة وثوب أَوْ وثوبان، لأن الثوب لا يُكال ولا يُوزن ولا يَكْثُر استعماله، فبقي على الأصل.
ولو أَقر بسهم من دار فهو سُدس عند أَبي حنيفة. وأَصل المسأَلة في الوصايا: إِذا أَوصى له بسهمٍ من مالهِ ينصرفُ عنده إِلى السدس، أَخذاً بقول ابن مسعود، واحتج بقول إِياس بن معاوية وجماعة من أَهلِ اللغة: أَنْ السَّهْمَ هو السدس. وأَمَرَا بالبيان لأن السهم يتناول القليل والكثير، فإِن سهماً من سهمين يكون النصف ومن العشرة يكون عُشراً، فهو والجزءُ والنصف (١) سواء. ولو أَقر بشرك في عبدٍ يوجب أَبو يوسف الشَّطر، لأن الشركَ المُنَكَّرَ عبارةٌ عن النصف، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ في السَّموات﴾ (٢) وقال: ﴿وما لَهُمْ فِيْهِما مِنْ شِرْكٍ﴾ (٣) أَي من نصيب، ولأن لفظ الشركة يقتضي المساواة قال الله تعالى: ﴿فإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ في الثُلُثِ﴾ (٤) .
وأَوجب محمد البيان. ولو أَقر بخمسة في خمسة وَعَنَى المعيّة، لَزِمَه عشرة، لأَنه بَيَّنَ أَنه استعمل «في» بمعنى «مع»، أَوْ بمعنى واو العطف، وفيه تشديدٌ عليه، فيصح بيانُهُ. وإِن عنى الحساب أَوْجَبْنَا خمسة، لا خمسة وعشرين كما قال زفر، وهو قول
стр. 1462
والإقرارُ بدابّةٍ في إِصْطَبلٍ يَلْزمُهَا فقط، وسيفٍ جَفْنُهُ وحَمَائِلُهُ.
وصَحَّ إِقرارُهُ بالحَمْلِ،
===
الحسن، إِذْ العادةُ حاكمةٌ بأَن هذه العبارة يراد بها خمسة وعشرون، فصار للخمسةِ والعشرين عبارتان: إِحداهما وَصْفية والأخرى عُرفية، فيلزم بإِحداهما ما يلزم بالأُخرى. لكنا نقول: إِنْ حسابَ الضرب في الممسوحات لا في الموزونات، مع أَنْ عمل الضرب في تكثير الأجزاء لا في زيادة المال، وخمسة دراهم وزناً وإِن كثرتْ أَجزاؤها، لا تصير أَكثر من خمسة.
وفي «المبسوط»: يلزمه على قول زفر عشرةٌ، لأن «في» بمعنى «مع». قال الله تعالى: ﴿فادْخُلِي في عِبَادِي﴾ (١) فيُحمل على هذا تصحيحاً لكلامه، قلنا: «في» للظرف حقيقةً، والدراهمُ لا تكون ظرفاً للدراهم، وجعلُه بمعنى «مع» مجاز، والمجاز قد يكون بمعنى («مع» وقد يكون بمعنى) (٢) «على»، قال تعالى: ﴿ولأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذوعِ النَّخْلِ﴾ (٣) وليس أَحدهما أَولى من الآخر، فبقي المعتبر حقيقة كلامه، فيلزمه عشرة بأَول كلامه ويلغو آخره.
ولو أَقر بدينٍ لزمه وإِن قال: كنتُ كاذباً في الإقرار ـ لأنه رجوعٌ ـ فلا يصحُ لتعلُّقِ حقِ المُقر له به. ويرى أَبو يوسف تحليفَ المُقَر له على أَنْ المُقِرَّ لم يكن كاذباً فيما أَقر لك به، ولست بمبطلٍ فيما تدعيه عليه، وبه يُفتى لجريان العادة بين الناس أَنهم يكتبون صك الإقرار ثم يأَخذون المال.
(والإقرار بدابّةٍ في إِصْطَبْلٍ) وهو بيت الدواب (يَلْزمُهَا) أَي الدابة (فقط) أَي ولا يلزمُ الإِصطبل وهذا عند أَبي يوسف وأَبي حنيفة، لأن غير المنقولِ لا يُضمن بالغصب عندهما. وعلى قياسِ قولِ محمد أَنه يضمن، ويلزمه الدابة والإِصطبل (وسيف) أَي الإقرار بسيف يلزم (جَفْنه) أَي غِمُد السيف (وحمائله) وهي جمع حِمَالة بكسر الحاء، وهو العِلاقة. وإِنما يلزمه ذلك لأن السيف اسم يطلق على مجموع النَّصْل والجَفْن والحِمَالة.
(وصح إِقراره) أَي الرجل (بالحَمْلِ) بأَن يُقِرَ بحمل جاريةٍ أَوْ شاةٍ لرجل، لأن هذا الإقرار له وجهٌ صحيح، وهو أَنْ يكون أَوصى به رجل ومات، وأَقر وارثه بأَن هذا الحَمل لفلان، فيحمل عليه وإِن لم يُبين السبب، وهذا باتفاق. وقال الشافعي في قولٍ
стр. 1463
وله، إِنْ بَيَّن سببًا صالحًا، فإِنْ وَلَدَتْ لأقلَّ مِن نِصْفِ حَوْلٍ، فَلَه ما أَقَرَّ به، وإن أَقرَّ بشرطِ الخِيَارِ صَحَّ وبَطَلَ شَرْطُهُ.
واستثناءُ كَيلِيٍّ أَو وَزْنِيٍّ من دَرِاهِمَ صَحَّ قِيمَةً،
===
نقلَه المُزَنيّ عنه: إِنْ أَطلق لا يصح، وفي قول: يصح وهو الأصح، وبه قال أَحمد. قال مالك: يصح إِنْ تُيُقِّن بوجودِ الحمل عند الإقرار (وله) أَي وإِقراره للحمل (إِنْ بَيَّنَ) المُقِرّ (سبباً صالحاً) بأَن قال: أَوصى له به فلان، أَوْ مات أَبوه وتركه ميراثاً له، وهو قيد للإقرار له. وإِنما قيد به لأنه إِنْ بين فيه سبباً غيرَ صالح، بأن قال: بَاعني أو أَقْرَضَني، لا يصح الإِقرار، وإن لم يبين سبباً لم يصح عند أَبي يوسف.
وقيل: أَبو حنيفة معه، وبه قال الشافعي (في قولٍ) (١) ويصحُ عند محمد وبه قال مالك، وأَحمد، والشافعي في الأصح، لأن هذا إِقرار صَدَرَ عن أَهله، فيجبُ إِعمَالُه، ويُحْملُ على السببِ الصالحِ تصحيحاً لكلام العاقل. ولأبي يوسف: أَنْ الإقرار المطلق ينصرف إِلى الكامل، وهو الإقرار بسبب التجارة وهو البيع ونحوه، فصار كأَنه فسره به.
(فإِنْ ولدتْ) أَمّ الحمل المُقَرّ له (لأقل من نِصْفِ حَوْل) من وقت الإقرار (فَلَه) أَي فللحمل (ما أَقر به) له، لأنه كان موجوداً وقتَ الإقرار بِيَقِيْنٍ (وإِن أَقرّ بشرطِ الخِيَارِ) بأَن أَقر لرجل بأَلف قرض، أَوْ غَصْب، أَوْ وَدِيْعَة، أَوْ عَاريَّة قائمة أَوْ مُسْتَهْلَكَة، على أَنه بالخيار ثلاثة أَيام (صح) الإقرار لوجود الصفة المُلْزمَةِ، وهي قوله: عليّ، ونحوه.
(وبَطَلَ شَرْطُهُ) لأن الإقرار إِخبارٌ ولا مَدْخَل للخِيار في الإخبار، لأن الخبرَ إِنْ كان صادقاً فهو واجبُ العمل به، اختاره أَوْ لم يخْتَرْه، وإِن كان كاذباً فهو واجبُ الرد، فلا يتغير باختياره وعدم اختياره. وإِنما تأْثيره في العقودِ لتتغير به صفة العقد ويتخيرُ به بين فسخِهِ وإِمضائه كذا في «العناية». وهذا إِذا كان المُقَرّ به لا يقبل الخِيار كما في الصور المذكورة، وأَما إِذا كان يقبل، كما إِذا أَقر أَنه باع أَوْ اشترى شيئاً على أَنه بالخيار ثلاثة أَيام أَوْ أَقل، فإِنه يصح الإقرار والخيار جميعاً.
(واستثناء كَيْلِيّ أَوْ وَزْنِيّ من دراهم) بأَن قال له: عليّ أَلف درهم إِلا قفيزَ حنطة أَوْ إِلا ديناراً (صَحَّ قِيْمَة) أَوْ بطريق القيمة، فيلزمه أَلف درهم إِلا قيمة القَفِيز أَوْ الدينار، وهذا عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف.
وقال محمد وزفر وأَحمد: لا يصحُّ، لأن الاستثناء إِخراجُ ما لولا الاستثناء لكان داخلاً، وهذا لا يُتصور في خلافِ الجنس. ولأبي حنيفة أَنْ الكَيْلي والوَزْني جنسُ
стр. 1464
لا استثناءُ التابع، كالبناءِ والفَصِّ والنَّخْلِ. ودينُ صحَّتِهِ مطلقًا، ودينُ مَرَضَهِ بسببٍ فيه، وعُلِمَ بلا إِقرارٍ، سَوَاءٌ. وقُدِّما على ما أَقرَّ به في مرضِهِ، والكلُّ على الإرث، وإن شَمِل مالَه.
===
الدراهم في المعنى، من حيث إِنها تَثْبت في الذمة حالاً ومؤجَّلاً، ويجوز استقراضُهَا وإِذا كانت في المعنى جنساً لها، جاز استثناؤها منها.
قيد بالكَيْلي والوَزْنِي لأنه لا يصح في غيرهما باتفاق الأصحاب، وهو قول أَحمد. وقال الشافعي: يصح، وبه قال مالك. فعندنا لو قال له: عليّ مئة درهم إِلا ثوباً لا يصح الاستثناء، وعنده يُبين قيمةَ الثوبِ فإِن استغرقت المئة بطَل الاستثناء في قول، وبه قال مالك، وفي قول يلغو تفسيره، ويجب أَنْ يُبيِّنَ ثوباً لا يستغرقُ قيمة المئة.
(لا) أَي لا يَصِحُ (استثناءُ التابعِ) من المتبوع (كالبناءِ) من الدار، بأَن أَقر بدار واستثنى بناءها (والفَصِّ) من الخاتَم، بأَن أَقر بخاتَم واستثنى فَصَّه (والنَّخْلِ) من البستان، بأَن أَقرَّ ببستان واستثنى نخْلَه. وقال مالك والشافعي وأَحمد: يصح لأنه أَخرج ما تناوله اللفظ معنىً، فصار كما لو قال: إِلا ثُلُثَها، أَوْ رُبُعَهَا، أَوْ بيتاً منها.
ولنا أَنْ الاستثناء إِخراج ما تَنَاوله صدر الكلام نصاً، وصدْر الكلام إِنما يتناول هذه الأشياء تبعاً، بخلاف البيت، فإِن الدار تتناوله نصاً، إِذْ الدار تشتمل البيتَ، ولهذا لو استُحِقّ البيتُ في بيعِ الدار سقطت حصته من الثمن. ويبطل إِقرارٌ وصل به: إِنْ شاء الله، فلو قال: لزيد عليّ أَلف درهم إِنْ شاء الله لم يلزمه شيء، لأن التعليقَ بمشيئةِ الله إِبطالٌ عند محمد، فيبطلُ قبل انعقاده بتحكُّم (١) . وعند أَبي يوسف تعليق بشرطٍ لا يوقَفُ عليه فكان إِعداماً من الأصل.
(ودينُ صحته) مبتدأ مضافٌ (مطلقاً) أَي سواء علم بسببه وهو بمعاينة الشهود ببيِّنة أَوْ بالإقرار (ودينُ مَرَضهِ) مرض الموت (بسببٍ فيه) أَي في المرض كالنفقة وثمن الأدوية (وعُلِمَ) السببُ (بلا إِقرار) كالاستقراض في مرضه بمُعاينة الشهود، أَوْ الشراء، أَوْ الاستئجار، أَوْ التزوج (سَوَاء) أَي مستويان في الرُتبة، فلا يقدَّمُ أَحدهما على الأخر في الاستيفاء من التركة، هو خبر المبتدأَ وما عطف عليه (وقُدِّما على ما أَقرَّ به في مرضِهِ) ولم يُعلم إِلا بالإقرار، وبه قال النَّخَعي والثوري.
(و) قُدِّم (الكلُّ على الإرث وإِن شَمِل) الكل (مالَه) وقال الشافعي: دَيْن الصحة ودَيْنُ المرض الذي لا يُعلم إِلا بالإقرار سواء، وبه قال مالك، والخِرَقي، والتميمي من أَصحاب أَحمد، لاستواء سببهما وهو الإقرار الصادر عن عَقْل ودِيْن، ومحل للوجوب:
стр. 1465
ولا يَصح أَنْ يَخُصَّ غَريمًا بقضاء دَينهِ، ولا إِقرَارة لِوَارثه إِلا أَنْ يصَدِّقَهُ البقيَّة، فَيَبطُلُ إِن ادَّعى بُنوَّتَه بَعْدَه،
===
وهو الذِّمةُ القابلةُ للحقوق.
ولنا: أَنْ الإقرار لا يُعتبرُ إِذا كان فيه تُهمة إِبطال حق الغير، وفي إِقرار المريض بما ليس من التبرعات كالبيع، والنكاح، والإتلاف تُهْمَة إِبطال تعلق دَيْن الصِّحة بماله، بخلاف المعروف السبب بمُعاينة الشهود، فإِنه لا تُهْمَة فيه.
(ولا يَصح) للمريض (أَنْ يَخُصَّ غَرِيْمَاً) من غُرماء الصحة أَوْ المَرَضِ (بقضاء دينه) لأن ذلك فيه إِبطالُ حقّ الباقين، إِلا أَنْ يكون ذلك الدينُ ثمناً بشيءٍ اشتراه بمثل قيمتِهِ، أَوْ يكون قرضاً لزمه في مرضه بالبَيِّنة، لأن هذا ليس بإِيثار ولا إِبطال للحق، لأنه حَصَّلَ مثل ما نَقَد، وحقُّ الغُرماء متعلقٌ بمعنى التركة لا بالصورة، فإِذا حصل له مثلُه معنىً لم يعد ذلك تفويتاً. وعند مالك والشافعي يختص مطلقاً، والله تعالى أَعلم.
(ولا) يصح (إِقرَارهُ لِوَارِثِه) وبه قال أَحمد والشافعي في قول، ويصح في الأصح من مذهبه، لأنه إِظهارُ حقٍ ثابت، لترجُّحِ جانب الصدق فيه، فصار كالإقرار لأجنبي وبوارثٍ آخر وبوديعةٍ مُستهلكةٍ للوارث. وقال مالك: يصح إِذا لم يُتهم، ويَبْطُلُ إِذا اتُّهم، كمن له بنت وابن عم، فأَقر لبنته. ولنا: ما أَخرجه الدارقطني في «سننه» عن جعفر بن محمد، عن أَبيه، عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : «لا وصيةَ لوارث، ولا إِقرار له بدينٍ»، وما رُوِيَ أَنه ﷺ قال في خطبته عام حجة الوداع: «إِنْ الله أَعطى كُلَّ ذِي حق حقه، فلا وصية لوارث ولا إِقرار بالدين» (١) .
لكن قال شمس الأئمة في «المبسوط»: إِنْ هذه الزيادة شاذةٌ غيرُ مشهورة، وإِنما المشهور قول ابن عمر: إِذا أَقر الرجلُ بدين في مرضه لرجل غير وارث فإِنه جائزٌ، وإِن أَحاط ذلك بماله، وإِن أَقر لوارث فهو باطل، إِلا أَنْ يُصدِّقه الورثة. وبه أَخذ علماؤنا، فإِن قول الواحد من فقهاء الصحابة عندنا مقدمٌ على القياس، ولأن في إِقرارِهِ إِيثارَ بعضِ الورثة بماله بعدما تعلق حقُّ جميعهم به، فلا يجوز لما فيه من إِبطال حق البقية، كالوصية. قيد بالوارث لأن إِقراراه للأجنبي يصح وإِن شَمِلَ المال.
(إِلا أَنْ يُصدِّقه البقيةُ) أَي بقية الورثة، لأن عدم الصحة كان لحقِّهم، فإِذا صَدَّقُوه فقد أَقروا بتقدُّمِهِ عليهم (فَيَبْطُل) الإقرار (إِنْ ادَّعى بُنوَّتَه) أَي بنوة الأجنبي (بَعْدَه) أَي بعد الإقرار له ويثبت النسب. وبه قال أَحمد والشافعي في قول.
стр. 1466
لا إِنْ نَكَحَ. ولو أَقر بِبنُوَّة غلام جُهِلَ نَسَبُهُ، ويُولَدُ مِثْلُه لِمِثْلِهِ، وصَدَّقَهُ الغُلامُ، ثَبَتَ نَسَبُه، وشُرِطَ تصديقُ الزَّوْج، أو شَهَادَةُ قابلةٍ في إِقرارها بالولد. ولو أَقر بنسبٍ من غير وِلادٍ، لا يصحُ، ووَرِثُ إِلا مع وارث.
===
(لا إِنْ نَكَحَ) أَي لا يبطل الإقرار لأجنبيةٍ إِنْ نكحها بعد إِقراره لها. وبه قال أَحمد في الأصح، والشافعي في القديم، ومالك. وقال الشافعي في الجديد وأَحمد في رواية: يَبْطُل، لأن اعتبار كونِ الوارثِ وارثاً حالَ الموتِ لا حال الإقرار كالوصية. ولنا: وهو الفرق أَنْ البنوَّة تستند إِلى وقتِ العُلُوْقِ، فتبين أَنه أَقر لابنه فلا يصح، والزوجية تقتصر على زمان التزوج، فكان إِقراره لأجنبية. ويُؤخر الإرث عن الدين المُقَرِّ به في المرض، لقوله تعالى: ﴿مِنْ بعدِ وصيةٍ يُوصَى بها أَوْ دَيْن﴾ (١) ، ولأن قضاءَ الدَّيْنِ من الحوائج الأصلية، لأن به دفع الحائل بينه وبين الجنة العليّة. وحقُ الورثة يتعلق بالتركة بشرط الفَرَاغ عن الحاجة، ولهذا يقدم تجهيزُه وتكفينُه وتدفينُه.
(ولو أَقر) المريضُ أَوْ غيره (ببنُوَّة غلامٍ جُهِلَ نسبه، ويولدُ مِثْلُه) أي مثل الغلام (لمثله) أي لمثل المُقِرِّ، (وصَدَّقه الغلام، ثبت نسبه) وقال مالك: إِنْ تيقَّن الناسُ أَنه ليس ولده لا يثبت، كما إِذا كان الغلامُ سِنْدياً والرجل فَارِسياً. ولنا: أَنَّ النسبَ يُحتالُ لإثباته، فيثبت إِذا أَمكن، وفي هذه الصورة يُمكن. قيد بمجهولِ النَّسَبِ، لأن معرفته تمنعُ ثبوتَه من غيره. وبكونه يولد مِثلُهُ لِمِثْلِهِ لئلا يكون مكذباً في الظاهر. وبتصديق الغلام، لأن المسأَلة في غلام يُعبر عن نفسه، فلا بد من تصديقه، لأنه في يد نفسه، حتى إِذا كان صغيراً لا يعبر عن نفسه فلا يعتبر تصديقه. كذا في «الكافي» و «الهداية» وغيرها. وإِذا ثَبَتَ نسبُه شارَكَ الورَثة في الميراث، لأن ذلك من ضرورات ثبوت النسب.
(وشُرِطَ تصديقُ الزَّوْج) امرأَته أَوْ معتدته (أَوْ شَهَادَةُ قابلةٍ في إِقرارها) أَي المرأَة (بالولد) لأن إِقرار المرأَة لا يُقبل على الزوج، فلا بُد من تصديقهِ. وقول القابلة حجة في تعيين الولد. والنسب يثبت بالفراش. (ولو أَقر بنسبٍ من غير وِلَادٍ) أَي أُبَّوة أَوْ بُنُوة، كإِن أَقر بأَخ أَوْ عم (لا يصحُ) إِلا بالبيِّنة، لأن فيه حَمْلَ النَّسَبِ على الغير.
(ويَرِثُ إِلا مع وارث) معروف قريب أَوْ بعيد، فإِنه أَولى بالميراث من المُقَرِّ له، لأنه لما لم يثبتْ نسبُهُ منه لم يزاحم الوارثَ المعروف النَّسبِ. وإِن لم يكن له وارثٌ استحقّ المُقَرِّ له ميراثه. لأن للمُقِر ولايةَ التصرُّفِ في مال نفسه عند عدم الوارث. أَلا ترى أَنْ له أَنْ يوصي بجميع ماله، فكذا له أَنْ يجعله لهذا المُقَرِّ له.
стр. 1467
ومن أَقرّ بأَخ وأَبوُهُ مَيتٌ شارَكَهُ في الإرثِ بلا نَسَبٍ، ولو أَقرّ أَحَدُ ابْنَيْ مَيْتٍ، له على آخرَ دَينٌ، بِقَبضِ أَبيه نِصْفَهُ، فلا شيء له، والنصفُ للآخر.
===
(ومن أَقرّ بأَخ وأَبوه مَيْتٌ شاركه في الإرث بلا نسب) أَي ولا يثبت نسبه، لأن إِقراره يُضَمَّن شيئين: حَمْل النسبِ على الغير ولا ولاية له عليه، فلا يثبتُ إِلا بالبيِّنة؛ والاشتراك في المال وله ولاية عليه فيثبُت.
(ولو أَقرّ أَحد ابني ميت له على) شخصٍ (آخَر دين) هذه الجملة صفة ميت (بقبض أَبيه نصفه) أَي نصف الدَّيْن (فلا شيء له) أَي للابن المُقِرّ (والنصف للآخر) وهو الابن المُنْكِر، لأن الإقرار باستيفاء الميتِ الدينَ إِقرارٌ بالدين على الميت، لأن المقبوضَ غيرُ الدين، فيكون مضموناً على القابض ديناً في ذمته فيتقاصّان (١) ، فإِن كذَّبه أَخوه لا يُصدق عليه وينفذ في حقه خاصة، فوجب على الميت النِّصْفُ على زعمه.
والدين مقدمٌ على الميراث وقد استغرق نصيبَه، فلا يأخذ منه شيئاً، وصار كما لو أَقر على الميت بدين آخر وكذبه أَخوه. وصح إِقراره بالدين لأجنبي وإِن استغرق ماله، لما روى محمد في «الأصل» عن ابن عمر أَنه قال: إِذا أَقر الرجل في مرضه بدين لرجل غير وارثٍ، فإِنه جائز وإِن أَحاط ذلك بماله ولا يُعرف له مخالف.
وعلماؤنا والشافعي جعلوا الطَّلْق ـ وهو: وجعُ الوِلَادة ـ كمرض الموت في حق الأحكام، لأن الموتَ يَنْدُر في غير حالة الطَّلْق، ويوجد فيها كثيراً، والحكم مبنيٌ على ما كَثُر لا على ما ندر، لا بعدما تَمَّ لها ستة أَشهر من حين الحمل كما قال مالك، واحتج بأَن ولادتها حينئذٍ متوقَّعةٌ ساعة فساعة، وهي قد تموت بها، فتُوَطِّنُ نفسها على الهلاك، وتبادرُ إِلى ما يتبادر إِليه المرض.
وإِذا خِيْف الموت على المَسْلُول، وهو المريض مرض السِّل، أي: الدَّقِّ (٢) ونحوه من الأمراض التي يطول ويعتاد الإنسان بها، كانت الهبة ونحوها من ثلثِ مالِهِ لكونه مريضاً، والله أَعلم.
стр. 1468
كِتَابُ الدَّعْوَى
هي إِخْبَارٌ بحقٍّ له على غيره.
والمُدَّعي: مَنْ لا يُجْبَرُ على الخُصُومَةِ، والمُدَّعَى عليه من يُجْبَرُ. وهي إِنما تَصِحُّ بذكِر شيءٍ عُلِم جِنْسُه وقَدْرُهُ،
===
كتاب الدَّعْوَى
(هي) لغةً: بمعنى الدعاء، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَاهم فِيْهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ … وآخِرُ دَعْوَاهم أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ﴾ (١) .
وشرعاً: إِضافة الشخص الشيءَ إِلى نفسه حال المنزاعة، على ما قاله شيخ الإسلام، والمَحْبُوبي. ويقال: ادَّعى زيد على عمرو، فزيد المُدَّعي وعمرو المُدَّعى عليه، والمال المُدَّعى، والمُدَّعى به خطأٌ، والمصدر: الادِّعَاء، افتعال مِنْ دعى. والدعوى على فَعلى: اسم منه، وأَلِفُها للتأنيث، فلا تُنَوَّن، ويقال: دعوى باطلة أَوْ صحيحة، وجمعها دَعَاوَى ـ بفتح الواو ـ لا غير، كفتوى وفتاوى، كذا في «الكافي».
وشَرْطُ صِحَّتها مجلسُ القضاء، فلا يصح في غيره، حتى لا يستحق على المُدَّعى عليه جوابه. وحكمها وجوبُ الجوابِ على المُدَّعى عليه. وقال المصنف: (إِخْبَارٌ) من الشخص (بحقٍ له على غيره) فاحترز بقوله: «له» عن الشهادة فإِنها إِخبار بحق لآخر، وبقوله: «على غيره» عن الإقرار، فإِنه إِقرار بحق لآخر على نفسه. ولما كان معرفةُ الفرق بين المُدَّعي والمُدَّعى عليه من أَهم ما يُحتاج إِلى معرفته في هذا الكتاب عرفهما بقوله: (والمُدَّعي: مَنْ لا يُجْبَر على الخصومة) إِذا تركها (والمُدَّعى عليه من يُجبر) عليها إِذا تركها. وقيل: المُدَّعي: مَنْ لا يَسْتحَقُّ إِلا بحجة كالخارج، والمُدَّعى عليه: مِنْ يَستحِقُّ بقوله من غير حجة، كصاحب اليد. وقيل: المُدَّعي: مَنْ يلتمسُ غير الظاهر، والمُدَّعى عليه: مَنْ يتمسك بالظاهر.
(وهي) أَي الدعوى (إِنما تَصِحُّ بذكِر شيءٍ عُلِم جِنْسُه) أَي جنس المُدَّعَى، بأَن يقال: حنطة مثلاً (وقَدْرهُ) بأَن يقال: كذا كيلاً، لأن فائدة الدَّعوى الإلزام بواسطة الإشهاد، ولا يتحقق الإشهاد ولا الإلزام في المجهول. وفي «شرح الوقاية»: هذا في
стр. 1469
وأَنه في يد المُدَّعَى عليه.
وفي المَنْقُول يزيد: بغير حَقٍّ، وفي العَقَار لا تَثْبُتُ اليدُ إِلا بحُجَّةٍ، أَو عِلمِ القاضي، والمُطَالبةُ به وإِحْضَاره إِن أَمْكَنَ، ليُشيرَ إِليهِ المُدَّعي والشاهِدُ والحَالِفُ، وذِكْرُ قيمتِهِ إِنْ تَعَذَّرَ، والحُدُودِ الأربعةِ أَو الثلاثةِ في العَقَار،
===
دعوى الدَّين لا في دعوى العين، فإِن العين إِنْ كانت حاضرةً تكفي الإشارة، بأَنَّ هذا مِلْكٌ لي، وإِن كانت غائبةً يجب أَنْ يصفَها ويذكُرَ قيمتها. انتهى. وقيل: لا يُشترطَ ذكرُ القيمة، وإِليه مال القاضي فخر الدين وصاحب «الذخيرة». وكذا ذُكِر في عامة الكتب: أَنه يسمع دعواه بدون القيمة، لأن الإنسان ربما لا يَعْرِفُ قيمة ماله، فلو كلف بياناً لتضرَّر به.
(وأَنه في يد المُدَّعى عليه) هذا عطف على «ذكر شيء»، وإِنما شُرط ذلك في الدعوى لأن المُدَّعى عليه لا يكون خصماً إِلا إِذا كانت العين في يده. (وفي المَنْقُول يزيد: بغير حق) إِذْ الشيءُ قد يكونُ في يد غير المالِكِ بحق، كالرهن في يد المرتهن، والمبيع في يد البائع لأجل الثمن. وفي «شرح الوقاية»: وهذه العلة تشتمل العَقَار أَيضاً، فلا أَدري ما وجه تخصيصِ المنقولِ بهذا الحكم، ووجَّهَه بعضٌ بوجوه وردَّها غيرهم. (وفي العَقار لا تثبت اليد إِلا بحُجَّة، أَوْ عِلم القاضي) ولا يثبت بتصادقهما أَنه في يد المُدَّعى عليه، بخلاف المنقول فإِنه يثبتُ بذلك. والفرق بينهما أَنْ اليدَ في العَقَار غير مشاهدة، ولعله في يد غيرهما، واتفقا على ذلك ليكونَ لهما ذريعةٌ إِلى أَخذِهِ بِحُكم الحاكم، فشرط الحُجَّة أَوْ علم القاضي لنفي التُّهْمَة. واليد في المنقول معاينةٌ فلا حاجة إِلى اشتراط ذلك. وفيه أَنَّ العلة مشتركةٌ والمعاينةَ ممنوعةٌ، فلا يظهرُ وجه الفرق هناك.
(والمطالبةُ به) عطفٌ على «أَنه في يد المُدَّعى عليه»، أَوْ على ما عطف عليه. وإِنما كان ذكرُ المطالبة لا بد منه في صِحَّة الدعوى لأن المطالبةَ حقُهُ، فلا بد من طَلَبِهِ (وإِحضاره) عطف على ذكر شيء. وإِنما تصح بإِحضار المُدَّعى (إِنْ أَمكن ليُشير إِليه المُدَّعي والشاهد والحالف) لأن الإعلامَ بأَقصى ما يمكنُ شرطٌ وذلك بالإشارة فيما يمكن إِحضاره (وذِكْرُ قيمتِهِ إِنْ تَعَذَّرَ) إِحضاره، بأَن كان هالكاً أَوْ غائباً ليصيرَ المُدَّعى معلوماً، لأن الشيءَ يُعلم بقيمته، لأنها مِثْلُه معنىً.
(و) ذِكْرُ (الحدودِ الأربعة) وبه قال زفر كمالك والشافعي، لأن التعريف لا يَتِم إِلا بها (أَوْ الثلاثة) عندنا لأن للأكثر حُكم الكل (في العَقَار) فإِنه يُعرف
стр. 1470
وأَسماءِ أَصحابِهَا ونسبِهِم إِلى الجَدِّ.
وإِذا صَحَّتْ سَأَلَ القَاضِي الخَصمَ عنها، فإِن أَقرَّ أَو أَنْكَرَ، وسَأَلَ المُدَّعي بَيِّنَةً، فأَقام، قَضَى عليه. وإِن لم يُقِمِ البَيِّنَةَ حَلَّفَهَ، إِنْ طَلَبَهُ خَصْمُهُ، فإِنْ نَكَلَ مرةً، أَو سَكَتَ بلا آفَةٍ وقَضَى بالنُّكُوْلِ صَحَّ وعَرَضَ اليمينَ ثلاثًا، ثم القضاءُ أَحْوَطُ.
===
بحدوده، وقد تَعذَّر تعريفُه بالإشارة لتعذُّر نقلهِ إِلى مجلس الحُكْم (و) ذكرُ (أَسماءِ أَصحابِهَا ونَسَبِهِمْ) ليتَميَّزُوا عن غيرهم (إِلى الجد) لأن تمام التعريف به، وهذا إِنْ لم يكن مشهوراً، وأَما إِنْ كان مشهوراً فلا يلزمُ ذكرُ الجدّ لحصولِ المقصود.
(وإِذا صحت) الدَّعوى (سأَل القاضي الخصمَ) وهو المُدَّعى عليه (عنها) أَي عن الدعوى التي ادعاها، لينكشفَ له وجه الحكمُ فيها، لأن القضاء بالبينةِ يخالفُ القضاء بالإقرار (فإِن أَقرَّ) الخصمُ (أَوْ أَنكر وسأَل) القاضي (المُدَّعي بَيِّنَةً) بأَن قال له: أَلك بينة؟ (فأَقام) البينةَ (قَضَى) القاضي (عليه) لوجود الحجة المُلزمة للقضاء في الوجهين. وروى أَصحاب الكتب الستة عن الأشعث بن قيس قال: كان بيني وبينَ رجلٍ من اليهود أَرض، فجحدَني، فقدمت إِلى النبي ﷺ ، فقال لي ﷺ : «أَلَكَ بَيِّنةٌ»؟ قلت: لا، فقال لليهودي: «أَتحلف»؟ قلت: يا رسول الله إِذاً يَحلِفُ ويذهبُ مالي، فأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِيْنَ يَشْتَرُوْنَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأَيْمَانِهِمْ ثَمَنَاً قَلِيْلاً﴾ (١) … الآية.
(وإِن لم يُقِمِ البينَة حَلَّفَهَ) القاضي (إِنْ طلبه) أَي الحَلِف (خصمُه) لأن اليمين حقُّهُ فلا بد من طلبِه، (فإِن نَكَلَ مرةً) بأَن قال: لا أَحلفُ (أَوْ سَكَتَ بلا آفَةٍ) من طَرَشٍ أَوْ خَرَسٍ (وقضى) القاضي (بالنُّكُوْلِ، صَحَّ)، لأن النكولَ دل على كونه مُقِرَّاً، إِذْ لولا ذلك لأقْدَمَ على اليمين أَداءً للواجب، ودفعاً للضرر عن نفسه، لأن اليمينَ واجبةٌ عليه، لقوله ﷺ : «اليمين على المُدَّعى عليه» (٢) (وعَرَضَ اليمينَ) على المُدَّعى عليه (ثلاثاً) يقول في كل مرةٍ: إِني أَعرِضُ عليك اليمينَ، فإِن حلفتَ وإِلا قضيتُ عليك.
(ثم القضاءُ) بعد ذلك (أَحْوَطُ) لما فيه من المبالغةِ في الإنذار، فهو نظيرُ إِمهال المُرْتَدّ ثلاثةَ أَيام في أَنه مستحب. فعرضُ اليمينِ مُبتدأ، والقضاء عطف عليه، وأَحوط: خبر المبتدأ. وهذا عند الجمهور، وقيل: عند أَبي حنيفة ندب، وعنهما أَنه حتم. ثم القائل بعد الدَّعوى عليه: لا أُقر ولا أُنكر، يُحبس عند أَبي حنيفة حتى يُقر أَوْ
стр. 1471
ولا تُرَدّ اليمينُ على مُدَّعٍ، وإِنْ نَكَلَ خصمُه،
===
يُنكر، إِذْ لا تحليف مع قوله: لا أُنكر، لقوله ﷺ : «واليمين على من أَنكر» (١) . وقالا: يحلف، كمالك والشافعي، لأنَّ قَوْلَيه لمَّا تَعَارَضَا تَسَاقَطَا، فصار كالساكِتِ.
وفي «المُجْتبى»: يُشترط أَنْ يكونَ القضاءُ على فور النكول عند بعض المشايخ. وقال الخَصَّاف: لا يشترط، حتى لو استمهلَهُ (٢) بعد العَرْض يوماً أَوْ يومين أَوْ ثلاثاً فلا بأْس به، وهو قول مالك والشافعي وأَحمد. وفي «الفصول»: لو كان الاستحلاف عند غير القاضي، كان المُدَّعي على دعواه، لأن المعتبرَ يمينٌ قاطعة للخصومة، وهي اليمينُ عند القاضي. والفتوى على سماعِ البينة بعد يمين الخصم. وإِنما نأخذ في ذلك بفعل عمر ﵁، فإِنه جَوَّز قَبُول بَيِّنَة المُدَّعي بعد حَلِفِ المُدَّعى عليه، وبقول شُرَيْح: اليمينُ الفاجرةُ أَحق بالرَّدِ من البينة العادلة.
(ولا تُرَدّ اليمينُ على مُدَّعٍ، وإِنْ نَكَلَ خصمُه). وقال مالك والشافعي: لا يُقضى بالنكول، بل بردّ اليمين على المُدَّعي، لأن النكولَ يحتملُ التورع عن اليمين الكاذبة والترفع عن الصادقة، كما فعله عثمان، ويُحْتمل أَنْ يكون لاشتباه الحال، ومع هذا الاحتمال لا يكون حجة. ويمين المُدَّعي دليل الظهور، كما كانت يمين المُدَّعى عليه، فيصار إليه.
ولنا ما في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لو يُعطى الناسُ بدَعْوَاهم لادَّعى رجالٌ أَموالَ قوم ودماءَهم، لكنَّ البَيِّنَةَ على المُدَّعِي واليمين على المُدَّعى عليه». وفي رواية: «اليمينُ على من أَنكر». وفي رواية البيهقي عن ابن عمرو (٣) بلفظ: «المدعى عليه أَولى باليمين، إِلا أَنْ تقوم عليه البينة».
ووجه الدلالة أَنه ﷺ قَسَم، والقِسْمةُ تنافي الشركة، فدل على أَنْ جنس الأيمان في جانب المُدَّعى عليه، ولا يمين في جانب المُدَّعي، إِذْ الألف واللام لاستغراق الجنس، فمن جَعَلَ بعض الأيمان حجة للمُدَّعي فقد خالف هذا الحديث الذي تلقته
стр. 1472
ولا يَحْلِفُ في نِكِاحٍ ورَجْعةٍ، وفَيْءِ إِيلاء، واستيلادٍ، ورِقٍ، وَنسَبٍ، ووَلاءٍ، وحَدٍ، ولِعَانٍ،
===
(الأمة) (١) بالقَبُول، حتى صار في حيز التواتر. وقد ادعى بعضُ أَهل الأصول أَنه مخالفٌ لقوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيْدَيْنِ من رِجَالِكم﴾ (٢) … الآية فيكون مردوداً. وروى ابن أَبي شيبة في «مصنفه» عن سالم أَنْ ابن عمر باع غلاماً له بثلاث مئة درهم، فوجد به المشتري عيباً، فخاصمه إِلى عثمان فقال له عثمان: تحلف أَنك بعته بالبَرَاءة، فأَبى أَنْ يحلفَ، فردّه عثمان عليه.
وَرَوَى أَيضاً عن ابن أَبي مُلْيكة عن ابن عباس أَنه أَمره أَنْ يستحلف امرأَة، فأَبت أَنْ تحلفَ، فأَلزمها. وَرَوَى أَيضاً عن الحارث قال: نكل رجلٌ عند شُرَيْح عن اليمين، فقضى شريحٌ عليه، فقال الرجل: أَنا أَحلف، فقال شُرَيْح: قد مضى قضائي. ويُبْتَنَى على هذا امتناع (٣) القضاء بشاهد ويمين. وقال مالك والشافعي وأَحمد: يقضى بهما، لما روى مسلم عن ابن عباس أَنْ رسول الله ﷺ قضى بشاهدٍ ويمين. وأُجيبَ بأَنه منقطع. وقال الترمذي في «علله الكبير»: سأَلت محمداً عن هذا الحديث، فقال: إِنْ عمرو بن دينار لم يسمعه من ابن عباس، ولو سُلِّم فمِثْلُ هذه العبارة لا تفيدُ العمومَ، لأن الحجةَ في المحْكِيِّ لا في الحكاية، إِذْ المحكيُّ قد يكونُ خاصاً.
(ولا يَحِلِفُ) عند أَبي حنيفة (في نِكِاحٍ) بأَن ادّعى رجل على امرأَة أَنه تزوجها وأَنكرت أَوْ بالعكس (و) لا في (رجعةٍ) بأَن ادّعى بعد الطلاق وانقضاء العدة أَنه راجع فيها وأَنكرته أَوْ بالعكس (و) لا في (فَيْء) بفتح فاء فسكون ياء فهمز، أَي رجوع (إِيلاء) بأَن ادّعى بعد مدة الإيلاء أَنه فاء إِليها في المدة وأَنكرت أَوْ بالعكس (و) لا في (استيلاد) بأَن ادّعت أَمة على مولاها أَنها أَمُ ولد له وهذا ابنه منها فأَنكر المولى، ولا يتأَتَّى العكس، لأن المَوْلى إِذا ادَّعى أَنها أَمُ ولد يثبت الاستيلاد بإِقراره ولا يُلْتَفَتُ إِلى إِنكارها (و) لا في (رقٍ) بأَن ادّعى رجلٌ على مجهولٍ أَنه عبدُهُ أَوْ ادّعى المجهولُ ذلك.
(و) لا في (نَسَبٍ) كإِن ادّعى رجلٌ على آخر أَنه ولدُهُ (و) لا في (وَلاءٍ) بأَن ادّعى رجلٌ على آخر أَنْ له عليه ولاء عَتَاقٍ أَوْ مُوَالاة أَوْ بالعكس (و) لا في (حدٍ) بأَن ادّعى على آخر ما يوجب الحد وأَنكر (و) لا في (لعانٍ) بأَن ادّعت امرأَة على زوجها
стр. 1473
إِلَّا إِذا ادّعى في النكاح والنَّسَب مالًا، كَمَهْرٍ ونَفَقَة وإِرثٍ.
وحَلَفَ السَّارِقُ، وضَمِنَ إِنْ نَكَلَ، ولم يُقْطَعْ، والزَّوجُ إِذا ادّعتْ طلاقًا، فَيثبُتُ إِنْ نَكَلَ نِصْف المَهْر أَو كله. وكذا مُنْكِرُ القَوَدِ، فإنْ نَكَلَ في النَّفْسِ، حُبِسَ حتى يُقِرَّ أَو يَحْلف، وفِيمَا دُوْنَهَا يُقْتَصُّ.
وإِنْ قال: لي بَينَةٌ حاضرة، وطَلَبَ حَلِفَ الخَصْمِ لا يُحلَّفُ. ويُكَفِّلُ بِنَفْسه ثلاثةَ أَيامٍ.
===
أَنه قَذَفَهَا بما يُوجب اللِّعان وأَنكر. وقال أَبو يوسف ومحمد: يَحْلِفُ في ذلك كلِّه إِلا في الحد واللعان. وقال الشافعي: يحلف في حدِّ القذفِ والقِصَاصِ، ولا يحلف في باقي الحدود. وقال مالك وأَحمد: لا يجري التحالف فيما لا يثبت إِلا بشاهدين.
وفي «جامع قاضيخان» و «الواقعات» و «الفصول»: الفتوى على قولِهِما، وهو اختيار فخرِ الإسلام. قيل: وهو اختيار المتأخرين.
(إِلاَّ إِذا ادّعى في النكاح والنسب مالاً، كمهر ونفقةٍ وإِرثٍ) فإِنه يحلِفُ اتفاقاً (وحَلَفَ السَّارِقُ، وضَمِنَ إِنْ نَكَلَ ولم يُقْطَعْ) لأن مُوْجبَ فعله شيئان: أَحدهما: الضمان، وهو يَجِبُ مع الشبهة، فيجب بالنكول. وثانيهما: القطع وهو لا يجبُ مع الشبهة، فلا يجب بالنكول (و) حَلَفَ (الزوجُ إِذا ادّعت) المرأَة (طلاقاً) لأن مقصودها المالُ، والاستحلاف يجري في المال بالاتفاق (فيثبتُ إِنْ نكل نِصْف المهر) إِنْ ادّعت الطلاقَ قبل الدخول (أَوْ كله) إِنْ ادّعت الطلاق بعد الدخول.
(وكذا) يَحْلِفُ (منكرُ القَوَد، فإِن نَكَلَ في النفسِ حُبِسَ حتى يُقرَّ أَوْ يحلف) ولا يُقتص منه، وبه قال أَحمد. وقال مالك والشافعي وأَحمد في رواية: يُقتصُّ منه بعد حَلِفِ المُدَّعي (وفِيْمَا دُوْنَهَا) أَي دون النفس (يُقْتصّ) وبه قال مالك والشافعي بعد حلف المُدَّعي وأَحمد في رواية. وقال أَبو يوسف ومحمد: يجبُ عليه الأَرْش (١) في النفس وفيما دونها.
(وإِنْ قال) المُدَّعي: (لي بينةٌ حاضرةٌ، وطَلَبَ حَلِفَ الخَصْمِ لا يحلف) عند أَبي حنيفة. وقال أَبو يوسف: يحلِف. ومحمدٌ مع أَبي حنيفة في رواية، ومع أَبي يوسف في أَخرى. وهذا الخلاف إِذا كانت البينةُ حاضرةً في المِصْر غائبةً عن مجلِسِ الحكم، حتى لو كانت غائبةً عن المِصْر، يَحْلِفُ بالاتفاق، أَوْ كانت في مجلس الحُكْم، لا يحلِف اتفاقاً.
(ويُكَفِّلُ) أَي يقيمُ كفيلاً (بنفسه ثلاثة أَيام) كي لا يُغيِّبَ
стр. 1474
فإن أَبَى، لازَمَه والغَرِيْبَ قَدْرَ مجلسِ الحُكْمِ.
ولا يُكفِّلُ إِلا إِلى آخر المَجْلِس.
والحَلِف بالله تعالى لا بالطلاقِ والعَتَاق. فإن أَلحَّ الخَصْمُ قيل: صَحَّ بِهِمَا في زماننا.
===
نفسه، فيضيع حق المُدَّعي. والقياس أَنْ لا يُكَفِّل قبل إِقامة البينة، لعدم تعلق حقِ المُدَّعي حينئذٍ، وهو مذهب الشافعي. والتقديرُ بثلاثةِ أَيام مرويٌ عن أَبي حنيفة، وهو الصحيح. وعن أَبي يوسف: التقديرُ بما بين مجلسي القاضي.
أَما لو قال: ليس له بينةٌ، أَوْ: شُهُودي غُيَّبٌ، لا يُجْبَرُ الخصمُ على إِقامة الكفيلِ، لأن الغائب كالهالك، والاستحلاف في الحال ممكن.
ولو قال: لا بينة لي عليه ولا شهادة، ثم أَقام المُدَّعي البينةَ أَوْ شهد الشاهدُ قُبِلَت في الأصح، لإمكان التوفيق: بأَن كان له شهودٌ لا يَعلمُ بهم، أَوْ تَذَكَّرَهم بعد ما نسيهم، أَوْ تذكَّرَ الشاهدُ. وقيل: لا يقبلُ لظاهِرِ التناقض. ولو باع عَقَارَاً وقَرِيْبُهُ حَاضرٌ يعلم البيعَ، ثم ادّعَاه لا يَسمع دعواه، لأنه بسكوتِهِ أَولاً صار مصدِّقاً على صحة البيع، وبدعواه ثانياً يصير متناقضاً.
(فإِن أَبى) الخصمُ أَنْ يقيمَ كفيلاً بنفسه (لَازَمَه) المُدَّعي، أَي دار معه حيث سار، كيلا يغيبَ، فيذهب حقُهُ (و) لازم (الغَرِيْبَ قَدْرَ مجلسِ الحُكْمِ) أَي إِلى أَنْ يقوم القاضي من مجلِسِه.
(ولا يُكفِّلُ) الغريب (إِلا إِلى آخِر المجلس) لأن في أَخذ الكفيل منه وفي الملازمة له أَكثر من مجلس القاضي إِضراراً له بالمنع عن سفره (والحَلِف بالله تعالى لا بالطلاق والعَتَاق) لما في الصحيحين من حديث ابن عمر أَنْ النبي ﷺ قال: «من كان حالفاً فليحلف بالله أَوْ ليَصْمُت». وفي رواية أَبي داود وغيره: أَنه ﷺ قال: «إِنْ الله نَهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بآبائكم، فمن كان حَالِفَاً فليحلف بالله أَوْ ليسكت».
(فإِن أَلحّ الخصمُ) أَي أَكدَّ وبالغ (قيل: صح) التَّحْلِيْفُ (بهما في زماننا) لقلة مُبالاة الناس باليمين بالله تعالى وكثرةِ الامتناع عن الحَلِفِ بالطلاق والعتاق، لكن إِنْ نَكَلَ لا يُقضى عليه بالنكول، لأنه امتنع عما هو منهيٌ عنه شرعاً، ولو قُضِيَ عليه بالنكول لا يَنْفُذ. ولو طلب المُدَّعى عليه تحليفَ الشاهد أَوْ المُدَّعي: أَنه لا يعلمُ أَنْ الشاهدَ كاذبٌ، لا يُجيبُه القاضي، لأنا مأمورون بإِكرام الشهود والمُدَّعي لا يجبُ عليه اليمين، لا سيما إِذا أَقام بينةً.
стр. 1475
ويُغلِّظُ بصِفَاتِهِ تَعَالى، لا بالزَّمَانِ والمَكانِ.
وحُلِّف اليَهُودِيُّ بالله الذِي أَنْزَلَ التْوَرَاةَ على مُوسَى، والنَّصْرانيُّ بالله الذِي أَنْزَلَ الإنْجِيلَ على عِيسَى، والمَجُوسِيُّ بالله الذِي خَلَقَ النَّارَ، والوَثَنِيّ بالله، ولا يُحلّفُ في معابِدِهم.
===
(ويُغلِّظُ) اليمينَ (بصِفَاتِهِ تَعَالى) مثل: والله الذي لا إِله إِلا هو، عالمُ الغيبِ والشهادَةِ، هو الرحمن الرحيم، الذي يعلمُ من السِّرِّ ما يَعْلم من العلانية ما لفلانٍ هذا عليك ولا قِبَلَك هذا المال الذي ادّعاه، وهو كذا وكذا، ولا شيء منه؟ ويزيد على هذا التغليظ إِنْ شاء وله أَنْ ينقص منه. ويحترزُ عن عطف بعض الأسماء على بعض، لئلا يتكرر عليه اليمين. ولو غَلَّظَ عليه فَنَكَلَ عن التغليظ وحلف من غير تغليظ، لا يُقضى عليه بهذا النكول، لأن المقصودَ الحلفُ بالله تعالى، وقد حصل.
(لا بالزَّمَان) أَي لا يغلِّظُ اليمينَ بالزمان، كبعد العصر يوم الجمعة (والمكان) كمِنْبر النبي ﷺ والحَجَر الأسود. وبه قال أَحمد والشافعي في قولٍ. وقيل: يُستحب التغليظُ بالزمان وبالمكان، وبه قال مالك فيما ليس بمال ولا القصد منه المال، لقوله ﷺ : «لا يَحْلِفُ أَحدٌ عند مِنْبري هذا على يمينٍ آثمةٍ، ولو على سواك أَخضرٍ، إِلاّ تبوَّأَ مقعده من النار، أَوْ وجبت له النار». رواه مالك وأَبو داود. ولنا قوله ﷺ : «اليمين على من أَنكر» (١) . فالتخصيصُ بالمكان والزمانِ لُزوماً زيادة عليه.
(وحُلِّف اليهوديّ بالله الذي أَنزل التوراة على موسى، والنَّصراني بالله الذي أَنزل الإنجيل على عيسى) لما روى أَبو داود عن أَبي هريرة أَنْ رسول الله ﷺ قال لليهود: «أَنشدكم بالله الذي أَنْزَلَ التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على مَنْ زَنَى؟»، ولأن اليهود يعتقدون نبوةَ موسى، والنَّصارى نبوةَ عيسى، فيُغلِّظُ على كل واحد منهما بذكر المُنْزَل على نبيِّه. (و) حُلِّف (المجوسيّ بالله الذي خَلَقَ النارَ) لأنه يعظمُهَا فيخاف بِذِكْرها. ذكره محمد في «الأصل» كما في «الهداية». وذكر الخَصَّاف أَنه لا يُحَلَّف المجُوسي إِلا بالله وهو اختيار بعض المشايخ، لأن في ذكر النار مع اسم الله تعالى تعظيماً لشأنها، وما ينبغي أَنْ تُعظَّم، بخلاف الكتابين، فإِنَّ كُتُبَ اللهاِ مُعَظَمة.
(و) حُلِّف (الوَثَنِيّ بالله) لأن الكَفَرَة بأَسرهم يُقِرُّون بالله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّموات والأرْضَ لَيَقُوْلُنَّ اللَّهُ﴾ (٢) .
(ولا يُحلّف) أَحدٌ منهم (في معابِدِهم) لأن فيه تعظيمها، ولأن القاضي لا يَحْضُرها، لأنه ممنوعٌ من دُخولها.