ولا تُرَدّ اليمينُ على مُدَّعٍ، وإِنْ نَكَلَ خصمُه،
===
يُنكر، إِذْ لا تحليف مع قوله: لا أُنكر، لقوله ﷺ : «واليمين على من أَنكر» (١) . وقالا: يحلف، كمالك والشافعي، لأنَّ قَوْلَيه لمَّا تَعَارَضَا تَسَاقَطَا، فصار كالساكِتِ.
وفي «المُجْتبى»: يُشترط أَنْ يكونَ القضاءُ على فور النكول عند بعض المشايخ. وقال الخَصَّاف: لا يشترط، حتى لو استمهلَهُ (٢) بعد العَرْض يوماً أَوْ يومين أَوْ ثلاثاً فلا بأْس به، وهو قول مالك والشافعي وأَحمد. وفي «الفصول»: لو كان الاستحلاف عند غير القاضي، كان المُدَّعي على دعواه، لأن المعتبرَ يمينٌ قاطعة للخصومة، وهي اليمينُ عند القاضي. والفتوى على سماعِ البينة بعد يمين الخصم. وإِنما نأخذ في ذلك بفعل عمر ﵁، فإِنه جَوَّز قَبُول بَيِّنَة المُدَّعي بعد حَلِفِ المُدَّعى عليه، وبقول شُرَيْح: اليمينُ الفاجرةُ أَحق بالرَّدِ من البينة العادلة.
(ولا تُرَدّ اليمينُ على مُدَّعٍ، وإِنْ نَكَلَ خصمُه). وقال مالك والشافعي: لا يُقضى بالنكول، بل بردّ اليمين على المُدَّعي، لأن النكولَ يحتملُ التورع عن اليمين الكاذبة والترفع عن الصادقة، كما فعله عثمان، ويُحْتمل أَنْ يكون لاشتباه الحال، ومع هذا الاحتمال لا يكون حجة. ويمين المُدَّعي دليل الظهور، كما كانت يمين المُدَّعى عليه، فيصار إليه.
ولنا ما في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لو يُعطى الناسُ بدَعْوَاهم لادَّعى رجالٌ أَموالَ قوم ودماءَهم، لكنَّ البَيِّنَةَ على المُدَّعِي واليمين على المُدَّعى عليه». وفي رواية: «اليمينُ على من أَنكر». وفي رواية البيهقي عن ابن عمرو (٣) بلفظ: «المدعى عليه أَولى باليمين، إِلا أَنْ تقوم عليه البينة».
ووجه الدلالة أَنه ﷺ قَسَم، والقِسْمةُ تنافي الشركة، فدل على أَنْ جنس الأيمان في جانب المُدَّعى عليه، ولا يمين في جانب المُدَّعي، إِذْ الألف واللام لاستغراق الجنس، فمن جَعَلَ بعض الأيمان حجة للمُدَّعي فقد خالف هذا الحديث الذي تلقته
стр. 1472
ولا يَحْلِفُ في نِكِاحٍ ورَجْعةٍ، وفَيْءِ إِيلاء، واستيلادٍ، ورِقٍ، وَنسَبٍ، ووَلاءٍ، وحَدٍ، ولِعَانٍ،
===
(الأمة) (١) بالقَبُول، حتى صار في حيز التواتر. وقد ادعى بعضُ أَهل الأصول أَنه مخالفٌ لقوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيْدَيْنِ من رِجَالِكم﴾ (٢) … الآية فيكون مردوداً. وروى ابن أَبي شيبة في «مصنفه» عن سالم أَنْ ابن عمر باع غلاماً له بثلاث مئة درهم، فوجد به المشتري عيباً، فخاصمه إِلى عثمان فقال له عثمان: تحلف أَنك بعته بالبَرَاءة، فأَبى أَنْ يحلفَ، فردّه عثمان عليه.
وَرَوَى أَيضاً عن ابن أَبي مُلْيكة عن ابن عباس أَنه أَمره أَنْ يستحلف امرأَة، فأَبت أَنْ تحلفَ، فأَلزمها. وَرَوَى أَيضاً عن الحارث قال: نكل رجلٌ عند شُرَيْح عن اليمين، فقضى شريحٌ عليه، فقال الرجل: أَنا أَحلف، فقال شُرَيْح: قد مضى قضائي. ويُبْتَنَى على هذا امتناع (٣) القضاء بشاهد ويمين. وقال مالك والشافعي وأَحمد: يقضى بهما، لما روى مسلم عن ابن عباس أَنْ رسول الله ﷺ قضى بشاهدٍ ويمين. وأُجيبَ بأَنه منقطع. وقال الترمذي في «علله الكبير»: سأَلت محمداً عن هذا الحديث، فقال: إِنْ عمرو بن دينار لم يسمعه من ابن عباس، ولو سُلِّم فمِثْلُ هذه العبارة لا تفيدُ العمومَ، لأن الحجةَ في المحْكِيِّ لا في الحكاية، إِذْ المحكيُّ قد يكونُ خاصاً.
(ولا يَحِلِفُ) عند أَبي حنيفة (في نِكِاحٍ) بأَن ادّعى رجل على امرأَة أَنه تزوجها وأَنكرت أَوْ بالعكس (و) لا في (رجعةٍ) بأَن ادّعى بعد الطلاق وانقضاء العدة أَنه راجع فيها وأَنكرته أَوْ بالعكس (و) لا في (فَيْء) بفتح فاء فسكون ياء فهمز، أَي رجوع (إِيلاء) بأَن ادّعى بعد مدة الإيلاء أَنه فاء إِليها في المدة وأَنكرت أَوْ بالعكس (و) لا في (استيلاد) بأَن ادّعت أَمة على مولاها أَنها أَمُ ولد له وهذا ابنه منها فأَنكر المولى، ولا يتأَتَّى العكس، لأن المَوْلى إِذا ادَّعى أَنها أَمُ ولد يثبت الاستيلاد بإِقراره ولا يُلْتَفَتُ إِلى إِنكارها (و) لا في (رقٍ) بأَن ادّعى رجلٌ على مجهولٍ أَنه عبدُهُ أَوْ ادّعى المجهولُ ذلك.
(و) لا في (نَسَبٍ) كإِن ادّعى رجلٌ على آخر أَنه ولدُهُ (و) لا في (وَلاءٍ) بأَن ادّعى رجلٌ على آخر أَنْ له عليه ولاء عَتَاقٍ أَوْ مُوَالاة أَوْ بالعكس (و) لا في (حدٍ) بأَن ادّعى على آخر ما يوجب الحد وأَنكر (و) لا في (لعانٍ) بأَن ادّعت امرأَة على زوجها
стр. 1473
إِلَّا إِذا ادّعى في النكاح والنَّسَب مالًا، كَمَهْرٍ ونَفَقَة وإِرثٍ.
وحَلَفَ السَّارِقُ، وضَمِنَ إِنْ نَكَلَ، ولم يُقْطَعْ، والزَّوجُ إِذا ادّعتْ طلاقًا، فَيثبُتُ إِنْ نَكَلَ نِصْف المَهْر أَو كله. وكذا مُنْكِرُ القَوَدِ، فإنْ نَكَلَ في النَّفْسِ، حُبِسَ حتى يُقِرَّ أَو يَحْلف، وفِيمَا دُوْنَهَا يُقْتَصُّ.
وإِنْ قال: لي بَينَةٌ حاضرة، وطَلَبَ حَلِفَ الخَصْمِ لا يُحلَّفُ. ويُكَفِّلُ بِنَفْسه ثلاثةَ أَيامٍ.
===
أَنه قَذَفَهَا بما يُوجب اللِّعان وأَنكر. وقال أَبو يوسف ومحمد: يَحْلِفُ في ذلك كلِّه إِلا في الحد واللعان. وقال الشافعي: يحلف في حدِّ القذفِ والقِصَاصِ، ولا يحلف في باقي الحدود. وقال مالك وأَحمد: لا يجري التحالف فيما لا يثبت إِلا بشاهدين.
وفي «جامع قاضيخان» و «الواقعات» و «الفصول»: الفتوى على قولِهِما، وهو اختيار فخرِ الإسلام. قيل: وهو اختيار المتأخرين.
(إِلاَّ إِذا ادّعى في النكاح والنسب مالاً، كمهر ونفقةٍ وإِرثٍ) فإِنه يحلِفُ اتفاقاً (وحَلَفَ السَّارِقُ، وضَمِنَ إِنْ نَكَلَ ولم يُقْطَعْ) لأن مُوْجبَ فعله شيئان: أَحدهما: الضمان، وهو يَجِبُ مع الشبهة، فيجب بالنكول. وثانيهما: القطع وهو لا يجبُ مع الشبهة، فلا يجب بالنكول (و) حَلَفَ (الزوجُ إِذا ادّعت) المرأَة (طلاقاً) لأن مقصودها المالُ، والاستحلاف يجري في المال بالاتفاق (فيثبتُ إِنْ نكل نِصْف المهر) إِنْ ادّعت الطلاقَ قبل الدخول (أَوْ كله) إِنْ ادّعت الطلاق بعد الدخول.
(وكذا) يَحْلِفُ (منكرُ القَوَد، فإِن نَكَلَ في النفسِ حُبِسَ حتى يُقرَّ أَوْ يحلف) ولا يُقتص منه، وبه قال أَحمد. وقال مالك والشافعي وأَحمد في رواية: يُقتصُّ منه بعد حَلِفِ المُدَّعي (وفِيْمَا دُوْنَهَا) أَي دون النفس (يُقْتصّ) وبه قال مالك والشافعي بعد حلف المُدَّعي وأَحمد في رواية. وقال أَبو يوسف ومحمد: يجبُ عليه الأَرْش (١) في النفس وفيما دونها.
(وإِنْ قال) المُدَّعي: (لي بينةٌ حاضرةٌ، وطَلَبَ حَلِفَ الخَصْمِ لا يحلف) عند أَبي حنيفة. وقال أَبو يوسف: يحلِف. ومحمدٌ مع أَبي حنيفة في رواية، ومع أَبي يوسف في أَخرى. وهذا الخلاف إِذا كانت البينةُ حاضرةً في المِصْر غائبةً عن مجلِسِ الحكم، حتى لو كانت غائبةً عن المِصْر، يَحْلِفُ بالاتفاق، أَوْ كانت في مجلس الحُكْم، لا يحلِف اتفاقاً.
(ويُكَفِّلُ) أَي يقيمُ كفيلاً (بنفسه ثلاثة أَيام) كي لا يُغيِّبَ
стр. 1474
فإن أَبَى، لازَمَه والغَرِيْبَ قَدْرَ مجلسِ الحُكْمِ.
ولا يُكفِّلُ إِلا إِلى آخر المَجْلِس.
والحَلِف بالله تعالى لا بالطلاقِ والعَتَاق. فإن أَلحَّ الخَصْمُ قيل: صَحَّ بِهِمَا في زماننا.
===
نفسه، فيضيع حق المُدَّعي. والقياس أَنْ لا يُكَفِّل قبل إِقامة البينة، لعدم تعلق حقِ المُدَّعي حينئذٍ، وهو مذهب الشافعي. والتقديرُ بثلاثةِ أَيام مرويٌ عن أَبي حنيفة، وهو الصحيح. وعن أَبي يوسف: التقديرُ بما بين مجلسي القاضي.
أَما لو قال: ليس له بينةٌ، أَوْ: شُهُودي غُيَّبٌ، لا يُجْبَرُ الخصمُ على إِقامة الكفيلِ، لأن الغائب كالهالك، والاستحلاف في الحال ممكن.
ولو قال: لا بينة لي عليه ولا شهادة، ثم أَقام المُدَّعي البينةَ أَوْ شهد الشاهدُ قُبِلَت في الأصح، لإمكان التوفيق: بأَن كان له شهودٌ لا يَعلمُ بهم، أَوْ تَذَكَّرَهم بعد ما نسيهم، أَوْ تذكَّرَ الشاهدُ. وقيل: لا يقبلُ لظاهِرِ التناقض. ولو باع عَقَارَاً وقَرِيْبُهُ حَاضرٌ يعلم البيعَ، ثم ادّعَاه لا يَسمع دعواه، لأنه بسكوتِهِ أَولاً صار مصدِّقاً على صحة البيع، وبدعواه ثانياً يصير متناقضاً.
(فإِن أَبى) الخصمُ أَنْ يقيمَ كفيلاً بنفسه (لَازَمَه) المُدَّعي، أَي دار معه حيث سار، كيلا يغيبَ، فيذهب حقُهُ (و) لازم (الغَرِيْبَ قَدْرَ مجلسِ الحُكْمِ) أَي إِلى أَنْ يقوم القاضي من مجلِسِه.
(ولا يُكفِّلُ) الغريب (إِلا إِلى آخِر المجلس) لأن في أَخذ الكفيل منه وفي الملازمة له أَكثر من مجلس القاضي إِضراراً له بالمنع عن سفره (والحَلِف بالله تعالى لا بالطلاق والعَتَاق) لما في الصحيحين من حديث ابن عمر أَنْ النبي ﷺ قال: «من كان حالفاً فليحلف بالله أَوْ ليَصْمُت». وفي رواية أَبي داود وغيره: أَنه ﷺ قال: «إِنْ الله نَهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بآبائكم، فمن كان حَالِفَاً فليحلف بالله أَوْ ليسكت».
(فإِن أَلحّ الخصمُ) أَي أَكدَّ وبالغ (قيل: صح) التَّحْلِيْفُ (بهما في زماننا) لقلة مُبالاة الناس باليمين بالله تعالى وكثرةِ الامتناع عن الحَلِفِ بالطلاق والعتاق، لكن إِنْ نَكَلَ لا يُقضى عليه بالنكول، لأنه امتنع عما هو منهيٌ عنه شرعاً، ولو قُضِيَ عليه بالنكول لا يَنْفُذ. ولو طلب المُدَّعى عليه تحليفَ الشاهد أَوْ المُدَّعي: أَنه لا يعلمُ أَنْ الشاهدَ كاذبٌ، لا يُجيبُه القاضي، لأنا مأمورون بإِكرام الشهود والمُدَّعي لا يجبُ عليه اليمين، لا سيما إِذا أَقام بينةً.
стр. 1475
ويُغلِّظُ بصِفَاتِهِ تَعَالى، لا بالزَّمَانِ والمَكانِ.
وحُلِّف اليَهُودِيُّ بالله الذِي أَنْزَلَ التْوَرَاةَ على مُوسَى، والنَّصْرانيُّ بالله الذِي أَنْزَلَ الإنْجِيلَ على عِيسَى، والمَجُوسِيُّ بالله الذِي خَلَقَ النَّارَ، والوَثَنِيّ بالله، ولا يُحلّفُ في معابِدِهم.
===
(ويُغلِّظُ) اليمينَ (بصِفَاتِهِ تَعَالى) مثل: والله الذي لا إِله إِلا هو، عالمُ الغيبِ والشهادَةِ، هو الرحمن الرحيم، الذي يعلمُ من السِّرِّ ما يَعْلم من العلانية ما لفلانٍ هذا عليك ولا قِبَلَك هذا المال الذي ادّعاه، وهو كذا وكذا، ولا شيء منه؟ ويزيد على هذا التغليظ إِنْ شاء وله أَنْ ينقص منه. ويحترزُ عن عطف بعض الأسماء على بعض، لئلا يتكرر عليه اليمين. ولو غَلَّظَ عليه فَنَكَلَ عن التغليظ وحلف من غير تغليظ، لا يُقضى عليه بهذا النكول، لأن المقصودَ الحلفُ بالله تعالى، وقد حصل.
(لا بالزَّمَان) أَي لا يغلِّظُ اليمينَ بالزمان، كبعد العصر يوم الجمعة (والمكان) كمِنْبر النبي ﷺ والحَجَر الأسود. وبه قال أَحمد والشافعي في قولٍ. وقيل: يُستحب التغليظُ بالزمان وبالمكان، وبه قال مالك فيما ليس بمال ولا القصد منه المال، لقوله ﷺ : «لا يَحْلِفُ أَحدٌ عند مِنْبري هذا على يمينٍ آثمةٍ، ولو على سواك أَخضرٍ، إِلاّ تبوَّأَ مقعده من النار، أَوْ وجبت له النار». رواه مالك وأَبو داود. ولنا قوله ﷺ : «اليمين على من أَنكر» (١) . فالتخصيصُ بالمكان والزمانِ لُزوماً زيادة عليه.
(وحُلِّف اليهوديّ بالله الذي أَنزل التوراة على موسى، والنَّصراني بالله الذي أَنزل الإنجيل على عيسى) لما روى أَبو داود عن أَبي هريرة أَنْ رسول الله ﷺ قال لليهود: «أَنشدكم بالله الذي أَنْزَلَ التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على مَنْ زَنَى؟»، ولأن اليهود يعتقدون نبوةَ موسى، والنَّصارى نبوةَ عيسى، فيُغلِّظُ على كل واحد منهما بذكر المُنْزَل على نبيِّه. (و) حُلِّف (المجوسيّ بالله الذي خَلَقَ النارَ) لأنه يعظمُهَا فيخاف بِذِكْرها. ذكره محمد في «الأصل» كما في «الهداية». وذكر الخَصَّاف أَنه لا يُحَلَّف المجُوسي إِلا بالله وهو اختيار بعض المشايخ، لأن في ذكر النار مع اسم الله تعالى تعظيماً لشأنها، وما ينبغي أَنْ تُعظَّم، بخلاف الكتابين، فإِنَّ كُتُبَ اللهاِ مُعَظَمة.
(و) حُلِّف (الوَثَنِيّ بالله) لأن الكَفَرَة بأَسرهم يُقِرُّون بالله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّموات والأرْضَ لَيَقُوْلُنَّ اللَّهُ﴾ (٢) .
(ولا يُحلّف) أَحدٌ منهم (في معابِدِهم) لأن فيه تعظيمها، ولأن القاضي لا يَحْضُرها، لأنه ممنوعٌ من دُخولها.
стр. 1476
ويُحَلّفُ على الحاصِلِ نحو: بالله ما بينكما بَيعٌ قَائِمٌ، أَو: نِكَاحٌ قَائِمٌ في الحَالِ، أَو: ما هي بَائِنٌ مِنْكَ الآنَ، لا على السبب نحو: بالله ما بِعْتَهُ ونَحْوُهُ، إِلا أَنْ يَتَضَرَّرَ المُدَّعي، فَيَحْلِفُ على السبب، كَدَعوى شُفْعةٍ بالجوار، فإِنَّه يَحْلِفُ على مَذْهَبِ الشافعي أَنه لا يَجب الشُّفْعَةُ، وكذا في سببٍ لا يَتَكَرَّرُ، كعبدٍ مُسْلمٍ يَدَّعِي عِتقه على مُوْلاهُ، وفي الأَمَةِ والعَبدِ الكافِرِ على الحاصل.
ويُحلف على العِلْم مَنْ وَرِث شيئًا فادَّعَاهُ آخَرُ، ويُحَلَّفُ على البَتَاتِ إِنْ وَهَبَ له أَو اشتَرَاهُ.
===
(ويُحَلَّفُ على الحاصِلِ) عند أَبي حنيفة ومحمد في البيع، والنكاح، والطلاق، والغصب (نحو: بالله ما بينكما بيع قائم، أَوْ نكاح قائم في الحال، أَوْ ما هي بائن منك الآن) أَوْ ما يجب عليك رَدُّه الآن (لا على السبب) أَي لا يحلف على السبب، كما قال أَبو يوسف بأَن يقولَ في البيع (نحو: بالله ما بعته ونحوه) بأَن يقول في النكاح: بالله ما نكحت، وفي الطلاق: بالله ما طلَّقت، وفي الغصب: بالله ما غصبت.
(إِلا أَنْ يتضرَّر المُدَّعي، فيحلفُ على السبب) أَي باتفاق (كَدَعوى شُفَعةٍ بالجِوار، فإِنه) أَي المُدَّعى عليه ربما (يحلفُ على مذهب الشافعي أَنه لا تَجبُ الشفعة) بالجوار، فيصدَّقُ يمينهُ، فيكون في تحليفه على الحاصل تَرْكُ النَّظَر في جانب المُدَّعي.
(وكذا) يحلف على السبب باتفاق (في سببٍ لا يتكررُ، كعبد مسلم يدَعي عِتْقَه على مولاه، وفي الأَمة) الكافرة (والعبد الكافِرِ) إِذا ادّعى أَحدهُما العتقَ على مولاه، وأَنكر يُحَلَّفُ (على الحاصل) لأن الرِّق يتكررُ في الأمة بالسبي بعد الردة والالتحاق بدار الحرب، وفي العبدِ الكافرِ بالسبي بعد نقض العهد والالتحاق بدار الحرب، ولا يتكررُ في العبد المسلم، إِذْ لا يُقبل منه في الارتداد بعد السَّبْي إِلا الإسلام، أَوْ القتل.
(ويُحلف على العِلْم مَنْ ورث شيئاً فادّعاه آخر) ولا يُحلف على البتاتِ، لأن الوارِثَ لا يعلمُ بما فعل المُورِّث (ويُحَلَّف على البتاتِ إِنْ وَهَبَ له) شيء (أَوْ اشتراه) فادّعاه آخر، لأن الشِّراء وقَبُول الهبةِ سببٌ لثبوتِ المِلك بالاختيار، ولو لم يعلم أَنَّ العينَ ملكُ البائع أَوْ الواهبِ لما باشَرَ الشِّراء باختياره، ولا قَبِلَ الهبةَ، بخلاف المِلك في الإرث، فإِنه ثبت للوارث جبراً ولا عِلْم له بحال ملك المُوَرّث. والأصل في ذلك أَنّ اليمينَ إِنْ كانت على فِعْلِ الغير فهي على العِلْم، وإِن كانت على فعل النفس فهي على البتات.
стр. 1477
وصَحّ فِدَاءُ الحَلِفِ والصُّلْحُ عنه.
فصل في التحالف
ولو اختلفا في قَدْرِ الثَّمَن أَو المَبِيع، حَكَمَ لِمَنْ بَرْهَنَ، وإِن بَرْهَنَا فَلِمُثْبِتِ الزيادة، وإِنْ اختلفا فيهما، فحُجَّةُ البائع في الثمن، وحُجَّةُ المُشْتَرِي في المَبِيع،
===
(وصَحّ فِدَاءُ الحَلِفِ والصلح عنه) وليس له أَنْ يستحلفه بعد ذلك، لأنه سقط حقه من اليمين بأَخذ بدلها. خَصّ الفِداء والصُّلْح لأنه لو اشترى يمينَه منه لا يصح، وله أَنْ يستحلفَه، لأن الشراءَ عقدُ تمليك المال، واليمين ليست بمال. وقد رُوِيَ عن عثمان أَنه ادُّعِيَ عليه أَربعون درهماً، فأَعطى شيئاً وافتدى من يمينه ولم يَحْلِف. وعن حذيفة أَنه افتدى مِنْ يمينه بمال. ولأنه لو حَلَفَ يقع في القيل والقال، فإِن الناسَ بين مصدقٍ ومكذب، فإِذا افتدى من يمينه فقد صان عرضه وهو حسن. وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن مَعْمَر قال: سُئل الزُّهري عن الرجل يقع عليه اليمين فيريد أَنْ يفتدي من يمينه، فقال: كانوا يفعلون ذلك. وقد افتدى عبيد السهام وكان من الصحابة يمينه بعشرة آلاف، وذلك في إِمارة مروان والصحابةُ بالمدينة كثير.
ومن ظَفِرَ بجنسِ حقه أَخذَه بلا استئذان ولا حُكْم قاضٍ، لأن الديون تُقضى بأَمثالها، فكأَنه عينُ حقِّه، ولو ظَفِرَ بخلاف جنسه لا يأخذه عندنا إِلا بإِذن أَوْ حُكْم قاضٍ لاختلافهما حقيقة. وأَجازه مالك والشافعي لاتحادِهما في جنسِ المالية.
فصل في التحالف
كما في نُسخَة (ولو اختلفا في قَدْرِ الثمن) بأَن ادّعى البائع أَكثر مما اعترف به المشتري (أَوْ) اختلفا في قَدْر (المبيع) بأَن اعترف البائع بِقَدْر منه، وادّعى المشتري أَكثر من ذلك القَدْر (حَكَمَ لمن بَرْهَن) لأنه نوّر دَعواه بالبينة (وإِن برهنا) أَي أَقام كلُ واحدٍ منهما بيِّنَة على ما ادّعاه (فَلِمُثْبِتِ الزيادة) لأن البينة للإثبات، ولا معارضة في قَدْر ما اتفقا عليه ولا في الزيادة، ولأن البينةَ على الأقل وإِن نفت الزيادة، لكن الشهادة على النفي غير مسموعة، وزيادة الثقة مقبولة، كما أَنها حجة في الرواية.
(وإِنْ اختلفا فيهما) أَي في قَدْر الثمن وقدر المبيع (فحجةُ البائع في الثمن) أَولى (وحُجة المشتري في المبيع) أَولى نظراً إِلى زيادة الإثبات. أَما لو كان الاختلاف في جنس الثمن بأَن قال البائع: بعتك هذه الجارية بعبدك هذا، وقال المشتري: إِنما اشتريتها منك بمئة دينار، وأَقاما البينة لزم المشتري البيع بالعبد، فتقبل بينة البائع دون المشتري، لأن حقَ المشتري في الجارية ثابت باتفاقهما، وإِنما
стр. 1478
وإِنْ عَجَزَا رَضِيَ كلٌّ بزيادة يدّعيها الآخر وإِلا تحالفا، وحَلفَ المشتري أَوّلًا
===
الاختلاف في حق البائع، وبينتُهُ تُثبتُ الحقَ لنفسه في العبد، وبينةُ المشتري تنفي ذلك، والبينة للإثبات دون النفي (وإِنْ عَجَزَا) في الصور الثلاث عن إِقامة البينة، قيل للمشتري فيما إِذا كان الاختلاف في قدر الثمن: إِما أَنْ ترضى بالثمن الذي ادّعاه البائع وإِلا فسخنا البيعَ، وقيل للبائع فيما إِذا كان الاختلاف في قدر المبيع: إِما أَنْ تُسلِّم ما ادعاه المشتري من القَدْر وإِلا فسخنا البيع. وإِنما يقال لهما ذلك لأن المقصود قطع المنازعة، وهذا طريق فيه، إِذْ ربما لا يرضيان بالفسخ، فإِذا عَلِما به يتفقان.
(رضي كلٌ بزيادة يدّعيها الآخَر) فذلك هو المطلوب (وإِلا) أَي وإِنْ لم يرض كلٌّ بزيادة يدعيها الآخر (تحالفا) أَي حَلَفَ كلُ واحدٍ منهما على دعوى الآخر، بأَن يحلفَ البائع بالله ما باعه بما ادعاه المشتري، ويحلف المشتري بالله ما اشتراه بما ادّعاه البائع. والمعنى فيه أَنّ اليمينَ يجب على المُنْكر وهو النافي، فيحلف على هيئة النفي إِشعاراً بأَن الحَلِفَ وجب عليه لإنكاره. وإِنما وَجَبَ على البائع والمشتري جميعاً لأن كلاً منهما منكرٌ، لأن الخلافَ إِنْ كان في قَدْر الثمن وقَدْر المبيع، فيكون كل منهما منكِراً ظاهراً، وإِنْ كان في أَحدهما فواحدٌ منهما يدّعي زيادة البدل والآخرُ ينكره، والمنكِر منهما يدّعي وجوبَ تسليم البدلِ على صاحبه عند تسليمه المُبْدَل، والآخر يُنكره فصارا مُدَّعِيَين ومنكِرين.
(وحَلفَ المشتري أَوّلاً) وهو قول محمد، وأَبي يوسف آخِراً، وهو رواية عن أَبي حنيفة وقولٌ زفر والشافعي في وجه، لأن المشتري أَشدهما إِنكاراً لأنه يُطالَبُ أَولاً بالثمن فينكر، فيكون بادئاً بالإنكار، ولأن إِنكار البائع مبني على إِنكاره.
وقال أَبو يوسف أَولاً يُبدأَ بيمين البائع، وهو قول مالك والشافعي وأَحمد في الأصح، لما أَخرجه أَصحاب «السنن الأربعة»، أَنْ عبد الله بن مسعود باع للأشعث بن قيس رقيقاً من رقيقِ الخُمْس بعشرين أَلف درهم، فأَرسل عبد الله إِليه في ثمنهم، فقال: إِنّما أَخذتُهم بعشرة آلاف، فقال عبد الله: إِنْ شئتَ حدّثْتُكَ بحديثٍ سمعتُهُ من رسول الله ﷺ يقول: «إِذا اختلف المتبايعان ليس بينهما بينة، فالقول ما يقول رَبُّ السِّلعة أَوْ يتتاركان» (١) . وأُجيب بأَن المنذري قال: قد رُوِيَ هذا الحديث من طرقٍ عن ابن مسعود، وكلها لا يثبت. وقال ابن الجوزي في «التحقيق» أَحاديث هذا الباب فيها مقال. ودُفع هذا الجواب بأَن صاحب «التنقيح» قال: والذي يَظْهَر أَنْ
стр. 1479
وفَسَخَ القاضي البيعَ.
ومَنْ نَكَلَ لَزِمَه دَعْوَى الآخَر، ولا تَحَالُفَ في الأَجَلِ والخِيَار، ولا في قَبْض بعضِ الثَّمَن.
وحَلَّفَ المُنْكِرَ، ولا بعد هلاكِ المَبِيعِ، وحَلَّفَ المُشتري،
===
حديث ابن مسعود بمجموع طرقه له أَصل، بل حديث حسن يُحتج به، لكن في لفظه اختلاف، ويدل على هذا أَنْ مالكاً أَخرجه في «الموطأ». قلت: وذكره محمد في «موطئه».
(وفسخ القاضي البيعَ) بينهما بطلب أَحدهما. وقيل: ينفسخُ بنفس التحالف وهو الأصح من مذهب الشافعي، (ومن نَكَلَ) منهما (لَزِمَه دعوى الآخَر) يعني بقضاء القاضي، لأنه بنكولِهِ صار مقرَّاً أَوْ باذلاً، فلم تبق دَعْوَاه معارِضةً لدعوى الآخر، فلَزِمَ القولُ بثبوت دعوى الآخر (ولا تحالُفَ في الأجل، و) لا في شرط (الخِيَار، ولا في قبض بعض الثمن) ولا في مقدار الأجل، ولا في قَدْر الشرط، ولا في الرهن، ولا في شرط الضمان (وحَلَّفَ المُنْكِرَ) لأن ثبوتَ هذه الأشياء لعارض. والقول لمُنكر العارض مع يمينه. وبه قال أَحمد. وقال زُفر ومالك والشافعي: يتحالفان.
(ولا) تحالف إِذا اختلفا في قَدْر الثمن وهو دَيْن (بعد هلاكِ المبيعِ) في يد المشتري عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف (وحَلَّفَ المُشتري) وبه قال مالك في رواية، وأَحمد في رواية. وعند محمد: يتحالفان، ويُفسخ البيع على قيمة الهالك، وهو قول الشافعي وبه قال مالك في رواية، وأَحمد في رواية، لقوله ﷺ : «إِذا اختلف المتبايعان تحالفا، وترادَّا» (١) . وهذا النص وإِن كان مطلقاً يقيدُ بحال قيام السلعة، بقرينة التراد أَوْ المراجعة، إِذْ المراد به ترادُّ العِوضين لا ترادُّ العقد، لأنه لا يُتصور ذلك. ولأبي حنيفة وأَبي يوسف قوله ﷺ : «إِذا اختلف المتبايعان والسلعةُ قائمة تحالفا وترادَّا». وقوله: «والسلعة قائمة» مذكور على وجه الشرط، والمُطلق يُحْمَلُ على المقيد إِذا وردا في حادثة واحدة وحكم واحد.
وعلى هذا الخلاف إِذا خَرَجَ المبيعُ عن مِلْك المشتري ببيعٍ أَوْ غيره، أَوْ صار بحالٍ لا يمكنُ رده بدون رضاه، وهذا إِذا كان الثمنُ دَيناً بأَن كان دراهم أَوْ دنانير، أَوْ مكيلاً، أَوْ موزوناً موصوفاً في الذِّمة، فإِن كان عيناً كان البيعُ مقايضةً، يتحالفا اتفاقاً،
стр. 1480
ولا بعد هلاكِ بعضِهِ، إِلا أَنْ يَرْضَى البائعُ بِتَرْكِ حِصَّة الهالِكِ.
ولو اختلفا في بَدَلِ الإجَارةِ أَو المَنْفَعَةِ تَحَالَفَا، كما في البَيعِ. والمَنْفَعَةُ كالمبيع، والبَدَلُ كالثَّمَنٍ، وبعد قَبْضِها لا، وبعد قبضِ بعضِهَا تحالفا، وفُسِخَتْ فيما بَقِيَ، والقَولُ للمستأجِرِ فيما مَضَى.
===
لأن المبيعَ قائمٌ، لأن كل واحد من العوضين مبيعٌ من وجه، وذلك كافٍ لصحة التحالف، كما هو كاف لصحة الإقالة.
(ولا) تحالُفَ إِذا اختلفا (بعد هلاكِ بعضِهِ) أَي بعض المبيعِ بعد قبض الجميع عند أَبي حنيفة، كما لو باع عبدين صفْقةً واحدةً ثم هلك أَحدهما عند المشتري بعد قبضهما. وقال أَبو يوسف: يتحالفان في القائم ويُفسخ العقد فيه، والقول قول المشتري في قيمة الهالك. وقال محمد: يتحالفان عليهما ويُفسخ العقد فيهما ويُردُّ القائم وقيمة الهالك، لأن هلاك كل السلعة لا يمنع التحالف عنده، فهلاك بعضها أَولى. ولأبي يوسف: أَنْ امتناعَ التحالُفِ للهلاك، فيتقدَّرُ بِقَدْرِه. ولأبي حنيفة: أَنَّ التحالفَ لا يمكنُ في القائم إلاّ على اعتبار حصتِهِ من الثمن، فلا بد من القِسمْةِ على قيمتهما، والقيمةُ تُعرف بالحَزْر والظن، فيؤدي إِلى التحالُفِ مع الجهل، وذا لا يجوز.
(إِلا أَنْ يرضى البائعُ بترك حِصة الهالِكِ) فيتحالفان، لأن الثمنَ حينئذٍ يكون كلُّه بمقابلة القائم، ويخرجُ الهالك عن العقد، ويصير كأَنّ العقدَ وقع على القائم. (ولو اختلفا في بدلِ الإجارة) وهو الأجرة (أَوْ) اختلفا في (المنفعة) قبل استيفائها: (تحالفا) وترادا (كما في البيع، والمنفعةُ) في الإجارة (كالمبيع، والبدلُ) فيها (كالثمن).
وإِن وقع الاختلاف في البدل بُداء بيمين المُستأجر، لأنه منكِرٌ لوجوبِ الأُجرة، وإِنْ وقع في المنفعة بُدِاء بيمين المُؤجر، لأنه منكِرٌ لوجوبِ المنفعة، وأَيهما نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوى صاحبِه، فأَيهما أَقام البيِّنةَ قُبِلت، ولو أَقاماها، فبيِّنةُ المُؤجر أَولى إِنْ كان الاختلاف في الأُجرة، وبينةُ المُستأْجر أَولى إِنْ كان الاختلاف في المنافع، وإِن كان الاختلاف فيهما قُبِلَتْ بينةُ كُلِ واحد منهما فيما يدعيه.
(وبعد قبضها) أَي المنفعة (لا) أَي لا يتحالفان، لأن فائدة التحالُفِ الفسخ، والمنافعُ المستوفاة لا يمكنُ فسخُ العقد فيها، فكان القولُ قول المُستأْجر مع يمينه، لأنه هو المُسَتَحقُّ عليه (وبعد قبضِ بعضِهَا تحالفا وفُسِخت) الإِجارة (فيما بقي، والقولُ للمستأْجِرِ فيما مَضَى) لأن عقد الإِجارة ينعقد ساعة فساعة، فيصير في كل جزءٍ من المنفعة كأَنه ابتدأَ العقد عليه، بخلاف البيع، فإِنه ينعقدُ دُفعةً واحدةً، فإِذا تعذَّر في
стр. 1481
وإِن اختلفَ الزوْجَان في مَتَاعِ البَيعِ، فلها ما صَلُح لها، وله ما صَلُح له، إِلا إِن كانت المرأَةُ ممن تبيعُ ما يَصْلُحُ للرِّجَال أَو ما صَلُح لهما.
وإن مات أَحَدُهُمُا، فالمُشْكِلُ للحَيّ، وإن كان أَحَدُهُما عبدًا، فالكُلُّ للحُرِّ في
===
البعض تعذَّر في الكُلّ.
(وإِن اختلفَ الزوجان في متاعِ البيع فلها) أَي للمرأَة (ما صَلُح لها) كالدِّرع (١) والخِمَار والمِلْحَفة (٢) ، لأن الظاهرَ شاهدٌ لها، إِلا أَنْ يكونَ الرجلُ ممن يبيع ما يصَلُح للنساء، فلا يكونُ لها لتعارض الظاهرين. (وله) أَي للزوج (ما صَلُح له) كالعِمَامَة والقوس والدِّرع (٣) والمِنْطَقة (٤) لأن الظاهر يشهد له (إِلا إِنْ كانت المرأَةُ ممن تبيعُ ما يصلُح للرجال، أَوْ ما صَلُح لهما) كالآنية، والفَرْش، والأمتعة، والرَّقِيْق، والعَقَار، والمواشي، والنقود، لأن المرأَة وما في يدها في يد الزوج. والقولُ في الدعاوى لصاحب اليد، بخلاف ما يختصُ بها، لأنه يعارضه وهو أَقوى من اليد، ولا فرق بينهما إِذا كان الاختلاف في حال قيام النكاح أَوْ بعد الفُرْقة.
(وإِن مات أَحدهما) واختلف ورثتُهُ مع الآخر (فالمُشكِلُ) وهو ما يصلُح للرجال والنساءِ (للحيّ) سواء كان الرجل أَوْ المرأَة، لأن اليدَ له دون الميت، وهذا عند أَبي حنيفة. وقال أَبو يوسف: للمرأَة ما يُجهّز به مثلُها والباقي للزوج مع يمينه، ولورثته بعد الموت، لأن الظاهر أَنْ المرأَة تأْتي بالجِهَاز وهو أَقوى من ظاهر الزوج، والباقي لا معارض لظاهره. والطلاق والموت سواء، لقيام الورثة مَقام مورثهم. وقال محمد: للرجل أَوْ لورثته.
وقَسَّم زُفَرُ بين الرجل والمرأَة فيما يصلُح لهما، وحَكَم في الباقي مِثْل أَبي حنيفة. وعنه: المتاعُ كله بينهما نِصفان، وهو قول مالك والشافعي، لاستوائهما في الدعوى واليد. وقال ابن أَبي ليلى: الكل للرجل، ولها ثيابُ بدنها. وقال الحسن البصري: الكلُّ لها إِلا ثيابَ بدنه، ولعل وجه نظرهما أَنْ يكونَ المحلُ للرجل والمرأَة.
(وإِن كان أَحدهما عبداً) مكاتَباً أَوْ مأْذوناً له في التجارة (فالكل للحر في
стр. 1482
الحياة، وللحَيِّ بَعْدَ المَوْتِ.
وسَقَطَ دَعْوَى المِلْكِ المُطْلقِ، إِنْ بَرْهَنَ ذو اليد أَنَّ المُدَّعَى وَدِيعَةٌ، أَو عَاريَّةٌ، أَو رَهْنٌ، أَو مُؤجرٌ، أَو مغصوب من زيد.
وحُجَّةِ الخَارِجِ في المِلكِ المُطْلَق أَحق من حُجَّة ذِي اليد، وإنْ وقَّتَ أَحَدُهُما فقط.
===
الحياة) أَي حياتهما، لأن يدَ الحر أَقوى، فإِنها يد مِلكٍ بخلاف يد العبد (وللحيّ) منهما (بعد الموت) أَي موت أَحدهما، لأنه لا يد للميت، فَخَلَت يد الحي عن المعارِض (وسَقَطَ دعوى المِلك المُطلق) أَي اندفعت خصومةُ مدَّعيه في العين القائمة (إِنْ بَرْهَنَ ذو اليد أَنْ المُدّعَى) ـ بفتح العين ـ (وديعةٌ، أَوْ عاريّة، أَوْ رهن، أَوْ مُؤجَر، أَوْ مغصوب من زيد) وبه قال مالك وأَحمد والشافعي في الأظهر. وقال ابن شُبْرُمة: لا يسقط، وبه قال الشافعي أَيضاً، لأنه تعذَّر إِثبات المِلك للغائبِ لعدمِ الخصم عنه وسقوط الدَّعوى، وهو رَفْع الخصومة بناء عليه.
ولنا: أَنه يثبت ببيِّنته أَنّ العينَ وصلت إِليه من يد الغائب، وأَنّ يدَه ليست يد خصومة، فصار كما لو أَقر المُدَّعي بذلك، أَوْ أَثبتَ ذو اليد إِقراره به. قيدنا بكون العين قائمة في يد المُدَّعى عليه لأنها لو كانت هالكة، لا تندفعُ الخصومة بهذه الدعاوى. وقيد بالوديعة وأَخواتها لأنه لو برهن على أَنه مبيعٌ له من الغائب لم تندفع الخصومة، لأنه لما زعم أَنْ يدَه يدُ مِلْك اعترف بكونه خصماً، وتُسمَّى هذه المسأَلة مخَمَّسَة كتاب الدَّعوى، لأن فيها خمس صور من دعوى الوديعة والعاريّة وغيرهما. وقَيَّد بدعوى الملك المطلق، لأنه لو قال: غَصَبَه مني، وقال ذو اليد: أودَعَنيِه فلان، وبرهن على ذلك، لا تندفع الخصومة، لأن ذا اليد هنا خَصْمٌ باعتبار دعوى الفعل عليه، وفيه لا يمكنه الخروج عن الدعوى بالإحالة على غيره.
(وحُجة الخارج) اليد (في المِلك المطلق أَحقُّ) وأَولى (من حُجة ذِي اليد) وبه قال أَحمد. وقال مالك والشافعي: حُجَة ذي اليد أَحق لاعتِضَادِهَا باليد.
ولنا: أَنْ البيِّنةَ شُرعت للإثبات، وبينةُ الخارج أَكثر إِثباتاً، لأنه لا مِلك له على المُدَّعَى بوجه، وذو اليد له ملك عليه باليد، فكانت بينته أَقل إِثباتاً من بينة الخارج. قيد بالمطلق لاستوائهما في المقيد بالسبب، وهذا إِنْ وقَّتا أَوْ لم يوقِّتا باتفاق (وإِن وقَّت أَحدهما فقط) فعند أَبي حنيفة ومحمد. وقال أَبو يوسف: وهو رواية عن أَبي حنيفة: حُجة ذي اليد الموقَّت أَولى من حُجَةِ الخارج الذي لم يوقِّت، لأن من وقَّت
стр. 1483
ولو بَرْهَن خارجانِ، قُضِيَ لهما نِصْفَيْن، ولو بَرْهَنَ خارِجانِ في نِكَاحٍ سقطا، وهي لِمَنْ صدَّقَتْهُ، فإن أُرِّخا، فالسابقُ أَحقُّ.
وإنْ أَقَرَّتْ لِمَنْ لا حُجَّةَ له، فهي له، فإن بَرْهَنَ الآخَرُ قُضِيَ له، وإنْ بَرْهَنَ أَحَدُهُما وقُضِي له، ثم بَرْهَنَ الآخَرُ، لم يُقْض له،
===
أَولى مِمَّنْ لم يوقِّت، كما في دعوى الشراء إِذا أُرِّخت إِحدى البينتين ولم تُؤرخ الأخرى.
(ولو بَرْهَن خارجان) على عين في يدِ غيرهما: كل منهما يَزعم أَنها له، ولم يذكرا سببَ الملك ولا تأرِيخهِ (قُضِيَ لهما) بذلك المُدَّعَى (نِصْفَيْن) لعدم أَولوية أَحدهما على الآخر. وقال مالك في رواية، والشافعي في القديم، وأَحمد في رواية: تساقطت البينتان، لأنها تعارضتا ولا مرجح لأحدهما، فصارتا كالدليلين إِذا تعارضا من غير ترجيح. وعن الشافعي: يُقْرِعُ بينهما، لما روى الطبراني في «معجمه الأوسط» من حديث سعيد بن المسيَّب عن أَبي هريرة أَنْ رجلين اختصما إِلى رسول الله ﷺ فجاء كل واحدٍ منهما بشهودٍ عدولٍ في عدةٍ واحدة، فساهم بينهما رسول الله ﷺ وقال: «اللهم اقض بينهما». ورواه عبد الرزاق في «مصنفه» مرسلاً.
ولنا ما روى ابن أَبي شيبة في «مصنفه» عن أَبي الأحوص، عن سِمَاك، عن تميم ابن طَرَفَة: أَنْ رجلين ادَّعيا بعيراً فأَقام كلُ واحدٍ منهما البينةَ أَنه له، فقضى النبي ﷺ به بينهما. وما أَخرجه أَبو داود في «سننه»، وأَحمد في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه» ـ وقال: صحيح على شرط الشيخين، وقال المنذري: رجالُ إِسناده كلُّهم ثِقات ـ عن هَمَّام، عن قَتَادة، عن سعيد بن أَبي بُرْدة، عن أَبيه، عن جده أَبي موسى الأشْعري: أَنّ رجلين ادّعيا بعيراً على عهد النبي ﷺ ، فبعث كل واحد منهما بشاهدين، فقسم النبي ﷺ بينهما نصفين. وحديث القُرْعة كان في الابتداء ثم نُسِخَ. بَيَّنَ ذلك الطحاوي.
(ولو بَرْهَنَ خارِجانِ في نكاح) بأَن ادّعى كل واحد نكاح امرأَة وأَقام عليه بينة (سقطا) ولم يقض بواحدةٍ من البينتينِ لِتعذُّر العمل بهما، لأن المحلَ لا يقبلُ الاشتراك (وهي) أَي المرأَة (لمن صدَّقته) لأن النِّكاح مما يُحكم فيه بتصادق الزوجين. قيد بالخارجين لأن اليد على المرأَة بالدخول بها أَوْ بنقلها دليلٌ على سبْقِ العقد عليها، وهذا إِذا لم تُؤرَّخ البينتان (فإِن أُرِّخا، فالسابقُ) تاريخاً (أَحقُّ) بالمرأَة، لأن الثابتَ بالبينة كالثابت بالمُعاينة (وإِنْ أَقرت) المرأَة بالزوجية (لِمَنْ لا حُجَة له فهي له) لتصادُقهما على النكاح، وهو يثبتُ بتصادق الزوجين عليه.
(فإِن بَرْهَنَ الآخر) أَي الذي لم تُقّر له (قُضِيَ له) لأن البينةَ أَقوى من الإقرار (وإِنْ برهن أَحدهما) على امرأَة أَنها زوجته (وقُضِى له، ثم برهنَ الآخَر لم يُقْض له)
стр. 1484
إِلا إِذا ثَبَتَ سَبقُهُ.
كما لم يُقضَ بحُجَّةِ الخارج على ذي يدٍ ظَهَرَ نِكَاحُهُ، إِلا إِذا أَثبتَ سَبقَهُ.
وإن بَرْهَنَا على شِرَاءِ شيءٍ من ذي يَدٍ، فَلِكُلِّ نِصْفُهُ بِنِصْفِ، أَو تَرْكُهُ.
ولو تَرَكَ أَحَدُهُما بَعْدَ ما قُضِي له، لم يَأْخُذِ الآخَرُ كُلَّه.
والشِّرِاءُ أَحَق من هِبَةٍ، وصَدَقَةٍ، ورَهْنٍ مع قَبضٍ. والشِّرَاءُ والمهُر سَوَاءٌ،
===
لأن القضاءَ الأول قد صح فلا يُنْقَض بما هو مِثْله فضلاً عما هو دونه، لاتصال البرهان الأول بالقضاء دون الثاني.
(إِلا إِذا ثبت سبقه) أَي سَبْقُ الآخر، بأَن وَقَّتَ الشهود سابقاً، لأنه ظَهَرَ الخطأ في الأول بيقين (كما لم يُقض بحُجةِ الخارج) اليد، (على ذي يد ظهر نكاحُهُ) بنقلها إِلى بيته، أَوْ بالدخول بها، لأن ذلك فيه دلالة على سبْقِ عقدِهِ عليها (إِلا إِذا أَثبتَ سبْقَه) أَي سبق الخارج، لأن التصريحَ فوق الدلالة، فلا يعتبر معه.
(وإِن برهنا على شراءِ شيء من ذي يد، فلكلٍ نصفُهُ بنصفِ) أَي بنصفِ الثمن (أَوْ تركه) أَي ترك النصف وأَخذ كل الثمن، لاستوائهما في السبب وتعذُّر القضاء بكلِّه لكل واحد منهما، وبه قال مالك في رواية والشافعي في قول، وقال في قول آخر: يُقْرَع، وبه قال أَحمد في رواية، وعن الشافعي أَيضاً تسقط البيِّنَتَانِ ويُرجع إِلى البائع، فإِن صدَّق أَحدهما سُلِّم ذلك الشيء له.
(ولو تَرَكَ أَحدهما) البيع واختار الفسخ (بعدما قُضِي له) بأَخذ نصفِهِ أَوْ تركه (لم يأْخذ الآخر كله) لأن القاضي لمّا قَضَى بالمبيعِ بينهما تضَّمن قضاؤه فسخَ العقدِ في حق كل واحد منهما في النصف، فلا يعود إِليه إلا بتجديد العقد. قيد ببعد القضاء لأنه لو ترك قبل القضاء (كان للآخر أَنْ) (١) يأْخذ الجميع، لأن ببينتَه أَثبتت أَنه اشترى الكلَّ، وإِنما لم يرجع إِلى النصف لضرورة القضاء ولم يوجد.
(والشراء أَحق من هبةٍ) مع قبضٍ (و) من (صدقةٍ) مع قبض (و) من (رهن مع قبض) يعني: إِذا ادّعى واحدٌ شراءً من شخصٍ وآخَرُ هبةً وقبضا، أَوْ صدقةً وقبضا، أَوْ رهناً وقبضا من ذلك الشخص وأَقام كلٌّ منهما بينةً ولا تاريخ معهما، فالشراءُ أَولى لكونه معاوضةً من الجانبين، يثبتُ به الملك في المُعَوَّض والعِوض. والبينات تُرَجّح بكثرةِ الإثبات.
(والشرَاءُ والمَهُر سَوَاء) يعني: إِذا ادّعى واحدٌ شراء شيء من آخر، وادّعت امرأَة
стр. 1485
وكذا الغَصْبُ والوَدِيْعَةُ. ولا يُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الشُّهُودِ.
ولو ادّعى أَحدُ خَارِجَيِنْ نِصْفَ دَارٍ، والآخَرُ كلَّها، فالرُّبُع للأول. وقالا: الثلثُ، والباقي للثاني، وإن كانت مَعَهُما فهي للثاني: نصفٌ بالقضاء، ونِصْفٌ لا بِهِ.
ولو بَرْهَنَ خَارِجانِ على نتَاج دابَّةٍ وأَرَّخا، قُضِيَ لِمْن وَافَقَ تأْرِيخُهُ سِنَّها،
===
أَنه تزوجها عليه، فليس أَحدهما أَحقّ به من الآخَر، ويُقضى به بينهما، وهذا عند أَبي يوسف. وقال محمد: الشراء أَولى، وعلى الزوج قيمةُ ذلك الشيء (وكذا الغَصْبُ والودِيْعة) سواء. حتى لو كان عينٌ في يد رجل، فأَقام رجلان عليه البَيِّنةَ، أَحدهما بالغصب والآخر بالوديعة، يُقضى بها بينهما نِصفين، لأن الوديعة تصيرُ غصباً بالجحود.
(ولا يُرَجَّح بكثرَةِ الشهُودِ) فلو أَقام أَحد المُدَّعيين أَربعةً والآخر اثنين فهما سواء، لأن كلَّ واحدٍ من البَيِّنتين لا يُوجِب إِلا الظن، وبه قال أَحمد والشافعي في الجديد، ومالك في المشهور. وقال الأوزاعي: يرجح، وهو قول الشافعي في القديم ومالك في رواية، لأن القلب إِليهم أَميل، وعن مالك أَيضاً يُرجّح بزيادة العدالة.
(ولو ادّعى أَحدُ خارجين نِصْفَ دار والآخر كلَّها، فالرُّبُع للأول) عند أَبي حنيفة (وقالا: الثلث) للأول (والباقي للثاني) على القولين. لهما أَنّ مُدعي الكل يدَّعي النصفين والآخر يدّعي النصف الواحد، وليس لشيء واحد ثلاثة أَنصاف، فيُقْسَم بينهما أَثلاثاً على قَدْر حقهما، وهذا طريق العَوْل. ولأبي حنيفة أَنْ مُدعي الكل لا يُنَازِعُه أَحدٌ في النصف، فيُسلم له نصف من غير منازعة، ثم استوت منازعتهما في النصف الآخر، فيكون بينهما، وهذا طريق المنازعة.
(وإِن كانت) الدار (معهما) أَي في أَيديهِمَا، (فهي) كلها (للثاني) وهو مُدَّعي الكل (نصفٌ بالقضاء ونصف لا به) وهو رواية عن أَحمد. وقال مالك والشافعي وأَحمد في رواية: تبقى الدار في يدهما، كما كانت لترجح بينة صاحب اليد باليد.
(ولو برهن خارجان على نَتَاج دابة) (١) تنازعاها، بأَن أَقام كلٌّ منهما بينةً على أَنها نَتَجَتْ عنده (وأَرَّخا، قُضي لمن وافق تأْريخه سنَّها) لأن الحال شهدت له. ولا فرق بين أَنْ تكون الدابة في يدهما، أَوْ في يد أَحدهما، أَوْ في يد
стр. 1486
وإن أَشْكَلَ فلهما، وذو اليد المستعملُ، كمن لبَّن، واللابسُ لا آخِذ الكُم، والراكب لا آخذ اللِّجَام، ومَنْ في السَّرْج لا رَدِيفُه، وذوُ الحِمْلِ لا من عَلَّقَ كُوْزَهُ.
ومَنْ اتصَلَ الحائِطُ بِبِنَائِهِ اتصَالَ تَربيعِ، أَو وضع عليه الجِذْعَ،
===
ثالث، لأن الحالَ لا تختلف في ذلك. قيد بالتاريخ لأن النزاع لو كان في النَّتاج من غير تاريخ لكانت الدابةُ لذي اليد، إِنْ كانت في يد أَحدهما. ولهما: إِنْ كانت في يدهما أَوْ في يد ثالث (وإِن أَشْكل) موافقةُ سن الدابة للتاريخين، بأَن لم يتبين موافقتُهُ ولا مخالفته (فلهما) أَي فالدابة لهما، لأن أَحدهما ليس بأَولى بها من الآخر. وهذا إِذا كانت في يد أَحدهما أَوْ كانا خارجين بأَن كانت في يد ثالث.
وإِن كانت في يد أَحدهما قُضِي بها له، لأنه لما أَشْكَلَ الأمرُ سَقَطَ التاريخان، فصار كأَنهما لم يؤرِّخا. ولو خالف سنُ الدابة التاريخين بطلتِ البينتان، لأنه ظَهَرَ كَذِبُ الفريقين، فتُترك في يد من كانت في يده. هكذا ذكر الحاكم وبعض المشايخ، والأصح أَنهما لا تَبْطُلان، بل يُقضى بها بينهما إِنْ كانا خارجين، أَوْ كانت في أَيدهما. وإِن كانت في يد أَحدهما قُضي بها لذي اليد. هكذا ذكر محمد وهو استحسان، ويؤيده رواية جابر بن عبد الله أَنْ رجلين تداعيا دابةً، فأَقام كل واحد البينةَ أَنها دابته نَتَجَتْها، فقضى رسول الله ﷺ للذي هي في يده.
(وذو اليد) هو (المستعملُ، كمن لبَّن) بتشديد الموحدة، أَي ضرب اللَّبن، حتى لو ادعى رجل أَنْ أَرضاً في يده، وادعى الآخر فيها ذلك، ولم يبرهن واحد منهما، ولكن عَمِلَ فيها أَحدهما: بأَن بنى، أَوْ ضرب لبِناً، أَوْ حفر بئراً، قُضي له، لأن التمكن من الاستعمال دليل اليد في ظاهر الأحوال. قيدنا بأَنه لم يبرهن واحد منهما، لأنهما لو برهنا قُضي بها لهما، ولو برهن أَحدهما قُضي له، لأن اليدَ حق مقصودٌ فلا يثبت عند القاضي بمجرد الدعوى، بل لا بُدَّ من البينة أَوْ الاستعمال، لأن التمكن منه دليل اليد.
(واللابسُ) بالرفع عطف على المستعمل (لا آخذ الكُم، والراكب لا آخذ اللجام، ومن في السَّرْج لا رديفُه، وذوُ الحِمل لا مَنْ علق) عليه (كُوْزه) فلو تنازعا في قميصٍ، وأَحدُهُما لابِسُه والآخر متعلق بكُمه، أَوْ في دابة وأَحدهما راكبها والآخر متعلق بلجامها، أَوْ أَحدهما راكبٌ في سَرْجها والآخر رديفٌ له، أَوْ في بعير وأَحدهما له حِمل عليه والآخر علق عليه كوزه: كان القميصُ لِلابِس، والدابة للراكب.
(ومَنْ اتصل الحائط ببنائه) عطف على المستعمل (اتصالَ تربيع) لا اتصال ملازقة، بأَن يتداخل لَبِنُ البناءِ المُتَنَازَع فيه في لَبِنِ جِدَارِه، ولَبِنُ جدارِه في لَبِنِ البناءِ المتنازع فيه (أَوْ وضع) عطف على ما اتصل (عليه) أَي على الحائط (الجذع) لأن اتصال التربيع لا يكون إِلا عند البناء، فدل على أَنّ بانيها واحد، وصاحب الجذع
стр. 1487
ولا اعتبار لوضع خَشَبَاتٍ علَيه، وجالسُ البِسَاط، والمُتَعَلِّقُ به سَوَاءٌ، وكذا مَنْ معه ثوبٌ وطَرَفُهُ مع آخَرَ، وذو بَيتٍ مِن دارٍ كَذِي بُيوت في حقِ ساحتِهَا.
===
صاحب استعمال (والآخر صاحب تعلق) (١) فصارا كمتنازعين في دابة لأحدهما عليها حمل وللآخر كوز معلَّق. وقال الشافعي وأَحمد: لا ترجيح بوضع الجذع، لأن الوضع يحتمل أَنْ يكون عن ملك وأَن يكون عن استعارة أَوْ غصب ولا ترجيح بالمحتمل.
ولنا أَنّ واضعَ الجذع مستعملٌ للحائط بالوضع، والاستعمال يد، وعند التعارض القولُ لصاحب اليد.
(ولا اعتبار لوضع خشباتٍ عليه) أَي على الحائط، حتى لو تنازعا في حائط ليس لأحدهما عليه شيء وللآخر عليه خشبات كان بينهما، لأن تلك الخشبات للاستظلال، فصار كما لو كان لأحدهما على الحائط ثوب مبسوط، ولا شيء عليه للآخر.
(وجالس البِسَاط) وقع مثل هذه العبارة في «الوقاية» وكأنَّ النُّساخ حذفوا منها حرف «على»، أَي وجالس على البساط (والمتعلقُ بهِ) أَي بالبساط (سواء) أَي مستويان في اليد فهو بينهما نِصفان (وكذا مَنْ معه ثوبٌ وطَرَفُه مع آخَر) سواء في اليد، حتى لو تنازعا يكون بينهما نصفين، لأن يدَ كل واحد منهما ثابتة في الثوب، إِلا أَنَّ يد أَحدهما ثابتة في الأكثر وذلك لا يوجِبُ الترجيح، لأنه بالقوة لا بالكثرة، فصار كما لو تنازعا في دابة ولهما عليها حمل على التفاوت: لأحدهما مَنٌ (٢) وللآخر مئة منَ، فإِنّ الدابة بينهما نصفين.
(وذو بيتٍ من دار كذي بُيوت) منها (في حقِ ساحتِهَا) وهي عَرْصَة (٣) في الدار وبين يديها، فلو تنازعا في الساحة كانت نصفين، نصف لذي البيوت ونصف لذي البيت لاستوائهما في استعمال تلك الساحة بالمرور فيها، ووضع الأمتعةِ، وصب الوَضوءِ، وكسر الحطب، فصار نظير الطريق، يستوى فيه صاحب الدار والمنزل والبيت، بخلاف ما لو تنازعا في الشُّرْبِ، حيث يُقْسَم بينهما على قدر أَراضيهما، لأنه يحتاج إِليه لأجل سقي الأرض فيقدر بقدْرِهَا.
стр. 1488
فَصْلٌ [في دَعْوَى النَّسَبِ]
مبيعةٌ وَلَدَتْ لأقلَّ من نِصْفِ حَوْلٍ مُنْذُ بِيعَتْ، فادّعى البائعُ الوَلَدَ، ثَبَتَ نسبُهُ منه، وأُمِّيَّتُهما، ويُفْسَخُ البَيعُ. ولو ادّعاه بعد عِتْقِهَا ثَبَتَ نَسَبُه، ويَرُدُّ حِصَّتَهُ من الثمن.
===
فصلٌ (في دعوى النسب)
أَي في دعوى النَّسَب، كما في نُسخة (مبيعةٌ وَلَدَتْ لأقلَ من نصف حول منذ بِيعت، فادّعى البائع الولدَ، ثَبَتَ نسبُهُ منه) استحساناً. وإِن ادّعاه المُشتري معه (و) ثبت (أُمِيَّتُها) أَي كون المبيعة أَمَّ ولد له (ويفسخ البيع). والقياس، وهو قول زُفر والشافعي: أَنْ لا يثبتَ نَسَبُه ولا تصحَ دعوتُهُ، إِلا أَنْ يُصدِّقه المشتري، لأن البائعَ اعترف بالبيع بأَن الولدَ عبدٌ، فكان في دعواه مناقضاً وساعياً في نقض ما تم من جهته وهو البيع، وصار كما لو ادّعى التدبيرَ (١) أَوْ الإِعتاق قبل البيع وكذَّبَه المشتري.
ووجه الاستحسان أَنْ مبنى النسب على الخفاءِ، فيُعفى فيه التناقض، فتقبل دعوته إِذا تُيقِّنَ العُلوقُ في مِلْكه، وذلك بالولادة لأقلَ من ستة أَشهر، لأنه بمنزلة إِقامة البِّينَةِ، بخلاف دعوى الإعتاق والتدبير بعد البيع، فإِنه فِعْلُ نَفْسِهِ، فلا يخفى عليه، فلا يُعفى فيه التناقض.
وإِذا صحت دعوى البائع استندت إِلى وقت العُلُوقِ، وتبيَّن أَنه باع أَمَّ ولده وهو باطلٌ فَيرَدُ الثمن لأنه قبضَه بغير حق. (ولو ادّعاه) أَي ادّعى البائعُ الولدَ (بعد عتقِهَا) أَي عتق المشتري أَمته (ثَبَتَ نسبُه) لأن الولد هو الأصل في النسب والأمَّ تبع له، أَلا ترى أَنها تضاف إِليه فيقال: أَمْ ولد، وتستفيدُ الحرية من جهته. والمانع من ثبوت النسب ـ وهو هنا العتق ـ لم يقم به بل بأُمِّه، فلذا لم يمتنع النسب فيه وامتنع في أُمه، فصار كولد المغرور فإِنه حر وأُمّهُ أَمةٌ لمولاها. وفي «النهاية»: إِنْ ولد المغرور هو ولدُ الذي تزوج امرأَة على أَنها حُرَّة فبانت مملوكة.
(ويرُدُّ حِصتَه من الثمن) بأَنْ يَقْسِمَ الثمن على قيمة الولد وقيمة أُمه، فما أَصاب الولدَ يردُّه البائع إِلى المشتري، وما أَصاب الأم لا يرده، ولا تصير الجاريةُ أَمَّ ولد للبائع، لأنه ثبت فيها ما لا يحتمل الإبطال وهو العتق والولاء، وكذا الحكم فيما إِذا دبَّرها لما ظهر فيها من آثار الحرية، وهو امتناع التمليك.
стр. 1489
ولا تُعْتَبَرُ دِعْوَة المُشترِيِ ولا البَائع بعد مَوْتِ الوَلَدِ أَو عِتْقِهِ، وكذا لو وَلَدَتْ لأكْثَرَ من نِصْفِ الحَوْلِ، أَو أقلَّ من سَنَتَين، إِلا إِذا صدَّقه المُشْتَريِ، وَلِسَنَتَيِن أَو أَكثرَ، وهي أمُّ وَلِدِهِ نِكَاحًا، إِن صَدَّقهُ المشتري.
===
(ولا تعتبر دِعوة المشتري) بكسر الدال (١) (ولا) دِعوة (البائع بعد موت الولد أَوْ عتقه) لأنه بالموت قد استغنى عن النسب، فتعذر إِثباتُهُ فيه، وبالإعتاق ثَبَتَ الولاءُ فيه، وهو كالنسب لا يمكنُ إِبطاله كما لا يمكن إِبطال النسب.
(وكذا) لا تعتبر دِعوة البائع (لو وَلَدَتْ لأكثرَ من نصفِ الحول، أَوْ أَقل من سنتين) من وقت البيع فلا يثبتُ النسبُ، لاحتمال أَنْ يكون العلوقُ بعد البيع (إِلا إِذا صدَّقه المشتري) فيثبتُ النسب من البائع للتصادق ويبطل البيع، ويكون الولدُ حراً والأم أُمُّ ولد. (ولسنتين أَوْ أَكثرَ) يثبت النسب (وهي أُمُ ولده نكاحاً إِنْ صَدَّقهُ المشتري) حملاً لحاله على الصلاح ولقول المشتري على الصدق. ولا يَبْطُل البيع لأنا تيقنا أَنّ العُلوق لم يكن في مِلك البائع، وإِذا لم يكن العلوقُ في مِلك البائع كانت دعوتُه دعوة تحرير وهو غير مالك، وغير المالك ليس بأَهل للتحرير، فلا تصح دعوة التحرير منه، فلم يعتق الولد ولم تَصِرْ أُمُّه أُمَّ ولد. قيد بتصديق المشتري، لأنه لو لم يُصَدِّقه لم تصح الدعوة للبائع، لأنه لم يوجد اتصال العُلوق بملكه يقيناً.
ولو أُخبرت امرأَةٌ بموت زوجها فاعتدَّت وتزوجت وجاءت بولد، ثم جاء الزوج الأول، فالولد للأول في رواية عن أَبي حنيفة، سواء جاءت به لأقلَّ من ستة أَشهر منذ تزوجها الثاني، أَوْ لأكثر من ذلك إِلى سنتين، أَوْ أَكثر، لأنه صاحبُ الفراشِ الصحيح، فإِنّ خبرَ موتِهِ لا يُفسدُ فِرَاشه. والزوج الثاني صاحبُ فراشٍ فاسد، ولا معارضة بين الصحيح والفاسد، بل الفاسد مدفوع بالصحيح، والمرأَة مردودة إِلى الزوج الأول، والولد ثابت النسب منه. وعن عبد الكريم الجُرْجَاني عن أَبي حنيفة: أَنْ الولد للثاني وهو قول ابن أَبي ليلى، لأن الفراش الفاسد يُثبِت النسب كالفراش الصحيح، ثم الثاني أَقرب إِليها يداً والولد مخلوق من مائه حقيقة، فيترجحُ جانبُهُ بالقرب واعتبار الحقيقة.
وفيه حديث الشَّعبي ذكره محمد في «الكتاب»: وهو أَنْ رجلاً من جُعفى زَوَّج ابنته من عبيد الله بن الُحرِّ ثم مات، ولحق عبيد الله بمعاوية، فزوج الجاريةَ أَخوتُهَا، فجاء ابن الُحرِّ فخاصم زوجها إِلى علي، فقال عليّ: أَما إِنك المحال علينا
стр. 1490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عدونا، فقال: أَيمنعني ذلك من عدلك؟ قال: لا، كذبا، فقضى بالمرأَة له، وقضى بالولد للزوج الآخَر. إِلا أَنّ أَبا حنيفة قال: الحديث غيرُ مشهورٍ، فلا يُترك به القياس الظاهر، ولو ثبت وجب القول به.
وقال أَبو يوسف: الولد للأول إِنْ جاءت به لأقل من نصف سنة من حين العقد الثاني، وإِن جاءت به لستة أَشهر فصاعداً منذ تزوجها الثاني فهو من الثاني، سواء ادَّعَياَه أَوْ نفياه، لأن النكاح الفاسد يلحقُ بالصحيح في حكم النسب، فباعتراض الثاني على الأول ينقطع الأول في حُكْم النَّسَب ويكون للثاني.
والتقديرُ بأَدنى مدة الحمل اعتباراً للفاسد بالصحيح، وإِنما قلنا إِنْ الأول ينقطع بالثاني، لأنها بدخول الثاني بها تحرُم على الأول وتلزمها العدة من الثاني. ووجوب العدة ليس إِلا لصيانةِ الماء في الرحم، فلو لم يكن النسب بحيثُ يثبتُ من الثاني لم يكن لوجوب العدَّةِ عليها من الثاني معنى.
وقال محمد: هو للأول إِنْ جاءت به لأقلَ من سنتين منذ دخل بها الثاني، وللثاني إِنْ جاءت به لأكثر من سنتين منذ دخل بها، لأن وجوب العدة عليها من الثاني بالدخول لا بالنكاح، والحرمةُ إِنما ثبتت على الأول بوجوب العِدَّة من الثاني، فكانت حرمتُهَا عليه بهذا السبب كحرمتها عليه بالطلاق.
والتقدير بأَدنى مدة الحمل عند قيام الحمل، ولا حَدَّ بينهما، فالعبرة للإمكان، فإِذا جاءت به لأقل من سنتين منذ دخل بها الثاني، يُتوهم أَنْ يكون هذا من عُلوقٍ كان قبل دخول الثاني بها في حال حلِّها للأول، فكان النسبُ من الأول، وإِذا جاءت لأكثر من سنتين منذ دخل بها الثاني عُلِم أَنْ العُلوق لم يكن قبل دخوله، فكان النسبُ من الثاني، وكذا الخلاف لو ادعت الطلاق واعتدت فتزوجت، والزوج الأول جاحد لذلك إِذْ كلاهما في المعنى سواء، والله تعالى أَعلم بالصواب.
стр. 1491
كِتَابُ الصُّلْحِ
هو عَقْدٌ يَرْفَعُ النِّزَاعَ. وصَحَّ بإقرار وسُكُوتٍ وإنكارٍ،
===
كتاب الصُّلْح
(هو) لغةً اسم للمُصالحة، بمعنى المُسالمة، وأَصله من الصَّلاح: وهو استقامة الحال، ضِدُّ الفساد.
وشرعاً: (عقد يرفع النزاع) أَي المُنازعة بين الخصمين.
(وصح) الصلح (بإِقرار) أَي مع إِقرار، (و) مع (سكوت) بأَن لا يُقِرّ ولا يُنكر، (و) مع (إِنكار) وبه قال مالك وأَحمد. وقال الشافعي: لا يصح إِلا مع الإقرار، لأن المُدَّعى عليه يدفع المال لدفع الخصومةِ، وذلك مع غير الإقرار رشوة، ولما روى أَبو داود في «سننه»، وابن حِبَّان في «صحيحه» من حديث أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الصَلْح جائزٌ بين المسلمين إِلا صُلحاً أَحَلَّ حَرَامَاً، أَوْ حرَّم حلالاً». ورواه الترمذي من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المُزَني، عن أَبيه، عن جده.
ووجه الدِّلالة أَنّ الصُلْحَ مع إِنكار أَوْ سكوت أَحل حراماً أَوْ حرم حلالاً، لأن المُدَّعي إِنْ كان مُحِقّاً كان أَخذه المدَّعى به حلالاً له قبل الصُّلْح وحراماً عليه بعده، وإِن كان مُبْطلاً كان أَخذ المال على الدعوى الباطلة حراماً عليه قبل الصلح حلالاً بعده.
ولنا إِطلاق قوله تعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (١) ، وإِطلاق أَول الحديث السابق. وأَما آخِرُه فمعناه أَحلَّ حراماً لعينه، كالصلح على خمر، أَوْ حَرَّم حلالاً لعينه: كصلح المرأَة زوجها على أَنْ لا يَطأَ ضَرَّتها. وهذا أَولى في معناه، لأن الصلح مع الإقرار في العادة يقعُ على بعض الحق، فما زاد على المأْخوذ إِلى تمام الحق كان حلالاً للمُدَّعي أَخذه قبل الصلح وقد حَرُم بالصلح وكان حراماً على المُدَّعى عليه قبل الصلح وقد حل بالصلح. ولأن الصلحَ عن إِنكار أَوْ سكوت صلحٌ بعد دعوى صحيحة فيُقْضَى بجوازه، لأن المُدَّعي يأْخذه عوضاً عن حقه في زعمه وهو مشروع، والمُدَّعى عليه يدفعه لدفع الخصومة عن نفسه وهو أَيضاً مشروع. لأن المال خُلق لصيانة الأنفس عن المهالك والمفاسد، ودفعُ الضرر أَمرٌ جائز.
نقل أَبو الليث عن أَبي يوسف جواز المصالحة، وفي نُسخة: المصانعة، وهي
стр. 1492
فالأَوَّلُ كَبَيعٍ، إِن وقع عن مالٍ بمالٍ ففيه الشُّفْعَةُ والخِياراتُ، ويُفْسِدُهُ جهالةُ البَدَلِ.
وما استُحِقَّ مِنَ المُدَّعَى، رَدَّ المُدَّعي حِصَتَّه من العِوَضِ، وما استُحِقَّ من البَدَلِ رَجَعَ بِحِصَّتِهِ من المُدَّعَى. وكإجارة إِنْ وَقَعَ عن مالٍ بمنفعة، فيُشترطُ التَّوقِيتُ فِيِه،
===
الرِّشوة للأوصياء في أَموال اليتامى، وبه يُفتى، وإِليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِيْنَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِيْنَ يَعْمَلُوْنَ في البَحْرِ فأَردْتُ أَنْ أَعِيْبَهَا﴾ (١) حيث أَجاز التَّعْييبَ مخافةَ أَخذ المتغلِّب، كذا في «أَحكام الصِّغار»، وفي «المحيط»: لو رشى لدفع خوفه على نفسه، أَوْ ماله، أَوْ خوفاً على نسائه، أَوْ أَعطى مالاً لشاعر لا بأْس به، يعني صيانة لِعِرْضِه (فالأَوَّل) وهو الصلح مع الإقرار (كَبَيعٍ إِنْ وقع عن مال بمال) لوجود معنى البيع فيه، وهو مبادلة المال بالمال بالتراضي (ففيه) إِنْ كان عَقَارَاً (الشُّفْعة، و) فيه (الخِيارات) الثلاثة، وهي: خِيار العيب، وخيار الشرط، وخيار الرؤية، لأن هذه الأشياء من أَحكام البيع.
(ويُفْسِدُهُ جهالةُ البدل) وهو ما وقع عليه الصلح، لأن البيعَ يَفْسُدُ بالجهالة المفضية إِلى المنازعة. قيد بالبدل لأن جهالتَه هي المفضية إِلى المنازعة في الصلح، لأن المصالَحَ عنه لا يحتاج في الصلح إِلى تسليمه، فلا تضره الجهالة، بخلاف المُصالَحِ عليه، ولهذا لو كان البدلُ غيرَ مقدورِ التسليمِ يَفسدُ الصلح، ولو كان المُصَالح عنه كذلك لا يفسد، لأنه لا يحتاجُ إِلى تسليمه، وكذا يفسد البدل بجهالة الأجل إِذا جعل مؤجلاً (وما استُحِق من المُدَّعى) أَي المصالح عنه (رد المُدَّعي حِصَتَه من العوض) أَي البدل إِنْ كلاً فكلاً وإِن بعضاً فبعضاً (وما استُحِق من البدلِ رجع) المُدَّعي على المُدَّعى عليه (بحصته من المُدَّعى) إِنْ كلاً فبالكل وإِن بعضاً فبالبعض، لأن كل واحد منهما عوضٌ عن الآخر، وهذا حكم المعاوضة.
(وكإِجارة) عطف على كبيع، أَي والصلحُ عن إِقرار كإِجارة (إِنْ وقع عن مالٍ بمنفعة) لوجود معنى الإجارة، وهو تمليك المنفعة بمال، والاعتبار في العقود للمعاني. والأصل في الصلح أَنْ يُحمل على أَشبهِ العقود له فتجري فيه أَحكامه. (فيُشترط التوقيت فيه) أَي في الصلح الواقع عن مال بمنفعة، وهذا إِذا كانت المنفعةُ تُعلم بالتوقيت، كالخدمة وسُكنى الدار. قيدنا به لأنه لو كانت لا تُعلم به، كما لو صالح
стр. 1493
ويَبْطُلُ بموتِ أَحَدِهِما في المُدَّة، والآخَرَان مُعَاوَضةٌ في حَقِّ المُدَّعي، وفِدَاءُ يمينٍ وقَطْعُ نِزَاع في حَق الآخَرِ، فلا شُفعةَ في صُلْحٍ عن دارٍ، بل في الصُّلْحِ على دارٍ.
===
عن مالٍ على نقلِ هذا الشيء من ههنا إِلى ثَمَّة لا يُشترط التوقيت. (ويَبْطُل) الصلح (بموتِ أَحدِهِما في المدة) وبهلاكِ المنفعةِ قبل الاستيفاء، حتى لو صالح عن دعوى دار على سُكنى دار، أَوْ خدمة عبد سنة، أَوْ ركوب الدابة إِلى بغداد، أَوْ لبس هذا الثوب شهراً، ثم مات المُدَّعي أَوْ المُدَّعى عليه، أَوْ هلك محلُ المنفعة، فإِن كان قبل استيفاء شيء من المنفعة بطل الصلح فيعود إِلى الدعوى. وإِن كان بعد استيفاء بعضها بطل بقدْر ما بقي ورجعت دعواه بقدرِهِ.
وهذا قول محمد وهو القياس، لأن هذا الصلح إِجارة، وهي تَبْطُل بواحد من هذه الأشياء. وقال أَبو يوسف: إِنْ مات المُدَّعى عليه لا يبطل الصلح ويستوفي المُدَّعي المنفعة، وإِن مات المُدَّعي فكذلك في خدمةِ العبد وسُكنى الدار. ويقومُ الوارث مَقَامَه ويبطل في ركوب الدابة ولبس الثوب، لأن الصُلح لقطعِ المنازعة، وفي إِبطال الصلح بموت أَحدهما إِثارَتهَا بينهما، والناس متفاوتون في الركوب واللبس، فلا يقوم الوارث فيه مَقَامَ المورِّث للضرر الذي يلحقُ المالك.
(والآخَرَان) وهما الصلح مع إِنكار أَوْ سكوت (معاوضةٌ في حق المُدَّعي) لأنه يأخذُ بدلَ الصلح على أَنه عِوضٌ في زَعْمِهِ (وفداءُ يمينٍ وقطعُ نِزَاعٍ في حق الآخر) وهذا في الإنكار ظاهر، لأن بالإنكار تَبَيَّن أَنَّ ما يُعطيه لقطع الخصومةِ وفِداءِ اليمين، وكذا في السكوت، لأنه يحتمل الإقرار والإنكار، وعلى تقدير الإقرار يكون عِوَضَاً، وعلى تقدير الإنكار لا يكون، فلا يثبتُ كونه عوضاً بالشك.
ويجوزُ أَنْ يختلفَ حكمُ العقدِ وغيره في شخصين، كما في الإقالة، فإِنها فسخٌ في حقِ المتعاقدين بيعٌ في حق ثالث، وكالخلع فإِنه معاوضةٌ من جانب المرأَة يمينٌ من جانب الزوج، وكالنكاح فإِنه حِلٌّ في حق المتناكحَين تحريمٌ مؤبَّدٌ في حق أَصولهما، وكالجهة الواحدة في تحري القوم عند اشتباه القِبلة، فإِنها قِبْلَة في حق مَنْ وقع تَحَرِّيه عليها دون الآخر.
(فلا شُفعةَ في صلح عن دار) مع سكوت أَوْ إِنكار، لأنه يعتقدُ أَنها دارُه، باقية على مِلكه، فإِن ما يدفعه إِلى المُدَّعي ليس بعوضٍ عنها وإِنَّما هو لافتداءِ اليمين وقطع الخصومة (بل) الشفعةُ (في الصلحِ على دار) لأن المُدَّعي يأْخذها عوضاً عن المال، فكانت معاوضةً في حقه وإِن كان المُدَّعى عليه يُكذِّبهُ، فصار كما لو قال: اشتريتُ
стр. 1494
وما استُحِقّ من المُدَّعَى، فكما مَرَّ، وما استُحِقّ من العِوَضِ رَجَعَ إِلى الدَّعْوَى.
ولو صَالَحَ على بَعْضِ دَارٍ يَدَّعِيها لم يَصِحَّ. وحيِلَتُهُ أَن يَزِيدَ في البَدَلِ شيئًا، أَو يُبرِئَ عن دعوى الباقي.
وصَحّ الصُّلْحُ عن دَعْوى المالِ، والمَنْفَعِةِ،
===
هذه الدار من فلانٍ وفلانٌ يُنكر، حيث يأخذُها الشفيعُ بالشفعةِ (وما استُحِقّ) (١) في الصلح مع سكوت وفي الصلح مع إِنكار (من المُدَّعَى) وهو بفتح العين، و «مِنْ» بيانٌ لما (فكما مر) في الصلح مع إِقرار، من أَنْ المُدَّعي يردُ حِصَته من العِوضِ، لأن المُدَّعى عليه لم يدفع العِوضَ إِلا لدفعِ الخصومةِ عن نفسه، فإِذا ظَهَرَ الاستحقاق في الجميع، تبين أَنْ لا خصومة للمُدَّعي، فبقي العوِضُ في يده غير مشتمل على غرضه، فيسترده، وإِذا ظهر في بعضه تبين أَنْ لا خصومة له في ذلك البعض، فخلى العِوَض فيه عن الغرضِ الذي هو العوض.
(وما استُحِقّ من العِوَضِ رَجَعَ) المُدَّعي (إِلى الدعوى) في الكل إِنْ استحق الكل، وفي قَدْر المستحق إِنْ استُحق البعض، لأن المُدَّعي ما ترك الدَّعوى إِلا ليُسَلَّم له البدل، فإِذا لم يُسلَّمِ له رجع بالمُبْدَلِ وهو الدعوى. (ولو صَالَحَ على بعض دار يدعيها) بأَن صالحه على بيت معلوم منها (لم يصِحَّ) الصلح، وهو على دعواه في الباقي، لأن بعض الشيءِ لا يصلح عِوضاً عن كله. وبه قال مالك وأَحمد، وهو وجه في مذهب الشافعي.
(وحيلتُهُ) أَي حيلة جوازِ هذا الصُّلح (أَنْ يزيد) المُدَّعى عليه (في البدلِ شيئاً) ثوباً أَوْ درهماً، حتى يكون ذلك الشيءُ عوضاً عن الباقي في يده (أَوْ يُبراءَ) من الإبراء، بصيغة المفعول أي يُبرأ المدَّعى عليه، أو بصيغة الفاعل أي يبراء المُدَّعي المُدَّعى عليه (عن دعوى الباقي) بأَن يقول له المُدَّعي: أَبرأَتُك أَوْ برئتُ من دعوى هذه الدار، لأن الإبراء عن دعوى العين جائز.
(وصَحّ الصُلح عن دَعَوى المالِ) بمال وبمنفعة أَما بمنفعةٍ فلأنه في معنى الإجارة، وأَما بمال فلأنه بمعنى البيع في حقهما إِنْ وقع مع إِقرار، وفي حق المُدَّعي إِنْ وقع مع سكوت أَوْ إِنكار، وافتداء اليمين في حق الآخر.
(و) صح الصلح عن دعوى (المنفعةِ) بمال وبمنفعة، كإِن ادّعى في دار سكنى
стр. 1495
والجِنَاية في النَّفْسِ، وما دونها عَمْدًا أَو خَطَأً، والرِّقِ، ودَعْوَىَ الَّزْوجِ النِّكاحَ، وكان عِتْقًا بمالٍ وخُلْعًا.
ولم يَجُزْ عن دَعْوَاها النِّكَاح
===
سنةً وصيةً من رَبِّ الدار، فَجَحَدَه الوارث أَوْ أَقر به وصالحَه عن شيء جاز، لأن أَخذَ العوض عن المنفعةِ جائزٌ بالإِجارة، فكذا بالصلح، لكن لا يجوز بالمنفعة عن المنفعة، إِلا إِذا كانا مختلفِي الجنس، كما لو صالح عن السُّكنى على خدمة العبد، أَوْ زِراعة الأرض، أَوْ لبس الثياب. أَما إِنْ اتحد جنسهما كما لو صالح عن السُّكْنى على السُّكْنى، أَوْ عن الزراعة على الزراعة، فإِنه لا يجوز لأن المنفعة لا يجوز استئجارها بجنسها، ويجوز بخلاف جنسِهَا من المنافع، فكذا الصلح.
(و) صح الصلح عن دعوى (الجِنَايةِ في النفس وما دونها عَمْداً أَوْ خطأَ) سواء كان مع إِقرار أَوْ سكوت أَوْ إِنكار. أَما العمدُ في النفس فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِي لَهُ مِنْ أَخِيْهِ شَيءٌ فاتِّبَاعٌ بالمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إِليه بإِحْسَانٍ﴾ (١) ، فإِن معناه عند ابن عباس والحسن والضحاك: فمن أُعطي له وهو وليُّ القتيلِ من دم أَخيه أَي من جهةِ المقتول شيءٌ من المال بطريق الصلح. ونكَّرَه لأنه مجهولُ القدْر، فإِنه يُقدَّرُ بما تراضيا عليه. ﴿فاتباع بالمعروف﴾
أَي فَلِولِيِّ القتيل اتباعُ المُصَالِح ببدل الصلح على حُسْنِ معاملة. ﴿وأداء﴾
، أَي وعلى المُصَالِحِ أَداءٌ إِلى وليّ القتيل بإِحسان.
وأَما الخطأُ في النفس فلأَن موجبه المال، فيصير بمنزلةِ البيع، إِلا أَنه لا يصح الزيادة على قدر الدِّية إذا وقع الصلح على أحد مقادير الدية، كما لا يجوز الصلح على أَكثر من الدين من جنسه في دعوى الدَّين للربا، بخلاف الصلح عن القَوَدِ حيث تصح الزيادة فيه، لأن القَوَدَ ليس بمال. وأَما ما دون النفس فمعتبرٌ بالنفس، فيُلحق ما يُوْجِبُ القِصاصَ فيه بالعمد في النفس وما يُوْجِبُ المال فيه بالخطأ فيها.
(و) صح الصلح عن دعوى (الرِّقِ) بأَن ادّعى رجلٌ على آخَر أَنه عبدُه (و) عن (دعوى الزوج) على امرأَة (النكاح) والمرأَةُ تُنْكِرُه (وكان) الصلح عن الرق (عتقاً بمال) في حق المُدَّعي (و) عن النكاح (خُلْعَاً) في حق الزوج، لأنه أَمكن تصحيحُ الصلح فيهما بهذا الاعتبار، والصلح يجب حَمْلُهُ على أَقرب العقود إِليه وأَشبَهِهَا به احتيالاً لتصحيح تصرف العاقل ما أَمكن.
(ولم يَجُز) الصلحُ (عن دعواها) أَي المرأَةُ (النكاح) لأن بذل الزوجِ المالَ
стр. 1496
ولا عَنْ دَعْوَى حَدٍّ، وبَدَلِ صُلْح هو كَبَيعٍ على الوَكِيلِ، وما ليس كَبَيع كالصُّلْحِ عن دَمِ عَمْدٍ، أَو على بَعْضِ دَيْنٍ يدَّعِيهِ على المُوَكِّل.
وإن صَالَحَ فُضُوْليٌّ وضَمنَ البدلَ، أَو أَضافَ إِلى مَالِهِ، أَو أَشَارَ إِلى نَقْدٍ، أو عَرْضٍ، أو أَطْلَقَ ونَقَدَ، صَحَّ.
وإن لم يَنْقُدْ، إِن أَجَازَهُ المُدَّعَى عليه جاز، ولَزِمَ البَدَلُ،
===
على ترك الدعوى إِنْ كان فُرْقةً فالزوجُ لا يُعطي العِوضَ في الفُرْقَة، وإِن لم يكن فُرْقة فالحال على ما كان قبل الدعوى، وهي باقيةٌ على دعواها، فلا يكون ما أَخَذَتْهُ عوضاً عن شيء فلا يجوز. وفي بعض نُسخ القُدُوري: إِنْ الصلح جائز، ووجهُهُ أَنْ يُجعل بذل الزوجِ المال لها زيادة في مهرها، فيصير كأَنه زادها (في مهرها) (١) ، ثم خالَعَها على أَصل المهر دون الزيادة، فيسقط المهرُ غير الزيادة (ولا عَنْ دَعَوْى حدٍ) كأَن أَخذ رجل زانياً، أَوْ سارقاً، أَوْ شاربَ خمر لرفعه إِلى الحاكم، فصَالَحَه المأْخوذ على مالٍ أَنْ لا يرفعه إِلى الحاكم، فالصلح باطلٌ، ويَردُّ ما أَخذه منه، لأن ذلك حقُّ الله تعالى لا حقُّ الآخذ، والاعتياضُ عن حقِّ الغير لا يجوز.
(وبدلُ صُلحٍ) مبتدأ مضاف (هو كبيع) صفة صلح، بأن كان عن مال (على الوكيل) خبر المبتدأ، وإنما كان هذا البدلُ على الوكيل لأن الحقوقَ في البيع ترجع إِلى الوكيل، ومن جُمْلَتِهَا دفعُ البدل (وما ليس) أَي وبدل صلح ليس (كَبَيْعٍ، كالصلحِ عن دمِ عمدٍ، أَوْ على بعض دينٍ يدَّعِيْهِ على المُوَكِّل) لأن هذا الصلح إِسقاط محضٌ، فكان الوكيل فيه سفيراً ومعبِّراً، فلا يكون البدل عليه كالوكيل بالنكاح، إِلا أَنْ يُضمِّنَه، فإِنه حينئذٍ يُؤاخَذُ به لضمانه لا لعَقد الصلح.
(وإِن صَالَحَ فُضُوْليٌّ) بأَن صالح رجلٌ عن آخر بغير أَمره (وضمن البدلَ أَوْ أَضافَ إِلى ماله) بأَن قال: صالحتُك على عبدي فلان. (أَوْ أَشار إِلى نقدٍ) بأَن قال: على هذا الألف (أو عَرْض) بأن قال: على هذا الثوب (أَوْ أَطلق ونَقَدَ) بأَن قال: على أَلف وسلمها إِليه (صح) الصُّلْح في جميع هذه الصور، لأن الحاصلَ للمُدَّعى عليه البراءة، والساقِطُ يتلاشى ويضمحلُّ، فاستوى الفضولي والمُدَّعى عليه.
(وإِن) أَطلقَ و (لم يَنْقُد) بأَن قال: صالحتك على أَلف فهو موقوف (إِنْ أَجازه المُدَّعى عليه جاز) لأن نفع الصلح ـ وهو رفعُ الخصومةِ ـ حاصل له (ولَزِمَ البدلُ) المُدَّعى عليه لالتزامه إِياهُ باختياره.
стр. 1497
وإلا رُدَّ.
وصُلْحُهُ على جِنْس مَا لَهَ عليه أَخذٌ لبعض حَقِّهِ وحطٌّ لِبَاقِيِه، لا مُعَاوَضَة.
فَصَحَّ عن أَلفٍ حالٍ على مِئَة حَالَّةٍ، أَو على أَلف مُؤَجَّل، أَو عن أَلفٍ جِيَادٍ على مئَةٍ زُيُوفٍ.
ولَمْ يَصِحَّ عن دَرَاهِمَ على دَنَانِيرَ مُؤَجَّلَهٍ، أَو عن أَلفٍ مُؤَجَّلٍ على نِصْفِهِ حالًا، أَو عن أَلفٍ سُودٍ على نِصْفِهِ بِيضًا.
===
(وإِلا) أَي وإِنْ لم يُجزه المُدَّعى عليه (رُدَّ) لأن المُصَالِحَ هنا ـ وهو الفُضُوليّ ـ لا ولاية له على المطلوب، فلا ينفُذُ تصرفه عليه (وصلحه على جنس مَا لَهَ) وهو بفتح اللام (عليه أَخذٌ لبعض حقهِ وحطٌّ لباقيه) لأن تصرفَ العاقلُ يُتحرى لتصحيحه ما أَمكن، وقد أَمكن ذلك فيُحمل عليه (لا معاوضة) لإفضائه إِلى الربا.
(فصح) الصلح (عن أَلفٍ حالَ على مئةٍ حالَّة) فكان إبراءً له من تسع مِئة (أَوْ على أَلف مؤجل) وصار كأَنه أَجَّل نفس الحق، إِذْ لا يمكن جعلُه معاوضةً، لأن بيعَ الدراهم بمثلها نسيئة لا يجوز. (أَوْ عن أَلفٍ جياد) عطف على أَلف حال (على مئة زيوف) وصار كأَنه أَسقط بعض حَقِّه وصفته.
(ولم يَصِح) الصلح (عن دراهم على دنانير مؤجلة) إِذْ لا وَجْه لصحَّة ذلك سوى المعاوضة، وبيع الدراهم بالدنانير نَسَاءً لا يجوز، ولا يمكنُ حَمْله على التأْخير لأن الدنانير غير مستحَقة بعقد المداينة (أَوْ عن أَلفٍ مؤجلٍ على نصفه حالاً) لأن الحالَّ خير من المؤجل، (والمستَحَقُّ هنا بعقد المداينة هو المؤجل) (١) ، فيكون تعجيل الخمس مئة التي كانت مؤجلةً بمقابلة الخمس مئة المحطوطة، وذلك اعتياض عن الأجل، وهو حرَام، أَلا ترى أَنْ ربا النَّساء حرام لشبهةِ مبادلةِ المال بالأجل، فلأَن يحرم حقيقته أَولى، وبه قال مالك والشافعي وأَحمد وأَكثر العلماء.
(أَوْ عن أَلفٍ سُودٍ على نصفهِ بِيْضَاً) لأن البيضَ غير مُستحَقَّةٍ هنا بعقد المداينة وهي زائدة وصفاً، فيكون هذا الصلح معاوضة أَلف بخمس مئة وزيادة وصف وهو ربا، بخلاف ما لو صالح على قدر الدَّين وهو أَجود، لأنه معاوضة المِثْل بالمِثْل ولا معتبر بالجَوْدة لأنها ساقطة الاعتبار في الأموال الربوية، إِلا أَنه يشترط القبض في المجلس لأنه صرف.
стр. 1498
ومَنْ أُمِرَ بأَداءِ نِصْفِ دَيْنٍ عليه غدًا، على أَنه بريءٌ مِمَّا زَادَ، إِنْ قَبِلَ بَرِئَ، وإِنْ لم يَفِ عَادَ دَيْنُهُ.
ولو عَلَّقَ صريحًا، كـ: إِن أَدَّيتَ إِليَّ كذا، فأَنت بريءٌ من الباقي، لا يَصِحُّ. ولو صَالحَ أَحدُ رَبَّيْ دَينٍ عن نِصْفِهِ على ثوبٍ اتَّبَعَ شَريكُهُ غرِيمَه بنصْفِهِ، أَو أَخَذَ نِصْفَ الثوب من شريكِهِ.
===
(ومَنْ أُمِرَ) بصيغة المجهول (بأَداء نصف دَيْن عليه غداً، على أَنه بريءٌ مما زاد) على النصف. (إِنْ قَبِلَ بَرِاءَ) مما زاد على النِصف إِنْ وفَّى بأَن أَدى نصفَ الدين في الغد براء (وإِنْ لم يف عاد دَينُهُ) كما كان ولم يبرأْ مما زاد على النصف، وهذا عند أَبي حنيفة ومحمد لأنه إِبراءٌ مقيدٌ بالشرط. وقال أَبو يوسف: بَرِاء مما زاد (على النصف) (١) لأنه إِبراءٌ مطلق.
(ولو علق صريحاً، كإِن أَديتَ) أَوْ إِذا أَديت أَوْ متى أَديت نصف الدين (إِليَّ كذا، فأَنت بريءٌ من الباقي لا يصحُّ)، لأنه تعليقٌ بالشرط صريحاً، وتعليق البَرَاءةِ بالشرط باطلٌ لما فيها من معنى التمليك. والفرقُ بين التقييد والتعليق إِما من حيث اللفظ: فإِن التقييدَ لا يُستعمل فيه لفظُ الشرط صريحاً وفي التعليق يُستعمل، وإِما من حيث المعنى: فإِن تقييد الإبراء بالشرط يحصُل به الإبراء في الحال، بشرط وجود ما قيد به، وفي التعليق لا يحصُل في الحال لأن المعلق بالشرطُ يُعدُّ معدوماً قبله، فكان التعليقُ بمنزلةِ الإضافة إِلى وقت الشرط.
(ولو صالح أَحدُ رَبَّيْ دينٍ عن نِصْفِهِ) أَي نصف الدَّيْن (على ثوبٍ اتَّبَعَ شَريكهُ غريمَه بنصْفِهِ) أَي نصف الدين لأن نصيبَه باقٍ في ذِمَّة الغريم، فإِن القابضَ قبض نصيبَ نفسِهِ (أَوْ أَخذ نِصْفَ الثوب من شريكِهِ) لأن له حقَّ المشاركة، إِلا أَنْ يضمنَ له شريكُهُ رُبُعَ الدَّين، لأن حقه في ذلك. قيد المصالح عنه بكونِهِ دَيناً، لأنه لو كان عيناً مشتركة لاختص المصالِحُ ببدل الصلح، وليس لشريكه أَنْ يشارَكَه فيه لكونه معاوضةً من كل وَجْه، لأن المصالَحَ عنه مالٌ حقيقةً، بخلاف الدَّيْن. وقيد المصالح عليه بكونه ثوباً، لأنه لو صالَحَه على جنسِهِ لشاركه فيه أَوْ رجع على المَدِين.
وقال البِرْجَنْدي: وإِنّما قال: على ثوب لأنه لو وقعت المُقاصَّة (٢) بدَينِهِ السابق لا
стр. 1499
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يرجعُ الشريكُ الآخَر عليه. وقال أَبو المكارم: أَما ذِكْرُ الثوبِ فاتفاقيٌّ، إِذْ لو صالح عن نصيْبِهِ على جنس الدين كان للساكت اتباعُ غريمه بنصفِهِ الباقي، أَوْ اتباع شريكه بنصف المصالَح عليه. ولو قال سراً: لا أُقرُّ بما لَكَ عليه حتى تؤخِّرَه عني أَوْ تَحُطَّ، ففعل، صح (١) ، لا عن إِكراه، لأنه بهذا لا يصيرُ مَكرَهاً، لأنه يمكنه دفع هذا بإِقامة البينة أَوْ الاستحلاف لينكُل. أَلا ترى أَنْ الصُلْحَ عن الإنكارِ يجوزُ ولا يتحققُ فيه معنى الإكراه لما قدمناه، والله تعالى أَعلم.
стр. 1500
كتاب الحُدُود
والحدُّ عقوبة مُقَدَّرَةٌ، تَجِبُ حقًّا لله تعالى. فلا تعزيز ولا قِصَاصَ حَدًّا.
والزِّنَا وَطْءٌ في قُبُلٍ خالٍ عن مِلكٍ
===
كتاب الحُدُوْد
(الحدُّ) لغةً: المنع. ويُسمى التعريفُ الجَامِعُ المانعُ حداً لأنه يجمعُ معاني (١) الشيءَ ويمنعُ دخولَ غيرِهِ فيه. وشرعاً: (عقوبةٌ مقدرةٌ تجبُ حقاً لله تعالى) لأنها تمنعُ من ارتكابِ أَسبابها. وحدود الله أَيضاً محارِمُهُ، لأن العبادَ ممنوعون من اقترابها، قال الله تعالى: (﴿تلك حدودُ افلا تَقْرَبُوُهَا﴾ (٢) ، وهي أَيضاً أَحكامه، لأنها تمنع من التجاوز عنها، قال :) (٣) ﴿تلك حدودُ اللَّهِ فلا تَعْتَدُوها﴾ (٤) .
وإِنما كان الحدُ حقاً لله لأنه شُرِعَ لمصلحةٍ تعود إِلى الناس كافة، فحدُّ الزنا لحفظِ الأنساب، وحدُّ القذْفِ لحفظ الأعراضِ، وحدُّ السرقة لحفظِ الأموال.
والمقصودُ الأصليُ من شَرْعِ الحدِّ هو انزجارُ النفوسِ عن شهواتِهَا غير الشرعية، والردعُ عما يتضررُ به العباد، وصيانة دار الإسلام عن الفساد.
وأَما الطُّهْر عن الذنب فليس بحكمٍ أَصلي لإقامة الحدِّ، لأنه لا يحصل إِلا بالتوبة. قال الله تعالى في حق قُطَّاعِ الطريق: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ في الدُّنْيَا ولَهُمْ في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيْمٌ إِلاَّ الّذِيْنَ تَابُوا من قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عليهم فاعْلَمُوا أَنّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيْمٌ﴾ (٥) ، ولهذا يُقام الحدُّ على الكافر، ولا طُهْرَ له، وعلى كُرْهٍ ممن أُقيم عليه.
(فلا) (تعزيزَ ولا قصاصَ حداً) أَما التعزيز (٦) فلعدم التقدير، وأَما القصاص فلأنه يجب حقاً للعبد، ولهذا أَجاز العفو عنه والاعتياض منه.
(والزنا) أَي الموجِب للحد، وهو بالقصر وقد يمد (وطءٌ في قُبُلٍ خالٍ عن ملكٍ
стр. 1501
وشُبْهَتِهِ. ويَثْبُتُ بشهادةِ أَربعةٍ بالزِّنَا،
===
وشبهتِهِ) كمعتدة البائنِ الثلاث. قال صاحب «الهداية»: ويؤيد ذلك قوله ﷺ : («ادرؤا الحدودَ بالشبهات». رواه ابن عَدِي بهذا اللفظ، والمعروف:) (١) «ادرؤا الحدودَ عن المسلمينَ ما استطعتم». رواه أَحمد وغيره. ولا بد من تقييد الوطاء بكون الموطوءةِ مُشتهاة، ليخرج وطءُ البهيمةِ والتي لا تُشْتهى لموت أَوْ صغرٍ، وبكون الواطء مكلفاً طائعاً ليخرج المجنونُ والصبي والمُكْرَه، وبالقُبُلِ لأن الزنا يختص به عند أَبي حنيفة وأَلحقا به الدُّبر، فرتَّبا على الإيلاج فيه الحد، لما سيأتي.
(ويَثْبُتُ) الزنا ثبوتاً ظاهراً عند القاضي (بشهادةِ أَربعةٍ) لا بمجردِ علم القاضي، لأن علمَه ليس بحجةٍ في هذا، لأن الحدودَ تندفع بالشُبهة والتُّهْمة، وإِن كان القِيَاسُ أَنه حجةٌ، كما قاله أَبو ثور والشافعي (بالزنا) لا بالوطء ولا بالجماع، لأن لفظ الزنا هو الدال على فعلِ الحرام والفاحشةِ، كما قال الله تعالى: ﴿ولَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وسَاءَ سِبْيَلاً﴾ (٢) والوطءُ والجماعُ محتملان. وشُرِط في الشهود أَنْ يكونوا أَربعةً، لقوله تعالى: ﴿واللاتي يَأتِيْنَ الفَاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٣) وقوله: ﴿والّذين يَرْمُوْنَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بأَربعةِ شُهَدَاءَ﴾ (٤) .
وذلك لأن الله تعالى يحبُ الستر على عبادِهِ. وفي اشتراطِ الأربعة يتحقق معنى الستر، إِذْ وقوف الأربعةِ على هذه الفاحشة في غاية من النُّدْرة. ويُشترط اتحادُ مجلس شهادتهم، وبه قال مالك، وأَحمد، والأوزاعي، والحسن بن صالح، حتى لو شَهِدُوا بالزنا متفرقين يُحَدُّون حدَّ القذف، ومجلسُ شهادتِهِم هو ما دام الحاكم جالساً. ولا يُشترط عند الشافعي اتحادُ مجلِسِهم لإطلاق قوله تعالى: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٥) وللاعتبار بسائر الحقوق.
ولنا قول عمر: ولو جاءَ مثلُ ربيعةَ ومُضَر فُرَادى لجلدتُهم، ولأن قولَ الواحد قبل قول غيره يقعُ قذفاً، وكذا الثاني والثالث، فلا ينقلب شهادةً. ولو كان الزوجُ أَحدَهم تُقبل عندنا، ولا تُقبل عند الشافعي، لأن فيه تُهمة. ولنا أَنه يُعَيَّرُ بزنا امرأَته، فكان أَبعد عن التهمة، وصار كشهادةِ الوالد على زنا ولده.
стр. 1502
فيسأَلُهم الإمامُ: ما هو؟ وكيف هو؟ أَين زنا؟ ومتى زنا؟ وبمَنْ زنا.
فإِن بَيَّنُوا وقالوا: رأَينا كالمِيل في المُكْحُلَةِ، وعُدِّلوا سِرًّا وعلَنًا، حَكَمَ بِهِ، وبإقرَارِه أَربعًا
===
(فيسأَلُهم) أَي فإِذا شَهِدُوا سأَلهم (الإمام) أَوْ نائبه في الأحكام (ما هو) أَي عن ماهيةِ الزنا، لأنه قد يُطلق على كل فعل حَرَامٍ بالنسبة إِلى النساءِ، ففي الحديث: «إِنْ العينَانِ لتزْنِيَانِ وزِنَاهُمَا النَّظَر، وإِن اليَدَيْن لتزنيان وزناهما البَطْش، وإِن الرجلَين لتزنيان وزناهما المشيُ، والفرجُ يصدِّق ذلك أَوْ يُكذبه» (١) .
(و) يسأَلهم (كيف هو) أَي عن كيفيته، لئلا يكون ما شهدوا به وقع منه وهو مُكْرَه، أَوْ تماسّ بالفرجين لا إِيلاج، (و) يسأَلهم (أَين زنا) أَي عن مكانِهِ، لأن الزاني في دار الحرب أَوْ البغي لا يُحد.
وعند الشافعي يُحد. ولنا ما رواه البيهقي عن الشافعي قال: قال أَبو يوسف: حدثنا بعض مشايخنا عن مكحول عن زيد بن ثابت قال: لا تقام الحدود في دار الحرب مخافَة أَنْ يلحقَ أَهلُهَا بالعدو. وروى الترمذي والنسائي عن بُسْر بن أَرطاة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تُقطع الأيدي في السفر». ولفظ الترمذي: في الغزو. وأَما قول صاحب «الهداية»: ولنا قوله ﷺ : «لا تُقام الحدود في دار الحرب» فرفعُهُ غيرُ معروف.
(و) يسأَلُهم (متى زنا) أَي عن زمانه، لأن الزنا المتقادِم، أَوْ في حال الصِّبى أَوْ الجنون لا يُوجب الحد. ومدة التقادم شهر في الأصح. (و) يسأَلهم (بمن زنا)، لئلا تكون زوجته أَوْ جاريته، أَوْ جارية ابنه، أَوْ موطوءة بشُبهة لا يعلمون بها.
(فإِن بيَّنُوا) ما سأَلهم عنه (وقالوا: رأَينا) الرجل زنا بها (كالمِيل في المُكْحُلة) وهو بضمتين: وعاء الكُحل (وعُدِّلوا سراً وعلَنَاً) أَما عند مَنْ لا يَكْتَفِي بظاهرِ العدالة في غير الحدود من الحقوق فهو ظاهر، وأَما عند من يَكْتَفِي فهو احتيال في درء الحدود منه احتياطاً (٢) (حَكَمَ بِهِ) أَي بالزنا أَوْ بالحد. قيد ببيان الشهود ما سأَلوا عنه، لأنهم لو لم يبيِّنُوا بأَن لم يزيدوا على قولهم: زنا، لا يُحدُّ المشهودُ عليه للشبهة، ولا الشهود لأنهم شهدوا بالزنا، وسؤالهم إِنما هو للاحتياط، حتى لو وصفُوه بغير وصفِهِ يُحدَّون، ثم القاضي يحبسُ المشهودَ عليه بالزنا حتى يسأَل عن الشهود.
(وبإِقراره) أَي ويثبتُ الزنا بإِقرار الزَّاني بأَنه زنا، حراً كان أَوْ عبداً (أَربعاً) أَي
стр. 1503
في أَربعةِ مجالس، رَدَّهُ الإمامُ كَلَّ مَرَّةٍ،
===
أَربع مراتٍ (في أَربعةِ مجالس) من مجالسِ المُقرّ، فإِن الإقرار قائمٌ به فيعتبرُ مجلِسُهُ دون مجلسِ القاضي، (رده الإمام كلَّ مرةٍ) أَي من المرات الثلاث، فإِنه إِذا أَقر مرةً رابعة لا يرده بل يقبله فيسأَله كما مَرَّ من الأمور الخمسة. إِلا متى زنا، لأن التقادم لا يمنع الإقرار. وقيل: يسأَله لاحتمال أَنْ يكون في زمن الصِّبَى أَوْ الجنون. ثم اختلاف مجالس المُقرّ في الزنا شرطٌ عندنا خلافاً لأحمد وابن أَبي ليلى، فإِنهما قالا: لا يشترط اختلاف مجالس المقرّ، وإِنما يُشْتَرط العدد اعتباراً للإقرار بالشهادة. ولنا ما سيأْتي من حديث مَاعِز الأسْلَميّ وهو بكسر مهملة فزاي.
وفي «الإيضاح»: ينبغي للإِمام أَنْ يزجره عن الإقرار ويُظْهِر الكراهة له، فقد روى أَبو داود والنَّسائي وأَحمد في «مسنده» عن يزيد بن نُعَيْم بن هَزَّال عن أَبيه قال: كان ماعزُ ابن مالك يتيماً في حَجْرِ أَبي فأَصاب جاريةً من الحي، فقال له أَبي: ائْت رسول الله فأَخبِرْه بما صنعت لعلَّه يستغفر لك، وإِنما يريد بذلك رجاء أَنْ يكون له مخرج فأَتاه (١) فقال: يا رسول الله إِني زنيتُ (فأَقم عليّ كتاب الله)، فأَعرض عنه، فعاد حتّى قالها أَربع مراتٍ.
فقال ﷺ : «إِنك قد قلتها أَربع مراتٍ، فبمن؟» قال: بفلانة. قال: «هل ضاجعتها؟» قال: نعم. قال: «هل باشرتها؟» قال: نعم. قال: «هل جامعتها؟» قال: نعم. فأَمر به أَنْ يُرْجم (فأُخرج إِلى الحَرَّة) (٢) ، فلمَّا وجد مسّ الحجارة خرج يشتدّ، فلقيه عبد الله بن أُنَيْس فنزع له بَوظِيْف (٣) بعيرٍ فقتله. وذكر ذلك للنبيّ ﷺ فقال: «هلاّ تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه». وزاد فيه أَحمد: قال هشام: فحدَّثني يزيد بن نُعَيْم عن أَبيه أَنّ رسول الله ﷺ قال له حين رآه: «والله يا هزَّال لو كنت سَتَرْته بثوبك لكان خيراً لك ممّا صنعت به».
وروى أَيضاً أَبو داود والنَّسائي من حديث أَبي هريرة قال: جاء الأسلميُّ نبيَّ الله ﷺ فشهد على نفسه أَنه أَصاب امرأَة حراماً أَربع مراتٍ، كل ذلك يُعْرض عنه. فأَقبل في الخامسة فقال: «أَنِكْتَها؟» (قال: نعم) (٤) ، قال: «حتى غاب ذلك منك في
стр. 1504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ذلك منها»؟ قال: نعم. قال: «كما يغيب المِرْوَد (١) في المُكْحُلَة، والرِّشَاءُ (٢) في البئر؟» قال: نعم. قال: «فهل تدري ما الزنا؟» قال: نعم، أَتيت منها حراماً مثلما يأَتي الرجل من امرأَته حلالاً. قال: «فما تريد بهذا القول؟» قال: أَريد أَنْ تطهرّني، فأَمر به فرُجِمَ.
وفي «صحيح مسلم» عن بُرَيْدة قال: كنت جالساً عند النبي ﷺ إِذْ جاء ماعز بن مالك فقال: يا رسول الله إِني زنيت وإِنما (٣) أَريد أَنْ تطهرَّني. فقال له ﷺ : «ارجع». فلما كان الغد، أَتاه أَيضاً فاعترف عنده بالزنا، فقال له: «ارجع». ثمّ عاد الثالثة فاعترف عنده بالزنا، ثم رجع الرابعة فاعترف. فأَمر النبيّ ﷺ فحُفِرَ له حفرةٌ فجُعِلَ فيها إِلى صدره، ثمّ أَمر الناس فرجموه. قال بُرَيْدة: كنا نتحدث ـ أَصحاب نبي الله ـ أَنْ ماعزاً لو جلس في رَحْله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يطلبه، وإِنما رجمه بعد الرابعة.
وقال مالك والشافعي: يكفي في الإقرار مرَّة واحدة لما روى الشيخان من حديث أَبي هريرة وزَيْد بن خالدِ الجُهَنِيِّ: أَنْ رجلاً من الأعراب أَتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أَنْشُدُك الله إِلاَّ قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر ـ وهو أَفقه منه ـ: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي.
فقال رسول الله ﷺ : «قل». قال: إِنْ ابني هذا كان عَسِيفاً على هذا ـ أَي أَجيراً له ـ فزنى بامرأَته، وإِني أُخْبِرْت أَنْ على ابني الرجم، فافتديت منه بمئة شاةٍ ووليدةٍ (٤) : فسأَلت أَهل العلم، فأَخبروني: أَنَّ على ابني جلد مئة وتغريب عام، وأَن على امرأَة هذا الرجم. فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لأقْضِيَنَّ بينكما بكتاب الله، أَمّا الوليدة والغنم فردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عامٍ. واغْدُ يا أُنَيْس إِلى امرأَة هذا، فإِن اعترفت فارجمها». قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأَمر بها رسول الله ﷺ : فرُجِمَت.
(ووجه الدلالة أَنْ رسول الله ﷺ (٥) عَلَّق رجمها باعترافها، ولم يشترط الأربع. وروى مسلم عن بُرَيْدَة قال: أَتت امرأَة من غَامِدٍ من الأزْد فقالت: يا رسول الله طَهِّرْنِي. فقال: «وَيْحَكِ ارجعي فاستغفري الله وتُوبي». قالت: أَتريد أَنْ تَرُدَّنِي كما
стр. 1505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رددت ماعزاً؟. قال: «وما ذاك؟» قالت: إِني حُبْلَى من زنا. فقال لها: «حتى تضعِي ما في بطنكِ؟» قال: فَكَفَلَهَا رجلٌ من الأنصار حتى وضعت. ثم أَتى النبيّ ﷺ فقال: قد وضعت الغَامِدِيّة. فقال: «إِذاً لا نرجمها ونَدَع ولدها صغيراً ليس له من يُرْضِعُهُ». فقام رجلٌ من الأنصار فقال: إِليْ رضاعه يا رسول الله، فرجمها.
قالوا: وإِنما ردّ النبيّ ﷺ ماعزاً أَربعَ مْراتٍ، لأنه ﷺ ظنَّ أَنْ في عقله شيئاً، لا لكونه شرطاً، في وجوب الحدّ.
وقد جاء في «صحيح مسلم» عن جابر بن سَمُرَة قال: أُتِيَ رسول ﷺ برجلٍ قصيرٍ أَشعثَ (١) ، ذي عضلاتٍ، عليه إِزارٌ، وقد زنى. فردّه مرتين، ثم أَمر به فرُجِمَ. والعَضَلة بفتحتين: كل لحمة صلبة.
وفيه أَيضاً عن أَبي سعيد الخُدْرِي: «أَنه اعترف بالزنا ثلاث مراتٍ. قالوا: وهذا يُضْعِفُ القول باشتراط الأربع. وأُجيب عن حديث العَسِيف بأَنْ معناه: «واغدُ يا أُنَيْس على امرأَة هذا، فإِن اعترفت» الاعتراف المعهود بالردّ أَربع مراتٍ. وأَمّا حديث الغامدية، فالجواب عنه أَنْ الراوي قد يختصر الحديث، ولا يلزم من عدم الذِّكْر عدمُ الوقوع. وأَيضاً فقد ورد في «مسند البزَّار»: أَنه ردَّها أَربع مراتٍ.
وأَمّا قولهم: أَنه ﷺ ردّ ماعزاً أَربع مرّاتٍ لأنه ظنّ أَنْ بعقله شيئاً، فالجواب عنه: أَنْ النبي ﷺ سأَل عن عقله بعد اعترافه الرابعة، لما في الصحيحين من حديث جابر ابن عبد الله: أَنْ رجلاً من أَسلم جاء إِلى رسول الله ﷺ فاعترف بالزِّنا فأَعرض عنه، ثم اعترف فأَعرض عنه، حتّى شهد على نفسه أَربع شهادات. فقال له النبيّ ﷺ : «أَبك جنونٌ؟» قال: لا. قال: «فهل أُحْصِنْتَ؟» قال: نعم، فأَمر به فرُجِمَ. زاد البخاري: فقال له النبي ﷺ خيراً، وصلّى عليه. انتهى.
ولو كان التكرار أَربعة إِنما هو لاختبار عقله لَمَا كان في السؤال عنه بعد الرابعة فائدةٌ، وكيف وقد ورد أَنه ﷺ ردّه بعد أَنْ أُخْبِرَ بعقله فيما رواه مسلم من حديث بُرَيْدَة (٢) : أَنْ ماعزاً أَتى رسول الله ﷺ فردَّه، ثم أَتاه الثانية من الغد فردَّه، ثم أَرسل إِلى قومه: «هل تعلمون بعقله بأساً؟» فقالوا: ما نعلمه إِلا وَفيّ العقل من صالحينا. فأَتاه
стр. 1506
فإِنْ بَيَّن حُبِّبَ تَلْقِينُهُ رُجُوْعَهُ، بِـ: لَعَلَّكَ لَمَسْتَ وَنَحْوه،
===
الثالثة، فأَرسل إِليهم أَيضاً يسأَل عنه، فأَخبروه: أَنه لا بأْس به ولا بعقله. فلمَّا كان الرابعة حَفَرَ له حُفَرَةً فرجمه.
وفي «مسند أَحمد»، و «مصنف» ابن أَبي شَيْبَة عن عبد الرحمن بن أَبْزَى، عن أَبي بكر أَنه قال: أَتى ماعز بن مالك النبيّ ﷺ فاعترف وأَنا عنده مرّةً فردّه، ثم جاء فاعترف عنده الثانية فردّه، ثم جاء فاعترف عنده الثالثة، فردّه، فقلت له: إِنْ اعترفت الرابعة رجمك. قال: فاعترف الرابعة فحبسه، ثم سأَل عنه، فقالوا: لا نعلم به إِلاَّ خيراً، فأَمر به فرُجِمَ. وهذا صريح الدلالة على اشتراط الأربع لكن في إِسناده جابراً الجُعْفِيّ.
وأَما قولهم: جاء في الصحيح: أَنه ﷺ ردّه مرتين أَوْ ثلاث مرّات، فالجواب عنه أَنه ردّه مرتين بعد مرتين، واختصره الراوي، يدلّ على ذلك ما رواه أَبو داود والنَّسائي من حديث سِمَاك، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس قال: أُتِيَ النبي ﷺ بماعزِ بن مالك، فاعترف مرتين، فقال: «اذهبوا به»، ثم قال: «ردوه». فاعترف مرتين حتّى اعترف أَربعاً، فقال النبيّ ﷺ : «اذهبوا به فارجموه». فتبين من هذا أَنْ المرتين المذكورتين في «الصحيح» من الأربع، وكذا رواية الثلاث. وتتفق بذلك الأحاديث، والله تعالى أَعلم.
ولا يُعْتبر إِقراره عند غير القاضي ممّن لا ولاية له على إِقامة الحدود ولو كان أَربع مراتٍ، حتّى لا تُقْبل الشهادة عليه بذلك، لأنه إِنْ كان منكراً فقد رجع عن إِقراره، وإِن كان مقرّاً فلا تُعْتَبر الشهادة بالإقرار مع الإقرار. ولو أَقرّ بالزنا مرتين، وشهد عليه أَربعة لا يحدّ عند أَبي يوسف. وقال محمد: يُحَدّ لأن هذا الإقرار ليس بحجَّة، فلا يعتدّ به، فبقيت الشهادة وحدها حُجَّة فتُقْبل. ولأبي يوسف: أَنْ الإقرار موجودٌ حقيقةً، لكنه غير مُعْتَبرٍ شرعاً، فأَورثت حقيقتُه شبهةً، والحد يُدْرأ بالشبهة. ولا شبهة أَنّ حجَّة محمد أَقوى، فإِن الشهادة إِذا كانت وحدها حجّة فكيف يُورِث بتأْكيد إِقراره شبهة.
(فإِنْ بَيَّنَ) أَي المقِرُّ ما مرّ أَنه يُسْأَلُ عنه (حُبِّبَ) أَي نُدِبَ (تَلْقِينُهُ رُجُوْعَهُ، بِـ: لَعَلَّكَ لَمَسْتَ وَنَحْوِهِ) وهو لعلك قبَّلْت، لعلّك وطئت بشبهةٍ، لما في «المستدرك» عن حَفْص بن عمر العَدَني: حدّثنا الحكم بن أَبان، عن عِكْرِمة، عن ابن عبَّاس: أَنَّ ماعزاً أَتى إِلى رجلٍ من المسلمين فقال له: إِني أَصبت فاحشةً، فما تأَمرني؟. فقال له: فاذهب إِلى رسول الله ﷺ ليستغفر لك، فأَتى النبي ﷺ فأَخبره، فقال له: «لعلَّكَ قَبَّلتها». قال: لا. قال: «أَمسستها؟ (١) ». قال: لا. قال: «فعلت بها كذا ولم
стр. 1507
فإِن رَجَعَ قَبْلَ حَدِّهِ أَو وَسَطَهُ خُلِّي، وَإلَّا حُدَّ.
وَهُوَ لِلْمُحْصَنِ، أَي: لِحُرٍّ مُكَلَّف مُسْلِمٍ، وَطِئ بِنِكَاحٍ صَحِيح، وَهُمَا بِصِفَةِ الإِحْصَانِ، رَجْمُهُ في فَضَاءٍ حَتى يَمُوْتَ.
===
يكن؟» قال: نعم. قال: «اذهبوا وارجموه». ولفظ البخاري: «لعلَّك قبَّلت أَوْ غمزت أَوْ نظرت». قال: لا. قال: «أَفَنِكْتَهَا»؟ قال: نعم، فعند ذلك أَمر برجمه.
(فإِن رَجَعَ قَبْلَ حَدِّهِ، أَوْ وَسَطَهُ (١) ، خُلِّيَ) أَي تُرِكَ، وهو قول الشافعيّ وأَحمد ورواية عن مالك. وعنه وهو قول ابن أَبي ليلى: أَنه لا يُخَلّى، لأن الحدّ وجب بإِقراره، فلا يبطل بعد ذلك بإِنكاره إِذا وجب بالشهادة، وصار كالقَود وحد القذف. وعنه: إِنْ ذكرَ لإقراره تأويلاً بأَن قال: حَسِبْتُ المفاخذة زنا، خُلّي. (وَإِلاَّ) أَي وإِن لم يرجع (حُدَّ) وإِنما يُخَلَّى إِذا رجع قبل كمال الحدّ، لأن الرجوع يحتمل الصدق كالإقرار، وليس أَحد يكذبه فيه فتتحقّق الشبهة في الإقرار بخلاف ما فيه حقّ العبد ـ وهو القصاص والقذف ـ لوجود من يكذّبه فيه.
وعلماؤنا والشافعيّ اعتبروا الإقرار من ذميّ بالزنا بذمية حتى يُحَدُّ به، ولا يعتبره مالك. ولا تَحَدُّ امرأَة بظهور حَبَلٍ بها من غير بَعْلٍ لها، لأن احتمال كونه من نكاحٍ صحيحٍ أَوْ فاسدٍ شبهةٌ دارئةٌ للحدّ. وحدَّها مالك لِمَا سيأَتِي من قول عليّ: أَيما امرأَةٍ جيءِ بِهَا وبها حَبَلٌ أَوْ اعترفت، فالإمام أَول مَنْ يرجم، (ولأن ظهوره بلا زوج دليلُ زناها، فلو ادعت أَنه من نكاحٍ لا تقبل عنده، لأنه (٢) ) خلاف الظاهر.
(وَهُوَ) أَي الحدّ (لِلْمُحْصَنِ) بفتح الصاد وكسرها (أَي لِحُرَ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ) وفي الذمي خلافٌ يأَتي (وَطِاء) امرأَةً قبل الزنا (بِنِكَاحٍ صَحِيْح وَهُمَا بِصِفَةِ الإِحْصَانِ) أَي قبل هذا الوطاء ـ والجملة حالية ـ حتى لو وطاء بنكاحٍ صحيحٍ ـ وهو بصفة الإحصان ـ كافرةً أَوْ مملوكةً أَوْ مجنونةً أَوْ صبيّةً، أَوْ وهو بغير صفة الإحصان مسلمةً حرَّةً بالغةً عاقلةً لا يكون مُحْصَنَاً. فقوله: هو لِلْمحْصَن مبتدأ خبره قوله: (رَجْمُهُ في فَضَاءٍ حَتَّى يَمُوْتَ).
أَمّا الحرّية، فلأن الإحصان يطلق عليها. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ (٣) أَي ما على الحرائر بإِجماع
стр. 1508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأُمة، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ المُحْصَنَاتِ﴾ (١) أَي الحرائر، ولأنها ممكَّنة من النكاح الصحيح المغني عن الزنا بخلاف الأَمة. وأَمّا التكليف، فلأَن العقل والبلوغ شرط الأهلية للعقوبات كلِّها. وأَمّا التزوج بنكاحٍ صحيحٍ، فلأن الإحصان يُطْلَق عليه، قال الله تعالى: ﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢) أَي والمنكوحات، وقال: ﴿فإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (٣)
أَي تزوَّجن، ولأن به التمكّن من وطاء الحلال. وأَمّا الوطاء فلقوله ﷺ : «الثَّيِّبُ بالثيب» (٤) … الحديث، والثُّيُوبَة لا تُعْتَبر بغير وطاءٍ، ولأنه بإِصابة الحلال تنكسر شهوته فيستغنى عن الزنا.
والمُعْتَبَر إِيلاج الحَشَفَة بحيث يجب الغُسْل، ولا يُشْتَرَط الإنزال. وشُرِطَ أَنْ يكون بنكاحٍ صحيحٍ، لأن الجماع في النكاح الفاسد لا يصير به مُحْصَنَاً، لأنه نوع من الوطء الحرام، فلا تتم النعمة به ويثبت الإحصان برجلٍ وامرأَتين عندنا، وما قصرنا ثبوت الإحصان على شهادة الرِّجال كمالك والشافعيّ وزُفَر.
وإِنّما كان حدّ المُحْصَن الرجم لِمَا في حديث جابر المتقدّم أَنه ﷺ سأَل ماعزاً: «هل أَحصنت؟» قال: نعم. فأَمر برجمه (٥) . ولما روى الشيخان من حديث ابن عباس: أَنْ عمر بن الخطاب خطب فقال: إِنْ الله بعث محمداً ﷺ بالحقّ، وأَنزل عليه الكتاب، فكان فيما أَنزل عليه آية الرجم فقرأَناها (وعقلناها) (٦) وَوَعَيْنَاهَا. ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأَخشى إِنْ طال بالناس الزمان أَنْ يقول قائلٌ: ما نجد آية الرجم في كتاب الله. فَيَضِلُّوا بترك فريضةً أَنزلها الله، فالرجم حقّ على من زنى من الرجال والنساء إِذا كان مُحْصَنَاً إِنْ قامت البيِّنة، أَوْ كان الحَبَل أَوْ الاعتراف، (وايم الله، لولا أَنْ يقول الناس: زاد عمر في كتاب لله لكتبتها) (٧) .
стр. 1509
يبدأ بِهِ شُهُوْدُهُ،
===
وخالف الشافعي في اشتراط الإسلام في الإحصان، وهو رواية عن أَبي يوسف لِمَا في الكتب الستة ـ مختصراً ومطوَّلاً ـ من حديث ابن عمر أَنَّ اليهود جاؤوا إِلى النبيّ ﷺ فذكروا له: أَنْ رجلاً منهم وامرأَةً زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ ما تجدون في التوراة في شأْن الرجم؟» قالوا: نفضحهم ويُجْلَدون، فقال عبد الله بن سَلَام: كذبتم، إِنَّ فيها الرجم، فأَتوا بالتوراة فنشروها، فجعل أَحدهم يده على آية الرَّجم وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سَلَام: ارفع يدك. فرفعها فإِذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدقت يا محمد، فيها آية الرجم. فأَمر بهما رسول الله ﷺ فَرُجِمَا.
ولنا ما روى ابن إِسحاق بن رَاهُوْيَه من حديث ابن عمر أَنْ رسول الله ﷺ قال: «من أَشرك بالله فليس بمُحْصَن». قال إِسحاق: ـ رفعه مرَّة ـ، فقال عن رسول الله ﷺ ، ووقفه مرّةً، ومن طريق إِسحاق بن رَاهُويه رواه الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه»، ثم قال: لم يرفعه غير إِسحاق، والصواب أَنه موقوفٌ. وفي روايةٍ أَخرى عنه: «لا يُحَصِّن المُشْرك (١) بالله شيئاً». وروى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» أَنه ﷺ قال لكعب بن مالك لَمّا أَراد أَنْ يتزوج يهودية: «لا تتزوجها، فإِنها لا تُحْصِنْك». والجواب عن رَجْمِه ﷺ لليهوديين أَنه كان بحكم التوراة، والكلام فيه بحكم الإسلام.
(يَبْدأُ بِهِ) أَي بالرجم (شُهُوْدُهُ) لأن الشاهد قد يتجاسر على أداء شهادة كاذباً، ثم إِذا آل آمره إِلى القتل يمتنع عنه، فكان في بدئهم احتيالٌ لدرء الحدّ. وأُمِرنا به لقوله ﷺ : «ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم». رواه أبو داود وأَبو يَعْلى المَوْصِلي (٢) . وفي «سنن ابن ماجه»: «ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً».
وفي «سنن الترمذي»: «ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإِن كان له مَخْرجٌ فخلُّوا سبيله، فإِن الإمام أَنْ يُخْطِاءَ في العفو خيرٌ له من أَنْ يُخْطِاء في العقوبة». وقال مالك والشافعي، وأَحمد وأَبو يوسف في روايةٍ: لا يُشْتَرط بداية الشهود، لكن يستحبّ حضورهم وبدايتهم بالرميّ اعتباراً بالجلد. وأُجيب بأَن كلّ واحدٍ لا يُحْسِن الجَلْد فرُبَّما يقع مُهْلِكاً، والإهلاك غير مُسْتَحَقّ، ولا كذلك الرجم فإِنه إِتلافٌ.
стр. 1510
فإِن أَبَوا، أَو غَابُوا، أَوْ مَاتُوا، سَقَطَ. ثُمَّ الإمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ. وَفِي المُقِرِّ يَبدَأُ الإمَامُ ثُمَّ النَّاسُ.
===
(فإِن أَبَوا) أَي الشهود كلّهم أَوْ بعضهم من البداية بالرجم (أَوْ غَابُوا أَوْ مَاتُوا سَقَطَ) الرجم لفوات الشرط، وهو بداية الشهود، لكن لا يقام الحدُّ عليهم، لأنهم ثابتون على الشهادة، وإِنما امتنعوا عن مباشرة القتل، وذلك لا يكون رجوعاً، فإِن الإنسان قد يمتنع عن القتل بحقَ. كذا في «المبسوط».
(ثُمَّ الإمَامُ) إِنْ حضر، فإِنه لا ينبغي التقدم عليه إِلا بإِذنه (ثُمَّ النَّاسُ) فإِنه يُسْتَحَبّ للإمام أَنْ يأَمر جِماعة المسلمين أَنْ يَحْضُروا إِقامة الحد من الرَّجم والجلد لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِيْنَ﴾ (١) وعن ابن عباس يكفي واحدٌ، وبه قال أَحمد، وقال عطاء وإِسحاق: اثنان، وقال الزُّهْرِيّ: ثلاثة، وقال الحسن البصري: عشرة. وعن الشافعيّ ومالك: أَربعة. وفي «الإيضاح»: لا بأْس لكل مَنْ رمى أَنْ يتعمّد (القتل، لأنه المقصود من الرجم إِلاّ إِذا كان المرجوم مَحْرماً من الراجم، فإِنه يستحبّ أَنْ لا يتعمّد) (٢) قتله.
(وَفِي المُقِرِّ) أَي في رجمه (يَبْدَأُ الإمَامُ) بالرّجم (ثُمَّ النَّاسُ) وقال مالك والشافعيّ وأَحمد: لا يُشْتَرَط بداية الإمام ولكن يستحبُّ. ولنا: ما روى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» عن عبد الله بن إِدْرِيْس، عن يزيد عن عبد الرحمن بن أَبي ليلى: أَنْ علياً كان إِذا شهِد عنده الشهود على الزنا: أَمر الشهود أَنْ يرجموا، ثم رجم هو، ثم رجم الناس. وإِذا كان بإِقرارٍ: بدأَ هو فرجم، ثم رجم الناس بعده.
وروى أَيضاً عن أَبي خالدٍ الأحمر، عن الحجَّاج، عن الحسن بن سعد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن عليّ أَنه قال في امرأَة رجمها: أَيها الناس، إِنْ الزنا زِنَيان: زنا سرٍ، وزنا علانيةٍ، فزنا السر: أَنْ يشهد الشهود، فيكون الشهود أَول من يرمي، ثم الإمام، ثم الناس. وزنا العلانية: أَنْ يظهر الحَبَل أَوْ الاعتراف، فيكون الإمام أَول مَنْ يرمي. قال: وفي يده ثلاثة أَحجارٍ فرماها بحجرٍ فأَصاب صِمَاخها (٣) ، فاستدارت ورمى الناس.
وفي «سنن أَبي داود» من حديث ابن أَبي بكرة (٤) عن أَبيه: أَنْ النبي ﷺ رجم