← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

هُوَ الحُمْرَةُ، وبِهِ يُفْتى === الحُمْرة، وفي الحَضَر البياض، لقوله ﵊: «وآخر وقت المغرب إذا اسودّ الأفق». أبو داود من حديث أبي مسعود الأنصاري، وفيه: «ويصلِّي العشاء حين يسودّ الأفق»، وهو مرويٌ عن أبي بكر، ومُعَاذ بن جبل، وعائشة، ورواية عن ابن عباس، وبه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، واختاره ثَعْلَب. وأما ما روى الدَّارَقُطْني عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «الشَّفقُ الحُمْرة، فإذا غاب الشفق، وجبت الصلاة» فقال النَّووي: ليس بثابت، وما رواه موقوفٌ على ابن عمر. ذكره مالك في «الموطأ». هذا، وفي رواية عن مالك والشافعي: أن وقت المغرب مقدار ما يتوضّأ ويصلي خمس ركعات، لأنَّ جبرائيل أمَّ في المغرب في يومين في وقتٍ واحدٍ. وقال أبو يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور الفقهاء، وأهل اللغة: (هُوَ الحُمْرَةُ) وهو رواية أسد بن عمرو، عن أبي حنيفة (وبِهِ يُفْتَى) لِمَا روى مسلم من حديث ابن عمر أن النبيّ ﷺ قال: «وقت المغرب ما لم يسقط ثَوْرُ الشفق». وهو بالمثلثة المفتوحة: ثَوَرَان حُمْرَته. ورواه أبو داود: «فور الشفق»، وهو بقية حُمْرته، وسُمِّي فوراً لفورانه وسطوعه، وصحَّفه بعضهم فقال: نُور الشفق، بالنون، ولو صحّت الرواية، لكان له وجه حكاه المُنْذِري في «الحواشي». وقال الخَطَّابي: «فَوْر الشفق»: فَوَرَانه. والحديث حُجَّة على مالك والشافعي في تقديره بسَتْرٍ ووضوء، وأذانين، وخمس ركعات (١) . وروى الدَّارَقُطْنِي في «سننه» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ «الشَّفق الحُمْرة»، لكن قال البَيْهَقِي: رُوِيَ هذا عن عمر، وعلي، وابن عباس، وعُبَادة بن الصّامت، وشدَّاد بن أوْس، وأبي هريرة، وعليه إطباق أهل اللسان، ولا يصح عن النبيّ ﷺ فيه شيء. انتهى. وقد نُقل رجوع الإمام إلى هذا القول، لِمَا ثبت عنده من حمل عامة الصحابة الشَّفق على الحُمَرة. واعلم أنَّ قول أبي حنيفة أولاً وافقه زُفَر، لأنه من أثر النهار، وهو قول أبي بكر الصديق، وأنس بن مالك، ومُعاذ بن جَبَل، وعائشة، وأُبَيّ، وابن الزُبَيْر، ورواية عن ابن عباس، وبه قال عُمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهم، واختاره المبرَّد وثَعْلب اللغويان، وهو الأحوط في جانب العشاء.

стр. 177

والعِشَاءِ مِنْهُ، والوِتْرِ بَعْدَهُ إلى الفَجْرِ لَهُمَا. === (والعِشَاءِ) أي وقت صلاة العشاء الآخرة (مِنْهُ) أي من غروب الشَّفق (والوِتْرِ) أي وقته (بَعْدَهُ) أي بعد العشاء (إلى الفَجْرِ لهمَا) أي للعشاء والوتر، ويحتمل الظرف، أعني بعد أن يكون خبراً عن الوِتر، كما أن الجار والمجرور ـ أعني منه ـ خبر عن العشاء، فيكون المذكور قول أبي يوسف ومحمد: أن وقت الوِتر بعد وقت العشاء، ويحتمل أن يكون الوِتر معطوفاً على العشاء مشاركاً له في الخبر، ويكون الظرف ـ أعني بعده ـ في محل النصب على الحال، فيكون المذكور قول أبي حنيفة: أن وقت الوتر والعشاء واحد، لأن الوِتر فرض عنده، والوقت إذا جمع بين فرضين كان لهما كقضاء وأداء اجتمعا وإنما امتنع تقديم الوتر على العشاء عند التذكُّر لوجوب الترتيب. ولهما: ما روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه بسندٍ حسنٍ عن خَارجة بن حُذَافة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «إنَّ الله أمدَّكم بصلاة هي خير لكم من حُمْر النَّعَم، وهي الوِتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر»، وفي رواية الطحاوي: «إن الله زادكم صلاة». وروى أحمد في «المسند» عن مُعَاذ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «زادني ربي صلاةً وهي الوتر، فوقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر». وقد صنَّف الشيخ علم الدين السخَاوي المُقْرِاء (١) ، تلميذ الشَّاطِبِيّ جزأً ساق فيه الأحاديث التي دلت على فرضية الوتر، ثم قال: فلا يرتاب ذو فَهْم بعد هذا أنها أُلْحِقت بالصلوات الخمس في المحافظة عليها، والجواب عن حديث الأعرابي ظاهر، فإنه كان قبل وجوب الوِتر. وفي قوله: «زادكم» إشارة إلى أنها متأخرة عن الصلوات الخمس. وأما الجواب عن فعله ﷺ إياه على الرَّاحلة، وكذا ابن عمر، فقد روى الطحاوي عنه: أنه كان يصلِّي على راحلته، ويوتر بالأرض. ويَزْعُمُ أن رسول الله ﷺ كان يفعل (الوتر) (٢) ، وما روي عنه ما يخالف ذلك كان قبل تأكده ووجوبه، أو محمول على عذرٍ به في ركوبه. وثمرة الخلاف تظهر فيمن صلى الوتر قبل العشاء ناسياً، أو صلاهما مُرَتَّبتين، ثم ظهر فساد العشاء دون الوتر، فعند أبي حنيفة تُعاد العشاء وحدها، لأن الترتيب يسقط بمثل هذا العذر، وعندهما يُعاد الوتر أيضاً، لأنه تَبَعٌ للعشاء، فلا يصح قبلها. هذا، وفي الطَّحَاوي: وأن ابن جُرَيج قال لأبي هريرة: «ما إفراط

стр. 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === صلاة العشاء؟ قال: طلوع الفجر الصادق». وفيه أيضاً أنه يظهر من مجموع الأحاديث أن آخر وقت العشاء حين يطلع الفجر، وذلك أن في حديث ابن عباس، وأبي موسى، والخُدْري: «أنه ﷺ أخّرها إلى ثلث الليل». وفي حديث أبي هريرة وأنس: «أنه أخّرها حتى انتصف الليل». وفي حديث ابن عمر: «أنه أخّرها حتى ذهب ثلثا الليل»، وفي حديث عائشة: «أنه أعتم بها حتّى ذهب عامة الليل». فثبت أن الليل كله وقت لها، ويؤيده كتاب عمر إلى أبي موسى الأشْعَري رضي الله تعالى عنهما: «وَصَلِّ العشاء أيَّ الليل شئت ولا تُغفلها». وعن ابن عباس: «لا تُفَوِّت صلاة حتى يجيء وقت الأخرى». وفي مسلم عن قَتَادة: «والتفْرِيط أن يؤخّر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى، يدل على بقاء الأولى إلى أن يدخل وقت الأخرى، ووقت الأخرى بطلوع الفجر الثاني. وخُصَّ من ذلك كون آخر صلاة الصبح بطلوع الشمس، للأحاديث الصحيحة الصريحة المؤيَّدة بالإجماع. ولا يُجْمع عندنا بين ظهر وعصر، ولا بين مغرب وعشاء بسفر أو مطر زماناً إلا في عرفة ومُزْدَلِفة. وجمع الشافعي ومالك بينهما فيهما مطلقاً، لِمَا روى الطحاوي عن ابن مسعود: أن النبي ﷺ كان يجمع بين الصلاتين في السفر. وعن أبي الطُّفَيل، عن مُعَاذ بن جبل أخبره: «أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك، فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء». وعن عبد الله بن عمر: «أنه كان إذا جَدَّ به السيرُ جمع بين المغرب والعشاء بعدما يغيب الشفق، ويقول: إن رسول الله ﷺ كان إذا جَدَّ به السير جمع بينهما». ولنا ما رويناه في عدم التشريك، ومنع دلالة المروي على الجمع بينهما زماناً، بل كان فعلاً لقول ابن مسعود: «والذي لا إله غيره ما صلّى رسول الله ﷺ صلاة قط إلا لوقتها إلا صلاتين: جمع بين الظهر والعصر بعَرَفة، وبين المغرب والعشاء بِجَمْع (١) »، متّفقٌ عليه. وقول نافع: «أن ابن عمر جدَّ به السير فراح روحة لم ينزل إلا للظهر أو العصر، وأخَّر المغرِب حتى صرخ به سالم: الصلاة، فَصَمَت ابن عمر حتى كان عند غيبُوبة الشَّفق نزل، فجمع بينهما وقال: رأيت رسول الله ﷺ يصنع هكذا إذا جَدَّ به السير». وفي رواية: «حتى إذا كاد آخر الشَّفق نزل، فصلّى المغرب، وغاب الشفق فصلّى العشاء، وقال: هكذا كنّا نفعل مع رسول الله ﷺ إذا جَدَّ بنا السير».

стр. 179

[الأوقات المستحبة] ويُسْتَحبُّ لِلفَجرِ البَدَاءَةُ مُسْفِرًا، === فهذه الروايات صريحة بأنَّ صلاته كانت قبل أن يغيبَ الشَّفق، فتُحْمَل رواية غيبوبته على القرب منها، توفيقاً بينهما. فإنْ قيل: روى أبو الطُّفيل عن مُعَاذ بن جبل: «أنه ﷺ في غزوة تبوك كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخَّرَ الظهر حتى يجمعها مع العصر، فيصليهما جميعاً. وإذا ارتحل بعد زيْغ الشمس، صلّى الظهر والعصر جميعاً، ثم سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب، أخَّر المغرب حتى يصليها مع العشاء. وإذا ارتحل بعد المغرب، عجَّل العشاء فصلاّها مع المغرب». رواه أحمد وغيره. قلنا: قال أبو داود: وليس في تقديم الوقت حديث قائم. وقال الحاكم: حديث أبي الطُّفيل موضوع، ولذا لم يذكر الطَّحَاوي هذه الرواية عن أبي الطُّفيل. وأما الجمع في عرفة والمُزْدَلِفة، فثابت على خلاف القياس، فلا يُلحق غيره به. (الأوقات المستحبة) (ويُسْتَحَبُّ للفَجْرِ البَدَاءَةُ مُسْفِراً) يقال: أسفر الصبح إذا أضاء، ومنه قوله تعالى: ﴿والصُّبْح إِذَا أَسْفَرَ﴾ (١) . وأسفر بالصلاة، أي صلاها في وقت الإسْفار. قال الطَّحَاوِي: ويستحبَ البَدَاءَةُ مُغلِّساً، والختم مُسْفِراً، واختاره بعض الشافعية. وقال مالك والشافعي، وهو أقوى الروايات عن أحمد: يستحب التعجيل لِمَا في «الصحيحين» من حديث عائشة قالت: «إنه كان رسول الله ﷺ ليصلّي الصبح، فينصرفُ النساء مُتَلَفِّعَات (٢) بمُرُوطِهنَّ (٣) ، ما يُعْرَفْنَ من الغَلَسِ (٤) »، لكنه معارَض بقول ابن مسعود: «ما رأيت رسول الله ﷺ صلّى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجَمْع، وصلّى الفجر يومئذٍ قبل ميقاتها»، مع أنه كان بعد طلوع الفجر، لما في البخاري: «والفجر حين بزغ الفجر». وفي مسلم: «قبل ميقاتها بغَلَس». فعُلم أن المراد قبل ميقاتها الذي اعتاد الأداء فيه، لأنه غلَّس بها يومئذ ليمتد وقت الوقوف، وتُرَجَّح روايته على حكايتها، لأن الحال أكشف له منها، أو يحمل حكاية التغْلِيس على ما قبل الإسْفار جداً، أو على تغليس المسجد. وقد أخرج الطَّحَاوي بسند صحيح عن إبراهيم النَّخَعي أنه قال: ما اجتمع أصحاب

стр. 180

بِحَيثُ يُمْكِنُهُ تَرْتِيلُ أرْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ الإعَادَةُ إن ظَهَرَ فَسَادُ وُضُوئِهِ. ويُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ ظُهْرِ الصَّيفِ === رسول الله ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التَّنوير، وقال: ولا يصح أن يجتمعوا على خلاف ما كان رسول الله ﷺ يفعله. ولنا ما روى أصحاب السنن الأربعة عن رافع بن خَدِيج قال: قال رسول الله ﷺ «أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر». قال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ. فإن قيل: المراد بالإسفار بالفجر تَبيُّن طلوعه، أجيب بما قال ابن دقيق العيد: وهو أن الحمل على هذا المعنى يأباه، أو يبعده مَا في «صحيح ابن حِبَّان»: «كلما أصبحتم بالصبح فهو أعظم للأجر». وما أخرجه النَّسائي بسند صحيح: «ما أسفرتم بالفجر، فإنه أعظم للأجر». وما في «مسانيد ابن أبي شَيْبَة، وإسحاق، وأبي داود»: «يا بلال نَوِّر بصلاة الصبح حتى يبصرَ القومُ مواقع نبلهم من الإسفار». ولأنه ما لم يتبين، لا يحكم بجواز الصلاة، فضلاً عن إصابة الأجر المفاد بقوله: «فإنه أعظم للأجر». ثم الإسفار الذي يستحب بداية الفجر فيه أن يبتداء الصلاة (بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ تَرْتِيلُ أرْبَعِينَ آيَةً) أي سوى الفاتحة، والظاهر أن المراد بالأربعين أنه في مجموع الركعتين، لا في كل واحدة منهما، فالأَوْلى أن يقال: بحيث يَقْدِر على الصلاة بقراءة مسنونة (ثُمَّ الإعَادَةُ) أي ويمكنه إعادة الصلاة بقراءتها المستحبة قبل طلوع الشمس (إنْ ظَهَرَ فَسَادُ وُضُوئِهِ) أي في آخر أجزاء صلاته. (ويُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ ظُهْرِ الصَّيْفِ) أي إبْرَاده (١) في شدة الحر، وهو متفق عليه. لقوله ﵊: «أبْرِدوا بالظهر، فإنَّ شِدَّة الحرِّ من فيح جهنم» (٢) رواه البخاري، والطحاوي بمعناه من طرق. ولقوله ﵊: «إذا اشتد الحر فأبْرِدوا بالصلاة، فإنَّ شِدَّة الحرِّ من فَيْح جهنم» رواه الشيخان. ولِمَا في الطَّحَاوي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «أنه رأى النبيّ ﷺ يعجِّل في الظهر في الشتاء، ويؤخِّرُها في الصيف». وعن أنس نحوه. وروى البخاري من حديث خالد بن دِينَار قال: «صلّى بنا أميرنا الجمعة، ثم قال لأنس: كيف كان رسول الله ﷺ يصلّي الظهر؟ قال: كان النبيّ ﷺ إذا اشتد البرد بَكَّر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبْرد بالصلاة». ورواه النَّسائي عن أنس لفظه: «إذا كان الحر أبْرَد بالصلاة، وإذا كان البرد عجَّل بالصلاة».

стр. 181

وتَأْخِيرُ العَصْرِ ما لَم تَتَغَيَّرْ، === وأما حديث: «أول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت عفو الله» (١) ، فإنما يعرف بيعقوب بن الوليد، وقد كَذَّبه أحمد بن حنبل، وسائر الحفّاظ. قال البَيْهَقِيّ في «المعرفة»: وإنما يروي عن أبي جعفر محمد بن عليّ من قوله، ولئن صحَّ، فليس على عمومه لِمَا سبق من إبراد الظهر المجمع عليه، وإسفار الفجر المصرح لديه، وبظاهر الدلالة على المُدَّعى، لعدم استلزامه التقصير، لقوله تعالى: ﴿ويَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ العَفْوَ﴾ (٢) أي الفضل، أي ما يتفضَّل عنكم. والمعنى: أن الصلاة في آخر الوقت لها فضل كثير، والحق أن يقال: المراد بأول الوقت: الوقت المختار، فإن الأول الحقيقي كاد أن لا يلحقه كل أحد. ثم ظاهر التقسيم أن أول الوقت يمتد إلى نصفه، لكن جاء في رواية: «وأوسطه رحمة الله» (٣) ، فيكون الأول إلى ثلثه. (وتَأْخِيرُ العَصْرِ) سواء كان في الصيف أو الشتاء (ما لَمْ تَتَغَيَّرْ) أي الشمس، وهو تغير قُرْصها عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، بحال لا تحار فيها الأعين، وهو مروي عن الشَّعْبي، لا تغير ضوئها كما قاله الحاكم الشهيد، وهو مروي عن محمد. وقال مالك والشافعي: تقديمه أفضل لقول أنس: «إن رسول الله ﷺ كان يصلّي العصر، فيذهب الذاهب إلى العَوَالي والشمس مرتفعة». قال الزُّهْرِيّ: والعَوَالي على ميلين من المدينة وثلاثة، وأحْسَبُه قال: وأربع. ولحكاية رافع بن خَدِيج: «كنّا نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة العصر، ثم ننحر الجَزُور (٤) ، فَتُقْسَم عشرة قِسَم، ثم نطبخ، فنأكل لحماً نضيجاً قبل أن تغرب الشمس». رواهما الشيخان والطّحاوي. ولنا ما رواه الترمذي عن أم سَلَمةَ أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ أشد تعجيلاً للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلاً للعصر منه». ولما رواه أبو داود أنه: «﵊ كان يؤخّر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية». ورواه الدَّارقُطْنِيّ عن رافع بن

стр. 182

وَالعِشَاءِ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ، والوِتْرِ إلَى آخِرِهِ، لِمَنْ يَثِقُ بالانْتِبَاهِ === خَدِيج مثله. وأما ما روياه فكان أحياناً، وهو جائز اتفاقاً. (وَ) تأخير (العِشَاءِ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ) وفي «مختصر القُدُورِي»: إلى ما قبل ثُلُثه. وجه الأول: ما رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لولا أنْ أشُقَّ على أمّتي، لأخَّرْتُ العشاء إلى ثُلُث الليل أو نصفه». و «أو» تحتمل الشك أو التنويع، فالثلث في الصيف، والنصف في الشتاء، ويؤيد ما روى البخاري عن أنس: «أخَّر النبي ﷺ العشاء إلى نصف الليل، ثم قال: قد صلّى الناس وناموا، أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها». ووجه الثاني: ما روى البخاري من حديث عائشة قالت: «كانوا يصلون العَتَمَة ـ أي العشاء ـ فيما بين أن يغيب الشَّفق إلى ثُلُث الليل». وما روى الترمذي والنَّسائي أنه ﵊ قال: «لولا أن أشُقَّ على أمّتي، لأمرْتهُم بالسواك عند كل صلاة، ولأخَّرت العشاء إلى ثُلُث الليل». والظاهر أن الغاية غير داخلة. وفي حديث ابن عباس: «أنه ﵊ أخّرَ العشاء حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فقال عمر: يا رسول الله، نام النساء والولدان، فخرج فقال: لولا أن أشقَّ على أمّتي، لأمرْتهم أن يصلّوا العشاء في هذه الساعة». رواه الشيخان. وقيل: يستحب تعجيل العشاء في الصيف لئِلا يتقلّل الجماعة، أو لأنَّ الليل قصيرٌ. ثم تأخير العشاء إلى ما بعد نصف الليل مكروه، ويكره النوم قبلها والحديث بعدها، لنهي النبي ﷺ عنهما، إلا حديثاً في خير لقوله ﵊: «لا سمر بعد الصلاة ـ يعني العشاء الأخيرة ـ إلا لأحد رجلين: مصلَ أو مسافر». وفي رواية: أو «عروس»، رواه الإمام أحمد. ولقول عمر: «كان النبيّ ﷺ يَسْمُرُ عند أبي بكر الليلة في أمر المسلمين وأنا معه». رواه الترمذي وحسَّنَه. وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله ﵊: «لا تزال أمتي بخير ما عَجَّلوا المَغْرِبَ وأخَّرُوا العشاء»، فغير معروف بهذا اللفظ، نعم روى أبو داود عن أبي أيوب مرفوعاً قال: «لا تزال أمّتي بخير ـ أو قال على الفطرة ـ ما لم يؤخِّروا المغرب إلى أن تَشْتَبِكَ النجوم». (و) تأخير (الوِتْرِ إلَى آخِرِهِ) أي إلى آخر الليل (لِمَنْ يَثِقُ بالانْتِبَاهِ) لما روى مسلم من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ «من خاف أن لا يقوم آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طَمِعَ أن يقوم آخر الليل، فليوتر آخره، فإن صلاة آخر الليل مشهودة،

стр. 183

وتَعْجِيلُ ظُهْرِ الشِّتَاءِ والمَغْرِبِ. ويَوْمُ غَيْمٍ يُعَجَّلُ العَصْرُ والعِشَاءُ ويُؤخَّرُ غَيرُهُمَا. [الأوقات المكروهة] ولا يَجُوزُ صَلاةٌ, === وذلك أفضل». ولقوله ﵊: «اجعلوا آخِرَ صلاتِكم بالليل وِتْراً». رواه الشيخان. وفي رواية لمسلم عن جابر مرفوعاً: «أيّكم خاف أن لا يقوم آخر الليل، فليوتر ثم ليرقد». (و) يُستحب (تَعْجِيلُ ظُهْرِ الشِّتَاءِ) لما روينا في الإبراد (و) تعجيل (المَغْرِبِ) أي مغرب الصحو، سواء كان في الشتاء أو في الصيف، لصلاة جبرائيل إياها في أول وقتها في اليومين، ولما روى أبو داود والحاكم وقال: صحيحٌ على شرط مسلم، عن مَرْثد بن عبد الله قال: قَدِم علينا أبو أيوب غازياً، وعُقْبة بن عامر يومئذٍ على مصر، فأخَّر المغرب، فقام إليه أبو أيوب فقال: ما هذه الصلاة يا عُقْبة؟ قال: شُغِلْنا، قال: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال أمّتي بخير ـ أو على الفطرة ـ ما لم يؤخّروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم». وفي رواية أحمد: «إلى اشتباك النجوم». وأما ما في «الهداية» لقوله ﵊: «لا تزال أمّتي بخير ما عجّلوا المغرب، وأخّروا العشاء»، فغير معروف بهذا اللفظ. (ويَوْمُ غَيْمٍ يُعَجَّلُ العَصْرُ) لأن في تأخيرها توهم وقوعها في الوقت المكروه (والعِشَاءُ) لأن في تأخيرها تقليل الجماعة على اعتبار المطر (ويُؤخَّرُ غَيْرُهُمَا) أي في يوم الغيم. أما في الفجر، فلأنَّه لو عَجّل فيه لأدَّى إلى تقليل الجماعة بسبب الظلمة، ولا يأمَن من وقوعها قبل وقتها، وأمّا في الظهر والمغرب، فلئِلا تقعا قبل وقتهما. وروى الحسن عن أبي حنيفة استحباب تأخير كل صلاة في يوم الغيم، لأن في التأخير تردداً بين القضاء والأداء، وفي التعجيل تردداً بين الصحة والفساد، فيكون التأخير أولى لِتَيَقُّن براءة ذمّته. (الأوقات المكروهة) (ولا يَجُوزُ) أي ولا تصحّ (صَلَاةٌ) أي فرض، أو واجب، وأما لو صلّى التطوع في هذه الأوقات فيجوز، ويكره على ما ذكره الإسْبِيجَابي في «شرح الطَّحاوي»، ويحتمل أن يراد مطلق الصلاة، فرضاً كانت أو نفلاً، بناءً على ما رُويَ من أن النفل في هذه الأوقات لا يجوز. والمعنى: لا يجوز الشروع في صلاة، وعدم جواز الشروع في الصلاة لا ينافي لزومها بعد الشروع فيها، كما يقال: لا يجوز البيع الفاسد، ولو باع

стр. 184

وسَجْدَةُ تِلاوَةٍ، وصَلاةُ جِنَازَةٍ عِنْدَ طُلُوعِهَا وقِيَامِهَا وغُرُوبِهَا، === وقبض المبيع، ثبت الملك. وإنما قلنا ذلك لما ذكر شمس الأئمة لزوم قضائه بلا خلاف، وذكر التُّمُرْتَاشي لزومه عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقيل: يُكْرَهُ النفل فيها تحريماً، وهو مُفَسَّرٌ عند أبي حنيفة وأبي يوسف بما كان إلى الحرام أقرب، وعند محمد بالحرام. وإنما كره تحريماً لما عُرِف أن النهي إذا كان ظَنِّيَّ الثبوت ولم يُصْرَف عن مقتضاه أفاد كراهة التحريم، وإذا كان قطعي الثبوت أفاد التحريم، فالتحريم في مقابلة الفرض في الرتبة، وكراهة التحريم في رتبة الواجب، والتنزيه في رتبة المندوب، والنهي الوارد من النوع الأول، فكان الثابت به كراهة التحريم، فلو شرع في النفل في أحدهما صح شروعه، حتى يجب قضاؤه إذا قطعه خلافاً لِزُفَر، ويجب قطعه وقضاؤه في وقت غير مكروه في ظاهر الرواية، ولو أتمّه خرج عن عُهْدَةِ ما لزمه بذلك الشروع. (وسَجْدَةُ تِلَاوَةٍ) أي إذا تُليت قبل الأوقات المذكورة، لأن التي تُليت فيها تجوز من غير كراهة، لكن الأفضل تأخيرها، ليؤديها في الوقت المستحب لها، لأنها لا تفوت بتأخيرها (وصَلَاةُ جِنَازَةٍ) أي إذا حضرت قبل ذلك، لأن التي حضرت فيه تجوز، لأنها وجبت ناقصة، فتؤدى كما وجبت، إذ الوجوب بالحضور وهو أفضل، والتأخير مكروه لقوله ﵊: «ثلاثٌ لا يُؤخَّرْنَ، وذكر منها: الجنازة إذا حضرت» (١) . (عِنْدَ طُلُوعِهَا) أي مع طلوع الشمس (وقِيَامِهَا) أي حال استوائها (وغُرُوبِهَا) وقال مالك: لا يصلى على الجنازة بعد الإسفار والاصفرار حتى تطلع الشمس أو تغرب، إلاَّ أنْ يخشى عليها التغير. وقال الشافعي: لا يكره الصلاة عليها في أوقات النهي، إلا أنْ يتعمّد تأخيرَها إلى ذلك بغير سبب. لنا ما روى الجماعة إلا البخاري من حديث عُقْبة بن عامر الجُهَني قال: «ثلاثُ ساعات كان رسول الله ﷺ نهانا أنْ نصلّي فيهن، وأن نَقْبُرَ فيهنَّ موتانا: حين تَطْلُعُ الشمس بازغةً حتى ترتفعَ، وحين يقوم قائم الظَّهِيرَة (٢) حتى تميل، وحين تَضَيَّفُ (٣) للغروب حتى تَغْرُب». قال الترمذي: قبر الموتى هنا محمول على الصلاة عليها،

стр. 185

إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ === وكذلك رُوِيَ، عن ابن المبارك. وروى ابن دقيق العيد في «الإمام» عن عُقْبة بن عامر قال: نهانا رسول الله ﷺ أنْ نصلّي على موتانا عند طلوع الشمس. (إلاَّ عَصْرَ يَوْمِهِ) هذا استثناء من عدم جواز الصلاة وقت الغروب، فإنَّ عصر اليوم يجوز في وقت الغروب من غير كراهة في أدائها، وإنما الكراهة في تأخيرها، والفرق بين عصر اليوم ـ حيث يجوز عند الغروب ـ وفجر اليوم ـ حيث لا يجوز عند الطلوع ـ أنَّ سبب الصلاة جزءٌ من وقتها مُلَاقٍ لأدائها، وآخر وقت العصر وهو وقت التغير ناقص، لأنه وقت كراهة، وإذا شرع فيه، فقد وجبت ناقصة، فلا تفسد بطروء الغروب الذي هو وقت الفساد للملائمة بينهما في النقصان. وأما الفجر فإنَّ جميعَ وقتها كامل، فإذا شرع فيها، فقد وجبت كاملة، فتفسد بطروء الطلوع الذي هو وقت الفساد لعدم الملائمة بينهما. فإن قيل: روى الجماعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعةً من العصر قبل أنْ تغرُبَ الشمس، فقد أدرك العصر». أجيب بأنَّ التعارض لما وقع بين هذا الحديث، وبين النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، رجعنا إلى القياس كما هو حكم التعارض، فَرَجَّحنا حكم هذا الحديث في صلاة العصر، وحكم النهي في صلاة الفجر. وذهب الطَّحاوي إلى عدم جواز عصر يومه كالفجر، لِئَلا يلزم العمل ببعض الحديث وترك بعضِه، مع أنَّ النقص قارن العصر ابتداءً، والفجر بقاءً. ورُوِيَ عن أبي يوسف جوازُ الفجر أيضاً إذا أمسك عن تكميلها عند طلوع الشمس، وهو فيها، وكمَّلها بعد طلوعها، لأنه لم يَتَحرَّ بها طلوعها، وامتثل الأمر بالإمساك عنها، وتأخّرها حتى تبرز، ولم يوجد التشبه الحقيقي بعبُّادها. وذلك لما روى الطَّحاوي عن ابن عمر (١) عن النبي ﷺ «لا تَحَرَّوا بصلاتكم عند طلوع الشمس ولا غروبها، وإذا بدأ حاجب الشمس، فأخِّروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس، فأخِّروا الصلاة حتى تغيب». أقول: ومما يؤيد أصل المذهب ظاهر حديث الحاكم: «من صلّى ركعة من الصبح، ثم طلعت الشمس، فليصل الصبح»، أيْ قضاءً وإلاَّ لقال: «فليتِمه». وأما صحّة

стр. 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === السجدة والجنازة فيها، فلأنّهما أُدِّيَتَا كما وجبتا ناقصتين، لأنَّهما إنَّما وجبتا لإظهارِ مخالفة الكفار بالانقياد، ولقضاء حق الميت المسلم بالدعاء له، وكل منهما يتحقق مع النقصان. وجوَّز مالك والشافعي الفرائض كلها فيها، لقوله ﵊: «من نام عن صلاة أو نَسِيَها فليُصلِّها إذا ذكرها»، متفق عليه. وأنه عام في الأوقات كلها، ولقوله ﵊: «إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أنْ تغرُبَ الشمسُ فليُتمَّ صلاته. وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أنْ تطلع الشمس فَلْيُتمَّ صلاته». رواه البخاري. واعتباراً بعصر يومه. ولنا ما روينا من حديث عُقْبة، وما في مسلم: «ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني الشيطان». وما في «الموطأ» والنَّسائي من قوله ﵊: «إنَّ الشمس تطلع بين قرني الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، وإذا دنت للغروب قارنها، وإذا غربت فارقها»، ونهى عن الصلاة في تلك الساعات. ويكره عندنا وعند مالك فيها صلاة ذات سبب، كركعتي الوضوء وتحية المسجد، والطواف، والمنذورات، والسنن الرواتب ولو في مكة. وجوَّزها الشافعي لقول بلال: ما جدَّدتُ طهارةً إلا صليت ما قُدِّرَ لي، ولإطلاق قوله ﵊: «إذا دخل أحدكم المسجد، فَلْيُحَيِّه بركعتين» (١) . ولقوله ﵊: «يا بني عبد مَنَاف، لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أيَّة ساعة شاء، من ليل أو نهار». رواه أصحاب السنن الأربعة. ولنا ما رويناه، وهو نصٌ، فيُقيَّد به المبيح المطلق، وجوَّز الصلاة أبو يوسف ومعه الشافعي في الأصح عند استواء الشمس يوم الجمعة، لما في حديث عُقْبة: «إلا يوم الجمعة»، ولما في حديث أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة في نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة». رواه الشافعي في «مسنده». وكره أبو حنيفة ومحمد الصلاة فيه لإطلاق حديث عُقْبة. وهذه الزيادة غريبةٌ فيه، فلا تقيَّد بها، وهو مُحَرِّم، فيقدم على حديث أبي هريرة المبيح.

стр. 187

وتُكْرَهُ إذَا خَرَجَ الإمَامُ للخُطْبَةِ. ويُكْرَهُ النَّفْلُ فَقَطْ بَعْدَ الصُّبْحِ إلَّا سُنَّتَهُ، وبَعْدَ أَدَاءِ العَصْرِ إلى أدَاءِ المَغْرِبِ. === (وتُكْرَهُ) أي الصلاة، وسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة، إلا الفائتة لصاحب الترتيب (إذَا خَرَجَ) أي صَعِدَ (الإمَامُ) المنبر (للخُطْبَةِ) أي خطبة الجمعة، أو العيدين، أو الحج، أو الكسوف، أو الاستسقاء، للإخلال باستماع الخُطبة والإعراض عنها، ولقوله ﵊: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغَوْت». كما رواه الشيخان. فإنْ كان الأمر بالمعروف مع كونه فرضاً، صار حراماً في هذا الوقت، فما بالك بالنفل. فإن قيل: روى الجماعة عن جابر بن عبد الله: «أن رجلاً جاء يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال: «أَصَلَّيتَ يا فلان؟، قال: لا، قال: فَصَلِّ ركعتين، وتجوَّز فيهما»، أي اختصر. وأُجيب عنه بأنَّ النبيّ ﷺ أنصت له حتى فرغ من صلاته، لما روى الدَّارَقُطْنِي من حديث أنس قال: «دخل رجل المسجد»، فذكر الحديث. وفيه: «وأمسك رسول الله ﷺ حتى فرغ من صلاته»، ولأنَّ ذلك كان قبل الشُّروع في الخطبة. وقد بوَّب النَّسائي في «سننه الكبرى»: باب الصلاة قبل الخطبة، ثم أخرج عن جابر قال: «جاء سُلَيْك الغَطَفَاني ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقعد سُلَيْك قبل أن يصلّي، فقال له ﵊: «أرَكَعْتَ ركعتين»؟ قال: لا، قال: «قم فارْكَعْهُما». وكذا يكره بعد الفراغ من خطبة الجمعة إلى الشروع في الصلاة عند أبي حنيفة، خلافاً لهما. (ويُكْرَهُ النَّفْلُ فَقَطْ) أي دون الفوائت، وسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة (بَعْدَ الصُّبْحِ) أي بعد طلوعه (إلاَّ سُنَّتَهُ وبَعْدَ أَدَاءِ العَصْرِ إلى أدَاءِ المَغْرِبِ). أمَّا بعد الصبح، فلما روى أحمد، وأبو داود، والترمذي، والدَّارَقُطْنِي، من حديث يَسَار ـ مولى ابن عمر ـ، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة بعد الصبح إلا ركعتين». ورواه الطَّبَرَانِي. وفي طريق آخر له: «بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر»، ولقوله ﵊: «لِيُبَلِّغْ شاهدكم غائبكم، لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين». رواه أبو داود. ولقول حَفْصَة: «كان النبي ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلّي إلا ركعتين خفيفتين»، رواه مسلم. قيل: وحكمة هذا النهي أن يصير الوقت كالمشغول بفرضه وما يتبعه، ولهذا كُرِه الكلامُ بين سنته وفرضه، إلا إذا كان كلام خير، فيظهر النهي في حق النفل، وكلّ

стр. 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ما وجب بسبب عن المكلف كالمنذور، وقضاء النفل الذي شرع فيه ثم أفسده، وركعتي الطواف. ورُوِي: «أن عمر ﵁ طاف بالبيت سبعاً بعد الفجر ولم يصلِّ حتى خرج إلى ذي طُوَى، فصلّى ركعتي الطواف بعد ما ارتفعت الشمس». وأما كراهتها بعد أداء العصر، فلما روى الجماعة عن ابن عباس ﵄ قال: «شهد عندي رجال مرضيون، ـ وأرضاهم عندي عمر ـ أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». ولقول علي ﵁: «كان النبيّ ﷺ يصلّي دُبُر كل صلاة إلا الفجر والعصر». وتقول عائشة: «إن رسول الله ﷺ لم يكن يصلّي الصلاة إلا أتْبعَها ركعتين، غير العصر والغَدَاة (١) ، فإنه كان يُعَجِّلُ الركعتين قبلهما»، رواهما الطَّحَاويّ. وساق في خصوص العصر روايات بطرق مختلفة، ثم قال: فقد جاءت الآثار عن رسول الله ﷺ متواترة بالنهي عن الصلاة بعد العصر، وعَمِل بذلك أصحابه من بعده، فلا ينبغي لأحد أنْ يخالِف ذلك. ثم أسند إلى أبي سعيد الخُدْري أنه قال: «أمرني عمر ابن الخطاب أن أَضْرِبَ من كان يصلّي بعد العصر الركعتين بالدِّرة» (٢) . «وأنَّ خالد بن الوليد كان يَضْرِبُ الناس على الصلاة بعد العصر كعمر». «وأن طاوساً سأل ابن عباس عن الركعتين بعد العصر، فنهاه وقال: ﴿وما كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللهُ ورَسُولُهُ أمراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ﴾» (٣) . ثم روى عن عائشة من طرق: «كان النبي ﷺ لا يدع الركعتين عندي بعد العصر». (وفي رواية: «والله ما ترك رسول الله ﷺ الركعتين عندي بعد العصر) (٤) قطُّ»، ولفظ الصحيحين: «ما كان النبي ﷺ يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلّى ركعتين»، وفي لفظ للبخاري، عنها: «والذي ذَهَبَ به، ما تركهما حتى لَقِيَ الله، وما لقي الله تعالى حتى ثَقُلَ عن الصلاة، وكان النبي ﷺ يصليهما، ولا يصليهما في المسجد مخافة أنْ يُثْقِلَ على أمّتهُ، وكان يحب ما يُخَفّف عنهم». وأجاب بأنَّ معاوية بن أبي سفيان لَمَّا أَرْسَلَ إليها لِيَسْأَلَها عنهما، قالت: «لا

стр. 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أدري سَلُوا أُمَّ سَلَمة». وبأنَّ ابن عباس، وعبد الرحمن بن أزْهر، والمِسْور بن مَخْرَمة لما أَرْسَلوا كُرَيباً يَسْأَلُهَا عنهما قالت: «سَلْ أمّ سلمة»، وبأنَّها قالت: «ليس عندي صلاَّهما، ولكن أم سَلَمة حَدَّثَتْنِي: أنه صلاّهما عندها». فهذا يُعَارِض ما قبله، فلا يصحّ الاحتجاج به على عدم كراهتهما، كيف وقد كشفت هي مع أم سلمة عن حقيقة أمرهما. أما هي فروى مسلم عن أبي سلمة: «أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يُصَلِّيهما بعد العصر، فقالت: كان يُصَلِّيهما قبل العصر، ثم شُغِلَ عنهما، أو نَسِيَهما، فصلاَّهما بعد العصر، ثم أثْبَتَهما. وكان إذا صلّى صلاة أثْبَتَها»، يعني داوم عليها. وروى أبو داود عن ذَكْوان ـ مولى عائشة ـ عنها: «أنها حَدَّثَتْه أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلّي بعد العصر، ويَنْهَى عنهما، ويُوَاصِلُ ويَنْهى عن الوِصَال». وأما أم سلمة فقالت: سمعت رسول الله ﷺ نهى عنهما، ثم رأيته يصليهما، فقيل له في ذلك فقال: «إنه أتانِي نَاسٌ من عبد القَيْس بالإسلام من قومِهم، فَشَغَلُوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان». رواه الشيخان والطَّحَاوِيّ، وفي لفظ له عنها أنها قالت: صلاَّهما رسول الله ﷺ عندي لم أرَه صلاَّهما قَبْلُ ولا بَعْدُ، فقلت يا رسول الله: ما سجدتان رَأَيْتُكَ صلّيتهما بعد العصر، ما صلَّيْتَهما قَبْلُ ولا بَعْدُ؟ فقال: «هما سَجْدَتَانِ كُنْتُ أُصلِّيهما بعد الظهر، فَقَدِمَ عليَّ قلائص (١) من الصَّدقة، فَنَسِيتُهما حتى صَلَّيْتُ العصر، ثم ذَكَرْتُهما، فكَرِهْت أن أُصَلِّيهما في المسجد والناس يَرَوْنِي (٢) فصليتهما عندك»، وفي رواية: قلت: يا رسول الله أفَنَقْضِيهما إذا فاتتا؟ قال: «لا». فَعُلُمَ من هذا كُلِّه أنَّ قضاءهما، ثم استمرار فِعْلِهِما كان من خصائصه ﷺ فلا يَحِلُّ لأحد التَشَبُّهَ به مع نَهْيهِ عنهما، كما في سائر خصائصه. وأما كراهتهما بعد الغروب قبل صلاة المغرب، فلما فيه من تأخير صلاة المغرب. وعن الشافعية في الركعتين قبل المغرب وجهان: أشهرهما أنها لا تُسْتَحبُّ. وأصحُّهما: أنها تُسْتَحبُّ، لما في «صحيح مسلم» عن مختار بن فُلْفُل قال: سألت أنس بن مالك عن التطَوُّع بعد العصر، فقال: كان عمر يَضْرِبُ الأيدي على الصلاة بعد العصر، وكنا نصلّي علَى عهد رسول الله ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل المغرب، فقلت له: أكان رسول الله ﷺ يصلّيهما؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا ولم ينهنا.

стр. 190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ولما في البخاري أنه ﵊ قال: «صَلُّوا قبل صلاة المغرب». ثم قال في الثالثة: «لمن شاء». خشية أن يتخذها الناس سنة، ولقوله ﵊: «بين كل أذانين صلاة». ثم قال في الثالثة: «لمن شاء». ولقول أنس: كان المؤذن إذا أذَّن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري، فيركعون ركعتين (قبل المغرب) (١) ، حتى إن الرجلَ الغريبَ ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صلّيت من كثرة من يصليهما. رواهما الشيخان. وفي لفظٍ للبخاري: «حتى يَخْرُجَ النبي ﷺ وهم كذلك، يُصَلُّون ركعتين قبل المَغْرِب». وفيه أيضاً عن مَرْثَد بن عبد الله (٢) قال: أتيت عُقْبَة بنَ عامرٍ، فقلتُ: ألا أُعجِّبُكَ من أبي تميم، ركع ركعتين قبل صلاة المغرب، فقال عُقْبة: إنَّا كنَّا نفعله على عهد النبي ﷺ قلت: فما يَمْنَعُكَ الآن؟ قال: الشُّغْلُ. ولنا ما في أبي داود، عن طاوس قال: «سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب. فقال: ما رأيت أحداً على عهد رسول الله ﷺ يصلِّيهما، ورخّص في الركعتين بعد العصر». وسكت عنه أبو داود والمُنْذِري في «مختصره»، وهذا تصحيح عندهما. وفي «سنن الدَّارْقُطْنِي» ثم البَيْهَقِيّ: عن حيّان بن عُبَيْد الله العَدَوِيّ: حدّثنا عبد الله بن بُرَيْدَة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «إن عند كل أذانين ركعتين، ما خلا المغرب». ورواه البزَّار في «مسنده» وقال: لا نَعْلَمُ رواه عن ابن بُرَيْدَة إلاَّ حيَّان بن عبيد الله، وهو رجل مشهور من أهل البصرة، لا بأس به. وفي الطَّبَرَانِي عن جابر قال: «سَأَلْنَا نساء رسول الله ﷺ هل رأيْتُنَّ رسول الله ﷺ يصلّي الركعتين قبل المغرب؟ فقلن: لا، غير أن أمّ سلمة قالت: صلاَّهما (عندي) (٣) مرةً، فسَألته ما هذه الصلاة؟ فقال: نسيت الركعتين من قبل العصر فصلّيتهما الآن». وفي «آثار محمد بن الحسن»: أخبرنا أبو حنيفة: حدّثنا حَمّاد بن سُلَيْمَان: أنه سأل إبراهيم النَّخَعي عن الصلاة قبل المغرب؟ قال: فنهى عنها وقال: «إن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ لم يكونوا يصلونهما».

стр. 191

ومَنْ هُوَ أهْلُ فَرْضٍ في آخِرِ وَقْتِهِ، يَقْضِيهِ فَقْط، === لكن لا يخفى أن هذا القدر لا يتم به، إذ عَدَمُ روايتهما لا يدل على كراهتهما، كيف وقد جاء الأمر بهما، واستثناء المغرب مقدوح في صحته. فقد حكم الفلاَّس على حَيَّان بن عُبَيْد الله بالكذب، وهو مقدَّمٌ على قول البزار: لا بأس به. كيف، وقد روى ابن المبارك، عن كَهْمَس في هذا الحديث قال: «وكان ابن بُرَيْدة يصلي قبل المغرب ركعتين». ورَوى حُسَيْن المُعَلِّم، عن عبد الله بن بُرَيْدَة، عن عبد الله بن مغفَّل قال: قال رسول الله ﷺ «صلوا قبل المغرب ركعتين … » الحديث، رواه البخاري. هذا، ويكره عندنا وعند الشافعي لمصلي ليل نام عن حزبه، أن يأتي به ما بين طلوع الفجر وصلاته، وما بعدها إلى طلوع الشمس، لما تقدم. وأجازه مالك لقوله ﵊: «من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتِبَ له كأنَّما قرأه من الليل» (١) . قلنا: حقيقة اللفظ لا يدل عليه. (ومَنْ هُوَ أهْلُ فَرْضٍ في آخِرِ وَقْتِهِ) بأن بَلَغ، أو أَسْلَم آخر الوقت، أو طَهُرت لأكثر الحيضِ أو النِّفَاس، وقد بقي قدر التحريمة، أو طَهُرت لأقل من أكثره، وقد بقي قدر التَّحْريمة والغُسْل، (يَقْضِيهِ) أي يقضي ذلك الفرض (فَقْط) أي لا يقضي غيره فيه، لأن آخر الوقت هو المعتبر في السببية عند عدم الأداء في أول الوقت، فمن كان أهلاً فيه وجب عليه فرض ذلك الوقت، ومن لم يكن أهلاً فيه سقط عنه. وقال الشافعي وأحمد: إن كان ذلك الفرض صبحاً، أو ظهراً، أو مغرباً، يقضي ذلك الفرض فقط، وإن كان عصراً أو عِشَاءً، يقضي مع العصر الظهر، ومع العشاء المغرب. وهذا بناءً على أن وقت العصر والظهر واحد عندهما، وكذا المغرب والعشاء، إلا أنَّ المكلَّفَ أُمِرَ بالتفريق بينهما في الأداء، ألا ترى كيف قُدِّمَتِ العصر إلى وقت الظهر في عَرَفَة، وأُخِّرَت المغرب إلى وقت العشاء في المُزْدَلِفة، والتقديم والتأخير عمداً لا يجوز، فعُلِم أن وقتهما واحد، وعندنا متعدد، قال الله تعالى: ﴿إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ (٢) . وقد بينت السنة المشهورة أوائل الأوقات وأواخرها. ومقتضاه أن تكون المكتوبات مع أوقاتها خمساً لا ثلاثاً، فيختصّ كل وقت بحكم، وسيأتي تمامه في محله.

стр. 192

لا مَنْ حَاضَتْ فِيهِ. === (لا مَنْ حَاضَتْ) أي لا تقضي فرضاً من حاضت، وكذا من نَفِسَت (فِيهِ) أي في آخر الوقت، مع تَمَكُّنِها من الأداء في أول الوقت بقدر ما يسع الفرض، ولم تُصَلِّ حتى طَرَأَ الحيض، لما قدمنا. وأوجبه الشافعي، إذ الوجوب بالخطاب، وهو متوجه إلى المُكلَّف من أول الوقت، ولهذا يقعُ أداءً إذا صلى فيه، ولو كان بآخره لوقع نفلاً، فإذا ثبت الوجوب، لم يبطل باعتراض الحيض، كما لو اعترض بعد الوقت. والله أعلم.

стр. 193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بابُ الأذَانِ هو في اللغة: الإعلام. قال الله تعالى: ﴿وأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولهِ إِلَى النَّاسِ﴾ (١) الآية. وفي الشرع: الإعلامُ بدخول وقت الصلاة، بألْفَاظٍ مخصوصةٍ معلومةٍ. وسبب مَشْرُوعيته في السنة الأولى من الهجرة، وقيل: في السنة الثانية منها، لما روى ابن سعد بسنده: عن نافع بن جُبَيْر، وعُرْوة بن الزُّبَيْر، وسعيد بن المُسَيَّبِ: أنهم قالوا: «كان الناس في عَهْدِ رسول الله ﷺ قبل أن يُؤْمَرَ بالأذانِ، ينادي منادي رسول الله ﷺ الصلاةُ جامعةٌ، فتجتمع الناس، فلما صُرِفَتِ القِبْلَة أُمِرَ بالأذان». ووجهُ الدَّلالة أن القِبلَة صُرِفت إلى الكعبة في السنة الثانية. وفي مسلم من حديث ابن عمر قال: «كان المسلمون حين قدِمُوا المدينة يجتمعون فَيَتَحَيَّنُونَ الصلاة، أي يُقدِّرون حِينَها ليأتوا فيها إليها، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا نَاقوساً (٢) مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قَرْناً مثل قرن اليهود، فقال عمر: أَوَلَا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ قال رسول الله ﷺ يا بلال قُم فنادي بالصلاةِ». قال القاضي عِيَاض في «شرح مسلم»: ظاهره أنه إعلام ليس على صفة الأذان الشرعي، بل إخبار بحضور وقتها. قال النووي في شرحه: وهذا الذي قال محتمل أو متعين، فقد صحَّ عن عبد الله بن زيد بن عبد ربّه في «سنن أبي داود» وغيرها: أنه رأى الأذان في المنام، فجاء إلى رسول الله ﷺ فأخبره بما رأى، فقال: «قم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت فليؤذّن (به، فإنه أندَى صوتاً منك، فقام مع بلال، فجعل يُلْقِيه عليه ويُؤذِّن) (٣) ، فسمع عمر ذلك ـ وهو في بيته ـ فجاء يَجُرُّ رداءه ويقول: والذي بعثك بالحقّ لقد رأيت مثل ما أُرِي … » الحديث. وهذا ظاهر في أنه كان في مجلس آخر، فيكون الواقع أولاً الإعلام، ثم رأى

стр. 194

سُنَّةٌ للفَرَائضِ فَقَطْ. === عبد الله بن زيد الأذان، فشرَعَه النبي ﷺ بعد ذلك، إمّا بوحي له، وإمّا باجتهاده على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له، وليس عملاً بمجرد المنام، هذا مما لا شك فيه بين الأنام. انتهى. والحاصل: أن الأذان ثابت بالكتاب، والسنة. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وإِذَا نَادَيْتُم إِلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً ولَعِباً﴾ (١) . وأمّا السنة، فما سبق من حديث عبد الله بن زيد، وهو رواية أبي داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حسنٌ صحيحٌ، إلاَّ أنَّه لم يَروِ كلمات الأذان والإقامة، وأبو داود روى بلا ترجيع في الأذان، وبالإفراد في الإقامة، وابن ماجه لم يذكر فيه لفظ الإقامة، ورواه ابن حِبّان في «صحيحه» بتمامه. وقال الحاكم: لم يخرجاه في الصحيحين لاختلاف الناقلين في أسانيده، ولكن تداوله بالقَبُولِ فقهاء الإسلام، والعلماء الأعلام. ثم التكبير في أوْلِ الأذان أربع عند الجمهور، لما رُوِيَ من أذان المَلَك في المنام، وموافقة رأيه ﵊. وقال مالك وأبو يوسف: إنه مرتان لما في «صحيح مسلم»: «أن النبي ﷺ عَلَّم أبا مَحْذُورَة الأذان: الله أكبر الله أكبر مرتين»، قلنا: ورواه أبو داود، والنَّسائي، وذكر التكبير في أوله أربعاً، وإسناده صحيح، فَيُعْمَلُ بالزيادة باعتبار الأصل، وقبول زيادة الثقة. (سُنَّةٌ للفَرَائِضِ) خبر مبتدأ مقدر وهو «هو»، ويجوز تنوين باب، على أنه خبر هذا، ووقفه بالسكون أيضاً، فيكون الأذان مبتدأ خبره سنة للفرائض، أي العينية (فَقَطْ) أي لا للواجبات، كالعيدين، والوتر، ولا لفرض الكفاية، وهو الجنازة، ولا للسُّنَنِ كالتراويح. والإقامةُ تابعةٌ للأذانِ. وقد روى مسلم عن جابر بن سَمُرة: «صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرةٍ ولا مرتين بغير أذانٍ ولا إقامةٍ». وعن عائشةَ: «خُسِفَتِ الشمس على عهد رسول الله ﷺ فبعث منادياً بـ: الصلاة جامعة». رواه مسلم. وفي الصحيحين: الأذان للجمعة، (من) (٢) حديث السائب بن يزيد، فهو بيان

стр. 195

في وَقْتِهَا، ويُعَادُ لَوْ أُذِّنَ قَبْلَهُ === لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُوْدِيَ للصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ (١) ، ويعُمُّ المصلّي ولو كان منفرداً، أداءً أو قضاءً، سفراً أو حضراً، بلا مشي وكلام فيهما، ولو كان ردَّ سلام لشبهةِ اتصال كلماتهما، واتحاد مكانهما. وقيل: الأذان واجبٌ لقول محمد: لو أنَّ أهلَ البلدةِ أجْمَعُوا على ترك الأذان لقاتلتهم، ولو ترك واحد لضربته وحبسته. وأُجِيبَ بأن هذا لا يَدُل على الوجوب، لأنه قال أيضاً: لو ترك أهل بلدةٍ سنةً لقاتلتهم عليها، ولو تركها واحدٌ لضَرَبْتُه. وبأن السُّنة إذا كانت من الشعائر يقاتل عليها، والأذَانُ من الشعائر. ومما يدل على أن الأذانَ ليس بواجب: أنه ﵊ عَلَّم الأعرابي الصلاةَ وما تتوقّف عليه، ولم يَذْكُر له الأذان. (في وَقْتِهَا) أي أوقات الفرائض، سواء كان وقتها لأدائها أو لقضائها. (ويُعَادُ) أي الأذان (لَوْ أُذِّنَ قَبْلَهُ) أي قبل وقت الأداء لعدم الاعتداد بما قبله. وقال مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو يوسف: يَجُوز الأذانُ للفجر وحده قبل وقته في النصف الأخير من الليل، لما في الصحيحين عن ابن عمر: «أن النبي ﷺ قال: إن بلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلوا واشْرَبوا حتى تَسْمَعُوا أذانَ ابن أُمِّ مَكْتُوم». ولنا ما روى مسلم من حديث عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يصلّي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان، ويخفّفهما». وما أخْرَجَه الطَّحَاويّ والبَيْهَقِيّ عن عبد الكريم الجَزِرِيّ، عن نافع، عن ابن عمر، عن حَفْصة بنت عمر: «أن النبيَّ ﷺ كان إذا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ بالفجر، قام فصلّى ركعتي الفجر، ثم خرج إلى المسجد، فحرَّمَ الطعام، وكان لا يُؤَذِّنُ حتى يصبحَ». وعبد الكريم الجَزِرِي قال فيه ابن معين، وابن المَدِينِي: ثَبْتٌ، ثِقَةٌ. وقال الثَوْرِي: ما رأيت مثلَه. وروى أبو داود عن موسى بن إِسماعيل، وداود بن شَبيب قال: أَخْبَرَنا حمّادٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عمر قالا: «إن بلالاً أذَّنَ قبل طلوع الفجر، فأَمَرَه النبيُّ ﷺ أن يَرْجِعَ فينادي: ألا إنَّ العبدَ نام»، زاد موسى: «فَرَجَعَ فنادى». وروى البَيْهَقِيّ عن ابنِ عمر: أن النبيَّ ﷺ قال له: «ما حَمَلَكَ على ذلك؟ قال: اسْتَيْقَظْتُ وأنا وَسْنَان (٢) ،

стр. 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فظننت أنَّ الفجر قد طلع، فأمره النبيّ ﷺ أن ينادي على نفسه: ألا إنَّ العبدَ قد نام». وروى الدَّارَقُطْنِي عن أبي يوسف القاضي، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، عن أنس: «أن بلالاً أذَّنَ قبل الفجر، فأَمَرَهُ النبيُّ ﷺ أنْ يَصْعَدَ فينادي: إنَّ العبدَ قد نام، فَفَعَلَ، وقال: ليت بلالاً لم تَلِدْهُ أُمّهُ، وابتل مِنْ نضح دم جبينه». وفي رواية قال: «إنَّ العبدَ قد نام» مرتين. لكن قال أبو داود: ورواه الدَّرَاوَرْدِيّ (١) : عن عُبَيْد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان لعمر مُؤَذِّنٌ يقال له: مسعود»، فذكر نحوه. قال: هذا أصح من ذاك (٢) . قلت: ولا يبعد تعدد القضية. وقد روى أبو داود أنه ﵊ قال لبلال: «لا تُؤَذِّن حتى يستبين لك الفجر هكذا»، ومدّ يده عرضاً. وأعَلَّهُ البيهقيُّ بالانقطاع، وهو غير مضرَ عندنا، ويَعْضُدُهُ ما رواه الطّحاوِيّ عن أبي ذر: أنه ﵊ قال لبلال: «إنَّك تُؤَذِّنُ إذا كان الفَجْرُ ساطعاً، وليس ذلك الصُّبْح، إنما الصبحُ هكذا مُعْتَرِضاً». وروى أبو داود بإسنادٍ كل رجاله ثقاتٌ: أنه ﷺ قال: «يا بلال لا تُؤَذِّن حتى يَطْلُعَ الفجر». وقال الطّحَاوِيّ: حديث: «إنَّ بلالاً يُؤَذِّنُ بليل»، على أنَّ الأذانَ كان منه على ظَنِّ طلوع الفجر، ولم يُصِبْ في طلوعه». قال: لِمَا روينا عن أنس أنه ﵊ قال: «لا يَغُرَّنَّكم أذانُ بلال، فإن في بصره سوأً». ولما روينا عن عائشة أنه ﵊ قال: «بلالٌ ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم. قالت: ولم يَكُنْ بينهما إلا مقدار ما يَنْزِلُ هذا ويَصْعَدُ هذا». قال: فلما كان بين أذانيهما من القُرْب ما ذكرنا، ثبتَ أنهما كانا يَقْصِدَان طلوع الفجرِ، لكن بلال يُخْطِئه، وابن أم مكتوم يصيبه، لأنه لم يكن يُؤَذِّنُ حتى يقولَ له الجماعة: أصبحت. وفي «الإمام» لابن دقيق العيد: والتعارضُ بينهما لا يتحقق إلا بتقدير أن يكون قوله: «إنَّ بلالاً يؤذن بليل» في سائر العام، وليس كذلك، وإنما كان ذلك في رمضان، يعني بدليل قوله: «كلوا واشربوا».

стр. 197

ويَتَرَسَّلُ فِيهِ مُسْتقْبِلًا، وأُصْبعَاهُ في أُذُنَيْهِ، === والأظهر أن يقال: إن أذان بلال حينئذٍ كان للإعلام بوقت السحور والتَهجُّد ونحوهما، سواء كان بألفاظ الأذان أو بغيرها، على أنَّه إنَّما يتم الاستدلال به لو اكتفى بالأذان الأول، ولم يقع ذلك أصلاً. ثم رأيت البخاري ومسلماً والطَّحَاوِيّ أخرجوا عن ابن مسعود: أنّ النبي ﷺ قال: «لا يَمْنَعَنَّ أحدَكم أذانُ بلال من سَحوره، فإنه يؤذن ـ أو قال: ينادي ـ بليل، لِيَرجِعَ قائِمكُم، ويَنْتَبِهَ نائِمكُم» وذلك لأن الصحابة كانوا فرقتين: فرقةٌ يَتَهَجَّدُون في النصف الأول من الليل، وفرقةٌ في النصف الأخير منه، وكان الفاصل أذان بلال، وإنما كانت الصلاة بأذان ابن أم مكتوم. ومما يدلّ على أن الأذان لم يكن مرتين ما رواه الأوْزَاعِي، عن الزّهْرِي، عن عُرْوة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سكت المُؤَذِّن بالأذان الأول من صلاة الفجر، قام فركع ركعتين خفيفتين، وأرادت بالأذان الأول احترازاً من الإقامة. (ويَتَرَسَّلُ) أي يتمهَّل (فِيهِ) أي في الأذان، بأن يفصل بين كل جملتين منه بسكتة يسع فيه الإجابة. لما روى الترمذي والحاكم في «مستدركه». عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال لبلال: «إذا أذَّنْتَ فترسَّل، وإذا أقمت فاحْدُر (١) ، واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكْلِهِ، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته». وروى الطَّبَرَاني في «سننه» عن سُوَيد بن غَفَلة قال: سمعت عليّ بن أبي طالب يقول: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أنْ نترسَّلَ الأَذانَ، ونَحْدُرَ الإقامة. (مُسْتَقْبِلاً) لما روينا من استقبال المَلَكِ بهما (وأُصْبَعَاهُ في أُذُنَيْهِ) لقوله ﵊: «إذا أذَّنْتَ فاجعل أُصْبَعيك في أُذُنَيْكَ، فإنَّه أرفع لصوتك» رواه الطَّبَرَانيّ. ولما روى الحاكم في «المستدرك» عن سعد القَرَظ أن رسول الله ﷺ أمر بلالاً أن يجعل أُصْبَعَيه في أُذُنيه، وقال: «إنه أرفعُ لصوتك»، وسعد القَرَظ مؤذن رسول الله ﷺ بقُباء، وسمّي بذلك لأنه كان يتّجر في القَرَظ ـ محرّكة، وهو: ورق السَّلَم يُدْبَغُ به ـ فربح فيه، فلزمه فأُضِيفَ إليه: وكان لرسول الله ﷺ ثلاثة مؤذنين غير سعد، وهم: بلال، وابن أم مكتوم وأبو مَحْذُورَة، وهو مؤذنه بمكة. وأما قول صاحب «الهداية»: وإن لم يفعل، ـ يعني جعل أصبعيه في أذنيه ـ فحسن، لأنها ليست بسنة أصلية، ففيه نظر، لما تقدّم من الأحاديث الصحيحة، مع لفظ الأمر.

стр. 198

ولا يَلْحَنُ، ولا يُرَجِّعُ، === (ولا يَلْحَنُ) من باب التفعيل، أي لا يتغنّى فيها، بأن نَقَّصَ من الحروف، أو من كيفياتها، وهي الحركات والسَّكنات، أو زاد في شيء منهما. وأما مجرد تحسين الصوت فهو حسن. رُوِيَ أن رجلاً جاء إلى ابن عمر فقال: إني أحبك في الله، فقال: إني أبغضك في الله، قال: لِمَ؟ قال: بَلَغَنِي أنك تغنِّي في أذانك. وفي «الخلاصة»: ولا بأس بالتحسين من غير تغنَ، فإن تغنّى بِلحْنٍ أو مدَ، أو ما أشبه ذلك يكره، وكذا لو قرأ القرآن. قال شمس الأئمة الحَلْوَانيّ: هذا في الأذكار، أي الوارد في الأذان، وكذا في غيره من الأذكار. قال: فأمَّا قوله: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، فلا بأس بإدخال مد ونحوه فيه. انتهى. وفيه بحث لا يخفى، ويستحب المبالغة في رفع الصوت المُؤَذَّن به، لقوله ﵊: «لا يسمع مدى صوت المُؤذِّن جِنٌ، ولا إنسٌ، ولا شيء إلا شَهِد له يوم القيامة». رواه البخاري. (ولا يُرَجِّعُ) بتشديد الجيم وكسرها بأن يقول الشهادتين بصوت خَفِيّ، ثم يقولهما بصوتٍ عالٍ. وقال مالكُ والشافعيُّ، وهو رواية عن أحمد: يُرَجِّع، لما رَوَى أبو داود عن أبي مَحْذُورَة، قال: «قلت يا رسول الله: عَلِّمْنِي سنةَ الأذانِ قال: تقول اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، ثم تقول: أشْهَدُ أنَّ لا إله إِلاَّ الله، أشْهَدُ أَنَّ محمّداً رسول الله، وتَخْفِضُ بهما صوتَك، ثم تَرْفَعُ صوتَك بهما». ولنا: أن حديث عبد الله بن زيد أصلُ الأذان، ولا ترجيع فيه. وقال أحمدُ بنُ حنبلَ: وهو آخِرُ الأمرين، قيل له: إنَّ أذان أبي مَحْذُورَة بعد فتح مكة، قال: أليس قد رَجَع النبي ﷺ إلى المدينة فَأَقَرَّ بلالاً على أذانِ عبد الله بن زيد. وروى الطَّبَرَانِيّ في «الأوسط» عن إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي مَحْذُورَة قال: سمعت جدي عبد الملك بن أبي مَحْذُورَة يقول: سمعت أبي ـ أبا مَحْذُورَة ـ يقول: أُلْقِيَ على رسول الله ﷺ الأذان حرفاً حرفاً، الله أكبر، الله أكبر … إلى آخره، ولم يَذْكُر فيه ترجيعاً. وأمَّا ما قيل: إنَّ بلالاً رَجَّع، فلم يَصِحَّ، وعدم الترجيع في أذان غير أبي مَحْذُورَة دليلٌ على عدم كَوْنِه من أجزاء الأذان، أو أنَّه من خصائصه لأمرٍ قام به من عدم رفع صوته أولاً، أو على نسخه، ودوامه عليه للتبرك به، فإذا تَعَارضا تساقطا، وتُرَجَّح رواية عدمه.

стр. 199

ويُحَوِّلُ وَجْهَهُ في الحَيْعَلَتَيْنِ يَمْنَةً ويَسْرَةً. وإنْ لَمْ يَتمَّ الإعْلامُ يَسْتَدِيرُ في المِئْذَنَةِ. والإقَامَةُ مِثْلُهُ، === (ويُحَوِّلُ) أي يدير (وَجْهَهُ) أي لا قدميه ولا صدره (في الحَيْعَلَتَيْنِ) أي عند قوله: حيَّ على الصلاة وحيَّ على الفلاح (يَمْنَةً ويَسْرَةً) بفتح أولهما بأنْ يقول: حيَّ على الصلاة مرتين في اليمين، وحيَّ على الفلاح في اليسار مرتين، لِمَا رَوَى الدَّارقُطْنِيّ في «أفراده» من حديث سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ عن بلال قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا أذَّنَّا أو أقَمْنَا أن لا نزيل أقدامنا عن مواضعها. ولما رَوَى الجماعة من حديث أبي جُحَيْفَة: أنَّه رأى بلالاً يُؤذِّنُ قال: فَجَعلت أتَتَبَّعُ فاهُ ههنا وههنا بالأذان، يقول يميناً وشمالاً: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح. ولما في «مسند الإمام إسحاق بن رَاهُويَه»: أخْبرنَا أبو معاوية: حدَّثنا الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، جاء عبد الله بن زيد إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنِّي رأيْتُ رجلاً نزل من السماء فقام على جِذْمِ (١) حائط، فاستقبل القِبلة وقال: الله أكبر، الله أكبر، أشْهَدُ أنْ لا إله إلاَّ الله مرتين، أشهد أنَّ محمداً رسول الله مرتين، ثم قال عن يمينه: حيَّ على الصلاة مرتين، ثم قال عن يساره: حيَّ على الفلاح مرتين، ثم استقبل القبلة، فقال: ألله أكبر، ألله أكبر، لا إله إلاَّ الله، ثم قَعَد قَعْدَة، ثم قام فاستقبل القبلة، ففعل ذلك، وقال: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. (وإنْ لَمْ يَتِمَّ الإِعْلَامُ) أي بتحويل وجهه مع الثبات في محله (يَسْتَدِيرُ) أي لتمام الإعلام (في المِئْذَنَةِ) بكسر الميم وسكون الهمزة، ويُبَدِّل موضع الأذان من المنارة وغيرها، ولم يكُنْ في زمنه ﷺ منارةٌ. فقد رَوَى أبو داود من حديث عُروةَ بنِ الزُّبَيْر عن امرأة من بني النَّجّار قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المَسجد، فكان بلالٌ يأتي بِسَحَرٍ يَجْلِسُ عليه، فينظر إلى الفجر، فإذا رآه أذَّنَ. (والإقَامَةُ مِثْلُهُ) أي مثل الأذان في كونه سنةَ الفرائض، وفي عدد كلماته وفي ترتيبها، لِما روى الترمذيُّ عن عبد الله بن زيد أنَّه قال: كان أذانُ رسول الله ﷺ شَفْعاً شَفْعاً، في الأذان والإقامة. ولما روى الترمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، عن أبي مَحْذُورَة قال: علَّمَنِي رسول الله ﷺ الأذان تسع عشرة كلمةً، والإقامة سبع عشرةَ كلمةً، وإنَّما قال: تسعَ عشرةَ كلمةً لأجل الترْجِيع، وقد سبق الكلام عليه. وروى الطحاويُّ والبيهقيُّ في «الخلافيات» عن أبي العُمَيس قال: سمعت

стр. 200

لَكنْ يَحْدُرُ فِيهَا، ويُزَادُ: قَدْ قَامتِ الصَّلاةُ مَرَّتَيْنِ، وفي الأَذَانِ بَعْدَ الفَلاح في الفَجْرِ: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم، مرتين === عبد اللهِ بنَ محمد بنِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ الأنصاريَّ يُحَدِّثُ عن أبيه عن جدّه: أنَّه رأى الأَذانَ ـ يعني في المنام ـ مَثْنَى مَثْنَى، والإقامةَ مَثْنَى مَثْنَى، قال: فأتَيْتُ النبيّ ﷺ فأخبرته، فقال عَلِّمْهُنَّ بلالاً، قال: فتقدمت فأمرني أنْ أُقِيمَ فَأَقَمْتُ. وعن مالك: أنَّ الإقامةَ فرضٌ، وعلى من تركها الإعادةُ، وهو قول الأوزاعيّ وعطاء ومُجَاهد وابن أبي ليلى وأهل الظاهر، لأنَّه ﵊ أَمَرَ الأَعرابيَّ بها كما أمره بالتكبير والاستقبال. (لَكِنْ يَحْدُرُ) بضم الدال وبالكسر أي يُسْرِع (فِيهَا) أي في كلمات الإقامة من غير سكتةٍ بينها لما روينا، (ويُزَادُ) على ألفاظِ الأذانِ: (قَدْ قَامتِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ) لحديث أبي مَحْذُورَة السابق. (و) يُزَادُ (في الأَذَانِ بَعْدَ الفَلَاح في الفَجْرِ: الصَّلَاة خَيْرٌ من النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ)، لِمَا رَوَى أبو داود في «سُننه» في تعليم النبي ﷺ أبا مَحْذُورَة الأذانَ قال: فإنْ كان صلاة الصُّبْحِ قلت: الصلاة خيرٌ من النوم، الصلاة خير من النوم. ولِمَا في «معجم الطَّبَرانيّ» عن عائشةَ قالت: جاء بلال إلى النبيّ ﷺ يُؤْذِنُه بصلاة الصبح، فوجده نائِماً فقال: الصلاة خير من النوم. فأُقِرَّت في أذانِ الصُّبْحِ، وفي رواية: فقال النبيُّ ﷺ «ما أَحْسَنَ هذا يا بلال، اجعله في أَذانك»، وزاد في أُخْرى: «إذا أذَّنْتَ للصبح»، فجعل بلال يقولها إذا أَذَّنَ للصبح. ثم اعلم أنَّ الشافعيّ شَفَعَ معنا في الإقامةِ «قد قامت الصلاة» وحدها، وأَفْرَد البواقي، لِمَا في البخاري وأبي داود والطَّحاوِيّ: أَمَرَ بِلالاً أنْ يَشْفَعَ الأَذانَ، ويُوتر الإِقامة إلا الإقامة. وأفردها مالك كلها لما في الدَّارقُطْنِي عن عبد الملك بن أبي مَحْذُورَة أنَّه سَمِعَ أباه يقول: إِنَّ النبي ﷺ أمره أنْ يَشْفَعَ الأَذانَ ويُوتِرَ الإِقامة.، وعن يزيد بن أبي عبيد، عن سَلَمة بن الأَكْوَع قال: كان الأَذَانُ على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى، والإقامة فُرَادَى. وهكذا رواه أبو داود والنَّسائي والطَّحَاويّ عن ابن عمر، غير أنَّه قال في الأذان: مرتين مرتين، وفي الإقامة: مرة مرة. ولنا ما في «مصنف ابن أبي شَيْبَة» قال: حَدَّثنا وكيع: حدَّثنا الأعْمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدَّثنا أصحاب محمد ﷺ «أنَّ عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، رأيتُ في المنامِ كَأَنَّ رجلاً

стр. 201

ولا يُتَكَلَّمُ فِيهِمَا. === قام وعليه بُرْدان أَخْضران، فقام على حائط، فَأَذَّنَ مَثْنَى مَثْنَى، وأقام مَثْنَى مَثْنَى». وهؤلاء كلهم رجال الصحيحين. وقال الطَّحاوِيّ: «فأَذَّن مَثْنَى، وأقام مَثْنَى، وقَعَد قَعْدَةً فيما بينهما». وزاد في سنن أبي داود: «فاستقبل القبلة». والجوابُ عن الأمرِ بإيتارها: لأَنها من باب الاختصار في بعض الأحوال تعليماً للجواز، لا يستمر سُنَّةً، بدليل ما روى الطحاويّ وابن الجَوْزِيّ: أنَّ بلالاً كان يُثَنِّي الإقامة إلى أنْ مات، وبأنَّ إبراهيم النَّخَعِي قال: كانَت الإقامة مثل الأذان حتى كان هؤلاء الملوك، فجعلوها واحدة واحدة للسرعة إذا خرجوا ـ يعني بني أمية ـ. (ولا يُتَكَلَّمُ) بصيغة المجهول (فِيهِمَا) أي في الأذان والإقامة لأَنَّه ذِكْرٌ مُعَظَّمٌ كالخُطْبة. وفي «الخلاصة»: رجل سَلَّمَ على المُؤَذِّن في أذانه، أو عطس وحَمِدَ الله وسمعه المؤذِّن، أو سَلَّم على المصلِّي، أو على قاراء القرآن، أو على الإمام وقت الخطبة. فعن أبي حنيفة: يَرُدُّ السلام ويُشَمِّتُ في نفسه. وعن محمد: يَرُدُّ بعد الفراغ. وعن أبي يوسف: لا يَرُدُّ في نفسه ولا بعد الفراغ، وهو الصحيح، ـ يعني عدم لزومه ـ فلا تنافي. واتفقوا على أنَّ المُتَغَوِّطَ لا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ قبل الفراغ ولا بعده. انتهى. ولا يخفى أنَّ الأفضلَ أنَّه يَرُدُّه بعده، لحديث ورد بذلك (١) . ويُسْتَحَبُّ إجابة المُؤَذِّن باللسان، فَيُمْسِكُ عن التلاوة، وغيرها، في المسجد وغيره، ويقول السامع مثل المُؤَذِّن في التكبير والشهادتين، ويُحَوْقِلُ في الحيْعَلَتَيْنِ، لأنَّ النبي ﷺ كان إذا سَمِعَ المُؤَذِّن قال مثل ما قال، وإذا قال: حَيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قال: «لَا حَوْلَ ولا قوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم». رواه مسلم. وإذا قال: الصلاة خَيْرٌ من النوم في أذان الفجر قال: «صدقت وبَرَرْت، وبالحق نَطَقْت»، لورود الخبر هكذا (٢) .

стр. 202

والتَّثْوِيبُ حَسَنٌ. ويَجْلِسُ بَينَهُما إلَّا في المَغْرِبِ، === ثم دعا بعد الفَرَاغ بالوسيلة للنبي ﷺ لقوله ﵊: «إذا سَمِعْتُم المُؤَذِّنَ فَقُولوا مثلَ ما يَقُول، ثم صلّوا عَليَّ، فإنَّه من صلّى عليَّ صلاةً، صلّى الله عليه بها عشراً، ثم سَلُوا الله لِيَ الوسيلة، فإنَّها مَنْزِلَةٌ في الجَنَّة لا تنبغي إلاَّ لعبدٍ من عباد الله، وأَرجُو أنْ أكُونَ أنا هو، فَمَنْ سأل اللهَ لِيَ الوسيلةَ حَلَّتْ له الشفاعة». رواه مسلم. ولقوله ﵊: «منْ قال حين يسمع النداء: اللهم رَبَّ هذه الدَّعوة التامّة والصلاةِ القائمة، آتِ محمّداً الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حَلَّتْ له شفاعتي يوم القيامة». رواه البخاري. ولقوله ﵊: «مَنْ قَالَ حين يسمع الأذانَ: وأنا أشهد أنْ لا إله إلاَّ الله وحدَه لا شريك له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، رَضِيتُ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمّدٍ ﷺ رسولاً، غُفِرَ له ذنوبه». رواه مسلم وغيره. ولِمَا حَكَى ابنُ عمرَ: أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله إنَّ المؤذنين يَفْضُلُونَنَا فقال ﵊: «قُلْ ما يقولون، فإذا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَهْ». رواه أبو داود والنَّسائي. وأجاب الأذانَ الأولَ إنْ تكرَّر وإنْ كان في غير مَسجده، لأنَّه حيث سمعه نُدِبَ له أنْ يُجِيبَهُ لِتَحَقُّق السببِ في حَقِّه، فصار كتعدده في مسجده. (والتَّثْوِيبُ) وهو الإعلام بالصلاة بين الأَذان والإِقامة بحسب ما تعارفه أهل كل بلد من لفظه (حَسَنٌ) في كل صلاة لِتَوَاني الناس في الأمور الدينية. وقال أصحابُنا المتقدمون: إنَّه مكروهٌ في غير الفجر، لما روى الترمذيُّ وابن ماجه من حديث ابن أبي ليلى عن بلال قال: أمرني رسول الله ﷺ أنْ لا أُثَوِّبَ في شيء من الصلاة إلاَّ في الفجر. قال أصحابُنا: هو أنْ يقول بين الأذان والإقامة: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح مرتين: وقال غيرهُم: هو أنْ يقولَ في أذانِ الفجر: الصلاةُ خيرٌ من النومِ مرتين، ولما رُوِيَ أنَّ علياً ﵁ رَأَى مُؤَذِّناً يُثَوِّبُ في العشاء، قال: أخْرِجُوا هذا المُبْتَدِعَ من المسجد. وكذا كَرِهَهُ مالكٌ والشافعيُّ مطلقاً. (ويَجْلِسُ) أي يَمْكُثُ (بَيْنَهُما) أي بين الأذان والإقامة لِمَا سبق من الحديث، (إلاَّ في المَغْرِبِ) فلا يَجْلِسُ بين أذانها وإقامتها عند أبي حنيفة لاستلزامه تأخير المغرب، وقالا: يَجْلِسُ جَلْسَةً خفيفةً كما في سائر الصلوات. وهذا أَوْفق لإطلاق الحديث. ويُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ المُؤَذِّنُ صالحاً لقوله ﵊: «ليُؤَذِّن لكم

стр. 203

ويُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ ويُقِيمُ، وكذا لأُولَى الفَوائِتِ، ولِكُلٍّ مِنَ البَوَاقِي يَأْتِي بِهِمَا، أوْ بِهَا وَحْدَهَا. وكُرِهَ إقَامَةُ المحْدِثِ لا === خِيَارُكُم، وليَؤُمَّكم أقْرَؤُكُمْ». رواه أبو داود وابن ماجه. وأنْ يكونَ عالِماً بالأوقات لقوله ﵊: «الإمامُ ضامنٌ والمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللهم أَرْشِد الأئمة واغفر للمؤذنين». رواه أبو داود. (ويُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ ويُقِيمُ) لِمَا روى أبو داود عن عِمْران بن حُصَيْن: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان في مَسِيرٍ له فناموا عن صلاة الفجر، فَاسْتَيْقَظُوا بحر الشمس، فارْتَفعوا قليلاً حتى اسْتَقَلَّتِ الشمس، ثمَّ أمر مُؤَذِّناً فَأَذَّنَ، فصلّى رَكْعَتَين قبل الفجر، ثم صلّى الفجر بإقامته وَفْقَ عادته». وفي رواية لأبي داود عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «تَحَوَّلُوا عن مكانِكم الذي أصابَتْكُم فيه الغَفْلَةُ»، وأمر بلالاً فأذَّنَ وأقامَ فصلّى. وفي رواية البخاري ومسلم، ـ واللفظ للبخاري ـ قال: «سِرْنَا مع رسول الله ﷺ ليلةً فقال القومُ: لو عَرَّسْتَ ـ أي نزلت ـ بنا يا رسول الله ﷺ قال: أخافُ أنْ تَنَامُوا عن الصلاة، فقال بلال: أنا أُوقِظُكُمْ، فاضْطَجَعُوا، وأسْنَد بلالٌ ظهرَه إلى راحلتهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاه فنامَ فَاسْتَيقَظَ رسول الله ﷺ وقد طَلَعَ حَاجِبُ الشمس، فقال: يا بلالُ أيْنَ ما قُلْتَ؟. قال: ما أُلْقِيتْ عَلَيَّ نَوْمةٌ مِثلُها قطُّ، قال: إنَّ اللهَ قَبَضَ أرْوَاحَكُم حينَ شاء، ورَدَّها عليكم حين شاء، يا بلال قم فَأَذِّنْ بالناس للصلاة، فتَوَضَّأَ فلما ارْتَفَعَتِ الشمسُ وابْيَضَّت، قام فصلّى». وفي سياق مسلم: «ثم أَذَّنَ بلالُ بالصلاة، فصلّى النبي ﷺ ركعتين ثم صلى الغداة، فصنع كما يصنع كل يوم». وفيه: «ليس في النوم تفريطٌ، إنَّما التفريطُ على مَنْ لم يُصَلِّ حتى يَجِيءَ وقتُ الصلاةِ الأخرى». (وكذا) أي يُؤَذِّنُ ويُقِيمُ (لأُولى الفَوائِتِ) لِمَا سبق (ولِكُلَ مِنَ البَوَاقِي يَأْتِي بِهِمَا) أي بالأذانِ والإقامةِ، ليكُونَ القضاءُ على وَفْقِ الأداءِ (أوْ) يأتي (بِهَا) أي بالإقامةِ (وَحْدَهَا) لأَنَّ الأَذان للاستحضارِ وهم حضور، ولقول ابن مسعود: «إنَّ النبيّ ﷺ فاته يوم الخندق أربعُ صلوات، حتى ذهب ما شاء الله من الليل، فأمر بلالاً فأَذَّنَ، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أَقامَ فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلّى العشاء». رواه الترمذي. (وكُرِهَ إقَامَةُ المحْدِثِ) لأَنَّ الإِقامةَ لم تشرع إلا متصلةً بصلاة مَنْ يُقِيمُ (لا

стр. 204

أذَانُهُ، ولم تُعَدْ. وكُرِهَا مِن الجُنُبِ، ولا تُعَادُ هي بَل يُعَادُ هُوَ، كأذَانِ المَرْأةِ والمَجْنُونِ والسَّكْرَانِ. وكُرهَ تَرْكُهُمَا في السَّفَر === أذَانُهُ) أي لا يُكْرَه أذانُ المُحْدث لأَنَّه ذِكْرٌ يُسْتَحَبُّ فيه الطهارة، فلا يُكْرَه بدونها كقراءة القرآن، وقيل يُكْرَه، لِمَا روى الترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لَا يُؤَذِّنُ إِلاَّ مُتَوَضِّاءٌ». (ولم تُعَدْ) أي الإِقامةُ لأَنَّ تكريرَها غيرُ مشروعٍ. (وكُرِهَا) أي الأذانُ والإقامةُ (مِنْ الجُنُبِ، ولا تُعَادُ هي) أي الإقامةُ مِنَ الجُنُبِ لِمَا سَبَقَ (بَلْ يُعَادُ) أي استحباباً (هُوَ) أي الأَذانُ لأَنَّ تكريرَه في الشرع مُعْتَبرٌ في الجُمُعَةِ، فإنَّ الأَذانَ الأَولَ شُرِعَ في زمان عثمانَ، ولأَنَّ الأَذانَ لإعلام الغَائِبين، فتكريرُه مفيدٌ لاحتمال عدم سماع البعض. (كأذَانِ المَرْأةِ) أي كما كُرِهَ أذانُ المرأةِ واسْتُحِبَّ إعادته، أمَّا كَرَاهةُ أَذَانِها، فلأَنَّها مَنْهِيَّةٌ عن رفع صوتها، وأمَّا استحبابُ إعادتهِ فَلِيَقَعَ على الوجهِ المَسْنُونِ. وسَنَّ الشافعيُّ الإِقامةَ للنساء اعتباراً لهن بالرجال. قلت: رُوِيَ عن أَنس وابن عمر: كراهتهما لهن. (والمَجْنُونِ) عَطْفٌ على الجُنُبِ، أي وكُرِهَا من المَجْنُونِ، وكان حَقُّه أنْ يقول: «ومن المجنون» لَئِلاَّ يُتَوَهَّم عَطْفُه على المرأةِ. (والسَّكْرَانِ) لعدم الوُثُوقِ بقولهما ولفقد تَميزِهما، فَيَتَعَيَّنُ إعادةُ أذانهِما وإقامتِهما، وكذا يُعَادُ أذانُ الصبيِّ الذي لا يَعْقِلُ كما صَرَّحَ به قَاضِيخَان. (وكُرِهَ تَرْكهُمَا) أي الأَذان والإِقامة جميعاً (في السَّفَرِ) لِمَا روى الجماعة عن مالك بن الحُوَيْرِثِ قال: «أتَيْتُ النبيَّ ﷺ أنا وصاحبٌ لي ـ وفي رواية: وابنُ عمَ لي، وفي رواية: وكنّا متقاربَين في القراءة ـ، فلما أَرَدْنَا الانصرافَ قال لنا: إذا حَضَرَتِ الصلاة فأَذِّنَا وأَقِيمَا». أي لِيُؤَذِّنْ وَلْيُقِمْ أحدُكما ولَيَؤُمَّكما أكْبَرُكما ـ أي سناً أو رتبةً ـ، ولقوله ﵊: «إذا كان الرجلُ بأرضٍ قَفْرٍ فَحَانَتِ الصلاة، فَلْيَتَوَضَّأْ، فإنْ لم يَجدْ فَلْيَتَيمَّمْ، فإنْ أَقَامَ صلَّى معه مَلَكَانِ، وإنْ أَذَّنَ وأَقَامَ صلّى خلفه من جنودِ الله ما لا يُرَى طرفاه». رواه عبد الرَّزَّاق. ولقول عليّ: المسافرُ بالخيار، إنْ شَاءَ أَذَّنَ وأقام، وإنْ شَاءَ أقام ولم يُؤَذِّن. وأمَّا قولُ صاحب «الهداية» لقوله: ﵊ لابْنَي أبي مُلَيْكَة: «إذا سَافَرْتُما أَذِّنَا وأَقِيمَا»، فقولهُ: لابْنَي أبي مُلَيْكَةَ، غَلَطٌ، والصوابُ: مالكُ بن الحُوَيْرِث

стр. 205

وجَمَاعَةِ المَسْجِدِ، لا في بَيْتِهِ في مِصْرٍ. === وابنُ عمَ له، كما تَقَدَّمَ. والله تعالى أعلم. وفي «الظَّهِيرية»: لَوْ تَرَك في السَّفَرِ الأَذَانَ وحدَه لم يُكْرَه، ولو تَرَكَ الإِقامةَ وحدَها كُرِه، لأَنَّ الأَذانَ لإعلامِ الغائبين، والرفقةُ حاضرون، والإقامةُ لإعلام افتتاح الصلاة، وهم مُحْتاجون إلى ذلك. (و) في (جَمَاعَةِ المَسْجِدِ) أي: وكذا كُرِهَ تَرْكُهُما في مسجد جماعةٍ، وكذا تَرْكُ واحدٍ منهما لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهما سنّةٌ مؤكدةٌ فيها، (لا في بَيْتِهِ) أي لا يُكْرَهُ تَرْكُهما لِمُصَلَ في بيته (في مِصْرٍ) أي إذا فُعِلا في مسجدِ مَحَلَّته، لأَنَّهم لما نَصَّبُوا مؤذِّناً، صار فعله كفعلهم حكماً، كما يشير إليه ابن مسعود حين صلَّى بعلقمةَ والأسود في داره بلا أذانٍ ولا إقامة، حيث قال: أذَانُ الحيِّ يَكْفِينَا، رواه الأَثْرَمُ، حكاه سِبْط ابن الجوزيّ وغيرُه. (وفي رواية: إقامة المِصْر تكفينا) (١) . وفي رواية: «أنَّ الأسودَ وعَلْقَمَةَ كانا مع عبد الله في الدَّار فقال عبد الله: أصلَّى هؤلاء؟ قالوا: نعم، قال: فصلَّى بهم بغيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ». رواهما الطبرانيّ. ولا يُكْرَهُ عندنا إقامةُ غير المُؤَذِّنِ برضاه، وبه قال مالكٌ وكَرِهَهَا الشافعيُّ. أمّا لَوْ لَمْ يَحْضُرْ فلا يُكْرَهُ اتفاقاً. له ما رواه أبو داود والطَّحاويّ عن زياد بن الحارث الصُّدَائِي واللفظ للطَّحاوي، قال: «أَتَيْتُ رسولَ الله ﷺ فَلَمَّا كان أَذَانُ الصُّبْحِ، أمَرَنِي فأَذَّنْتُ، ثم قام إلى الصلاة، فجاء بلال لِيُقِيمَ، فقال رسول الله ﷺ إنَّ أخا صُدَاء أذَّنَ، ومَن أذَّنَ فهو يُقِيمُ». ولنا ما روياه أيضاً عن عبد الله بن زيدٍ ـ واللفظ له أيضاً ـ قال: «أَتَيْتُ النبيَّ ﷺ فأَخْبَرْتُه كيف رأيتُ الأذانَ فقال: ألْقِه على بلالٍ فإنَّه أَنْدَى صوتاً منك، فلمَّا أذَّنَ بلالُ نَدِمَ عبدُ الله، فأمره رسول الله ﷺ أَنْ يُقِيم». ولفظ أبي داود: «أنا رأيته وإني كنت أريده، قال: فَأَقِمْ أَنْتَ». وأُجِيبَ بأنَّه إِنَّما أرادَ به تَطْيِيبَ قَلْبِه لفوات إرادته، أو تعليماً للجواز. قلنا: وإنَّما مَنَعَ بلالاً منها لعدم رضاءِ الصُّدَائيّ بإقامةِ غيره، لِمَا في أبي داود من قوله: «فجعلت أقولُ: أُقِيمُ يا رسول الله؟ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى ناحية المشرِق إلى الفجر فيقول: لا، حتى إذا طَلَعَ الفجر ـ أي أَسْفَرَ ـ نَزَلَ فَتَبَرَّزَ … » الحديثَ. ولأَنَّ الكراهةَ

стр. 206

وَيَقُومُ الإِمَامُ عِنْدَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، ويَشْرَعُ عِنْدَ: قَدْ قَامَتِ الصلاة. === لَيْسَت لِعَيْنِ الذِّكْرَين (١) بدليل عدمها عند غيبته (٢) ، بل للوحشة بين الذَّاكِرَين، فتنتفي بانتفائها. نعم، الأفضلُ أنْ يكونَ المُؤَذِّنُ هو المُقيمُ. (وَيَقُومُ الإِمَامُ) والقَومُ (عِنْدَ) قول المقيم (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) لأَنَّهُ أمرٌ بالإقبالِ عليها، فَيُسْتَحَبُّ المُسَارَعَةُ إليها. (ويَشْرَعُ) أي الإمامُ والقومُ معه (عِنْدَ) قول المقيمِ (قَدْ قَامَتِ الصلاة) في قول أبي حنيفةَ ومحمد، وعند الفراغ من الإِقامةِ في قَول أبي يوسف. والمعنى: إذا فَرَغ المُؤَذِّنُ من قوله: قد قامتِ الصلاة، شَرَعَ الإِمامُ. في «الخلاصة»: هذا هو الأصح، وقيل: مَعْناه أنَّه شَرَعَ فيها قبل تمام هذا القول. وفي «المحيط»: قال الإمام الحَلْوَانيّ: هذا هو الصحيح. وذكر في «الخِزَانة»: أنَّه لو لم يَشْرَعْ حتى فَرَغَ من الأَقامةِ فلا بَأْسَ به. والكلامُ في الاستحباب لا في الجواز. انتهى. والجمهور على قول أبي يوسف لِيُدْرِكَ المُؤَذِّنُ أوَّلَ صلاة الإِمام، وعليه عَمَلُ أَهْلِ الحَرَمَيْن، والله تعالى أعلم. وعند مالكٍ والشافعيّ: يُؤَخِّرُ الشُّرُوعَ إلى الفراغ من الإقامة واستواء الصفوف، لقول النُّعْمَان بنِ بَشِيرٍ: «كان رسولُ الله ﷺ يُسَوِّي صفوفَنا إذا قُمْنَا إلى الصلاة، فإذا اسْتَوَيْنَا كَبَّرَ». ولقول أَنَس: «كان رسول الله ﷺ يقول عن يمينه: اعتدلوا، سَوُّوا صفوفكم، وعن يساره: اعتدلوا، سوُّوا صفوفَكم». رواهما أبو داود. هذا، ويُكْرَهُ للمُؤَذِّنِ أَخذُ الأجرةِ لِمَا رُوِيَ عن عثمان بن أبي العاص قال: «يا رسول الله ﷺ اجعلني إمامَ قَوْمي، قال: أنت إمامهُم واقْتَدِ بأضعفهم واتخذ مُؤَذِّنَاً لا يَأْخُذُ على أذانه أجراً». رواه أبو داود بسند حسن. ولأَنَّه أجْرَةٌ على الطاعةِ وهي غيرُ جائزةٍ، وكذا أَخْذُ الأجرةِ على الحجِّ وتعليمِ القرآنِ والفقهِ، ولَكِنَّ المتأخرين جوَّزُوا على التعليمِ والإمامةِ في زماننا لحاجةِ النَّاس وظهورِ التَّوَاني في الأمور الدينية، وعليه الفتوى. والله تعالى أعلم.

стр. 207

بَابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ طُهْرُ بَدَنِ المُصَلِّي مِنْ حَدَثٍ وخَبَثٍ، وثَوْبِهِ، ومَكَانِهِ، === بابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ أي ما يتوقف صِحَّةُ الصلاة على تحقُّقها، ولم تَكُنْ داخلةً في حقيقتها المسماةِ بأركانِها (طُهْرُ بَدَنِ المُصَلِّي) أي منها، أو أحدها، أو هي، والرَّبْطُ بعد العطف، ويجوز أنْ يكونَ البابُ هنا أيضاً بالتنوين، أو بالوقف كما مر، وإنَّما لم يَذْكُرِ الوقت فيها لأَنَّه ليس بشرطٍ للصلاة نفسها، وإنَّما هو شَرْطٌ لصحةِ أدائِها دُونَ قضائِها. وذِكْرُ التَّحْرِيمةِ في باب صفة الصلاة لكونها متّصلةً بأركانِها، وإنْ كانت شرطاً عندنا خلافاً للشافعيّ ومحمد من أصحابنا. (مِنْ حَدَثٍ) أي مطلقاً لقوله تعالى ﴿إذا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ﴾ (١) الآيةَ، ولقوله ﵊: «لا صلاة لمَنْ لا وضوء له». رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة. ولقوله ﵊: «لا يَقْبلُ اللهُ صلاة أحدكم إذا أَحْدَثَ حتى يتوضأ». رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة. (وخَبَثٍ) أي مانع من الصلاة (وثَوْبِهِ) عطف على بدن المصلي (ومَكَانِهِ) أي لقوله تعالى: ﴿وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٢) وإذا وَجَبَ تطهير ثياب المصلّي، وَجَبَ تطهير بدنه ومكانه، لأَنَّهما أَلْزَمُ له من ثوبه لعدم وجود الصلاة بدونهما بخلافه (٣) ، وذلك أنَّ الصلاة مناجاةُ الرَّبِّ في مقام القُرْبِ، فيجب أن يكونَ المصلي على أَحْسَنِ الأَحوال في طهارتهِ وطهارة ما يتصل به، فمتى ما وجب تطهير ثيابه مع تصور انفكاكه عنها، فلأَنْ يَجِبَ عليه تطهيرهما مع أنَّهما لا يَنْفكَّانِ عنها (٤) أولى. وقيل: هو أمرٌ بتقصيرها، ومخالفة العرب في تَطْوِيلهم الثياب، وجرِّهم الذيولَ، وذلك لا يُؤْمَنُ معه إصابةُ النجاسةِ. وفي «المحيط»: ولو صلَّى على مكانٍ طاهرٍ إلاَّ أنَّه إذا سجد تَقَعُ ثيابُه على أرضٍ نجسةٍ، جَازَتْ صلاته. وفي «الأصل»: إذا كانت في موضع قَدَمَيّ المصلي مَنَعَتْ جوازَ الصلاةِ، وإنْ

стр. 208

وسَتْرُ عَوْرَتِهِ، === كانت تحت قَدَمٍ واحدٍ أكثرَ من قَدْرِ الدِّرْهَمِ، الأَصَحُّ: أنَّها تَمْنَعُ، وإنْ جَازَتِ الصلاة مع رفعها (١) ، ولا يُجْعَلُ كأنَّها لم تُوضَعْ عليها. أَلَا تَرَى أنَّه لو سَجَد على مكانٍ نجسٍ تَفْسُدُ وإنْ أعاده (٢) على طاهرٍ خلافاً لأبي يوسف، وقيل: لا يَمْنَعُ بِنَاءً على إمكانِ القيام في الصلاة بأحدهما (٣) ، وأمّا إنْ كانت النجاسةُ في موضع يَدَيْه أو رُكْبَتَيْهِ فلا تَمْنَعُ، وإنْ كانت في موضع سُجُودِهِ تَمْنَعُ (عندهما، وعن أبي حنيفة روايتان: المنعُ وعدمُه، وهو بناء على رواية الاكتفاء في السجود بالأنف) (٤) ، وهو أقل من قدر الدِّرْهم. وفي «عمدة الفتاوى»: أنّ موضع الركبتين إذا كان نجساً لا يجوز الصلاة، وكذا في موضع اليدين، وهو اختيار أبي الليث وتصحيحه في «العيون»، لتحقق التَّلبُّسِ بالنجاسة عند وضعهما عليها. والحكم بجواز الصلاة بدون وضعهما ينكره أبو الليث لأَنَّا أُمِرْنا بالسجود على سبعة أعضاءٍ. (وسَتْرُ عَوْرَتِهِ) عطفٌ على «طُهْرِ بدن المصلي»، وذلك للإجماعِ على افتراضه في الصلاةِ لِمَا نَقَلَه غير واحدٍ من أئمة النقلِ، ومخالفةُ بعض مُتَأَخِّري المالكية كالقاضي إسماعيل بعد تقرر الإجماع لا يجوز، ويحتمل أنْ يكونَ سند الإجماع قوله ﵊: «لا يقبل الله تعالى صلاة حائض إلاَّ بخمار». رواه أبو داود والترمذي، وحَسَّنه الحاكم وصححه. والمراد بالحائض: البالغةُ، أو مَنْ شأنها الحيض لِتَعُمَّ المُراهِقَة. واستدل في «الهداية» وغيرها بقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٥) أي ما يُوَارِي عورتَكم عند كل صلاة، لأَنَّ أخذَ الزينة نفسها ـ وهي عرض ـ محالٌ فأُرِيد محلها ـ وهو الثوب ـ، ولا يجبُ أخذ الزينة لعين المسجد فَدَلَّ أنه للصلاة، لكن كَنَّى عن الصلاة بالمسجد. فالأول من إطلاق اسم الحال على المحل، والثاني عكسه. فإنْ قيل: رُوِيَ عن ابن عباس: أنَّها نزلت في شأن الطائفين عراة لا في حق

стр. 209

واسْتِقْبَال القِبْلةِ، === الصلاة، أجيب: بأنَّ العبرةَ لعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعند كل مسجد عام، فلا يختص بالمسجد الحرام، وفيه بحث إذ الستر في الطواف واجبٌ عندنا حتى لو طاف عُرياناً أَثِمَ وحُكِمَ بسقوطه، وفي الصلاة فرضٌ حتى لا تصح بدونه. ولا يمكن أن يُرَادَا من الآية لاستلزامها الجمع بين المعنى الحقيقي والمجازي معاً، لأنَّها إنْ كانت قطعية الدلالة فموجبها الافتراض، وإنْ كانت ظَنِّيَّة فالوجوب فقط. ومنهم من أخذ منها قطعية الثبوت، ومن حديث: «لا يَقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (١) قطعية الدلالة، فيثبت الفرض بالمجموع، والله تعالى أعلم. وفي «الخلاصة»: لو صلى في قميص واحدٍ محلول الجيب (٢) : إنْ كان بحالٍ يقعُ بصرُهُ على عورته لا تجوز صلاته، وكذا لو كان بحالٍ يقع بصرُ غيره عليه من غير تَكَلُّفٍ. كذا ذكره هشام عن محمد. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: إنَّ عورةَ الشخص ليست بعورة في حقّه. قلت: وهذا ضعيفٌ جداً للإجماع على بطلان مَنْ صلّى صلاة في بيت وحده أو في ظُلْمة من غير ستر عورةٍ إذا لم يكن عن عذر. (واسْتِقْبَالُ القِبْلةِ) أي حال الأمن والقدرة لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شْطَرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وحَيْثُ ما كُنْتُم فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣) أي إلى جانبه عيناً أو جهةً. قال بعض العارفين: قِبلةُ البَشَر الكعبة، وقِبلة أهل السماء البيت المعمور، وقِبلة الكَرُوبِيِّين (٤) الكرسي، وقِبلةُ حَمَلة العرش العرش، ومطلوب الكُلِّ وجهُ الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فأيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٥) . واتفق العلماء على أَنَّه ﵊ صلّى بالمدينة إلى بيت المقدس، ثم تَحَوَّل إلى الكعبة. والصحيح أَنَّه صلّى إليه سبعة عشر شهراً، واختلفوا كيف كانت صلاته قبل ذلك، فعن ابن عَبّاسٍ: فرض الله تعالى الصلاة ليلة الإسراء إلى بيت المقدس رَكْعَتين رَكْعَتين، والمَغْرِب ثلاثاً، فكان ﵊ يصلّي إلى الكعبة، ووُجِّه إلى بيت المقدس، ثم زِيد في الصلاة بالمدينة حين صُرِفَ إلى الكعبة ركعتان إلاَّ المغرب. وعن ابن جُرَيْجٍ: «أول ما صَلَّى ﵊ إلى الكعبة، ثم صُرِفَ إلى بيت المقدس ـ يعني قبل الهجرة ـ فصلَّتِ الأنصار قبل قدومه بثلاثٍ

стр. 210

والنِّيَّةُ. وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ: مِنْ تَحْتِ سُرَّتِهِ إلى تَحْتِ رُكْبَتَيِهِ === نحو بيت المقدس، وصلى النبيّ ﷺ بعد قدومه ستةَ عشرَ شهراً». وروى أبو داود: «أنَّ يهودياً خاصم أبا العالية في القِبلة، فقال أبو العالية: إنَّ موسى كان يصلّي عند الصخرة ويستقبل البيت الحرام، فكانت الكعبة قِبلته، وكانت الصخرة بين يديه، فقال اليهوديُّ: بيني وبينك مسجد صالح، قال أبو العَالِيَة: فأنا صليت في مسجد صالح وقِبلته إلى الكعبة. وأَخْبَر أَبو العالية أنَّه صلّى في مسجد ذي القَرنين وقِبلته إلى الكعبة». (والنِّيَّةُ) لقوله تعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ (١) والإخلاص لا يكونُ إلاَّ بالنية، ولقوله ﵊: «إنَّما الأعمالُ بالنيّات». رُوِيَ في الكتب الستة بـ: «إنما»، وفي صحيح ابن حِبَّان بدونها، ورُوي بإفراد النيّة وحدها، وبإفراد العمل وحده، وبإفراد كليهما، وكلها صحاح، وقد بسطنا الكلام عليه في «المِرْقَاة شرح المشكاة» (٢) . ومن شروط الصلاة: الوقتُ، وقد تقدَّم. (وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ) مبتدأ خبره (مِنْ تَحْتِ سُرَّتِهِ إلى تَحْتِ رُكْبَتَيْهِ) لقوله ﵊: «ما فوق الرُّكُبَتَيْنِ من العَوْرَة، وما أسفل من السُّرَّةِ من العورة». رواه الدَّارقُطْنِي من حديث أبي أيوب، ورَوَى عن عَمْرُو بنُ شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله ﷺ «مُرُوا صبيانكم بالصلاة في سبع سنين، واضربوهم عليها في عشر سنين، وفَرِّقُوا بينهم في المضاجع، وإذا زَوَّج أحدُكم أَمَتَه عبدَه أو أجيره، فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة، فإنَّ ما تحت السرَّة إلى الركبة من العورة». ورواه أحمد ولَفْظُه: «ما أسفل من سرته إلى ركبتيه من عورته». وقيل: ابتداء العورة من السرة لقوله ﵊: «السرَّة من العورة». رواه البيهقي في «الخلافيات». وأخرج الشافعي: «الرُّكْبَةُ من العورة» لما روينا. ولنا ما في سنن الدَّارقُطْنِي عن عليّ ﵁: أنَّه ﵊ قال: «الرُّكْبَةُ من العورةِ» وقَصَر مالك العورة على السوأتين (٣) وهما: القُبُل والدُّبُر لظاهر

стр. 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قول أنس: «لمَّا غزا رسول الله ﷺ خَيْبَر صلينا عندهما صلاة الغداة بِغَلَس (١) ، وَرَكِبَ النبي ﷺ ورَكِبَ أبو طَلْحَة وأنا رديفه، فأَجْرَى نبي الله ﷺ في زقاق خَيْبَر، ثم انحسر الإزار عن فَخِذَه حتى إنِّي لأَنْظُرُ إلى بياض فَخِذِ النبي ﷺ . والقصةُ في «الصحيحين». ولقول عائشةَ: «كان رسول الله ﷺ مَضْطَجِعاً في بيته كاشِفاً عن فَخِذه أو ساقَيْهِ، فاستأَذَنَ أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك، فَتَحدَّث، ثم استأذن عثمانُ فجلس رسول الله ﷺ وسَوَّى عليه

стр. 212

والأَمَةُ: هَذَا مَعْ ظَهْرِهَا وبَطْنِهَا. والحرَّةُ: بَدَنُهَا === ثيابه» الحديثَ (١) . قلنا يُحْتَمَلُ أنه ﷺ غَطَّى فَخِذَه بسرعة لَمَّا انكشف. وتَرْدِيدُ الراوي في الحديث الثاني بين فَخذِهِ وساقه يمنع تمام الاستدلال به. وعلى التَّنزُّل يُحْمَل الكشف على جانبها دون جانبهما (٢) ، أو على طرف فَخِذِه وهو الرُّكبة والساق، كما يشير إليه شكُّ الراوي. ومما يؤيد الجمهور قولهُ ﵊: «الفَخِذُ عورةٌ». رواه الترمذي عن ابن عباس وغيره. وقوله ﵊: «لا تُبْرِزْ فَخِذَك، ولا تَنْظُرْ إلى فَخِذِ حيّ ولا ميت». رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم في «مستدركه» عن علي كَرَّم الله وجهه. (والأَمَةُ) أي وعورةُ الأَمَةِ ولو كانت مُدَبَّرة (٣) ، أو أمّ ولدٍ (٤) ، أو مُكَاتَبَة (٥) . (هَذَا) أي ما ذُكِرَ: من تحت (السرة إلى تحت) (٦) الركبة (مَعْ ظَهْرِهَا وبَطْنِهَا) لأنَّ النظر إليهما سبب للفتنة بها، وما عدا ذلك منها فليس بعورة فيها، لِمَا في «آثار محمد بن الحَسَن»: أخبرنا أبو حنيفة: عن حَمَّاد بن سليمان، عن إبْرَاهيم النَّخَعي: «أنَّ عمر بن الخطاب كان يضرب الإماء أنْ يَتَقَنَّعْنَ، ويقول: لا تُشَبَّهْنَ بالحرائر». وفي «مصنف عبد الرَزَّاق»: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قَتَادة، عن أنس: «أنَّ عمر ضرب أمةً لآل أنس رآها مُتَقَنِّعةَ، فقال: اكشفي رأسك لا تتشبهي بالحرائر». وأصله قوله تعالى: ﴿يا أَيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وبَنَاتِكَ ونِسَاءِ المُؤْمِنينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ من جَلَابِيبِهِنَّ ذلك أَدْنَى أنْ يُعْرَفْنَ فلا يُؤْذَيْنَ﴾ (٧) . (والحرُّةُ) أي وعورة الحرةِ (بَدَنُهَا) أي جميع أعضائها لقوله ﵊: «المرأةُ عورةٌ». رواه الترمذيّ وصحّحه، وفي رواية النَّسائي: «الحُرَّة».

стр. 213

إلّا الوَجْهَ والكفِّ والقَدَمَ. وكَشْفُ رُبْعِ العُضْوِ يَمْنَعُ الصَّلاةَ. والسَّاقُ عُضْوٌ وَحْدَه، كالفَخِذِ، والذَّكَرِ مُنْفَرِدًا، والأُنْثَيَيْنِ، === (إلاّ الوَجْهَ والكفَّ والقَدَمَ) لقوله تعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ (١) أي إلاَّ ما جَرَتْ به العادة على ظهورها للأجانب من الوجه والكف والقدم، إذ من ضرورة إبداء الزينة إبداءُ مواضعها، والكحلُ زينةُ الوجه، والخَاتَم زينة الكف، ولأنَّ المرأة لا تجد بُدّاً من مزاولة الأشياء بيديها. ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصاً: الشهادةُ والمحاكمةُ، وتَضْطَرُّ إلى المَشْي في الطرقات وظهور قَدَمَيْها خصوصاً الفقيرات. وعن أبي حنيفة: أنَّ القَدمَ عورةٌ، وبه قال الشافعيُّ لِمَا رُوِيَ: «أنَّ أُمَّ سلمةَ قالت: سألت النبيّ ﷺ أَتُصَلِّي المرأةُ في دِرْعٍ (٢) وخِمَارٍ وليس لها إزارٌ؟ قال: إذا كان الدِّرْع سَابِغاً (٣) يُغَطِّي ظهور قدميها». (وكَشْفُ رُبْعِ العُضْوِ) أي أيُّ عضوٍ كان (يَمْنَعُ) أيْ صحة (الصَّلَاةَ) ولا تَفسد الصلاة عندنَا بانكشاف القليل من العورة في زمن كثير، وهو ما يُؤَدَّى فيه رُكْنٌ كعكسه: وهو أنْ يَنْكَشِفَ منها كثيرٌ في زمن يسير، كما لو هَبَّتِ الريح فَكَشَفَتْ عَوْرَتَهُ، فتدارك سترها في الحال. وأفسدها مالك والشافعيّ، لأنَّ السترَ شرطُ صحةِ الصلاة مطلقاً ولم يوجد. ولنا اعتبارها بالوفاقية (٤) ، بجامع الضرورة. (والسَّاق) أي ساق الحرة (عُضْوٌ) أي كامل (وَحْدَه) وهو من عورتها فيمنع انكشاف رُبْعِه الصحة (كالفَخِذِ) أيْ من الرجل والمرأة، والركبة من الفخذ، وقيل: عضوٌ منفردٌ. (والذَّكَرِ) عطف على الفَخِذ دون الساقِ لقوله بعد هذا والأُنْثَيَيْن بالجر (مُنْفَرِداً) احترز به عن قول بعضهم: أنَّ الذَّكَرَ مع الأُنْثَيَيْن عضوٌ واحدٌ (والأُنْثَيَيْنِ) أيْ منفردين كما في الدِّيَةِ. وأُذُنُها عورةٌ بانفرادها، وأمَّا ثَدْيُها فإنْ كان مرتفعاً تَبِعَ صَدْرَها، وإنْ كان مُنْكَسِراً صار أصلاً بنفسه. وكلٌّ من الأَلْيَتَيْنِ عضوٌ على حدة، والدُّبُرُ ثالثهما في الصحيح.

стр. 214

وشَعْرٍ نَزَلَ. === وبهذا تَبَيَّنَ أنَّه لا فرق بين العورة الغليظة وهي: القُبُلُ والدُبُرُ، وبين العورة الخفيفة وهي: غيرهما من موضع العورة في حقِّ الانكشافِ المانعِ وغيرِ المانعِ في صحة الصلاة وفسادها، وهذا أيضاً على الصحيح. وذَكَر الكَرْخِيُّ: أنَّهُ يُعْتَبَرُ في الغليظة قَدْرُ الدرهم، وفي الخفيفة الرُبْعُ (١) ، كما في نوعي النجاسة. وهو ليس بقوي، لأنه قَصَدَ به التغليظ في العورة الغليظة، وهو في الحقيقة تخفيفٌ، لأَنَّه اعتُبِر في الدُّبر قَدْرَ الدرهم، والدُّبُرُ لا يكونُ أكْثَرَ من قدرِ الدرهم. فهذا يقتضي جواز الصلاة وإنْ كان كل الدُّبُرِ مكشوفاً، وهو تناقضٌ، فافهم. ثم الساترُ الرقيقُ الذي لا يَمْنَعُ رُؤْيةَ العورةِ لا يكفي لجوازِ الصلاة لعدم الستر الواجب عليه. وإذا صلّى في ثوبٍ واحدٍ محلول الجيب، اخْتُلِفَ فيهِ: ففي «نوادر ابن شجاع» أشار إلى أَنَّه يجوز، وسَوَّى بين كثيف اللحية وخفيفها، فإنَّه ذكر عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أَنَّه لو نظر إلى عورته لا تَفْسُدُ صلاته وهو الصحيح. وفي «الواقعات»: وذلك لأنَّ العورةَ إنما تُعْتَبَرُ عورةً في حق غيره دون نفسه. انتهى. لكن يُشْكِل بمسألة إذا صلّى في مفازةٍ أو بيت مظلم من غير ستر، فإنَّه لا يجوز اتفاقاً إذا كان على الستر قادراً. (وشَعْرٍ) بالجر أي وكشعر (نَزَلَ) أي من رأس المرأة في المختار من الروايتين. وفي «المحيط»: الأصح أنه عورة وإلاَّ جاز النظر إلى صُدْغِ (٢) الأجنبية، أو طرف ناصيتها، وهذا يؤدي إلى الفتنة، وإنما لا يجب غسله على النساء في الجَنَابة على الصحيح لأَنَّ في غسله حرجاً. انتهى. اعْتُرِضَ عليه بأنَّه لا ملازمة بين كون العضو غير عورة وجواز النظر إليه، إذ حِلُّ النظر منوطٌ بعدم خشية الشهوة مع انتفاء العورة، ولذا حُرِّمَ النظر إلى وجهها، ووجه الأَمْرَدِ (٣) ، إذا شك في الشهوة مع انعدام العورة، وهذا وجه الرواية النافية. ثم العورة تنقسم إلى غليظة وخفيفة، فالغليظة: القُبُل والدُّبُر، والخفيفة: ما عدا ذلك، ويترتب على ما ذُكِرَ مراتب احتساب هنالك (٤) .

стр. 215

وعَادِمُ مُزِيل النَّجِسِ صَلَّى مَعَهُ ولَمْ يُعِدْ. ولَمْ تَجُزْ عَارِيًا ورُبْعُ ثَوْبهِ طَاهِرٌ، وفي أقَلَّ: الأَفْضَلُ مَعَهُ. وعَادِمُ الثُّوْبِ يَجُوزُ صَلَاته قَائِمًا، ويُندَبُ قَاعِدًا مُومِئًا. === (وعَادِمُ مُزِيل النَّجِسِ) أيْ الخَبَث عدماً حقيقياً أو حكمياً، كما إذا كان معه ماء، لكن يخاف العطش. (صَلَّى مَعَهُ) للضرورة (ولَمْ يُعِدْ) وإنْ كان الوقت باقياً، لأنه فَعَل ما في وسعه. (ولَمْ تَجُزْ) أي الصلاة حال كون المصلي (عَارِياً ورُبْعُ ثَوْبِهِ طَاهِرٌ) لأنَّ نجاسةَ ربعِ الثوبِ تقوم مقام نجاسة كله حال عدم الاضطرار، فيقوم طهارة ربعه مقام طهارة كله حال الاضطرار (وفي أقَلَّ) أيْ وفي ثوب أقل من ربعه طاهر، وكذا في نجاسة الكل عند أبي حنيفة وأبي يوسف (الأَفْضَلُ) أنْ يصلي (مَعَهُ) لحصول الركوع والسجود وستر العورة، ولأَنَّ فرض الستر عام لا يختص بالصلاة، وفرض الطهارة مختص بها. ويجوز أن يصلي عُرْياناً قاعداً يُومِاء، ويجوز أن يصلي عُرْيَاناً يركع ويسجد، وهذا دونها في الفضل. (وعَادِمُ الثَّوْبِ) أيْ ما يستر عورته من حشيش وغيره، كتلطيخ بدنه من طين ونحوه (يَجُوزُ صَلَاتُه قَائِمَاً) يركع ويسجد (ويُنْدَبُ قَاعِداً) مَادّاً رجليه، واضعاً يديه بين فخذيه، لأنه أستر (مومئاً) بالركوع والسجود لأن في القيام ترك الستر من كل وجه، وفي القعود إتْيَان به، وبالركوع والسجود من وجه. وأوجبَ القيام زُفَر كمالك والشافعي، لأنَّ في القيامِ تركُ الستر، وهو غير مخاطب به، وفي الإيماء ترك فروض وهو مخاطب بها. ولنا ما رُوِيَ عن أنس: «أنَّ بعض أصحاب رسول الله ﷺ رَكِبُوا في سفينة فانْكَسَرت بهم، فخرجوا من البحر عُرَاةً، فصلَّوا قعوداً بإيماء». قال سِبْطُ ابنُ الجوزيّ: رواه الخلاّل. وعن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: «العاري يُصَلِّيَ قاعداً بالإيماء». وعن عَطَاءٍ وعِكْرمَةَ وقَتَادَة: مثله. وقال قَتَادَةُ: إذا خرج ناس من البحر عُرَاةً فَأَمَّهُمْ أَحدُهم، صَلَّوا قاعدين، وكان إمَامُهم مَعَهُم في الصَّفِ يُومِئُونَ إيماءً. وعن عليّ ﵁: «أنَّه سُئِلَ عن صلاة العُرْيَان، فقال: إنْ كان حيث يراه الناس صلَّى جالساً، وإذا كان حيث لا يراه الناس صلّى قائماً». رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفّه». وهو تفصيل حسن من أبي الحسن.
следующие страницы →