← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

فإِنْ بَيَّن حُبِّبَ تَلْقِينُهُ رُجُوْعَهُ، بِـ: لَعَلَّكَ لَمَسْتَ وَنَحْوه، === الثالثة، فأَرسل إِليهم أَيضاً يسأَل عنه، فأَخبروه: أَنه لا بأْس به ولا بعقله. فلمَّا كان الرابعة حَفَرَ له حُفَرَةً فرجمه. وفي «مسند أَحمد»، و «مصنف» ابن أَبي شَيْبَة عن عبد الرحمن بن أَبْزَى، عن أَبي بكر أَنه قال: أَتى ماعز بن مالك النبيّ ﷺ فاعترف وأَنا عنده مرّةً فردّه، ثم جاء فاعترف عنده الثانية فردّه، ثم جاء فاعترف عنده الثالثة، فردّه، فقلت له: إِنْ اعترفت الرابعة رجمك. قال: فاعترف الرابعة فحبسه، ثم سأَل عنه، فقالوا: لا نعلم به إِلاَّ خيراً، فأَمر به فرُجِمَ. وهذا صريح الدلالة على اشتراط الأربع لكن في إِسناده جابراً الجُعْفِيّ. وأَما قولهم: جاء في الصحيح: أَنه ﷺ ردّه مرتين أَوْ ثلاث مرّات، فالجواب عنه أَنه ردّه مرتين بعد مرتين، واختصره الراوي، يدلّ على ذلك ما رواه أَبو داود والنَّسائي من حديث سِمَاك، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس قال: أُتِيَ النبي ﷺ بماعزِ بن مالك، فاعترف مرتين، فقال: «اذهبوا به»، ثم قال: «ردوه». فاعترف مرتين حتّى اعترف أَربعاً، فقال النبيّ ﷺ : «اذهبوا به فارجموه». فتبين من هذا أَنْ المرتين المذكورتين في «الصحيح» من الأربع، وكذا رواية الثلاث. وتتفق بذلك الأحاديث، والله تعالى أَعلم. ولا يُعْتبر إِقراره عند غير القاضي ممّن لا ولاية له على إِقامة الحدود ولو كان أَربع مراتٍ، حتّى لا تُقْبل الشهادة عليه بذلك، لأنه إِنْ كان منكراً فقد رجع عن إِقراره، وإِن كان مقرّاً فلا تُعْتَبر الشهادة بالإقرار مع الإقرار. ولو أَقرّ بالزنا مرتين، وشهد عليه أَربعة لا يحدّ عند أَبي يوسف. وقال محمد: يُحَدّ لأن هذا الإقرار ليس بحجَّة، فلا يعتدّ به، فبقيت الشهادة وحدها حُجَّة فتُقْبل. ولأبي يوسف: أَنْ الإقرار موجودٌ حقيقةً، لكنه غير مُعْتَبرٍ شرعاً، فأَورثت حقيقتُه شبهةً، والحد يُدْرأ بالشبهة. ولا شبهة أَنّ حجَّة محمد أَقوى، فإِن الشهادة إِذا كانت وحدها حجّة فكيف يُورِث بتأْكيد إِقراره شبهة. (فإِنْ بَيَّنَ) أَي المقِرُّ ما مرّ أَنه يُسْأَلُ عنه (حُبِّبَ) أَي نُدِبَ (تَلْقِينُهُ رُجُوْعَهُ، بِـ: لَعَلَّكَ لَمَسْتَ وَنَحْوِهِ) وهو لعلك قبَّلْت، لعلّك وطئت بشبهةٍ، لما في «المستدرك» عن حَفْص بن عمر العَدَني: حدّثنا الحكم بن أَبان، عن عِكْرِمة، عن ابن عبَّاس: أَنَّ ماعزاً أَتى إِلى رجلٍ من المسلمين فقال له: إِني أَصبت فاحشةً، فما تأَمرني؟. فقال له: فاذهب إِلى رسول الله ﷺ ليستغفر لك، فأَتى النبي ﷺ فأَخبره، فقال له: «لعلَّكَ قَبَّلتها». قال: لا. قال: «أَمسستها؟ (١) ». قال: لا. قال: «فعلت بها كذا ولم

стр. 1507

فإِن رَجَعَ قَبْلَ حَدِّهِ أَو وَسَطَهُ خُلِّي، وَإلَّا حُدَّ. وَهُوَ لِلْمُحْصَنِ، أَي: لِحُرٍّ مُكَلَّف مُسْلِمٍ، وَطِئ بِنِكَاحٍ صَحِيح، وَهُمَا بِصِفَةِ الإِحْصَانِ، رَجْمُهُ في فَضَاءٍ حَتى يَمُوْتَ. === يكن؟» قال: نعم. قال: «اذهبوا وارجموه». ولفظ البخاري: «لعلَّك قبَّلت أَوْ غمزت أَوْ نظرت». قال: لا. قال: «أَفَنِكْتَهَا»؟ قال: نعم، فعند ذلك أَمر برجمه. (فإِن رَجَعَ قَبْلَ حَدِّهِ، أَوْ وَسَطَهُ (١) ، خُلِّيَ) أَي تُرِكَ، وهو قول الشافعيّ وأَحمد ورواية عن مالك. وعنه وهو قول ابن أَبي ليلى: أَنه لا يُخَلّى، لأن الحدّ وجب بإِقراره، فلا يبطل بعد ذلك بإِنكاره إِذا وجب بالشهادة، وصار كالقَود وحد القذف. وعنه: إِنْ ذكرَ لإقراره تأويلاً بأَن قال: حَسِبْتُ المفاخذة زنا، خُلّي. (وَإِلاَّ) أَي وإِن لم يرجع (حُدَّ) وإِنما يُخَلَّى إِذا رجع قبل كمال الحدّ، لأن الرجوع يحتمل الصدق كالإقرار، وليس أَحد يكذبه فيه فتتحقّق الشبهة في الإقرار بخلاف ما فيه حقّ العبد ـ وهو القصاص والقذف ـ لوجود من يكذّبه فيه. وعلماؤنا والشافعيّ اعتبروا الإقرار من ذميّ بالزنا بذمية حتى يُحَدُّ به، ولا يعتبره مالك. ولا تَحَدُّ امرأَة بظهور حَبَلٍ بها من غير بَعْلٍ لها، لأن احتمال كونه من نكاحٍ صحيحٍ أَوْ فاسدٍ شبهةٌ دارئةٌ للحدّ. وحدَّها مالك لِمَا سيأَتِي من قول عليّ: أَيما امرأَةٍ جيءِ بِهَا وبها حَبَلٌ أَوْ اعترفت، فالإمام أَول مَنْ يرجم، (ولأن ظهوره بلا زوج دليلُ زناها، فلو ادعت أَنه من نكاحٍ لا تقبل عنده، لأنه (٢) ) خلاف الظاهر. (وَهُوَ) أَي الحدّ (لِلْمُحْصَنِ) بفتح الصاد وكسرها (أَي لِحُرَ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ) وفي الذمي خلافٌ يأَتي (وَطِاء) امرأَةً قبل الزنا (بِنِكَاحٍ صَحِيْح وَهُمَا بِصِفَةِ الإِحْصَانِ) أَي قبل هذا الوطاء ـ والجملة حالية ـ حتى لو وطاء بنكاحٍ صحيحٍ ـ وهو بصفة الإحصان ـ كافرةً أَوْ مملوكةً أَوْ مجنونةً أَوْ صبيّةً، أَوْ وهو بغير صفة الإحصان مسلمةً حرَّةً بالغةً عاقلةً لا يكون مُحْصَنَاً. فقوله: هو لِلْمحْصَن مبتدأ خبره قوله: (رَجْمُهُ في فَضَاءٍ حَتَّى يَمُوْتَ). أَمّا الحرّية، فلأن الإحصان يطلق عليها. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ (٣) أَي ما على الحرائر بإِجماع

стр. 1508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الأُمة، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ المُحْصَنَاتِ﴾ (١) أَي الحرائر، ولأنها ممكَّنة من النكاح الصحيح المغني عن الزنا بخلاف الأَمة. وأَمّا التكليف، فلأَن العقل والبلوغ شرط الأهلية للعقوبات كلِّها. وأَمّا التزوج بنكاحٍ صحيحٍ، فلأن الإحصان يُطْلَق عليه، قال الله تعالى: ﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢) أَي والمنكوحات، وقال: ﴿فإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (٣) أَي تزوَّجن، ولأن به التمكّن من وطاء الحلال. وأَمّا الوطاء فلقوله ﷺ : «الثَّيِّبُ بالثيب» (٤) … الحديث، والثُّيُوبَة لا تُعْتَبر بغير وطاءٍ، ولأنه بإِصابة الحلال تنكسر شهوته فيستغنى عن الزنا. والمُعْتَبَر إِيلاج الحَشَفَة بحيث يجب الغُسْل، ولا يُشْتَرَط الإنزال. وشُرِطَ أَنْ يكون بنكاحٍ صحيحٍ، لأن الجماع في النكاح الفاسد لا يصير به مُحْصَنَاً، لأنه نوع من الوطء الحرام، فلا تتم النعمة به ويثبت الإحصان برجلٍ وامرأَتين عندنا، وما قصرنا ثبوت الإحصان على شهادة الرِّجال كمالك والشافعيّ وزُفَر. وإِنّما كان حدّ المُحْصَن الرجم لِمَا في حديث جابر المتقدّم أَنه ﷺ سأَل ماعزاً: «هل أَحصنت؟» قال: نعم. فأَمر برجمه (٥) . ولما روى الشيخان من حديث ابن عباس: أَنْ عمر بن الخطاب خطب فقال: إِنْ الله بعث محمداً ﷺ بالحقّ، وأَنزل عليه الكتاب، فكان فيما أَنزل عليه آية الرجم فقرأَناها (وعقلناها) (٦) وَوَعَيْنَاهَا. ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأَخشى إِنْ طال بالناس الزمان أَنْ يقول قائلٌ: ما نجد آية الرجم في كتاب الله. فَيَضِلُّوا بترك فريضةً أَنزلها الله، فالرجم حقّ على من زنى من الرجال والنساء إِذا كان مُحْصَنَاً إِنْ قامت البيِّنة، أَوْ كان الحَبَل أَوْ الاعتراف، (وايم الله، لولا أَنْ يقول الناس: زاد عمر في كتاب لله لكتبتها) (٧) .

стр. 1509

يبدأ بِهِ شُهُوْدُهُ، === وخالف الشافعي في اشتراط الإسلام في الإحصان، وهو رواية عن أَبي يوسف لِمَا في الكتب الستة ـ مختصراً ومطوَّلاً ـ من حديث ابن عمر أَنَّ اليهود جاؤوا إِلى النبيّ ﷺ فذكروا له: أَنْ رجلاً منهم وامرأَةً زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ ما تجدون في التوراة في شأْن الرجم؟» قالوا: نفضحهم ويُجْلَدون، فقال عبد الله بن سَلَام: كذبتم، إِنَّ فيها الرجم، فأَتوا بالتوراة فنشروها، فجعل أَحدهم يده على آية الرَّجم وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سَلَام: ارفع يدك. فرفعها فإِذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدقت يا محمد، فيها آية الرجم. فأَمر بهما رسول الله ﷺ فَرُجِمَا. ولنا ما روى ابن إِسحاق بن رَاهُوْيَه من حديث ابن عمر أَنْ رسول الله ﷺ قال: «من أَشرك بالله فليس بمُحْصَن». قال إِسحاق: ـ رفعه مرَّة ـ، فقال عن رسول الله ﷺ ، ووقفه مرّةً، ومن طريق إِسحاق بن رَاهُويه رواه الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه»، ثم قال: لم يرفعه غير إِسحاق، والصواب أَنه موقوفٌ. وفي روايةٍ أَخرى عنه: «لا يُحَصِّن المُشْرك (١) بالله شيئاً». وروى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» أَنه ﷺ قال لكعب بن مالك لَمّا أَراد أَنْ يتزوج يهودية: «لا تتزوجها، فإِنها لا تُحْصِنْك». والجواب عن رَجْمِه ﷺ لليهوديين أَنه كان بحكم التوراة، والكلام فيه بحكم الإسلام. (يَبْدأُ بِهِ) أَي بالرجم (شُهُوْدُهُ) لأن الشاهد قد يتجاسر على أداء شهادة كاذباً، ثم إِذا آل آمره إِلى القتل يمتنع عنه، فكان في بدئهم احتيالٌ لدرء الحدّ. وأُمِرنا به لقوله ﷺ : «ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم». رواه أبو داود وأَبو يَعْلى المَوْصِلي (٢) . وفي «سنن ابن ماجه»: «ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً». وفي «سنن الترمذي»: «ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإِن كان له مَخْرجٌ فخلُّوا سبيله، فإِن الإمام أَنْ يُخْطِاءَ في العفو خيرٌ له من أَنْ يُخْطِاء في العقوبة». وقال مالك والشافعي، وأَحمد وأَبو يوسف في روايةٍ: لا يُشْتَرط بداية الشهود، لكن يستحبّ حضورهم وبدايتهم بالرميّ اعتباراً بالجلد. وأُجيب بأَن كلّ واحدٍ لا يُحْسِن الجَلْد فرُبَّما يقع مُهْلِكاً، والإهلاك غير مُسْتَحَقّ، ولا كذلك الرجم فإِنه إِتلافٌ.

стр. 1510

فإِن أَبَوا، أَو غَابُوا، أَوْ مَاتُوا، سَقَطَ. ثُمَّ الإمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ. وَفِي المُقِرِّ يَبدَأُ الإمَامُ ثُمَّ النَّاسُ. === (فإِن أَبَوا) أَي الشهود كلّهم أَوْ بعضهم من البداية بالرجم (أَوْ غَابُوا أَوْ مَاتُوا سَقَطَ) الرجم لفوات الشرط، وهو بداية الشهود، لكن لا يقام الحدُّ عليهم، لأنهم ثابتون على الشهادة، وإِنما امتنعوا عن مباشرة القتل، وذلك لا يكون رجوعاً، فإِن الإنسان قد يمتنع عن القتل بحقَ. كذا في «المبسوط». (ثُمَّ الإمَامُ) إِنْ حضر، فإِنه لا ينبغي التقدم عليه إِلا بإِذنه (ثُمَّ النَّاسُ) فإِنه يُسْتَحَبّ للإمام أَنْ يأَمر جِماعة المسلمين أَنْ يَحْضُروا إِقامة الحد من الرَّجم والجلد لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِيْنَ﴾ (١) وعن ابن عباس يكفي واحدٌ، وبه قال أَحمد، وقال عطاء وإِسحاق: اثنان، وقال الزُّهْرِيّ: ثلاثة، وقال الحسن البصري: عشرة. وعن الشافعيّ ومالك: أَربعة. وفي «الإيضاح»: لا بأْس لكل مَنْ رمى أَنْ يتعمّد (القتل، لأنه المقصود من الرجم إِلاّ إِذا كان المرجوم مَحْرماً من الراجم، فإِنه يستحبّ أَنْ لا يتعمّد) (٢) قتله. (وَفِي المُقِرِّ) أَي في رجمه (يَبْدَأُ الإمَامُ) بالرّجم (ثُمَّ النَّاسُ) وقال مالك والشافعيّ وأَحمد: لا يُشْتَرَط بداية الإمام ولكن يستحبُّ. ولنا: ما روى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» عن عبد الله بن إِدْرِيْس، عن يزيد عن عبد الرحمن بن أَبي ليلى: أَنْ علياً كان إِذا شهِد عنده الشهود على الزنا: أَمر الشهود أَنْ يرجموا، ثم رجم هو، ثم رجم الناس. وإِذا كان بإِقرارٍ: بدأَ هو فرجم، ثم رجم الناس بعده. وروى أَيضاً عن أَبي خالدٍ الأحمر، عن الحجَّاج، عن الحسن بن سعد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن عليّ أَنه قال في امرأَة رجمها: أَيها الناس، إِنْ الزنا زِنَيان: زنا سرٍ، وزنا علانيةٍ، فزنا السر: أَنْ يشهد الشهود، فيكون الشهود أَول من يرمي، ثم الإمام، ثم الناس. وزنا العلانية: أَنْ يظهر الحَبَل أَوْ الاعتراف، فيكون الإمام أَول مَنْ يرمي. قال: وفي يده ثلاثة أَحجارٍ فرماها بحجرٍ فأَصاب صِمَاخها (٣) ، فاستدارت ورمى الناس. وفي «سنن أَبي داود» من حديث ابن أَبي بكرة (٤) عن أَبيه: أَنْ النبي ﷺ رجم

стр. 1511

وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. === امرأَةً، فحفر لها إِلى الثَّنْدُوَةِ (١) . قال أَبو داود: وحُدِّثْتُ عن عبد الصمد بن عبد الوارث بإِسناده نحوه، وزاد: ثم رماها بحصاةٍ مثل الحِمِّصة. وقال: «ارموا واتقوا الوجه»، فلما طَفِئَت (٢) ، أخرجها فصلّى عليها. وفي «سنن البيهقي» عن الأجلح (٣) عن الشَّعْبِيّ قال: جيء بِشُرَاحَة الهَمْدَانية إِلى عليّ بن أَبي طالب، فقال لها: لعلّ رجلاً وقع عليكِ وأَنت نائمةٌ، قالت: لا. قال: لعلَّه استكرهك. قالت: لا. قال: لعل (٤) مولاك زَوَّجك من هؤلاء فأَنتِ تَكْتُمِيْنَهُ. يُلَقِّنُها لعلّها تقول: نعم، فأَمر بها فَحُبِسَتْ، فلمّا وضعت ما في بطنها أَخرجها يوم الخميس فضربها مئة وحفر لها يوم الجمعة في الرَّحَبَة، وأَحاط الناس بها وأَخذوا الحجارة، فقال: ليس هكذا الرَّجم، إِذاً يصيب بعضكم بعضاً، صفُّوا كصف الصلاة: صف خلف صف، ثم قال: أَيها الناس، (أُّيما امرأَةٍ جيء بها وبها حَبَلٌ أَوْ اعترفت، فالإمام أَول من يرجم ثم الناس.) (٥) (وأَيُّما امرأَةٍ جيء بها، أَوْ رجل زاني، فشَهِدَ عليه أَربعة بالزِّنا، فالشهود أول مَنْ يَرْجم، ثم الإِمام، ثم النَّاس)، (٦) ثم رجمها ثم أَمرهم فرجم صفٌ ثم صفٌ ثم قال: افعلوا بها ما تفعلون بموتاكم». ورواه أَحمد في «مسنده» عن يحيى بن سعيد، عن مجاهد، عن الشعبيّ قال: كان لشُرَاحَة زوجٌ غائبٌ بالشام وإِنها حملت، فجاء بها مولاها إِلى عليّ فقال: إِنْ هذه زنت فاعترفت، فجلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وحفر لها إِلى السُّرَّة ـ وأَنا شاهدٌ ـ ثم قال: إِنْ الرجم سنةٌ سنّها رسول الله ﷺ ، ولو شهد على هذه أَحدٌ لكان أَول من يرميها الشاهد، ليشهد ثم يُتْبع شهادَتَه حَجَرُهُ، ولكنها أَقرَّتْ فأَنا أَول من يرميها، فرماها بحجرٍ ثم رمى الناس وأَنا فيهم. قال: فكنت والله ممَّن قتلها. (وَغُسِّلَ) المرجوم (وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) لما روى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» في كتاب الجنائز عن أَبي معاوية، عن أَبي حنيفة، عن عَلْقَمَةَ بن مَرْثَد، عن ابن (٧)

стр. 1512

وَلِغَيرِ المُحْصَنِ جَلْدُهُ مِئَةً وَسَطًا بِسَوْطٍ لا ثَمَرَةَ لَهُ. === بُرَيْدَة، عن أَبيه بُرَيْدَة قال: لمّا رُجِمَ ماعز قالوا: يا رسول الله ما نصنع به؟ قال: «اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم من الغسل والكفن والحَنُوطِ والصلاة عليه». وروى الجماعة إِلاّ البخاري من حديث عِمْرَان بن حُصَيْن أَنْ امرأَة من جُهَيْنَة أَتت النبيّ ﷺ وهي حُبْلَى من الزنا فقالت: يا نبيّ الله أَصبتُ حدّاً فأَقمه عليّ، فدعا النبيّ ﷺ وَلِيَّها فقال: «أَحسن إِليها فإِذا وضعت فأتني بها». ففعل، فأَمر بها النبيّ ﷺ فشُدَّتْ عليها ثيابها، ثم أَمر بها فرُجِمَت، ثم صلَّى عليها. فقال له عمر: تصلِّي عليها با نبي الله وقد زنت، فقال: «لقد تابت توبةً لو قُسِمَت بين سبعين من أَهل المدينة لَوَسِعَتْهُمْ، وهل وَجَدْتَ توبةً أَفضل مِنْ أَنْ جادت بنفسِها لله». ولأَنه قتلٌ بحقَ فصار كالمقتول بالقصاص. (وَلِغَيْرِ المُحْصَنِ) عطف على للمحْصَن، أَي وحدُّ الزِّنا لغير المُحْصَن (جَلْدُهُ مئةً وَسَطَاً) أَي ضرباً مؤلماً غير جارحٍ (بِسَوْطٍ لا ثَمَرَةَ لَهُ) قيل الثمرة: العقدة، وقيل العَذَبة: وهي ذنبه. والأول أَصحّ، لأن الثمرة إِذا ضرب بها يصير كل ضربة ضربتين، كذا في «الإيضاح». والأظهر أَنْ كلاهما ممنوعٌ لما سيأْتي. والدليل على أَنْ حدّ غير المحصن الجلد قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ والزانِي فاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١) وقد نُسِخَتْ في حقّ المُحْصَن بما سبق، فبقيت في حق غيره. ولعلّ تقديم الزانية، لأنها لو لم تُطْمِعْه لم يطمع. وروى ابن أَبي شَيْبة في «مصنفه» عن عيسى بن يونس، عن حَنْظلة السَّدُوسي قال: سمعت أَنس بن مالك يقول: كان يؤمر بالسوط فتُقطع ثمرته، ثم يُدَقُّ بين حجرين حتى يَلِين، ثم يضرب به. قلنا لأنس: في زمان مَنْ كَانَ هذا؟ قال: في زمن عمر بن الخطاب. وفيه وفي «مصنف عبد الرَّزَّاق» عن ابن مسعود: أَنْ رجلاً جاء بابن أَخ له إِليه، فقال له: إِنه سكران. فقال: تَرْتِرُوه ومَرْمِزُوهُ ـ أَي حرِّكُوه ـ واستَنْكهُوه (٢) . ففعلوا، فرفعه إِلى السجن، ثم جاء من الغد ودعا بسوطٍ، ثم أَمر بثمرته فدُقَّت بين حجرين حتى صارت دِرَّةً، ثم قال للجلاّد: اجلد وارفع يدك، وأَعطِ كل عضو حقّه. وفي «مصنفيهما» و «موطأ أَبي مصعب» عن مالك، عن زيد بن أَسلم: أَنّ رجلاً اعترف على نفسه بالزنا، فدعا رسول الله ﷺ بسوطٍ، فأُتِيَ بسوطٍ مكسورٍ فقال: «فوق هذا»، فأُتي بسوطٍ جديدٍ لم تقطع ثمرته، فقال: «بين هذين»، فأُتي بسوطٍ قد رُكِّب به ولَانَ، فأَمر به فجُلِدَ، ثم قال: «أَيها الناس قد آن لكم أَنْ تنتهوا عن حدود الله، فمن أَصاب من

стр. 1513

وَتُنْزَعُ ثِيَابُهُ إِلا الإزْارَ. ويُفَرَّقُ عَلَى بَدَنهِ إِلَّا رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ وفَرْجَهُ، === هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله، فإِنه من يُبْدِ لنا صَفْحَته نُقِمْ عليه كتاب الله». (وَتُنْزَعُ ثِيَابُهُ) لأن المقصود إِيصال الألم إِليه، وهو بنزع الثياب أَتمّ، وبه قال مالك. ويؤيّده أَنه عبرّ عن الضربة بالجَلْدة للإيماء إِلى إِيصالها بالجِلْدَة، نظراً إِلى أَصل المادة. وقال الشّافعيّ وأَحمد: يُتْرَك عليه قميصٌ أَوْ قميصان، لأن الأمر بالجلد لا يقتضي التجريد (إِلاّ الإزَارَ) فإِنه لا يُنْزَع، لأن في نزعه كشف عورته. وقول صاحب «الهداية»: لأن علياً كان يأمر بالتجريد في الحدود غريبٌ، بل في «مصنف عبد الرَّزَّاق» عن عليّ أَنه أُتي برجلٍ في حدَ فضربه وعليه كساءٌ قَسْطلاني قاعداً. وفيه أَيضاً عن الشعبيّ قال: سأَلت المُغِيرة بن شُعْبَة عن المحدود أَتُنْزَعُ ثيابه عنه؟ قال: لا، إِلاّ أَنْ يكون فَرْواً أَوْ حشواً. وفيه أَيضاً عن ابن مسعود قال: لا يَحِلُّ في هذه الأُمَّة تجريدٌ ولا مَدٌّ (١) ولا غُلٌّ (٢) . (ويُفَرَّقُ) الجلد (عَلَى بَدَنِهِ) لأن جمعه في عضوٍ واحدة قد يُفْضِي إِلى التَلَف، والجَلْد زاجرٌ لا متلِفٌ (إِلاّ رَأْسَهُ) لئلا يؤدي إِلى زوال سمعه أَوْ بصره أَوْ شمّه (وَ) إِلا (وَجْهَهُ وفَرْجَهُ) ومقَاتِله لئلا يؤدي إِلى هلاكه، لما روى ابن أَبي شَيْبَة وعبد الرَّزَّاق في «مصنفيهما» عن عليّ أَنه أُتِي برجلٍ سكرانٍ أَوْ في حدَ فقال للجلاّد: اضرب وأَعطِ كلّ عضوٍ حقّه، واتقِ الوجه والمذاكير. ولعموم ما رواه الشيخان عن أَبي هُرَيْرَة قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذا ضرب أَحدكم فليتقِ الوجه». وقال أَبو يوسف آخِراً: يضرب الرأْس سوطاً، لِمَا روى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» عن وَكِيْعٍ، عن المَسْعُودي، عن القاسم: أَنْ أَبا بكرٍ أُتِي برجلٍ انتفى من أَبيه، فقال أَبو بكر للجلاّد: اضرب الرأْس، فإِن الشيطان في الرأس. وأُجيب بأَنّ المسعودي ضعيفٌ، ولكن يقوِّيه ما في «مسند الدَّارميّ» عن سليمان بن يَسَار: أَنْ رجلاً يُقُال له صَبِيغ قَدِمَ المدينة فجعل يسأَل عن متشابه القرآن، فأَرسل إِليه عمر، وقد أَعَدَّ له عراجين (٣) النخل، فأُتِيَ به فقال له: من أَنت؟ قال: أَنا

стр. 1514

قَائِمًا في كُلِّ حَدٍّ بِلا مَدٍّ. وَلِلْعَبْدِ نِصْفُهَا. وَلا يَحُدُّ سَيِّدٌ بِلا إِذْنِ الإمَامِ، === عبد الله صبيغ، فأَخذ عمر عُرْجوناً من تلك العراجين فضربه على رأَسه، وقال: أَنا عبد الله عمر، وجعل يضربه حتى أَدمى رأَسه. فقال: يا أَمير المؤمنين حسبك، قد ذهب الذي كنت أَجد في رأَسي. وفي «الذَّخِيْرة» عن أَبي يوسف: لا يضرب البطن ولا الصدر، لأنه مُهْلِكٌ، واختاره بعض المشايخ. (قَائِمَاً في كُلِّ حَدَ) لأن مبنى الحدود على الشهرة لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المَؤمْنِيْنَ﴾ (١) والقيام أَبلغ فيها (بِلَا مَدَ) أَي من غير أَنْ يُلْقى على الأرض ويمدّ رجلاه. وقيل: معناه من غير أَنْ يمدّ الضارب يده فوق رأَسه. وقيل: من غير أَنْ يمدّ السوط على العضو عند الضرب ويجره. وبلا ربطٍ أَيضاً ولا مسك (٢) إِلا أَنْ يعجزه، لأن ذلك كلّه زيادة على المستَحَقّ عليه وهو الجلد. (وَلِلْعَبدِ) والأولى وللمملوك (نِصْفُهَا) أَي نصف المئة جلدة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ (٣) والمراد به الجلد، لأن الرجم لا يتنصَّفُ، أَوْ لعدم الإحصان لفقد شَرْطِه وهو الحرية. فإِذا ثبت النصف في الإماء للرِّق ثبت في العبيد دلالةً، إِذْ النص الوارد في أَحد المثلين (٤) واردٌ في الآخر. (وَلَا يَحُدُّ سَيِّدٌ) عبده وأَمَته (بِلَا إِذْنِ الإمَامِ) وقال مالك والشّافعيّ وأَحمد: له أَنْ يَحُد، لقوله ﷺ كما في الصحيحين من حديث أَبي هُرَيْرَة قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن الأمة إِذا زنت ولم تحصن. قال: «(إِذا زنت) (٥) فاجلدوها، ثم إِنْ زنت فاجلدوها، ثم إِنْ زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير». قال ابن شِهَاب: لا أَدري أَبعد الثالثة أَوْ الرابعة؟ والضفير: الحَبْل. وفي رواية: «إِذا زنت أَمة أَحدكم فتبيّن زناها فليجلدها ولا يُثرِّب عليها، ثم إِذا زنت فتبيّن زناها فليجلدها ولا يُثرِّب عليها، ثم إِذا زنت الثالثة فتبيّن زناها فليبعها ولو بضفير». أَي ولو بحَبْلٍ من شعرٍ، كما في روايةِ. ومعنى لا

стр. 1515

وَلا تُنْزَعُ ثِيَابُهَا إِلَّا الفَرْو وَالْحَشْو. وَتُحَدُّ جَالِسَةً، وَجَازَ الحَفْرُ لَهَا لا لَهُ. === يُثَرِّب عليها: لا يُعيُّرها. وقيل: لا يبالغ في جلدها بحيث يُدْمِيْهَا. ولنا ما روى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» عن الحسن أَنه قال: أَربعة إِلى السلطان: الصلاة، والزكاة، والحدود، والقضاء. وروى أَيضاً عن عبد الله بن مُحَيْرِيز (١) أَنه قال: الجمعة والحدود والزكاة والفَيْءُ إِلى السلطان. وروى أَيضاً عن عطاء الخُرَسَانيّ أَنه قال: إِلى السلطان الصلاة (٢) والجمعة والحدود. وعن ابن مسعود وابن عباس وابن الزُّبَيْر موقوفاً (٣) ومرفوعاً: حقّ الإمام أَربعة، وفي روايةٍ: أَربعة إِلى الولاة: الحدود، والصدقات، والجمعات، والفيء وأَمّا التعزيز فإِنه من حقوق المِلْك، والغرض منه التأْديب، و (هو) (٤) سبب زيادة ماليته فيكون للمولى كأَدب الدَّواب. ومعنى قوله ﷺ : «فليجلدها»: فليكن سبباً لجلدها بالمرافعة إِلى الإمام أَوْ نائبه. (وَلَا تُنْزَعُ ثِيَابُهَا) لأن في نزعها كشف عورتها (إِلاّ الفَرْو وَالْحَشْوُ) وهو الثوب الذي حُشِيَ بين بطانته وظِهارتِهِ بالقطن، لأنهما يمنعان وصول الألم، وسترُها يحصُل بدونهما (وَتُحَدُّ) أَي تضرب المرأَة (جَالِسَةً) لأنه أَستر لها (وَجَازَ الحَفْرُ لَهَا) أَي للمرأَة في الرجم وهو أَحسن لِمَا فيه من الستر، ولما في حديث الترمذي أَنه ﷺ رجم امرأَة فحفر لها إِلى الثَّنْدُوَة (٥) . ولِمَا في مسلم من رواية بُرَيْدَة في حديث الغَامِدِيّة: ثم أَمر بها فحفر لها إِلى صدرها، ثم أَمر الناس فرجموها. (لَا لَهُ) أَي لا يجوز الحفر للرجل في الرجم لما في «صحيح مسلم» من حديث أَبي سعيد الخُدْرِيّ قال: لمّا أَمر النبيّ ﷺ برجم ماعز بن مالك، خرجنا به إِلى البقيع فما أَوثقناه ولا حفرنا له، ولكنه قام لنا فرميناه بالعظام والمَدَر (٦) والخَزَف، فاشتدَّ فاشتددنا خلفه حتى أُتي عُرْضَ الحَرَّة، فانتصب لنا فرميناه بجَلامِيد (٧) الحَرَّة حتى سكت. كذا ذكر. ولكن تقدّم ما في «صحيح مسلم» عن بُرَيْدَة أَنه ﷺ

стр. 1516

ولا جَمْعَ بين جَلْدٍ ورَجْمٍ، === بعد اعتراف ماعز أُمر فَحُفِر له حفرة فُجِعل فيها إِلى صدره، ثم أمر الناس فرجموه. فإِذا تعارض الحديثان، (وهما صحيحان) (١) ، دلّ على جواز كلَ من الحفر وعدمه له. (ولا جَمْع) يعني في المُحصَن (بين جَلْد ورجم) وهو قول مالك والشافعي وأحمد في رواية، وقال وفي روايةٍ أَخرى: يجمع، وهو قول داود ومختار ابن المُنْذر من الشافعية، لَمَا روى مسلم من حديث عُبَادة بن الصَّامت قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا عني، قد جعل الله لهنّ سبيلاً: البِكْرُ بالبِكْرِ جلد مئةٍ ونفي سنةٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جلد مئةٍ والرجم». وتقدّم ما روى البيهقي في «سننه» عن عليّ أَنه جمع بين الجلد والرجم. ولنا ما تقدّم من حديث ماعز والغامدية أَنْ النبي ﷺ رجمهما ولم يجلدهما، (وحديث أُنَيْس أَنْ النبي ﷺ أَمره برجم المرأَة ولم يأْمره بجلدها) (٢) . ولو كان الجمع حدًّا لما تركه، ولأنه لا فائدة في الجلد مع الرَّجْم، لأن الحدّ شُرِعَ زاجراً، وزجره بالجلد لا يتأَتّى مع رجمه، وزجر غيره يحصل برجمه، إِذْ هو أَبلغ العقوبات الواردة. ففي الزائدة لا يتفرّع الفائدة، ولذا لو تكرّر من شخصٍ ما يوجب الحد يُكْتَفَى بحدٍ واحدٍ لعدم الفائدة في الباقي، لأن المقصود ـ وهو الزجر ـ يَحْصُل بالأوّل. وأَجيب عن حديث عُبَادة بجوابين: أَحدهما: أَنه منسوخٌ، قال الحازمي في كتابه: روى حديث ماعز جماعةٌ كَسَهْل ابن سعد، وابن عباس ونَفَرٍ تأَخّر إِسلامهم. وحديث عُبَادة كان في أَوّل الأمر، وبين الزمانين مدة. وقال المُنْذِري في «مختصره»: ذهب إِلى الجمع بين الجلد والرجم عليٌّ (وأُبِيّ) (٣) وابن مسعود والحسن. وقال أَبو بكر وعمر والزُّهْرِيّ والنَخَعيّ وأَبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ، والأوْزَاعِيّ، وسفيان: أَنَّ الثَّيِّب عليه الرجم دون الجلد. ورأَوا حديث عُبَادة منسوخاً، وتمسَّكوا بأَحاديث تدلَّ على النسخ منها حديث العَسِيف أَخرجه الشيخان عن أَبي هريرة وفيه: «فإِن اعترفت فارجمها»، (فاعترفت فرجمها) (٤) . وهذا الحديث آخِرُ الأمرين، لأن رواية أَبي هُرَيْرَة وهو متأَخّر الإسلام، ولم يتعرّض للجلد فيه.

стр. 1517

وَلا جَلْدٍ وَنَفْي إِلَّا سِيَاسَةً. === وثانيهما: أَنْ معناه الثيب بالثيب جلد مئةٍ إِنْ كانا غير مُحْصَنين، والرجم إِنْ كانا مُحْصَنين. والواو فيها نظيرتها في قوله تعالى: ﴿أُوْلي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (١) وما رَوَوه من أَنْ النبيّ ﷺ جمع بين الجلد والرجم في رجلٍ، محمولٌ على أَنه ﷺ لم يعلم بإِحصانه، فَجَلَدَه ثم علم بإِحصانه فرجمه. يدلَّ على ذلك ما أَخرجه أَبو داود والنَّسائي عن ابن وَهْب قال: سمعت ابن جُرَيْج يُحَدِّثُ عن أَبي الزُّبير، عن جابر: أَنْ رجلاً زنى فأَمر به النبيُّ ﷺ فَجُلِدَ، ثم أُخْبِرَ أَنه قد كان أُحْصِنَ، فأَمر به فرُجِمَ. (وَلَا جَلْدٍ) أَي ولا جمع في غير المحصن بين جلد (وَنَفْي إِلاَّ سِيَاسَةً) وتعزيزاً لا حدّاً. وقال الشافعيّ وأَحمد والثوريّ والأوْزَاعِيّ: يجمع بينهما حدّاً. وقال مالك: يجمع بينهما في الرجل دون المرأَة، وفي الحر دون العبد. ومن نُفِيَ حُبِسَ في الموضع الذي يُنْفَى إِليه. وقال الشافعيّ وأَحمد: يُنْفَى العبد نِصْفَ السَّنة. لهم ما روى البخاري من حديث زيد بن خالد عن النبي ﷺ أَنه أَمر في مَنْ زَنَا ولم يُحْصَن بجلد مئةٍ وتغريب عامٍ. قال ابن شِهاب: وأَخبرني عُرْوَة بن الزُّبَيْر: أَنْ عمر بن الخطَّاب غرَّب ثم لم يزل تلك السنة. وروى أَيضاً من حديث أَبي هريرة أَنْ النبيّ ﷺ قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام، وبإِقامة الحد عليه. وما روى الترمذي من حديث نافع، عن ابن عمر: أَنْ النبي ﷺ ضرب وغرّب وأَن أَبا بكر ضرب وغرّب، وأَن عمر ضرب وغرّب. ولنا قوله تعالى: ﴿الزَّانِية والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مئةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢) من غير تعرّض للتغريب، فلا يكون من موجَب الزنا. وإِنّ في التغريب تعريضَ المرأَة للزنا، لأنها كلمّا تباعدت عن الأقارب قلّ حياؤها من الأجانب، فرُبَّما اتخذت الزنا من المكاسب، ولأن سفر المرأَة بغير مَحْرَمٍ حرامٌ، ولا ذنب للمَحْرَم حتى يُنْفَى معها. ولا يُقَاس على المهاجرة من دار الحرب، لأنها لا تقصد سفراً وإِنما تطلب الخلاصَ حذراً، حتى لو وصلت إِلى جيشٍ من المسلمين لهم مَنَعة لا يجوز لها أَنْ تخرج من عندهم وتسافر. وكذا في العبد والأَمة حقّ المولى في الخدمة، وهو مقدّم على حقِّ الشرع فلا يفصل بينهما وبين مولاهما. وما رَوَوه كان بطريق السياسة دون الحدّ، لِمَا روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، عن ابن المُسَيَّب قال: غرَّب عمرُ ربيعةَ بن أُمية بن خلف في

стр. 1518

وَيُرْجَمُ المَرِيْضُ وَلا يُجْلَدُ إِلَّا بَعْدَ البُرْءِ. وَتُرْجَمُ الحَامِلُ بَعْدَ الوَضْع، === الشراب إِلى خَيْبَر، فلحِق بهرقل فتنصَّر. فقال عمر: لا أُغرِّب بَعْدَه مسلماً. وروى أَيضاً عن أَبي حنيفة، عن حمَّاد بن أَبي سليمان، عن إِبراهيم النَّخَعِيّ قال: قال ابن مسعود في البكر يزني بالبكر: يُجلدان (١) مئةً ويُنفيان سنةً، قال: وقال عليٌّ: حَسْبُهُما من الفتنة أَنْ يُنفيا. ورواه أَيضاً بهذا السند محمد بن الحسن في «الآثار»، فأَخذنا بقول عليّ كرَّم الله وجهه، لأنه أَقرب إِلى رفع الفتنة ورفع الفساد، والله رؤوفٌ بالعباد. (وَيُرْجَمُ المَرِيْضُ) لأن الرجم متلِفٌ فلا يتأَخّر بسبب المرض (وَلَا يُجْلَدُ إِلاَّ بَعْدَ البُرْءِ) لئلا يفضي به الجلد إِلى التَلَف، وهو إِنما شُرِعَ زاجراً لا متلفاً. ولذا لا يُقَام حدّ الجلد في شدّة الحرّ، ولا في شدّة البرد. ولو كان مَنْ وجب عليه الحدّ ضعيفاً لا يُرْجى برؤه، وخيف عليه هلاكه يجلد جلداً خفيفاً بِقَدْر ما يحمله. (وَتُرْجَمُ الحَامِلُ بَعْدَ الوَضْع) لأن جنينها لا يستحقّ الرجم لعدم الجناية منه، وتُحْبَس حتّى تلد إِنْ ثبت زناها بالشهادة، ولا تحبس إِنْ ثبت بالإقرار. وعن أَبي حنيفة ﵀: أَنْ الرجم يؤخّر إِلى أَنْ يستغني ولدها عنها إِذا لم يكن له أَحدٌ يُرَبِّيه. روى مسلم عن بُرَيْدَة قال: جاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله إِني قد زنيت فطهرِّني، وإِنه ردّها، فلمّا كان الغد قالت: يا رسول الله (لِمَ تَرُدُّني؟) (٢) لعلك تريد أَنْ تَرُدَّني كما رَدَدتَ ماعزاً، فوالله إِني لحُبْلَى. قال: «إِمّا لا (٣) ، فاذهبي حتّى تلدي». فلمّا ولدت أَتته (بالصبيّ في خِرْقة. قالت: هذا قد ولدته. قال: «اذهبي فأَرضعيه حتى تَفْطِمِيه». فلما فَطَمَتْه أَتته) بالصبيّ في يده كِسْرَة خبزٍ فقالت: هذا يا رسول الله قد فطمته، وقد أَكل الطعام. فَدَفَع الصبيّ إِلى رجلٍ من المسلمين، ثمّ أَمر بها فحُفِرَ لها إِلى صدرها، وأَمر الناس فرجموها. ورواه أَيضاً عن عَلْقَمَة بن مَرْثَد، عن سليمان بن بُرَيْدَة، عن أَبيه إِلى أَنْ قال: فقال لها: «اذهبي حتى تضعي ما في بطنك». فكفلها رجلٌ من الأنصار حتى

стр. 1519

وَتُجْلَدُ بَعْدَ النِّفَاسِ. وَيُدْرَأُ الحَدُّ بِالشُّبهَةِ في الفِعْلِ، أَي: ظَنِّ غَير الدَّلِيلِ دَلِيلًا، كَأَمَةِ أَبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ، فَلا يُحَدُّ إِنْ ظَنَّ أَنّهَا تَحِلُّ. === وضعت، ثم أَتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلّم فقال: قد وضعت الغَامِدِيَّة. قال: «إِذاً لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له مَنْ يرضعه». فقام رجلٌ من الأنصار فقال: إِليَّ رَضاعُهُ يا رسول الله. قال: فرجمها. وهذا يقتضي أَنه رجمها حين وضعت، والأوّل يقتضي أَنه تركها حتى فطمت ولدها، ويتقوّى الثاني بما أَخرجه مسلم من رواية عِمْرَان ابن حُصَيْن، وفيه أَنه ﵊ رجمها بعد أَنْ وضعته. وقال بعضهم: يحتمل أَنْ تكونا امرأَتين إِحداهما وُجِدَ لولدها كفيلٌ، والأخرى لم يوجد له كفيل، فوجب إِمهالها حتّى يستغني ولدها. (وَتُجْلَدُ) الحامل (بَعْدَ النِّفَاسِ) لأنه نوع مرضٍ، فَيُنْتَظَرُ البُرْء منه بخلاف الرجم، لأن التأْخير فيه لأجل الولد وقد انفصل. (وَيُدْرَأُ الحَدُّ بِالشُّبْهَةِ في الفِعْلِ أَي: ظَنِّ غَيْرِ الدَّلِيْلِ دَلِيْلاً) وتسمَّى شبهة اشتباه، أَي شبهة في حقّ من حصل له اشتباه، وإِنما يدرأ الحدّ بالشبهة لِمَا قدَّمناه مرفوعاً (١) ولما روى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» عن عمر بن الخطاب أَنه قال: لأن أَعطِّل الحدود بالشبهات أَحبُّ إِليّ من أَنْ أَقيمها بالشبهات. وروى أَيضاً عن مُعَاذ وعبد الله بن مسعود وعُقْبَة بن عامر أَنهم قالوا: إِذا اشتبه عليك الحد فادرأه. (كَأَمَةِ أَبَوَيْهِ) وإِن عَلَياَ (و) أَمة (زَوْجَتِهِ)، لأن اتصال الأملاك بين الأصول والفروع مظنةُ اعتقاد أَنْ للفرع وطاء أَمة الأصل، ولأن الزوج يعدُّ غنياً بمال زوجته، قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ (٢) أَي بمال خديجة، فأَورث ذلك شبهة كون مال الزوجة مالاً للزوج. وتكون شبهة الفعل في مطلقته ثلاثاً، وهي في العدة (بائنٍ بالطلاق على مالٍ وهي في العدّة) (٣) ، وفي أَمّ ولدٍ أَعتقها مولاها وهي في العدة، وفي جارية المولى في حق عبده، وفي الجارية المرهونة في حق المرتَهِن. وبه قال الشافعيّ ﵀ في قولٍ، وقال في قولٍ: لا يسقط الحدُّ عن المرتَهِن، وبه قال أَحمد. (فَلَا يُحَدُّ) الوَاطِاء في هذه الصور (إِنْ ظَنَّ أَنّهَا) أَي الموطؤة (تَحِلُّ) قيّد به،

стр. 1520

وفي المَحَلِّ، أَي: بِقِيَامِ دَلِيلٍ نَافٍ للحُرْمَةِ ذَاتًا كَأَمَةِ ابْنِهِ، وَمُعْتَدَّةِ الكِنَايَاتِ، === لأنه لو قال ظننت أَنها لا تَحِلّ لي يُحدّ، لأن المحل خالٍ عن الملك وحقّه، فكان زنا حقيقةً، وإِنما يسقط الحد لمعنى راجع إِليه وهو الظن، ولهذا لو جاءت بولدٍ لا يثبت نسبه وإِن ادّعاه. وحكم زُفَر بحدّه، لأنه وطاءٌ حرامٌ في غير الملك وشبهته، ولا اعتبار للتأْويل الفاسد. (و) يُدْرَأُ الحدّ بالشبهة (في المَحَلِّ أَي بِقِيَامِ دَلِيْلٍ نَافٍ للحُرْمَةِ ذَاتَاً) والمعنى: أَنا لو نظرنا إِلى الدليل مع قطع النظر عن المانع يكون نافياً للحرمة (كَأَمَة ابْنِهِ) يعني وإِن سفل، والأوّل كأَمة ولده. والدليل النافي للحرمة: ما رواه ابن ماجه بإِسنادٍ ـ قال ابن القطَّان: صحيحٌ، وقال المنذري: رجاله ثقات ـ من حديث جابر: أَنْ رجلاً قال: يا رسول الله إِنْ لي مالاً وولداً، وإِن أَبي يريد أَنْ يجتاح مالي. فقال رسول الله ﷺ : «أَنت ومالُكَ لأبيك». (وَمُعْتَدّةِ الكِنَايَاتِ) والدليل فيها قول عمر وابن مسعود وآخرين: أَنْ الواقع بالكنايات رجعيّ، وأَصله (ما في «آثار محمد بن الحسن»: أَخبرنا أَبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إِبراهيم النَّخَعي:) (١) أَنْ عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود كانا يقولان في المرأَة إِذا خيّرها زوجها فاختارته: فهي امرأَته، وإِن اختارت نفسها فهي تطليقةٌ (واحدةٌ) (٢) وزوجها أَملك بها. وفي «مصنف عبد الرَّزَّاق» عن الشَّعْبِيّ أَنهما قالا: إِنْ اختارت زوجها فلا بأْس، وإِن اختارت نفسها فهي واحدةٌ، وله عليها الرجعة. وفيه أَيضاً: أَخبرنا الثوريّ عن حمّاد، عن إِبراهيم، عن عمر في الخليّة، والبريّة، والبتّة، والبائنة هي واحدةٌ، وهو أَحقُّ بها. قال: وقال عليّ: هي ثلاث، وقال شُرَيْح: له ما نوى. (وفيه عن زيد بن ثابت أَنه قال في رجلٍ جعل أمَرَ امرأَته بيدها) (٣) ، فطلقت نفسها ثلاثاً قال: هي واحدةٌ. وعن جابر بن عبد الله: إِذا خيّر الرجل امرأَته فاختارت نفسها فهي واحدةٌ. وفي «آثار محمد ابن الحسن»: أَخبرنا أَبو حنيفة عن (حَمَّاد عن) (٤) إِبراهيم النَخَعيّ: أَنْ زيد بن ثابت كان يقول: إِذا اختارت زوجها فلا شيء وهي امرأَته، وإِن اختارت نفسها فهي ثلاثة، وهي حرامٌ عليه حتى تنكح زوجاً غيره. وكان عليّ بن أَبي طالب يقول: إِذا اختارت زوجها

стр. 1521

وَالمَبِيعَةِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فلا يُحَدُّ وَإنْ أَقَرَّ بِالحُرْمَةِ. وَحُدَّ بِوَطْئِ أَمَةِ أَخِيهِ وَعَمِّهِ، وأَجْنَبِيَّة وَجَدَهَا في فِرَاشِهِ، وَإنْ هُوَ أَعْمَى. لا إِن زُفَّتْ وَقُلْنَ: هِي زَوْجَتُكَ. === فهي واحدة، والزوج أَملك بها، وإِن اختارت نفسها فهي واحدةٌ، وهي أَملك بنفسها. (وَالمَبِيْعَةِ قَبْلَ التَّسْلِيْمِ) والدليل فيها كونها في يد البائع بحيث لو هلكت انتقض البيع، فإِن ذلك دليل الملك، ويكون شبهة المحل في الجارية المشتركة بينه وبين غيره، ولوجودِ مِلْكه في بعضها. (فلَا يُحَدُّ وَإِنْ أَقَرَّ بِالحُرْمَةِ) لأن الشبهة إِذا كانت في المحل يثبت فيه الملك (من وجهٍ) (١) ، فلم يبقَ اسمُ الزنا، فيمتنع الحدّ على التقادير كلها. ويثبت النسب إِنْ ادَّعاه، لأنَّ النَّسَب يعتمد قيام الملك أَوْ الحق في المحل. (وَحُدَّ بِوَطْاءِ أَمَةِ أَخِيْهِ وَعَمِّهِ) وكل مَحْرَمٍ غير الولاد، ولو قال: ظننت أَنها تَحِلّ، لأنه لا انبساط بين هؤلاء في مالهم، فلا يستند ظَنُّهُ إِلى دليل. فإِن قيل: ما باله لو سرق من بيت هؤلاء لا يقطع؟ أُجيب: بأَن الحِرْز لم يتحقّق في حقّه لدخوله في بيتهم بلا استئذانٍ، والقطع دائرٌ مع هتك الحِرْز ولم يوجد. والحدُّ دائرٌ مع الزنى، وقد وجد، ويندراء بالحِلِّ أو شبهته ولم يوجد، ألا ترى أن الضيف إِذا سرق من المضيف لا يقطع؟ وإِذا زنى بجاريته يُحَدُّ؟ (و) بوطاء (أَجْنَبِيَّةٍ وَجَدَهَا في فِرَاشِهِ) وإِن قال: ظننت أَنها امرأَتي، لأن ظنّه لم يستند إِلى دليل، لأن امرأَته لا تشتبه عليه بعد طول الصحبة، وقد ينام في فراشها غيرها من المحارم والمعارف. وقال الشافعيّ وأَحمد: لا حدَّ عليه إِنْ ظنَّ أَنها امرأَته أَوْ أَمَته قياساً على من زُفَّتْ إِليه، وعلى من شرب شراباً على ظنّ أَنه ليس بخمرٍ، حيث لا يُحَدُّ. وأُجِيْبَ: بالفرق بأَنه لا يميّز بين المرأَة وغيرها في أَول وهلة، ولا بين الخمر وغيرها إِلاّ بالشرب. (وَإِنْ هُوَ) أَي وإِن كان الذي وجدها على فراشه (أَعْمَى) لأنه يقدر على التميز بالسؤال أَوْ بغيره من الحركات والهيئات، فكان كالبصير، إِلاّ إِذا دعا زوجته فأَجابته أَجنبيّةٌ وقالت: أَنا زوجتك، أَوْ قالت: أَنا فلانةٌ ـ باسم امرأَته ـ فوطئها فلا يُحَدُّ، لأن ظنَّه استند إِلى دليلٍ شرعي وهو الإخبار. ولو أَجابته ولم تقل: أَنا زوجتك، ولا أَنا فلانةٌ يحدّ لعدم ما يوجِب السقوط. (لا إِنْ زُفَّتْ) أَي لا يحدّ بوطاء أَجنبيّة بُعِثتْ إِليه (وَقُلْنَ) أَي النسوة التي معها: (هِي زَوْجَتُكَ) وكان تزوّج امرأَة ولم يدخل بها بعد، لأنه اعتمد دليلاً شرعياً في

стр. 1522

وَلا يُحَدُّ الخَلِيفَةُ، ويُقْتَصُّ وَيُؤْخَذُ بِالْمَالِ. === موضع الاشتباه وهو الإخبار، إِذْ المرء لا يميّز بين زوجته وغيرها في أَول وهلة. وعليه مهرها وعليها العدة، ويثبت نسب ولدها منه. وقد سُئِلَ أَبو حنيفة عن أَخوين تزوجا أَختين فَزُفَّتْ كل واحدة إِلى زوج أَختها فقال: ليطلق كلُّ واحدٍ زوجته، ثم يتزوّج مَنْ وطِئها. وقال سفيان الثَّوري: على كل واحدٍ منهما المهر، وعلى كل واحدة العدة، فإِذا مضت عدتها دخل بها زوجها. فقال أَبو حنيفة: ما قلتُ أَحسن. أَرأَيت لو صبر كلّ واحدٍ منهما حتّى مضت العدة، أَما كان يبقى في قلب كل منهما شيء لدخول أَخيه بامرأَته؟ فإِذا طلّق كلٌّ زوجته قبل الدُّخول والخلوة، لا تجب العدة، فإِذا طلّق بعد ذلك فعدتها ممّن دخل بها، لا تمنعه من نكاحها، ولم يبق في قلب كلّ منهما شيء. (وَلا يُحَدُّ الخَلِيْفَةُ) وهو الإمام الذي ليس فوقه إِمام لا في زنا، ولا في شرب خمرٍ، ولا في قذفٍ، لأن الحدود حقّ الله تعالى، وهو نائبه والمقيمُ لها، فلا يمكنه أَنْ يقيمها على نفسه، لأنها لا تقع مؤلمة، فلا تكون زاجرة، والمقصود من الحدود الزجر. وكذا لو أَمر غيره بإِقامتها عليه لا تقع مؤلمة، لأنه يهابه. والظاهر أَنه يُرْجَم، والله أَعلم. (ويُقْتَصُّ) منه (وَيُؤْخَذُ بِالْمَالِ) لأن القِصَاص والأموال من حقوق العباد فيستوفيهما صاحبهما بنفسه أَوْ بالاستعانة بالمسلمين، ولا يُشْتَرَط فيهما القضاء بخلاف حدّ القذف، فإِن المغلَّب فيه حقّ الشرع عندنا، وحقّ العبد عند الشافعيّ، فحكمه حكم ما هو حقّ الشرع خالصاً. ثم اعلم أَنه لا يحدّ بزنا في دار الحرب أَوْ البغي عندنا، وحكم مالك والشافعي بحدّه لإطلاق الآيات الواردة في حدّ الزاني وقطع السارق وجلد القاذف، ولقوله ﵊: «أَقيموا حدود الله في السفر والحضر، على القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائمٍ». رواه أَبو داود في «المراسيل». وقال: رويناه بإِسنادٍ موصولٍ في «السنن». ولنا ما روى محمد في كتاب «السير الكبير» عن النبي ﷺ أَنه قال: «من زنا أَوْ سرق في دار الحرب وأَصاب بها حدّاً ثم هرب فخرج إِلينا، فإِنه لا يُقَام عليه الحدّ». وما روى البيهقي عن الشافعيّ قال: قال أَبو يوسف ﵀: حدثنا بعض أَشياخنا عن مكحول، عن زيد بن ثابت قال: لا تُقامُ الحدودُ في دار الحرب مخافةَ أَنْ يلحق أَهلها بالعدو. قال: وحدَّثنا بعض أَصحابنا عن ثور بن يزيد، عن حكيم بن عُمَيْر أَنْ عمر بن الخطاب كتب إِلى عُمَيْر (١) بن سعد الأنصاري وإِلى عمّاله: أَنْ لا تقيموا الحدود

стр. 1523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === على أَحد من المسلمين في أَرض الحرب حتى يخرجوا إِلى أَرض المصالحة. وروى الأخير ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» قال: حدثنا ابن المبارك، عن أَبي بكر بن أَبي مريم، عن حكيم بن عُمَيْر به، وزاد: لئلا تحمله حميّة الشيطان أَنْ يلحق بالكفار. وفيه أَيضاً: حدّثنا ابن المبارك، عن أَبي بكر بن عبد الله بن أَبي مريم، عن حُمَيد بن عُقْبة بن رومان: أَنْ أَبا الدَّرْدَاء: نهى أَنْ يُقَام على أَحدٍ حدٌّ في أَرض العدو. وفي «سنن أَبي داود» و «الترمذي» و «النَّسائي» عن بُسْر بن أَرْطَاة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تُقْطَع الأيدي في السفر». ولفظ الترمذي: «في الغزو». وقال: هذا حديثٌ غريبٌ، والعمل عليه عند بعض أَهل العلم، منهم الأوْزاعي يَرَوْن أَنْ لا يُقَام الحدُّ في الغزو بحضرة العدوِّ مخافة أَنْ يلحق من يُقَام عليه الحدُّ بالعدو، (فإِذا رجع الإمام إِلى دار الإسلام أَقام عليه الحدّ، ونفينا الحد عن) (١) مُكَلَّفَةٍ، زنا بها غيرُ مكلف، فلا تُحد عندنا. وأُثبته زفر كمالك والشافعي، وهو رواية عن أَبي يوسف ﵏. وحُدَّ لو كان الأمر بالعكس، بأَن زنا مكلف بغير مكلفة، وهذا بإِجماع الأمة. وواطاء محرَّمةٍ بعد العقد عليها والعلم بالحرمة يُعزَّر عند أَبي حنيفة ﵀، وحكما بالحد كمالك والشافعي. وقال صاحب «الأسرار»: كلامهما أَوضح، أَي فهو واضح. وواطاء مُسْتَأْجَرَتِهِ للزنا بها، يُعزَّر عند أَبي حنيفة، وحكما بالحدِّ كمالك والشافعي. واللائط يُعزَّر عند أَبي حنيفة ﵀، ويُسجن حتى يموت أَوْ يتوب، فصار كما لو أَتى امرأَته في الموضع المكروه منها، أَوْ أَتى عبده أَوْ بهيمةً أَوْ أَجنبيةً في غير السبيلين منها، وحكما بالحد كمالك والشافعي ﵏، لما في «مُعجم الطبراني»، عن جابر قال: سمعت سالم بن عبد الله، وأَبان بن عثمان، وزيد بن حسن يذكرون أَنْ عثمان أُتي برجلٍ قد فَجَرَ بغلامٍ من قريش معروف النسب، فقال عثمان: وَيْحَكُم، أَين الشهود، أَحصنَ؟ قالوا: تزوج امرأَة ولم يدخل بها بعد، فقال عليٌ لعثمان: لو دخل بها لحَلَّ عليه الرَّجْمُ، فأَما إِذا لم يدخل بها فأَجْلِدُه الحدَّ. قال أَبو أَيوب: أَشهد أَني سمعت رسول الله ﷺ يقول الذي ذكر أَبو الحسن، فأَمر به عثمان فجلد مئة، وما أَخرجه البيهقي عن عطاء بن أَبي رباح قال: أُتي ابن الزبير بسبعة في لواطة: أَربعة منهم قد أُحصنوا، وثلاثة لم يُحْصَنُوا، فأَمر بالأربعة فرُضخوا بالحجارة، وأَمر بالثلاث فضربوا الحدّ، وابن عباس وابن عمر في المسجد.

стр. 1524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وأَمّا ما رواه أَبو داود والترمذي من قوله ﵊: «مَنْ وَجَدْتُمُوْه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به». وفي لفظٍ: «فارجموا الأعلى والأسفل». فمحمولٌ على هذا المقيّد. وفي قولٍ لمالك والشافعي: يرجمان بكل حالٍ، ولأنه في معنى الزنا بل أَقبح. ولأبي حنيفة ﵀: أَنه ليس بزنا، فلا يثبت فيه حدُّه، وذلك لأن الصحابة قد اختلفوا في موجَبه: فمنهم من أَوجب فيه التحريق بالنار، ومنهم من قال: يُهْدَم عليه الجدار، ومنهم من قال: يُنَكَّس (١) من مكانٍ مرتفعٍ مع اتباع الأحجار. ولو كان زناً لَمَا اختلفوا، كذا ذكره بعض المحققين. ثم ذكر (٢) ما نُقِلَ عن الصحابة فقال: روى البيهقي في «شُعَبِ الإيمان» من طريق ابن أَبي الدنيا بسنده أَنّ خالد بن الوليد كتب إِلى أَبي بكر أَنه وجد رجلاً في بعض (نواحي) (٣) العرب يُنْكَح كما تُنْكَح المرأَة، فجمع أَبو بكر الصحابة فسأَلهم، فكان من أَشدهم في ذلك قولاً عليّ ﵁ قال: هذا ذنبٌ لم تعص به إِلاّ أُمةٌ واحدةٌ صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أَنْ تُحرِّقَه بالنار، فاجتمع رأَي الصحابة على ذلك. وروى الواقدي في كتاب «الرِّدة» بسنده وقال: كتب خالد إِلى أَبي بكرٍ الصديق: أُخبرك أَني أُتِيْتُ برجلٍ قامت عندي البيّنة أَنه يُوْطَأُ في دُبُره كما تُوْطأُ المرأَة، فدعا أَبو بكرٍ الصحابة واستشارهم فيه، فقال له عمر وعليّ: احرِقْه بالنار، فإِنْ العرب تأْنفُ أَنفاً لا يأْنفه أَحدٌ غيرهم. وقال غيرهما: اجلدوه. فكتب أَبو بكرٍ إِلى خالدٍ أَنْ احرقه بالنار، فَحَرَقه. وروى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» عن أَبي نَضْرَة قال: سُئِلَ ابن عباس ما حدُّ اللوطي؟ قال: ينظر إِلى أَعلى بناءٍ في القرية ـ فيُرْمَى منه مُنَكَّسَاً ثم يتبع بالحجارة. وكأَن مأْخذهم هذا أَنْ قوم لوطٍ أُهْلِكُوا بذلك حيث حُمِلَت قراهم ونُكِّسَت بهم. ولا شكٌ في اتباع الهديم (٤) بهم وهم نازلون. انتهى. والظاهر أَنْ عذابهم كان مُرَكَّباً من التنكيس، وإِمطار الحجارة عليهم. ثمّ إِنْ أُرِيْدَ من التعزير ما ذُكِرَ في بابه، فلا شكّ أَنه ليس قولَ أَحد من الصحابة، وإِنما هو إِحداث قول آخر، فإِنه لا يجوز، فتعيّن ما قال صدر الشريعة: إِنْ عند أَبي حنيفة ﵀ يعزّر بأَمثال هذه الأمور، والله تعالى أَعلم.

стр. 1525

فَصْلٌ في حدِّ القَذْفِ مَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا، أَي: حُرًّا مُكَلَّفًا مُسْلِمًا عَفِيْفًا عَنِ الزِّنَا بِصرِيْحِهِ، === فصلٌ فِي حَدِّ القَذْفِ وهو لغةً: الرمي، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ (١) . وشرعاً: الرمي بالزنا بمعنى الطعن (٢) فيه. وهو من الكبائر إِجماعاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِيْنَ يَرْمُوْنَ المُحْصَنَاتِ الغَافِلَاتِ المُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا في الدُّنْيَا والآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيْمٌ﴾ (٣) ، ولقوله ﵊ كما في الصحيحين وغيرهما: «اجتنبوا السَّبْعَ الموبقات ـ أَي المهلكات ـ. قيل، وما هُنَّ يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسِّحر، وقتل النفس التي حَرَّم الله، وأَكل الرِّبا، وأَكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المُحَصَنَات الغافلات المؤمنات». (مَنْ قَذَفَ) وهو (مكلَّفٌ) (٤) حرٌ أَوْ عبدٌ (مُحْصَنَاً أَي حُرًّا) وعن داود: أَنه يُحَدُّ قاذفُ العبد. (مُكَلَّفَاً) وأَحمد في رواية لا يشترط البلوغ، بل يشترط أَنْ يكون بحيث يجامع. (مُسْلِمَاً) وعن ابن المسيَّب وابن أَبي ليلى: يحدّ قاذف الذمية التي لها ولدٌ مسلمٌ (عَفِيْفَاً عَنِ الزِّنَا) أَي معروفاً بكفّ نفسه عنه، غير متهم به، لأن غير العفيف لا يلحقه شَيْنٌ بالقذف، وكذا قاذفه صادقٌ فيه. (بِصَرِيْحِهِ) أَي بصريح أَيِّ لسانٍ كان من عربيّ وفارسيّ ونَبَطِيّ، وهو متعلَّق بـ: قذف. واحترز به عمّا لو قذف بلفظ الجماع، أَوْ المباضعة حراماً، أَوْ بالتعريض بأَن قال لرجلٍ: ما أَنا بزانٍ، أَوْ: ما أُمِّي بزانيةٍ، فإِنه لا يحدّ (عندنا) (٥) ، وبه قال سفيان وابن شُبْرُمة والحسن بن صالح والشافعيّ وأَحمد في روايةٍ. وقال مالك وأَحمد ﵏ في رواية: يُحَدُّ لِمَا روى مالك في «الموّطأ» عن أَبي الرِّجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النّعْمَان الأنصاري، عن أُمِّه عَمْرَة بنت عبد الرحمن: أن رجلين استبَّا في زمن عمر بن الخطاب، فقال أَحدهما للآخر: والله ما أَبي بزانٍ، ولا أَمي بزانيةٍ، فاستشار في ذلك عمرُ بن الخطاب، فقال قائلٌ:

стр. 1526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مَدَح أَباه وأُمَّه، وقال آخَرون: قد كان لأبيه وأُمِّه مدحٌ غير هذا، نرى أَنْ تجلدَه الحد، فجلده عمرُ إِلى ثمانين. ولنا ما رواه الشيخان من حديث أَبي هُرَيْرَة: أَنْ أَعرابياً قال: يا رسول الله إِنْ امرأَتي ولدت غلاماً أَسودَ. قال: «هل لك من إِبل؟» قال: نعم. قال: «ما أَلوانها؟» قال: حُمْرٌ. قال: «فهل فيها من أَوْرَق»؟ ـ أَي: ما في لونه بياض وسواد ـ، قال: إِنْ فيها لَوُرْقَاً (١) . قال: «فأَنَّى أَتاها ذلك؟» قال: لعله نزعه عِرْق (٢) . قال: «وكذلك هذا الولد لعله نزعه عِرْقٌ». وترجم عليه البخاري: باب إِذا عَرّض بنفي الولد. وزاد في لفظٍ: وإِني أَنكرته، يعرّض بأَنه ينفيه. وما روى أَبو داود والنَّسائي من حديث ابن عباس قال: جاء رجلٌ إِلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إِنْ امرأَتي لا تمنع يد لامسٍ. قال: «غَرِّبْهَا» (٣) ـ بتشديد الرَّاء (٤) المكسورة أَي اجعلها غريبة (٥) ، يعني: طلّقها، كما في بعض الروايات ـ قال: أَخاف أَنْ تتبعها نفسي، قال: «فاستمتع بها». وفي روايةٍ: «فأَمسكها». وقوله: لا تمنع يد لامسٍ، كنايةٌ عن زناها. وأَيضاً إِنْ الله تعالى فرَّق بين التعريض بالخِطبة في العدة فأَباحه، وبين التصريح بها فمنعه، حيث قال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيْمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ في أَنْفُسِكُمْ﴾ (٦) الآية، فليفرّق بينهما بالقذف أَيضاً. وأَنه تعالى أَوجب حدّ القذف بصريح الزنا، فلم يكن لنا إِيجابه بكنايةٍ إِلحاقاً لها به دلالةً، لأن الكنايات والتلويح دون التصريح لما فيها من الاحتمال، والله تعالى أَعلم بحقائق الأحوال. ثم القذف إِمّا بصريحه: يا زاني، يا عاهر، يا ابن الزاني، يا ابن الزانية. (أَوْ)

стр. 1527

أَوْ بِـ: لَسْتَ لأَبِيكَ، أَوْ: لَسْتُ بِابْنِ فُلانٍ، في غَضَبٍ، وَهُوَ أَبُوْهُ، حُدَّ ثَمَانِينَ سَوْطًا، كَحَدِّ الشُّرْبِ. والطَّلَبُ بِقَذْفِ المَيِّتِ: لِلْوَالِدِ والوَلَدِ وَوَلَدِهِ، === بدلالة كالقول (بِـ: لَسْتَ لأَبِيْكَ) إِذا كانت أُمه مُحْصَنة. قيّدنا به، لأن هذا في الحقيقة قذفٌ لأُمه، فإِنه إِذا لم يكن من أَبيه كان من غيره، ولا نكاح لغير أَبيه على أُمه، فكان في نفي نسبه من أَبيه قذف أُمه بالزنا. (أَوْ: لَسْتُ بِابْنِ فُلَانٍ في غَضَبٍ) مشاتمةً، وهو قيد في هذه المسأَلة والتي قبلها (وَهُوَ) أَي فلانٌ (أَبُوْهُ) جملة حالية. (حُدَّ ثَمَانِينَ سَوْطَاً) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِيْنَ يَرْمُوْنَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوْهُمْ ثَمَانِيْنَ جَلْدَةً﴾ (١) ، والمراد الرمي بالزنا بإِجماع العلماء. وفي الآية إِشارة إِليه حيث شرط أَربعة شهداء، فإِن ذلك من خصائص الزنا. ثُمَّ النص وإِن ورد في المحصَنات إِلاّ أَنْ المحصَنين أَيضاً كذلك، لأن المعنى وهو دفع العار يَشْمَلهما، فكان النص متناولاً لهم دلالة، وعليه الإجماع. وخصَّهُنَّ، لأن القذف في الأغلب يقع بهن. (كَحَدِّ الشُّرْبِ) في الكمية: وهو ثمانون سوطاً، وفي الثبوت: وهو الإقرار أَوْ شهادة رجلين. قيَّد بكون فلان أَباه، لأنه لو كان جَدَّه لا يحدّ. وقيّد بالغضب كما في بعض النُّسخ وهو الصحيح، لأنه لو كان في رضى لا يحدّ، لأن في حال الرضا يُحْتمل أَنْ يُرَاد بهذا اللفظ المعاتبة، بمعنى: أَنت لا تشبه أَباك في الكرم والمروءة. وفي «المبسوط»: وكذا لو قال: إِنك ابن فلانٍ، وهو غير أَبيه في حال المشاتمة، لأن مقصودَه نَفْيُ نَسَبه من أَبيه، ونسبة أُمه إِلى الزنا، بخلاف حالة الرضا، لأن مراده: إِنْ أَخلاقك تشبه أَخلاق فلانٍ، (فكأَنك ابنه، وإِنما خصّ الحكم بلست بابن فلان) (٢) لأنه لو قال: لست بابن فلانةٍ، وهي أُمه، أَوْ قال: لست بابن فلانٍ، ولا بابن فلانةٍ، وفلانٌ أَبوه وفُلانةٌ أُمهُ، لا يحدُّ لا في حالة الرضا ولا في حالة الغضب، لأنه ليس فيه قذف أُمه لا لفظاً ولا اقتضاء، لأن نَفْيه عن أُمِّه نَفْيٌ لولادتها له، ونَفْيُ ولادتها له نَفْيٌ للوطاء عنها، وفي نفي الوطاء نفي الزنا، بخلاف ما إِذا لم يقل: ولا ابن فلانةٍ، فإِنه نفاه عن الوالد فقط (٣) ، وولادة الولد ثابتة عن أُمِّه، فصار كأَنه قال: أَنت ولد الزنا. (والطَّلَبُ بِقَذْفِ المَيِّتِ لِلْوَالِدِ) وإِن علا (والوَلَدِ وَوَلَدِهِ) وإِن سَفَل، لأن العار

стр. 1528

وَلَوْ مَحْرُوْمًا. وَلا يُطَالِبُ أَحَدٌ سَيِّدَهُ، ولا أَبَاهُ بِقَذْفِ أُمِّهِ، وَلَيسَ فِيهِ إِرْثٌ وعَفْوٌ وَعِوَضٌ. === يلحَق هؤلاء لمكان الجزئية، فكان القذف متناولاً لهم. ويدخل في عبارته ولد البنت، وهو قول أَبي حنيفة وأَبي يوسف. وقال محمد: ليس له أَنْ يطلب، لأنه منسوبٌ إِلى أَبيه لا إِلى أُمه، فلا يلحق بزنا أَبي أُمه عارٌ. ولهما: أَنْ العار يلحقه لثبوت النسب من الطرفين. (وَلَوْ) كَانَ (مَحْرُوْمَاً) من الإرث كولد الولد مع الولد، (والولد) (١) الكافر والعبد، خلافاً لِزُفَر في الجميع. وقال مالك والشافعيّ: الطلب لوارث الميت، وهو مبني على أَنْ الغالب فيه عنده حقّ العبد فيورَث. وعندنا: حق الله تعالى، فلا يُورَث. (وَلَا يُطَالِبُ أَحَدٌ سَيِّدَهُ ولا أَبَاهُ) وإِن علا (بِقَذْفِ أُمِّهِ) ولا أُمّ أُمِّه وإِن علت بقذف أَبيه، وبه قال الشافعيّ وأَحمد ومالك في رواية، لأن السيد لا يُعَاقب بسبب عبده، والوالد لا يُعَاقب بسبب ولده، ولذا لا يُقَاد من الوالد إِذا قَتَلَ ولده، ولا من السيد إِذا قتل عبده. (وَلَيْسَ فِيْهِ إِرْثٌ) خلافاً للشافعيّ (و) لا (عَفْوٌ) من المقذوف عن القاذف خلافاً لمالك والشافعيّ وأَحمد، لكن عندنا لو عفى المقذوف لا يُحَدُّ القاذف لتركه الطلب لا لصحة العفو. حتّى لو عاد وطلب يحدّ (وَ) لَا (عِوَضٌ) أَي اعتياض (٢) خلافاً للشافعي وأَحمد. ولا خلاف في أَنْ في حدّ القذف حقّين: حقّ الشرع، وحقّ العبد. أَما حقّ العبد فلأنه شُرِعَ لصيانة عرض العبد ولدفع العار عن المقذوف، وهو الذي ينتفع به على الخصوص، ولذا يشترط فيه الدَّعوى، ولا يَبْطُل بالتقادم، ويُقَيِّمُه القاضي بِعِلْمه، ويقدّم استيفاؤه على سائر الحدود، ولا يَبْطُل بالرَّجم، ولا يصحّ الرجوع عنه بعد الإقرار. وأَما حقّ الشرع فلأَنَهُ شُرِعَ زجراً للمفسدين، ولذا لا يباح القذف بالإباحة، ويستوفي حدَّه الإمامُ دون المقذوف، ويجري فيه التداخل حتّى لو قَذَف واحدٌ (أَحداً) (٣) مراتٍ أَوْ جماعةً مرّة كان عليه حدٌّ واحدٌ. فَغَلَّب مالك والشافعيّ وأَحمد حقّ العبد لحاجته وغِنَى الشرع، إِذْ هو الأصل فيما اجتمع فيه الحقَّان. وغَلَّبنا حقّ الشرع نظراً للمقصود منه وهو إِخلاء العالَم عن الفساد الذي هو حقّ الله. وما للعبد من الحقّ يتولاه مولاه ولا كذلك العكس، لأنه لا

стр. 1529

وَفِي: يَا زَانِي، فَقَالَ: بَلْ أَنْتَ، حُدَّا. وَلِعِرْسِهِ، حُدَّتْ، وَلا لِعَانَ. وَإِنْ قَالَتْ: زَنَيتُ بِكَ، هُدِرَا. === ولاية (للعبد) (١) في استيفاء حق الشرع إِلا بالنيابة، وإِنما يقدّم حقّ العبد فيما لم يمكن الجمع بين الحَقَّين، وهنا أَمكن فلا حاجة إِليه. وقال صدر الإسلام أَبو اليَسَر في «مبسوطه»: الصحيح أَنْ المغلَّب فيه حقّ العبد كما قال الشافعي، لأن أَكثر الأحكام تدلّ عليه. وقد نصّ محمد في «الأصل»: على أَنْ حدّ القذف حقّ العبد كالقصاص، إِلاّ أَنه فوَّض (إِقامته) (٢) إِلى الإمام، لأن كلّ أَحدٍ لا يهتدي لإقامة الجلد. (وَفِي: يَا زَانِي فَقَالَ: بَلْ أَنْتَ) وفي بعض النُّسخ: لا، بل أَنت (حُدَّا) أَي البادي بالقول والمجيب له، لأن كلّ واحدٍ منهما قاذفٌ. أَمّا البادي فظاهرٌ، وأَمّا المجيب، فلأن معنى كلامه أَنت الزاني، لأن كلمة بل للإضراب عن المتبوع، وصَرْف الحكم إِلى التابع، وقد يُؤتْى بلا معها لتأْكيد ذلك فيصير قاذفاً. (وَلِعِرْسِهِ) أَي ولو قال لامرأَته: يا زانية، فقالت. بل أَنتَ، أَوْ: لا، بل أَنْتَ (حُدَّتْ وَلَا لِعَانَ) (٣) لأنهما قاذفان، وقذفها إِياه يوجب الحدّ، وقذفه إِيَّاها يوجب اللعان، فيبدأُ بالحدّ، لأن في البداءة به فائدة، وهي إِبطال اللعان، لأن المحدود في القذف لا يُلَاعِن، وفي البداية باللعان لا يبطل حدّها، لأن حدّ القذف يجري على الملاعنة، واللعان في معنى الحدّ فيحتال لدرئه. وفي «المبسوط»: لو قال لامرأَته: يا زانية بنت الزانية صار قاذفاً لها ولأمها، وقذفها يوجِب اللِّعان، وقذف أَمها يوجب الحد، فإِذا طلبته هي وأَمها بُدِاءَ بالحدّ لِمَا في البداية به إِسقاط اللعان. (وَإِنْ قَالَتْ:) العِرْس في جواب قول زوجها: يا زانية (زَنَيْتُ بِك هُدِرَا) أَي بطل قول الزوج والعِرْس. وفي بعض النُّسخ: هَدْرٌ، أَي بطل هذا القول، فلا حدّ ولا لعان، لأنه يحتمل أَنها أَرادات قبل النكاح فيكون تصديقاً (له بأَنها زنت فيسقط اللعان لتصديقها) (٤) إِياه، ويجب عليها الحدُّ، لأنها قذفته ولم يصدّقها. ويحتمل أَنها أَرادت حال النِّكاح، أَي زناي هو الذي كان معك بعد النكاح، لأني ما مكّنت أَحداً غيرك، ولا حصل مني فِعْل الزِّنا، وهو المراد في مثل هذه الحالة، لأنه أَغضبها وأَذاها فتُغْضِبُهُ وتؤذيه متمسكة بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ لَا يَنْكحُهَا

стр. 1530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === إِلاّ زَانٍ﴾ (١) فلا تكون مصدّقة له ولا قاذفة، فلا يجب عليها الحدّ، ويجب اللعان بقذفه لها. فقد وجب كلّ واحدٍ من القذف واللعان في حالٍ دون حالٍ، فلا يجب واحدٌ منهما بالشكّ. وبقولنا قال أَحمد. وقال مالك: تحدّ لأنها قذفت زوجها بالزنا ولم يصدّقها فيه. وقال أَشْهَب: إِلاّ أَنْ تقول قلت ذلك مجاوبةً ولم أُرد قذفاً ولا إِقراراً. وفي «المبسوط»: لو قال لأجنبية: يا زانية، فقالت: زنيت بِكَ، لا يُحَدّ الرجل لتصديقها إِيَّاه، لأن المقذوف متى صَدّق القاذف سقط الحدّ، وتُحَد المرأَة لقذفها له، ولا يُحَدُّ بِنَفْيه عن جدّه، لأنه صادقٌ في كلامه، وكذا بنسبته إِليه أَوْ إِلى عمه (٢) أَوْ خاله أَوْ زوج أُمه، لأن كلّ واحدٍ منهم أَبٌ. قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ﴾ (٣) ، وقال: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْش﴾ (٤) قال (المفسرون) (٥) : هما خالتُه وأَبوه. وقال ﷺ : «الخال والد مَنْ لا والد له». رواه في «الفردوس». وقال الله تعالى: ﴿قَالُوا نُعَبُد إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيْمَ وإِسْمَاعِيْلَ وإِسْحَاقَ﴾ (٦) وكان إِسماعيل عَمّاً ليعقوب ﵇. ولا يحدّ بـ: يا ابن (٧) ماء السماء، لأن الناس يذكرون هذا لقصد المدح، فماء السماء لُقِّبَ به عامر بن حارثة بن الغِطْرِيف (٨) الأزدي، لأنه وَقْتَ القحط كان يُقِيم ماله مُقَام القَطْرِ، فهو كماء السماء عطاءً وجوداً. وقد لُقِّبَ بماء السماء أَيضاً للحُسْن والصفاء، وبه لُقِّبَتْ أُم ابن المنذر بن امراء القيس لذلك، وقيل لولدِها بنو ماء السماء. قال زُهَيْر: *وَلَازَمْتُ المُلُوْكَ مِنْ آل نَصْرٍ ** وَبَعْدَهُمُ بَنِي ماءِ السَّمَاءِ ولا يُحَدّ بقذف امرأَةٍ لم يُدْرَ أَبو ولدها. وما جعلنا مصدّق القاذف قاذفاً إِلاّ إِذا زاد على تصديقه: هو كما قلت، وجعله زُفَر قاذفاً بدون الزيادة، لأنه صدّقه فيما قال، والتصديق في القذف قذفٌ. ولنا أَنه لم يصرّح بنسبته إِلى الزنا، وتصديقه إِياه محتملٌ

стр. 1531

فَصْلٌ في حَدِّ الشُّرْبِ مَنْ أُخِذَ بِرِيحِ الخَمْرِ، أَوْ سَكْرَانَ زَائِلَ العَقْلِ بِنَبِيذٍ، أَوْ أَقَرَّ بِهِ مَرَّةً صَاحِيًا، أَوْ شَهِدَ بِهِ رَجُلانِ، === لجواز أَنْ يكون في الزنا وغيره، فلا يحدّ بالاحتمال، بخلاف ما لو زاد: هو كما قلت، فإِنه ليس فيه احتمال غيره. واختلاف الشاهدين في زمان القذف أَوْ مكانه غير مانعٍ من قَبُول الشهادة عند أَبي حنيفة، وردّها صاحباه، كما لو اختلفا في قذفه بالعربية والعجمية. فصلٌ في حَدِّ الشُّرْبِ (مَنْ أُخِذَ بِرِيحِ الخَمْرِ) حالة الأخذ وإِن زالت رائحتها قبل الوصول إِلى الحاكم لبعد الطريق (أَوْ) أُخِذَ (سَكْرَانَ زَائِلَ العَقْلِ) هذا بيان للسكران في حقّ الحدّ، وتفسيرٌ له على قول أَبي حنيفة، وهو مَنْ لا يعرف الرجال من النساء، ولا الأرض من السماء، لأن الحدّ عقوبةٌ فاعتبرت النهاية في سببه احتيالاً لدرئه، ويؤيّد ذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١) حيث عبَّر عن الصحو بالعلم بالقول، فكان السُكْر الذي هو ضدّه عدم العلم بذلك. وإِنما قلنا في حقّ الحدّ، لأن السُّكْرَ في حق الحرمة عند أَبي حنيفة اختلاط الكلام أَخذاً بالاحتياط في الحرمة. وقال أَبو يوسف ومحمد ومالك والشَّافعي وأَحمد: السكران مطلقاً أَي في حقّ الحدّ، وفي حقّ الحرمة: هو الذي يختلط في كلامه بحيث يصير يَهْذي، ويختلط جِدُّه بهزله، ولا يستقر على شيء في جوابٍ ولا خطابٍ. قال في «المَبْسُوط»: وإِليه مال أَكثر المشايخ واختاروه للفتوى، لأنه هو المتعارف، ولقول عليَ كرَّم الله وجهه: فإِنه إِذا شرب سَكِر، إِلى آخره. وعن ابن الوليد قال: سأَلت أَبا يوسف عن السَّكْران الذي عليه الحدّ. قال: أَنْ يُسْتَقَرأَ: «قل يأَيها الكافرون» فلا يقدر على قراءتها، فقلت: لِمَ عيَّنت هذه السورة، وربّما أَخطأَ في قراءتها الصاحي؟ فقال: لأن تحريم الخمر نزل فيمن شرع في قراءتها فلم يستطع، أَي بل قرأَ: أعبد ما تعبدون. (بِنَبِيْذٍ) متعلق بالسكران والمراد نبيذٌ محرَّم (أَوْ أَقَرَّ بِهِ مَرَّةً) وقال أَبو يوسف وزُفَر: مرتين في مجلسين (صَاحِيَاً) قيّد به، لأن إِقرار السكران بالشُّرب لا يُعْتَبر لقوة احتمال الكذب في كلامه، فلا يُعْتَبر فيما يندرِاءُ بالشبهة (أَوْ شَهِدَ بِهِ رَجُلَانِ) لا

стр. 1532

وَعُلِمَ شُرْبهُ طَوْعًا، === رجلٌ وامرأَتان (وَعُلِمَ شُرْبُهُ طَوْعَاً) قيّد بالطوع، لأن الشرب إِكراهاً أَوْ ضرورةً لا يُوجب الحدّ. وإِنّما قيّدنا النبيذ بالمحرّم، لأنه الذي يُحَدّ عندنا من كثيره وهو ما أَسكر، لا من قليله وهو ما لا يسكر، وبه قال النَّخَعِي وأَبو وائل. وقال مالك والشّافعيّ وأَحمد والأوزاعيّ والحسن وقَتَادة وعمر بن عبد العزيز: يُحَدُّ في قليله وكثيره كالخمر. وقال أَبو ثَوْر: من شرِبَه متأَوِّلاً، فلا حدّ عليه، لأنه مختلف فيه، فأَشبه النكاح بلا وليّ. ولنا ما روى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه»: أَنْ عمر بن الخطاب ساير (١) رجلاً في سفرٍ ـ وكان صائماً ـ فلما أَفطر أَهوى إِلى قِرْبةٍ (٢) لعمر معلّقة فيها نبيذٌ، فشرب منها فسكر، فضربه عمر الحدّ. فقال: إِنّما شربت من قِرْبتك، فقال له عمر: إِنما جلدتك لسُكْرك. وشرب رجلٌ من إِدَاوَة (٣) عليّ ﵁ (نبيداً) (٤) بِصِفِّين فسَكِر، فضربه الحدّ ثمانين. وفي «سنن الدَّارَقُطْنِيّ» عن ابن عمر: أَنْ رسول الله ﷺ أُتِيَ برجلٍ قد سَكِر من نبيذ تمر فجلده. وفي «مسند ابن رَاهُويَه» عنه أَيضاً قال: أُتِي النبيّ ﷺ بسكران فضربه الحدّ، وقال له: «ما شرابُك؟» قال: تمرٌ وزبيبٌ. فقال: «لا تخلطوهما جميعاً، يكفي أَحدهما من صاحبه». وفي «الجامع» للمَحْبُوبي: السُّكْر من هذه الأشربة المتّخذة من الحبوب كالحِنْطَة والشعير والذرة والعسل والفِرْصَاد ـ وهو التوت الأسود ـ وغيرها حرامٌ بالاتفاق، لأن السُّكْر من البَنْج (٥) حرامٌ، مع أَنه مأْكولٌ غير مشروبٍ، فمن المشروب أَولى. وبعض المشايخ قال: في زماننا الفتوى على من سَكِر من البَنْج يقع طلاقه، ويحدّ لِفُشو هذا الفعل بين الناس. واعلم أَنه يحدّ لشُرب الخمر ولو قطرةً، لقوله ﵊: «مَنْ شرب الخمر فاجلدوه»، إِلى أَنْ قال: «فإِن عاد الرابعة فاقتلوه». رواه أَصحاب السنن من حديث معاوية، ولفظه من حديث أَبي هريرة: «إِذا سَكِر فاجلدوه» .... الحديث. ورواه النَّسائي عن ابن عمر وجابر وغيرهما من أَصحاب رسول الله ﷺ باللفظ الأوَّل. وروى

стр. 1533

يُحَدُّ صَاحِيًا. === البزَّار في «مسنده» عن ابن إِسحاق: أَنه ﷺ أُتِيَ بالنُّعْمَان قد شرب الخمر ثلاثاً، فأَمر به فضُرِبَ، فلمّا كان الرابعة: أَمر به فجُلِدَ الحدّ، فكان نسخاً. (يُحَدُّ) إِذا كان بالغاً عاقلاً، وهذا خبر المبتدأْ الذي هو مَنْ أُخِذ، أَي يحدّ الحرُّ ثمانين سوطاً، والعبدُ نصفها، وبه قال مالك وأَحمد في روايةٍ، واختاره ابن المُنْذِر (صَاحِيَاً) وهو قول مالك والشافعي (وأَحمد) (١) ليحصل المقصود من الحدّ وهو الانزجار، ولأن عمر حدّ الذي شرب من قِرْبته بعد الإفاقة كما رواه عبد الرَّزَّاق. وقال الشافعيّ وأَحمد في روايةٍ: يُحَدُّ الحر أَربعين والعبد نصفها، ولو ضُرِبَ قريباً من ذلك بأَطرافِ الثياب والنعال كفى على الأصحّ عنده، ولو رأَى الإمام أَنْ يجلده ثمانين جاز على الأظهر، وفي وجهٍ يتعيّن الجلد بالسياط. روى البخاري في «صحيحه» من حديث السائب بن يزيد قال: كنّا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ ، وإِمرة أَبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، فنقوم إِليه بأَيدينا ونعالنا وأَرديتنا حتّى كان آخر إِمرة عمر، فجلد أَربعين، حتّى إِذا عَتَوا أَوْ فسقوا جلد ثمانين. وروى مسلم من حديث أَنس بن مالك: أَنْ النبي ﷺ أُتِي برجلٍ قد شرب الخمر فضربه بجريدتين نحو الأربعين، وفعله أَبو بكر، (فلمَّا كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عَوْف: أَخفُّ الحدود ثمانون، فأَمر به عمر) (٢) . وفيه عن أَنس أَيضاً: أَنْ النبي ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال، ثم جلد أَبو بكر أَربعين. فلمّا كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى. قال: ما ترون في جلد الخمر، فقال عبد الرحمن بن عَوْف: أَرى أَنْ تجعله (ثمانين) (٣) كأَخف الحدود. قال: فجلد عمر ثمانين. وروى مالك في «الموطأ» عن ثور بن زيد الدِّيْليّ (٤) ، عن عمر بن الخطاب: أَنه استشار في الخمر (يشربها الرجل) (٥) . فقال له عليّ بن أَبي طالب:

стр. 1534

لا بِمُجَرَّدِ الرِّيْحِ أَوْ التَّقَيؤ، أو السُّكْرِ، ولا إنْ رَجَعَ عن الإقرار، ومَنْ شَهِدَ بحَدٍّ مُتقَادِمٍ قريبًا من إمَامٍ رُدَّ، === نرى أَنْ تجلده ثمانين، فإِنه إِذا شرب سَكِر، وإِذا سَكِرَ هَذَى، وإِذا هَذَى افترى (وعلى المفتري ثمانون) (١) فجلد عمر في الخمر ثمانين. وفي «مصنف عبد الرَّزَّاق»: أَخبرنا سفيان الثوري، عن عوف (٢) ، عن الحسن: أَنْ النبي ﷺ ضرب في الخمر ثمانين. (لا بِمُجَرَّد الرِّيْح) أَي لا يحدّ من لم يوجد منه إلاّ ريح الخمر (أَوْ) لم يوجد منه إلاَّ (التقيؤ) أي تقيؤ الخمر لاحتمال أنه شربها مُكْرَهاً أو مضطراً (أو) لم يوجد منه إِلاّ (السُّكْرِ) لاحتمال أَنه سكر من مباحٍ. وقال مالك، وهو روايةٌ عن أَحمد: يحدُّ من وُجِدَ منه رائحة الخمر، لأن رائحتها منه تدلّ على شربها، فصار كإِقراره بالشرب. وأُجيب: بأَن رائحتها وإِن دلت على شربها، إِلاّ أَنه يحتمل أَنْ يكون مكرهاً أَوْ مضطراً، والحدُّ لا يجب بالشرب إِلاّ إِذا عُلِمَ أَنه طائعٌ غير مضطرٍ. (وَلَا إِنْ رَجَعَ) أَي ولا يحد المقرّ إِنْ رجع (عَنْ الإقْرَارِ) بالشرب قبل الحد، أَوْ في وسطه، لأنه خالص حقّ الله، فيعمل الرجوع فيه كالزنا، بخلاف حدّ القذف والقصاص لأنهما من حقوق العباد. (وَمَنْ شَهِدَ بِحَدٍ مُتَقَادِمٍ) أَي حدّ كان، حال كونه (قَرِيْبَاً مِنْ إِمَامٍ رُدَّ) خلافاً لمالك والشافعيّ وأَحمد في روايةٍ اعتباراً بالشهادة في حقّ العباد. ولنا ما ذَكَر محمد في «الأصل» عن عمر أَنه قال: أَيُّما شهودٍ شهدوا على حدَ لم يشهدوا عند حضرته، فإِنما شهدوا على ضِغْن، فلا شهادة لهم. ولأن الشاهد متى عاين الزنا ونحوه فهو مخيّرٌ بين حِسْبَتَيْن: حِسْبَة آداء الشهادة ليقام الحدّ فيحصل الانزجار، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيْمُوا الشَّهَادَة﴾ (٣) ، وحِسْبة السَّتر على المسلم بالامتناع عن الشهادة، فإِن الشرع ندبنا إِلى الستر بقوله تعالى: ﴿إِنّ الَّذِيْنَ يُحِبُّوْنَ أَنْ تَشِيْعَ الفَاحِشَةُ﴾ (٤) الآية، وقوله ﵊: «مَنْ ستر على مسلمٍ ستره الله في الدنيا والآخرة» (٥) . فتأْخير هذه الشهادة مع إِمكان أدائها إِنْ كان للستر فيتهم بأَنه

стр. 1535

إلا في قذفٍ، وَضَمِنَ السَّرِقَةَ، وإن أَقَرَّ به حُدَّ، وَهُوَ للشُّرْبِ بِزَوَالِ الرِّيْح، === إِنما أَقدم عليها بعد ذلك لضغينة أَوْ عداوة فتردّ، وإِن كان لا للستر فهو فسق (لأن أَداء الشهادة واجبٌ، وتأخير الواجب فسقٌ) (١) وشهادة الفاسق مردودة، ولهذا قلنا في حق العباد. وإِذا طلب المدَّعي من الشاهد أَداء الشهادة، فأَخّر بلا عذرٍ ثم أَدّى، لا تقبل شهادته مع إِمكانه (إِلاّ في) حدّ (قَذْفٍ) فإِنه لا يردّ، لأن تأْخيرها فيه لعذر شرعي، وهو عدم الدَّعوى، لأن الدعوى شرطٌ في حدّ القذف كسائر حقوق العباد. (وَضَمِنَ) السارق بالشهادة المتقادمة (السَّرِقَةَ) أَي المسروق، لأن التقادم يمنع الشهادة في حقّ الحدّ للتهمة، ولا يمنعها في حقّ المال، لأن المال يثبت مع الشبهة (٢) ، فصار كما لو شهد رجل وامرأَتان بالسرقة حيث يضمن السارق المال ولا يقطع. (وَإِنْ أَقرَّ به) أَي بحدَ متقادِم (حُدَّ). وقال زُفَر: لا يُحَدّ اعتباراً بالشهادة. وأُجِيْبَ: بأَن الشهادة قد تُهَيِّجُهُ عليها عداوةٌ حادثة، بخلاف الإقرار لانتفاء تُهمِة الضغينة فيه، لأنه لا يعادي نفسه، ولأن الإقرار لا يَبْطُل بالتهمة والفسق. (وَهُوَ) أَي التقادم (للشُّرْبِ) من خمر أَوْ غيرها (بِزَوَالِ الرِّيْح) عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف، وبِمُضِي شهرٍ عند محمد كما في الحدود. لهما ما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، والطَّبَرَانِي في «معجمه»، وإِسحاق بن رَاهُويه في «مسنده»، عن أَبي ماجد الحنفي قال: جاء رجلٌ بابن أَخٍ له سكران إِلى عبد الله بن مسعود، فقال عبد الله: تَرْتِرُوه ومَزْمِزُوه واستنكهوه، ففعلوا فرفعه إِلى السجن، ثم دعا به من الغد ودعا بسوطٍ ثم أَمر (به فدُقَّت) (٣) ثمرته بين حجرين حتى صارت دِرَّةً (٤) ، ثم قال للجلاّد اجلد، (وأَرجع يدك) (٥) ، وأَعط كل عضوٍ حقّه. والتَرْتَرَة بمثناتين فوقيتين وراءين مهملتين: التحريك، وكذا المَزْمَزَة بزائين معجمتين. والحاصل: أَنَّ بقاء ريح الخمر والنبيذ شرطٌ لإقامة الحدّ عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف، إِلاَّ أَنْ ينقطع لبعد مسافة عن الإمام، لقول ابن مسعود. ونفى محمد اشتراط بقائه كمالك والشافعيّ، وهو الصحيح، لإطلاق ما رُوِّينا من قوله ﵊:

стр. 1536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === «مَنْ شرب الخمر فاجلدوه» (١) ، وقوله: «إِذا سَكِرَ فاجلدوه» (٢) . ولأن وجود الرائحة لا يصلح دليلاً، إِذْ قد يتكلف لزوالها مع بقاء الخمر، وقد يوجد رائحة الخمر من غير خمرٍ كما قيل: *يَقُولُوْنَ لِي: إِنَّكَ شَرِبْتَ مُدَامَةً (٣) ** فَقُلْتُ لَهُمْ: لَا بَلْ أَكَلْتُ سَفَرْجَلَا وقيل: *سَفَرْجَلَةٌ تحْكِي ثَدْيَ النَّوَاهِدِ ** لَهَا عَرْفُ (٤) ذي فِسقٍ وصُفْرَةُ زَاهِدِ فظهر أَنْ رائحة الخمر تلتبس بغيرها، فلا يُنَاط شيء من الأحكام بوجودها ولا بعدمها. ولو سلّمنا أَنها لا تلتبس على ذوي المعرفة، فلا موجِب لتقييد العمل بالبيّنة بوجودها، لأن المعقول تَقَيُّد قبولها بعدم التهمة، والتهمة لا تتحقّق في الشهادة بوقوعها بعد ذهاب الرائحة بل بتأْخير الأداء تأْخيراً يعدّ تفريطاً، وذلك منتفٍ في تأْخير يومٍ ونحوه، وبه تذهب الرائحة. ومحل النزاع في عدم قبول الشهادة عند عدم الرائحة، وليس في أَثر ابن مسعود شهادةٌ مُنِعَ من العمل بها لعدم الرائحة وقت أَدائها، بل ولا إِقرارٌ، وإِنما فيه أَنه حدّه بظهور الرائحة بالتَرْتَرَة المَزْمَزة، وإِنما فَعَله لأن بالتحريك تظهر الرائحة من المعدة التي كانت خفيت، وكان ذلك مذهبه، ويدلّ عليه ما في الصحيحين عنه: أَنه قرأَ سورة يوسف، فقال رجلٌ: ما هكذا أُنْزِلَت، فقال عبد الله: والله لقد قرأْتها على رسول الله ﷺ ، فقال: أَحسنت فبينا هو يكلّمه إِذْ وجد منه رائحة الخمر، فقال أَتشرب (الخمر) (٥) وتكذب بالكتاب؟ فضربه الحدّ. وروى الدَّارَقُطْنِيّ بسندٍ صحيحٍ عن السائب بن يزيد، عن عمر بن الخطاب، أَنه ضرب رجلاً وجد منه ريح الخمر. والحاصل أَنْ حده عند وجود الريح مع عدم البيّنة أَوْ الإقرار لا يستلزم اشتراط الرائحة مع أَحدهما. ثم هو مذهب بعض العلماء منهم مالك، وهو قولٌ للشافعي (وروايةٌ عن أَحمد) (٦) ، والأصحّ عن الشافعي وأَكثر أَهل العلم نفيه. هذا ملخص كلام بعض أَهل التحقيق، والله ولي التوفيق.

стр. 1537

ولِغَيْرِهِ بِمُضِيّ شَهْرٍ، فَإِنْ شَهِدَ بِزِنَا وَهِيَ غَائِبَةٌ حُدَّ، وَبِسَرِقَة من غائبٍ لا. ونُصِّفَ حَدُّ العبد. وَيَكْفِي حَدٌّ بِجِنَايَاتٍ اتحَدَ جِنْسُهَا. === (ولِغَيْرِهِ) أَي الشُّرب (بِمُضِيّ شَهْرٍ) عند أَبي يوسف ومحمد، وبالتفويض إِلى رأي القاضي عند أَبي حنيفة. وقيل: يقدّر بنصف الشهر، والأول أَصحّ، وهو رواية عن أَبي حنيفة. (فَإِنْ شَهِدَ) على رجلٍ (بِزِنَا) بفلانةٍ أَوْ أَقرّ رجلٌ أَنه زنا بفلانَةٍ (وَهِيَ غَائِبَةٌ) أَوْ أَقرّ بالزنا بمجهولةٍ (حُدَّ) ذلك الرجل باتفاق الأئمة. (وَ) إن شهد على رجلٍ (بسرقة من غائبٍ لا) أي لا يقطع. (ونُصِّف حَدُّ العبد) فيجلد في الزنا خمسين، وفي غيره أَربعين لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ (١) (أَي من الجلد) (٢) والآية وإِن كانت في الإماء إِلاّ أَنه يُعْرَف منها حُكْم العبد بطريقِ الدِّلالة. (وَيَكْفِي حَدٌّ) واحدٌ (بِجِنَايَاتٍ اتحَدَ جِنْسُهَا) فمن قذف جماعةً بكلمةٍ واحدةٍ بأَن قال: يا زناة، أَوْ بكلمات متفرقةٍ بأَن قال: يا زيد أَنت زانٍ، ويا عمرو أَنت زانٍ، ويا خالد أَنت زانٍ، لا يُقَام عليه إِلاّ حدٌ واحدٌ. وكذا مَنْ زنى مراراً، وشرب مراراً يكفيه حدٌّ واحدٌ، وبه قال مالك، والثَّوْرِيّ، وابن أَبي لَيْلَى، والشَّعْبِيّ، والزُّهْرِيّ، والنَّخَعِي وقَتَادة وحمَّاد وطاوس، وأَحمد في روايةٍ. وقال الشافعيّ: إِنْ قذف جماعةً بكلماتٍ، أَوْ واحداً مرات بزناً متعددٍ، يجب لكل قذف حدٌّ، وبه قال أَحمد في روايةٍ بناءً على أَنْ الغالب في حدّ القذف عنده حقّ الآدمي، فلا يتداخل كالديون والقصاص، بخلاف ما لو قذفهم بكلمةٍ واحدةٍ حيث يتداخل في القديم دون الجديد، أَوْ قذف واحداً مرات بزناً واحدٍ حيث يتداخل. وعندنا الغالب في حدّ القذف حقّ الله تعالى، فيكون مُلحَقاً بحدّ الزنا والشرب. وأَمّا الجناياتُ المختلفةُ الجنس فلا تتداخل إِجماعاً، لأن المقصود من كل جنسٍ غير مقصود من الآخر، فحدّ الزنا لصيانة الأنساب، وحد السرقة لصيانة الأموال، وحد الشرب لصيانة العقول، وحد القذف لصيانة الأعراض. فلو قذف وزنا وسرق وشرب يُقَام عليه لكل واحدٍ حَدُّه، ولا يوالي بين حَدَّين خِيفةَ هلاكه بل ينتظر حتى يبرأَ من الأوّل، ويبدأَ بحدّ القذف، لأن فيه حقّ العبد، ثم الإمام مخيّر إِنْ شاء بدأَ بحدِّ الزنا، وإِن شاء بالقطع لاستوائهما في القوة إِذْ هما ثابتان بالكتاب، ويؤخّر حدّ الشرب، لأنه أَضعف منهما. ولو كان مع هذه جراحة توجب القصاص بدأ بالقصاص، لأنه حقّ العبد، ثم حدّ القذف، ثم الأقوى فالأقوى، والله تعالى أَعلم بالصواب.

стр. 1538

فَصْلٌ في التَّعْزِيرِ وَأَكْثَرُ التَّعْزِيْرِ تِسْعَةٌ وَثَلاثوْنَ سَوْطًا، === فصلٌ فِي التَّعْزِيْرِ وهو تأديبٌ دون الحد مشتقٌ من العَزْر بمعنى الردع والزجر. وهو مشروعٌ بالكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيْلاً﴾ (١) أَمر بضرب الزوجات تهذيباً وتأَديباً. وبالسنة وهو ما رواه محمد بن الحسن مرسلاً (عن الضَّحَّاك بن مزاحم، والبيهقي) (٢) عن النّعْمَان بن بشير: «من بلغ حدًّا، في غير حدَ، فهو من المعتدين». وقال ﵊ في الصبيان: «اضربوهم لعشرةٍ» (٣) . لترك الصلاة، وبإِجماع الصحابة. وهو قد يكون بالكلام العنيف، وقد يكون بتحريك (٤) الأُذُن، وبالصفع وبالضرب. (وَأَكْثَرُ التَّعْزِيْرِ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُوْنَ سَوْطَاً) عند أَبي حنيفة، وخمسٌ وسبعون سوطاً عند أَبي يوسف في ظاهر الروايات عنه، وهو قول ابن أَبي ليلى. وفي روايةٍ: تسعٌ وسبعون. وقول محمد ذكره بعضُهم مع أَبي حنيفة، وبعضهم مع أَبي يوسف. والأصل في هذا ما أَخرجه البيهقيّ عن النُّعمان بن بشير ـ وقال: المحفوظ أَنه مرسلٌ ـ أَنه ﷺ قال: «من بلغ حدّاً، في غير حدّ، فهو من المعتدين». أَي من أَتى حدّاً في موضعٍ لا يجب فيه الحدّ، فهو من المعتدين، فلزم أَنْ لا يبلغ به حدّاً. إِلاّ أَنْ أَبا حنيفة اعتبر أَدنى الحدِّ، وهو (حدُّ) (٥) العبد، وأَقلّه أَربعون، لأن مطلق الحدّ يتناوله، وأَبو يوسف اعتبر حدَّ الأحرار، لأنهم الأُصول، وأَقلُّه ثمانون، فينقص عنه سوطاً في رواية هشام عنه، وهو القياس، وبه قال زُفَر، وفي روايةٍ: خمسة، وهو مأْثور عن عليّ فقلّده. ولأن أَقصى حدّ الأحرار مئة، وأَقصى حدّ العبد خمسون، فوجب أَنْ يُحَدَّ نصف كل واحدٍ منهما، وذا خمسة وسبعون. وقال مالك: لا حدّ لأكثر التعزير، فيجوز للإمام عنده أَنْ يزيد في التعزير على الحدّ إِذا رأَى المصلحة في ذلك، ولا يَبْعُد أَنْ يعمل

стр. 1539

وَأَقَلُّهُ ثَلاثَةٌ. وصَحَّ حَبْسُهُ مَعْ ضَرْبِهِ، وَضَرْبُهُ أَشَدُّ، ثُمَّ للزِّنَا، ثُمَّ لِلْشُّرْبِ، ثُمَّ لِلْقَذْفِ، === بقول أَبي حنيفة في العبيد، وبقول أَبي يوسف في الأحرار. (وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ) هكذا ذكره القُدُورِيّ، وكأَنه يرى أَنْ ما دون الثلاثة لا يقع به الزجر. وذكر التُمُرْتَاشي عن السَّرَخْسِيّ: أَنه ليس فيه شيءٌ مقدّر، بل مفَوَّضٌ إِلى رأْي القاضي، لأن المقصود منه الزَّجر، وأَحوال الناس مختلفة فيه: فمنهم من ينزجر بالنصيحة، ومنهم مَنْ يحتاج إِلى اللَّطمة، ومنهم مَنْ يحتاج إِلى الضَّرْب، ومنهم من يحتاج إِلى الحبس. وفي النهاية: تعزير أَشراف الأشراف ـ وهم العلماء والعلوية ـ بالإعلام، وهو أن يقول له القاضي: بلغني أنك تفعل كذا؛ وتعزيز الأَشراف وهم الأمراء والدَّهَاقِين (١) : بالإعلام والجرّ إِلى باب القاضي والخصومة في ذلك؛ وتعزير الأوساط وهم السُّوقة: بالإعلام والجر والحبس. وتعزير الأَخِسّة: بهذا كلّه والضرب. وسُئِلَ الهِنْدُواني عن رجلٍ وجد رجلاً مع امرأَته أَيحل له قتله؟ قال: إِنْ كان يعلم أَنه ينزجر بالصياح والضرب بما دون السلاح لا يحلّ له قتله، وإِن علم أَنه لا ينزجر بذلك حلّ له قتله، وإِن طاوعته المرأَة حلّ له قتلها أَيضاً. وعن أَبي يوسف: يجوز للسلطان أَنْ يعزِّر بالمال (مثل أَموال البغاة فليُحفظ) (٢) . وقال أَبو حنيفة ومالك والشافعيّ وأَحمد: لا يجوز. ثم التعزير فيما شُرِعَ فيه واجبٌ إِذا رآه الإمام، وبه قال مالك وأَحمد. وقال الشافعيّ: ليس بواجبٍ. ولنا أَنه زاجرٌ مشروعٌ، فيجب كالحدّ. (وصَحَّ حَبْسُهُ مَعْ ضَرْبِهِ) إِذا رأَى الإمام فيه مصلحة. (وَضَرْبُهُ) أَي ضرب التعزير (أَشَدُّ) من ضرب الحدود، لأن ضرب التعزير خُفِّفَ من حيث الكميةُ (٣) ، فلا يخفَّف من حيث الكيفيةُ لئلا يؤدي إِلى فوت المقصود الذي هو الزجر بالكلية. وفي «المحيط»: أَنْ محمداً ذكر في حدود «الأصل»: أَنْ التعزير يفرَّق على الأعضاء، وذكر في أَشربة «الأصل»: أَنْ ضرب التعزير يكون في موضع واحدٍ. (ثُمَّ) الحدّ (للزِّنَا) لأنه ثابتٌ بالكتاب بخلاف حدّ الشرب، فإِنه بقول الصحابة كما تقدّم (ثُمَّ) الحدّ ((لِلْشُّرْبِ ثُمَّ) الحدّ) (٤) (لِلْقَذْفِ) لأن جناية الشرب بلا شُبْهة

стр. 1540

وَهُوَ بِقَذْفِ مَمْلُوْكٍ أَوْ كَافِرٍ بِزِنًا، ومُسْلِمٍ بِـ: يَا فَاسِقُ، يَا كَافِرُ، يَا سَارِقُ، يا مُخَنَّثُ، وأَمْثَالُهُ. لا بِـ: يَا حِمَارُ. === لمشاهدة الشرب مع الرائحة، وجناية القذف بشبهة، وهي احتمال كون القاذف صادقاً. وقال مالك: كلّها سواءٌ، لأن المقصود من جميعها واحدٌ، وهو الزجر، فيجب تساويها في الوصف. وقال أَحمد: أَشدّ الضرب الحدُّ للزنا، ثم الحدُّ للقذف، ثم الحد للشرب، ثم التعزيز، لأن الله تعالى خصّ الزنا بمزيد التأْكيد لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ في دِيْن اللَّهِ﴾ (١) ولا يمكن جَعْلُ ذلك في العدد، فيتعين جعله في الصِّفة، وحدّ القذف فيه حقّ الآدمي، وحد الشُّربَ مَحْضُ حقّ الله تعالى. (وَهُوَ) أَي التعزير (بِقَذْفِ مَمْلُوْكٍ) (لغيره) (٢) (أَوْ كَافِرٍ بِزِنَاً) لأن هذه جناية قذف، وقد امتنع الحدّ لعدم الإحصان، فيجب التعزير. (و) بقذف (مُسْلِمٍ بِـ: يَا فَاسِقُ، يَا كَافِرُ، يَا سَارِقُ، يا مُخَنَّثُ وأَمْثَالُهُ) وهي: يا خَائِنٌ، أَي: يا ناكث العهد، يا ابن القَحْبَة (٣) ، وهي كلمة مُوَلَّدة، والقِحَاب: سعال الخيل والإبل، وربّما يجعل للناس. يا يهوديّ، يا نصرانيّ، يا ابن النصرانيّ، يا من يلعب بالصبيان، يا آكل الرِّبا، يا شارب الخمر، يا دَيُّوث، يا فاجرٌ، يا منافقٌ، يا لصٌ، يا زِنْديقٌ، يا خبيثٌ، يا قَرْطَبان، يا مأوى الزواني أَوْ اللصوص، يا حرامٌ زاده، يا موسوسٌ، يا أَبله، يا أَحمق. لأنه آذاه بإِلحاق الشَّيْن به إِذا لم يُثبت هذه الأشياء، فيعزّره القاضي بما يراه. قال ثعلب: القَرْطَبان: لم أَره في كلام العرب، ومعناه عند العامة: الذي يرضى بدخول الرِّجال على نسائه، وكذلك الدَّيُّوث. ولو قال: يا لوطيّ يُسْأَل عن نيته، فإِن أَراد أَنه من قوم لوطٍ، فلا شيء عليه. وإِن أَراد أَنه يَعْمل عمل قوم لوطٍ إِما فاعلاً أَوْ مفعولاً، فعليه الحدّ عند أَبي يوسف ومحمد كمالك والشافعيّ وأَحمد والحسن والنَّخَعِي والزُّهْرِيّ وأَبي ثور، لأنه قذفه بما يُوجِب الحدَّ عندهم، فصار كما لو قذفه بالزنا. وعند أَبي حنيفة لا حدّ عليه ويعزّر، لأنه قذفه بما لا يوجِب الحدّ عنده، وبه قال قَتَادة وعطاء، والصحيح أَنه إِنْ كان في غضب يعزّر. (لا بِـ: يَا حِمَارُ) يا كلبُ، يا خنزيرُ، يا تيسُ، يا ثورُ، يا بقرُ، يا حيةُ، يا بِغَاء (٤) ،

стр. 1541

وَقِيْلَ: إِلَّا لِعَالِمٍ أَوْ عَلَوِيٍّ. وَمَنْ حُدَّ أَوْ عُزِّرَ فَمَاتَ، هُدِرَ دَمُهُ. وإن عَزَّرَ زَوْجٌ عِرْسَهُ، === يا مؤاجِرة (١) ، يا ولد الحرام، يا عَيَّار (٢) ، يا ناكس (٣) ، يا منكُوس (٤) ، يا سُخَرَة، يا ضُحْكَة، يا ابن الأسود، وأَبوه ليس كذلك، لأن المقذوف لا يلحقه شَيْنٌ بهذا الكلام، وإِنما يَلْحَق القاذف إِذْ كل أَحد يعلم أَنْ المقذوف آدمي وليس بكلبٍ ولا حمارٍ، وأَن القاذف كاذبٌ في ذلك. وحكى الهِنْدُوَاني أَنه يعزَّر في زماننا بنحو يا كلب يا خنزير، لأنه يُرَاد به الشتم، وهو رواية عن أَبي يوسف في «الأمالي». وعدم التعزير في الكلب والخنزير ونحوهما هو ظاهر الرواية عن علمائنا الثلاثة. (وَقِيْلَ: إِلاَّ) إِذا قاله (لِعَالِمٍ أَوْ عَلَوِيَ) فإِنه يعزّر لأنه يعدّ شيْنَاً في حقّهم، ويلحقهم الأذى به. واسْتُحْسِنَ هذا في «الهداية» و «الكافي». (وَمَنْ حُدَّ أَوْ عُزِّرَ فَمَاتَ هُدِرَ دَمُهُ) وبه قال أَحمد. وقال مالك: إِذا ضربه تعزيراً مثله. وقال الشّافعيّ: لا يهدر، وفي محل الضمان عنه قولان: أَحدهما: بيت المال، لأنه عاملٌ للمسلمين، فيكون غُرْم عمله عليهم. والثاني: عاقلة الإمام لأن الضرب غير متعيّن في التعزير، فيكون فعله مباحاً، فيتقيّد بشرط السلامة ولم توجد، فيجب على عاقلته كالمرور في الطريق. ولنا: أَنْ الإمام مأْمورٌ بِالحدِّ والتعزيز (٥) ، وفعل المأمور لا يتقيّد بشرط السلامة كما في الفَصَّاد (٦) والحَجَّام (٧) إِذا لم يتجاوزا الموضع المعتاد، بخلاف المرور في الطريق، فإِنه غير مأْمورٌ به، ولأن فعل الإمام بأَمر الشرع، فيكون منسوباً إِلى الآمر، فكأَنه مات حتف أَنفه، فلا يضمن. (وَإِنْ عَزَّرَ زَوْجٌ عِرْسَهُ) (٨) على تَرْك الزينة، أَوْ

стр. 1542

لا. === الإجابة إِذا دعاها إِلى فراشه، أَوْ على الخروج من بيته فماتت (لا) أَي لا يُهدر دمها بل يضمن، لأن تعزيره إِيّاها على هذه الأشياء مباحٌ ترجع منفعته إِليه لا إِليها، فيتقيّد بشرط السلامة. وعلى هذا ينبغي أَنْ لا يَضْرِب امرأَته على ترك الصلاة، أَوْ على ترك غُسل الجنابة، لأن منفعة ذلك عائدةٌ إِليها. وقد ذكر الحاكم: أَنه لا يضرب امرأَته على ترك الصلاة، ويضرب ابنه عليها. فإِن قيل: إِذا جامع امرأَته فماتت من الجِماع، أَوْ أَفضاها لا يجب شيءٌ عند أَبي حنيفة ومحمد رحمهما الله مع أَنْ جِمَاعَه مباحٌ، ولم يقيّداه بشرط السلامة. أُجِيْبَ: بأَنه قد ضمن المهر بذلك الجِماع، فلو وجب عليه شيءٌ أَيضاً لزم وجوب ضمانين في مقابلة مضمونٍ واحدٍ، وهو منافع البُضْع، وذلك لا يجوز. ولو أَدّب المعلم الصبيّ فمات منه، يضمن عندنا، وعند الشافعيّ، و (قال) (١) مالك وأَحمد: لا يضمن الزوج ولا المعلِّم في التعزير، ولا الأب في التأْديب، ولا الجدّ، ولا الوصي إِذا ضربه ضرباً معتاداً. ولو ضربه ضرباً شديداً لا يُضْرَب مِثْلُه في التأْديب يضمن بإِجماع الفقهاء، والله تعالى أَعلم بالصواب.

стр. 1543

كِتَابُ السَّرِقةِ هِيَ أَخْذُ مُكَلَّفٍ خُفْيَةً قَدْرَ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ مَضْرُوْبَة، مَمْلُوْكًا مُحْرَزًا، بِلا شُبْهَةٍ بِمَكَانٍ أَوْ حَافِظٍ === كتاب السَّرِقَةِ هي لغةً: أَخذ الشيء من الغير على وجه الخُفْيَة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ (١) . وشرعاً: (هِيَ أَخْذُ مُكَلَّفٍ) أَي عاقلٍ بالغ (خُفْيَةً) في الابتداء والانتهاء إِذا كان الأخذ نهاراً، وفي الابتداء لا غير إِذا كان ليلاً حتّى لو دخل بالليل خُفْيةً وأَخذ المال مجاهرةً يقطع، لأن اعتبار الخُفْيَة بالليل في الانتهاء يؤدي إِلى عدم القطع في أَكثر السرقات الليلية، إِذْ أَكثرها تصير مقاتَلَة في الانتهاء، بخلاف النّهار في المِصْر، لأن الغَوْث يلحقه فيه، وما بين العِشاءين كالنهار في الأصحّ (قَدْرَ عَشْرَةِ دَرَاهِمٍ مَضْرُوْبَةٍ) جيدة في الأصح. وروى الحسن عن أَبي حنيفة ﵀: أَنْ المضروب وغير المضروب سواءٌ، ويعتبر وزن كل عشرة سبع مثاقيل (٢) كما في الزكاة، أَوْ ما يبلغ قيمته وزن عشرة دراهم بقول رجلين عدلين، لأنه من باب الحدود. (مَمْلُوْكَاً) ذلك القدر، احترازٌ عن نحو حصير المسجد وأَستار الكعبة ممّا ليس بمملوكٍ للعباد، ولا بدّ من قيد لا شركة له فيه ولا شبهة. (مُحْرَزَاً) أَي محفوظاً، احترازاً عن نحو باب الدّار والزرع الذي لم يحصد. (بِلَا شُبْهَةٍ) احترازٌ عن المُحْرَز المصاحب لشبهة، كالمأْخوذ من بيت ذي الرَّحِم المَحْرَم (بِمَكَانٍ) سواء أَمكن الدُّخول فيه كالبيت والدَّار والخيمة أَوْ لا كالجُوالِق (٣) . (أَوْ حَافِظٍ) كالجالس عند ماله في الطريق أَوْ في المسجد، حتى لو سرق شيئاً من تحت رأَس نائم في الصحراء أَوْ في المسجد يقطع. وقال الحسن وداود وابن بنت الشافعيّ: ليس للسرقة نصابٌ مقدّرٌ لإطلاق الآية، ولما روى الشيخان عن أَبي هُرَيْرَة قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله السارق يسرقُ البيضةَ فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده». وأُجيب عن الآية بأَنها مقيّدة بالنصاب كما هي مقيّدة بالمال، وبأَنّ الحديث

стр. 1544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال فيه البخاري: قال الأعمش: كانوا يَرَوْن أَنه بيض الحديد، والحبل كانوا يروْن أَنْ منه ما يساوي دراهم. وقال مالك وأَحمد: نصاب السرقة ربع دينارٍ، أَوْ ثلاثة دراهمٍ. وقال الشافعيّ والأوزاعي والليث: ربع دينارٍ لِمَا روى الشيخان عن عائشة عن النبيّ ﷺ أَنه قال: «لا تقطع يد السارق إِلاّ في ربع دينارٍ فصاعداً». لكن قال مالك وأَحمد: الثلاثة دراهم قدر ربع دينار، لأن صرف الدينار على عهد رسول الله ﷺ كان باثني عشر درهماً، ولما في «الصحيحين» عن ابن عمر: أَنْ رسول الله ﷺ قطع سارقاً في مِجَنَ (١) قيمته ثلاثة دراهم. وفي «الموطأ» من حديث عَمْرة ابنة عبد الرحمن: أَنْ سارقاً سرق في زمن عثمان بن عفَّان أُتْرُجَّة (٢) ، فأَمر بها عثمان فقُوِّمت بثلاثة دراهمٍ من صرف اثني عشر درهماً بدينارٍ، فقطع عثمان يده. قال مالك: أَحبّ ما يجب فيه القطع إِلى ثلاثة دراهم سواء اتَّضع الصرف أَوْ ارتفع، وذلك لأنه ﵊ قطع في مِجَنّ قيمته ثلاثة دراهم، وقطع عثمان في أُتْرُجَّة قيمتها ثلاثة دراهم، وهذا أَحب ما سمعته. وفي «مسند أَحمد» عن عائشة، عن النبي ﷺ أَنه قال: «اقطعوا في ربع دينارٍ، ولا تقطعوا فيما هو أَدنى من ذلك». فكان ربع الدينار يومئذٍ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهماً. ولنا ما روى الطَّبَرَاني قال: حدَّثنا محمد بن نوح بن حرب: حدَّثنا خالد ابن مِهْرَان: حدثنا أَبو مُطِيْع البَلْخِيّ، عن أَبي حنيفة ﵀، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن (أَبيه، عن) (٣) عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ أَنه قال: «لا قطع إِلاَّ في عشرة دراهمٍ». وما أَخرجه الطَّحَاوِي في «شرح الآثار» عن أَمْ أَيمن أَنها قالت: قال رسول الله ﷺ «لا تُقْطَعُ يد السارق إِلاَّ في حَجَفَة» أَي مِجَنَّة كما في نسخةٍ، وقوِّمت يومئذٍ على عهد رسول الله ﷺ بدينارٍ أَوْ عشرة دراهم. ورواه الطَّبَرَانِيّ في «معجمه» أَيضاً. وهو حديثٌ إِمّا منقطعٌ أَوْ مرسلٌ، ولكنه يتقوَّى بغيره من الأحاديث المرفوعة والموقوفة، فمن المرفوعة: ما أَخرجه أَبو داود في «سننه» من حديث عطاء، عن ابن عباس قال: قطع رسول الله ﷺ يد رجلٍ في مِجَنَ

стр. 1545

فَإنْ أَقَرَّ بِهَا مَرَّةً، === قيمته (دينار أَوْ) (١) عشرة دراهمٍ. ورواه النَّسائي في «سننه»، والحاكم في «مستدركه» وقال: صحيحٌ على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه، ثم قال: وشاهِدُه حديث أَمْ أَيمن أَنها قالت: لم تقطع اليد على عهد رسول الله ﷺ إِلاّ في ثمن المِجَنِّ، وثمنه يومئذٍ دينارٌ. وروى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» في كتاب اللُّقطة عن المَثَنَّى بن الصَّبَّاح، عن عمرو بن شُعَيْب، عن سعيد بن المُسَيَّب، عن رجل من مُزَينة، عن النبي ﷺ قال: «ما بلغ ثَمَنَ المِجَنّ، قُطِعَتْ يدُ سارقه». وكان ثمن المِجَنّ عشرة دراهم. ومن الأحاديث الموقوفة: ما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، عن الثوريّ، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود: لا تقطع اليد إِلاّ في دينارٍ أَوْ عشرة دراهمٍ. وهو مرسلٌ، لأن القاسم لم يسمع من ابن سمعود. وروى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» عن يحيى بن زيد وغيره، عن الثَّوريّ، عن عَطِيّة بن عبد الرحمن، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أُتِي عمر بن الخطاب برجلٍ سرق ثوباً، فقال لعثمان: قَوِّمه، فقوَّمه ثمانية دراهمٍ، فلم يقطعه. وهذا يدلّ على انتساخ ما في «الصحيحين»، ولأن الأخذ بالأكثر في هذا الباب أَوْلى احتيالاً لدرء الحدّ. (فَإِنْ أَقَرَّ) اللِّص (بِهَا) أَي بالسرقة (مَرَّةً) عند أَبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وهو قول أَكثر العلماء. ومرتين عند أَبي يوسف وأَحمد وابن أَبي ليلى وزُفر. وعن أَبي يوسف ﵀ في مجلسين مختلفين، لأنه حدّ فيعتبر عدد الإقرار فيه بعدد الشهادة كالزنا. ولِمَا روى أَبو داود عن أَبي أُمَيَّة المَخْزُوْمِيّ أَنه ﵊ أُتِي بلصٍ قد اعترف (ولم يوجد معه متاع) (٢) فقال له: «ما إِخَالُكَ سرقت». قال: بلى، فأَعادها عليه مرتين أَوْ ثلاثة، فقُطِع. ولهما: الإقرار مرّة مُظْهِرٌ فيُكْتَفَى به كما في القصاص وحد القذف، والتكرار في الشهادة يفيد تقليل تهمة الكذب، ولا تهمة في الإقرار، فلا فائدة في تكراره. فإِن قيل: يحتمل أَنْ يرجع، فيكون للتكرار فائدة وهي الثبوت. أُجيب: بأَن باب الرجوع (في حقّ الحد) (٣) لا ينسد بالتكرار، والرجوع في حقّ المال لا يصحّ، لأن صاحب الحقّ يكذّبه. وأَما حديث المخزومي فلا يدلّ على اشتراطه مرتين بل على أَنه عليه
следующие страницы →