← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وَقِيْلَ: إِلَّا لِعَالِمٍ أَوْ عَلَوِيٍّ. وَمَنْ حُدَّ أَوْ عُزِّرَ فَمَاتَ، هُدِرَ دَمُهُ. وإن عَزَّرَ زَوْجٌ عِرْسَهُ، === يا مؤاجِرة (١) ، يا ولد الحرام، يا عَيَّار (٢) ، يا ناكس (٣) ، يا منكُوس (٤) ، يا سُخَرَة، يا ضُحْكَة، يا ابن الأسود، وأَبوه ليس كذلك، لأن المقذوف لا يلحقه شَيْنٌ بهذا الكلام، وإِنما يَلْحَق القاذف إِذْ كل أَحد يعلم أَنْ المقذوف آدمي وليس بكلبٍ ولا حمارٍ، وأَن القاذف كاذبٌ في ذلك. وحكى الهِنْدُوَاني أَنه يعزَّر في زماننا بنحو يا كلب يا خنزير، لأنه يُرَاد به الشتم، وهو رواية عن أَبي يوسف في «الأمالي». وعدم التعزير في الكلب والخنزير ونحوهما هو ظاهر الرواية عن علمائنا الثلاثة. (وَقِيْلَ: إِلاَّ) إِذا قاله (لِعَالِمٍ أَوْ عَلَوِيَ) فإِنه يعزّر لأنه يعدّ شيْنَاً في حقّهم، ويلحقهم الأذى به. واسْتُحْسِنَ هذا في «الهداية» و «الكافي». (وَمَنْ حُدَّ أَوْ عُزِّرَ فَمَاتَ هُدِرَ دَمُهُ) وبه قال أَحمد. وقال مالك: إِذا ضربه تعزيراً مثله. وقال الشّافعيّ: لا يهدر، وفي محل الضمان عنه قولان: أَحدهما: بيت المال، لأنه عاملٌ للمسلمين، فيكون غُرْم عمله عليهم. والثاني: عاقلة الإمام لأن الضرب غير متعيّن في التعزير، فيكون فعله مباحاً، فيتقيّد بشرط السلامة ولم توجد، فيجب على عاقلته كالمرور في الطريق. ولنا: أَنْ الإمام مأْمورٌ بِالحدِّ والتعزيز (٥) ، وفعل المأمور لا يتقيّد بشرط السلامة كما في الفَصَّاد (٦) والحَجَّام (٧) إِذا لم يتجاوزا الموضع المعتاد، بخلاف المرور في الطريق، فإِنه غير مأْمورٌ به، ولأن فعل الإمام بأَمر الشرع، فيكون منسوباً إِلى الآمر، فكأَنه مات حتف أَنفه، فلا يضمن. (وَإِنْ عَزَّرَ زَوْجٌ عِرْسَهُ) (٨) على تَرْك الزينة، أَوْ

стр. 1542

لا. === الإجابة إِذا دعاها إِلى فراشه، أَوْ على الخروج من بيته فماتت (لا) أَي لا يُهدر دمها بل يضمن، لأن تعزيره إِيّاها على هذه الأشياء مباحٌ ترجع منفعته إِليه لا إِليها، فيتقيّد بشرط السلامة. وعلى هذا ينبغي أَنْ لا يَضْرِب امرأَته على ترك الصلاة، أَوْ على ترك غُسل الجنابة، لأن منفعة ذلك عائدةٌ إِليها. وقد ذكر الحاكم: أَنه لا يضرب امرأَته على ترك الصلاة، ويضرب ابنه عليها. فإِن قيل: إِذا جامع امرأَته فماتت من الجِماع، أَوْ أَفضاها لا يجب شيءٌ عند أَبي حنيفة ومحمد رحمهما الله مع أَنْ جِمَاعَه مباحٌ، ولم يقيّداه بشرط السلامة. أُجِيْبَ: بأَنه قد ضمن المهر بذلك الجِماع، فلو وجب عليه شيءٌ أَيضاً لزم وجوب ضمانين في مقابلة مضمونٍ واحدٍ، وهو منافع البُضْع، وذلك لا يجوز. ولو أَدّب المعلم الصبيّ فمات منه، يضمن عندنا، وعند الشافعيّ، و (قال) (١) مالك وأَحمد: لا يضمن الزوج ولا المعلِّم في التعزير، ولا الأب في التأْديب، ولا الجدّ، ولا الوصي إِذا ضربه ضرباً معتاداً. ولو ضربه ضرباً شديداً لا يُضْرَب مِثْلُه في التأْديب يضمن بإِجماع الفقهاء، والله تعالى أَعلم بالصواب.

стр. 1543

كِتَابُ السَّرِقةِ هِيَ أَخْذُ مُكَلَّفٍ خُفْيَةً قَدْرَ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ مَضْرُوْبَة، مَمْلُوْكًا مُحْرَزًا، بِلا شُبْهَةٍ بِمَكَانٍ أَوْ حَافِظٍ === كتاب السَّرِقَةِ هي لغةً: أَخذ الشيء من الغير على وجه الخُفْيَة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ (١) . وشرعاً: (هِيَ أَخْذُ مُكَلَّفٍ) أَي عاقلٍ بالغ (خُفْيَةً) في الابتداء والانتهاء إِذا كان الأخذ نهاراً، وفي الابتداء لا غير إِذا كان ليلاً حتّى لو دخل بالليل خُفْيةً وأَخذ المال مجاهرةً يقطع، لأن اعتبار الخُفْيَة بالليل في الانتهاء يؤدي إِلى عدم القطع في أَكثر السرقات الليلية، إِذْ أَكثرها تصير مقاتَلَة في الانتهاء، بخلاف النّهار في المِصْر، لأن الغَوْث يلحقه فيه، وما بين العِشاءين كالنهار في الأصحّ (قَدْرَ عَشْرَةِ دَرَاهِمٍ مَضْرُوْبَةٍ) جيدة في الأصح. وروى الحسن عن أَبي حنيفة ﵀: أَنْ المضروب وغير المضروب سواءٌ، ويعتبر وزن كل عشرة سبع مثاقيل (٢) كما في الزكاة، أَوْ ما يبلغ قيمته وزن عشرة دراهم بقول رجلين عدلين، لأنه من باب الحدود. (مَمْلُوْكَاً) ذلك القدر، احترازٌ عن نحو حصير المسجد وأَستار الكعبة ممّا ليس بمملوكٍ للعباد، ولا بدّ من قيد لا شركة له فيه ولا شبهة. (مُحْرَزَاً) أَي محفوظاً، احترازاً عن نحو باب الدّار والزرع الذي لم يحصد. (بِلَا شُبْهَةٍ) احترازٌ عن المُحْرَز المصاحب لشبهة، كالمأْخوذ من بيت ذي الرَّحِم المَحْرَم (بِمَكَانٍ) سواء أَمكن الدُّخول فيه كالبيت والدَّار والخيمة أَوْ لا كالجُوالِق (٣) . (أَوْ حَافِظٍ) كالجالس عند ماله في الطريق أَوْ في المسجد، حتى لو سرق شيئاً من تحت رأَس نائم في الصحراء أَوْ في المسجد يقطع. وقال الحسن وداود وابن بنت الشافعيّ: ليس للسرقة نصابٌ مقدّرٌ لإطلاق الآية، ولما روى الشيخان عن أَبي هُرَيْرَة قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله السارق يسرقُ البيضةَ فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده». وأُجيب عن الآية بأَنها مقيّدة بالنصاب كما هي مقيّدة بالمال، وبأَنّ الحديث

стр. 1544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال فيه البخاري: قال الأعمش: كانوا يَرَوْن أَنه بيض الحديد، والحبل كانوا يروْن أَنْ منه ما يساوي دراهم. وقال مالك وأَحمد: نصاب السرقة ربع دينارٍ، أَوْ ثلاثة دراهمٍ. وقال الشافعيّ والأوزاعي والليث: ربع دينارٍ لِمَا روى الشيخان عن عائشة عن النبيّ ﷺ أَنه قال: «لا تقطع يد السارق إِلاّ في ربع دينارٍ فصاعداً». لكن قال مالك وأَحمد: الثلاثة دراهم قدر ربع دينار، لأن صرف الدينار على عهد رسول الله ﷺ كان باثني عشر درهماً، ولما في «الصحيحين» عن ابن عمر: أَنْ رسول الله ﷺ قطع سارقاً في مِجَنَ (١) قيمته ثلاثة دراهم. وفي «الموطأ» من حديث عَمْرة ابنة عبد الرحمن: أَنْ سارقاً سرق في زمن عثمان بن عفَّان أُتْرُجَّة (٢) ، فأَمر بها عثمان فقُوِّمت بثلاثة دراهمٍ من صرف اثني عشر درهماً بدينارٍ، فقطع عثمان يده. قال مالك: أَحبّ ما يجب فيه القطع إِلى ثلاثة دراهم سواء اتَّضع الصرف أَوْ ارتفع، وذلك لأنه ﵊ قطع في مِجَنّ قيمته ثلاثة دراهم، وقطع عثمان في أُتْرُجَّة قيمتها ثلاثة دراهم، وهذا أَحب ما سمعته. وفي «مسند أَحمد» عن عائشة، عن النبي ﷺ أَنه قال: «اقطعوا في ربع دينارٍ، ولا تقطعوا فيما هو أَدنى من ذلك». فكان ربع الدينار يومئذٍ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهماً. ولنا ما روى الطَّبَرَاني قال: حدَّثنا محمد بن نوح بن حرب: حدَّثنا خالد ابن مِهْرَان: حدثنا أَبو مُطِيْع البَلْخِيّ، عن أَبي حنيفة ﵀، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن (أَبيه، عن) (٣) عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ أَنه قال: «لا قطع إِلاَّ في عشرة دراهمٍ». وما أَخرجه الطَّحَاوِي في «شرح الآثار» عن أَمْ أَيمن أَنها قالت: قال رسول الله ﷺ «لا تُقْطَعُ يد السارق إِلاَّ في حَجَفَة» أَي مِجَنَّة كما في نسخةٍ، وقوِّمت يومئذٍ على عهد رسول الله ﷺ بدينارٍ أَوْ عشرة دراهم. ورواه الطَّبَرَانِيّ في «معجمه» أَيضاً. وهو حديثٌ إِمّا منقطعٌ أَوْ مرسلٌ، ولكنه يتقوَّى بغيره من الأحاديث المرفوعة والموقوفة، فمن المرفوعة: ما أَخرجه أَبو داود في «سننه» من حديث عطاء، عن ابن عباس قال: قطع رسول الله ﷺ يد رجلٍ في مِجَنَ

стр. 1545

فَإنْ أَقَرَّ بِهَا مَرَّةً، === قيمته (دينار أَوْ) (١) عشرة دراهمٍ. ورواه النَّسائي في «سننه»، والحاكم في «مستدركه» وقال: صحيحٌ على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه، ثم قال: وشاهِدُه حديث أَمْ أَيمن أَنها قالت: لم تقطع اليد على عهد رسول الله ﷺ إِلاّ في ثمن المِجَنِّ، وثمنه يومئذٍ دينارٌ. وروى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» في كتاب اللُّقطة عن المَثَنَّى بن الصَّبَّاح، عن عمرو بن شُعَيْب، عن سعيد بن المُسَيَّب، عن رجل من مُزَينة، عن النبي ﷺ قال: «ما بلغ ثَمَنَ المِجَنّ، قُطِعَتْ يدُ سارقه». وكان ثمن المِجَنّ عشرة دراهم. ومن الأحاديث الموقوفة: ما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، عن الثوريّ، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود: لا تقطع اليد إِلاّ في دينارٍ أَوْ عشرة دراهمٍ. وهو مرسلٌ، لأن القاسم لم يسمع من ابن سمعود. وروى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» عن يحيى بن زيد وغيره، عن الثَّوريّ، عن عَطِيّة بن عبد الرحمن، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أُتِي عمر بن الخطاب برجلٍ سرق ثوباً، فقال لعثمان: قَوِّمه، فقوَّمه ثمانية دراهمٍ، فلم يقطعه. وهذا يدلّ على انتساخ ما في «الصحيحين»، ولأن الأخذ بالأكثر في هذا الباب أَوْلى احتيالاً لدرء الحدّ. (فَإِنْ أَقَرَّ) اللِّص (بِهَا) أَي بالسرقة (مَرَّةً) عند أَبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وهو قول أَكثر العلماء. ومرتين عند أَبي يوسف وأَحمد وابن أَبي ليلى وزُفر. وعن أَبي يوسف ﵀ في مجلسين مختلفين، لأنه حدّ فيعتبر عدد الإقرار فيه بعدد الشهادة كالزنا. ولِمَا روى أَبو داود عن أَبي أُمَيَّة المَخْزُوْمِيّ أَنه ﵊ أُتِي بلصٍ قد اعترف (ولم يوجد معه متاع) (٢) فقال له: «ما إِخَالُكَ سرقت». قال: بلى، فأَعادها عليه مرتين أَوْ ثلاثة، فقُطِع. ولهما: الإقرار مرّة مُظْهِرٌ فيُكْتَفَى به كما في القصاص وحد القذف، والتكرار في الشهادة يفيد تقليل تهمة الكذب، ولا تهمة في الإقرار، فلا فائدة في تكراره. فإِن قيل: يحتمل أَنْ يرجع، فيكون للتكرار فائدة وهي الثبوت. أُجيب: بأَن باب الرجوع (في حقّ الحد) (٣) لا ينسد بالتكرار، والرجوع في حقّ المال لا يصحّ، لأن صاحب الحقّ يكذّبه. وأَما حديث المخزومي فلا يدلّ على اشتراطه مرتين بل على أَنه عليه

стр. 1546

أَو شَهِدَ رَجُلانِ وسَأَلَهُمَا الإمَامُ: مَا هِيَ؟ وَكَيْفَ؟ وَمَتَى؟ وَأَينَ كَانَتْ؟ وَكَمْ سَرَقَ؟ وَمِمَّنْ سَرَقَ؟ وَبَيَّنَاها، قُطِعَ. وإِنْ تَشَارَكَ جَمْعٌ وَأَصَابَ كُلًّا قَدْرُ نِصَابٍ قُطِعُوا. وَإنْ أَخَذَ بَعْضُهُمْ. === الصلاة والسلام احتاط (١) في الدرء، وهو مستحب، أَوْ على جواز تلقين الرجوع. وقد ذكر بِشْر رجوع أَبي يوسف إِلى قولهما. (أَوْ شَهِدَ) عليه (رَجُلَانِ) فيهما شرائط الشهادة، لأنه من الحدود فلا يقبل فيه إِلا شهادة الرجال كما بيّن في كتاب الشهادة. (وسأَلهما) أَي الشاهدين، وفي نسخة وسأَلهم أَي المقرّ والشاهدين. (الإمَامُ) أَوْ نائبه (مَا هِيَ) أَي السرقة، لأنها يطلق على استماع كلام الغير سراً قال الله تعالى: ﴿إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ (٢) ، وعلى عدم اعتدال الركوع والسجود، قال ﵊: «إِنْ أَسوأَ الناس من يسرق من صلاته (لا يتم ركوعَها ولا سجودها) (٣) » (٤) . ولأنه ربما يتوهم أَنها لا تحتاج إِلى الخُفْيَة كما في السرقة الكبرى. (وَكَيْفَ) كانت سرقته ليعلم أَنه أَخرج، أَوْ ناول آخر من خارج، أَوْ أَدخل يده من النَّقْب أَوْ من الطَّاق وأَخذ (وَمَتَى) كانت ليعلم أَنها متقادمة أَوْ لا، لأن القطع لا يُقَام مع تقادم الشهادة عندنا (وَأَيْنَ كَانَتْ) لأنه لا قطع على من سرق في دار الحرب (وَكَمْ سَرَقَ) لأن النِّصَاب شرطٌ ليعلم أَنْ المسروق كان نِصَابَاً أَوْ أَقل (وَمِمَّنْ سَرَقَ) لجواز أَنْ يكون المسروق منه ذا رحم مَحْرَم، أَوْ أَحد الزوجين، أَوْ أَحد الشريكين. (وَبَيَّنَاها) أَي الشاهدان، أَوْ المُقِرّ والشاهد، هذه الأشياء إِلاّ زمان السرقة في حقّ المقرّ، لأن تقادم العهد لا يمنع صحة الإقرار بها كما في «المبسوط» و «المحيط». وقَبِل القاضي شهادتهما (قُطِعَ) هذا جواب قوله: فإِن أَقرّ إِلى آخره، وإِنما يسأَل الإمام عن هذه الأشياء احتيالاً للدرء كما في الحدود. فإِن بيّن الشاهدان هذه الأشياء، ولا يعرف القاضي حالهما حبسه حتى يسأَل، لأنه صار متَّهماً بارتكاب جريمة، ولا يمكن التوثيق بالتكفيل إِذْ لا كفالة في الحدود. (وإِنْ تَشَارَكَ جَمْعٌ) في السرقة (وَأَصَابَ كُلاًّ قَدْرُ نِصَابٍ) وهو عشرة دراهم أَوْ ما يساويها (قُطِعُوا) جميعاً (وَإِنْ أَخَذَ بَعْضُهُمْ) سواء خرجوا معه، أَوْ بعده في فوره أَوْ

стр. 1547

[فَصْلٌ فيما يُقْطَعُ فيه وما لا يُقْطَع] لا بِتَافِهٍ يُوْجَدُ مُبَاحًا في دَارِنَا، كَخَشَبٍ، وَحَشِيشٍ، وَسَمَكٍ، وَصيْدٍ، === خرج هو بعدهم في فورهم. والقياس أَنْ يُقطع الحامل وحده، وهو قول زُفَر، لأن السرقة تمّت به وحده، أَوْ الإخراج تحقّق به. ولنا: أَنْ عادة السُّرَّاق إِذا كانوا جماعة أَنْ يتولّى بعضهم الأخذ والباقون الدفع عنهم، فلو لم يعتبر الكل سارقين لأدّى ذلك إِلى انسداد باب السرقة. أَمّا لو أَصاب كُلا أَقلُّ من نصابٍ، لا يُقْطَع واحدٌ منهم، وبه قال الشافعي والثوري وابن المَاجِشُون المالكي. وقال مالك وأَحمد وأَبو ثور يقطع الكل، لأن سرقة النصاب فعلٌ موجب للقطع، فيسَاوي فيه الواحد والجماعة كالقصاص. ولنا أَنْ كلّ واحدٍ يقطع بجنايته، والجناية الموجبة للقطع سرقة النصاب، ولم يوجد في هذه الحالة بخلاف القصاص، فإِنّ فعلَ كلّ واحدٍ جنايةٌ موجبة للقصاص، لأن جرح كل واحدٍ صالحٌ لزهوق الروح. (فَصْلٌ فيما يُقْطَعُ فيه وما لا يُقْطَع) (لَا بِتَافِهٍ) أَي لا يقطع السارق بأَخد تافهٍ وهو شيءٌ حقيرٌ خسيسٌ (يُوْجَدُ مُبَاحاً في دَارِنَا) وقال مالك والشافعيّ وأَحمد وأَبو ثور يتعلَّق القطع بسرقة كل مال يبلغ قيمته نصاباً إِلاّ التراب والسِّرْقِيْن (١) ، وهو رواية عن أَبي يوسف، لأنه سرق مالاً متقوَّماً من حِرْزٍ لا شبهة فيه. ولنا ما روى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» و «مسنده» (٢) عن عبد الرحيم ابن سليمان، عن هشام بن عروة، عن عائشة قالت: لم تكن يد السارق تقطع على عهد رسول الله ﷺ في الشيء التافه. وزاد في «مسنده»: ولم تقطع في أَدنى من ثمن حَجَفَة (٣) أَوْ تُرس. (كَخَشَبٍ وَحَشِيْشٍ) وقَصَبٍ فارس (وَسَمَكٍ) طرياً كان أَوْ غيره (وَصَيْدٍ) بحرياً أَوْ برياً، لأن الشركة العامة التي كانت في هذه الأشياء قبل الإحراز تثبت شبهة، والحدود تندراء بالشبهة. وروى عبد الرَّزَّاق، وابن أَبي شَيْبَة في «مصنفيهما»: أَنْ عمر بن عبد العزيز أُتِي

стр. 1548

أَوْ يَفْسُدُ سَرِيْعًا، كَلَبَنٍ وَلَحْمٍ وَفَاكِهَةٍ رَطْبَةٍ، وثَمَرٍ عَلَى شَجَرٍ، وَبِطِّيْخٍ وَزَرْع لَمْ يُحْصَدْ، === برجلٍ سرق دجاجةً، فأَراد أَنْ يقطعه، فقال له سَلَمَة بن عبد الرحمن: قال عثمان لا قَطَعَ في الطير. ورَفْعُه كما في «الهداية» غير معروف. وروى ابن أَبي شَيْبَة أَيضاً أَنْ عمر بن عبد العزيز أُتِي برجلٍ قد سرق طيراً، فاستفتى في ذلك السائب بن يزيد فقال: ما رأَيت أَحداً قطع في طيرٍ، وما عليه في ذلك قطع، فترك عمر. (أَوْ يَفْسُدُ سَرِيْعَاً) عطف على ما يوجد مباحاً، وكان الأولى أَنْ يقول أو ما يفسد ليعطف على تافه، لأن ما يفسد قد لا يكون تافهاً (كَلَبَنٍ وَلَحْمٍ) وكذا ما هو مهياً للأكل كالخبز على ما في «الإيضاح» و «شرح الطحاوي»، بخلاف ما لم يكن مهيأَ للأكل كالحِنْطة والسكر، فإِنه يقطع فيه إِجماعاً، وهذا في غير سَنَة القحط، وأَما فيها فلا قطع في الطعام، سواء كان ممن يتسارع إِليه الفساد أَوْ لا، وسواء كان مُحْرَزاً أَوْ لا، لأنه يسرق عن ضرورة جوع، والضرورة تبيح تناول مال الغير بقدر الحاجة، فَمَنَع ذلك القطع. وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سُفْيَان الثَّوْرِيّ، عن رجلٍ، عن الحسن: أَنْ النبي ﷺ أُتِي برجلٍ سرق طعاماً فلم يقطعه. قال سفيان: هو الطعام الذي يفسد من نهاره كالثَّرِيْد (١) واللحم. وروى أَبو داود في «مراسيله» عن الحسن البصري: أَنْ النبي ﷺ قال: لا قطع في الطعام» وذكره عبد الحق في «أَحكامه» من جهة أَبي داود، ولم يعلله بغير الإرسال، وأَقرّه ابن القَطَّان على ذلك. (وَفَاكِهَةٍ رَطْبَةٍ) يدخل فيها الرُّطَب والعنب دون الزبيب والتمر (وثَمَرٍ عَلَى شَجَرٍ وَبِطِّيْخٍ وَزَرْعٍ لَمْ يُحْصَدْ) لعدم وجود الإحراز، وإِن كان في حائط (٢) . روى أَبو داود والنَّسائي وابن ماجه عن عمرو بن شُعَيْب، عن أَبيه، عن جدّه عبد الله بن عمرو (ابن العاص) (٣) أَنْ رسول الله ﷺ سُئِلَ عن الثَّمْر المعلّق فقال: «من أَصاب بفيه من ذي حاجةٍ غير متَّخذٍ خُبْنَة، فلا شيء عليه، ومن سرق منه شيئاً بعد أَنْ يؤويه الجَرِين فبلغ ثمن المِجَنّ فعليه القطع». والخُبْنَة: بضم المعجمة وسكون الموحدة فَنُونٌ: ما يؤخذ في طرف الثوب. والجَرِيْن بالجيم: المِرْبَد: وهو الموضع الذي يُلْقى فيه الرُّطَب لِيَجُف. ولما رواه مالك في «الموطأ» أَنه ﵊ قال: «لا قطع في ثمر

стр. 1549

وأَشْرِبَةٍ مُطْرِبَةٍ، والآتِ لَهْوٍ، وَصَلِيبٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَبَابِ مَسْجِدٍ، وَمُصْحَفٍ وَصَبِي حُرٍّ، وَلَوْ مُحَلَيَيِن، وَعَبْدِ إِلّا الصَّغِيرِ، === معلّق، ولا في حَرِيسة جبلٍ (١) ، فإِذا آواه المُراح أَوْ الجَرِيْن فالقطع فيما بلغ ثمن المِجَنّ». وقطع مالك والشافعي بالمذكورات، وهو رواية عن أَبي يوسف ﵀. (وأَشْرِبَةٍ مُطْرِبَةٍ) أَي مسكرة، وأَما غير المطربة كالخلّ فيقطع فيه، لأنه لا يتسارع إِليه الفساد، كذا في «الإيضاح». وإِنما لا يقطع في الشراب، لأنه إِنْ كان حلواً فهو ممّا يتسارع إِليه الفساد، وإِن كان مرّاً، فإِن كان خمراً، فلا قيمة له، وإِن كان غيرها فللعلماء في تقوّمه اختلافٌ، فلم يكن في معنى ما ورد به النص، وهو المال المتقوّم بالإجماع. (وآلَاتِ لَهْوٍ) كَدُفَ وطبل وبَرْبَط (٢) ومزمار وطُنْبُوْر (٣) . أَمّا عند أَبي حنيفة فلعدم تقوّم هذه الأشياء حتى لا يضمن متلفها، وأَمّا عند غير أَبي حنيفة ـ القائل بتقوّمها ـ فلأن أَخذها يتناول النهي عن المنكر وهو مباح، فأَورث شبهة. ولو كان الطبل أَوْ الدُّف لغير اللهو اختلف المشايخ، فقال بعضهم: يقطع سارقه، لأنه مباحٌ، وقال بعضهم: لا يقطع، لأنه يصلح للهو، فأَورث شبهة. (وَصَلِيبٍ) وهو تمثال يعبده النصارى (مِنْ ذَهَبٍ) أَوْ من فضة، وشِطْرَنْجٍ وهو بكسر الشين المعجمة وبفتح، وكذا النَّرد. وقال الشافعيّ: يقطع. (وَبَابِ مَسْجِدٍ) لعدم الإحراز فصار كباب الدار بل أَولى، لأن باب الدّار يُحْرَز به ما فيها بخلاف باب المسجد، ولهذا لا يقطع بسرقة متاعه. وقال الشافعيّ (وابن القاسم ـ صاحب مالك) (٤) ـ وأَبو ثَوْر وابن المُنْذِر: يقطع بسرقة باب المسجد، لأنها سرقة نصاب محرز بحِرْز مثله، وكذا بسرقة باب الدار، وبه قال أَحمد في روايةٍ. وأُجِيْبَ: بأَنه لا مالك له من جهة العباد فلا قطع فيه كحصير المسجد وقناديله. ولا قطع في أَستار الكعبة عندنا، وبه قال أَحمد، وهو الأصحُ في مذهب الشافعي، لأنه ليس له مالك معين فأَشبه مال بيت المال. (وَمُصْحَفٍ وَصَبِي حُرَ وَلَوْ) كان المصحف والصبي (مُحَلَييْنِ وَعَبْدٍ إِلاّ الصَّغِيْرِ) وقال مالك والشافعي وأَبو ثور وابن المنذر وأَحمد في روايةٍ وأَبو يوسف في روايةٍ: يقطع في المصحف، لأنه مال متقوّم ومحرز، فإِن ورقه كان مالاً متقوّماً، وقد

стр. 1550

وَدَفْتَرٍ، إِلّا دَفْتَرِ الحِسَابِ. وَلا في كَلْبٍ، وَفَهْدٍ، وخِيَانَةٍ، ونَهْبٍ، === ازدادت ماليته بما كتب فيه وبجلده، ولهذا يصحّ بيعه وشراؤه. ولنا أَنْ آخذه يتأَوّل (١) القراءة فيه، أَوْ النظر لإزاحة إِشكالٍ وقع له، والقطع يُدْرأُ بالشبهة. وقال مالك والشَّعْبِيّ: يقطع بسرقة الحرّ الصغير، لأنه غير مميّز، فأَشبه العبد الصغير. ولنا: أَنْ الحرّ ليس بمالٍ، وما عليه تبعٌ له. وهذا الخلاف في صبيّ لا يمشي ولا يتكلّم، حتى لو كان يمشي ويتكلّم ويميّز لا يقطع سارقه إِجماعاً، لأنه في يد نفسه وله يد على ما هو تابعٌ له، فكان أَخذه خداعاً لا سرقة. وقال ابن المنذر: أَجمع أَهل العلم على قطع سارق العبد الصغير إِذا لم يعبّر عن نفسه ولم يميّز، وإِن كان يعبّر ويميِّز فلا قطع بالإجماع. (وَدَفْتَرٍ) سواء كان فيه علم الشريعة أَوْ الشعر أَوْ اللغة، لأن المقصود من دفاتر هذه الأشياء ما فيها، وهو ليس بمالٍ (إِلاّ دَفْتَرِ الحِسَابِ) وقال مالك والشافعيّ وأَحمد يقطع في الدفاتر كلّها سواء كانت فيها علوم الشريعة أَوْ غيرها إِذا بلغت قيمتها نِصاباً (لأنها مال متقوّم يبلغ قيمته نصاباً) (٢) ، فيدخل في عموم الآية. (وَلَا في كَلْبٍ وَفَهْدٍ) لأن جنسهما مباح الأصل، ولأن اختلاف العلماء في مالية الكلب أَورث شبهة، ولو كان على كلب طَوْق ذهبٍ ونحوه لا يقطع، لأنه تبعٌ له كالصبيّ الحرّ إِذا كان عليه حُلِيّ. (و) لَا في (خِيَانَةٍ) وهي الأخذ ممّا في يده على وجه الأمانة (و) لا في (نَهْبٍ) وهو الأخذ على وجه العلانية والقهر في بلدة أَوْ قرية، لِمَا أَخرجه أَصحاب «السنن الأربعة» عن جابر، عن النبي ﷺ أَنه قال: «ليس على خائنٍ ولا مُنْتَهِبٍ ولا مُخْتَلِس قطعٌ». قال الترمذي: حديث حسنٌ صحيحٌ، وسكت عنه عبد الحقّ في «أَحكامه»، وابن القطَّان بعده، فهو صحيحٌ عندهما. وعن أَحمد: يقطع جاحد العَارِيَّة، وبه قال إِسحاق بن راهُويَه (٣) لما أَخرجه مسلم عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: كانت امرأَة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأَمر النبي ﷺ بقطع يدها. وأُجِيْب بأَن ذكر العَارِيّة في هذا الحديث وقع لقصد التعريف لا لأنه سبب للقطع، فإِنها كانت كثيرة الاستعارة والجحد حتّى عُرِفَت به واستمرت على ذلك حتى سرقت، فأَمر النبي ﷺ بقطع يدها، بدليل الأحاديث التي صُرِّح فيها بالسرقة. وقيل: الحديث منسوخٌ بما رُوِّيْنَا من

стр. 1551

ونَبْشٍ، ومَالِ عَامَّةٍ، ولَهُ فِيْهِ شَرِكَة، وَمِثْلِ حَقِّهِ حَالًا أَوْ مُؤَجَّلًا، === حديث جابر. وقيل: إِنْ قطعها كان سياسةً لتكرر ذلك الفعل منها. (و) لا في (نَبْشٍ) أَي نبش قبر وأَخذ كفن منه، وهذا عند أَبي حنيفة ومحمد، وهو قول ابن عباس والثوري والأوزاعي ومكحول والزهري والشافعي في القديم. وقال أَبو يوسف ومالك والشافعي في الجديد وأَحمد وأَبو ثور والحسن والشَّعْبِيّ والنَّخَعَي وقَتَادَة وحمّاد وعمر بن عبد العزيز: يقطع النَّبَّاش، لما روى البيهقي في «المعرفة» عن البراء بن عازب عن أَبيه أَنْ النبي ﷺ قال: «من نبش قطعناه»، وضعَّفه. وروى أَيضاً عن عائشة أَنها قالت: «سارق أَمواتنا كسارق أَحيائنا». وفي «تاريخ البخاري» قال هُشَيم: حدَّثنا سهيل قال: شهدت ابن الزُّبَيْر أَنه قطع نبَّاشاً. ولأنه سرق مالاً متقوَّماً يبلغ نِصَاباً من حِرْز مثله، فوجب القطع به اعتباراً بسائر أَنواع الحرز. ولنا ما روى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» عن عيسى بن يونس، عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ قال: أُتِي مروان بقوم يختفون ـ أَي ينبُشون القبور ـ فضربهم ونفاهم والصحابة متوافرون. وروى أَيضاً عن حفص عن أَشعب، عن الزُّهرِي قال: أُخِذَ نبَّاش في زمن معاوية، وكان مروان على المدينة، فسأَل مَنْ بحضرته من الصحابة والفقهاء، فأَجمع رأْيهم على أَنْ يُضْرَب أَسواطاً ويُطَاف به. ولا يخفى أَنْ كلاً من الأثرين حكاية حالٍ، وهما احتمال أَخذه قبل إِخراج الكفن أَوْ بعده ولم يكن مقدار النصاب، فلا يتم الجواب. وأَمّا حديث: «لا قطع على المُخْتَفِي» وهو النَّبَّاش بلغة أَهل اليمن، فهو غريبٌ غير معروفٍ. (و) لا في (مَالِ عَامَّةٍ) أَي عامة المسلمين، وبه قال الشافعي، وأَحمد والنَّخَعَي والشَّعْبِيّ والحَكَم. وقال مالك وحمّاد وابن المنذر: يقطع لظاهر الآية، ولأنه سرق مالاً محرزاً. ولنا: ما روى ابن ماجه في «سننه» من حديث ابن عباس: أَنْ عبداً من رقيق الخُمْس سَرَق من الخمس، فَرُفِع ذلك إِلى النبيّ ﷺ فلم يقطعه، وقال: «مال الله سرق بعضه بعضاً». كذا ذكروه. وفيه أَنْ العبد من جملة المال وقطعه يضرّه، فلا يُقَاس عليه غيره (و) لا في مالٍ (لَهُ) أَي للسارق (فِيْهِ شَرِكَةٌ) بأَن سرق أَحد الشريكين من حِرْز الآخر مالاً مشتركاً بينهما، وهو الأصح في مذهب الشافعيّ وقول أَحمد. وقال مالك، وهو قول الشافعيّ: إِذا سرق من نصيب الشريك قدر نِصَابٍ يقطع، لأنه أَخذ ملك غيره من حِرْزه. (وَ) لا في (مِثْلِ حَقِّهِ) في الجنس (حَالاً) كان حقّه (أَوْ مُؤَجَّلاً) والقياس أَنْ يقطع في المؤجّل، لأنه لا يباح له أَخذه قبل الأجل، فصار كمن لا دين له. ووجه

стр. 1552

وَلَوْ بِمَزِيْدٍ. ومَا قُطِعَ فِيهِ وَهُوَ بِحَالِهِ، ومَالِ ذِي رَحِم، مَحْرَمٍ مِنْ بَيْتهِ، === الاستحسان: أَنْ المؤجّل ثابتٌ في الذمة كالحالّ، والتأْجيل لتأْخير المطالبة. (وَلَوْ بِمَزِيْدٍ) أَي ولو كان المأْخوذ زائداً على حقّه، لأنه يصير شريكاً في ذلك المال بمقدار حقّه فتتحقق الشبهة. قَيّدَ بمثل الحقّ، لأنه لو كان له عليه دراهم فسرق منه عروضاً يقطع، لأنه ليس له الاستيفاء منه إِلاّ بيعاً بالتراضي. وعن أَبي يوسف: لا يقطع، وهو وجهٌ في مذهب الشافعي، لأن له أَنْ يأْخذه عند بعض العلماء قضاءً من حقّه لوجود المجانسة باعتبار صفة المالية، فأَورث ذلك شبهة. ولو كان حقه دراهم فسرق منه دنانير، قيل: يقطع، لأنه ليس له ولاية الأخذ، وبه قال مالك وأَحمد في روايةٍ والشافعي في وجهٍ. وقيل: لا يقطع، لأن النقود جنسٌ واحدٌ كما في الزكاة والنفقة. وفي «المحيط» و «المبسوط»: هو الصحيح، وبه قال الشافعيّ في الأظهر. (وَ) لا في (مَا قُطِعَ فِيْهِ) وفي نسخة: «به»، أَي ولا قطع في سرقةِ شيءٍ كان السارق سرقه قبل ذلك وقُطِعَ لأجله (وَهُوَ) أَي المسروق (بِحَالِهِ) وأَمّا لو تغيّر حاله بأَن كان غزلاً فقُطِع فيه ثم ردّه إِلى صاحبه فنسجه ثم سرقه، فإِنه يقطع ثانياً. والقياس أَنْ يُقْطَع فيما هو بحاله أَيضاً، وهو رواية عن أَبي يوسف، وبه قال مالك والشافعيّ وأَحمد، لأن السرقة الثانية أَقبح لوجود الإقدام عليها مع سبق الزاجر عنها، فكانت أَحقّ بإِيجاب القطع. (و) لا في (مَالِ ذِي رَحِم، مَحْرَمٍ) أَوْ مال غيره (مِنْ بَيْتِهِ) أَي بيت ذي الرحم المَحْرَم، وقال مالك وأَبو ثور وابن المنذر والخِرَقي (١) من أَصحاب أَحمد: يقطع الولد إِذا سرق من أَحد أَبويه وإِن علا، لأنه لا حقّ للولد في مال أَبويه، ولهذا يحدّ إِذا زنى بجاريتهما، ويقتل إِذا قتلهما فصار كأَجنبي. ولنا أَنْ البعضيّة توجب البُسُوطة (٢) في المال، والإذن في الدخول في الحِرْز، ولهذا يَمْنَع الوِلادُ قَبولَ شهادة أَحدهما لصاحبه، فصار كالأب لا كالأجنبي. وقال مالك والشافعيّ وأَحمد: يقطع بسرقة ذي رَحِم مَحْرَم غير الولاد إِلحاقاً لهذه القرابة بقرابة بني الأعمام. ولنا أَنها ملحقة بقرابة الولاد في وجوب الصون عن القطيعة، والقطع في السرقة يفضي إِلى القطيعة، فوجب صونها عنه. أَمّا لو سرق مال ذي رَحِم مَحْرَمٍ من

стр. 1553

وَلا مِنْ زَوْجٍ، وَعِرْسٍ، وَسَيِّدِهِ، وَعِرْسِهِ، وزَوْجِ سَيِّدَته، ومُكَاتبِهِ، ومُضِيْفِهِ، ومَغْنَمٍ، وَحمَّامٍ، === غير بيته فيقطع اتفاقاً، لوجود الحرز بلا شُبْهة. (وَلَا مِنْ زَوْجٍ وَ) لا من (عِرْسٍ) أَي ولا قطع بسرقة الزوجة من حِرْز زوجها الخاص به، ولا بسرقة الزوج من حرز زوجته الخاص بها. وللشافعيّ ثلاثة أَقوال: قولٌ بالقطع كمالك وأَحمد، وقول بعدمه، وهو رواية عن أَحمد، وقولٌ بقطع الزوج بسرقة مال زوجته، وعدم قطع الزوجة بسرقة مال زوجها، لأن لها حقّاً في ماله وهو النفقة، ولا حقّ له في مالها. ولنا أَنْ بين الزوجين بسوطة في المال عادة. (وَ) لا من (سَيِّدِهِ) أَي ولا قطع على من سرق من مال سيّده (وَ) لا من (عِرْسِهِ) أَي عِرْس سيده (و) لا من (زَوْجِ سَيِّدَته) لوجود الإذن بالدُّخول عادةً فانعدم الحِرْزُ. وقال مالك وأَبو ثور: يقطع في الأخيرين لعدم استحقاقه النفقة في مالها بخلاف السيد. وقال داود: يقطع بسرقة مالِ سيده أَيضاً لعموم الآية. ولنا ما روى السائب بن يزيد قال: شهدت عمر وقد جاء عبد الله بن عمر الحَضْرَمِيّ بغلامٍ له فقال: غلامي هذا سرق فاقطعه، فقال عمر: ماذا سرق؟ فقال: سرق مرآة لامرأَتي قيمتها أَوْ ثمنها ستون درهماً، فقال عمر: أَرسله لا قَطْع عليه، خادمكم سرق متاعكم. ولم يخالفه أَحد من الصحابة فكان إِجماعاً. ويخصّ به عموم الآية. (و) لا من (مُكَاتِبِهِ) (١) أَي ولا قطع على مولى سرق من مُكَاتَبِه، لأن له في كسبه حقّاً (و) لا من (مُضِيْفِهِ) أَي ولا قطع على ضيف سرق من مضيفه، لأن البيت لم يبق حِرْزاً في حقّه لكونه مأْذوناً له في دخوله، فيكون فعله خيانةً لا سرقةً. وقال مالك والشافعيّ وأَحمد في روايةٍ: إِنْ سرق من الموضع الذي أَنزله فيه، أَوْ من الموضع الذي لم يُحْرَز عنه لا يقطع، وإِن سرق من موضع حُرِزَ عنه يقطع. (و) لا من (مَغْنَمٍ) وهو الموضع الذي فيه يجمع الغنيمة أَوْ المال الذي غُنِمَ ولم يُقْسَم بعد، وبه قال الشافعي وأَحمد. وقال مالك وابن المنذر: يقطع وهو نظير السرقة من مال عامة المسلمين خلافاً ودليلاً. ولنا على هذه خصوصاً ما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن الثَّوْرِيّ، عن سِمَاك بن حرب، عن أَبي عُبَيْد بن الأبرص، وهو يزيد بن دِثَار قال: أُتِي عليٌّ برجلٍ سرق من المغنم فقال: له فيه نصيبٌ وهو خائنٌ فلم يقطعه. وكان قد سرق مِغْفراً (٢) (وَ) لا من (حمّامٍ) في الوقت الذي جرت العادة بدخوله لِمَا روى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» بعد أَنْ قال: باب: الرجل يدخل

стр. 1554

وبَيْتٍ أُذِنَ في دُخِولِهِ. وَلا إِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنَ الدَّارِ، أَوْ نَاوَلَ مَنْ هُوَ خَارِجٌ، أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ في بَيْتٍ وأَخَذَ، === الحمَّام فيسرق، بسنده عن أَبي الدَّرْدَاء أَنه سُئِلَ عن سارق الحمَّام فقال: لا قطع عليه. وظنه البيهقي بالتخفيف، فرواه بالتصحيف (١) . (و) لا من (بيتٍ أُذِنَ في دُخِولِهِ) لوجود الإذن عادةً في الأول وحقيقةً في الثاني، فاختلّ الحِرْز فيهما. وفي «العيون»: يقطع السارق من الحمّام في وقت الدخول فيه إِذا كان له حافظٌ على قول أَبي حنيفة، وبه قال مالك والشَّافعيّ وأَحمد في روايةٍ وأَبو ثور وابن المُنْذِر. ولا يقطع على قول أَبي يوسف ومحمد، وبه أَخذ أَبو الليث والصدر الشهيد. وفي شرح «الوافي»: وعليه الفتوى، وهو ظاهر المذهب، وبه قال شمس الأئمة وقاضيخان، وهو الصحيح. (وَلَا إِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ) أَي ولا قطع إِنْ لم يخرج السارق المسروق (مِنَ الدَّارِ) لأن الدَّار بما فيها في يد صاحبها في المعنى، وهي كلها حِرْزٌ واحدٌ، فلا بدّ من إِخراج المسروق منها ليتحقّق الأخذ من كلِّ وجهٍ. (أَوْ) إِنْ (نَاوَلَ مَنْ هُوَ خَارِجٌ) يعني إِذا نَقَبَ اللص ودخل وأَخذ المال وناوله آخر من خارج، لا قطع على واحدٍ منهما، لأن القطع يجب لهتك الحِرْز والإخراج، ولم يوجد في حقّ واحدٍ منهما، لأن الخارج لم يوجد منه الهتك، والداخل لم يوجد منه الإخراج. وأَمّا إِخراج يده فقد بطل باعتراض يد الآخر عليه وقال مالك: إِنْ كانا متعاوِنَيْن قُطِعَا، وإِن انفرد كلّ واحدٍ بفعله دون اتفاقٍ بينهما لم يُقْطَعَا. وقال الشافعي: يفرد الخارج الآخذ بالقطع، وبه قال أَحمد. ولو وضع الداخل المال عند النَّقْبِ ثم خرج وأَخذه لم يذكره محمد، والصحيح أَنه لا يقطع. وقال مالك والشافعي وأَحمد: يقطع. ولو كان في الدار نهر جارٍ، فرمى بالمتاع في النهر ثم خرج وأَخذه، إِنْ خرج بقوة الماء لا يقطع، وقال في «النهاية» معزياً إِلى «المبسوط»: إِنْ الأصحّ أَنه يقطع، وبه قال مالك والشافعي وأَحمد. (أَوْ) إِنْ (أَدْخَلَ) أَي ولا قطع على من نقب بيتاً وأَدخل (يَدَهُ في بَيْتٍ وأَخَذَ) وعن أَبي يوسف في «الإملاء».: أَنه يقطع، وهو قول مالك والشافعيّ وأَحمد، لأنه أَخرج المال من الحِرْز وهو المقصود، فصار كما لو أَدخل يده في جيب غيره أَوْ

стр. 1555

أَوْ طَرَّ صُرَّةً خَارِجَةً مِنْ كُمٍّ، أَوْ سَرَقَ جَمَلًا مِنْ قِطَارٍ، أَوْ حِمْلًا. وقُطِعَ إِنْ حَفِظَهُ رَبُّهُ، أَوْ نَامَ عَلَيه، === كمّه أَوْ في صندوقه وأَخذ. ولنا: أَنْ السرقة هتك الحِرْز على الكمال مع إِخراج المال، والكمال في هتك حرز البيوت دخولها بخلاف الصندوق، فإِن الممكن فيه إِدخال اليد فيتمّ الهتك به مع الإخراج. ولنا أَيضاً: قول عليّ ﵁: اللِّص إِذا كان ظريفاً لا يقطع، قيل: وكيف ذلك؟ قال: أَنْ ينقب البيتَصفوان بن أُمِيّة فيُدْخِل يده ويخرج المتاع من غير أَنْ يَدْخُلَه. (أَوْ) إِنْ (طَرَّ) أَي ولا قطع إِنْ شقّ (صُرَّةً خَارِجَةً مِنْ كُمَ) لأن الرباط من خارج، فبالطرّ يتحقّق الأخذ من الظاهر فلم يوجد هتك الحِرْز. والمراد هنا بالصُّرَّة بعض الكُمّ المشدود فيه الدراهم. قيّد الصُّرَّة بكونها خارجة من الكم، لأنه لو طرّ صُرَّةً داخلةً فيه يقطع، لأن الرباط في الداخلة من داخل، فبالطرّ يتحقّق الأخذ من الحِرْز وهو الكُمّ. وقيّد بالطرّ، لأنه لو حلّ يقطع إِنْ كان الرباط خارج الكمّ، لأنه يأَخذ الدراهم من داخله. ولا يقطع إِنْ كان من داخل الكم، لأنه يأْخذها من خارجه. وعن أَبي يوسف أَنه يقطع في الأحوال كلها، لأن المال محرزٌ بالكمّ إِذا كانت الصُّرَّة داخلة، وبصاحب الكم إِذا كانت خارجة. (أَوْ) إِنْ (سَرَقَ) أَي ولا يقطع إِنْ سرق (جَمَلاً مِنْ قِطَارٍ) وهو الإبل على نسقٍ واحدٍ (أَوْ) إِنْ سرق (حِمْلاً) من أَحمال قطارٍ. وقال مالك والشافعيّ وأَحمد: يقطع، لأنه محرزٌ بالحافظ وهو القائد أَوْ السائق أَوْ الراكب إِذا لم يكن نائماً، فإِن كان نائماً عليه لم يقطع. ولنا أَنه ليس بمحرز قصداً فيتمكّن فيه شبهة العدم، وذلك لأن كلاًّ من القائد والسائق والراكب يقصد قطع المسافة ونقل الأمتعة دون الحفظ. (وقطع) سارق الجمل أَوْ الحمل من القطار (إِنْ حَفِظَهُ رَبُّهُ) لوجود قصد الحفظ منه، فكان محرزاً بالحافظ (أَوْ) إِنْ (نَامَ عَلَيه) أَي على الجمل والحمل، لأن ذلك حِرْزٌ له بالحافظ. وروى أَبو داود والنَّسائي وابن ماجه وأَحمد في «مسنده» من غير وجهٍ عن أَنه طاف بالبيت وصلّى، ثم لفّ رداءً (له من بُرْدٍ (١) ) (٢) فوضعه تحت رأْسه فنام، فأَتاه لص فاسْتَلَّه من تحت رأْسه فأَخذه، فأُتِي به النبي ﷺ فقال: إِنْ هذا سرق ردائي. فقال له النبيّ ﷺ : «أَسرقت رداء

стр. 1556

أَوْ شَقَّ الحِمْلَ وأَخَذَ شَيئًا، أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ في صُنْدُوقٍ، أَوْ كُمٍّ، أَوْ أَخْرَجَ مِنْ مَقْصُوْرَةِ دَارٍ فِيهَا مَقَاصِيرُ إِلى صَحْنِهَا، أَوْ سَرَقَ صَاحِبُ مَقْصُوْرَةٍ مِنْ أُخْرَى، أَوْ أَلْقَى شَيئًا فِي الطَّرِيْقِ ثُمَّ أَخَذَهُ، أَوْ حَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ فَسَاقَهُ وَأَخْرَجَهُ. [فصلٌ في كَيفِيَّةِ القطع] تُقْطَعُ يَمِيْنُ السَّارِقِ مِنْ زَنْدِهِ === هذا؟» (قال: نعم) (١) قال: «اذهبا به فاقطعا يده». فقال صفوان: ما كنت أَريد أَنْ تقطع يده في ردائي، فقال له: «فلو كان قبل أَنْ تأْتيني به». (أَوْ) إِنْ (شَقَّ) اللص (الحِمْلَ وأَخَذَ شَيْئَاً) يبلغ نِصَابَاً، لأن الجَوالِق (٢) حزرٌ (أَوْ) إِنْ (أَدْخَلَ يَدَهُ في صُنْدُوقٍ أَوْ كُمَ) أَوْ جَيْبٍ، لأن هذه الأشياء حِرْزٌ لِمَا فيها (أَوْ) إِنْ (أَخْرَجَ) السرقة (مِنْ مَقْصُوْرَةِ) أَي حجرةِ (دَارٍ فِيْهَا مَقَاصِيْرُ إِلى صَحْنِهَا) أَي صحن الدار، وذلك كمدرسة ونحوها (أَوْ) إِنْ (سَرَقَ صَاحِبُ مَقْصُوْرَةٍ) أَي حجرة من مقاصير دار كبيرة (مِنْ) مقصورةٍ (أُخْرَى) أَي من مقاصير تلك الدَّار، لأن لكل مقصورة باباً وغَلَقاً على حِدَة. (أَوْ) إِنْ (أَلْقَى) السارق (شَيْئَاً) يبلغ نِصَاباً (فِي الطَّرِيْقِ ثُمَّ أَخَذَهُ) وبه قال مالك والشافعيّ وأَحمد، وقال زُفَر: لا يقطع. (أَوْ حَمَلَهُ) أَي السارق المسروق (عَلَى حِمَارٍ) ونحوه (فَسَاقَهُ وَأَخْرَجَهُ) وبه قال مالك والشافعيّ وأَحمد، لأن سير الحمار مضافٌ إِلى السارق لسوقه إِياه. قيّده بالسوق، لأن الحمار لو خرج بنفسه لا يقطع السارق، لأن للبهيمة اختياراً. (فصلٌ في كَيْفِيَّةِ القطع) (تُقْطَعُ يَمِيْنُ السَّارِقِ) أَمّا القطع فلقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ (٣) . وأَمّا اليمين فلقراءة ابن مسعود: فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا، وهي مشهورةٌ، فكانت بمنزلة خبرٍ مشهورٍ، فيقيّد إِطلاق الكتاب به. (مِنْ زَنْدِهِ) وهو مَوْصِل (٤) طرف الذراع من الكف. وقالت الخوارج: (مِنْ

стр. 1557

وَتُحْسَمُ، ثُمَّ رِجْلُهُ اليُسْرَى إِنْ عَادَ، فَإِنْ عَادَ ثَالِثًا لَا، بَلْ يُسْجَنُ حَتّى يَتُوْبَ. === مَنْكِبِه، إِذْ اليد) (١) من المَنْكِب. ولنا أَنْ النص أَمَرَ بقطع اليد، وهي تُطلق من المَنْكب، ومن المِرْفق، ومن الرُّسْغ في اللغة والشرع، وقد تبيّن أَنْ المراد بها في الآية من الرسغ بعمله ﷺ وعمل الصحابة، وانعقد عليه الإجماع. ولأن هذا القدر متيقّن به، وفي الحدود يؤخذ بالمتيقّن احتياطاً. وقد روى الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه»: أَنْ النبي ﷺ أَمر بقطع الذي سرق رداء صفوان من المَفْصِل. وروى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» عن رجاء بن حَيْوَة: أَنْ النبي ﷺ قطع رجلاً من المَفْصِل. وهو حديثٌ مرسلٌ. ورُوِيَ أَيضاً عن عمر وعليّ أَنهما قطعا من المَفْصِل. (وَتُحْسَمُ) أَي تُكْوَى لينقطع الدَّم بأَن تغمس في الدهن الذي أُغْلِيَ لِمَا روى الحاكم في «المستدرك» من حديث أَبي هُرَيْرَة، وقال: صحيحٌ على شرط البخاري ومسلم: أَنْ النبي ﷺ أُتِي بسارقٍ سرق شَمْلَة (٢) فقال ﵊: «مَا إِخالُهُ سرق». فقال السارق: بلى يا رسول الله فقال: «اذهبوا به فاقطعوه، ثم احْسِمُوه، ثم ائْتُوْنِي به». فقُطِعَ ثم (حُسِمَ ثم) (٣) أُتِيَ به فقال: «تب إِلى الله». قال: تبت إلى الله. قال: «تاب الله عليك». (ثُمَّ) تقطع (رِجْلُهُ اليُسْرَى إِنْ عَادَ) ثانياً بالإِجْماع، وهو من الكعب. وقال أَبو ثور والرافضة: من نصف القدم من معقِدِ الشِّرَاك. (فَإِنْ عَادَ) وسرق (ثَالِثَاً لا) أَي لا يقطع (بَلْ يُسْجَنُ حَتّى يَتُوْبَ) وقال مالك والشافعيّ: إِنْ سرق ثالثاً تقطع يده اليسرى، وإِن سرق رابعاً تقطع رجله اليمنى لعموم الآية، فإِن هذا سارقٌ له يد فتقطع بظاهر النص، وتعيين اليمين ابتداءً لا يُبْطل محلية اليسرى، ولقوله ﵊: «إِذا سرق السارق فاقطعوا يده، فإِن عاد فاقطعوا رجله، فإِن عاد فاقطعوا يده، فإِن عاد فاقطعوا رجله». رواه الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه»، وفي سنده الواقدي وفيه مقالٌ. وفي «سنن أَبي داود» عن جابر قال: جيء بسا سرق، قال: «اقطعوه». قال: فقُطِعَ، ثم جيء به الثالثة فقال: «اقتلوه». فقالوا: يا رسول الله، إِنما سرق، قال: «اقطعوه». ثم جيء به الرابعة فقال: «اقتلوه». قالوا: يا رسول الله، إِنما سرق. قال: «اقطعوه». ثم جيء به الخامسة فقال: «اقتلوه» ارقٍ إِلى النبي ﷺ فقال: «اقتلوه». فقالوا: يا رسول الله، إِنما سرق. فقال: «اقطعوه»، قال: فقُطِعَ، ثم جيء به الثانية فقال: «اقتلوه» فقالوا: يا رسول الله، إِنم. قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه ثم اجتررناه فأَلقيناه في بئرٍ،

стр. 1558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ورمينا عليه الحجارة. وقال النَّسائي: حديثٌ منكرٌ. وأَخرج هو في «سننه» عن الحَارِث (بن حَاطِب) (١) اللَّخْمِيّ: أَنْ النبي ﷺ أُتِي بلصٍ فقال: «اقتلوه». قالوا: يا رسول الله، إِنما سرق، قال: «اقطعوا يده». فقُطِعَتْ، ثم سرق فقُطِعَتْ رجله، ثم سرق على عهد أَبي بكر حتى قُطِعَتْ قوائمه كلّها، ثم سرق الخامسة فقال أَبو بكر: كان رسول الله ﷺ أَعلم بهذا حين قال: «اقتلوه». ورواه الطَّبَرَانِيّ، والحاكم في «مستدركه» وقال: صحيحُ الإسناد. وروى الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه»، والطَّبَرَانِيّ في «معجمه» عن عصمة (٢) بن مالك قال: سرق مملوكٌ أَربع مرّاتٍ والنبيّ ﷺ يعفو عنه، ثم سرق الخامسة فقطع يده، ثم السادسة فقطع رجله، ثم السابعة فقطع يده، ثم الثامنة فقطع رجله وقال: ﵊: «أَربعٌ بأَربعٍ». وروى مالك في «الموّطأ» عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أَبيه أَنْ رجلاً من اليمن أَقطعُ اليد والرِّجْلِ قَدِمَ، فنزل على أَبي بكر الصديق، فشكا إِليه أَنْ عامل اليمن ظلمه، فكان يُصَلّي من الليل، فيقول أَبو بكر: وأَبيك (٣) ، ما ليلُك بليل سارقٍ. ثمّ إِنهم فقدوا عِقداً لأسماء بنت عُمَيْس ـ امرأَة أَبي بكر الصديق ـ فجعل الرجل يطوف معهم ويقول: اللهم عليك بمن بَيَّتَ أَهل هذا البيت الصالح ـ فوجدوا الحُلِيَّ عند صائغٍ زَعَمَ أَنْ الأقطع جاءه به، فاعترف الأقطع، أَوْ شُهِدَ عليه به. فأَمر به أَبو بكرٍ، فقُطِعَتْ يده اليُسرى. وقال أَبو بكر: لَدُعَاؤه (على نفسه) (٤) أَشدّ (عندي) (٥) عليه من سرقته. ولنا ما روى محمد بن الحسن في كتاب «الآثار» عن أَبي حنيفة، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد الله بن سَلَمَة، عن عليّ بن أَبي طالب قال: إِذا سرق السارق قُطِعَتْ يده اليمنى، فإِن عاد قُطِعَتْ رجله اليسرى، فإِن عاد ضَمَّنْتُهُ السجن حتى يُحْدثَ خيراً، إِني لأستحي من الله أَنْ أَدعه ليس له يدٌ يأْكل بها ويَسْتَنْجِي بها، ورِجلٌ يمشي عليها. ومن طريق محمد رواه الدَّارَقُطْنِيّ. وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن الشَّعْبِيّ قال:

стр. 1559

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === كان عليّ لا يقطع إِلاّ اليد والرجل، وإِن سرق بعد ذلك سجنه، ويقول: إِني لأستحي من الله أَنْ لا أَدع له يداً يأْكل بها ويَسْتَنْجِي بها. وقول ابن عباس كقول عليّ رواه ابن أَبي شَيْبَة. وأَخرج البيهقي عن عبد الله بن سَلَمة، عن عليّ أَنه أُتِي بسارقٍ فقطع يده، ثم أُتِيَ به فقطع رجله، ثم أُتِي به فقال: أَقطع يده، فبأَيّ شيءٍ يتمسَّح؟ وبأَيّ شيءٍ يأَكل؟ أَقطع رجله، على أَي شيء يمشي؟ إِني لأستحي من الله، ثم ضربه وخلّده في السجن. وفي «تنقيح ابن عبد الهادي» عن أَبي سعيد المَقْبُرِيّ قال: حضرت عليّ بن أَبي طالبٍ وقد أُتِي برجلٍ مقطوع اليد والرجل قد سرق، فقال لأصحابه: ما ترون في هذا؟ قالوا: اقطعه يا أَمير المؤمنين. قال: أَقتله إِذاً، وما عليه القتل بأَيّ شيءٍ يأكل الطعام؟ بأَي شيءٍ يتوضَّأُ للصلاة؟ بأَي شيءٍ يغتسل من جنابته؟ بأَي شيءٍ يقوم على حاجته؟ فردّه إِلى السجن أَياماً، ثم استخرجه فاستشار أَصحابه، فقالوا مثل قولهم الأول، وقال لهم مثلما قال أَوّل مرّة فجلده جلداً شديداً، ثم أَرسله. وروى ابن أَبي شَيْبَة عن أَبي خالد، عن حجّاج، عن سِمَاك، عن بعض الصحابة: أَنْ عمر استشارهم في سارقٍ، فأَجمعوا على مثل قول عليّ. ورُوِيَ أَيضاً عن أَبي أُسَامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مكحول: أَنْ عمر قال: إِذا سرق فاقطعوا يده، ثم إِنْ عاد فاقطعوا رجله، ولا تقطعوا يده الأخرى، وذروه يأكل بها ويَسْتَنْجِي بها، ولكن احبسوه عن المسلمين. وأَخرج عن النَّخَعِيّ قال: كانوا يقولون: لا يترك ابن آدم مثل البهيمة ليس له يدٌ يأكل بها ويستنجي بها. انتهى. ولعلهم حملوا قطع النبيّ ﵊ وأَبي بكر على السياسة، كما حملوا قتله في الخامسة عليها إِجماعاً. ثم رأَيت بعض المحققين ذكر أَنه لا شكّ في ثبوت هذه المرويات، وهي تستلزم نسخ مَرويِّ الإتيان على أَرْبَعَةِ السارق (١) ، على تقدير ثبوته، أَوْ أَنه كان لمعنى زائدٍ في السارق بدليل أَمر النبيّ ﷺ بقتله من أَول سرقة. انتهى. ولا يبعد أَنْ يكون مَأْخَذ المُرْتَضِي هو قياس السرقة الصغرى بالكبرى حيث اقتصر فيها مع عِظَم جُرْمها (٢) على قطع أَيديهم وأَرجلهم من خلاف.

стр. 1560

وَشُرِطَ خُصُوْمَةُ المَالِكِ، أَوْ ذِي يَدٍ حَافِظٍ كَالمُوْدَعِ وَنَحْوِهِ. وَمَا قُطِعَ بِهِ، إِنْ بَقِيَ رُدَّ، وإِلّا لا يَضْمَنُ === (وَشُرِطَ) في قطع السارق (خُصُوْمَةُ المَالِكِ) وطلبه القطع، وبه قال الشافعي وأَحمد. وقال مالك وأَبو ثور وابن المنذر وابن أَبي لَيْلَى وأَبو بكر الحَنْبَلِي: لا يُشْتَرَط، لأن القطع حقّ الله كحد الزِّنا. ولنا أَنْ مع عدم الخصومة والمطالبة تتمكّن شبهةُ أَنْ مالكه أَباحَه، أَوْ وقفه على المسلمين، وشبهة إِذن الدُّخول في الحِرْز، فاعْتُبِرَت المخاصمة والمطالبة دفعاً لذلك. أَمّا الزنا فلا يباح بالإباحة، فلا تتمكّن فيه هذه الشبهة. وعلى هذا الخلاف لو غاب المالك عند القطع، فعندنا وعند الشافعيّ وأَحمد: لا يقطع، وعند مالك ومن ذُكِرَ معه: يقطع. (أَوْ) خصومة (ذِي يَدٍ حَافِظٍ كَالمُوْدَعِ وَنَحْوِهِ) وهو المستعير والمستأْجر والمضارب والمُرْتَهِن والأب والوصيّ ومتولي الوقف، فإِن السارق يقطع بخصومة هؤلاء عند علمائنا الثلاثة. وقال الشافعيّ: لا حقّ في الخصومة لغير المالك والوكيل والمودِع والمُرْتَهِن. (وَمَا قُطِعَ) السارق (بِهِ، إِنْ بَقِيَ) ولو في يد من باعه السارق أَوْ وهبه (١) له (رُدَّ) إِلى المالك إِجماعاً، ويبطل البيع أَوْ الهبة إِنْ كان، لأنه بالسرقة لم يزل عن ملكه، ومن وجد عين ماله (فهو) (٢) أَحقّ به (وإِلاّ) أَي وإِن لم يبق ما قُطِعَ السارق به سواء هلك أَوْ اسْتُهْلِكَ (لا يَضْمَنُ) وقال الشافعي وأَحمد وأَبو ثور والنَّخَعِيّ وحمّاد والحسن وإِسحاق والليث (٣) : يضمن في الحالتين، فيجب على السارق ردّ قيمة المسروق إِنْ كان قيميّاً، وردّ مثله إِنْ كان مثلياً لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٤) ولقوله ﵊: «على اليد ما أَخذت حتى تَرُدَّ» (٥) . وقال علماؤنا والثوريّ: لا يجتمع الضمان مع القطع، بل إِنْ ضمنه المالك قبل القطع سقط القطع، وإِن قطعه سقط الضمان، وبه قال عطاء وابن سيرين وابن شُبْرُمة والشعبيّ ومكحول. وقال مالك: إِنْ كان السارق مُعْسِرَاً لا ضمان عليه، وإِن كان مُوْسِرَاً يضمن نظراً للجانبين. ولنا ما روى النَّسائي ولكن بإِسنادٍ فيه مجهول عن عبد الرحمن بن عَوْف: أَنْ

стр. 1561

وَمَعْصُوْمٌ، قَطَعَ الطَّرِيْقَ عَلَى مَعْصُومٍ، فَأُخِذَ قَبْلَ أَخْذِ مَالٍ وَقَتْلٍ، حُبِسَ حَتَّى يَتُوْبَ، === رسول الله ﷺ قال: «لا يَغْرَم صاحب سرقة إِذا أُقِيْمَ عليه الحدّ». قال النَّسائي: هذا مرسل وليس بثابتٍ. وأَخرجه الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» بلفظ: «لا غُرْم على السارق بعد قطع يمينه». قال: والمِسْوَر لم يُدْرِك عبد الرحمن بن عَوْف، فإِن صحّ إِسناده فهو مرسلٌ، وقد تقدّم أَنْ الإرسال غير قادح عندنا بعد ثقة الرواي وأَمانته. وروى الحسن عن أَبي حنيفة وجوبَ الضمان في المُسْتَهْلَك. (وَمَعْصُوْمٌ) أَي مسلمٌ أَوْ ذميٌّ، وهو مبتدأ صفته (قَطَعَ الطَّرِيْقَ) بصيغة الفاعل (عَلَى مَعْصُومٍ فَأُخِذَ) بصيغة المجهول عطف على قطع (قَبْلَ أَخْذِ مَالٍ وَقَتْلٍ حُبِسَ) أَي بعد التعزير، وهو خبر المبتدأ (حَتَّى يَتُوْبَ) أَي يَظهر فيه سِيماء الصالحين. وقال النَّخَعِي وقَتَادة وعطاء وأَحمد: يُشَرَّد (١) قاطع الطريق من الأمصار، وقال طائفةٌ من أَهل العلم، وهو مرويٌّ عن ابن عباس: يُنْفَى من بلده إِلى بلدٍ غيره. وقال مالك وابن سُرَيْج (٢) من أَصحاب الشافعيّ: يُحْبَس في البلد الذي يُنْفَى إِليه. ولنا أَنْ ظاهر الآية يدلّ على النفي من جميع الأرض، وهو لا يمكن، ونفيه عن بلده لا يحصل به المقصود، وهو كَفّ أَذاه عن الناس، ونفيه من (دار) (٣) الإسلام إِلى دار الحرب فيه تعريضه للرِّدَّة وصيرورته حرباً لنا، فقلنا المراد بنفيه من الأرض دفع شره بالحبس، إِذْ الحبس يعدّ خارجاً من الدنيا كما قال الشاعر: *خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنْ أَهْلِهَا ** فَلَسْنَا مِنَ الأَحْيَاءِ فِيْهَا وَلَا المَوْتَى ثم لقطع الطريق شرائط منها: أَنْ تكون لهم شوكةٌ ومَنَعَةٌ وقوةٌ، سواء كانت بالسلاح، أَوْ بالعصا الكبيرة، أَوْ بالحجر أَوْ بغيره، وإِن كان واحداً. ومنها: أَنْ يكون ذلك منهم خارج المِصْر بعيداً عنه، حتّى إِنْ كان في المصر، أَوْ بقرب منه، أَوْ بين قريتين لا يكون قَطْعَاً للطريق، خلافاً لمالك والشافعيّ وتوقّف أَحمد. وعن أَبي يوسف: أَنهم إِنْ كانوا في المصر ليلاً، أَوْ فيما بينه وبين المصر أَقل من مسيرة سفر، يجري عليهم أَحكام القُطَّاع، وعليه الفتوى لمصلحة الناس. ومنها: أَنْ يكون المأْخوذ قدر النصاب، وبه قال الشافعيّ وأَحمد. وقال مالك وأَبو ثور وابن المنذر: لا يشترط النِصَاب لعموم الآية. ومنها: أَنْ يكون القُطَّاع كلّهم أَجانب من المال، ويكون كلّهم من أَهل وجوب

стр. 1562

وإِنْ أَخَذَ، وَنَصِيبُ كُلِّ نِصَابٌ، قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مِن خِلافٍ، وَإنْ قَتَلَ بِلا أَخْذِ مالٍ قُتِلَ حَدًّا، ومَعَهُ قُتِلَ أَوْ صُلِبَ أَوْ قُطِعَ، ثُمَّ قُتِلَ أَوْ صُلِبَ. === القطع، حتى لو كان واحد منهم من أَصحاب المال، أَوْ ذا رحم مَحْرَم منهم، أَوْ صبياً أَوْ مجنوناً، لا يجب عليهم القطع، لأن الجناية واحدةٌ، فالامتناع في حقّ البعض امتناعٌ في حق الباقين، خلافاً لأبي يوسف ومالك والشافعيّ وأَحمد. ولو كان فيهم امرأَة ففي روايةٍ تقطع، وبه قال مالك والشافعيّ وأَحمد، والأصحّ أَنها لا تقطع. ومنها: أَنْ يُؤْخَذُوا قبل التوبة، حتّى لو أُخِذوا بعدها وبعد ردّ المال سقط عنهم الحدّ، ولا خلاف فيه، ولكن لا يسقط القصاص وضمان المال الهالك. (وإِنْ أَخَذَ) مالاً لمسلمٍ أَوْ ذميّ سواء جرح أَوْ لا (وَنَصِيْبُ كُلَ نِصَابٌ، قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ) بأَن قطع يده اليمنى ورجله اليسرى لئلا يفوت جنس المنفعة. (وَإِنْ قَتَلَ بِلَا أَخْذِ مالٍ قُتِلَ حَدًّا) لا قصاصاً حتّى لا يعفو الوليّ (و) إِنْ قتل (مَعَهُ) أَي مع أَخذ المال (قُتِلَ أَوْ صُلِبَ) حيًّا في ظاهر الرواية ثلاثة أَيام، ويُبْعَج بطنه برمحٍ حتّى يموت، أَي يشقّ. (أَوْ قُطِعَ) يده ورجله من خلافٍ (ثُمَّ قُتِلَ أَوْ صُلِبَ) كما ذكرناه، وهذا موافقٌ لـ: «جامع البَزْدَوِي». وفي «الهداية»: وصلب «بالواو» وكلٌّ منهما للإمام فعله، ثم يُنْزَل بعد ثلاثة أَيّام ويُخَلَّى بينه وبين أَهله ليدفنوه، لأنه لو تُرِكَ لتغيّر وتأَذّى الناس به. وقيل: يرى أَبو يوسف تركه مصلوباً حتّى يسقط ليكون أَبلغ في الاعتبار، وقال محمد: يُقْتَل أَوْ يُصْلَب ولا يُقْطَع. وفي عامة المباسيط وشروح الجامع، أَبو يوسف مع محمد، وبه قال الشافعي وأَحمد في روايةٍ ومالك إِنْ كان ذا رأي. وعن أَبي يوسف: أَنْ الإمام لا يَتْرك الصلب، لأنه المنصوص عليه، والمقصود منه التشهير ليرتدع به غيره، وبه قال الشَّافعيّ وأَحمد. وعن الطَّحَاوِيّ: أَنه يقتل ثم يصلب توقياً عن المُثْلَة، وبه قال الشافعي وأَحمد. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الّذِيْنَ يُحَارِبونَ اللَّهَ ورَسُوْلَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسَادَاً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهُم وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌّ في الدُّنْيَا وَلَهُمْ في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيْمٌ إِلاّ الَّذِيْنَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنّ اللَّهَ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ﴾ (١) أَي يحاربون أَولياء الله على حذف مضافٍ. ثم المراد منه ـ والله تعالى أَعلم ـ التوزيع على الأحوال، لأن الجنايات

стр. 1563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === متفاوتة، والحكمة تقتضي أَنْ يتفاوت جزاؤها. وإِنما لم يذكر أَنواع الجناية، لأنها معلومةٌ، فكان بيان جزائها أَهم، وبه قال الشافعي واللّيث وإِسحاق وحمّاد وقَتَادة وأَصحاب أَحمد وَرُوِيَ عن ابن عباس. وقال ابن المُسَيَّب وعطاء ومجاهد والحسن والضَّحَّاك والنَّخَعِيّ وأَبو ثور وداود: إِنْ الإمام مُخَيّرٌ فيه لظاهر النص. وذكر التُمُرْتَاشِي: أَنْ الأحوال عندنا خمسٌ: الأولى: تخويفٌ فقط، وفي هذا: يُعَزّروا أَدنى التعزير، ويُحْبَسوا حتى يتوبوا. والثانية: أَخذ المال، فإِن أُخِذُوا قبل التوبة قطِّعت أَيديهم وأَرجلهم من خلافٍ، وردُّوا المال إِنْ كان قائماً، ولم يَضْمَنُوه إِنْ كان هالكاً. والثالثة: أَنْ يجرحوا لا غير، وفيه: القصاص فيما يجري فيه القصاص، والأرْش (١) فيما لا يجري فيه، واستيفاء ذلك لصاحب الحقّ. والرابعة: أَنْ يأخذوا المال ويجرحوا، وفي هذا: القطع من خلافٍ فقط، ولا حكم للجرح عندنا، لأن حكم ما دون النفس عندنا حكم المال، فيسقط ضمانه مع القطع. والخامسة: أَنْ يأخذوا المال ويقتلوا، أَوْ يقتل أَحدهم معصوماً بسلاحٍ أَوْ غيره، والإمام هنا مخيّرٌ كما ذكرنا في المتن، والله سبحانه أَعلم.

стр. 1564

كِتَابُ الجِهَادِ وَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ إنْ هَجَمَ الكُفَّارُ، فَتَخْرُجُ المَرْأَةُ وَالعَبْدُ بِلا إِذْنٍ، وَفَرْضُ كِفَايَة بَدْأً === كتاب الجِهَادِ هو لغةً: مصدر جَاهَدَ مُجَاهَدَةً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَاهدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (١) ، وهو أعمُّ من المُقَاتَلة لحديث: «رجعنا من الجهادِ الأصغر إلى الجهاد الأكبر» (٢) . وشرعاً: دعاءٌ إلى الدين الحق، وقِتالٌ مع مَنْ لا يَقْبله. ويُسمّى: كتاب السِّيَر، لأنّه يُبيّن فيه سيرة المُسْلِمِينَ في مُعَاملتهم (٣) أهلَ الحرب، وأهلَ الذِّمة، والمُستأمَنين (٤) . (وَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ إنْ هَجَمَ الكُفَّارُ) على بلدٍ وصار النَّفيرُ عاماً، وَلَا يَتَهَيَّأ دفعهم إلا بالكلّ (فَتَخْرُجُ المَرْأَةُ وَالعَبْدُ بِلَا إِذْنٍ) من الزّوج والسيد، لأن حق الزوج والمولى لا يظهر في حقِ فروضِ الأعيان، كالصلاة والصيام، ولذا يخرجُ الولد بغير إذن والديه، والمديونُ بغير إذن دائنه. وفي غير هذه الحالة لا يخرجان إلاّ بإذنهما. وكذا في كل سفرٍ فيه مشقة، لأنّ الإشفاقَ على الولد مضرٌ بوالديه، وعلى المديون يَضُر بدائنه. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وجَاهِدوا بأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ في سَبِيل اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥) أي اخرجوا إلى الجهاد شباباً وشيوخاً، أو رُكباناً ومشاةً، أو عُزّاباً ومناكحين (٦) ، أو أغنياءَ وفقراءَ. (وَفَرْضُ كِفَايَةٍ بَدْأً) أي ابتداءً، وهو أن يبدأَ المسلمون الكفارَ بالمُحاربة كلّ

стр. 1565

إِنْ قَامَ بِهِ بَعْضُ سَقَطَ عَنْ البَاقِينَ، وإلّا أثِمُوا. === سنة (إِنّ قَامَ بِهِ بَعْضٌ) من المسلمين (سَقَطَ عَنْ البَاقِينَ) لحصول المقصود (وإلاّ) أي وإن لم يَقُمْ به البعض (أَثِمُوا) أي أثم كلٌّ من المسلمين بتركه، لأنه فرضٌ عليهم. وفي «الذَّخِيرَة»: عند النَّفِيرِ العام يصيرُ فرضَ عينٍ على مَنْ يَقرُب من العدو وهم يقدرون على الجهاد. وأمّا مَنْ عَدَاهُمْ ممن بَعُدَ، ففي حقّهم فرض كفاية إذا لم يُحتج إليهم، فإذا احتِيجَ إليهم بأن عَجَزَ القريب أو تكاسل ولم يجاهد، يصيرُ فرضَ عينٍ على من يَلِيْهم ثم وثم، إلى أن يُفرضَ على جميع أهل الإسلام شرقاً وغرباً على هذا التدريج، كالصلاة على الميت، تجب على أهل محلَّتِهِ، ولا تجب على بعيدٍ من الميت، إلا إذا علم أنّ أهل الميت يُضَيِّعُون أو عاجِزُونَ عن إِقَامَتِهَا. وقال ابن المسيَّب: الجهاد ابتداءً فرضُ عينٍ. وقال الثوري: ليس بفرضٍ، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُم القِتَالُ﴾ (١) للنّدب، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) . ولنا قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وِالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى﴾ (٣) ، ولو كان فرضَ عينٍ لذمّ تاركَه ولم يَعِد بالحُسنى. وأيضاً كان الصحابة يغزو بعضهم ويقعد بعضهم، ولو كان فرْضَ عينٍ لما قعدوا. وروى أبو داود أنّه ﵊ قال: «لا تزالُ طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرينَ على من نَاوأَهُمْ (٤) حتى يقاتلَ آخرُهم المسيح الدجال». وفي المتفق عليه: «والذي نفسي بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيبُ أنفُسُهم أن يتخلَّفوا عني، ولا أجدُ ما أحملهم عليه ما تخلَّفْتُ عن سريّة تغزو في سبيل الله». وفيه أيضاً: «من جَهَّز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خَلَف غازياً في أهله بخيرٍ فقد غزا». ولأن المقصود منه إِعلاءُ كلمةِ اللَّه وقهرُ أعدائه، وذلك يحصل بالبعض، كصلاة الجنازة وردّ السلام، وعليه انعقد إجماع العلماء الأعلام. وفي «المبسوط» و «الذَّخِيرَة»: كان ﷺ في ابتداء الأمر مأموراً بالصفح عن

стр. 1566

لا عَلَى صَبِيٍّ، وَعَبْدٍ، وَامْرَأَةٍ، وَأَعْمَى، وَمُقْعَدٍ، وَأَقْطَع. فَيُحَاصِرُهُم، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، === المشركين والإِعراض عنهم، لقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ (١) ، وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ (٢) ثم أُمِرَ بالدعاء إلى الدِّين بالموعظة والمُجَادَلَةِ الحسنة بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بَالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) . ثم أمر بالقتال إذا كانت البُداءة منهم بقوله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بَأْنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (٤) أي أُذِنَ لهم في الدَّفع، ثم أُمر بالقتال ابتداءً في بعض الأزمان، وهو غير الأشهر الحُرُم لقوله تعالى: ﴿فَإِذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُم فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُّمُوهُمْ﴾ (٥) ، ثم أُمر بالقتال في الأزمان كلها وفي الأماكن بأسرها بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٦) ، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (٧) ، ﴿وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ (٨) ومما يدلّ على أنَّ تحريم القتال في الأشهر الحُرُم منسوخٌ أنه ﵊ حاصر الطائف لعشرٍ بَقَيْنَ من المحرم، والمُحاصرةُ نوع من المقاتلة. (لَا عَلَى صَبِيَ) أي لا يفترض الجهادُ على صبيّ لضَعْف بُنيتِهِ (وَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ) لتقدّم حقّ المولى والزّوج، ولضعف بنية المرأة (وَأَعْمَى وَمُقْعَدٍ وَأَقْطَعٍ) لعجزهم. والشيخُ الكبير في معناهم، لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيرُ أُولي الضَّرَر والمُجَاهِدُونَ﴾ (٩) ، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (١٠) ، (فَيُحَاصِرُهُمْ) الإمامُ أو نائبُه إذا دخل أرضَهم (وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ) وجوباً أو ندباً لما سيأتي، فإن أجابوا كفّ عنهم، لما في «الصحيحين» عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أُمرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتّى

стр. 1567

وَإنْ أَبَوْا، فَإِلَى الجِزْيَةِ، فَإِنْ قَبِلُوا، فَلَهُمْ مَا لَنَا، وَعَلَيهِم مَا عَلَينَا. فَإِنْ أَبَوْا يُقَاتِلُهُمْ بِمَا يُهْلِكُهُمْ، === يقولوا: لا إله إلاّ الله، فمن قالها عَصَمَ مني ماله ونفسه إلا بحقِّهِ، وحسابهُ على الله». وروى أحمد وعبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سفيان الثوري، عن ابن أبي نَجِيح، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ما قاتَلَ رسول الله ﷺ قوماً حتّى دعاهم إلى الإِسلام. (فَإِنْ أَبَوْا) عن الإِسلام (فَإِلَى الجِزْيَةِ) أي فيدعوهم إلى قَبُول الجزية، لما رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه أنه ﵊ كان إذا أمَّرَ أميراً على جيشٍ أو سريّةٍ أمره به. وهذا إن كانوا ممّن تُقبل منهم الجزية، وأمّا مَنْ لا تقبل منهم كالمرتدينَ وعبدة الأوثان من العرب الذين لا يُقبل منهم إلا الإسلام، فلا فائدة في دعائِهِم إلى الجزية. (فَإِنْ قَبِلُوا) إعطاء الجزية، (فَلَهُمْ مَا لَنَا) وليس معناه أنه يجب عليهم من العبادات وغيرها ما يجبُ علينا، لأنّ الكفارَ لا يخاطبون بالعبادات عندنا، (وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا) أي إذا تعرَّضنا لدمائهم وأموالهم، أو تعرّضوا لدمائنا وأموالنا، لقول عليّ: من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا، ودِيَتُه كدِيَتِنَا. رواه الدَّارَقُطْنِيّ، وفي إسناده أبو الجَنُوب (١) . وأمّا في «الهداية» لقول عليّ: إنما بذلوا الجزية ليكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا. فلا يعرف بهذا اللفظ. (فَإِنْ أَبَوْا) من قَبُول الجزية (يُقَاتِلُهُمْ) أي الإمام (بِمَا يُهْلِكُهُمْ) من رميٍ بِمَنْجَنِيقٍ، وتحريقٍ بنارٍ، وتغريقٍ بماءٍ، ولو كان معهم مسلم. وقال مالك والشافعيّ وأحمد: إذا عَلِمَ أَنّ فيهم مسلماً وأنه يتلفُ بهذا الصُّنعِ، لم يَحِلّ، إلا إن يَخْاف انهزامَ المسلمين إذا لم يفعل. ولنا: أنه لو اعتبر هذا المعنى لانسد باب القتال معهم، لأن حصونَهم ومدائنهم قلّ ما يخلو عن مسلم، وأما لو غلب على حصنهم وكان فيهم ذميٌّ مجهولٌ لا يُعرف بعينه، فلا يجوز قتل العام. ولو تَتَرَّسُوا بأُسارى من المسلمين أو بصبيانٍ منهم لم يَكُفَّ عنهم، ويقصدُهم دون مَنْ تَتَرَّسُوا به، لأنه يَلْزمُنَا التمييز فعلاً إن قَدَرنا عليه، وإلاّ يلزمُنَا نيتُه، إذ الطاعة بحسب الطاقة، ولا ديَة علينا ولا كفارةَ فيما أصبنا منهم، لأن الجهاد فرضٌ، فيمنع كون الفعل تعدياً. وقال مالك والشافعيّ وأحمد: إن لم تدعُ الضرورةُ إلى رميهم لم يجز رميهم. هذا، وقال الواقدي في «كتاب المغازي»: قال سلمان الفارسي: يا رسول الله

стр. 1568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أرى أن تَنْصِبَ عليهم المَنْجَنِيق، فإنا كنّا بأرض فارس ننصب المجانيق على الحصون، فنُصيب من عدونا، فإن لم يكن منجنيق لطال المقام، فأمره رسول الله ﷺ فعمل منجنيقاً بيده، فنصبه على (حصن) (١) الطائف. والمَنْجَنِيق: بفتح الميم وتُكسر ـ آلة يُرمى بها الحجارة، معرَّبة، وقد تُذكَّر. فارسيتها: مَنْ: جه نيك، أي ما أجودني. وروى الجماعة إلاّ البخاري عن سليمان بن بُرَيْدَةَ عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سريّةٍ أوصَاه في خاصَّته بتقوى الله وبمن تبعه من المسلمين خيراً ثم قال: «اغزُوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزُوا ولا تَغُلُّوا (٢) ، ولا تَغدِرُوا، ولا تُمَثِّلوا (٣) ، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيتَ عدوك من المشركين فادْعُهم إلى ثلاث خصالٍ ـ أو خلالٍ ـ فَأَيَّتُهن أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم: ادْعُهم إلى الإِسلام، فإن أجابوك فاقبلْ منهم وكُفّ عنهم، ثم ادعُهمْ إلى التَّحَوُّلِ من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنَّهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم. فإن أبَوا أنْ يَتَحَوَّلُوا منها، فأَخْبِرْهُم أنَّهم يَكُونونَ كأعراب المسلمين، يَجْرِي عليهم حُكمُ اللَّهِ الذِي يَجري على المؤمنين، ولا يكونُ لهم في الغنيمة والفَيْءِ شيءٌ إلا أن يُجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أَبَوْا فَسَلْهُمُ الجزية، فإن هم أجَابُوك فاقبلْ منهم وكُفّ عنهم، فإن هم أبَوا فاسْتَعِنْ بالله وقاتِلهم، وإذا حاصَرْتَ أهل حصن فَأَرادوكَ أنْ تجعلَ لهم ذمة اللَّهِ وذمة نبيهِ، فلا تجعلْ لهم ذمةَ اللَّهِ وذِمةَ نبيه، ولكن اجعلْ لهم ذمَّتَكَ وذِمَّةَ أصحابك، فإنكم إن تُخْفِرُوا (٤) ذمتكم وذمة أصحابكُمْ أهونُ من أن تُخْفِرُوا ذمة الله وذِمةَ رسوله، وإذا حاصرتَ أهلَ حِصنٍ فأرادوكَ أنْ تُنزِلَهُمْ على حكم الله، فلا تُنزِلهُم على حكم الله، ولكن أنْزِلهُمْ على حُكْمِكَ، فإنك لا تَدرِي أتُصيبُ حُكْمَ اللَّه فيهم أم لا. (ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم») (٥) .

стр. 1569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فلو نَزَلَ أهلُ حصنٍ على حُكْمِ الله يجيز أبو يوسف القَتْلَ والاسترقاق، والتحرير ذمة لنا، وعيَّن محمد التحرير، لأن الإنزال على حكم الله لا يجوز عنده لما روينا، ففي قوله (١) : وإن أخطأ الإمامُ وأنزلهم على حكم الله، ينبغي له أن يَعْرِضَ عليهم الإسلام، فإن أجابوا لذلك فبها، وإن أبَوْا يَضرِبُ عليهم الجزيةَ وعلى أراضيهم الخَرَاج (٢) ، ولا يقتلُهم ولا يسترقُهم. ولأبي يوسف أنهم أهل حربٍ، وحكمُ اللَّهِ فيهم معلوم. وما رُوِيَ كان في ابتداء الإسلام، ولمَّا استقرّ الشرعُ على هذه الثلاثة عُلِمَ حُكمُ الله فيهم، وهو أحد هذه الثلاثة، ولكن للإمام خيارُ التَّعيين. وروى أحمد في «مسنده» والحاكم في «مستدركه» عن سَلْمان أنه انتهى إلى حِصْنٍ أو مدينة فقال لأصحابه: دعوني أدْعُهم كما رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَدْعُوهُمْ، فقال لهم: إنّما كنتُ رجلاً منكم فهداني الله للإسلام، فإن أسلمتُم فلكم ما لنا، وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فأدوا الجِزْية وأنتم صاغرون، فإن أبيتم نَابَذْنَاكُمْ على سواء، إن اللَّهَ لا يحبّ الخائنين. فعلَ ذلك بهم ثلاثةَ أيام، فلما كان في اليوم الرابع أمر الناس فغزُوا إليها وفتحوها. وروى الستّةُ قوله ﵊ لمُعاذ حين بَعَثه إلى اليمن: «إنك تَقْدُم على قومٍ أهل كتابٍ فادعُهم إلى شهادةِ أنْ لا إله إلاّ الله، فإن أسلموا فبها، وإن لم يُسلموا فادعهم إلى الجزية» … الحديث. ولا يجوز أن يُقاتِل من لم تبلغه الدعوة إلى الإسلام إلا بعد أن يَدْعُوهم، ولو قاتلهم قبل الدعوةِ أَثِمَ، ويُستحبُ أنْ يدعو به من بَلَغته الدعوة مبالغةً في الإنذار إلاّ إذا عَلِم أنّهم بالدعوة يَستعدون أو يحتالون بحيلة أو يَتَحَصَّنون، لأن الدعوةَ مستحبةٌ ودفعُ الضرر واجبٌ. وفي «المحيط»: بلوغُ الدعوة إمّا حقيقةً أو حكماً بأن استفاض شرقاً وغرباً، أنهم إلى ماذا يُدْعَوْن، وعلى ماذا يُقاتَلون، فأقيم ظهورُ الدعوة مُقامها في حق كل مشركٍ، لما روى الشيخان عن ابن عَوْف قال: كتبتُ إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتبَ إليَّ إنما كان ذلك في أول الإسلام، قد أغار رسول الله ﷺ على بني المُصْطَلِق وهم غارّون ـ أي غافلون ـ وأنعامهم تُسقى على الماء،

стр. 1570

وَقَطَعَ شَجَرَهُمْ وَزَرْعَهُمْ، بِلا غَدْرٍ وَغُلُولٍ، وَمُثْلةٍ، === فقتل مقاتِلَتَهم، وسبى ذَرَاريهم (١) ، وأصاب يومئذٍ جُوَيْرِيَةَ بنت الحارث. (وَقَطَعَ شَجَرَهُمْ وَزَرْعَهُمْ) أي يقاتلهم بما يُهلكهم وبقطعهما. وعن الشافعي في قول، وأحمد في روايةٍ: أنه لا يَفعل بهم ذلك إلاّ إذا كانوا يفعلونه بنا. ولنا ما روى أصحاب الكتب الستة عن اللَّيْث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ قَطَعَ نَخَل بني النَّضِير وحرَّق، وهي البُوَيْرة بالتصغير، وفيها نزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِيْنةٍ (٢) أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ (٣) … الآية. وفيها يقول حسّان بن ثابت شعراً: *وَهَانَ على سُراة بني لُؤَيّ ** حريق بالبُوَيْرة مستطير وفي «المحيط»: ينبغي للإمام إذا تيقّن بالفتح بدون التغريق والتحريق أن لا يفعل (بِلَا غَدْرٍ) أي يُقاتلهم بلا خِيانَة ونقضِ عهدٍ. وفي «المحيط»: وهذا بعد الظَّفَر وإعطاء الأمان، وأمّا قبلهما فلا بأس به، يعني لقوله ﵊: «الحرب خَدْعة» (٤) . وأما قول صاحب «الهداية»: ولا بدّ من النَّبْذ تحرزاً عن الغدر، لقوله ﵊: «في العهود وفاء لا غدر». فَرَفْعُهُ غير معروفٍ، وأنّه من كلام عمرو بن عَبَسَة، كما رواه سُليم بن عامر قال: كان بين معاوية والروم عهد، وكان يسير في بلادهم حتّى انقضى العهد، فأغار عليهم، فإذا رجلٌ على دابة أو فَرَسٍ وهو يقول: الله أكبر وفاء لا غدر، وإذا هو عمرو بن عَبَسَة، فسأله معاوية عن ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ كان بَيْنه وبين قومٍ عهدٌ فلا يَحُلَّنَّ عهداً، ولا يَشُدَّنَّه حتى يَمْضي أمَدُه أو ينبذَ إليهم على سَوَاء»؟ قال: فرجع معاوية بالناس. رواه أبو داود والنَّسائي، والترمذي وهذا لفظه، وقال: حسنٌ صحيحٌ. (وَ) بلا (غُلُولٍ) وهو: السرقة من المَغْنَم (وَ) بلا (مُثْلةٍ) بالضم، وهي كقطع عضوٍ وتسويد وجه، وقد سبق النهي في حديث بُرَيْدَة عن هذه الأشياء (٥) . فإن قيل:

стр. 1571

وَقَتْل عَاجِزٍ عَنِ القِتَالِ، إلّا مَلِكَةً، أَوْ ذا رَأْي === روى الشيخان في كتاب الحدود عن أنس أن نفراً من عُكْل ثمانية، وفي لفظ: أن ناساً من عُريْنة قَدِموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام واسْتَوخَمُوا (١) الأرض وسَقِمَت أبدانهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: «ألا تخرجونَ مع راعينا في إبله فتُصيبُون من أبوالها وألبانها»، قالوا: بلى يا رسول الله، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها، فَصَحُّوا، ثم مالوا على الرُّعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام، واستاقوا ذَوْد رسول الله ﷺ أي إبله ـ فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فبعث في أثرِهِم، فَأُتِيَ بهم، فقطع أيديَهم وأرجلَهم، وَسَمَل (٢) أعينَهم وتركهم في الحرَّة حتى ماتوا. وفي لفظ: أُلقُوا في الحرة يَسْتَسْقُون فلا يُسقون، ولم يَحْسِمْهُمْ حتى ماتوا. وفي لفظٍ: فَقَطَعَ أيديَهم وأرجلهم، ثم أمر بمسامير فأحميت ثم كحّلهم بها، وفي لفظٍ: وتركهم بالحَرَّة يعضدون الحجارة. وهذا يدلّ على جواز المُثْلة. أجيب بأنه محمولٌ على النَّسخ، فإن في آخر الحديث قال قتادة: بلغنا أن رسول الله ﷺ كان بعد ذلك يُحث على الصدقة ويَنْهَى عن المُثْلة، وفي لفظٍ لهما: قال قتادة: فحدثني محمد بن سِيرين أن ذلك كان قبل أن تُنَزّل الحدود. وفي لفظٍ للبيهقي: قال أنس: فما خطبَنَا رسول الله ﷺ بعد هذا خُطبة إلا نهى فيها عن المُثْلة. وممن قال بنسخه الشافعي. وروى الوَاقِدِي في كتاب «المغازي» عن إسحاق عن صالح مولى التَّوْأَمة عن أبي هريرة قال: لما قطع النبي ﷺ أيدي أصحاب اللِّقاح وأرجلَهم وسَمَل أعينَهم نزلت هذه الآية: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣) إلى آخر الآية فلم تُسْمَل بعد ذلك عين. قال: وحدّثني أبو جعفر قال: ما بعثَ النبيُّ ﷺ بعد ذلك بعثاً إلا نَهَاهُمْ عن المُثْلَة. أو محمولٌ على أنه فعل بهم ما فعلوا بالرِّعاء، وقد جاء مصرّحاً به عند مسلم عن أنس قال: إنما سَمَلَ النّبيّ ﷺ أعينَ أولئك لأنهم سَمَلُوا أعينَ الرِّعاء. وروى ابن سعد في خبرهم: أنهم قطعوا يد الرَّاعي ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات. وعلى هذا ما فُعِل بهم ليس بمُثْلة، فإنَّ المُثْلة ما كان ابتداءً من غير جزاءٍ. (وَ) بلا (قَتْلِ عَاجِزٍ عَنِ القِتَالِ) كالصبيّ، والمجنون، والأعمى، والمرأة، والشيخ الذي لا يقدر على الصِّياح عند التقاء الصَّفين (إلاّ مَلِكَةً) أو مقاتلاً (أَوْ ذا رأي

стр. 1572

في الحَرْبِ، أو ذَا مَالٍ يَحُثُّ بِهِ، وَأبٍ كَافِرٍ، وَإِخْرَاجِ مُصْحَفٍ وَامْرَأَةٍ إلا في جَيشٍ يُؤْمَنُ. === في الحَرْبِ، أو ذَا مَالٍ يَحُثُّ بِهِ) على القتالِ لتعدي ضررهم، إلاّ أنّ الصبيّ والمجنون يقتلان، ما داما يقاتلان. وغيرهما لا بأس بقتله بعد الأسر، لأنه من أهل العقوبة. وروى الجماعة إلاّ ابن ماجه عن نافع، عن ابن عمر: أن امرأةً وُجِدَت في بعض مغازي رسول الله ﷺ مقتولةً. فنهى النبيّ ﷺ عن قتل النساء والصبيان. وفي لفظ للشيخين: فأنكر قتل النساء والصبيان. وروى أبو داود عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: «انطلقوا باسم الله وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا صغيراً، ولا امرأةً، ولا تَغُلُّوا، وضُمُّوا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا إنّ الله يحب المحسنين». وقد أمر رسول الله ﷺ بقتل دُرَيد (١) بن الصِّمَّة يوم حُنَيْن. وكانوا أحضروه ليدبّر أمرهم، وكان ابن مئة وعشرين سنة. وقيل: كان ابن مئة وستين. وقيل: كان أعمى أيضاً. (وَ) بلا قتل (أبٍ كَافِرٍ) أي ابتداءً لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ (٢) وليس من المعروف فيهما أن يقتلهما. قيّد بالبَدْأ لأن الابن له قتل أبيه الكافر (إذا قصد قتله بحيث) (٣) لا يمكنه دفعه إلاّ بالقتل، لأن مقصود الابن حينئذٍ الدفع. ألا ترى أن الأب المسلم لو شهر سيفه على ابنه بحيث لا يمكن للابن دفعه إلاّ بقتله؟ له أن يقتله فالكافر أولى. ولو كان الأب والابن في سفَرٍ وعطشا، ومع الابن ماء يكفي ولأَحدهما، للابن أن يشربه وإن كان الأب يموت عطشاً، فكذا ههنا وحكم الأم والجدّ والجدّة كالأب. ولو كان الكافر أخاً للمسلم المجاهد كان له أن يقتله ابتداءً بخلاف الباغي إذا كان أخاً للطائع حيث لا يجوز للطائع قتله باتفاقٍ. وعند الشّافعي: يكره له أن يقتل ذا رحمٍ مَحْرَمٍ، وفي ذي رحمٍ غير مَحْرَمٍ وجهان: أحدهما يكره، والآخر لا يكره. ومذهب مالك وأحمد كمذهبنا. ولا يكره للأب قتل ابنه الكافر ابتداءً، وعند الشافعي يكره. (وَ) بلا (إِخْرَاجِ مُصْحَفٍ وَامْرَأَةٍ إلا في جَيْشٍ يُؤْمَنُ) فيه عليهما، لأن الغالب

стр. 1573

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === حينئذٍ السلامة، والغالب كالمتحقق بخلاف الجيش الذي لا يؤمن فيه عليهما وهو السريّة لأن في إخراجهما تعريض المصحف للاستخفاف، وتعريض المرأة للفساد والضياع. وقد روى الجماعة إلاّ الترمذي عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن (إلى أرض العدو) (١) . وفي لفظ لمسلم عنه أيضاً: قال: قال ﵊: «لا تُسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله العدو». ويجوز للعجائز أن يخرجن في العسكر العظيم لإقامة عملٍ يليق بهن كالطبخ والسَّقي والمداواة، لأن خروج النساء مع النبي ﷺ لذلك مشهورٌ. ولا يباشِرْنَ القتال، لأنه يدلّ على ضَعْفِنَا إلاّ للضَّرُورَة. وكُرِه الجُعْل (٢) ، إن وُجِدَ للمسلمين فيء، فليس للإمام أن يضرب الجُعْل على الناس للذين يخرجون إلى الجهاد، وهذا لأنه يشبه الأجرة على الطاعة، وتمحّض الأجرة حرامٌ، فما أشبهها يكره. ولأن بيت المال مُعَدٌ لنوائب المسلمين، وهذا من جملتها، فعلى الإمام كفايتهم منه. وأمّا إن لم يُوجَد فيءٌ فلا بأس بتقوية القاعد المجاهد لقول ابن عبّاس أنه ﵊ استعار من صفوان بن أميّة أَدْرُعاً وسلاحاً في غزوة حُنَيْن فقال: يا رسول الله أَعَارِيَّةٌ مُؤَدّاةٌ؟ قال: «نعم». رواه أحمد والحاكم وقال: حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلم ولم يُخَرِّجاه (٣) . ورواه ابن حِبَّان في «صحيحه» عن صفوان بن أُمَيَّة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين بعيراً وثلاثين دِرْعاً. قال: قلت: أَعَارِيَّةٌ مُؤَدّاةٌ يا رسول الله؟ قال: «نعم». وكان عمر يُغْزِي العَزَبَ (٤) عن ذي الحليلة (٥) ، ويأخذ فرس المقيم فيعطيه

стр. 1574

وَيُصالِحُهُمْ إِنْ كَانَ خَيرًا، وَبِمَالٍ عِنْدَ الحَاجَةِ === المسافر. رواه ابن أبي شَيْبَة والواقدي، ولأنه إعانة على البِرّ، وجهاد بالمال وكلاهما منصوصان. وأحوال الناس في الجهاد تتفاوت، فمنهم من يقدر (عليه) (١) بالنفس والمال لقدرته عليهما، ومنهم من يقدر عليه بالنفس بُقوَّتِهِ دون المال لفقده، ومنهم من يقدر عليه بماله دون النفس لعجزه. فيجهّزُ الغنيُّ بماله الفقيرَ القادر، حتّى يكون الخارج مجاهداً بنفسه، والقاعد بماله. والمؤمنون كالبنيان يَشُدُّ بعضهم بعضاً. (وَيُصَالِحُهُمْ) بلا مالٍ على مدّة يراها (إِنْ كَانَ) الصُّلْح (خَيْراً) للمسلمين لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢) وقد صالح رسول الله ﷺ أهل مكة على أن يضعوا الحرب عشر سنين كما روى ذلك أبو داود. وكان في ذلك نظرٌ للمسلمين، لأنه كان بين (أهل) (٣) مكة وبين أهل حُنَين مواطأةٌ، أي موافقة، وفي نسخة: مُؤَاخاةٌ. (وَ) يصالحهم (بِمَالٍ) يؤخذ (منهم) (٤) للمسلمين (عِنْدَ الحَاجَةِ) لأنه لمّا جازت المصالحة بغير مالٍ، فبالمال أولى. وقيّد بالحاجة، لأنه لو لم يكن لهم حاجة لا يجوز، لأنه ترك الجهاد صورةً ومعنىً، ولقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَونَ﴾ (٥) . ثم المأخوذ من المال يُصْرَف مصارف الجزية، إذا لم ينزل المسلمون بساحتهم بل أرسلوا رسولاً، لأنه مأخوذٌ بقوة المسلمين كالجزية، وأمّا إذا نزلوا بدار الحرب وأحاطوا بهم ثم صالحوهم على مال، فهو غنيمة يخمِّسها الإمام ويَقْسِم الباقي بينهم لكونه مأخوذاً بالقهر. ولو حاصر العدوّ المسلمين، وطلبوا الصلح بمالٍ يأخذونه من المسلمين، لا يفعل ذلك (الإمام) (٦) ، لما فيه من إعطاء الدَّنيّة وإلحاق المذلة بالمسلمين، إلاّ إذا خاف الهلاك، لأن رفع الهلاك بأي طريق أمكن واجبٌ. وقد أراد رسول الله ﷺ يوم الأحزاب أن يصرف الكفّار عن المسلمين بثلث ثمار المدينة كلَّ سنة. فقال سعد بن مُعَاذ، وسعد بن عَبَادة: يا رسول الله، إنْ كان هذا عن

стр. 1575

وَنَبَذَ إِنْ كانَ هو أَنْفَعَ. وَيُقَاتِلُهُمْ قَبْلَ نَبْذٍ إنْ خَانُوا. وَصُولِحَ المُرتَدُّ بِلا مَالٍ، وَإنْ أُخِذَ لا يُرَدُّ. وَلا يُبَاعُ سِلاحٌ وَحَدِيدٌ وَخَيلٌ مِنْهُمْ، وَلَوْ بَعْدَ صُلْحٍ. === وحي فامض بما أُمِرْتَ بِهِ، وإن كان رأياً رأيته، فقد كنّا في الجاهلية لم يكن لنا ولا لهم دين، وكانوا لا يُطْعَمُون من ثمار المدينة إلاّ شراءً أو قِرَىً، فإذا أعزّنا الله وبعث فينا رسوله نعطيهم الدَّنيَّة لا نعطيهم إلاّ السيف. فقال ﵊: «إني رأيت العرب رَمَتْكُم عن قوسٍ واحدٍ فأحببت أن أصرفهم عنكم، فإن أبيتم ذلك فأنتم وذاك» (١) . (وَنَبَذَ) أي طرح الإمام أو نائبه صلحهم (إِنْ كانَ هو) أي النبذ (أَنْفَعَ) لأنّ المصلحة لمّا تبدّلت كان النبذ جهاداً صورةً ومعنىً، وتركه تَرْك الجهاد صورةً ومعنىً. ثم لا بدّ من إعلامهم بالنبذ لقوله تعالى: ﴿وَإِمّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إنّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ (٢) أي على سواءٍ منكم ومنهم في العلم بذلك، وتحرّزاً عن الغدر، لقوله ﵊: «لكلّ غادرٍ لواء يوم القيامة يُعْرَف به». رواه أحمد والشيخان. (وَيُقَاتِلُهُمْ قَبْلَ نَبْذٍ إنْ خَانُوا) لأن النبذ لنقض العهد، وقد انتقض. وتوضيحه أنه يقاتلهم بلا نبذ إن خان مَلِكُهم أو أحدٌ منهم بعلمه، لأنه ﵊ غزا قريشاً بلا إنذارٍ إليهم لمّا نقضوا العهد الذي جُعِل بينه وبينهم في عام الحديبية. (وَصُولِحَ المُرْتَدُّ بِلَا مَالٍ) وكذا الباغي، لأن الإسلام من المرتدّ مرجوٌّ، وكذا الرجوع إلى الحقّ من الباغي، فجاز (٣) تأخير القتال عنهم طمعاً فيه إذا كان في التأخير مصلحةٌ للمسلمين كما في أهل الحرب، وإ نما لا يؤخذ منهم مالٌ، لأن أخذه يشبه أخذ الجزية من جهة أنّ كلاًّ منهما في مقابلة ترك القتال، وهم لا يُقْبَل منهم الجزية فكذا هذا. (وَإِنْ أُخِذَ) المال من المرتدّ على الصلح (لَا يُرَدُّ) عليه، لأنّ أموالهم غير معصومة فجاز أخذها ابتداء بغير رضاهم، ولأنّ في الرَّدِّ عليهم معونةً لهم. (وَلَا يُبَاعُ سِلَاحٌ وَحَدِيدٌ وَخَيْلٌ مِنْهُمْ) لما روى الطَّبراني في «معجمه»، والبَيْهَقِي في «سننه» عن عِمْران بن حُصَيْن أنّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع السلاح في الفتنة. ولأنّ فيه تقوية لهم على الحرب (وَلَوْ) كان البيع (بَعْدَ صُلْحٍ) لأنّ

стр. 1576

وَصَحَّ أَمَانُ حُرٍّ وَحرَّةٍ، === الصلح على شرف النقض أو الانقضاء، ولا يُمْنَعُ أحدٌ من إدخال الطعام والثياب بلادهم. والقياس أن يُمْنَعَ، لأن فيه تقويتهم إلاّ أنا تركناه، لما رواه البَيْهَقي في «دلائل النبوة» عن أبي هُرَيْرَةَ فذكر قصة إسلام ثُمَامة في آخرها. فقال: إني والله ما صبوت ولكن أسلمت وصدّقت محمداً وآمنت به، والذي نفسُ ثُمَامة بيده لا تأتيكم حبةٌ من اليَمَامة ما بقيت حتى يأذن فيها محمدٌ ﷺ . وانصرف إلى بلده ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريش، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثُمَامة يخلِّي إليهم حمل الطعام، ففعله ﵊. ولو شرطوا (في الصلح) (١) أن يردّ عليهم الإمام من جاء منهم مسلماً بطل الشرط عندنا، وبه قال مالك. وقال الشافعي وأحمد في رواية: يجب الوفاء به في الرجال دون النساء، لأن سُهَيْلاً شرط على النبيّ ﷺ في صلح الحُدَيْبِيَة أنّ من جاء منهم يردّه إليهم. ولنا: قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلى الكُفَّارِ﴾ (٢) والشرط الذي (وقع) (٣) في صلح الحُدَيْبِيَة انتسخ بما تلونا، لأنّه كان شاملاً للذكور والإناث. (وَصَحَّ أَمَانُ حُرَ وَحُرَّةٍ) لكافرٍ أو لجماعةٍ أو لأهل حصنٍ أو مدينة مؤبداً أو مؤقتاً، لما روى البخاري في الجهاد ومسلم في الحج من حديث عليّ بن أبي طالب قال: ما كتبنا عن النبيّ ﷺ إلاّ القرآن، وما في هذه الصحيفة، قال رسول الله ﷺ : «المدينة حَرَمٌ، فمن أحدث فيها حدثاً، أو آوى مُحْدِثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صَرْفاً (٤) ولا عَدْلاً (٥) ، وذمة المسلمين واحدةٌ يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صَرْفاً ولا عَدْلاً». والذِّمة: العهد، وأدناهم: أقلّهم، وهو الواحد من الدُّنُوِّ. وفسَّره محمد: بالعبد، فجعله من الدناءة. وأخفرته: إذا نقضت عهده وغدرت به.

стр. 1577

وَإِنْ كَانَ شَرًّا نَبَذَ وَأدَّبَ. وَلَغَا أَمَانَ ذِمِّيٍّ وَأَسِيرٍ وَتَاجِرٍ مَعَهُمْ. وَمَنْ أسْلَمَ ثَمَّةَ ولَم يُهَاجِرْ إِلَينَا. وَأَمَانَ صَبِيٍّ وعَبْدٍ مَحْجُورَيْنِ وَمَجْنُونٍ. === أما أمان الحرّ، فلأنه من أهل القتال ومنعة الإسلام. وأمّا أمان الحرّة، فلما في «الصحيحين»: أنّ أمَّ هاناء قالت: يا رسول الله زعم ابن أمِّي عليّ بن أبي طالب أنه قاتلٌ رجلاً أجَرْتُهُ، فلانٌ ابن هُبَيْرَة، فقال ﵊: «قد أجرنا من أجَرْتِ، وأَمَّنَّا من أمَّنْتِ». وفي «معجم الطَّبَراني» عن أنس بن مالك أنّ زينب بنت رسول الله ﷺ أجارت أبا العاص، فأجاز النبيّ ﷺ جوارها. وأنّ أمّ هاناء بنت أبي طالب أجارت عَقِيلاً، فأجاز النبيّ ﷺ جوارها. وقال: «يجير على المسلمين أدناهم». (وَإِنْ كَانَ) أمان الحرّ أو الحرّة (شَرّاً نَبَذَ) الإمام أو نائبه الأمان رعايةً لمصلحة المسلمين، وتحرّزاً عن الغدر. (وَأدَّبَ) الحرّ والحرّة لاستبداده برأيه في الحرب دون الإمام، بخلاف ما إذا كان الأمان خيراً حيث لا يُؤَدَّبُ واحدٌ منهما، لأنه ربما تفوت (المصلحة) (١) بالتأخير فيكون معذوراً (وَلَغَا أَمَانَ ذِمِّيَ) لأنه يُتَّهم لكونه يوافقهم اعتقاداً، ويميل إليهم فساداً إلاّ إذا أمره مسلمٌ أنْ يُؤَمِّنَهم فيجوز أمانه، لزوال ذلك المعنى برأي المسلم. وعن مالك: يصحّ أمانه، لأن له ذمة فكان تابعاً للمسلمين، والمشهور عنه: أنه لا يصحّ. (وَ) لغا أمان (أَسِيرٍ وَ) أمان (تَاجِرٍ) مسلمٍ (مَعَهُمْ وَ) أمان (مَنْ أسْلَمَ ثَمَّة) أي في دار الحرب (ولَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْنَا) لأن هؤلاء مقهورون تحت أيديهم فلا يخافونهم، والأمان إنَّما يكون من الخوف. ولغا أمان مسلمٍ إذا دخل عسكرَ أهل الحرب في دار الإسلام وأمِنَهُمْ، لأنه مقهورٌ بمنعتهم. وشُرِط صيرورة دار الإسلام دار الحرب: زوال الأمن من المسلمين على أموالهم وأنفسهم، واتِّصال الدَّار بالدّار بلا فصلٍ بينهما، وظهور أحكام الكفر فيها عند أبي حنيفة. واكتفيا بالشرط الثالث في صيرورتها دار حربٍ، كعكسه وهو صيرورة دار الحرب دار الإسلام، فإنه بظهور أحكام الإسلام فيها من غير شرطٍ آخر. (وَ) لغا (أَمَانَ صَبِيَ و) أمان (عَبْدٍ مَحْجُورَيْنِ) عن القتال (وَ) أمان (مَجْنُونٍ) لأن قول الصبيّ والمجنون لا يعتبر كما في الطلاق والعتاق. وقال محمد: يصحّ أمان الصبيّ المحجور، وهو قول مالك وأحمد، قيّد بكونه محجوراً عن القتال، لأنه لو

стр. 1578

فَصلٌ في المَغْنَم وقِسْمَتِهِ ما فُتِحَ عَنْوَةً، قَسَمَهُ الإمَامُ بَيْنَ الجَيْشِ، أَوْ أَقَرَّ أَهْلَهُ بِجِزْيَةٍ وَخَرَاج === كان مأذوناً له فيه، فالأصحّ أنه يصحّ أمانه اتفاقاً. وقال محمد أيضاً: يصحّ أمان العبد المحجور عن القتال، وهو قول أبي يوسف فيما ذكر الكَرْخِيّ، وقول مالك والشافعي وأحمد لقوله ﵊: «ذمة المسلمين واحدةٌ، يسعى بها أدناهم» (١) . ولما روى عبد الرَّزَّاق وابن أبي شيبة في «مصنفيهما» عن مَعْمَر، عن عاصم بن سليمان، عن فُضَيل (٢) بن يزيد الرَّقاشي قال: شهدت قريةً من قرى فارسٍ يقال لها: شاهرتا، فحاصرناها شهراً حتى إذا كنّا ذات يومٍ وطمعنا أن نصبِّحهم انصرفنا عنهم عند المقيل، فتخلّف عبدٌ منا فاستأمنوه. فكتب إليهم في سهمٍ أماناً ثم رمى بها إليهم، فلما رجعنا إليهم خرجوا في ثيابهم ووضعوا أسلحتهم. فقلنا: ما شأنكم؟ قالوا: آمَنْتُمونا. وأخرجوا إلينا السهم فيه كتاب أمانهم. فقلنا: هذا عبدٌ، والعبد لا يقدر على شيءٍ. قالوا: لا ندري عبدكم من حرّكم، وقد خرجنا بأمانٍ، فكتبنا إلى عمر ﵁، فكتب (عمر) (٣) : إن العبد المسلم من المسلمين، وأمانه أمانهم. ولأبي حنيفة وأبي يوسف: أن الأمان جهادٌ معنىً، وهو محجورٌ عليه عن الجهاد، فيكون محجوراً عليه عن الأمان. وحديث الفُضَيل محمولٌ على المأذون له في القتال دون المحجور عليه، والله تعالى أعلم. فصل ـي المَغْنَمِ وَقِسْمَتِهِ (ما فُتِحَ) من البلاد والأراضي (عَنْوَةً) أي قهراً (قَسَمَهُ الإمَامُ بَيْنَ الجَيْشِ) كما فعل رسول الله ﷺ بأرض خَيْبَر كما سيأتي (أَوْ أَقَرَّ أَهْلَهُ بِجِزْيَةٍ) على رؤوسهم (وَخَرَاج) على أَراضيهم، كما فعل عمر بسواد العراق في جماعةٍ من الصحابة كما سيجيء. وقيل: الأوّل هو الأولى عند حاجة الغانمين، والثاني عند عدم حاجتهم ليكون

стр. 1579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عُدَّةً في الزمان الآتي. وقال الشافعي وأحمد: يَقْسِم الأراضي ولا يتركها في أيديهم. وقال مالك في المشهور عنه: وهي وقفٌ على مصالح المسلمين، وعنه: أن الإمام يقسمها كمذهب الشافعي، وعنه: أنه مخيّر كمذهبنا. ولنا: ما روى البخاري في «صحيحه» عن أسلم أنّ عمر قال: والذي نفسي بيده، لولا أن أترك آخر الناس (بَبَّاناً) (١) ليس لهم شيء، ما فُتِحَت عليَّ قرية إلاّ قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خَيْبَر، ولكني أتركها لهم خِزانة يقتسمونها. وما في «الموطأ»: أخبرنا زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: لولا أن نترك آخر الناس لا شيء لهم، ما افتتح المسلمون قرية إلاّ قسمتها سُهماناً كما قسم رسول الله ﷺ خَيْبر سُهماناً. وروى أبو داود في «سننه» من حديث سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يَسَار أنّ رسول الله ﷺ لمّا أفاء الله عليه خَيْبَر، قسمها ستة وثلاثين سهماً، جمع فعزل للمسلمين الشطر ـ ثمانية عشر سهماً ـ يجمع كل سهم مئة، والنبيّ ﷺ معهم له سهمٌ كسهم أحدهم، وعزل رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهماً، وهو الشطر الآخر ـ لنوائبه وما ينزل به من أمر المسلمين، فلمّا صارت الأموال بيد النبيّ ﷺ والمسلمين لم يكن لهم عمّال يكفونهم عملها ـ فدعا رسول الله ﷺ اليهود فعاملهم. زاد أبو عُبَيْد في «كتاب الأموال»: فعاملهم على نصف ما يخرج منها، فلم يزل على ذلك حياة رسول الله ﷺ وأبي بكر حتى كان عمر، فكثر العُمّال في المسلمين وقووا على العمل، فأجلى عمر اليهود إلى الشام وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم. وروى ابن سعد في «الطبقات» وابن زَنْجُويه في كتاب «الأموال» في ترجمة عثمان بن حُنَيْف: أنّ عمر بن الخطاب وجّه عثمان بن حُنَيف على خَرَاج السواد، ورزقه كل يوم ربع شاةٍ وخمسة دراهمٍ، وأمره أن يمسح السواد عامره وغامره، ولا يمسح سَبْخَةً (٢) ولا تلاً ولا أجَمَةً (٣) ولا مستنقعَ ماءٍ ولا ما لا يبلغه الماء. فمسح

стр. 1580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عثمان كل شيء دون الجبل ـ يعني حُلْوان ـ إلى أرض العرب، وهو أسفل الفرات، وكتب إلى عمر: إني وجدت كلَّ شيء بلغه الماء من عامرٍ وغامرٍ ستةً وثلاثين ألفَ ألفِ جَريبٍ. وكان ذراع عمر الذي مسح به السواد: ذراعاً وقبضة. فكتب إليه عمر أن افرض الخَرَاج على كل جَرَيبٍ: عامرٍ أو غامرٍ، عمله صاحبه أو لم يعمله: درهماً وقفيزاً. وافرض على الكَرْم، على كل جَرَيْبٍ: عشرة دراهم، وعلى الرِّطاب: خمسة دراهم، وأطعمهم النَّخل والشجر (كُلَّه) (١) . وقال: هذا قوة لهم على عمارة بلادهم. وفرض على رقابهم، على المُوسِر: ثمانية وأربعين درهماً، وعلى من دونه: أربعة وعشرين درهماً، وعلى من لم يجد شيئاً: اثني عشر درهماً. وقال: درهمٌ لا يُعْوِزُ رجلاً في (كل) شهرٍ. ورفع عنهم (عمر بن الخطاب) (٢) الرِّق بالخَرَاج الذي وضعه في رقابهم، وجعلهم أَكَرَة (٣) في الأرض، وحُمِل من خَرَاج سواد الكوفة إلى عمر في أول سنة ثمانون ألفَ ألفِ درهمٍ، ثم حُمِل من قابل مئةٌ وعشرون ألفَ ألفِ درهمٍ، ثم لم يزل كذلك (٤) . أي في التزايد. وفي «المحيط»: إن الجَريب: ستون ذراعاً بذراع الملك كسرى، وهو يزيد على ذراع العامة بقبضة، انتهى. والقفيز الهاشمي: أربعة أَمْنَاء، والمَنُّ: مئتان وستون درهماً. وفي كتب السير والتواريخ: أن عمر استشار الصحابة مراراً، ثم جمعهم فقال: أما إني تلوت آية من كتاب الله استغنيت بها عنكم، ثم تلا قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهلِ القُرَى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ﴾ (٥) إلى قوله: ﴿وَالَّذِين تَبَوَّؤُا الدَّارَ والإِيمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فقال: أَرى لمن بعدكم نصيباً في الفيء، فلو قسمتها بينكم لم يكن لمن بعدكم في الفيء نصيبٌ بها عليهم، وجعل الجزية على رؤوسهم، والخراج على أراضيهم ليكون ذلك لهم ولمن يأتي بعدهم من المسلمين. ولم يخالفه في ذلك إلاّ نفرٌ يسيرٌ، منهم بلال، ولم يزالوا على خلافه حتى دعا عليهم على المنبر: اللهم اكفني بلالاً وأصحابه، فما حال عليهم الحول وفيهم عينٌ تَطْرِف، أي: ماتوا جميعاً.
следующие страницы →