← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وَصَحَّ أَمَانُ حُرٍّ وَحرَّةٍ، === الصلح على شرف النقض أو الانقضاء، ولا يُمْنَعُ أحدٌ من إدخال الطعام والثياب بلادهم. والقياس أن يُمْنَعَ، لأن فيه تقويتهم إلاّ أنا تركناه، لما رواه البَيْهَقي في «دلائل النبوة» عن أبي هُرَيْرَةَ فذكر قصة إسلام ثُمَامة في آخرها. فقال: إني والله ما صبوت ولكن أسلمت وصدّقت محمداً وآمنت به، والذي نفسُ ثُمَامة بيده لا تأتيكم حبةٌ من اليَمَامة ما بقيت حتى يأذن فيها محمدٌ ﷺ . وانصرف إلى بلده ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريش، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثُمَامة يخلِّي إليهم حمل الطعام، ففعله ﵊. ولو شرطوا (في الصلح) (١) أن يردّ عليهم الإمام من جاء منهم مسلماً بطل الشرط عندنا، وبه قال مالك. وقال الشافعي وأحمد في رواية: يجب الوفاء به في الرجال دون النساء، لأن سُهَيْلاً شرط على النبيّ ﷺ في صلح الحُدَيْبِيَة أنّ من جاء منهم يردّه إليهم. ولنا: قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلى الكُفَّارِ﴾ (٢) والشرط الذي (وقع) (٣) في صلح الحُدَيْبِيَة انتسخ بما تلونا، لأنّه كان شاملاً للذكور والإناث. (وَصَحَّ أَمَانُ حُرَ وَحُرَّةٍ) لكافرٍ أو لجماعةٍ أو لأهل حصنٍ أو مدينة مؤبداً أو مؤقتاً، لما روى البخاري في الجهاد ومسلم في الحج من حديث عليّ بن أبي طالب قال: ما كتبنا عن النبيّ ﷺ إلاّ القرآن، وما في هذه الصحيفة، قال رسول الله ﷺ : «المدينة حَرَمٌ، فمن أحدث فيها حدثاً، أو آوى مُحْدِثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صَرْفاً (٤) ولا عَدْلاً (٥) ، وذمة المسلمين واحدةٌ يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صَرْفاً ولا عَدْلاً». والذِّمة: العهد، وأدناهم: أقلّهم، وهو الواحد من الدُّنُوِّ. وفسَّره محمد: بالعبد، فجعله من الدناءة. وأخفرته: إذا نقضت عهده وغدرت به.

стр. 1577

وَإِنْ كَانَ شَرًّا نَبَذَ وَأدَّبَ. وَلَغَا أَمَانَ ذِمِّيٍّ وَأَسِيرٍ وَتَاجِرٍ مَعَهُمْ. وَمَنْ أسْلَمَ ثَمَّةَ ولَم يُهَاجِرْ إِلَينَا. وَأَمَانَ صَبِيٍّ وعَبْدٍ مَحْجُورَيْنِ وَمَجْنُونٍ. === أما أمان الحرّ، فلأنه من أهل القتال ومنعة الإسلام. وأمّا أمان الحرّة، فلما في «الصحيحين»: أنّ أمَّ هاناء قالت: يا رسول الله زعم ابن أمِّي عليّ بن أبي طالب أنه قاتلٌ رجلاً أجَرْتُهُ، فلانٌ ابن هُبَيْرَة، فقال ﵊: «قد أجرنا من أجَرْتِ، وأَمَّنَّا من أمَّنْتِ». وفي «معجم الطَّبَراني» عن أنس بن مالك أنّ زينب بنت رسول الله ﷺ أجارت أبا العاص، فأجاز النبيّ ﷺ جوارها. وأنّ أمّ هاناء بنت أبي طالب أجارت عَقِيلاً، فأجاز النبيّ ﷺ جوارها. وقال: «يجير على المسلمين أدناهم». (وَإِنْ كَانَ) أمان الحرّ أو الحرّة (شَرّاً نَبَذَ) الإمام أو نائبه الأمان رعايةً لمصلحة المسلمين، وتحرّزاً عن الغدر. (وَأدَّبَ) الحرّ والحرّة لاستبداده برأيه في الحرب دون الإمام، بخلاف ما إذا كان الأمان خيراً حيث لا يُؤَدَّبُ واحدٌ منهما، لأنه ربما تفوت (المصلحة) (١) بالتأخير فيكون معذوراً (وَلَغَا أَمَانَ ذِمِّيَ) لأنه يُتَّهم لكونه يوافقهم اعتقاداً، ويميل إليهم فساداً إلاّ إذا أمره مسلمٌ أنْ يُؤَمِّنَهم فيجوز أمانه، لزوال ذلك المعنى برأي المسلم. وعن مالك: يصحّ أمانه، لأن له ذمة فكان تابعاً للمسلمين، والمشهور عنه: أنه لا يصحّ. (وَ) لغا أمان (أَسِيرٍ وَ) أمان (تَاجِرٍ) مسلمٍ (مَعَهُمْ وَ) أمان (مَنْ أسْلَمَ ثَمَّة) أي في دار الحرب (ولَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْنَا) لأن هؤلاء مقهورون تحت أيديهم فلا يخافونهم، والأمان إنَّما يكون من الخوف. ولغا أمان مسلمٍ إذا دخل عسكرَ أهل الحرب في دار الإسلام وأمِنَهُمْ، لأنه مقهورٌ بمنعتهم. وشُرِط صيرورة دار الإسلام دار الحرب: زوال الأمن من المسلمين على أموالهم وأنفسهم، واتِّصال الدَّار بالدّار بلا فصلٍ بينهما، وظهور أحكام الكفر فيها عند أبي حنيفة. واكتفيا بالشرط الثالث في صيرورتها دار حربٍ، كعكسه وهو صيرورة دار الحرب دار الإسلام، فإنه بظهور أحكام الإسلام فيها من غير شرطٍ آخر. (وَ) لغا (أَمَانَ صَبِيَ و) أمان (عَبْدٍ مَحْجُورَيْنِ) عن القتال (وَ) أمان (مَجْنُونٍ) لأن قول الصبيّ والمجنون لا يعتبر كما في الطلاق والعتاق. وقال محمد: يصحّ أمان الصبيّ المحجور، وهو قول مالك وأحمد، قيّد بكونه محجوراً عن القتال، لأنه لو

стр. 1578

فَصلٌ في المَغْنَم وقِسْمَتِهِ ما فُتِحَ عَنْوَةً، قَسَمَهُ الإمَامُ بَيْنَ الجَيْشِ، أَوْ أَقَرَّ أَهْلَهُ بِجِزْيَةٍ وَخَرَاج === كان مأذوناً له فيه، فالأصحّ أنه يصحّ أمانه اتفاقاً. وقال محمد أيضاً: يصحّ أمان العبد المحجور عن القتال، وهو قول أبي يوسف فيما ذكر الكَرْخِيّ، وقول مالك والشافعي وأحمد لقوله ﵊: «ذمة المسلمين واحدةٌ، يسعى بها أدناهم» (١) . ولما روى عبد الرَّزَّاق وابن أبي شيبة في «مصنفيهما» عن مَعْمَر، عن عاصم بن سليمان، عن فُضَيل (٢) بن يزيد الرَّقاشي قال: شهدت قريةً من قرى فارسٍ يقال لها: شاهرتا، فحاصرناها شهراً حتى إذا كنّا ذات يومٍ وطمعنا أن نصبِّحهم انصرفنا عنهم عند المقيل، فتخلّف عبدٌ منا فاستأمنوه. فكتب إليهم في سهمٍ أماناً ثم رمى بها إليهم، فلما رجعنا إليهم خرجوا في ثيابهم ووضعوا أسلحتهم. فقلنا: ما شأنكم؟ قالوا: آمَنْتُمونا. وأخرجوا إلينا السهم فيه كتاب أمانهم. فقلنا: هذا عبدٌ، والعبد لا يقدر على شيءٍ. قالوا: لا ندري عبدكم من حرّكم، وقد خرجنا بأمانٍ، فكتبنا إلى عمر ﵁، فكتب (عمر) (٣) : إن العبد المسلم من المسلمين، وأمانه أمانهم. ولأبي حنيفة وأبي يوسف: أن الأمان جهادٌ معنىً، وهو محجورٌ عليه عن الجهاد، فيكون محجوراً عليه عن الأمان. وحديث الفُضَيل محمولٌ على المأذون له في القتال دون المحجور عليه، والله تعالى أعلم. فصل ـي المَغْنَمِ وَقِسْمَتِهِ (ما فُتِحَ) من البلاد والأراضي (عَنْوَةً) أي قهراً (قَسَمَهُ الإمَامُ بَيْنَ الجَيْشِ) كما فعل رسول الله ﷺ بأرض خَيْبَر كما سيأتي (أَوْ أَقَرَّ أَهْلَهُ بِجِزْيَةٍ) على رؤوسهم (وَخَرَاج) على أَراضيهم، كما فعل عمر بسواد العراق في جماعةٍ من الصحابة كما سيجيء. وقيل: الأوّل هو الأولى عند حاجة الغانمين، والثاني عند عدم حاجتهم ليكون

стр. 1579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عُدَّةً في الزمان الآتي. وقال الشافعي وأحمد: يَقْسِم الأراضي ولا يتركها في أيديهم. وقال مالك في المشهور عنه: وهي وقفٌ على مصالح المسلمين، وعنه: أن الإمام يقسمها كمذهب الشافعي، وعنه: أنه مخيّر كمذهبنا. ولنا: ما روى البخاري في «صحيحه» عن أسلم أنّ عمر قال: والذي نفسي بيده، لولا أن أترك آخر الناس (بَبَّاناً) (١) ليس لهم شيء، ما فُتِحَت عليَّ قرية إلاّ قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خَيْبَر، ولكني أتركها لهم خِزانة يقتسمونها. وما في «الموطأ»: أخبرنا زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: لولا أن نترك آخر الناس لا شيء لهم، ما افتتح المسلمون قرية إلاّ قسمتها سُهماناً كما قسم رسول الله ﷺ خَيْبر سُهماناً. وروى أبو داود في «سننه» من حديث سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يَسَار أنّ رسول الله ﷺ لمّا أفاء الله عليه خَيْبَر، قسمها ستة وثلاثين سهماً، جمع فعزل للمسلمين الشطر ـ ثمانية عشر سهماً ـ يجمع كل سهم مئة، والنبيّ ﷺ معهم له سهمٌ كسهم أحدهم، وعزل رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهماً، وهو الشطر الآخر ـ لنوائبه وما ينزل به من أمر المسلمين، فلمّا صارت الأموال بيد النبيّ ﷺ والمسلمين لم يكن لهم عمّال يكفونهم عملها ـ فدعا رسول الله ﷺ اليهود فعاملهم. زاد أبو عُبَيْد في «كتاب الأموال»: فعاملهم على نصف ما يخرج منها، فلم يزل على ذلك حياة رسول الله ﷺ وأبي بكر حتى كان عمر، فكثر العُمّال في المسلمين وقووا على العمل، فأجلى عمر اليهود إلى الشام وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم. وروى ابن سعد في «الطبقات» وابن زَنْجُويه في كتاب «الأموال» في ترجمة عثمان بن حُنَيْف: أنّ عمر بن الخطاب وجّه عثمان بن حُنَيف على خَرَاج السواد، ورزقه كل يوم ربع شاةٍ وخمسة دراهمٍ، وأمره أن يمسح السواد عامره وغامره، ولا يمسح سَبْخَةً (٢) ولا تلاً ولا أجَمَةً (٣) ولا مستنقعَ ماءٍ ولا ما لا يبلغه الماء. فمسح

стр. 1580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عثمان كل شيء دون الجبل ـ يعني حُلْوان ـ إلى أرض العرب، وهو أسفل الفرات، وكتب إلى عمر: إني وجدت كلَّ شيء بلغه الماء من عامرٍ وغامرٍ ستةً وثلاثين ألفَ ألفِ جَريبٍ. وكان ذراع عمر الذي مسح به السواد: ذراعاً وقبضة. فكتب إليه عمر أن افرض الخَرَاج على كل جَرَيبٍ: عامرٍ أو غامرٍ، عمله صاحبه أو لم يعمله: درهماً وقفيزاً. وافرض على الكَرْم، على كل جَرَيْبٍ: عشرة دراهم، وعلى الرِّطاب: خمسة دراهم، وأطعمهم النَّخل والشجر (كُلَّه) (١) . وقال: هذا قوة لهم على عمارة بلادهم. وفرض على رقابهم، على المُوسِر: ثمانية وأربعين درهماً، وعلى من دونه: أربعة وعشرين درهماً، وعلى من لم يجد شيئاً: اثني عشر درهماً. وقال: درهمٌ لا يُعْوِزُ رجلاً في (كل) شهرٍ. ورفع عنهم (عمر بن الخطاب) (٢) الرِّق بالخَرَاج الذي وضعه في رقابهم، وجعلهم أَكَرَة (٣) في الأرض، وحُمِل من خَرَاج سواد الكوفة إلى عمر في أول سنة ثمانون ألفَ ألفِ درهمٍ، ثم حُمِل من قابل مئةٌ وعشرون ألفَ ألفِ درهمٍ، ثم لم يزل كذلك (٤) . أي في التزايد. وفي «المحيط»: إن الجَريب: ستون ذراعاً بذراع الملك كسرى، وهو يزيد على ذراع العامة بقبضة، انتهى. والقفيز الهاشمي: أربعة أَمْنَاء، والمَنُّ: مئتان وستون درهماً. وفي كتب السير والتواريخ: أن عمر استشار الصحابة مراراً، ثم جمعهم فقال: أما إني تلوت آية من كتاب الله استغنيت بها عنكم، ثم تلا قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهلِ القُرَى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ﴾ (٥) إلى قوله: ﴿وَالَّذِين تَبَوَّؤُا الدَّارَ والإِيمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فقال: أَرى لمن بعدكم نصيباً في الفيء، فلو قسمتها بينكم لم يكن لمن بعدكم في الفيء نصيبٌ بها عليهم، وجعل الجزية على رؤوسهم، والخراج على أراضيهم ليكون ذلك لهم ولمن يأتي بعدهم من المسلمين. ولم يخالفه في ذلك إلاّ نفرٌ يسيرٌ، منهم بلال، ولم يزالوا على خلافه حتى دعا عليهم على المنبر: اللهم اكفني بلالاً وأصحابه، فما حال عليهم الحول وفيهم عينٌ تَطْرِف، أي: ماتوا جميعاً.

стр. 1581

وَقَتَلَ الأَسْرَى، أوِ اسْتَرَقَّهُمْ، أوْ تَرَكَهُمْ أَحْرَارًا ذِمَّةً لنا. وَنُفِيَ مِنْهُمْ === (وَقَتَلَ الأَسْرَى) إذا لم يسلموا سواء كانوا من مشركي العرب، أو من المرتدين، أو من غيرهم (أوِ اسْتَرَقَّهُمْ أوْ تَرَكَهُمْ أَحْرَاراً (ذِمَّةً) (١) لنا) أي مضروباً عليهم الجزية إذا كانوا من غير مشركي العرب وغير المرتدين. أمّا القتل فلأَنَّة لحسم مادة فسادهم، ولأنه ﷺ قتل أُسارى بني قُرَيْظَةَ، وكانوا ما بين الثمان مئة والتسع مئة. وأمّا الاسترقاق أو تركهم أحراراً ذمة لنا، فلأن في ذلك منفعةً للمسلمين مع دفع شرّهم، ولما فعل عمر بأهل سواد العراق. قيّدنا بعدم إسلامهم، لأن الإمام ليس له فيمن أسلم منهم إلا الاسترقاق، لأن قتل الأسير أو وضع الجزية عليه بعد إسلامه لا يجوز. وقيّدنا استرقاقهم أو تركهم أحراراً بغير المشركين وغير المرتدّين، لأن هاتين الفرقتين ليس فيهم إذا لم يسلموا إلاّ القتل. روى الشيخان عن أنس أن النبيّ ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه مِغْفَرٌ (٢) ، فلمّا نزعه جاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله ابن خَطَلٍ متعلِّقٌ بأستار الكعبة. فقال: «اقتلوه». وروى أصحاب «السنن الأربعة» أنّ عطِيَّة القُرَظِيّ قال: كنت فيمن أُخِذَ من سبي قُرَيْظَة، فكانوا يقتلون من ثبت، ويتركون من لم يثبت، فكنت فيمن تُرِكَ. وروى البيهقي في «دلائل النبوة» عن جابر قال: رُمِيَ سعد بن مُعَاذ يوم الأحزاب فقطعوا أَكْحَلَه، فحسمه (٣) رسول الله ﷺ بالنار، فانتفخت يده (فتركه) (٤) فنزفه الدَّم فحسمه أخرى فانتفخت. فلمّا رأى سعدٌ ذلك قال: اللَّهم لا تُخرج نفسي حتى تقرّ عيني من بني قُرَيْظَة. فاستمسك عرقه فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد بن مُعَاذ، فأرسل إليه رسول الله ﷺ فحكم أن يُقْتَلَ رجالهم، وتُسْبَى نساؤهم، وذراريهم يستعين بهم المسلمون. فقال رسول الله ﷺ لسعد: «لقد أصبت حكم الله فيهم». وكانوا أربع مئة، فلمّا فرغ من قتلهم انفتق (٥) عرقه فمات. والأَكْحَل: عِرْق في اليد، وهو عرق الحياة. (وَنُفِيَ) بضم النون وكسر الفاء أي مُنِعَ (مَنُّهُمْ) بفتح الميم وتشديد النون أي

стр. 1582

وَفِدَاؤُهُمْ وَرَدُّهُمْ إِلَى دَارِهِمْ، === تركهم من غير أن يُؤْخَذَ شيءٌ منهم. وقال الشافعي: يجوز لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمّا فِدَاءً﴾ (١)، ولما روى البخاري في «صحيحه» أنّ عمر بن الخطَّاب أصاب جاريتين من سَبْي حُنَيْن، فوضعهما في بعض بيوت مكة. قال: فمنَّ رسول الله ﷺ على سبي حُنَيْنٍ، فجعلوا يسعون في السكك، قال عمر: يا عبد الله انظر ما هذا؟ فقال: مَنَّ رسول الله ﷺ على السَّبْي. قال: اذهب فأرسل الجاريتين. ولنا: قوله تعالى في سورة براءة: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ (٢) وهي آخر سورة نزلت، فكان ناسخاً لآية المنّ والفِدَاء، ولما وقع في غزوة حُنَيْن لتقدّمهما. (وَ) مُنِعَ (فِدَاؤُهُمْ) بمالٍ أو بأَسيرٍ مسلمٍ، لأنهم يعودون حرباً على المسلمين، ودفع شرّ حِرَابتِهم خيرٌ من استنفاذ الأسير المسلم من يدهم. (وَ) مُنِعَ (رَدُّهُمْ إِلَى دَارِهِمْ) لأنّ فيه تقويتهم على المسلمين. وقال أبو يوسف ومحمد: يُفَادى بهم أُرسارى المسلمين. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز المفاداة بنسائهم. وقال أحمد أيضاً: لا يجوز المفاداة بصبيانهم. وعن أبي حنيفة: أنه لا بأس بأن يُفَادى بهم أُسارى المسلمين، لأن تخليص المسلم من أيديهم واجبٌ ولا يُتَوَصَّلُ إليه إلاّ به. وفي «السير الكبير»: إنّ هذا قولهما، وأظهر الروايتين عن أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يجوز المفاداة بأُسارى المسلمين قبل القسمة لا بعدها، لأن الثابت بعد القسمة حقيقة الملك، فلا يجوز إبطاله بدون رضى مالكه بعوض كسائر المعاوضات. وأمّا المفاداة بمالٍ فلا يجوز في المشهور من المذهب، لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ (٣) الآية، ولقوله ﵊: «لو نزل بنا عذابٌ لَمَا نجى إِلاّ عمر» (٤). وذلك لأنه أشار بقتلهم. وفي «السير الكبير»: ولا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة استدلالاً بأُسارى بدر. وللإمام فداءُ أُسارانا بهم في الأظهر من الروايتين عن أبي حنيفة، وبه قالا لما روى مسلم من حديث سَلَمَة بن الأَكْوَع قال: خرجنا مع أبي بكر ـ أمَّره علينا رسول الله ﷺ فغزونا فَزَارة، فلمّا كان بيننا وبين الماء ساعة أمرنا أبو بكر فَعَرَّسْنَا (٥)، ثم شنّ الغارة أي صبَّها عليهم من كل وجهٍ، فورد الماء، فقتل من قتل عليه

стр. 1583

وَقِسْمَةُ مَغْنَمٍ ثَمَّةَ، إِلَّا إِيدَاعًا. === وسبى، ونظرت إلى عُنُقٍ (١) من الناس فيهم الذَّرَارِيُّ (٢) ، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلمّا رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم، وفيهم امرأة من بني فَزَارة، عليها قَشْعٌ من أَدْم ـ والقَشْعُ: النَّطْع (٣) ـ معها ابنةٌ لها من أحسن الناس، فسقتهم حتّى أتيت بهم أبا بكر، فنفلني ابنتها. فقدِمْنا المدينة، فلقيني رسول الله، ﷺ في السوق فقال: «يا سلمة هب لي المرأة، لله أبوك» فقلت: هي لك يا رسول الله فَوَاللَّهِ ما كشفتُ لها ثوباً. فبعث بها رسول الله ﷺ إلى مكة، ففدى بها ناساً من المسلمين كانوا أُسِرُوا بمكَّة. وروى مسلم أيضاً وأبو داود والترمذي وقال: حسنٌ صحيحٌ، واللفظ له عن أبي المُهَلَّب، عن عِمْرَان بن حُصَيْن: أن رسول الله ﷺ فدى رجلين من المسلمين برجلٍ من المشركين. وعندنا تذبح وتحرق مواشٍ (شقّ) (٤) نقلها، لأن في تركها على حالها كما قال الشافعي، تقوية لهم، وفي عقرها كما قال مالك، تعذيباً ومُثْلة بها، والذبح للمصلحة جائز، وإلحاق الغيظ بهم من أقوى المصالح، وهو مندوبٌ بالنص، فصارت كسلاحٍ يمكن حرقه فإنه يحرق اتفاقاً لئلا يستعينوا به فيما بعد، فإن لم يمكن حرقه دفن في مَضْيَعَةٍ (٥) بحيث لا يهتدون إليه، أو ألْقِيَ في البحر. ودليل الشافعي ما في «مصنف ابن أبي شَيْبَة»: أنّ أبا بكر بعث جيوشاً إلى الشام فخرج يتبع يزيد بن أبي سُفْيان، قال: إني أوصيك لا تقتلن صبياً ولا امرأة إلى أن قال: ولا بقرة إلاّ لمأكلةٍ. لكنه يحمل على ما يمكن نقلها جمعاً بين الأقوال. وأمّا ما في «الهداية» نهيه ﵊ عن ذبح الحيوان إلا لأكْلِه، فغيرُ معروفٍ. (وَ) مُنِعَ (قِسْمَةُ مَغْنَمٍ ثَمَّة) أي في دار الحرب (إِلاَّ إيدَاعاً) وصورتها أن لا يكون للإِمام من بيت المال ما يحمل عليه الغنيمة، فيقسمها بين الغانمين ليحملوها إلى دار الإسلام، ثم يرتجعها منهم فيها. وقال الشافعي: لا بأس بالقسمة في دار الحرب بعدما تمّ انهزام المشركين، وبه قال عطاء. وقال مالك: يعجل قسمة الأموال في دار الحرب، ويؤخر قسمة السبي إلى دار الإسلام. وأصل هذا أن الملك لا يثبت للغانمين قبل

стр. 1584

والرِدْءُ وَمَدَدٌ لَحقَهُمْ ثَمَّةَ كَمُقَاتِل فِيهِ، لا سوقِيّ لَمْ يُقَاتِلْ، وَلا مَنْ مَاتَ ثَمَّةَ. وَيُورَثُ قِسْطُ مَنْ مَاتَ هُنَا. وَحَلَّ لَنَا ثَمَّةَ طَعَامٌ وَعَلَفٌ وَدُهْنٌ وَحَطَبٌ وَسِلاحٌ بِهِ حَاجَةٌ، لا بَعْدَ الخُرُوجِ مِنْهَا. === الإحراز بدار الإسلام عندنا، وعندهم يثبت بالاستيلاء بعدما تمّ انهزام المشركين، وبه قال أحمد. ولنا: أن الاستيلاء بإثبات اليد، والنقل، إذ القوة لهم في دارهم، فصار القسم فيها كالقسم قبل الهزيمة. وأمّا قسمته ﵊ غنائم خَيْبَر فيها، وغنائم بني المُصْطلِق في دارهم، فليس من محل الخلاف، لأنه ﵊ لمّا فتح تلك البلاد صارت دار الإسلام ولا خلاف فيها، وإنما الخلاف فيما لم يصر دار الإِسلام. (والرِدْءُ) مبتدأ وهو بكسر الراء وسكون الدال فهمزة، بمعنى العون ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ (١) (وَمَدَدٌ لَحِقَهُمْ ثَمَّةَ) أي في دار الحرب (كَمُقَاتِلٍ) خبر المبتدأ (فِيهِ) أي في المغنم، خلافاً للشافعي. وقد مهدنا الأصل في ذلك. (لا سُوقِيّ لَمْ يُقَاتِلْ) أي ليس الذي يبيع في العسكر إذا لم يقاتل في حقّ المغنم كالمقاتل، لأنّ سبب الاستحقاق وهو المجاوزة على قصد المقاتلة لم يوجد، لأنه جاوز على قصد التجارة. قيّد بعدم القتال، لأنّ المقاتل منهم يستحق من الغنيمة، لأنه بالمباشرة ظهر أنّ قصده القتال، والتجارةُ تبعٌ له فلا يضره، كالحاج إذ اتَّجر في طريق الحج، فإنه لا ينقص أجره. وأمّا ما في «الهداية» من قوله ﵊: «الغنيمة لمن شهد الوقعة»، فَرَفْعُه غير معروفٍ بل موقوفٌ على ابن عمر كما ذكره البَيْهَقِيّ. (وَلَا مَنْ مَاتَ ثَمَّةَ) أي في دار الحرب من المقاتِلة، لأن الإرث يجري في الملك، ولا ملك للغزاة في الغَنِيْمة قبل أن تخرج إلى دار الإسلام، وإنّما لهم الاستحقاق (وَيُورَثُ قِسْطُ مَنْ مَاتَ) من المقاتلة (هُنَا) أي في دار الإسلام. وقال الشافعي: يورث من مات بعد استقرار الهزيمة لثبوت الملك به عنده. (وَحَلَّ لَنَا ثَمَّةَ) أي في دار الحرب (طَعَامٌ) سواء كان مهيّأً للأكل أو لم يكن: كالحبوب والبقر والغنم والإبل، لكن تردّ جلودها إلى الغنيمة. وهذا الحلّ في حقّ من يُسْهَم له في الغنيمة، ومن يُرْضخ (٢) له منها غنياً كان أو فقيراً، وفي حقّ من معه من النساء والأولاد والمماليك. (وَعَلَفٌ وَدُهْنٌ وَحَطَبٌ وَسِلَاحٌ بِهِ حَاجَةٌ، لَا بَعْدَ الخُرُوجِ مِنْهَا) أي من دار الحرب لما روى مسلم عن عبد الله ابن مُغَفَّل قال: أصبت

стр. 1585

وَمَنْ أسْلَمَ ثَمَّةَ عَصَمَ نَفْسَهُ وَطِفْلَهُ وَمَالًا مَعَهُ، === جِرَاباً (١) من شحمٍ يوم خَيْبَر فالتزمته، ثم قلت: لا أعطي في هذا اليوم أحداً شيئاً، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسماً. زاد أبو داود الطيالسي في «مسنده»: قال له ﵊: «هو لك». قال ابن القطَّان: وهذه الزيادة مفيدة، لأنّها نصٌّ في إباحته وهي «صحيحة» الإسناد. وروى البخاري في «صحيحه» عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه. وروى أبو داود في «سننه» عن محمد بن أبي مُجَالد، عن عبد الله بن أبي أوْفَى قال: قلت: هل كنتم تخمِّسون ـ يعني الطعام ـ على عهد رسول الله؟ فقال: أصبنا طعاماً يوم خيبر فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف. وروى البيهقي من حديث هاناء بن أمّ كلثوم: أن صاحب جيش الشام كتب إلى عمر: إنّا فتحنا أرضاً كثيرة الطعام والعَلَف، وكرهت أن أتقدّم في شيء من ذلك إلاّ بأمرك. فكتب إليه: دع الناس يأكلون ويَعْلِفُون، فمن باع شيئاً بذهب أو فضة ففيه خمسٌ لله وسِهام للمسلمين. ولم يقيّد في «السير الكبير» حلّ انتفاع الطعام ونحوه بالحاجة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد لإطلاق ما روينا، ولقوله ﵊ يوم خيبر: «كلوا واعْلِفوا ولا تحملوا». رواه البيهقي في «المعرفة». (وَمَنْ أْسْلَمَ ثَمَّة) أي في دار الحرب منهم قبل أن يأخذه المسلمون (عَصَمَ نَفْسَهُ) فلا يجوز قتله ولا استرقاقه. قال ﵊: «أمرت أن أقاتل النَّاس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماؤهم وأموالهم» (٢) . (وَ) عصم (طِفْلَهُ) لأنه تبعٌ له في الإسلام بخلاف ولده الكبير، فإنه حربي غير تابع له، وبخلاف زوجته وحملها فإنها حربية غير تابعة له في الإسلام، وحملها جزءٌ منها فيتبعها في الرِّقِّ (وَ) عصم (مَالاً مَعَهُ) لسبق يده الحقيقة عليه، ولقوله ﵊: «من أسلم على شيءٍ أو مالٍ، فهو له» (٣) رُوِيَ مسنداً ومرسلاً بسندٍ صحيح. فعن صخر بن عَيْلَة (٤) : أنّ قوماً من بَنِي سُلَيم فرُّوا

стр. 1586

أَوْ أَوْدَعَهُ مَعْصُومًا. وَلِلفَارسِ سَهْمَانِ، وَلِلراجِلِ سَهْمٌ === عن أرضهم حين جاء الإسلام فأخذتها، فأسلموا فخاصموا فيها النّبي ﷺ فردّها عليهم. وقال: «إذا أسلم الرجل (فهو) (١) أحق بأرضه وماله». رواه أحمد، وروى أبو داود معناه وفيه: «يا صخر إنّ القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم». (أَوْ أَوْدَعَهُ مَعْصُوماً) أي مسلماً أو ذمياً، لأنه في يده حكماً إذ يد المودَع كيد المودِع، لأنه عامل له في الحفظ وهي يدٌ محترمةٌ صحيحةٌ. قيّد بالوديعة، لأنّ ماله الذي في يد المعصوم غصباً، فيءٌ عند أبي حنيفة، لأن يده ليست كيد المالك. وقال محمد: لا يكون فيأ، لأن المال تابعٌ للنفس وقد صارت معصومةً بالإسلام. وأبو يوسف مع أبي حنيفة في رواية، ومع محمد في أخرى. وقيّد: بالمعصوم، لأن ماله الذي أودعه عند حربي فيءٌ اتفاقاً، لأن يده ليست محترمةً حتى جاز لنا التّعرض لها، وقيّد بالمال، لأن عقاره فيء، خلافاً لمالك والشافعي وأحمد (فإنهم قالوا) (٢) : إنه بإسلامه يعصم عَقَاره، لأنه في يده كالمنقول. ولنا: أن العَقَار في يد أهل الدّار وسلطانها إذ هي من جملة دار الحرب، فلم يكن في يده حقيقةً. وقيل: هو قول محمد، وهو قول أبي يوسف أولاً ثم رجع عنه إلى أن العَقَار كغيره من الأموال، بناءً على أن اليد حقيقة يثبت عنده فيه، ألا ترى أن عنده يتصوّر فيه الغصب؟. وأما عبيده فمن قاتل منهم فهو فيءٌ خِلافاً لمالك والشافعي وأحمد، لأنه لمّا تمرَّد على مولاه خرج من يده، فصار تبعاً، لأهل دارهم. وحُكْم مَنْ أسلم في دار الحرب وخرج إلينا على هذا التفصيل، ويَقْسِم الإمام أربعةَ الأخماسِ من الغنيمة بين الغانمين بعد إفراز الخُمْس لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٣) … الآية. (وَلِلفَارسِ) أي لمن معه فرس أو أكثر (سَهْمَانِ وَلِلراجِلِ) أي من لا فرس معه، سواء كان معه بعيرٌ أو بغلٌ أو لم يكن (سَهْمٌ) وهذا عند أبي حنيفة وزفر، وقال أبو يوسف ومحمد: للفارس ثلاثة أسهمٍ، وللراجل سهمٌ، وهو قول مالك والشّافعي وأحمد والليث وأبي ثور وأكثر أهل العلم لما روى الجماعة إلاّ النَّسائي عن نافع (٤)

стр. 1587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهماً. وهذا لفظ البخاري، وفسّره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهمٍ، وإن لم يكن له فرسٌ فله سهمٌ. ولفظ مسلم: أنّه قسم في النفل: للفرس سهمين، وللراجل سهماً. ولفظ أبي داود وابن حِبَّان في «صحيحه»: أنه ﵊ أسهم لرجلٍ ولفرسه ثلاثة أسهم: سهماً له، وسهمين لفرسه. ولفظ الترمذي: أنه قسم في النفل: للفرس سهمين، وللراجل سهماً. (ولفظ ابن ماجه: أنه أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: للفرس سهمان وللراجل سهمٌ) (١) . وفي الباب أحد عشر حديثاً مسنداً بمعنى ما روينا. ولأن الاستحقاق بالنفع، ونفعه على ثلاثة أمثال الراجل، لأنه للكرّ والفرّ والثبات، والراجل للثبات لا غير. ولأبي حنيفة: ما روى أبو داود في «سننه»، وأحمد في «مسنده»، والطبراني في «معجمه»، وابن أبي شيبة في «مصنفه»، والدارقطني في «سننه»، والحاكم في «مستدركه»، من حديث مُجَمِّع بن يعقوب بن مُجَمِّع بن يزيد الأَنصاري قال: سمعت أبي يعقوب بن مُجَمِّع يذكر عن عمّه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن عمّه مُجَمِّع بن جارية (٢) الأنصاري ـ وكان أحد القرّاء الذين قرؤوا القرآن ـ قال: شهدنا الحُدَيْبِيَة مع رسول الله ﷺ ، فلمّا انصرفنا عنها إذا الناس يَهُزُّونَ الأباعر (٣) ، وقال بعض الناس لبعضٍ: ما للناس؟ قالوا: أُوحِيَ إلى رسول الله ﷺ واقفاً على راحلته عند كُرَاع الغَمِيم (٤) . فلمّا اجتمع عليه الناس قرأ عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ (٥) . فقال رجلٌ: يا رسول الله، أَفَتحٌ هو؟ قال: «نعم، والذي نفسي بيده إنه لفتحٌ». فقسمت خيبر على أهل الحديبية. فقسمها رسول الله ﷺ على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمس مئة، فيهم ثلاث مئة فارسٍ: فأعَطى الفارس سهمين، وأَعْطى الراجل سهماً.

стр. 1588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ثم قال أبو داود: وهذا وَهْمٌ، وإنّما كانوا مئتي فارسٍ. فأعطى الفرس سهمين، وأعطى صاحبه سهماً. وروى الطَّبراني من طريق الواقدي في «معجمه» عن المِقْدَاد بن عمرو أنه كان يوم بدرٍ على فرسٍ يقال له: سَبْحَة فأسهم له النبي ﷺ سهمين: لفرسه سهمٌ واحدٌ، وله سهمٌ واحدٌ. وفي تفسير ابن مَرْدُويَه في سورة الأنفال بسنده إلى عائشة قالت: أصاب رسول الله ﷺ سبايا بني المُصْطَلِق فأخرج منها الخُمُس، ثم قسم بين المسلمين فأعطى الفارس سهمين، والراجل سهماً. وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن أبي أسامة (١) وابن نُمَيْر قالا: حدّثنا عُبَيْد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ جعل للفارس سهمين، وللرَّاجل سهماً. ومن طريق ابن أبي شيبة رواه الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه»، وقال: قال أبو بكر النيسابوري: هذا عندي وَهْمٌ من ابن أبي شَيْبَة (أو من الرَّمادي) (٢) ، لأن أحمد بن حنبل وعبد الله بن بشر وغيرهما رَوَوْه عن ابن نُمَيْر، خلافَ هذا. وكذا رواه ابن كَرَامة وغيره عن أبي أسامة خلاف هذا، يعني أنه أسهم للفارس ثلاثة أسهمٍ. ثم أَخرجه عن نُعَيْم بن حمّاد، عن ابن المبارك، عن عُبَيْد الله بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه أسهم للفارس سهمين، وللراجل سهماً. ثم قال: قال أحمد بن منصور: هكذا لفظ نُعَيْم، عن ابن المبارك، والناس يخالفونه. قال النيسابوري: ولعلّ الوهم من نُعَيْم، لأن ابن المبارك من أثبت الناس، ثم أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وَهْب، عن عُبَيْد الله بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ كان يُسهم للخيل وللفارس سهمين، وللراجل سهماً. ثم أخرجه عن حجَّاج بن مِنْهال، عن حمّاد بن سلمة عن عُبَيْد الله، عن نافعٍ، عن ابن عمر: أن النبيّ ﷺ قسم للفارس سهمين، وللراجل سهماً. ولأنّ الكرّ والفرّ من جنس واحدٍ، فيكون نفعه مثلي (٣) نفع الراجل فَيُفَضَّل عليه بسهمٍ، ولأن الفرس تبعٌ للراجل، فلا يُزَاد بسهمٍ. وما رَوَوْه محمولٌ على الزيادة بطريق التنفيل كما أَعْطى ﵊ سهميّ الرّاجل والفارس لسلمة بن الأكْوَع ـ وكان راجلاً ـ فيما روى مسلم وأحمد في حديث طويلٍ عن سلمة بن الأكْوَع قال:

стр. 1589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قدمنا الحُدَيْبِيَة مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مئة فذكر الحديث بطوله إلى أن قال: فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ : «خير فرساننا اليوم أبو قَتَادة، وخير رجالنا سلمة». ثم أعطاني سهمين: سهم الفارس، وسهم الرّاجل. فجمعهما لي جميعاً. هذا، ولا يُسْهَم لأكثر من فرسٍ. وقال أبو يوسف يسهم لفرسين وبه قال أحمد لما روى الدَّارَقُطْنيّ في «سننه» عن أبي عَمْرَة (عن) (١) بَشِير بن عمرو بن محصن قال: أسهم رسول الله ﷺ لفرسيَّ أربعة أسهم، ولي سهماً، فأخذت خمسة أسهمٍ. وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن إبراهيم بن يحيى الأَسْلَمِيّ، عن صالح بن محمد، عن مَكْحُول: أنّ الزُّبَيْر حضر خيبر بفرسين، فأعطاه النبيّ ﷺ خمسة أسهم. وأخرج الدَّارَقُطْنِيّ، والواقدي في «المغازي» عن عيسى بن مَعْمَر قال: كان مع الزّبَيْر يوم خَيْبَر، فرسان، فأسهم له النّبيّ ﷺ خمسة أَسْهم. (وقال صاحب «التنقيح»: إِنْ عمر بن الخطاب كتب إلى أَبي عُبيدة بن الجراح أَنْ أَسْهم) (٢) للفرس سهمين، وللفرسين أربعة أسهم ولصاحبهما سهماً، فذلك خمسة أسهم. وما كان فوق الفرسين فهو جنائب (٣) . وأجيب بأن هِشَام بن عُرْوَة بن عبد الله بن الزُّبَيْر أَثْبتُ في حديث الزُّبَيْر وأحرصُ. وقد روى عن أبيه، عن جده عبد الله بن الزُّبَيْر، (عن الزُّبَيْر) (٤) أنه قال: أعطاني رسول الله ﷺ يوم بدرٍ أربعة أسهمٍ: سهمين لفرسي، وسهماً لي، وسهماً لأمي. وأهل المغازي لم يَرْووا أنّه ﵊ أسهم لفرسين، ولم يختلفوا أنه حضر خَيْبَر بثلاثة أفراسٍ لنفسه: السَّكْب (٥) والظَّرِب (٦) والمُرْتَجِز (٧) ، ولم يأخذ إلاّ لفرسٍ واحدٍ. وقال مالك في «الموطأ»: لم أسمع بالقَسْم إلاّ لفرسٍ واحدٍ. وروى الواقدي في «المغازي» بسنده إلى الحارث بن عبد الله بن كعب: أنّ النّبيّ ﷺ قاد في خَيْبَر ثلاثة أفراس: لِزَاز والظَّرِب والسَّكْب، وقاد الزُّبَيْر أفراساً، وقاد خِرَاش بن الصِّمَّة فَرَسَين، وقاد البراء بن أوس فرسين، وقاد أبو عَمْرة الأنصاري فرسين. قال: فأسهم رسول الله ﷺ لكلّ من كان له فرسان خمسة أسهم: أربعة لفرسيْه،

стр. 1590

وَيُعْتبَرُ وَقْتُ مُجَاوَزةِ الدَّرْبِ، لا شُهُودُ الوَاقِعَة. وَالخُمسُ لِلْيَتيمِ وَالمِسْكِيِن وابْنِ السَّبِيلِ، === وسهماً له، وما كان أكثر من فرسين لم يسهم له. ويقال: إنه لم يسهم إلاّ لفرسٍ واحدٍ وأثبْتَ ذلك أنه أسهم لفرسٍ واحدٍ، ولم نسمع أن رسول الله ﷺ أسهم لنفسه إلاّ لفرسٍ واحدٍ. (وَيُعْتَبَرُ) في استحقاق سهم الفارس أو الرَّاجل (وَقْتُ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ) أي مدخل دار الحرب (لَا) يعتبر (شُهُودُ الوَاقِعَة) في الاستحقاق كما هو قول مالك والشافعي وأحمد. فلو دخل الغازي دار الحرب فارساً فمات فرسه، وقاتل راجلاً استحقّ سهم الفارس، ولو دخل راجلاً فاشترى فرساً استحقّ سهم الرّاجل، خلافاً لهم، ولو دخل المجاهد فارساً وقاتل راجلاً لضيق المكان استحقّ سهم الفارس اتفاقاً. هذا ولا يسهم لمملوكٍ يقاتل، ولا امرأة تداوي الجرحى وتقوم على المرضى، ولا لصبي يقاتل، ولا لذمي يقاتل أو يدلّ على الطريق، ولكن يُرْضَخ لهم على حسب ما يرى الإمام، لقول ابن عبّاس: لم يكن للعبد والمرأة سهمٌ إلاّ أن يهديا من غنائم القوم. رواه أحمد ومسلم. والرَّضْخُ في اللغة: إعطاء القليل، وهنا إعطاء أقل من سهم الغنيمة. وعندنا: يكون من الغنيمة قبل إخراج الخمس، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد. (وفي قول للشافعي: يكون من الأَربعة الأَخماس وهو رواية عن أَحمد) (١) . وفي قول للشافعي: يكون من خمس الخمس. وقال مالك: من الخمس. ولا يسهم للأجير، لأَنه دخل لخدمة المستأجر لا للقتال، حتّى لو ترك الخدمة وقاتل يسهم له كأَهل سوق العسكر. ويستعان بالكافر في القتال عند الحاجة عندنا، وعند الشافعي وأحمد. وقال جماعة من أهل العلم: لا يستعان به. (وَالخُمُسُ) من الغنيمة (لِلْيَتِيمِ) وهو كلّ صغيرٍ لا أب له، ويُشْتَرط أن يكون فقيراً (وَالمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ) وقد تقدّم تفسيرهما في الزكاة، لِمَا رُوِيَ عن ابن عبّاس من طرقٍ بأَلفاظٍ متقاربةٍ منها ما رواه ابن مَرْدُويَه في «تفسيره» في سورة الأنفال بسنده قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث سريّة فغنموا، خَمَّسَ الغنيمة فضرب ذلك الخمس في خمسة ثم قرأ ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلْرَسُولِ﴾ (٢) وقال: قوله تعالى: ﴿فأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مفتاح كلام نحو قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ﴾ (٣) فذكره للتبرك باسمه، وهو غير محتاج إلى

стр. 1591

وَقُدِّمَ فُقَرَاءُ ذَوِي القُرْبَى، وَلا شَيءَ لِغَنِيِّهم === شيء، لأنّ الكلّ له. ثم جعل سهم الله وسهم الرَّسول واحداً، ولذي القُرْبى سهماً، فجعل هذين السهمين قوة في الخيل والسلاح، وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لا يعطيه لغيرهم، وجعل الأربعة أسهم الباقية: للفرس سهمين، ولراكبه سهماً، وللراجل سهماً. ولما رواه الطَّبَرانِيّ: فلما قُبِضَ رسول الله ﷺ وسلّم، جعل أبو بكر وعمر هذين السهمين سهم الله والرسول، وسهم قرابته في سبيل الله صدقة عن رسول الله ﷺ . ولِمَا روى أبو يوسف عن الكَلْبِيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: أنّ الخمس الذي كان يقسم على عهد رسول الله ﷺ على خمسة أسهم: لله وللرسول سهمٌ، ولذي القُرْبى سهمٌ، ولليتامى سهمٌ، وللمساكين سهمٌ، ولابن السبيل سهمٌ. ثم قسمه أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ على ثلاثة أسهم: سهمٌ لليتامى، وسهمٌ للمساكين، وسهمٌ لابن السبيل. (وَقُدِّمَ فُقَرَاءُ ذِوِي القُرْبَى) من هذه الطوائف الثلاث على غيرهم (وَلَا شَيءَ لِغَنِّيهم) أي غني ذوي القُرْبى، لأنّ عمر أعطى الفقراء منهم. وقال الطَّحَاوِي: سهم الفقير ساقطٌ أيضاً لِمَا قدّمنا. والأوَّل اختيار الكَّرْخي، وهو الأصحّ لأنّ الدليل إنّما دلّ على سقوط حقّ أغنيائهم، أمّا فقراؤهم فيدخلون في الأصناف الثلاثة، وسقط سهم النبي ﷺ بموته كالصَّفِيّ، لأنه كان يستحقّ برسالته لا بالقيام بأمور أمته، ولهذا لم يرفع الخلفاء الراشدون بعده هذا لأنفسهم. والصَّفِيُّ: شيء نفيس كان يصطفيه لنفسه من الغنيمة كدِرْعٍ أو سيفٍ أو فرسٍ أو أَمةٍ، كما رُوِيَ أنه اصطفى صفيّة من غنائم خَيْبَر. وقال الشافعي: يقسم الخمس على خمسة أَسهمٍ: سهمٌ للنبي ﷺ في حياته، وبعد وفاته يصرفه الإمام في مصالح الدين على ما يرى، وبه قال أحمد. وعن الشَّافعي: أن سهم النبي ﷺ بعده يُردّ على بقية الأصناف. وحكى ابن المنذر عنه: أنه يكون للخليفة. وسهمٌ لذوي القربى يستوي فيهم غنيّهم وفقيرهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال المُزَني والثَّوْرِي: يستوي فيه الذكر والأنثى، ويكون لبني هاشم وبني المطلب فقط دون (بني) (١) عبد شمس. والباقي للفرق الثلاث. وقد تقدّم أن الخلفاء الراشدين (قسموا) (٢) على ثلاثة نحو ما قلنا بمحضرٍ من الصحابة، فكان إجماعاً.

стр. 1592

وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُمْ فَأَغَارَ خَمَّس، لا مَنْ لا مَنَعَةَ لَهُ وَلا إِذْنَ لَهُ. وللإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ وَقْتَ القِتَالِ، فَيَجْعَلَ لأحَدٍ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى سَهْمِهِ، كَالسَّلَبِ وَنَحْوِهِ. وَالسَّلَبُ: مَرْكِبُهُ وَمَا عَلَيهِمَا. === (وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُمْ) وله مَنَعةٌ سواء أذن له الإمام أَمْ لا (فَأَغَارَ خَمَّس) ما أخذه، لأنّ المأخوذ حينئذٍ على وجه القهر والغلبة، لا الاختلاس والسرقة فكان غنيمة. (لَا مَنْ لَا مَنَعَةَ لَهُ) أي لا يَخْمُس ما أخذ من دخل دارهم ولا منعة (وَلَا إِذْنَ لَهُ) من الإمام، لأن أَخذه حينئذٍ يكون اختلاساً وسرقةً لا قهراً وغلبةً. ويَخْمُس عند مالك والشافعي، لأنه مال حربي أُخِذَ قهراً، فكان غنيمة. قيّد بعدم الإذن، لأن من لا مَنَعَة له لو دخل بإذن الإمام ففيه روايتان: المشهور منهما أنه يخمس ما أخذه، لأنه لمّا أذِنَ لهم الإمام التزم نصرهم بالإمداد فصار كالمنعة (وللإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ وَقْتَ القِتَالِ فَيَجْعَلَ لأحَدٍ) من الجيش (شَيْئاً زَائِداً عَلَى سَهْمِهِ) أي نصيبه سهماً كان أَوْ رَضْخاً. (كَالسَّلَبِ وَنَحْوِهِ) بأن يقول: من قتل قتيلاً فله سَلَبه، أو: من أصاب شيئاً فهو له: فيتناول هذا الكلام كل من يأخذ من الغنيمة، أو يقول للسريّة: قد جعلت لكم الربع (١) بعد الخمس، أو: ما أصبتم فلكم نصفه، لما رُوِي أن ﵊ نَفَّل (٢) الربع بعد الخمس في رجعته، كما رواه أحمد وأبو داود. وكان ﵊ يُنَفِّلُ (٣) في البَدْأة الربع، وفي الرجعة الثلث. كما رواه أحمد وابن ماجه والترمذي. ولأنّ التَّنفيل تحريضٌ على القتال، وهو مندوبٌ إليه لقوله تعالى: ﴿يأيُّها النَّبِيُّ حَرِّض المُؤمِنِينَ عَلَى القِتَالِ﴾ (٤) ولقوله ﵊ يوم حُنَيْن: «من قتل قتيلاً له عليه بيِّنة فله سَلَبه» (٥) . والتنفيل عندنا من الأربعة الأخماس، وبه قال أحمد. وعند مالك والشافعي: من الخمس. (وَالسَّلَبُ: مَرْكِبُهُ) أي مركب المقتول (وَمَا عَلَيْهِمَا) أي على المقتول ممّا

стр. 1593

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === في وسطه وجيبه، وعلى مركبه من سلاح وثيابٍ وسَرْجٍ وآلةٍ. ولو أثخنه واحدٌ وقتله آخر، فالسَّلَبُ لمن أثخنه، أي أَوهنه، لإعطاء النبيّ ﷺ سَلَب أبي جهل لمُعَاذ دون ابن مسعود. والحاصل أنه لا يستحقّ القاتل سَلَب مقتوله عندنا إلاّ بقول الإمام: من قتل قتيلاً فله سَلَبه. لا أنه استحق بإزالة (١) منعة (٢) المقبل وقت الحرب بقطع طرفيه أو أسره كما قال به مالك والشافعي، لقوله ﵊: «من قتل قتيلاً له عليه بينةٌ فله سَلَبه». رواه أحمد والجماعة إلاّ النَّسائي. وفي لفظٍ لمسلمٍ عن جُبَيْر بن نُفَيْر، عن عَوْف بن مالكٍ أنه قال لخالد بن الوليد: ألم تعلم يا خالد أن رسول الله ﷺ قضى بالسَلَب للقاتل؟ قال: بلى. زاد أبو داود: قضى بالسَّلب للقاتل، ولم يخمس السلب. وأَخرج في «سننه» أَيضاً عن أنس بن مالك أن النبيّ ﵊ قال يوم حُنين: «مَنْ قتل كافراً فله سَلَبُه». فقتل أَبو طلحة يومئذٍ عشرين رَجُلاً وأَخذ أَسلابهم. وظاهر هذا نصب الشرع لأَنَه بعث له ولأن القاتل مقبلاً قد أظهر فضل عنائه على غيره، فيستحق التفضيل بملك ما على القتيل كالفارس مع الراجل، بخلاف ما لو قتله مدبراً أو رمى من صف المسلمين سهماً فقتل مشركاً، لأنه ليس فيه زيادة عناء، فكل أحدٍ يتجاسر علَيه (٣) . ولنا ما في «معجم الطَّبراني الكبير والأوسط» بسنده إلى جُنَادة بن (أبي) (٤) أمية قال: نزلنا دابق وعلينا أبو عُبَيْدة بن الجراح، فبلغ حَبيب بن مسلمة أن صاحب قبرص خرج يريد طريق أَذَرْبِيجَان ومعه زُمُرّد وياقوت ولُؤْلُؤ وغيرها، فخرج إليه فقتله وجاء بما معه، فأراد أَبو عُبَيْدة أن يخمسه، فقال له حَبيب: لا تحرمني رزقاً رزقنيه الله، فإن رسول الله ﷺ جعل السَلَب للقاتل. فقال: معاذ: يا حَبيب إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما للمرء ما طابت به نَفْسُ إِمامه». ورواه إسحاق بن رَاهُويَه في «مسنده» بسنده إلى جُنَادة بن أبي أَميّة قال: كنا مُعَسْكِرِين بدَابِق فَذُكِر لحبَيب بن مسلمة الفِهْري أن نبيه (٥) القبرص خرج بتجارة من البحر يريد بطريق إِرْمِينْيَة، فخرج عليه حبيب فقاتله فقتله، فجاء بسلبه يحمله على

стр. 1594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === خمسة أبغال من الدِّيباج والياقوت والزَّبَرْجَد، فأراد حبيب أن يأخذه كلّه وأبو عُبَيْدة يقول: بعضه. فقال حبيب لأبي عُبَيْدة: قد قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قتل قتيلاً فله سَلَبه». قال أبو عُبَيْدة: إنه لم يقل للأبد. وسمع مُعَاذ بن جبل بذلك، فأتى أبا عُبَيْدة وحبيب يخاصمه، فقال معاذ لحبيب ألا تتقي الله وتأخذ ما طابت به نفس إمامك، فإن لك ما طابت به نفس إمامك، وحدّثهم بذلك عن النبيّ ﷺ . فاجتمع رأيهم على ذلك فأعطوه بعد الخمس شيئاً، فباعه بألف دينارٍ. إلاّ أن في سنده ضعفاً. وما في «الصحيحين» في قصة مُعَاذ بن عمرو بن الجَمُوح (١) ومُعَاذ بن عَفْراء وقتلهما أبا جهلٍ يوم بدرٍ، وقضاء النبي ﷺ لمُعَاذ بن الجموح (٢) ولم يجعله بينهما. وما أخرجه مسلم وأبو داود، واللفظ لأبي داود عن عَوْف بن مالك الأشجعي قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مُؤْتة ورافقني مَدَدِيٌّ (٣) من أهل اليمن: فلقِيْنَا جموع الروم وفيهم رجل على فرسٍ أشقر عليه سَرْجٌ مذهّبٌ، فجعل الرومي يَفْرِي (٤) بالمسلمين، وقعد له المَدَدِيُّ خلف صخرة، فمر به الرومي فَعَرْقَب (٥) فرسه، فَخَرَّ، وعلاه وقتله وحاز فرسَه وسلاحه، فلمّا فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد (بن الوليد) (٦) ، فأخذ منه سلب الروميّ. قال عوف: فأتيت خالداً فقلت له: أما علمت أنّ رسول الله ﷺ قضى بالسَلَب للقاتل؟ قال: بلى، ولكن استكثرته. قلت: لتردَّنهُ أو لأُعَرِفَنَّكَهَا عند رسول الله ﷺ ، فأبى أن يعطيه. قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ ، فقصصت عليه قصة المَدَدِيِّ، وما فعل خالد. فقال ﷺ : «يا خالد ما حملك على ما صنعت؟» قال: يا رسول الله استكثرته. قال: «رُدَّ ما أخذت منه». قال عوف: فقلت: دونك يا خالد، ألم أفِ لك؟ فقال ﷺ : «ما ذاك»؟

стр. 1595

فَصْلٌ في استيلاءِ الكُفَّار يَمْلِكُ بَعْضُ الكُفَّارِ بَعْضًا، وَأَمْوَالَهُمْ وَأَمْوَالَنَا: بِالاسْتِيلاءِ وَالإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ، === قال فأخبرته. قال: فغضب ﷺ وقال: «يا خالد لا تردّ عليه، هل أنتم تاركو لي أمرائي؟ لكم صفوة أمرهم وعليهم كَدَرُهُ». فصلٌ ـي اسْتِيلَاءِ الكُفَّارِ (يَمْلِكُ بَعْضُ الكُفَّارِ بَعْضاً) يعني أنفسهم إذا استولى بعضهم على بعض (وَأَمْوَالَهُم) كذلك بالاستيلاء كما يملك به المسلم (وَ) يملك بعض الكفار (أَمْوَالَنَا بِالاستِيلَاءِ وَالإِحْرَازِ بِدَارِهِم) وقال مالك: يملكونها بمجرد الاستيلاء، وعن أحمد رواية كقول مالك، وأخرى كقولنا. وقال الشافعيّ لا يملكونها، لأن استيلاءهم محظورٌ ابتداءً عند الأخذ في دار الإسلام وانتهاءً عند الإحراز بدارهم لبقاء عصمة المال. إذ سببها إسلام صاحبه لقوله ﵊: «فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم» (١) . وصار هذا كاستيلاء المسلم وكاستيلائهم على رقابنا، والكفار مخاطبون بالمحظورات بالإجماع كالزنا والربا. ولنا قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ﴾ (٢) الآية. والفقير: من لا ملك له، فلو لم يملك الكفار أموالهم باستيلائهم عليها لكانوا أغنياء ولم يُسموا فقراء، ولأنّ الأصل في الأموال الإباحة وعدم العصمة لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا في الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ (٣) وإنما يحصل الاختصاص والعصمة بسبب من الأسباب كالشراء ونحوه ضرورة التمكن من الانتفاع به بلا منازعة، فإذا زال التمكن بسبب إحراز الكفَّار له بدارهم عاد إلى الأصل، وصار كالصيد ونحوه من مباح الأصل فيملكونه، بخلاف استيلاء المسلم على مال المسلم، لأن تمكنه من الانتفاع به قائمٌ، فيبقى اختصاصه به وعصمته له، وبخلاف رقابنا لأنها لم تُخْلَق محلاً للتملك، لأن الآدمي خُلِق ليَمْلِك لا ليُمْلَك، وإنما يثبت فيه محلية الملك بالكفر العارض، وبخلاف ما إذا لم

стр. 1596

لا حُرَّنا وَتَوَابِعَهُ وَعَبْدَنَا الآبِقَ. وَنَمْلِكُ بِهِمَا حُرَّهُمْ وَمَا هُوَ مِلْكُهُمْ. وَمَنْ وَجَدَ مِنَّا مَالَهُ، أَخَذَهُ بِلا شيء، إِنْ === يحرزوها بدارهم، لأن ملكهم بسبب الاستيلاء وهو يتحقق بالإحراز بدارهم، لأن الظاهر أن المسلمين يستنقذونها منهم ما لم يحرزوها بدارهم. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (١) والتملك بالاستيلاء من أقوى جهات السبيل. أجيب بأن النَّصّ تناول ذوات المؤمنين، وهم لا يملكونهم بالاستيلاء بل يملكون أموالهم. (لا حُرَّنا) أي لا يملك الكفار بالاستيلاء والإحراز بدارهم حُرَّنا (وَتَوَابِعَهُ) وهم مُدَبَّرنَا (٢) وأمُّ وَلَدِنَا (٣) ومُكَاتِبُنَا (٤) ، لأنّ محلّ الملك هو المال، وهؤلاء ليسوا بمالٍ. وقال مالك وأحمد: يملكون المُدَبَّر والمُكَاتَب بالاستيلاء، وقال أحمد: لا يملكون أمَّ الولد، وقال مالك: يفديها الإمام، فإن لم يفعل يأخذها سيدها بالقيمة، ولا يدعها يستحلّ فرجها مَنْ لا تحلّ له. (وَعَبْدَنَا الآبِقَ) أي ولا يملك الكفار بالاستيلاء والإحراز عبدَ المسلم إذا أَبَقَ إِلى دارهم، وهذا عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد في روايةٍ. وقال أبو يوسف ومحمد (ومالك وأَحمد في) (٥) روايةٍ: يملكونه، كما لو ندَّت (٦) إليهم دابة فأخذوها. ولأبي حنيفة: أنّ سبب الملك الاستيلاء، ولم يوجد، لأنّ الآدمي ذو يدٍ صحيحةٍ. وفي «شرح الوقاية»: أن الخلاف فيما إذا أخذوه قهراً وقيّدوه، وأما إن لم يكن أَخذوه قهراً فلا يملكونه اتفاقاً. (وَنَمْلِكُ) نحن (بِهِمَا) أي بالاستيلاء والإحراز بدارنا (حُرَّهُمْ) وتوابعَه (وَمَا هُوَ مِلْكُهُمْ) لأن الشرع أسقط عصمتهم وعصمة ما هو ملكهم جَزَاءً لكفرهم بأن جعلهم ملكاً لعبيده. (وَمَنْ وَجَدَ مِنَّا مَالَهُ) في يد الغانمين بعد ما غلبنا عليهم (أَخَذَهُ بِلَا شَيءٍ إِنْ

стр. 1597

لَمْ يُقْسَمْ، وَبِالْقِيمَةِ إنْ قُسِمَ، وبِالثَّمَنِ إِنْ شَرَاه مِنْهُمْ تَاجِرٌ. === لَمْ يُقْسَمْ) أي إن لم يقع القسم، لأن الشركة قبل القسمة عامة فتقلّ المضرّة (وَبِالْقِيمَةِ إنْ قُسِمَ) لما سيأتي (و) أخذه (بِالثَّمَنِ إِنْ شَرَاه مِنْهُمْ) أي من الكفار (تَاجِرٌ) وأخرجه إلى دار الإسلام، لأنه لو أخذه بغير شيءٍ لتضرَّر التاجر. وقال الشافعيّ: من وجد منا ماله بعد القسمة أخذه بغير شيء أيضاً، ولكن يعوّض الإمام من وقع في سهمه من بيت المال، وإن لم يكن في بيت المال شيءٌ أعاد القسمة. ولنا ما روى الدَّارَقُطْنِيّ والبَيْهَقِي في «سننيهما» عن الحسن بن عُمَارة، عن عبد الملك بن مَيْسَرة، عن طاوس، عن ابن عبّاس: أن النبيّ ﷺ : قال فيما أحرزه العدو فاستنقذه المسلمون منهم: «إن وجده صاحبه قبل أن يُقْسَم فهو أحق به، وإن وجده وقد قُسِمَ فإن شاء أخذه بالثمن». وفي «سنن الدَّارَقُطْنِيْ» عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة، وعن رِشْدِين، عن يونس (١) كلاهما عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أَبيه، (عن) (٢) عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من وجد ماله في الفيء قبل أن يقسم فهو له، ومن وجده بعد ما قسم فليس له شيء». وقال: وإسحاق هذا متروكٌ. وقال البيهقي: الحسن بن عمارة، متروكٌ إلاّ أنه قال: قال الشافعي: قال أبو يوسف: حدّثنا الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عُيَيْنة، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ في عبدٍ وبعيرٍ أحرزهما العدو، ثم ظفر بهما، فقال ﵊ لصاحبهما: «إن أصبتهما قبل القسمة فهما لك بغير شيءٍ، وإن أصبتهما بعد القسمة فهما لك بالقيمة». فرواية أبي يوسف هذا الحديث عنه يدلّ على إصابته في هذا الحديث، إذ لا يلزم؟ من كون الشخص متروكاً، أن يكون كل فردٍ من أفراد حديثه متروكاً. وفي «معجم الطَّبَراني» عن ياسين الزَّيَّات، عن الزُّهْرِيِّ، عن سالم، عن أبيه مرفوعاً: «من أدرك ماله في الفيء قبل أن يقسم فهو له، وإن أدركه بعد أن يقسم فهو أحقّ به بالثمن». ورواه ابن عدي في «الكامل» وضعّف ياسين الزيَّات. وفي «مراسيل أبي داود» عن تميم بن طَرَفة قال: وَجَد رجلٌ (مع رجلٍ) (٣) ناقةً له، فارتفعا إلى النبي

стр. 1598

وَعَبْدٌ لَهُمْ أَسْلَمَ ثَمَّةَ فَجَاءَنَا، أَوْ ظَهَرْنَا عَلَيهِمْ، عَتَقَ === ﷺ ، فأقام (أحدهما) (١) البيّنة أنها ناقته، وأقام الآخر البينة أنه اشتراها من العدو فقال ﵊: «إذا شئت أن تأخذها بالثمن الذي اشتراها به فأنت أحق بها، وإلاّ فخلِّ عن ناقته». وروى الطَّبَرَاني في «معجمه» عن جابر بن سَمُرَة قال: أصاب العدو ناقة رجلٍ من بني سُلَيم، ثم اشتراها رجلٌ من المسلمين، فعرفها صاحِبُها، فأتى النبيّ ﷺ فأخبره فأمره النبيّ ﷺ أن يأخذها بالثَّمن الذي اشتراها به صاحِبُها من العدو، وإلاّ يُخلِّي (٢) بينه وبينها. ومن الآثار ما في «سنن الدَّارَقُطْنِيّ» عن قَبيصة بن ذُؤَيْب (٣) أَنّ عمر بن الخطَّاب قال: ما أصاب المشركون من أَموال المسلمين، فظُهِرَ عليهم، فرأى رجلٌ متاعه بعينه فهو أحق به من غيره، فإذا قُسِمَ ثم ظهروا عليه فلا شيء له، إنّما هو رجلٌ منهم. وفي روايةٍ: هو أحق به من غيره بالثمن. قال: وهذا مرسلٌ. وفي «مصنف ابن أبي شَيْبَة» عن خِلَاس، عن عليّ: نحو ذلك. وقال ابن حزم: رواية خِلَاس عن عليّ صحيحة، ويروي عن زيد بن ثابت، ولكن بإسناد فيه ابن لَهِيعَة، فَتَعَدد طرقه يحسّنه ويصحّح الاحتجاج به، كيف ولا معارض له. (وَعَبْدٌ) هذا مبتدأ (لهمْ) أي لأهل الحرب صفته (أَسْلَمَ ثَمَّةَ) أي في دار الحرب صفة ثانية (فَجَاءَنَا) بأن جاء إلى دار الإسلام، أو إلى عسكر المسلمين في دار الحرب (أَوْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ) عطف على ما قبله (عَتَقَ) هذا خبر المبتدأ. وإنما يَعْتِق لما روى أحمد في «مسنده»، وابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»، والطَّبَرَاني في «معجمه» من حديث الحجَّاج، عن مِقْسَم، عن ابن عباس: أن عبدين خرجا من الطائف إلى النبيّ ﷺ فأسلما، فأعتقهما رسول الله ﷺ ، أحدهما: أبو بَكْرَة. وفي لفظٍ لابن أبي شَيْبَة بهذا الإسناد: أن النبيّ ﷺ كان يعتق من أتاه من العبيد إذا أسلموا، وقد أعتق يوم الطائف رجلين أحدهما: أبو بَكْرَة، سُمِّيَ به لأنه تَدَلَّى ببكرة ونزل من الحصن. وفي «مراسيل أبي داود» عن عبد ربه بن الحكم أنّ النبي ﷺ وسلم لمّا

стр. 1599

كَعَبْدٍ مُسْلِمٍ شَرَاهُ كَافِرٌ مُسْتَأْمَنٌ هُنَا وَأَدْخَلَهُ دَارَهُم. وَلا يَتَعَرَّضُ تَاجِرُنَا ثَمَّةَ لِدَمِهِمْ وَمَالِهِمْ, إلّا إذا أَخَذَ مَلِكُهُمْ مَالَهُ أَوْ غَيرُهُ بِعِلْمِهِ. وَمَا أَخْرَجَهُ مَلَكَهُ حَرَامًا, فَيصدَّق بِهِ. وَلا يُمَكَّنُ حَرْبِيٌّ هُنَا سنَةً, وقِيلَ لَهُ: إنْ أقَمْتَ هُنَا سَنَةً نَضَعُ عَلَيكَ الجِزْيَةَ. === حصر الطائف خرج إليه أرقَّاء من أرقّائهم فأسلموا، فأعتقهم رسول الله ﷺ ، فلمّا أسلم مواليهم بعد ذلك، ردّ ﵊ الولاء إليهم. وفي «سننه» عن علي قال: خرج عبدان إلى رسول الله ﷺ يوم الحُدَيْبِيَة قبل الصلح، فكتب إليه مواليهم قالوا: يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبةً في دينك، فإنما خرجوا هرباً من الرِّق، فقال ناسٌ: صدقوا يا رسول الله، رُدَّهم إليهم. فغضب ﵊ وقال: «والله ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا الدين». وأبى أن يردّهم وقال: «هم عتقاء الله». (كَعَبْدٍ مُسْلِمٍ) أي كما يعتق عبد مسلم (شَرَاهُ كَافِرٌ مُسْتَأْمَنٌ هُنَا) أي في دار الإسلام (وَأَدْخَلَهُ دَارهم) أي دار أهل الحرب، وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعتق، وبه قال مالك وأحمد. وفي مذهب الشّافعيّ وجهٌ: أنه لا يصحّ بيع العبد المسلم من الكافر، وعنه قولٌ: إنه يصحّ. وفي «النهاية» عن «الإيضاح»: وعلى هذا الخلاف إذا كان العبد ذميّاً، لأن المُسْتَأْمَن يُجْبَر على بيعه ولا يُمَكَّن من إدخاله دار الحرب. (وَلَا يَتَعَرَّضُ تَاجِرُنَا ثَمَّةَ) أي في دار الحرب (لِدَمِهِمْ وَمَالِهِمْ) لأنّ في تعرّضه لواحدٍ منهما غدراً بهم، وهو ممنوعٌ منه. (إلاّ إذا أَخَذَ مَلِكُهُمْ مَالَهُ) أوْ حبسه (أَوْ) أخذ (غَيْرُهُ) أي غير ملكهم مالَ التاجر (بِعِلْمِهِ) أي بعلم ملكهم ولم ينهه، لأنهم نقضوا عهده فيباح له التعرّض لهم كالأَسِير والمتلصِّص. قيّد بدمهم ومالهم، لأنه لا يجوز له أن يتعرّض لفروجهم، لأن الفروج لا تحلّ إلاّ بالملك، ولا ملك قبل الإحراز بالدّار. (وَمَا أَخْرَجَهُ) التاجر من دار الحرب بطريق التعرّض ودخل به إلى دار الإسلام (مَلَكَهُ) لتحقّق سبب الملك فيه وهو الاستيلاء على مباحٍ (حَرَاماً) أي ملكاً حراماً لأنه حصل بسبب الغدر فأوجب ذلك خُبْثاً فيه (فَيَتَصَدَّق بِهِ) تنزّهاً عنه. (وَلَا يُمَكَّنُ حَرْبِيٌّ) من الإقامة (هُنَا) أي في دار الإسلام (سَنَةً) بأمانٍ (وِقِيلَ لَهُ) عند الأمان (إنْ أقَمْتَ هُنَا سَنَةً نَضَعُ عَلَيْكَ الجِزْيَةَ) بعد ذلك

стр. 1600

فَإِنْ أقَامَ سَنَةً، فَهُوَ ذِمِّيٌّ لا يُتْرَكُ أنْ يَرْجِعَ. [فَصْلٌ في الجِزْيَة] وَلا تَتَغَيَّرُ جِزْيَةٌ وُضِعَتْ بِصُلْحٍ === (فَإِنْ أقَامَ سَنَةً) من وقت القول له (فَهُوَ ذِمِّيٌّ لا يُتْرَكُ أنْ يَرْجِعَ) إليهم لالتزامه الجزية. ثم إذا صار ذمّياً بمُضِي المدّة المضروبة له يستأنف عليه الجزية بحول بعدها، إلا أن يكون الإمام قال: إن مكثت سنةً أخذتها منك، فإنه يأخذها منه حينئذٍ، وحلَّ دمه بعوده إلى محلَ ليس من دارنا لخروجه من ذمتنا. ومن أسلم ثمَّة ولم يلحق بدارنا فماله ودمه غير معصوم عندنا وحكم مالك والشّافعيّ بعصمتهما عصمةً مقوَّمة، فتجب الدِّيَةُ في الخطأ، والقَوَدُ في العمد، لأنه قتل نفساً معصومةً لثبوت العاصم وهو الإسلام لقوله ﵊: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها» (١) . فقد أثبت العصمة بالإسلام لا بالدّار. ولنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قِوْمٍ عَدُوَ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٢) فالآية سيقت لبيان أنواع القتل وموجباته، فأوجب في المؤمن المطلق: دِيَةً وكفارةً (٣) ، ثم أوجب بقتل مسلم لم يهاجر إلينا: كفارةً فقط بقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوَ لَكُمْ﴾ أي المقتول إذا كان من الكفار داراً وهو مؤمن ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ثمّ أوجب بقتل الذّميّ: ديةً وكفارةً (٤) ، فدلّ إيجاب الكفارة وحدها فيمن لم يهاجر على أن لا ديةَ له، لأنه جعل الكفَّارة كل الواجب، لأنها كل المذكور، فلا يجوز أن يزاد عليها، لأنها نسخ، فلا يجب على قاتله سوى الكفارة في القتل الخطأ لما تلونا. (فَصْلٌ في الجِزْيَةِ) (وَلَا تَتَغَيَّرُ جِزْيَةٌ وُضِعَتْ بِصُلْحٍ) لأنّ الموجِب لها حينئذٍ هو التَّراضي، فلا يقع على خلاف ما وقع عليه. والجزية: ما يؤخذ من الذميّ باعتبار رأسه، وسمّيت جزية

стр. 1601

وَإِذَا غُلِبُوا وَأُقِرُّوا عَلَى أَمْلاكِهِمْ تُوضَعُ عَلَى: كِتَابِيٍّ، وَمَجُوسِيٍّ، وَوَثَنِيٍّ عَجَمِيٍّ ظَهَرَ غناه، لِكُلِّ سَنَة ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَعَلَى المُتَوَسِّطِ نِصْفُهَا، وَعَلَى فَقِيرٍ يَكْتَسِبُ رُبْعُهَا. === لأنها تجزاء ـ أي تقضي وتكفي ـ عن القتل، إذ بقَبُولها يسقط القتل عن الذميّ. ويكلّف أي يأتي بنفسه ويعطيها قائماً والقابض منه قاعداً، ولا تُقْبَلُ منه لو بعثها من يد نائبه في أصحّ الروايات وذلك لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١) وإنما اعتبر الصلح به لما روى أبو داود في كتاب الخراج (٢) أن رسول الله ﷺ صالح أهل نَجْرَانَ على ألفي حُلّة: النصف في صَفَر، والبقية في رجب يؤدُّونها إلى المسلمين، وعَارِيَّة: ثلاثين دِرْعاً، وثلاثين فرساً، وثلاثين بعيراً، وثلاثين من كلّ صنفٍ من أصناف السلاح يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتّى يردّوها عليهم إن كان باليمن كيدٌ أو غَدْرةٌ على أن لا يَهْدِم لهم بِيعَة (٣) ولا يُخرج لهم قِسٌّ، ولا يُفْتَنُوا عن دينهم، ما لم يُحْدِثوا حدثاً أو يأكلوا الرِّبا. ونجران: بلد من اليمن وأهله نصارى. والحُلة: إزار ورداء. (وَإِذَا غُلِبُوا) بصيغة المجهول وكذا قوله: (وَأُقِرُّوا عَلَى أَمْلَاكِهِمْ تُوضَعُ عَلَى كِتَابِيَ وَمَجُوسِيَ وَوَثَنِيَ عَجَمِيَ) أي دون عربيّ (ظَهَرَ غناه لِكُلِّ سَنَةٍ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَماً) يؤخذ منه في كل شهرٍ أربعة دراهم. (وَعَلَى المُتَوَسِّطِ) وهو من يملك نصاباً (نِصْفُهَا) أي أربعةٌ وعشرون درهماً، يؤخذ منه في كل شهر درهمان (وَعَلَى فَقِيرٍ يَكْتَسِبُ) أي يَقِدرُ على الكسب سواء اكتسبَ أو لم يكتسب (رُبْعُهَا) أي اثنا عشر درهماً، يؤخذ منه في كل شهر درهم لِمَا روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» في الإِمارة عن عليّ بن مُسْهِر (٤) ، عن الشَّيْبَانيّ، عن أبي عون محمد بن عُبَيْد الله الثَّقَفِيّ قال: وضع عمر بن الخطاب الجزية على رؤوس الرجال: على الغني ثمانيةً وأَربعين درهماً، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهماً، وعلى الفقير اثني عشر درهماً. وروى أبو عُبَيْد القاسم ابن سلاّم في كتاب «الأموال» عن عمر أنه بعث عثمان

стр. 1602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بن حُنَيْف فوضع عليهم ثمانية وأربعين، وأربعة وعشرين، واثني عشر. ويُعْتَبَرُ وجود هذه الصفات الثلاث آخر السنة. وقال الشافعيّ: يوضع على كل بالغ دينار، غنياً كان أو فقيراً، لما روى أبو داود والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ، والنَّسائي في الزكاة عن الأعمش، عن أبي وائل، (عن مسروق) (١) عن مُعَاذ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن آخُذَ من البقر من ثلاثين تبيعاً (٢) أو تبيعة، ومن كل أربعين مُسِنَّة، (٣) ومن كل حالمٍ ديناراً أو عِدْلَه مُعَافِر. والحالم: البالغ، والعَدِل: بالفتح المثل من خلاف الجنس،. وبالكسر المثل من الجنس. وَالمُعَافِر: حي من هَمْدان يُنْسَبُ إليه نوعٌ من الثياب. وقال مالك: يُوضَعُ على الغني أربعون درهماً أو أربعة دنانير، وعلى الفقير عشرة دراهم أو دينارٍ. وعن أحمد ثلاث روايات: روايةٌ: يفوّض إلى رأي الإمام، وبه قال الثوري وأبو عُبَيْدة، وروايةٌ: أقلّها دينارٍ وتجوز الزِّيادة، ولا يجوز النُّقصان، وروايةٌ: كقولنا. ثم عندنا توضع الجزية على كل كافرٍ ليس بمرتدٍ ولا وثنيَ عربيَ، وبه قال أحمد في رواية، لأن عمر ضرب الجزية على أهل سواد العراق بمحضرٍ من الصحابة ولم يسأل عن أديانهم، ولأنه يجوز استرقاقهم إجماعاً، فكذا وضع الجزية عليهم (إذ) (٤) بكلَ منهما يلحقه الصَّغار والذُّل. وقال أحمد: لا يؤخذ إلاّ من اليهود والنصارى ومن وافقهم في أصل دينهم وآمن بكتابهم كالسَّامِرة لليهود، والإفرنج للنصارى. وقال الشافعي: لا تؤخذ إلاّ من اليهود والنصارى والمجوس، وفي أصحاب صحف إبراهيم وشيث وإدريس وزُبُر دواد ومَنْ تمسك بدين آدم، وفي السَّامرة والصابئين وجهان في مذهبه: أحدهما تؤخذ، وثانيهما لا تؤخذ. وقال مالك: تؤخذ من جميع الكفار إلاّ من مشركي قُرَيْش. والدليل على أخذها من أهل الكتاب قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الذِينَ لا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِاليَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حتّى يُعْطُوا الجِزْيَة عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرونَ﴾ (٥) ، وعلى أخذها من المجوس: ما

стр. 1603

لا عَلَى وَثَنِيٍّ عَرَبِيٍّ، فَإِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ، فَطِفْلُهُ وَعِرْسُهُ فيءٌ، وَلا مُرْتَدٍّ، فَلا يُقْبَلُ مِنْهُمَا إلا الإسْلامُ أوْ السَّيْف، === رواه محمد بن الحسن في «الموطّأ»، وابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن مالك، عن الزُّهْرِيّ: أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس البَحْرَيْن، وأن عمر أخذها من مجوس فارس وأن عثمان أخذها من مجوس البربر. وما رواه البزّار في «مسنده»، والدَّارَقُطْنِيّ في «غرائب مالك» من حديث أبي علي الحنفي: حدّثنا مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: لا أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد (أني) (١) سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سُنُّوا بهم سنَّة أهل الكتاب». وفي البخاري، ولم يكن عمر أخذ الجزية حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هَجَر. وكذا رواه أحمد وجماعة. وعن المُغِيرَة بن شُعْبَة أنه قال لعامل كسرى: أمرنا نبينا ﷺ أن نقاتلكم حتّى تعبدوا الله وحده، أو تؤدّوا الجزية. رواه أحمد والبخاري، وكانوا عبدة الأوثان. (لا) أي لا توضع الجزية (عَلَى وَثَنِيَ عَرَبِيَ فَإِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ) بصيغة المجهول أي على الوثنيّ العربيّ (فَطِفْلُهُ وَعِرْسُهُ) أي زوجته (فيء) لأنّ النبيّ ﷺ سبى ذراري (٢) أوْطَاس وَهَوَازِن ونسائهم وقسمها بين الغانمين (وَلَا) توضع أيضاً على (مُرْتَدَ) سواء كان من العرب أو العجم، فإن ظُهِرَ عليه فطفله ونساؤه فيءٌ، لأن أبا بكر سبى نساء بني حنيفة وذراريهم لمّا ارتدُّوا وقسمهم، فوقع في سهم عليَ الحنفيةُ فأوْلدها ابنه محمد ابن الحنيفة. ثم كُفْر المرتدّ أغلظ من كفر مشركي العرب، ولذا كان ذراري المرتدّين ونساؤهم يجبرون على الإسلام، بخلاف ذراري عبدة الأوثان من العرب ونسائهم. (فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمَا) أي من الوثنيّ العربيّ ومن المرتدّ (إلاّ الإسْلامُ أوْ السَّيْف) زيادةً في العقوبة عليهما، لأن كفرهما أغلظ من كفر غيرهما. أما المشرك العربيّ، فلأن النّبيّ ﷺ نشأ بين أظهرهم والقرآن نزل بلغتهم، فالمعجزات أظهر في حقّهم. وأمّا المرتدّ، فلأنه كفر بعدما هُدِيَ إلى الإسلام ووقف على محاسنه من الأحكام. وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: يجوز استرقاق وثنيّ العرب، لأن استرقاقه إتلافٌ له حكماً، فيجوز كإتلافه حقيقةً، ولنا: قوله تعالى في حقّ عبدة الأوثان من العرب: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ (٣) . ولا توضع أيضاً على زِنديقٍ، بل إن

стр. 1604

وَلا عَلَى رَاهِبٍ لا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلا عَلَى صَبِيٍّ، وامْرَأَة، ومَمْلُوكٍ، وأَعْمَى، وزَمِنٍ، وَفَقِيرٍ لا يَكْتَسِبُ. وَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ وَالإِسلامِ، === جاء قبل أن يؤخذ وأقرّ أنه زنديقٌ وتاب تقبل توبته، وإن أُخِذَ ثم تاب يقتل ولا تقبل (توبته ولا) (١) منه الجزية، لأنه يعتقد في الباطن خلاف الظاهر. (وَلَا) توضع (عَلَى رَاهِبٍ لَا يُخَالِطُ النَّاسَ) وذكر محمد عن أبي حنيفة ﵀ أنها توضع عليه، وهو قول أبي يوسف وقول للشافعي وأحمد، لأنه ضيّع القدرة على العمل، فصار كمن عطّل الأرض الخَرَاجِيّة عن الزراعة، ووجه ما في «الكتاب» أنه لا قتل عليهم إذا كانوا لا يخالطون الناس، والجزية في حقّهم لإسقاط القتل. (وَلَا) توضع (عَلَى صَبِيَ و) لا (امْرَأَةٍ و) لا (مَمْلُوكٍ و) لا (أَعْمَى و) لا (زَمِنٍ) ولو كانوا غنيِّين، لأنّها بدلٌ عن القتل أو القتال. وَمَنْ عدا المملوك (٢) لا يقتل ولا يقاتل لعدم الأهلية. ويدخل في المملوك القِنّ (٣) والمُكَاتَب (٤) والمُدَبَّر (٥) ، وإنما لا توضع عليه لأنها بدل عن القتل في حقّه أو عن النصرة في حقّنا بالقتال. وعلى الاعتبار الأوّل يجب وضع الجزية، لأن الأصل يتحقّق في حقّ المماليك، لأن المملوك الحربي يقتل، فيتحقّق البدل أيضاً، وعلى اعتبار الثاني لا يجب، لأنّ العبد لا يقدر على النصرة فلا يجب عليه البدل (فلا توضع بالشك) (٦) . (وَ) لا توضع على (فَقِيرٍ لَا يَكْتَسِبُ) أي لا يقدر على الكسب كالمريض في السنة كلّها، أو في أكثرها إقامة للأكثر مقام الكلّ، أو في نصفها ترجيحاً لجانب الإسقاط في العقوبة، بخلاف القادر على الكسب التارك له، فإنها تؤخذ منه كمن قدر على الزراعة ولم يزرع حيث يؤخذ منه الخَرَاج. (وَتَسْقُطُ) الجزية (بِالْمَوْتِ وَالإِسْلَامِ) سواء كان في أثناء السنة أو

стр. 1605

وَتَتَدَاخَلُ بِالتَّكْرَار. وَلا تُحْدَثُ بِيعَةٌ وَكَنِيسَةٌ فِي دَارِنَا, وَلَهُمْ إعَادَةُ المُنْهَدِمِ === بعد تمامها قبل الأخذ. وقال الشافعي: لا تسقط بعد تمامها، وله فيما إذا أسلم أو مات في أثنائها قولان: أحدهما: أنه تؤخذ جزية ما مضى، والآخر تسقط، وهذا الخلاف يأتي فيمن عَمِيَ أو صار مُقْعَداً أو زَمِناً أو شيخاً كبيراً لا يستطيع العمل، أو فقيراً لا يقدر على شيءٍ وقد بقي عليه شيء من الجزية، فإنه يسقط عنه عندنا، وعند الشافعي لا تسقط، لأن الجزية وجبت عن العصمة الثابتة بعقد الذِّمة، أو عن سُكْنَى في دارنا، وقد وصل إليه المعوَّض، فلا يسقط عنه العِوَض بهذا العارض، كما لا تسقط به الأجرة. ولنا: ما روى أبو داود في «الخَرَاج»، والترمذي في الزكاة من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «ليس على المسلم جزية». قال أبو داود: وسُئِلَ سفيان الثوري عن هذا فقال: يعني إذا أسلم فلا جزية عليه. (وَتَتَدَاخَلُ) أي الجزية (بِالتَّكْرَار) يعني إذا اجتمع على الذميّ أكثر من حولٍ لا تؤخذ منه إلا عن حولٍ واحدٍ، وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: تأخذ عن الجميع، وهو قول الشافعيّ وأحمد. (وَلَا تُحْدَثُ بِيعَةٌ) وهي معبد النصارى (وَ) لا (كَنِيسَةٌ) وهي معبد اليهود، ولا صومعة: وهي معبد الرُّهْبان، ولا بيت نار: وهو معبد المجوس (فِي دَارِنَا) أي في الأمصار. قيل: ولا في القرى، وهذا الخلاف في غير أرض العرب، وأمّا فيها فيمنعون من ذلك في الأمصار والقرى قولاً واحداً. ويمنع المشركون أيضاً من السُّكْنَى فيها (وَلهمْ إعَادَةُ المُنْهَدِمِ) لأن الأبنية لا تبقى دائماً، ولجريان التوارث من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا بترك البِيَع والكنائس في أمصار المسلمين. ولمّا أقرهم الإمام فقد عُهد إليهم الإعادة بطريق الدلالة إلاّ أنهم لا يمكَّنون من نقلها ولا زيادة في محلّها، لأنه إحداثٌ في الحقيقة. روى البيهقي في «سننه» عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا خِصَاء في الإسلام، ولا بُنْيَان كنيسة». إلاّ أنه ضعّفه. وروى أبو عُبَيْد القاسم بن سلاَّم بسنده إلى توبة بن النمر الحضرمي قاضي مصر، عمّن أخبره عن النبيّ ﷺ قال: «لا خِصاء في الإسلام ولا كنيسة». وروى أيضاً بسندٍ فيه ابن لَهِيعة إلى عمر بن الخطّاب أنه قال: لا كنيسة في الإسلام، ولا خصاء. وروى مالك في «الموطّأ» عن ابن شِهاب أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب». قال مالك عن ابن شِهاب

стр. 1606

وَمُيِّزَ الذِّمِّيُّ فِي: زِيِّهِ، وَمَرْكَبِهِ، وَسَرْجِهِ، وَسِلاحِهِ، فَلا يَرْكَبُ خَيْلًا، وَلا يَعْمَلُ بِسِلاحٍ، وَيُظْهِرُ الكُسْتِيجُ، وَيَرْكَبُ عَلَى سَرْجٍ كَإكَافٍ. وَمُيِّزَتْ نِسَاؤُهُمٍ فِي الطُّرُقِ وَالحَمَّامِ، ويُعَلَّمُ عَلَى دُورِهِمْ، لِئَلَّا يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ السَّائِلُ. === فَفَحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتّى أتاه اليقين، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب». فأجلى يهود خَيْبَر، وأجلى يهود نَجْرَان وفَدَك. وجزيرة العرب هي أرض العرب، وقد سبق تفسيرها في الزكاة. وسُمِّيت جزيرة لأنها جَزَرَتْ عنها المياه التي حَوَالَيْها، كبحر البَصْرة وعُمَان وَعَدَن والفُرَات. والجَزْرُ: القَطْع. (وَمُيِّزَ الذِّمِّيُّ) من المسلم (فِي زِيِّهِ) أي لبسه، فلا يلبَسُ طَيْلَسَاناً (١) مثل طَيْلَسَان المسلمين، ولا رداءً مثل أرديتهم (وَ) في (مَرْكَبِهِ وَسَرْجِهِ وَسِلَاحِهِ) إظهاراً للصَّغَار عليهم، وصيانةً لمن ضعف يقينه من المسلمين عن الميل إلى دينهم، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ (٢) … الآية، ولأَنَّ المسلم يُكْرَمُ، والذمي يُهَان، حتّى يضيّق عليه الطريق ولا يُبْدَأ بالسلام، ولا يُجَاب إلا بِعَلَيْك، ولأنه لو لم يميّز لعلّه يُعَامل معاملة المسلمين، وذا لا يجوز. (فَلَا يَرْكَبُ) الذِّميّ (خَيْلاً وَلَا يَعْمَلُ) أي لا يحمل (بِسِلاحٍ) لأنه ليس من أهل الجهاد، وهذا في الحضر، وجُوِّزَ له في السفر لاحتمال الاحتياج إليه (وَيُظْهِرُ الكُسْتِيجُ) بضم الكاف وسكون السين المهملة وكسر التاء الفوقية فياء ساكنة فجيم: وهو خيطٌ غليظٌ يشدّه الذميّ فوق ثيابه، ولا يُظْهِرُ الزُّنَّار المتخذ من الإِبْرَيْسَم (٣) . (وَيَرْكَبُ) عند الضرورة (عَلَى سَرْجٍ كَإكَافٍ) (٤) وذكر التُّمُرْتَاشِي أنه يكتفي في كل بلدٍ من العلامة بما تعارفه أهله، لأن المقصود يحصل به. (وَمُيِّزَتْ نِسَاؤُهُمْ) عن نساء المسلمين (فِي الطُّرُقِ وَالحَمَّامِ، ويُعَلَّمُ عَلَى دُورِهِمْ) بعلامة (لِئَلاَّ يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ السَّائِلُ) إذا وقف عليها، ويمنعون من تَعْلِية أبنيتهم علينا، ولا يُنقض عهدهم بقتل مسلم، بل يُقَاد إن كان عمداً، وتجب الدِّيَة إن كان خطأ، ولا بوطء مسلمةٍ بل يحدّ،

стр. 1607

وَمَصْرِفُ الجِزْيَةِ وَالخَرَاجِ وَمَا أُخِذَ مِنْهُ بِلا حَرْبٍ مَصَالِحُنَا: كَسَدِّ ثَغْرٍ، وَبِنَاءِ جِسْرٍ، وَرِزْقِ العُلَمَاءِ وَالعُمَّالِ وَالمُقَاتِلَةِ وَذُرِّيَّتهِمْ. === ولا بسبّ نبيَ من الأنبياء، فلا يُغْنَم ماله، بل يجري عليه الحكم مثلما يجري على مسلمٍ صدر منه مثله. وصار كالإِبَاء عن أداء الجزية على المذهب، لأن ما ينتهي به القتال التزام الجزية، وقَبُولها لأدائها، فالالتزام باقٍ فيسقط القتال، وينتقض على رواية «واقعات الحُسامي» اعتباراً للانتهاء بالابتداء، بل ينتقض باللَّحاق بدار الحرب، أو بالغلبة على موضعٍ من دارنا للحرب، لأنهم لمَّا صاروا حرباً علينا خلا عقد الذِّمة عن فائدة دفع شرّ الحرب، فلا يبقى. وإذا انتقض عهده صار كالمرتدّ في الحكم، إلاّ أنه إذا أُسِرَ يجوز أن يُسْتَرقَّ وأن توضع عليه الجزية ثانياً بخلاف المرتدّ. (وَمَصْرِفُ الجِزْيَةِ وَالخَرَاجِ) مبتدأ مضافٌ (وَمَا أُخِذَ مِنْهُ) أي من الحربيّ (بِلَا حَرْبٍ) كَهدية، وما أَخذ منه العاشر (١) ، أو من الذمي إذا مرّ عليه، وما صُولِحَ عليه على ترك القتال قبل نزول العسكر لساحته (مَصَالِحُنَا) خبر المبتدأ (كَسَدِّ ثَغْرٍ) بالخيل والرِّجال، والثَّغْر: موضع المخافة من فروج البلدان. (وَبِنَاءِ جِسْرٍ) وهو ممّا يُرْفَع ويُوضَع، وقنطرة وهي: ما يحكم بناؤه فلا يرفع (وَرِزْقِ العُلَمَاءِ) أي المشغولين بعلم الشريعة وطلبتهم (وَالعُمَّالِ) أي الذين يقبضون الزكوات والعشورات والجزية والخَرَاجات. (وَالمُقَاتِلَةِ وَذُرِّيَتِهِمْ) أي ذريّة العلماء والعمال والمقاتلة، لأنه مالٌ وصل إلى المسلمين بلا قتالٍ فيصرف في مصالحهم، وهؤلاء حبسوا أنفسهم لنفع المسلمين، فكان الصرف إليهم صرفاً في مصالح المسلمين، ونفقة الذراري على الآباء، فيعطون كفايتهم كيلا يشتغلوا عن مصالح المسلمين، ولا يورَّث عطاء من مات منهم في نصف السنة، لأنه صدقة (٢) وهي لا تملك إلاّ بالقبض، وإن مات في آخرها يستحبَّ دفعه لورثته إقامةً لتمام السنة مقام قبضه إياه، وعلى هذا قيل: إن الإمام أو المؤِّذن أو المدرِّس إذا مات قبل أن يقبض معلومه، ليس لورثته أن يأخذوا ذلك. واعلم أنّ بيت المال أنواع أربعة: أحدها: هذا الذي ذُكِر. وثانيها: الزكاة والعُشُر، ومصرفها: ما ذكره الله تعالى في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٣)

стр. 1608

[أحْكامُ المُرْتَدِّ] وَمَنِ ارْتَدَّ - وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ - عُرِضَ عَلَيهِ الإسْلامُ، وَكُشِفَتْ شُبْهَتُهُ، فَإِنِ اسْتَمْهَلَ حُبِسَ ثَلاثَةَ أيَّامٍ. فَإنْ تَابَ فِيهَا، وَإلَّا قُتِلَ. === الآية .... وثالثها: خُمْس الغنائم والمعادن والرِّكَاز (١) ، ومصرفها: ما ذكره الله تعالى في قوله تعالى: ﴿فَأَنّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٢) … الآية. ورابعها: اللَّقَطَات، والتركات التي لا وارث لها، ودِيَات مقتولٍ لا ولي له، ومصرفها: الفقراء الذين لا أولياء لهم، يعطَون منه نفقتهم وأَرْدِيتهم ويُكَفَّن به موتاهم، ويعقل به جنايتهم، وعلى الإمام أن يتقي الله ويصرفه إلى كل مستحقّ قدر حاجتِهِ من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ، فإن قصّر في ذلك نصيباً، فكفى بالله حسيباً. (أَحكام المُرْتدّ) (وَمَنِ ارْتَدَّ) عن الإسلام، (وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ) من ذلك المقام (عُرِضَ عَلَيْهِ الإِسْلَامُ) على سبيل الندب رجاء أن يعود دون الوجوب، لأن الدعوة قد بلغته، وهو قول مالك والشافعي وأحمد (وَكُشِفَتْ شُبْهَتُهُ) إن كانت له شبهة، لأن في ذلك دفع شرّه بأحسن الأَمرين (فَإِنِ اسْتَمْهَلَ) أي طلب أن يُمْهَل (حُبِسَ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ) للمهلة، لأنها مدّة ضربت لإبلاء (٣) الأعذار كما في شرط الخيار (فَإِنْ تَابَ فِيهَا) قُبِل (وَإِلاّ قُتِلَ) من ساعته في ظاهر الرواية لقوله ﷺ : «من بدّل دينه فاقتلوه». رواه أحمد والبخاري. ولأنه حربي بلغته الدعوة فيقتل في الحال من غير الإمهال، كالكافر الأصلي، (ولا) (٤) يجوز تأخير ما وجب للحال لأمرٍ موهومٍ في الاستقبال. وفي «النوادر» عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه يستحبّ أن يؤجّل ثلاثة أيام، طَلَبَ ذلك أو لم يطلب. وفي أصحّ قولي الشافعيّ: إن تاب في الحال وإلاّ قُتِلَ من غير الإمهال، وهو اختيار ابن المُنْذِر. وقال الثوري: يُستتابُ ما رُجِيَ عودُهُ. وقال الزُّهْرِي (٥) : يُدْعى ثلاثاً، فإن أبي قُتِلَ. وفي «المبسوط»: إن ارتدّ ثانياً وثالثاً فكذلك

стр. 1609

وَهِيَ بِالتَّبَرِّي عَنْ كُلِّ دِينٍ سِوَى الإِسْلامِ، أَوْ عَمَّا انْتَقَلَ إِلَيهِ. وَقَتْلُهُ قَبْلَ العَرْضِ تَرْكُ نَدْبٍ بِلا ضَمَانٍ. وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ مَالِهِ مَوْقُوفًا، === يستتاب، وبه قال أكثر أهل العلم لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (١) وقال مالك وأحمد والليث: لا يستتاب مَنْ تكرّر منه ذلك، كالزنديق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكِنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ (٢) . ولنا في الزنديق روايتان: في روايةٍ: لا تقبل توبته كقول مالك، وفي روايةٍ تقبل كقول الشافعيّ، والخلاف في حقّ أحكام الدنيا، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فتقبل بلا خلافٍ لقوله تعالى في حقّ المنافقين: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ (٣) إلى قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ (٤) ، والآية التي استدلّوا بها إنما هي في حقّ من ازداد كفراً، لا في حقّ من آمن وأظهر التوبة. وعن أبي يوسف: أنه إذا تكرّر منه الارتداد يقتل من غير عرض الإسلام، لأنه مستخفٌّ بالدّين. (وَهِيَ) أي توبة المرتدّ (بِالتَّبَرِّي عَنْ كُلِّ دِينٍ سَوَى الإِسْلَامِ، أَوْ عَمَّا انْتَقَلَ إِلَيْهِ) لحصول المقصود به، وهذا بعد إتيانه بكلمة الشهادة كما في «الإيضاح». (وَقَتْلُهُ) مبتدأ أي قتل المرتدّ (قَبْلَ العَرْضِ) أي عرض الإسلام عليه (تَرْكُ نَدْبٍ بِلَا ضَمَانٍ) لأن العرض مندوبٌ إِليه، ومَنْ يقول بأنه واجبٌ، فعنده أن قتله قبل العرض حرامٌ، لأنه تَرْك واجب. وأمّا انتفاء الضمان عند الكلّ، فلأن الكفر مبيحٌ لقتله، والعرض ندبٌ أو واجبٌ رجاء رجوعه. (وَيَزُولُ مِلْكُهُ) أي ملك المرتدّ (عَنْ مَالِهِ) زوالاً (مَوْقُوفاً) على تبيُّن حاله، وبه قال مالك، والشّافعيّ في أصحّ قوليْه، وأحمد في روايةٍ. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يزول، وبه قال الشافعي في قولٍ، واختاره المُزَنِيّ، وهو ظاهر الرواية عن أحمد. قال ابن المُنْذِر: وهو قول أكثر أهل العلم، لأن أثر الرِّدَّة في إِباحة دمه، لا في زوال ملكه كالمَقْضِيِّ عليه بالرَّجْم والقَوَد. ولأبي حنيفة: أن المرتدّ قد زالت عصمة نفسه بالرِّدَّة، لأنه يصير حربياً حتّى

стр. 1610

فَإِنْ أَسْلَمَ عَادَ. وَإذا مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارهِمْ، وَحُكِمَ بِهِ، عَتَقَ مَدَبَّرُهُ وَأُمُّ وَلَدِهِ، وَحَلَّ دَيْنٌ عَلَيْهِ، وَكَسْبُ إِسْلامِهِ لِوَارِثِهِ المُسْلِم، وَكَسْبُ رِدَّتِهِ فَيءٌ. وَقُضِيَ دَيْنُ كُلِّ حَالٍ مِنْ كَسْبِ تِلْكَ الحَالِ. وَبَطَلَ نِكَاحُهُ وَذَبْحُهُ، وَصَحَّ طَلاقُهُ واسْتِيلادُهُ. === يقتل، فكذا عصمة أمواله، لأنها تابعةٌ لنفسه، غير أنه لمّا كان مدعواً إلى الإسلام بالإجبار عليه ويُرْجَى عَوْده إليه لوقوفه على محاسنه توقّفنا في أمره. (فَإِنْ أَسْلَمَ عَادَ) ملكه وجُعِلَ هذا العارض ـ وهو الارتداد ـ كأَنْ لم يكن في حق زوال الملك. وإنما قيّدنا بهذا، لأن هذا العارض معتبرٌ في حقّ إحباط العمل من الطَّاعات، وفي حقّ وقوع الفُرْقة بينه وبين زوجته، وفي حق فَرْضية تجديد الإيمان. (وَإِذا مَاتَ أَوْ قُتِلَ) على رِدَّته (١) (أَوْ لَحِقَ بِدَارهِمْ وَحُكِمَ بِهِ) أي بلحوقه بدارهم (عَتقَ مُدَبَّرُهُ (٢) وأُمُّ وَلدِهِ (٣) ) لأنه باللّحاق صار من أهل الحرب، وهم أمَواتٌ في حقّ أحكام الإسلام لانقطاع ولاية الإلزام عنهم كما انقطعت عن الموتى، فصار كالميت، وهو يَعْتِق مدبَّرهُ وأمُّ ولده، إلاّ أنه لا يستقر لحاقه إلاّ بحكم حاكمٍ حيّ لاحتمال عوده إلينا. (وَحَلَّ دَيْنٌ عَلَيْهِ) لأن الدَّين المؤجَّل يصير حالاًّ بموت المديون، واللحوق بدارهم إذا حُكِمَ به في حكم الموت. (وَكَسْبُ إِسْلَامِهِ لِوَارِثِهِ المُسْلِمِ، وَكَسْبُ رِدَّتِهِ فَيءٌ) وقال أبو يوسف ومحمد: كلاهما لورثته المسلمين (وَقُضِيَ دَيْنُ كُلِّ حَالٍ) من الإسلام والرِّدَّة (مِنْ كَسْبِ تِلْكَ الحَالِ) فَيُقْضَى دَينُ حالِ الإسلام من كسب الإسلام، ودينُ حالِ الرِّدَّة من كسب الرِّدَّة. وعند أبي يوسف ومحمد: تُقْضَى ديونه منهما. (وَبَطَلَ نِكَاحُهُ وَذَبْحُهُ) اتفاقاً وكذا إرثه، لأن هذه الأمور تعتمد الملّة، ولا ملّة للمرتدّ. (وَصَحَّ طَلَاقُهُ واسْتِيلَادُهُ) (٤) اتفاقاً، فإن قيل: بالارتداد تقع الفُرْقة، فكيف يُتَصَوَّرُ منه الطَّلاق؟ أُجِيبَ: بأنّ الفسخ الذي يقع بالرِّدَّة تعتدّ المرأة له، فإذا طلَّقها وهي في العدّة وقع الطَّلاق، وكذا لو ارتدّا معاً فطلّقها فأسلما معاً لا ينفسخ النِّكاح ويقع الطَّلاق.

стр. 1611

وَيُوقَفُ بَيعُهُ وَمَعَامَلَتُهُ، إِنْ أَسْلَمَ نَفَذَ، وَإنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أوْ لَحِقَ وَحُكِمَ بِهِ، بَطَلَ. فإِن جَاءَ مُسْلِمًا قَبْلَ حُكْيمٍ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَدَّ. وَإنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَمَالُهُ مَعَ وَرَثَتِهِ أَخَذَهُ. وَلا تُقْتَل مُرْتَدَّةٌ، وَتُحْبَسُ حَتَّى تُسْلِمَ === (وَيُوقَفُ بَيْعُهُ وَمَعَامَلَتُهُ) من شراءٍ وإجارةٍ ورهنٍ وهبةٍ وعتقٍ وتدبير وكتابةٍ ووصيةٍ (إِنْ أَسْلَمَ نَفَذَ وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أوْ لَحِقَ وَحُكِمَ بِهِ بَطَلَ) وقال أبو يوسف ومحمد: لا يُوقَفُ بل ينفذ تصرّفه سواء أسلم أو مات أو لحق، وهو قول مالك والشّافعيِّ (فإِن جَاءَ) المرتدّ (مُسْلِماً قَبْلَ حُكْمٍ) بلحاقه إلى دار الإسلام (فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَدَّ) وأم ولده ومدبَّره باقيان على ملكه. (وَإِنْ جَاءَ بَعْدَهُ) أي بعد الحكم بلَحَاقه. (وَمَالُهُ) بعينه (مَعَ وَرَثَتِهِ أَخَذَهُ) لأن وارثه إنما خلفه لاستغنائه عنه، فإذا عاد ظهرت حاجته وبَطَل حكم الخَلَف، لكن إنّما يعود إلى ملكه بقضاءٍ أو رِضاءٍ. قال الحَلْواني: ولو كان هذا بعد موته حقيقةً بأن أحياه الله تعالى وأعاده إلى الدنيا، لكان الحكم كذلك، إلاّ أنه خلاف العادة. قيّد بماله، لأنه لا سبيل له على أمهات أولاده ولا مدبَّريه، لأن القاضي قضى بعتقهن عن ولاية شرعية، فلا ينقض. وقيّدنا ماله بعينه، لأنه لا يأخذ ثمنه إذا باعه الوارث ولا قيمته، لأنه باعه وأتلفه في وقتٍ كان فيه سبيل من ذلك. (وَلَا تُقْتَلُ مُرْتَدّةٌ) لكن لو قتلها إنسانٌ لا شيء عليه، سواء كانت حرَّة أو أمة، كذا في «المبسوط». (وَتُحْبَسُ حَتَّى تُسْلِمَ) أو تموت، وقال مالك، والشافعيّ، (وأحمد) (١) ، واللَّيث، والزُّهْرِيّ، والأوْزَاعِيّ ومكحول، وحمّاد: تُقْتَلُ، لما روى البخاري وابن أبي شَيْبَة من حديث ابن عبّاس ـ واللفظ لابن أبي شَيْبَة ـ أن النبي ﷺ قال: «من بدّل دينه فاقتلوه». وكلمة «مَنْ» تعمّ الرِّجال والنساء كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢) . ولنا ما روى الطَّبَرَانيّ في «معجمه» عن مُعَاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال له حين بعثه إلى اليمن: «أيّما رجلٍ ارتدّ عن الإسلام فادعه، فإن تاب فاقبل منه، وإن لم يتب فاضرب عنقه بالسيف، وأيما امرأةٍ ارتدّت عن الإسلام فادعها، فإن تابت فاقبل منها، وإن أبت فاسْتَتِبْها».

стр. 1612

وَصَحَّ تَصَرُّفُهَا، وكَسْبَاهَا لِوَرَثَتِهَا. === وروى ابن عَدِي في «كامله» بسنده إلى أبي هُرَيْرة أنّ امرأةً ارتدّت على عهد رسول الله ﷺ فلم يقتلها. ولكن ضُعِّفَ من رواية حَفْص بن سُلَيْمَان. وروى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» عن عبد الرَّحمن بن سليمان، ووكيع، عن أبي حنيفة، عن عاصم، عن أبي رَزِين، عن ابن عبّاس أنه قال: النساء لا يُقْتَلْنَ إذا هنّ ارْتَدَدْنَ عن الإسلام، ولكن يُحْبَسْنَ ويُدْعَيْنَ إِلى الإسلام ويُجْبَرْنَ عليه. ورواه محمد بن الحسن في «الآثار»، عن أبي حنيفة، ورواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» في آخر القصاص، عن سفيان الثوريّ، عن عاصم، عن أبي رَزِين به. وأخرج الدَّارَقُطْنيّ عن عليّ أنه قال: المرتدّة تُسْتَتَاب ولا تُقْتَلُ. وفي نسخة: يُسْتَأْنى (١) بها. وأخرج عبد الرَّزَّاق نحوه عن عطاء، والحسن، وإبراهيم النَّخَعِيّ. وروى عبد الرَّزَّاق عن الثوريّ، عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن الخطاب أمر في أمِّ ولدٍ تنصَّرت أن تُبَاع في أرضٍ ذات مُؤْنَةٍ (٢) عليها، ولا تُبَاع في أهل دينها، فبيعت بدُومَةِ الجَنْدَلِ (٣) من غير أهل دينها. (وَصَحَّ تَصَرُّفُهَا) في مالها (وَكَسْبَاهَا) أي كسب الإسلام وكسب الرِّدَّة، وفي بعض النسخ: وكسبها، أي سواء كان في الإسلام أو الرِّدَّة (لِوَرَثَتِهَا) لأن ملكها باقٍ ولا حرابة منها حتى يكون مالها فَيئاً بخلاف المرتدّ، وليس الكلُّ فَيئاً كما قال مالك والشافعيّ، لأنه مات كافراً، والمسلم لا يرث الكافر. ولا يرثها زوجها، لأن الزَّوجية قد انقطعت بالارتداد، وهي لا تُقْتَلُ، فلم يتعلّق حقّه بمالها، إلاّ أن تكون مريضةً فيرثها، لأنها تصير فارّة بالارتداد. وعن الحسن: أنّ المرتدة تضرب كلّ يومٍ تسعةً وثلاثين (سوطاً) (٤) حتّى تُسْلم أو تموت، وكذا الأمة. وفي «الجامع الصغير»: وتجبر المرأة على الإسلام حرّة كانت أو أمة، وتَخْدُم الأمة مولاها لما فيه من الجمع بين الحقّين، بأَن يُجْعل منزل المَوْلى سجناً لها، ويُفْرَض التأديب إليه. وفي «الإيضاح»: وقال أبو حنيفة: إذا احتاج المَوْلى إلى خدمتها

стр. 1613

وَصَحَّ ارْتِدَادُ صَبِيٍّ يَعْقِلُ وَإسْلامُهُ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ، وَلا يُقْتَلُ إنْ أبَى. === دفعها القاضي إليه، وأمره أن يجبرها على الإسلام، وأرسل إليها القاضي كل يوم يهدِّدها ويضربها أسواطاً حتّى تموت أو تُسْلِم. والصحيح أن يدفعها إلى المَوْلى احتاج أو استغنى، طلب أو لم يطلب، لأن الحبس تصرّف فيها، وهو إلى المولى. (وَصَحَّ ارْتِدَادُ صَبِيَ يَعْقِلُ وَإِسْلَامُهُ، وَيُجْبَرُ) الصبي المرتدّ (عَلَيْهِ) أي على الإسلام (وَلَا يُقْتَلُ إنْ أبَى) وإن بلغ كافراً، ولكن يُحْبَس، ذكره التُّمُرْتَاشِيّ، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال مالك وأحمد: يُقْتَلُ إذا بلغ ولم يرجع، لأنه صار أهلاً للعقوبة. وقال أبو يوسف: ارتداده ليس بارتدادٍ، وإسلامه إسلامٌ، وهو قولٌ لأحمد وسُحْنُون المالكي لقوله ﷺ : «رُفِعَ القلم عن ثلاث: عن الصبيّ حتى يحتلم» (١) . ومن كان مرفوع القلم لا يُبْنَى الحكم في الدنيا على قوله، أمّا الإسلام فيصحّ منه لأنّ الصبيّ أهلٌ للرسالة. قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيّاً﴾ (٢) فعلم ضرورةً أنه أهلٌ للإسلام، ولأنه سبب الفوز بالسعادة الأبدية، فيكون محض منفعة في الأمور الدنيوية والأخروية، بخلاف الارتداد، فإنه محض مضرّة. وفي «المحيط»: روى ابن أبي مالك، عن أبي يوسف: أن أبا حنيفة رجع إلى قول أبي يوسف. وقال الشافعي وزفر: إسلامه ليس بإسلام، وارتداده ليس بارتدادٍ، وأمّا الإسلام فلأنه تبعٌ فيه لأبويه، فلا يجعل أصلاً، لأن التبعية دليل العجز، والأصالة دليل القدرة وبينهما تنافٍ. وأمّا الارتداد، فلأنه مضرّةٌ (محضةٌ) (٣) لأنه سببٌ لحرمان إرثه، وللفُرْقة بينه وبين امرأته المشركة والمسلمة، ولامتناع وجوب نفقته على أبويه أو غيرهما من أقاربه، والصبيّ ليس بأهلٍ للمضار كالطَّلاق والعَتاق. ولأبي حنيفة ومحمد: في الإسلام أنه أتى بحقيقته، وهو التصديق بالجَنان والإقرار باللسان، وفي الرِّدَّة أتى بحقيقة الكفر، وهو الجحود والإنكار، وقد اعتبر النبيّ ﷺ إسلام الصبيّ فيصحّ منه. روى البخاري في «تاريخه» عن عُرْوة قال: أسلم عليّ وهو ابن ثمان سنين. وأخرج الحاكم (في «مستدركه» وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين، ولم يخرِّجاه، عن ابن عبّاس: أن رسول الله ﷺ (٤) دفع الرَّاية إلى عليّ يوم

стр. 1614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بدر، وهو ابن عشرين سنة. قال الذهبي في «مختصره»: وهذا نصٌ في أنه أسلم وله أقل من عشر سنين، بل نصٌّ في أنه أسلم وهو ابن سبع سنين (أَوْ ثمان) (١) ، وهو قول عُرْوَة. انتهى. وقد افتخر عليّ به في شعره: *سَبَقْتُكُمُو إِلى الإِسْلَامِ طُرّاً ** غُلَاماً مَا بَلَغْتُ أَوَان حُلْمِي وروى البخاري في «صحيحه» قال: كان غلامٌ يهوديٌّ يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه ﷺ يَعُودُه فَقَعَد عند رأسه فقال له: «أسلم»: فنظر إلى أبيه، وهو عنده، فقال: أَطِع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبيّ ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». وَعَرض ﵊ الإسلام على ابن صيَّاد وهو غلامٌ لم يبلغ، ولولا أنه يعتبر منه، لم يعرضه عليه. وأمّا الصبيّ الذي لا يعقل فلا يصحّ ارتداده ولا إسلامه كالمجنون، لأن إقراره لا يدلّ على اعتقاده فلا يعتبر. ولو ارتدّ السَّكران الذي لا يعقل لا يصحّ ارتداده، وبه قال مالك، وأحمد في روايةٍ، والشافعي في قولٍ، لأنه غير عالمٍ بما يقول، والرِّدَّة تُبتنى على تبدّل الاعتقاد. هذا، ويُحكم بإسلام الوثنيّ وشبهه بتلفّظه بإحدى كلمتي الشهادة، ولو سكرانَ أَوْ مكرهاً لقوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل النَّاس حتَّى يقولوا: لا إله إلاَّ الله» (٢) . ويحكم بإسلام الكتابي بتلفّظه بكلتي كلمتي الشهادة مع التبرِّي عن دينه الذي كان عليه ومع دخوله في دين الإسلام، لأن من أهل الكتاب من يعتقد نبوة محمد ﷺ ، ويدَّعي أنه ﷺ رسولٌ للعرب خاصّة، فلا بدّ من تبرِّيه من دينه ودخوله في دين الإسلام. ويكفر من وصف الله تعالى بما لا يليق به تعالى وتقدَّس، وسَخِر باسمٍ من أسمائه، أو استخفّ به أو بأمرٍ من أوامره ونواهيه، أو انكر وعده بالثواب للصالحين أو وعيده من العذاب للطالحين، أو عاب النبي ﷺ ولو بشعرة من شعراته، لأنه استخفاف بمن كَمَّله (٣) الله من كل وجهٍ، أو أنكر خلافه الشيخين لثبوتهما بالإجماع، أو صحبة أبي بكر لثبوتها بالنصّ حيث قال تعالى: ﴿إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ (٤)

стр. 1615

[فَصْلٌ في البُغَاةِ] وَالبُغَاةُ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ، فَيَدْعُوهُمْ إِلى === وعليه اتفاق المفسرين، أو رمى عائشة بما برّأها الله منه من قول أهل الإفك، لأنه إنكار لما ثبت في كتاب الله. وفي «المحيط» مَعْزيّاً إلى «الفتاوى»: الساحر إن اعتقد أنه خالقٌ لما يفعل فإن تاب عن ذلك، وقال: الله خالق كل شيءٍ، وتبرّأ ممّا اعتقد تُقْبَلُ توبته ولا يُقْتَلُ، لأنه كافرٌ أسلم، وإن لم يتب قُتِلَ، لأنه مرتدٌّ. وقال أبو حنيفة في «المجرّد»: يُقْتَلُ ولا يُقْبَل قوله: إني أترك السحر وأتوب منه، إذا شهد الشهود أنه الآن ساحرٌ أو أقرّ بذلك. وكذا المرأة الساحرة تُقْتَل. وفي «المُنْتَقَى»: أنها لا تُقْتلَ، ولكن تحبس وتضرب كالمرتدّة، والأوّل أصحّ لِمَا في البخاري، و «سنن أبي داود»، و «مسند أحمد»: أنّ عمر كتب إلى نوّابه أن اقتلوا الساحر والساحرة. ولما رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن جُنْدُب مرفوعاً: «حدّ الساحر ضَرْبةٌ بالسيف». ولأن ضرر كفرها ـ وهو السحر ـ يتعدّى فتكون ساعيةً في الأرض بالفساد بخلاف المرتدّة والحربية، وذلك لدفع فسادها الذي يفرّق بين المرء وزوجته، ولا تُقْبَلُ توبتها في الأصحّ، لأن ما يُقْتَلُ لأجله لا يرتفع بالتوبة، وقيل: تُقْبَل، لأنه لا يلزم من عدم ارتفاعه العمل به كالسلاح في يد اللّص التائب. ثم تَعْلّم السحر وتعليمه حرامٌ بلا خلافٍ بين أهل العلم، ومن اعتقد إباحته كفر. وعن أصحابنا ومالك وأحمد: يكفر الساحر بتعليمه وتعلّمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو لا، ويُقْتَل. وأمّا الكاهن: وهو العرّاف الذي يَحْدِس (١) ، وقيل الذي له رَئيٌّ (٢) من الجنّ يأتيه بالأخبار. (فقال أصحابنا) (٣) : إن اعتقد أن الشياطين يفعلون له ما يشاء كفر، وإن لم يعتقد لم يكفر. (فَصْلٌ فِي البُغَاةِ) (وَالبُغَاةُ) جمع باغٍ (قَوْمٌ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ) الحقّ، وهو: الذي اجتمع عليه المسلمون، أو ثبتت إمامته من الإمام الحقّ (فَيَدْعُوهُمْ) الإمام (إِلى
следующие страницы →