← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وَيُوقَفُ بَيعُهُ وَمَعَامَلَتُهُ، إِنْ أَسْلَمَ نَفَذَ، وَإنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أوْ لَحِقَ وَحُكِمَ بِهِ، بَطَلَ. فإِن جَاءَ مُسْلِمًا قَبْلَ حُكْيمٍ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَدَّ. وَإنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَمَالُهُ مَعَ وَرَثَتِهِ أَخَذَهُ. وَلا تُقْتَل مُرْتَدَّةٌ، وَتُحْبَسُ حَتَّى تُسْلِمَ === (وَيُوقَفُ بَيْعُهُ وَمَعَامَلَتُهُ) من شراءٍ وإجارةٍ ورهنٍ وهبةٍ وعتقٍ وتدبير وكتابةٍ ووصيةٍ (إِنْ أَسْلَمَ نَفَذَ وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أوْ لَحِقَ وَحُكِمَ بِهِ بَطَلَ) وقال أبو يوسف ومحمد: لا يُوقَفُ بل ينفذ تصرّفه سواء أسلم أو مات أو لحق، وهو قول مالك والشّافعيِّ (فإِن جَاءَ) المرتدّ (مُسْلِماً قَبْلَ حُكْمٍ) بلحاقه إلى دار الإسلام (فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَدَّ) وأم ولده ومدبَّره باقيان على ملكه. (وَإِنْ جَاءَ بَعْدَهُ) أي بعد الحكم بلَحَاقه. (وَمَالُهُ) بعينه (مَعَ وَرَثَتِهِ أَخَذَهُ) لأن وارثه إنما خلفه لاستغنائه عنه، فإذا عاد ظهرت حاجته وبَطَل حكم الخَلَف، لكن إنّما يعود إلى ملكه بقضاءٍ أو رِضاءٍ. قال الحَلْواني: ولو كان هذا بعد موته حقيقةً بأن أحياه الله تعالى وأعاده إلى الدنيا، لكان الحكم كذلك، إلاّ أنه خلاف العادة. قيّد بماله، لأنه لا سبيل له على أمهات أولاده ولا مدبَّريه، لأن القاضي قضى بعتقهن عن ولاية شرعية، فلا ينقض. وقيّدنا ماله بعينه، لأنه لا يأخذ ثمنه إذا باعه الوارث ولا قيمته، لأنه باعه وأتلفه في وقتٍ كان فيه سبيل من ذلك. (وَلَا تُقْتَلُ مُرْتَدّةٌ) لكن لو قتلها إنسانٌ لا شيء عليه، سواء كانت حرَّة أو أمة، كذا في «المبسوط». (وَتُحْبَسُ حَتَّى تُسْلِمَ) أو تموت، وقال مالك، والشافعيّ، (وأحمد) (١) ، واللَّيث، والزُّهْرِيّ، والأوْزَاعِيّ ومكحول، وحمّاد: تُقْتَلُ، لما روى البخاري وابن أبي شَيْبَة من حديث ابن عبّاس ـ واللفظ لابن أبي شَيْبَة ـ أن النبي ﷺ قال: «من بدّل دينه فاقتلوه». وكلمة «مَنْ» تعمّ الرِّجال والنساء كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢) . ولنا ما روى الطَّبَرَانيّ في «معجمه» عن مُعَاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال له حين بعثه إلى اليمن: «أيّما رجلٍ ارتدّ عن الإسلام فادعه، فإن تاب فاقبل منه، وإن لم يتب فاضرب عنقه بالسيف، وأيما امرأةٍ ارتدّت عن الإسلام فادعها، فإن تابت فاقبل منها، وإن أبت فاسْتَتِبْها».

стр. 1612

وَصَحَّ تَصَرُّفُهَا، وكَسْبَاهَا لِوَرَثَتِهَا. === وروى ابن عَدِي في «كامله» بسنده إلى أبي هُرَيْرة أنّ امرأةً ارتدّت على عهد رسول الله ﷺ فلم يقتلها. ولكن ضُعِّفَ من رواية حَفْص بن سُلَيْمَان. وروى ابن أَبي شَيْبَة في «مصنفه» عن عبد الرَّحمن بن سليمان، ووكيع، عن أبي حنيفة، عن عاصم، عن أبي رَزِين، عن ابن عبّاس أنه قال: النساء لا يُقْتَلْنَ إذا هنّ ارْتَدَدْنَ عن الإسلام، ولكن يُحْبَسْنَ ويُدْعَيْنَ إِلى الإسلام ويُجْبَرْنَ عليه. ورواه محمد بن الحسن في «الآثار»، عن أبي حنيفة، ورواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» في آخر القصاص، عن سفيان الثوريّ، عن عاصم، عن أبي رَزِين به. وأخرج الدَّارَقُطْنيّ عن عليّ أنه قال: المرتدّة تُسْتَتَاب ولا تُقْتَلُ. وفي نسخة: يُسْتَأْنى (١) بها. وأخرج عبد الرَّزَّاق نحوه عن عطاء، والحسن، وإبراهيم النَّخَعِيّ. وروى عبد الرَّزَّاق عن الثوريّ، عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن الخطاب أمر في أمِّ ولدٍ تنصَّرت أن تُبَاع في أرضٍ ذات مُؤْنَةٍ (٢) عليها، ولا تُبَاع في أهل دينها، فبيعت بدُومَةِ الجَنْدَلِ (٣) من غير أهل دينها. (وَصَحَّ تَصَرُّفُهَا) في مالها (وَكَسْبَاهَا) أي كسب الإسلام وكسب الرِّدَّة، وفي بعض النسخ: وكسبها، أي سواء كان في الإسلام أو الرِّدَّة (لِوَرَثَتِهَا) لأن ملكها باقٍ ولا حرابة منها حتى يكون مالها فَيئاً بخلاف المرتدّ، وليس الكلُّ فَيئاً كما قال مالك والشافعيّ، لأنه مات كافراً، والمسلم لا يرث الكافر. ولا يرثها زوجها، لأن الزَّوجية قد انقطعت بالارتداد، وهي لا تُقْتَلُ، فلم يتعلّق حقّه بمالها، إلاّ أن تكون مريضةً فيرثها، لأنها تصير فارّة بالارتداد. وعن الحسن: أنّ المرتدة تضرب كلّ يومٍ تسعةً وثلاثين (سوطاً) (٤) حتّى تُسْلم أو تموت، وكذا الأمة. وفي «الجامع الصغير»: وتجبر المرأة على الإسلام حرّة كانت أو أمة، وتَخْدُم الأمة مولاها لما فيه من الجمع بين الحقّين، بأَن يُجْعل منزل المَوْلى سجناً لها، ويُفْرَض التأديب إليه. وفي «الإيضاح»: وقال أبو حنيفة: إذا احتاج المَوْلى إلى خدمتها

стр. 1613

وَصَحَّ ارْتِدَادُ صَبِيٍّ يَعْقِلُ وَإسْلامُهُ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ، وَلا يُقْتَلُ إنْ أبَى. === دفعها القاضي إليه، وأمره أن يجبرها على الإسلام، وأرسل إليها القاضي كل يوم يهدِّدها ويضربها أسواطاً حتّى تموت أو تُسْلِم. والصحيح أن يدفعها إلى المَوْلى احتاج أو استغنى، طلب أو لم يطلب، لأن الحبس تصرّف فيها، وهو إلى المولى. (وَصَحَّ ارْتِدَادُ صَبِيَ يَعْقِلُ وَإِسْلَامُهُ، وَيُجْبَرُ) الصبي المرتدّ (عَلَيْهِ) أي على الإسلام (وَلَا يُقْتَلُ إنْ أبَى) وإن بلغ كافراً، ولكن يُحْبَس، ذكره التُّمُرْتَاشِيّ، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال مالك وأحمد: يُقْتَلُ إذا بلغ ولم يرجع، لأنه صار أهلاً للعقوبة. وقال أبو يوسف: ارتداده ليس بارتدادٍ، وإسلامه إسلامٌ، وهو قولٌ لأحمد وسُحْنُون المالكي لقوله ﷺ : «رُفِعَ القلم عن ثلاث: عن الصبيّ حتى يحتلم» (١) . ومن كان مرفوع القلم لا يُبْنَى الحكم في الدنيا على قوله، أمّا الإسلام فيصحّ منه لأنّ الصبيّ أهلٌ للرسالة. قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيّاً﴾ (٢) فعلم ضرورةً أنه أهلٌ للإسلام، ولأنه سبب الفوز بالسعادة الأبدية، فيكون محض منفعة في الأمور الدنيوية والأخروية، بخلاف الارتداد، فإنه محض مضرّة. وفي «المحيط»: روى ابن أبي مالك، عن أبي يوسف: أن أبا حنيفة رجع إلى قول أبي يوسف. وقال الشافعي وزفر: إسلامه ليس بإسلام، وارتداده ليس بارتدادٍ، وأمّا الإسلام فلأنه تبعٌ فيه لأبويه، فلا يجعل أصلاً، لأن التبعية دليل العجز، والأصالة دليل القدرة وبينهما تنافٍ. وأمّا الارتداد، فلأنه مضرّةٌ (محضةٌ) (٣) لأنه سببٌ لحرمان إرثه، وللفُرْقة بينه وبين امرأته المشركة والمسلمة، ولامتناع وجوب نفقته على أبويه أو غيرهما من أقاربه، والصبيّ ليس بأهلٍ للمضار كالطَّلاق والعَتاق. ولأبي حنيفة ومحمد: في الإسلام أنه أتى بحقيقته، وهو التصديق بالجَنان والإقرار باللسان، وفي الرِّدَّة أتى بحقيقة الكفر، وهو الجحود والإنكار، وقد اعتبر النبيّ ﷺ إسلام الصبيّ فيصحّ منه. روى البخاري في «تاريخه» عن عُرْوة قال: أسلم عليّ وهو ابن ثمان سنين. وأخرج الحاكم (في «مستدركه» وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين، ولم يخرِّجاه، عن ابن عبّاس: أن رسول الله ﷺ (٤) دفع الرَّاية إلى عليّ يوم

стр. 1614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بدر، وهو ابن عشرين سنة. قال الذهبي في «مختصره»: وهذا نصٌ في أنه أسلم وله أقل من عشر سنين، بل نصٌّ في أنه أسلم وهو ابن سبع سنين (أَوْ ثمان) (١) ، وهو قول عُرْوَة. انتهى. وقد افتخر عليّ به في شعره: *سَبَقْتُكُمُو إِلى الإِسْلَامِ طُرّاً ** غُلَاماً مَا بَلَغْتُ أَوَان حُلْمِي وروى البخاري في «صحيحه» قال: كان غلامٌ يهوديٌّ يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه ﷺ يَعُودُه فَقَعَد عند رأسه فقال له: «أسلم»: فنظر إلى أبيه، وهو عنده، فقال: أَطِع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبيّ ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». وَعَرض ﵊ الإسلام على ابن صيَّاد وهو غلامٌ لم يبلغ، ولولا أنه يعتبر منه، لم يعرضه عليه. وأمّا الصبيّ الذي لا يعقل فلا يصحّ ارتداده ولا إسلامه كالمجنون، لأن إقراره لا يدلّ على اعتقاده فلا يعتبر. ولو ارتدّ السَّكران الذي لا يعقل لا يصحّ ارتداده، وبه قال مالك، وأحمد في روايةٍ، والشافعي في قولٍ، لأنه غير عالمٍ بما يقول، والرِّدَّة تُبتنى على تبدّل الاعتقاد. هذا، ويُحكم بإسلام الوثنيّ وشبهه بتلفّظه بإحدى كلمتي الشهادة، ولو سكرانَ أَوْ مكرهاً لقوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل النَّاس حتَّى يقولوا: لا إله إلاَّ الله» (٢) . ويحكم بإسلام الكتابي بتلفّظه بكلتي كلمتي الشهادة مع التبرِّي عن دينه الذي كان عليه ومع دخوله في دين الإسلام، لأن من أهل الكتاب من يعتقد نبوة محمد ﷺ ، ويدَّعي أنه ﷺ رسولٌ للعرب خاصّة، فلا بدّ من تبرِّيه من دينه ودخوله في دين الإسلام. ويكفر من وصف الله تعالى بما لا يليق به تعالى وتقدَّس، وسَخِر باسمٍ من أسمائه، أو استخفّ به أو بأمرٍ من أوامره ونواهيه، أو انكر وعده بالثواب للصالحين أو وعيده من العذاب للطالحين، أو عاب النبي ﷺ ولو بشعرة من شعراته، لأنه استخفاف بمن كَمَّله (٣) الله من كل وجهٍ، أو أنكر خلافه الشيخين لثبوتهما بالإجماع، أو صحبة أبي بكر لثبوتها بالنصّ حيث قال تعالى: ﴿إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ (٤)

стр. 1615

[فَصْلٌ في البُغَاةِ] وَالبُغَاةُ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ، فَيَدْعُوهُمْ إِلى === وعليه اتفاق المفسرين، أو رمى عائشة بما برّأها الله منه من قول أهل الإفك، لأنه إنكار لما ثبت في كتاب الله. وفي «المحيط» مَعْزيّاً إلى «الفتاوى»: الساحر إن اعتقد أنه خالقٌ لما يفعل فإن تاب عن ذلك، وقال: الله خالق كل شيءٍ، وتبرّأ ممّا اعتقد تُقْبَلُ توبته ولا يُقْتَلُ، لأنه كافرٌ أسلم، وإن لم يتب قُتِلَ، لأنه مرتدٌّ. وقال أبو حنيفة في «المجرّد»: يُقْتَلُ ولا يُقْبَل قوله: إني أترك السحر وأتوب منه، إذا شهد الشهود أنه الآن ساحرٌ أو أقرّ بذلك. وكذا المرأة الساحرة تُقْتَل. وفي «المُنْتَقَى»: أنها لا تُقْتلَ، ولكن تحبس وتضرب كالمرتدّة، والأوّل أصحّ لِمَا في البخاري، و «سنن أبي داود»، و «مسند أحمد»: أنّ عمر كتب إلى نوّابه أن اقتلوا الساحر والساحرة. ولما رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن جُنْدُب مرفوعاً: «حدّ الساحر ضَرْبةٌ بالسيف». ولأن ضرر كفرها ـ وهو السحر ـ يتعدّى فتكون ساعيةً في الأرض بالفساد بخلاف المرتدّة والحربية، وذلك لدفع فسادها الذي يفرّق بين المرء وزوجته، ولا تُقْبَلُ توبتها في الأصحّ، لأن ما يُقْتَلُ لأجله لا يرتفع بالتوبة، وقيل: تُقْبَل، لأنه لا يلزم من عدم ارتفاعه العمل به كالسلاح في يد اللّص التائب. ثم تَعْلّم السحر وتعليمه حرامٌ بلا خلافٍ بين أهل العلم، ومن اعتقد إباحته كفر. وعن أصحابنا ومالك وأحمد: يكفر الساحر بتعليمه وتعلّمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو لا، ويُقْتَل. وأمّا الكاهن: وهو العرّاف الذي يَحْدِس (١) ، وقيل الذي له رَئيٌّ (٢) من الجنّ يأتيه بالأخبار. (فقال أصحابنا) (٣) : إن اعتقد أن الشياطين يفعلون له ما يشاء كفر، وإن لم يعتقد لم يكفر. (فَصْلٌ فِي البُغَاةِ) (وَالبُغَاةُ) جمع باغٍ (قَوْمٌ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ) الحقّ، وهو: الذي اجتمع عليه المسلمون، أو ثبتت إمامته من الإمام الحقّ (فَيَدْعُوهُمْ) الإمام (إِلى

стр. 1616

العَوْدِ وَيَكْشِفُ شُبْهَتَهُمْ === العَوْدِ) إلى طاعته (وَيَكْشِفُ شُبْهَتَهُمْ) لما في «مصنف عبد الرَّزَّاق»، و «سنن النَّسائي الكبرى» في خصائص عليّ، عن ابن عبّاس أنه قال: لمّا خرجت الحَرُورِيّة اعْتَزَلوا في دارٍ وكانوا ستة الآف، فقلت لعليّ: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة لعليّ أُكَلِّمُ هؤلاء القوم. قال: إني أخافهم عليك. قلت: كلا، فلبست ثيابي ومضيت حتّى دخلت عليهم في دارهم وهم مجتمعون فيها، فقالوا: مرحباً بك يا ابن عبّاس، ما جاء بك؟ قلت: أتيتكم من عند أصحاب النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عمّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلّم وصهره، وعليهم نزل القرآن فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، جئت لأبلّغكم ما يقولون، وأبلّغهم ما تقولون، فانتحى لي نفرٌ منهم ـ أي عرض ـ قلت: هاتِ ما نقمتم على أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلّم وابن عمّه وخَتَنِه (١) وأوّلِ من آمن به، قالوا: ثلاث. قلت: ما هي؟ قالوا: إحداهنّ: أنه حَكَّم الرِّجال في دين الله وقد قال الله: ﴿إنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (٢) قلت: هذه واحدة. قالوا: وأمّا الثانية: فإنه قاتل ولم يسبِ ولم يغنم، فإن كانوا كفّاراً لقد حلّت لنا نساؤهم وأموالهم، وإن كانوا مؤمنين لقد حُرِّمت علينا دماؤهم، قلت: هذه أخرى. قالوا: وأمّا الثالثة: فإنه مَحَى نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين؟ قلت: عندكم شيء غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا، قلت لهم: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله، وحدّثتكم من سنة نبيه ما يردّ قولكم هذا، ترجعون؟ قالوا: اللهمَّ نعم، قلت: أمّا قولكم: حَكَّم الرجال في دين الله، فأنا أقرأ عليكم أن قد صيَّر الله حكمه إلى الرِّجال في أرنبٍ ثمنها ربع درهم. قال تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) وقال في المرأة وزوجها ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٤) أنشدكم الله أَحُكْم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وإصلاح ذات بينهم أحقّ، أم في أرنبٍ ثمنها ربع درهم؟.

стр. 1617

فَإِنْ تَحَيَّزوا مُجتَمِعِينَ، حَلَّ لَنَا قِتَالُهُمْ ابْتِدَاءً === قالوا: اللهمَّ، بل في حقن دمائهم وإصلاح ذات بينهم، قلت: أخرجت من هذه؟ قالوا: اللَّهمَّ نعم. قلت: وأمّا قولكم: إنه قاتَل ولم يسبِ ولم يغنم، أتسبون أمكم عائشة فتستحلون منها ما تستحلُّون من غيرها وهي أمكم؟ لئن فعلتم قد كفرتم، وإن قلتم ليست بأُمِّنَا فقد كفرتم قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (١) فأنتم بين ضلالتين فأتوا منهما بمخرجٍ، أخرجت من هذه الأخرى؟. قالوا: اللهمّ نعم. قلت: وأمّا قولكم: مَحَى نفسه من أمير المؤمنين، فإن رسول الله ﷺ دعا قريشاً يوم الحُدَيْبِية على أنْ يكتب بينه وبينهم كتاباً. قال: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقالوا: والله لو كنّا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال: والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني، يا عليَّ: اكتب محمد بن عبد الله، فرسول الله خيرٌ من عليَ وقد محا نفسه، ولم يكن محوه ذلك محواً من النبوة. أَخَرَجْتُ من هذه الأخرى؟ قالوا: اللَّهمَّ نعم. فرجع منهم ألفان، وبقي سائرهم، فقُتِلُوا على ضلالتهم، قتلهم المهاجرون والأنصار. ولأنّ توبتهم تُرْجى، ولعلّ الشرَّ يندفع بالتذكرة، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وهذه الدعوة ليست بواجبة، لأنهم قد علموا لماذا يقاتَلون، فصاروا كالمرتدّين. (فَإِنْ تَحَيَّزُوا) أي اختاروا مكاناً (مُجْتَمِعِينَ) أي وللقتال متهيئين (حَلَّ لَنَا قِتَالُهمْ ابْتِدَاءً) كما في «الذخيرة» و «المبسوط» و «الإيضاح». وفي «مختصر القُدُوري»: أنه لا يحلّ أن نبدأهم بالقتال، بل إن قاتلوا قاتلناهم حتّى نفرّق جمعهم، وهو قول مالك والشّافعيّ وأحمد، لأنّه لا يحلّ قتل مسلم إلاّ دفعاً ـ وهم مسلمون ـ بخلاف الكفَّار، فإن نفسَ الكفر مبيحٌ لقتالهم. ولنا: أنّ خروجهم على الإمام معصيةٌ ومُنْكَرٌ، وقتالنا لهم عليه نهيٌ عنه، فنقاتلهم وإن لم يبدؤنا، ولقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٣) من غير قيد بالبداءة منهم. ولقول عليّ مرفوعاً: «سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان (٤) ، سفهاء الأحلام (٥) ، يقولون بقول خير البَرِيَّة، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم،

стр. 1618

وَيُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَيُتَّبَعُ مُوَلِّيهِمْ إِنْ كانَ لَهُمْ فِئَةٌ. وَلا تُسْبَى ذُرِّيَّتُهُمْ، وَيُحْبَسُ مَالُهُمْ إلى أنْ يَتُوبُوا. وَيُسْتَعْمَلُ سِلاحُهُمْ وَخَيْلُهُمْ عِنْدَ الحَاجَةِ. === يَمْرُقون (١) من الدين كما يَمْرُق السَّهْمُ من الرَّمية، فأينما لَقِيتُمُوهم فاقْتُلُوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة». رواه أحمد والشيخان. ولأنّ الحكم يُدَار على دليله، ودليل القتال منهم، وهو التحيّز والتهيّؤ والاجتماع موجودٌ ههنا، فلو انتظر حقيقة قتالهم لصار ذريعة إلى تقويتهم. وفي «مصنف ابن أبي شَيْبَة» عن عليّ كرّم الله وجهه أنه قال يوم الجمل: لا تتبعوا مُدْبِراً، ولا تُجهِزُوا على جريحٍ، ومَنْ ألقى سلاحه فهو آمن. وفي لفظٍ له عن الضَّحَّاك: أنّ عليّاً لمّا هزم طلحة وأصحابه أمر مناديه فنادى: أن لا يُقْتَل مُقْبِلٌ، ولا مُدْبِرٌ، ولا يُفْتَحُ بابٌ، ولا يُسْتَحَلُّ فرجٌ، ولا مالٌ. هذا، ويجوز قتالهم بكل ما يجوز به قتال أهل الحرب، كالرمي بالنبل والمَنْجَنِيق، وإرسال الماء والنار عليهم، والبَيَات بالليل (٢) ، لأن قتالهم فرضٌ كقتال أهل الحرب والمرتدّين. وقال مالك، والشّافعيّ، وأحمد: لا يجوز قتالهم بالمَنْجَنِيق، وإرسال الماء والنار إلا إذا لم يُدْفَعُوا بدونه. (وَيُجْهَزُ عَلَى جِرِيحِهِمْ) أي يُسْرَع قَتْلُه ويُتَمَّم (وَيُتَّبَعُ مُوَلِّيهِمْ) كيلا يلحق بهم، وبه قال مالك، وبعض أصحاب الشّافعيّ. (إِنْ كانَ لَهُمْ فِئَةٌ) قيّد به، لاندفاع شرّهم فيما إذا لم يكن لهم فئةٌ بدون الإِجهاز على جريحهم والاتِّباع لمُوَلِّيهم، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما سبق عن عليّ كرَّم الله وجهه. وقال الشافعي: لا يجوز الإجهاز ولا الاتِّباع في حال وجود الفئة، كما لا يجوز في حال عدمها، وبه قال أحمد. ولنا: أنهم إذا كانت لهم فئةٌ، يرجع الجريح والمُوَلِّي إلى فئتهم، ويصيران حرباً علينا، ولا كذلك حال عدم الفئة. (وَلَا تُسْبَى ذُرِّيَتُهُمْ وَيُحْبَسُ مَالُهمْ إلى أنْ يَتُوبُوا) فيردّ عليهم إجماعاً، لأنهم مسلمون في دار الإسلام، فتكون أموالهم وذريتهم معصومةً بالعصمتين، وإنما يحبس مالهم عنهم دفعاً لشرّهم وكسراً لشوكتهم. (وَيُسْتَعْمَلُ سِلَاحُهُمْ وَخَيْلُهُمْ عِنْدَ الحَاجَةِ) وبه قال مالك وأحمد في روايةٍ. وقال الشافعي: لا يجوز، وهو رواية عن أحمد، لأنه مالُ مسلم، فلا يجوز الانتفاع به إلاّ برضاه. ولنا: ما رواه ابن أبي شَيْبَة في آخر «مصنفه»، في باب وَقْعَة الجمل: (أَنَّ

стр. 1619

وَبَاغٍ قَتَلَ عَادِلًا، إن ادَّعَى حَقِّيَّتَهُ، يَرِثُ، كَعَكْسِهِ. وَلا يَجِبُ شَيءٌ بِقَتْلِ بَاغٍ مِثْلَهِ. === عليّاً قَسَمَ يوم الجمل) (١) في العسكر ما أجافوا عليه ـ أي غلبوا ـ من كُرَاعٍ (٢) وسلاح. وفي «الهداية»: وكانت تلك القسمة للحاجة لا للتمليك، وللإمام أن يفعل ذلك في مال العادل عند الحاجة، ففي مال الباغي أوْلَى، والمعنى فيه إلحاق الضرر الأدنى لدفع الأعلى ـ ويُبَاع كُرَاعهم ويُحْبَس ثمنه، لأن حبس ثمنه أيسر وأحفظ للمالية، فإذا وضعت الحرب وزالت الفتنة رُدَّ عليهم. (وَبَاغٍ قَتَلَ عَادِلاً إن ادَّعَى) الباغي (حَقِّيَّتَهُ) أي كونه على الحقّ، بأن قال: قتلته وأنا على الحقّ (يَرِثُ) منه. وأمّا لو قال: قتلته وأنا على الباطل، فلا يرث منه، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد: وقال أبو يوسف: لا يرث في الوجهين وهو قول الشافعي، لأنه قتلٌ بغير حق فَيَحْرُمُ الميراث اعتباراً بالخطأ. ولهما: أنه (قتل) (٣) بتأويلٍ يسقط معه الضمان، فلا يوجب حرمان الإِرث، لأنه من باب العقوبة: (كَعَكْسِهِ) كما يرث العادل من الباغي إذا قتله، لأنه قتلٌ بحقّ. وفي «الهداية» و «البدائع»: أن العادل إذا أتلف نفس الباغي أو ماله لا يضمن، ولا يأثم، لأنه مأمورٌ بقتالهم دفعاً لشرّهم، قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أمْرِ اللَّهِ﴾ (٤) والباغي إذا قتل العادل أو أتلف ماله لا يضمن عندنا، ويأثم. وبه قال أحمد، والشّافعيّ في قولٍ، لقول الزُّهْرِيّ: إن الفتنة الأولى ثارت، وأصحاب رسول الله ﷺ ممّن شَهِدَ بدراً كثيرٌ، فاجتمع رأيهم على أن لا يقيموا على أحدٍ حدّاً في فرج استحلُّوه بتأويل القرآن، ولا قصاص في دمٍ استحلّوه بتأويل القرآن، ولا يردُّ مالٌ (٥) استحلّوه بتأويل القرآن، إلاّ أن يوجد شيء بعينه فيردّ إلى صاحبه. وقال الشافعيّ في قولٍ آخر: يضمن، وبه قال مالك. (وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ بِقَتْلِ بَاغٍ مِثْلَهِ) في عسكرهم. وقال مالك والشّافعيّ: يجب موجب جنايته، لأنّ كلّ موضعٍ تجب فيه العبادات في أوقاتها، فهو كدار أهل العدل يجب فيه (ما يجب فيها) (٦) .

стр. 1620

كِتَابُ الجِنَايَاتِ القَتْلُ العَمْدُ: ضَرْبٌ قَصْدًا بِمَا يُفَرِّقُ الأَجْزَاءَ، كَنَارٍ ومُحَدَّدٍ، وَلَوْ مِنْ خَشَبٍ، === ولنا: أَنْ موضع البغاة لمّا خرج عن ولاية الإمام صار كدار الحرب، فلم يجب فيه الحدود والقصاص، لأن إقامتها للإمام، ولا ولاية له عليهم حال وجود موجباتها، فلا تكون موجبةً في وقتها، ولا تنقلب موجبةً بعده كالقتل في دار الحرب. وكُرِهَ بيع السلاح من أهل الفتنة إن عُلِمَ أنه منهم، لأنه إعانةٌ على المعصية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ (١) . ولا بأس ببيعه ممّن لا يُعْلَم أنه منهم، والله أعلم. كتاب الجِنَايَاتِ الجناية في اللغة: ما يَحْرُمُ من الفعل، سواء كان في نفسٍ أو مالٍ أو غيرهما. وفي الفقه: فعلٌ محرمٌ في نفسٍ ـ ويسمّى قتلاً ـ أو طَرَفٍ، ويسمّى قطعاً وجرْحاً. والقتل فعلٌ يُضَاف إلى العبد تزول به الحياة، وزوال الحياة بدون فعل العبد يسمّى موتاً، والكل بأجلٍ مسمّى. ثم القتل الذي يتعلّق به الأحكام من القصاص والدِّية والكفارة، وحرمان الإرث والإثم على ما ذكر محمد في «الأصل» ثلاثة: عَمْدٌ، وخطأ، وشِبْهُ عَمْدٍ (القَتْلُ العَمْدُ) هو (ضَرْبٌ قَصْداً بِمَا يُفَرِّقُ الأَجْزَاءَ، كَنَارٍ ومُحَدَّدٍ، وَلَوْ) كان المحدّد (مِنْ خَشَبٍ) أو حجرٍ وهو المَرْوَة، أو قشر قصبٍ وهو اللِّيطَة، أو إبرة في (المقتل) (٢) ، وهما (٣) زادا كمالك والشافعي: ما لا يطيقه البدن من المُثَقَّل في كون القتل به عمداً. ولا يشترط في الحديد ونحوه الجَرْح في ظاهر الرواية. قيّد بالقصد، لأن موجب هذا الفعل الإثم، وهو لا يتحقق إلاّ بالقصد، لأن الخطأ والنسيان مرفوعان عن هذه الأمة. وقيّد القصد بما يفرِّق الأجزاء، لأن قصد القتل من أفعال القلب، وهي لا تَوَقُّفَ عليها، فأقيم استعمال الآلة القاتلة غالباً ـ وهي المفرِّقة للأجزاء ـ مقامه تيسيراً، كما أقيم السفر مقام المشقّة، والنوم مضطجعاً مقام الخارج من أحد السبيلين، والبلوغ مقام اعتدال العَقْل.

стр. 1621

وَبِهِ يَأْثَمُ. وَيَجِبُ القَوَدُ. === (وَبِهِ) أي بالقتل العمد لا بغيره من أنواع القتل (يَأْثَمُ) القاتل بالإجماع، ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ (١) … الآية. ولما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال المسلم في فُسْحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً». والأحاديث في هذا الباب كثيرة. (وَيَجِبُ) عطف على يأثم (القَوَدُ) أي القصاص عيناً، إلاّ أن يعفو الأولياء فيسقط الَقَوُد بِعَفْوهم، لا إلى شيءٍ، أو أن يصالحوا على مال، فيجب ذلك المال بالصلح لا بالقتل، لأنّ حقّهم القَوَد وقد أسقطوه. ووجوب القود عيناً هو المرجَّح من قول الشافعي، وروايةٌ عن مالك، وقول النَّخَعِي وسفيان الثوري، وابن شُبْرُمة. ويخير الولي في قول الشافعي بين القصاص وأخذ الدِّيَة بغير رضاء القاتل، وهو قول أحمد ومالك في روايةٍ، وابن سِيرِين، وابن المُسَيَّب وجمهور المحدّثين، لما أخرجه أصحاب الكتب الستة عن يَحْيَى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: لمّا فتح الله على رسول الله ﷺ مكّة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن الله حَبَس عن مكةَ الفِيلَ وسلّط عليها رسوله والمؤمنين». إلى أن قال: «ومَنْ قُتِل له قتيلٌ فهو بخير النَّظَرَيْن، إمّا أن يُعْطَى الدِّيَة، وإمّا أن يُقَاد أهلُ القتيل». وما أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي شُرَيْح الخُزَاعِي (الكَعْبِيّ) (٢) قال: قال رسول الله ﷺ لمّا فتح الله عليه مكة: «ألا إنكم يا معشر خُزَاعة قتلتم هذا القتيل من هُذَيل، وإني عاقِلُهُ، فمن قُتِل له بعد مقالتي هذه قتيلٌ فأهله بين خِيْرَتَيْن: إن أحبُّوا قتلوا، وإن أحبُّوا أخذوا العقل». ولفظ أبي داود: «إمّا أن يأخذوا العقل، أو يأخذوا القَوَد». وفي رواية: «أو يقتلوا». وما رواه الترمذي عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل متعمِّداً دُفِعَ إلى أولياء المقتول: فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدِّيَة: وهي ثلاثون حِقّة (٣) ، وثلاثون جَذَعة (٤) ، وأربعون خَلِفَة (٥) ، وما صالحوا عليه فهو لهم».

стр. 1622

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ولنا: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُم القِصَاصُ في القَتْلَى﴾ (١) فإيجاب المال زيادة عليه وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِم فِيهَا أنّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٢) والمراد القتل العَمْد، لأن الله تعالى أوجب الدِّيَة في القتل الخطأ بقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إلاّ أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (٣) وما أخرجه ابن أبي شَيْبَة وإسحاق بن رَاهُوَيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «العمد قَوَدٌ، إلاّ أن يعفو وليّ المقتول». وزاد إسحاق: «والخطأ عقلٌ لا قود فيه». وشبه العمد: قتل (٤) العصا والحجر، ورمي السهم، فيه الدِّيَة مغلّظة من أسنان الإبل، وما رَوَوْهُ محمولٌ على رضى القاتل، وإنما لم يذكر رضاه في الحديث، لأن ذلك معلوم. فإنَّ من أشرف على الهلاك إذا تمكّن من دفع الهلاك عن نفسه بأداء المال لا يمتنع من ذلك إلاّ من سَفِهَت نفسه. وهذا كما يقال للدَّائن: خذ بدينك إن شئت دراهم، وإن شئت دنانير، وإن شئت عُرُوضاً. ومعلوم أنه لا يأخذ غير حقّه إلاّ برضاء المديون، وهذا فاشٍ في الكلام. ومنه قوله ﷺ : «لا تأخذ إلاّ سَلَمَك أو رأس مالك» (٥) . أي لا تأخذ إلاّ سلمك عند المُضِي في العقد، ولا تأخذ إلاّ رأس مالك عند الفسخ. ومعلومٌ أنه لا يأخذ رأسه ماله إلاّ برضى الآخر، لأنّ الفسخ لا يتمّ إلاّ باتفاقهم، أو على أن المراد عدم جبر الوَلي على أخذ الدِّيَة. ويؤيّد ذلك ما روى البخاري عن أنس أنّ الرُّبَيِّع (٦) بنت النضر لطمت جارية فكسرت ثَنِيَّتها (٧) ، فطلبوا العفو فأَبَوْا، فعرضوا عليهم الأَرْش (٨) فأَبُوْا إلاّ القصاص. فجاء أخوها أنس بن النضر وقال: يا رسول الله أَتُكْسَرُ ثنيَّة (٩) الرُّبَيِّع (١٠) ؟ والذي بعثك

стр. 1623

وَشِبْهُ العَمْدِ: ضَرْبٌ قَصدًا بِغَيرِ مَا ذُكِرَ. === بالحقّ لا تُكْسَر ثَنِيّتُها (١) . فقال رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: «كتابُ الله القصاص»، فرَضِيَ القوم وعَفَوا، فقال رسول الله صلّ الله تعالى عليه وسلّم: «إن من عباد الله مَنْ لو أقسم على الله لأبرّه». ولو كان يجب الخيار للمَوْلى بين القصاص والأَرْش لخيّرها رسول الله ﷺ ولم يُعْلِمها بما تختار من ذلك، لأن الحاكم إذا تقدّم إليه أحدٌ في شيء، يجب له من شيئين، وثَبَتَ عنده، لا يحكم له بأخذ الشيئين، بل يحكم له بأن يختار أحدهما. وإن صالح القاتل الأولياء كلهم، يجب العِوَض عليه، قليلاً كان ما صالح عليه، أو كثيراً، حالاً كان أو مؤجّلاً، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) . قيل: نزلت في الصلح، وهو قول ابن عبّاس، والحسن، والضَّحَّاك، ومجاهد وهو الموافق للام، فإنّ عَفَى إذا اسْتُعْمِلَ باللام كان معناه: البذل، أي فمن أُعطِي من جهة أخيه المقتول شيئاً من المال بطريق الصلح ﴿فاتِّبَاعٌ﴾ أي فلمن أُعْطِيَ ـ وهو وليّ المقتول ـ مطالبَتُهُ بدلَ الصلح على مجاملة، وحسن معاملة، وأكثر المفسرين على أنها في عفو بعض الأولياء، ويدل عليه قوله: ﴿شَيءٌ﴾ فإنه يُرَاد به البعض، وتقديره ﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾ عَنْهُ وهو القاتل، ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ في الدين وهو المقتول ﴿شَيْءٌ﴾ من القصاص بأن كان للقتيل أولياء فعفى بعضهم، فقد صار نصيب الباقين مالاً ـ وهو الدِّيَة ـ على حصصهم من الميراث. وهو مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ أي فليتّبع غير العافي بطلب حصته، وليؤدِّ القاتل إليه حقّه وافياً من غير نقصٍ (٣) . (وَ) القتل (شِبْهُ العَمْدِ ضَرْبٌ قَصْداً بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ) في العمد كالعصا، والسوط، والحَجَر، والخشب غير المحدود، وهذا عند أبي حنيفة. وعندهما: ضربٌ قصداً بما لا يقتل غالباً. وفي «المبسوط» سُمِّيَ هذا القتل: شبه العمد ـ (أي خطأ يشبه العمد) (٤) ـ لما فيه من معنى العمد بالنظر إلى قصد الفاعل إلى الضرب، ومعنى الخطأ بالنظر إلى انعدام قصد القتل. فشبه العمد عند أبي حنيفة ﵀: أن يتعمَّد القتل (٥) بكل آلةٍ لم توضع للقتل، وعندهما: بكل آلةٍ لا تقتل غالباً. وعند مالك

стр. 1624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والشّافعيّ وأحمد: بكل آلةٍ أو فعلٍ لا يصلح للقتل، فلو ضربه بسوطٍ صغيرٍ ضرباً أو ضربين فمات، فهو شبه العمد عند الكل، ولو ضربه بسوطٍ صغيرٍ ووالى بين الضربات إلى أن مات، فإن كان جملة ما والى بحيث يَقْتُلُ مِثلُه غالباً، فهو عمدٌ محضٌ على قولهما، وبه قال مالك والشافعي. وقال بعض المشايخ: هو شبه العمد على قولهما، كقول أبي حنيفة. ولو ألقاه من جبلٍ أو سطحٍ، أو غرَّقه في الماء، فشبه عمدٍ عند أبي حنيفة، وعمدٌ عندهما، ولو خَنَقه فمات، فهو شبه عمدٍ، إلا أن يكون معروفاً بذلك النوع من القتل، وعند مالك والشافعي وأحمد: يجب القَوَد. ولو ضربه بحجرٍ عظيمٍ أو خشبةٍ عظيمةٍ، فهو شبه العمد عند أبي حنيفة، وعمدٌ عند غيره لِمَا في الصحيحين من حديث أنس أن رجلاً رضخ (١) رأس امرأةٍ بين حجرين فقتلها، فرضخ رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم رأسه بين الحجرين. وما رواه البيهقي من طريق مُسَدَّد أن يهودياً رمى رجلاً بحجر فقتله، فأقاده النبي ﷺ . وما أخرجه أبو داود والنَّسائي وابن ماجه عن ابن جُرَيْج عن عمرو بن دينَار: أنه سمع طَاوُساً يُخْبِر عن ابن عبّاس، عن عمر أنه نشد (٢) قضاء رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم في الجنين، فجاء حَمَلُ (بن مالك) بن النَّابِغَة (٣) فقال: كنت بين امرأتين، فَضَرَبَتْ إحداهما الأخرى بِمِسْطَحٍ فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله ﷺ بِغُرَّةٍ ـ أي عبدٍ أو أمةٍ ـ وأن تُقْتَل بها. والمِسْطَح عمود الخِبَاء (٤) ، ولأنه قصد إلى الضرب بآلةٍ يُقْتَلُ بمثلها في الغالب، فيتعلّق به القصاص كالمُحَدَّد. ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﷺ : «ألا إنّ دِيَة الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مئة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها». رواه ابن حِبَّان وأصحاب السنن سوى الترمذي. وما أخرجه أبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه عن سُلَيمانَ بن كثير، عن عمرو بن دينَار، عن طَاوس، عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ : «من قُتِلَ في عِمِّيَّاً أو رِمِّيَّاً، بحجرٍ أو سوطٍ أو عصاً فهو خطأٌ، وعَقْلُه عقل

стр. 1625

وَفِيهِ الإِثْمُ وَالكَفَّارَةُ، وَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ عَلَى العَاقِلَة. وَهُوَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ عَمْدٌ، وفي الخَطَأ، فِعْلًا أَوْ قَصْدًا، كَرَمْيِهِ غَرَضًا فَأَصَابَ آدَمِيًّا، أَوْ رَمْيِهِ مُسْلِمَاً ظَنَّهُ صَيْدًا، أوْ حَرْبِيًّا، === الخطأ، ومن قُتِلَ عمداً فهو قَوَدٌ، ومن حال دونه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقْبَلُ منه صَرْفٌ (١) ولا عَدْلٌ (٢) ». ووجه الدلالة: أنه لم يفصل في العصا والحجر بين الكبير والصغير. وفي «النهاية»: العِمِّيَّا بالكسر، والتشديد والقصر: فِعِّيلَى من العمى، ومَنْ قُتِلَ في عِمِّيَّاً أي وُجِدَ قتيلاً وعُمِيَ أمره ولم يتبيّن قاتله. والرِمِّيَّا كذلك مصدر من الرمي بمعنى المراماة يُرَاد به المبالغة. وأخرج ابن أبي شَيْبَةَ مثل قوله عن عليّ، والشَّعْبِي، والحكم (٣) ، وحمّاد، وإبراهيم النَّخَعِيّ. وأُجِيبَ عن حديث اليهوديّ بأنه يحتمل أنه كان قاطع طريق، وقاطع الطريق إذا قتل بأي شيء كان، يُقْتَل به حدّاً، أو أنه عومل معاملته لكونه ساعياً في الأرض بالفساد. (وَفِيهِ) أي في شبه العمد (الإِثْمُ) لأنه ارتكب فعلاً محرّماً وهو الضرب قصداً (وَالكَفَّارَةُ) لشبهه بالخطأ بالنظر إلى الآلة (وَدِيَةٌ) لأنه خطأ من وجهٍ فسقط القَوَد، ووجبت الدِّيَة وهي (مُغَلَّظَةٌ) لِمَا سيأتي (عَلَى العَاقِلَة) (٤) لأنها وجبت بالقتل ابتداءً فكانت على العاقلة كالخطأ، وتجب في ثلاث سنين لما أخرجه ابن أبي شَيْبَة وعبد الرَّزَّاق في «مصنفيهما» بأسانيد مختلفة، عن عمر بن الخطاب: أنه جعل الدية كاملة في ثلاث سنين. (وَهُوَ) أي شبه العمد (فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) من الأعضاء (عَمْدٌ) أي كعمد، لأن إتلاف ما دون النفس لا يختص بآلة دون آلة بخلاف النفس، فكان المعتبر فيما دون النفس تعمّد الضرب. (وفي الخَطَأ) هذا خبرٌ مقدّمٌ (فِعْلاً) أي حال كونه فعلاً (أَوْ) حال كونه (قَصْداً كرَمْيِهِ غَرَضاً) وهو الهدف الذي يُرْمَى إليه (فَأَصَابَ آدَمِيّاً) هذا مثال للخطأ في الفعل، لأن فعله لم يقع في المحل الذي قصده (أَوْ رَمْيِهِ مُسْلِمَاً ظَنَّهُ صَيْداً أوْ) ظَنَّه (حَرْبِيّاً) هذا مثال للخطأ في القصد، لأنه أصاب المحل الذي قصده، وإنما أخطأ في

стр. 1626

وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ، كَالنَّائِمِ سَقَطَ عَلَى آخَرَ فَمَاتَ: كَفَّارَةٌ وَدِيَةٌ عَلَيْهَا. وفي القَتْل بِسَبَبٍ. كَحَفْرِ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ دِيَةٌ عَلَيْهَا. وَلَا إِرْثَ لِقَاتِلٍ إِلاّ هُنَا. === ظنّ المسلم حربياً أو صيداً (وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ) عطف على الخطأ والضمير له (كَالنَّائِمِ سَقَطَ) أي انقلب (عَلَى آخَرَ فَمَاتَ: كَفَّارَةٌ) هذا مبتدأٌ مؤخرٌ (وَدِيَةٌ) في ثلاث سنين (عَلَيْهَا) أي على العاقلة لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (١) وهذا النوع من القتل لا يأثم القاتل فيه للقتل، بل يأثم لترك التحرّز والتثبت في الفعل، لأن الكفّارة تؤذن بالإثم، لأنه للسَّتر، ولا سَتر بدون الإثم، ولا إثم باعتبار نفس الفعل، فيكون باعتبار ما ذكرناه. إلا أن فعل النائم ليس بعمدٍ، ولا خطأ، لأنه لا يُتَصَوَّر من النائم قصدٌ حتى يتصوّر منه ترك التحرّز، ولكن الانقلاب الموجِبَ لِتَلَفِ ما انقلب عليه يتحقّق من النائم، فجرى مجرى الخطأ في جميع الأحكام. وفي «الذَّخيرة»: قصد أن يضرب يد رجلٍ فأصاب عُنُقه، فهو عمدٌ، وفيه القود، ولو أصاب عنق غيره فهو خطأٌ، لأن البدن محلٌ واحدٌ فيما يرجع إلى قصد الضارب، ففي الأول (أصاب) (٢) المحل الذي قصده، وفي الثاني أصاب غيره. وفي «المجتبى»: وبهذا تبيّن أن قصد القتل ليس بشرطٍ لكونه عمداً. (وفي القَتْل) خبر مقدَّم (بِسَبَبٍ كَحَفْرِ بِئْرٍ) في غير ملكه (وَنَحْوِهِ) من وضع حجر في غير مِلْكِهِ، ومات به آدمي، وكذا ساقي السّم (دِيَةٌ) مبتدأ الخبر المقدّم (عَلَيْهَا) أي على العاقلة، لأنه فعلٌ مسببٌ التلف، وهو التَّعدِّي، فكان كالدافع والمُلقَى فيه، فتجب الدِّية صيانةً للأنفس، وعلى العاقلة تخفيفاً عليه، لأن القتل بهذا الطريق دون القتل بالخطأ ولهذا لا كفارة فيه. (وَلَا إِرْثَ لِقَاتِلٍ) في نوعٍ من أنواع القتل (إِلاّ هُنَا) وذلك لقوله ﷺ : «ليس للقاتل من الميراث شيءٌ». رواه النَّسائي من حديث عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه مرفوعاً. ورواه مالك عن عمر مرسلاً، وإنما استثنى هذا لما سيأتي. وقال مالك والشافعي وأحمد هنا: الكفارة وحرمان الإرث كالخطأ، لأن الشرع جعله قاتلاً في حقّ الضمان، فكان كالمباشر، فصار كما لو وطأت دابته إنساناً. ولنا: أنه ليس بمباشرٍ بالقتل حقيقة، لأن مباشرة القتل اتّصال فعلٍ من القاتل بالمقتول، ولم يوجد هنا إلاّ اتصاله بالأرض، وإنّما أُلْحِقَ بالمباشر في الضمان صيانة

стр. 1627

نُقْصَانُ الصِّبَى والأُنوثةِ، وَالرِّقِّ، وَالجُنُونِ، وَالعَمَى، وَالزَّمَانَةِ، وَكُفْرِ الذِّمِيّ، وَالأَطْرَافِ، هَدْرٌ في القَوَدِ. === للدّم عن الهدر على خلاف الأصل، فيبقى في حقّ الكفّارة وحرمان الإرث على الأصل. نعم، يأثم بالحفر في ملك غيره على ما قالوا، ولا يأثم بالموت، والكفّارة لذنب القتل. ولنا أيضاً قوله ﷺ : «خمسٌ ليس لهنّ كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حقّ، وبَهْت مؤمنٍ، والفرار من الزَّحف، ويمين فاجرة فيقطع بها مالاً بغير حقّ». رواه أحمد بسندٍ جيدٍ. (نُقَصَانُ الصِّبَى) بكسر ففتح (١) والإضافة بيانية أي ونُقْصَان هو الصِّبَى بأن كان القاتل بالغاً والمقتول دون البلوغ، (و) نقْصَان (الأُنوثة) بأن كان القاتل رَجُلاً، والمقتول أنثى، (وَ) نُقْصان (الرِّقِّ) بأن كان القاتل حرّاً والمقتول رقيقاً، (وَ) نُقْصان (الجُنُونِ) بأن كان القاتل عاقلاً والمقتول مجنوناً (وَ) نُقْصان (العَمَى) بأن كان القاتل بصيراً والمقتول أعمى، (وَ) نُقْصان (الزَّمَانَةِ) بأن كان القاتل صحيحاً والمقتول زَمِناً (وَ) نُقْصان (كُفْرِ الذِّمِيّ) بأن كان القاتل مسلماً والمقتول ذميّاً، (وَ) نُقْصان (الأَطْرَافِ) بأن كان القاتل كامل الأطراف والمقتول ناقصاً. (هَدَرٌ) بفتح الدَّال ويسكَّن، أي ساقطٌ غير معتبرٍ (في القَوَدِ) حتّى كان الكامل في جهة من هذه الجهات يُقْتَل بالناقص فيها لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ (٢) … الآية. ولوجود المساواة في العصمة، وهي المعتبرة في هذا الباب، إذ لو اعتبرت المساواة فيما وراءها لانسدّ باب القصاص. وعن عطاء، والحسن البصري: إذا قَتَل الرجلُ المرأة، فولِيُّها إن شاء أخذ ديتها ستة آلاف درهمٍ، وإن شاء دفع إلى وليّ القاتل ستة آلاف وقتله. قيّد بالذميّ، لأن نُقْصان كفر المُسْتَأْمَن ليس بهَدْر، ولأنه غير مَحْقُون الدّم على التأبيد، لأنه على قصد الرُّجوع إلى دار الحرب فلا يُقْتَل مسلمٌ بمُسْتَأمَنٍ لعدم المساواة في أصل العصمة، ويُقْتَل المُسْتَأْمَن بالمستأمَن قياساً، وبه قال مالك والشّافعيّ وأحمد، لأنهما حقنا دمهما بالأمان، فصارا متكافئين. ولا يقتل استحساناً لقيام المبيح، وهو الكفر الباعث على الحربية. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يقتل الحرّ بالعبد بل يضمن قيمته لقوله تعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ (٣) قابَلَ الجنس بالجنس، ومن ضرورة ذلك أن لا يقتل

стр. 1628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الحرّ بالعبد، ولأنّ القصاص يعتمد المساواة ولا مساواة بينهما، إذ الحر مالك، والعبد مملوك، والمالكية أمارة القدرة، والمملوكية أمارة العجز. ولنا: عموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١) وما أخرجه أصحاب الكتب الستة عن مَسْرُوق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحلّ دم امراءٍ يشهد أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث: الثيِّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». وما أخرجه أبو داود والنَّسائي عن عائشة أن النبيّ ﷺ قال: «لا يحلّ قتل مسلمٍ إلاّ بإحدى ثلاث خِصالٍ: زانٍ مُحْصَنٌ فَيُرْجَم، ورجلٌ يقتل مسلماً متعمّداً، ورجلٌ يخرج من الإسلام، فيحارب الله ورسوله، فَيُقْتَل أو يُصْلب، أو يُنْفَى من الأرض». ومقابلة الحرّ بالحرّ لا تُنَافي مقابلة الحرّ بالعبد، إذ ليس فيه إلاّ ذكر بعض ما شمله العموم على موافقة حكمه، وذلك لا يوجب تخصيص ما بقي. ومجمله أنّ النص تخصيص بالذكر، وهو لا ينفي ما عداه، ألا ترى أنه قابل الأنثى بالأنثى، ولا يمنَعُ ذلك مقابلة الذكر بالأنثى، فكذا لا يمنع مقابلة العبد بالحرّ حتّى يُقْتل به العبد إجماعاً. وهما مستويان في العصمة، وهي بالدِّين عندهم، وبالدَّار عندنا. وفائدة هذه المقابلة قول ابن عبّاس: كانت المقابلة بين بني النَّضير وبني قُرَيْظَةَ، وكان بنو النَّضير أشرف وكانوا يعدّون بني قُرَيْظَة على النصف منهم، فتواضعوا على أن العبد من بني النَّضير بمقابلة الحرّ من بني قُرَيْظَةَ، والأنثى منهم بمقابلة الذكر من بني قُرَيْظَة، فنزلت الآية رداً عليهم، وبياناً أن الحرّ بمقابلة الحرّ، والعبد بمقابلة العبد، والأنثى بمقابلة الأنثى من القبيلتين جميعاً، فكانت اللام لتعريف العهد لا لتعريف الجنس. وقال الشافعي أيضاً: لا يُقْتَل المسلم بالذمي، وهو (قول مالك، وأحمد، وأبي ثور، والثوْرِيّ، والأَوْزَاعيّ، وزُفَرَ وأصحاب الظاهر، و) (٢) قول عطاء والحسن البصري. وفي «المبسوط»: أن الخلاف فيما إذا كان القاتل حال القتل مسلماً، أمّا لو كان حال القتل ذميّاً ثم أسلم، فإنه يُقتص منه بالإجماع. لهم ما أخرج البخاري في كتاب العلم، وفي موضعين من كتاب الدِّيات عن أَبي جُحَيْفة قال: سأَلت عليّاً: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ فقال العقل ـ أي الدِّية ـ وفَكَاك الأسير، وأن لا يُقْتَل مسلمٌ بكافرٍ.

стр. 1629

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وما أخرجه أبو داود والنَّسائِي عن قَيْس بن عُبَاد قال انطلقت أنا والأَشْتَر إِلى عليّ فقلنا له: هل عهد إليك رسول الله ﷺ شيئاً لم يعهد إلى الناس عامة؟ قال: لا، إلا ما في كتابي هذا، فأخرج كتاباً من قِرَاب (١) سيفه فإذا فيه: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يدٌ على مَنْ سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يُقتل مؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهده، من أحدث حدثاً فعلى نفسه، ومن أحْدَثَ حَدَثاً، أو آوى مُحْدِثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ولأنه لا مساواة بين المسلم والكافر وقت الجناية لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ﴾ (٢) والقصاص مبني على المساواة، ولأن الكفر مبيحٌ للدّم، وهو وقت عقد الذِّمة موجودٌ، فأورث شبهةً دارِئة للقصاص. ولنا: عمومات الكتاب والسنة، منها ما رواه الدَّارَقُطْنِي في «سننه» عن عمَّار بن مطر: حدّثنا إبراهيم بن محمد الأَسْلَمِي (٣) ، عن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن عن (ابن البَيْلَمَاني) (٤) عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قَتَل مسلماً بمعَاهَدٍ، وقال: «أنا أكَرم مَنْ وفَّى بذمته». وقال: لكن لم يسنده غير إبراهيم بن (أبي) (٥) يحيى، وهو متروك الحديث، والصواب عن ربيعة، عن ابن البَيْلمَاني مرسلٌ. ثم رواه من طريق عبد الرَّزَّاق: أخبرنا الثوري، عن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن، عن (٦) عبد الرحمن بن البَيْلمَاني: أن النبي ﷺ : (أقاد مسلماً قتل يهودياً ـ وقال الرَّمادي: أقاد مسلماً بذمي ـ وقال: «أنا أحق من وفّى بذمته») (٧) . ورواه الشّافعيّ في «مسنده»: أخبرنا محمد بن

стр. 1630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الحسن: أخبرنا إبراهيم بن محمد، (عن محمد) (١) بن المُنْكَدِر، عن عبد الرحمن بن البَيْلمَاني فذكره. قال في «التَّنْقِيح»: وعبد الرحمن بن البَيْلمَاني: وثّقه بعضهم، وضعَّفه بعضهم، وإنما اتفقوا على ضعف ابنه محمد. ورُويَ أيضاً عن محمد بن الحسن، عن قيس بن الربيع الأسدي، عن أَبَان بن تَغْلِب (٢) ، عن الحسين بن مَيْمُون، عن عبد الله بن عبد الله ـ مولى بني هاشم ـ عن أبي الجنوب الأسدي قال: أُتِيَ عليّ بن أبي طالب برجلٍ من المسلمين قتل رجلاً من أهلِ الذِّمة، فقامت عليه البيّنة فأمر بقتله. فجاء أخوه فقال: قد عفوت. فقال: لعلهم هدَّدوك أو فزَّعوك. قال: لا، ولكن قتله لا يردّ عليّ أخي، وعوّضوا لي. قال: أنت أَعْرَف، مَنْ كان له ذمتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا. وروى البيهقي في «المعرفة» من طريق الشّافعيّ: أخبرنا محمد بن الحسن: أخبرنا أبو حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم: أن رجلاً من بكر بن وائل قتل رجلاً من أهل الحِيرَة، فكتب عمر بن الخطاب: أن يُدْفَعَ إِلى أولياء المقتول، فإنّ شاؤوا قَتَلوا، وإن شاؤوا عَفَوا، فَدُفِعَ (الرجل) (٣) إِلى وليّ المقتول ـ رَجلٌ يقال له حنين من أهل الحِيرة ـ فقتله. فكتب عمر بن الخطاب بعد ذلك: إن كان الرجل لم يقتل، فلا تقتلوه. فرأوا أن عمر أراد أن يرضيهم من الدِّيَة. ومنها حديث عبد الله بن مسعود السابق في المسألة التي قبل هذه. ومنها ما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سفيان الثوريّ، عن حمّاد، عن إبراهيم أنّ رجلاً (مسلماً) قتل رجلاً من أهل الكتاب من أهل الحِيرَة، فأقاد منه عمر. وما روى أيضاً في «مصنفه» عن مَعْمَر عن عمرو بن مَيْمُون بن مَهْرَان قال: شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز قدم إلى أمير الحِيرَة في رجلٍ مسلمٍ قتل رجلاً من أهل الذِّمة: ادفعه إلى وليّه، فإن شاء قتله، وإن شاء عفى عنه. قال: فدفعه إليه فضرب عنقه، وأنا أنظر. وروى الطَّحَاوِيُّ في «شرح الآثار»: حدّثنا إبراهيم بن أبي داود: حدّثنا عبد الله

стр. 1631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ابن صالح: حدّثني اللَّيث: حدَّثني عقيل (١) ، عن ابن شِهاب قال: أخبرني سعيد بن المُسَيَّب: أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: مررت بالبقيع قبل أن يُقْتَل عمر، فوجدت أبا لُؤْلُؤة والهُرْمُزان وجُفَيْنة يَتَنَاجَوْنَ فلما رَأَوْني ثاروا، فسقط منهم خِنْجر له رأسان ونِصَابه (٢) وسطه، فلمّا قُتِلَ عمر، رآه عُبَيْد الله بن عمر فإذا هو الخِنجر الذي وصفه له عبد الرحمن. فانطلق عُبَيْد الله (٣) ومعه السيف، فقتل الهُرْمُزَان، ولمّا وجد مسَّ السيف قال: لا إله إلا الله، وغدا على جُفَيْنة، وكان من نصارى الحِيرة (٤) فقتله، وانطلق إلى بنت أَبي لُؤْلُؤة صغيرة تدّعي الإسلام فقتلها، وأراد أن لا يترك من السبيّ يومئذٍ أحداً إلاّ قتله، فاجتمع عليه المهاجرون فزجروه وعظموا عليه ما فعل، ولم يزل عمرو بن العاص يتلطّف به حتّى أخذ منه السيف. فلمّا اسْتُخْلِف عثمان دعا المهاجرين والأنصار وقال لهم: أشيروا عليّ في هذا الذي فتق في الدين ما فتق فأشار عليه عليّ وبعض الصحابة بقتل عُبَيْد الله، وقال جُلّ النّاس: أَبْعَد الله جُفَينة والهُرْمُزَان، أتريدون أن تُتْبِعُوا عُبَيْد الله أباه؟ إنَّ هذا لرأيُ سوء. وقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين إن هذا كان قبل أن يكون لك على الناس سلطان. فتفرّق الناس على كلام عمرو بن العاص، ووَدَى (٥) الرجلين والجارية. وفيه دليلٌ على سقوط الحدّ الواقع زمن البغي، فلمّا وُلِّيَ عليّ بن أبي طالب أراد قتله فهرب منه إلى معاوية، فقُتِلَ أيام صفِّين. وكذا رواه ابن سعد في «الطبقات». قال الطَّحَاوي في هذا الحديث: إن المهاجرين أشاروا على عثمان بقتل عُبَيْد الله، وقد قتل الهُرْمُزَان وجُفَينة وهما ذميّان. فإن قيل: إنما أشاروا عليه لقتله ابنة أبي لُؤْلُؤة صغيرة تدّعي الإسلام، لا لقتله إيّاهما. قلنا: قولهم: أبعد الله جُفَيْنة والهُرْمُزَان يدلّ على أنه أراد قتله بهما. والله أعلم. انتهى. وتقدّم الخلاف في إسلام الصغير كما لا يخفى.

стр. 1632

وَلَا يُقَادُ بِمَمْلَوكِهِ - وَلَوْ مُشْتَرَكًا - وَبِالْوَلَدِ وعَبْدِهِ، === وأمّا قوله ﵊: «لا يقتل مؤمنٌ بكافرٍ» (١) فالمراد بالكافر: الحربيّ، بدليل قوله: «ولا ذو عهدٍ في عهده»، وهذا معطوفٌ على المسلم، أي: ولا يقتل ذو عهدٍ بكافرٍ، وإنما لا يُقْتَل ذو العهد بالكافر الحربيّ، ولو كان المراد به الذمي لما صحَّ جريان القصاص بين الذميين. فإن قيل: جاز أن يُرَاد بذي العهد المسلم. قلنا: العطف يقتضي المُغايرة، فإن قيل: هذا ابتداء أي: لا يقتل ذو عهد في مدّة عهده، قلنا: المراد بالأول نفي القتل قصاصاً لا نفي مطلق القتل، فكذا الثاني تحقيقاً للعطف. ثم القصاص مبنيٌّ على المساواة في أصل العصمة، والمسلم والذميّ في ذلك سواء، لأنهم إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، والكفر ليس بمبيح للقتل بنفسه بل بواسطة الحِرَابة، وقد سقطت بعقد الذمة وصار من أهل دارنا، ولهذا كان كفر المرأة غير مبيح لقتلها، لأنه غير باعث على الحرابة. وعمدُ غير المكلّف كصبي ومجنون ومعتوه كالخطأ، فتجب الدية على عاقلته، لأن عليّاً ﵁ أوجب الدِّية على عاقلة مجنون قتل رجلاً بالسيف. وقال: عمده وخطأه سواء. رواه البيهقي، وهو قول مالك. وفي مال القاتل عند الشَّافعي. ولا تكفير في عمد غير المكلّف، ولا حرمان إرث. وحرمه مالك والشّافعيّ الميراث، وألزماه الكَفَّارة. (وَلَا يُقَادُ) من إنسانٍ (بِمَمْلَوكِهِ وَلَوْ) كان (مُشْتَرَكاً) أو مُدَبَّراً بلا خلافٍ بين أهل العلم، لأنه لا يستوجب على نفسه القصاص (وَ) لا يُقَاد من الوالد أي أصله وإن علا من جهة أبيه وأمه (بِالْوَلَدِ) وإن سفل، وبه قال الشافعي وأحمد وأَشْهَب (وعَبْدِهِ) أي ولا يُقَاد من الوالد بعبد الولد. ومذهب مالك: لا يقاد من الوالد بولده إن قتله على وجهٍ تَثبت فيه الشبهة، كما لو حَذَفه بسيفٍ أو نحوه فقتله، ثم ادّعى أنه لم يرد قتله، بل أراد تأديبه. أمّا لو أضجعه وذبحه، أو شقّ جوفه، أو حَزَّ يده فقطعها، أو وضع أصبعه في عينه ففقأها، فإنه يقاد منه، لأن القصاص يسقط بالشبهة، وفي غير ذلك ونحوه الشبهة قائمة. ولنا: إطلاق ما أخرجه الترمذي وابن ماجه في الدِّيات عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يُقَاد الوالد بالولد». وأخرجه البيهقي بسندٍ

стр. 1633

وَمُكَاتَب لَهُ وَفَاءٌ، وَوَارِثٌ، وَسِيِّدٌ. === صحيحٍ عن عمر وذكر قِصة وقال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يُقَاد الأب بابنه»، لقتلتك. هاتِ ديته، فأتاه فدفعها إلى جدّته، وترك أباه. وأخرج الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه، عن ابن عباس قال: جاءت جارية إلى عمر بن الخطاب فقالت: إن سيدي اتَّهمني فأقعدني على النار حتّى أحرق فرجي. فقال لها عمر: (هل رأى ذلك منك؟ قالت: لا، قال: فاعترفتِ له بشيء؟ قالت: لا. فقال عمر:) (١) عَلَيّ به. فقال له عمر: أتعذِّب بعذاب الله؟ قال: يا أمير المؤمنين اتّهمتها في نفسها. قال: هل رأيت ذلك عليها؟ قال: لا. قال: فاعترفت لك به؟ قال: لا قال: والذي نفسي بيده لو لم أسمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يُقَاد بمملوكٍ من مالكه ولا ولدٍ من والده» لأَقَدْتُّهَا منك. ثمّ برزه (٢) فضربه مئة سوطٍ ثم قال لها: اذهبي فأنت حرّة لله تعالى، وأنت مولاة الله ورسوله. ولأن الولد جزءٌ من والده متفرّعٌ عليه، وإهلاك الأصل بسبب الجزء والفرع ليس من مقتضى الحكمة. ومجمله أنه كان سبباً لوجوده، فلا يلائم أن يكون سبباً لعدمه. وإذا سقط القَوَد عنه بشبهةٍ كقتل الأب ابنه عمداً، يجب الدِّيَة في ماله في ثلاث سنين، لأنه مال وجب بالقتل ابتداءً فأشبه (شبه) (١) العمد. ولأن تقوّم النفس بالمال غير معقول المعنى، وإنما عُرف شرعاً، والشرع إنما ورد بإيجاب الدِّية مؤجّلة في ثلاث سنين، فقبلنا اتباعه. قيّد بالولد، لأنه يقاد بالوالد من الولد، لأن الحاجة ماسّة إلى شرع الزاجر في حقّه، إذ ربّما يحمله على قتل والده الأطماع الفاسدة، وهو قول أكثر أهل العلم. (وَمُكَاتَبٍ) أي ولا يُقَاد من القاتل بمُكَاتَبٍ (لَهُ وَفَاءٌ (٣) وَوَارِثٌ وَسِيِّدٌ) لاشتباه من له الحقّ، لأنه (٤) : المولى إن مات المُكَاتَب عبداً، والوارث إن مات حرّاً. والصحابة اختلفوا في موته هل هو على صفة الحرية أو الرِّقيّة؟ فقال عليّ وابن مسعود: يموت حرّاً إذا أُدِّيت كتابته، فيكون الاستيفاء لورثته. وقال زيد بن ثابت: يموت عبداً، وبه قال الشّافعيّ وأحمد، فيكون الاستيفاء لمولاه. فأمّا إذا لم يكن له وفاء وكان له وارث غير

стр. 1634

وَيَسْقُطُ دِيَةٌ وَقَوَدٌ وَرِثَهُ عَلَى أَبِيهِ. وَلَا يُقَادُ إِلاّ بِسَيْفٍ === مولاه، كان القصاص لمولاه، لأنه مات رقيقاً، لانفساخ الكتابة بموته لا عن وفاء، فظهر أنه قُتِل عبداً. ولو كان للمُكَاتَب وفاءٌ وسَيِّد فقط، كان له القصاص عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا قصاص فيه لاشتباه سبب الإيفاء، فإنه له الولاء إن مات حرّاً، والملك إن مات عبداً، واختلاف السبب كاختلاف المُسَبَّب. (وَيَسْقُطُ دِيَةٌ وَقَوَدٌ وَرِثَهُ) ابن (عَلَى أَبِيهِ) لأنّ الدِّية والقود عقوبة، والابن لا يستوجب عقوبة على أبيه. وصورة المسألة: أن يقتل الأب أخا امرأته وله منها ابن، ثمّ تموت امرأته قبل أن يُؤْخذ، فإنّ ابنه منها يرث الذي كان لها من القَوَد على أبيه ويسقط. (وَلَا يُقَادُ) من قاتلٍ (إِلاّ بِسَيْفٍ) وهو روايةٌ عن أحمد. وقال الشّافعيَ يُفْعَلُ به مثلما فعل إن كان مشروعاً، وبه قال مالك وأحمد وأصحاب الظَّاهر. وإن كان فعلاً غير مشروعٍ بأن لاط بصغيرٍ، أو وطاء صغيرةً حتّى قتلها، أو سقاه خمراً حتّى مات، اختلف أصحابه: فقيل تُجَزُّ رقبته، وقيل في اللواطة: يُتَّخذ له آلة مثل الذَّكَر فَيُفْعَلُ به مثلما فعل، وفي الخمر: يُسْقَى الماء حتّى يموت. ولو فُعِلَ به مثلما فعل فلم يمت ففيه قولان: أحدهما: أن يُكَرَّر ذلك الفعل عليه حتى يموت، وبه قال مالك. وثانيهما: أن يُعْدَل إلى السيف. احتجوا بقوله تعالى: ﴿وإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢) وبما في الصحيحين عن أَنس: أَنْ جارية من الأنصار قتلها رجلٌ من اليهود على حُليَ لها، رضَّ (٣) رأسها بين حجرين، فسألوها من صنع بك هذا؟ فلان؟ فلان؟ حتّى ذكروا لها يهودياً، فأومأت برأسها. فَأُخِذَ اليهودي، فأقَرَّ، فأمر رسول الله ﷺ فَرُضَّ رأسه بالحجارة. ولنا ما أخرجه ابن ماجه في «سننه» عن أبي بكر عن النبيّ ﷺ ، وأخرجه أيضاً فيها عن النُّعْمَان بن بَشِير عن النبيّ ﷺ أنه قال: «لا قود إلاّ بالسيف». وليس معناه: لا قود يجب إلاّ بالسيف لأن القود يجب بغير السيف إجماعاً، وأمّا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ فروى الطَّحاويّ عن ابن عباس وأبي هريرة أنّ النبي ﷺ قال لمّا قُتِلَ حمزة ومُثِّل به: «لئن ظفرت بهم لأُمَثِّلَنَّ بسبعين رجلاً منهم». وفي رواية: «والله لأُمَثِّلَنَّ بسبعين رجلاً منهم». فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ … الآية، فصبر

стр. 1635

وَيَسْتَوْفِي الكَبِيرُ قَبْلَ كِبَرِ الصَّغِيرِ قَوَدًا لهُمَا. وفي قَتْلِ مُسْلِمٍ مُسْلِمًا ظَنَّهُ مُشْرِكًا عِنْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيِنْ، الكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ === رسول الله ﷺ وكفَّر عن يمينه. وقوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ يدلّ على المماثلة، وفيما قالوا زيادة عليها. وأمّا حديث اليهوديّ: فما فعله ﷺ به كان على طريق السياسة، لأن اليهوديّ كان مشهوراً بذلك. فأمر ﵊ برضخه لكونه ساعياً في الأرض بالفساد، لا بطريق القِصاص. يدلّ عليه ما روى مسلم: أنه ﵊ أمر برجم اليهوديّ حتّى مات. والرَّجم يصيب الرأس وغيره. (وَيَسْتَوْفِي الكَبِيرُ قَبْلَ كِبَرِ الصَّغِيرِ قَوَداً لهُمَا) سواء كان الكبير له التصرُّف في مال الصغير أو لم يكن، وهذا عند أبي حنيفة، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، واللّيث بن سعد، وحمّاد بن سليمان، والأَوْزَاعِيّ. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا لم يكن الكبير وليّاً له التصرُّف في مال الصغير لا يستوفي حتّى يُدْرِك الصغير، لأن القود مشتركٌ بين الكبير والصغير، ولا ولاية للكبير على الصغير حتّى يستوفي حقّه، ولا يمكن استيفاء البعض لعدم التجزاء فتعيّن التأخير إلى بلوغ الصبيّ، كما لو كان معهما كبيرٌ غائبٌ. ولأبي حنيفة: أن عليّاً كرّم الله وجهه لمّا أصابه ابن مُلْجَم قال في وصيته: أمّا أنت يا حسن، فإن شئت أن تَعْفُوَ فاعفُ، وإن شئت أن تقتصَّ فاقتصّ بضربةٍ واحدةٍ، وإيّاك والمُثْلة. فلمّا مات عليّ قُتِلَ به، وفي ورثته صغار منهم العبّاس كان عمره أربع سنين، ولأن احتمال العفو معدومٌ في الحال، وموهومٌ في الاستقبال، فتأخيره ربّما يؤدي إلى المحال. وأمّا الكبير الغائب فيُنْتَظر لقرب توقّع الوصال. ولو كان الكبير وليّاً للصغير له التصرُّف في ماله كالأب والجدّ، له أن يستوفي قبل أن يبلغ الصغير باتفاق أصحابنا، ولو كان وليّاً لا يتصرّف في المال كالأخ والعمّ فعلى الخلاف. (و) يجب (في قَتْلِ مُسْلِمٍ مُسْلِماً ظَنَّهُ مُشْرِكاً عِنْدَ الْتِقَاءِ، الصَّفّيْنِ الكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ) لأن هذا أحد نوعي الخطأ، وهو الخطأ في القصد، والخطأ بنوعيه يوجب الكفّارة والدِّية. روى الشَّافعي في «مسنده» عن مُطَرِّف، عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، عن عُرْوَة قال: كان أبو حُذَيْفَة شيخاً كبيراً فوقع في الآطام مع النساء يوم أحد، فخرج يتعرّض للشهادة فجاء من ناحية المشركين، فابتدره المسلمون بأسيافهم، وحُذَيْفَة يقول: أبي أبي، فلا يسمعونه من شغل الحرب حتّى قتلوه. فقال حُذَيْفَة: يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين قال: ووَداه رسول الله ﷺ . ومن طريق الشَّافعيّ رواه

стр. 1636

وَفي مَوْتٍ بفِعْلِ نَفْسِهِ وزَيْدٍ وسَبُعٍ وحَيَّةٍ: ثُلْثُ الدِّيَةِ عَلَى زَيْدٍ. وَلَا شَيءَ بِقَتْلِ مُكلَّفٍ شَهَرَ سَيْفًا عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ عصًا، إِلاّ نَهَارًا في مِصْرٍ. === البيهقيّ في «المعرفة». قالوا: وإنما تجب الدِّية إذا كانوا مختلطين، حتّى لو كان في صفّ المشركين لا تجب لسقوط عصمته بتكثير سوادهم، لما أسند أبو يَعْلَى المَوصِلي في «مسنده» عن عمر بن الحارث: أنّ رجلاً دعا عبد الله بن مسعود إلى وليمة فلمّا جاء ليدخل سمع لهواً فلم يدخل. فقيل له: لِمَ رجعت قال: لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كثَّر سواد قومٍ فهو منهم، ومن رضي عمل قومٍ كان شريكَ مَنْ عمل به». (وَ) يجب (في مَوْتِ) شخصٍ (بِفِعْلِ نَفْسِهِ) بأن شَجَّ نفسه (و) فِعْلِ (زَيْدٍ) بأن شجّه (و) فِعْلِ (سَبُعٍ) بأن عقره (و) فِعْلِ (حَيَّةٍ) بأن أصابته (ثُلْثُ الدِّيَةِ عَلَى زَيْدٍ) في ماله إن كان عمداً، وعلى عاقلته إن كان خطأً، لأن فعل الأسد والحيّة جنسٌ واحدٌ لكونه هَدْراً في الدنيا والأخرى، وفعل الشخص بنفسه جنسٌ آخر لكونه هَدْراً في الدنيا دون العقبى، حتّى يأثم بالإجماع، وفعل زيدٍ جنسٌ ثالثٌ لكونه مؤاخذاً في الدنيا والآخرة، فيكون التلف بفعل زيدٍ ثلثه فيجب عليه ثلث الدِّية. وقال الشَّافعيّ وأحمد في قول: إن كان فعل زيدٍ عمداً يجب عليه القود. ومَنْ قتل نفسه يغسَّل ويُصَلّى عليه عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف يغسّل ولا يُصَلَّى عليه، لأنه باغ على نفسه. (وَلَا شَيءَ بِقَتْلِ مُكَلَّفٍ شَهَرَ سَيْفاً) أو سِلاحاً (عَلَى مُسْلِمٍ) سواء قتله المشهور عليه، أو قتله غيره دفعاً عن المشهور عليه. (أَوْ) شهر (عصاً) كبيرةً في مصر أو غيره ليلاً أو نهاراً. (إِلاّ) إذا شهرها (نَهَاراً في مِصْرٍ) لما روى أحمد في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه» وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين، من حديث سليمان بن بلال، عن عَلْقمة بن أبي عَلْقمة، عن أمِّه (١) ، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أشار بحديدةٍ إلى أحد من المسلمين يريد قتلَه، وجب قتلُه». وما أخرجه مسلم في الإيمان عن سَلَمة بن الأكوع (٢) عن النبيّ ﷺ أنه قال: «من سلّ علينا السيف فليس منّا». (وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعاً: «من حمل علينا السلاحَ فليس منّا») (٣) ،

стр. 1637

وَالدِّيَةُ في مَالِهِ في غَيْرِ مُكَلَّفٍ، وَالقِيمَةُ في قَتْلِ جَمَلٍ صَالَ عَلَيْهِ. === وفيهما عن أبي موسى: نحوه. ورواه النَّسائي من حديث ابن الزُّبَيْر (١) والحاكم في «المستدرك» عن مَعْمَر مرفوعاً: «من شَهَرَ سيفاً ثم وضعه فدَمُه هَدْر». ولأنه باغٍ بفعله فتسقط عصمته، ولأن القتل تعيّن طريقاً لدفع فعله، لأن السيف لا يُلْبِثُ، فيحتاج في دفعه إلى القتل (٢) ، والعصا (الصغيرة) (٣) وإن كانت تُلْبِثُ (٤) ، إلاّ أنه في الليل لا يلحقه الغوث، وكذا في النهار في غير مصرٍ، فكان دمه هَدْراً، حتّى لو أمكن دفعه بطريقٍ آخر لا يَسَعُهُ قتلُه. (وَالدِّيَةُ) مبتدأٌ خبره (في مَالِهِ) أي مال المشهور عليه (في غَيْرِ مُكَلَّفٍ) أي في قتله مجنوناً، أو صبياً شَهَر سلاحاً، أو شَهَر عصاً ليلاً في مصرٍ أو غيره، أو نهاراً في غير مصرٍ (وَالقِيمَةُ في قَتْلِ جَمَلٍ) أو نحوه (صَالَ عَلَيْهِ) أي على قاتله. وقال مالك والشافعي وأكثر أهل العلم: لا شيء في الكلّ، لأنه قَتَلَه دفعاً عن نفسه، فكان كقتل الشاهر المكلّف. ولأنه محمولٌ على قتله بسبب فعله، وهو شهر السلاح والصَّوْل، فكان كما إذا أَكره رجلٌ آخر بأن قال له: لأَقْتُلَنَّكَ أَوْ لَتَقْتُلَنَّ فلاناً، فقتله المُكْرَه حيث لا يجب عليه شيء. ولنا: أن فعل الصبي والمجنون والدَّابة غير متَّصفٍ بالحرمة لعدم الاختيار الصحيح منهم، فلا تسقط العصمة، ولذا لا يجب القصاص على الصبي والمجنون إذا قَتلا، ولا الضمان إذا قتلت الدَّابة. ومقتضى هذا: أن يجب القصاص على المشهور عليه إذا قتلهما، لأنه قَتَل نفساً معصومةً، إلاّ أن الدّية وجبت لوجود المبيح، وهو دَفْع الشر. ولو نظر إنسانٌ في بيت آخَر من ثُقْبٍ أو شِقّ بابٍ فطعنه صاحب الدّار بخشبةٍ أو رماه بحصاةٍ ففقأ عينه، ضمنه عندنا. ولم يضمنه عند الشافعيّ لما روى أبو هُريرة

стр. 1638

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أن النبيّ ﷺ قال: «لو أن امرأً اطّلع عليك بغير إذنٍ فَحَذَفْتَه بحصاةٍ وفقأْت عينه، لم يكن عليك جُنَاح» (١) . ولنا: أن قوله ﵊: «لا يحلّ دمُ امراءٍ مسلم» (٢) .... الحديثَ، يقتضي عدم سقوط عصمته بهذا الفعل، وإن مجرد نظره إليه لا يبيح قلع عينه، كما لو نظر من الباب المفتوح، أو دخل بيته ونظر فيه. والمراد بما روى أبو هريرة: المبالغة في الزَّجر عن ذلك. ولو أراد رجلٌ أن يأخذ مال مسلمٍ، أو يقطع عُضْوه، أو يزني بامرأته، فله دَفْعُه بغير السيف، فإن لم يندفع فيضربه بالسيف. وكذا لو رأى رجلاً يزني بامرأته: يدفعه بغير السيف، فإن لم يندفع فيقتله، ولا خلاف لأهل العلم فيه لقوله ﵊: «من قُتِل دون ماله فهو شهيدٌ، ومن قُتِل دون دينه فهو شهيدٌ، ومن قُتِل دون دمه فهو شهيدٌ، ومن قُتِل دون أهله فهو شهيدٌ». رواه أحمد والترمذي والنَّسائي وابن حِبَّان في «صحيحه». فلو دخل عليه لصٌّ لَيلاً فأخرج قَدْر عشرة دراهم فصاح عليه وأَنشده الله والإسلام فلم يتركه فقتله هُدِ رَ دمُهُ لما تقدّم، ولما في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة، قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجلٌ يريد أن يأخذ مالي؟ قال: «فلا تُعْطِه مالك». قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله». قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد». قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «فهو في النار». وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو (٣) : أن رسول الله ﷺ قال: «من قُتِلَ دون ماله فهو شهيدٌ». وفي «مسند إسحاق بن رَاهُويه» عن قابوس بن أبي المُخَارِق، عن أبيه قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجلٌ يريد أن يأخذ مالي؟ قال: «ذَكِّره بالله». قال: إن ذكّرته بالله فلم يَذّكّر؟ قال: «استعن عليه بالسلطان». قال: أرأيت إن كان السلطان قد نأى عني؟ قال: «استعن بِمَنْ حضرك من المسلمين». قال: أرأيت إن لم يحضرني أحد؟ قال: «قاتل دون مالك حتّى تُحْرِز مالك، أو تُقْتَلَ فتكون من شهداء الآخرة». ولو قتل رجلاً وادّعى أنه كان يزني بامرأته

стр. 1639

وَيَجِبُ القَوَدُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إنْ أمْكَنَ المُمَاثَلَةُ: كَقَطْعِ اليَدِ مِنَ المَفْصِلِ، وَالرِّجْلِ، وَمَارِنِ الأَنْفِ، وَالأُذُن، وَكُلِّ شَجَّةٍ يَمْكِنُ فيها المُمَاثَلَةُ، وَعَيْنٍ قَائِمَةٍ ذَهَبَ ضَوْؤُها. فَيُجْعَلُ عَلَى وَجْهِهِ قُطْنٌ رَطْبٌ، وَتُقَابَلُ عَيْنُهُ بِمِرْآةٍ مُحْمَاةٍ، === وكذّبه الوليّ، فلا بدّ من بيّنة. قيل: يكفي الشاهدان، لأن البيّنة تشهد على وجوده مع المرأة، وقيل: يأتي بأربعة، لأنه رُوِيَ عن علي كذلك. والخنق والتغريق والإلقاء من جبلٍ أو سطحٍ أو في بئرٍ لا يوجِب القَوَد، إلاّ إذا تكرّر منه ذلك عند أبي حنيفة، وهما أطلقاه لقوله ﵊: «من عَرَّضَ عَرَّضْنَا لَهُ (١) ، ومن حَرَّق حَرَّقناه، ومن غَرَّق غَرَّقْنَاه» (٢) . وله: أن وجوب القصاص مختصٌ بقتلٍ، وهو عمدٌ مَحْضٌ، وذا بأن يباشره بآلةٍ وهي الجارحة، وإذا لم يجب القصاص عنده يجب الدِّية على العاقلة. (وَيَجِبُ القَوَدُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) من الأعضاء (إنْ أمْكَنَ المُمَاثَلَةُ) لقوله تعالى: ﴿وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُرُوح قِصَاصٌ﴾ (٣) أي ذات قصاص، ولقوله ﷺ في حديث الرُّبَيِّع بنت النَّضر السابق: «كتاب الله القصاص» (٤) ولفظ القِصاص ينبيء عن المماثلة، فكلّ ما أمكن رعاية المماثلةِ فيه يجب فيه القصاص وما لا فلا. ولا مُعْتَبَر لِكِبَر العُضْو وصغره، لأنه لا يوجب التفاوت في المنفعة، إلاّ في الشَّجَّة إذا أَخذت ما بين قرنيّ المشجوج ولم تأخذ ما بين قرني الشَّاجِّ لِكِبَر رأسه على ما سيأتي. (كَقَطْعِ اليَدِ مِنَ المَفْصِلِ وَ) قطع (الرِّجْلِ) من المَفْصِل (وَ) قطع (مَارِنِ الأَنْفِ) وهو ما لان من الأنف (وَ) قطع (الأُذُن) لإمكان رعاية الممثالة في هذه الأشياء. وقيّد بالمَفْصِل، لأن قطع اليد من نصف السَّاعد، وقطع الرِّجل عن نصف السَّاق لا قصاص فيه لعدم المماثلة. وقيّد بالمارن، لأن قطع الأنف من قصبته لا يمكن فيه المماثلة، لأنه عظمٌ وليس بِمَفْصِل. (وَكُلِّ شَجَّةٍ يَمْكِنُ فيها المُمَاثَلَةُ) كالمُوضِحَةِ وهي التي تُظْهِر العظم (وَعَيْنٍ قَائِمَةٍ ذَهَبَ ضَوْؤُها) لإمكان المماثلة (فَيُجْعَلُ عَلَى وَجْهِهِ قُطْنٌ رَطْبٌ وَتُقَابَلُ عَيْنُهُ بِمِرْآةٍ مُحْمَاةٍ) فيذهب ضؤوها وهي قائمةٌ، لما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن

стр. 1640

لَا إنْ قُلِعَتْ، وَفِي عَظْمٍ إِلاَّ السِّنَّ، فَتُقْلَعُ إنْ قُلِعَتْ، وَتُبْرَدُ إنْ كُسِرَتْ. وَلَا قَوَدَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، وَحُرٍّ وَعَبدٍ، وَعَبْدَيْنِ، وَفي الجائِفَةِ، === مَعْمَر، عن رجلٍ، عن الحكم بن عُيَيْنَةَ قال: لَطَم رجلٌ رجلاً فذهب بصره وعينه قائمةٌ. فأرادوا أن يَقِيدوا منه فأُعيي عليهم وعلى الناس كيف يقيدون منه، وجعلوا لا يدرون كيف يصنعون فأتاهم عليّ كرَّم الله وجهه فأمر به فجعل على وجهه كُرْسُفاً (١) ثم استقبل به الشمس، وأدنى من عينه مرآة فَالْتَمَع بصرُه وعينه قائمةٌ. (لَا إنْ قُلِعَتْ) أي لا قصاص في عينٍ قُلِعَت سواء قُوِّرت أي ارتفعت أو خُسِفَت لامتناع المماثلة، (وَ) لا قَوَد (فِي عَظْمٍ) لقول عمر: إنا لا نُقِيد من العظام. وقول ابن عباس: ليس في العظام قصاص، ونحوه عن الشَّعْبِيّ والحسن. رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»، ولأن المماثلة فيه متعذّرة، لأنه إذا كُسِرَ موضعٌ ينكسر موضعٌ آخر. (إِلاَّ) في (السِّنِّ) لإمكان المماثلة فيها (فَتُقْلَعُ إنْ قُلِعَتْ) سِنٌّ مِنْ المجني عليه (وَتُبْرَدُ) بِالمِبْرَدِ (إِنْ كُسِرَتْ وَلَا قَوَدَ) في طرفٍ (بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَ) لا بين (حُرَ وَعَبدٍ وَ) لا بين (عَبْدَيْنِ) خلافاً لمالك والشّافعيّ وأحمد وابن أبي ليلى في جميع ذلك، إلاّ في الحُرِّ يَقْطَع طرفَ العبد اعتباراً للأطراف بالأنفس لكونها تابعة لها، وشُرِعَ القصاص فيها للإلحاق بالأنفس. ففي كلّ موضعٍ يجري القصاص في النفس يجري في الطَّرف، وما لا فلا. ولنا: أنّ الأطراف يُسلك بها مسالك الأموال، لأنها وِقايةٌ للأنفس كالأموال. وأنه لا مماثلة بين طرف الذَّكر والأنثى للتفاوت بينهما في القيمة بتقويم الشارع، ولا بين طرف الحر والعبد لذلك، لأنه جعل (قيمة) (٢) يد الحر خَمْسَ مئة دينار، وقيمةَ يد العبد نصف قيمته وهي لا تبلغ ذلك، ولا بين طرف العبدين لعدم المساواة بينهما باليقين بل بالحَزْر (٣) والتخمين بخلاف طَرَف الحُرَّين، لأن استواءهما متيقّن به بتقويم الشارع، وبخلاف الأنفس، لأن القصاص فيها يتعلّق بإزهاق الرُّوح ولا تفاوت فيه. (وَ) لا قود (في الجائِفَةِ) (٤) لأن الصحة فيها نادرة، فلا يمكن القصاص فيها

стр. 1641

وَاللِّسَانِ، وَفي الذَّكَرِ، إلاّ مِنَ الحَشَفَةِ. === على وَجْهٍ يقع البُرْء (وَ) لا في (اللِّسَانِ) وهو روايةٌ عن مالك، وقول أبي إسحاق من أصحاب الشّافعيّ. وعن أبي يوسف: إذا قُطِعَ بعضُه لا يجب القَوَد، وإذا قُطِعَ من أصله يجب. وقال مالك في رواية والشافعي وأحمد: يجب القَوَدُ في كلِّه، وفي بعضه بقدره لقوله تعالى: ﴿وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١) (وَ) لا قود (في الذَّكَرِ إلاّ) إذا قطع (مِنَ الحَشَفَةِ) لأن موضع القطع معلومٌ، فصار كالمَفْصِلِ. وعند مالك والشَّافعيّ وأحمد: يجب القَوَد في الذَّكر لقوله تعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ولأن له حداً ينتهي إليه فيمكن القصاص فيه من غير حَيْف (٢) عليه. ولنا: أن كلاًّ من الذَّكر واللِّسان ينقبض وينبسط، فلا يمكن فيهما المساواة من غير حَيْف. ولو قطع بعض الحَشَفَة لا قَوَد عندنا. وعند مالك والشّافعيّ وأحمد: يؤخذ النصف بالنصف، والرُّبع بالرُّبع، وما زاد أو نَقَص بحسابه من ذلك، كما في الأُذن. ولو قطع الخَتَّان بعض الحَشَفَة في الصّبيّ، أو في العبد فعليه حكومةُ عدل. وإن قطع الحَشَفَة كلّها، فإن بَرِأ فعليه في العبد كمال القيمة، وفي الصبي كمال الدِّيَة. وإن مات ففي العبد نصف القيمة، وفي الصبيّ نصف الدية، لأن التَلَف حصل بفعلين: أحدهما: مأذونٌ فيه وهو قطع الجلدة، والثاني: غير مأذون فيه وهو قطع الحَشَفة، فيجب نِصْفُ الضَّمان. وأمّا إن بَرِأَ، فلأنَّ قَطْع الجلدة مأذونٌ فيه (فجعل كأن لم يكن، وقَطْع الحَشَفَة غير مأذونٍ فيه) (٣) فوجب ضمان الحَشَفة كاملاً، وهو الدِّية في الصبيّ، وكمال القيمة في العبد. وفي «مجموع النوازل»: ما ذكرنا أنه إن مات فعليه نصف الدِّية رواية محمد. وذكر في «الأصل»: أنه لا يجب شيءٌ إن مات. وموت الصبيّ بتأديب الأب أو الوصيّ يوجب الدِّية عند أبي حنيفة كموته من تأديب أُمّه، ومن تأديبٍ غيرِ معتادٍ لِمِثْله، لأن الضرورة الماسَّة إلى تأديبه تندفع بزجره وحبسه ونحوهما من غير ضربه، ولو اضطر إلى ضربه فالسلامة مشروطةٌ كتأديب الزَّوج زوجته، وهما أهدراه لأن تأديب الصبيّ لا بدّ لهما منه، وذا إنما يَحْصُل غالباً بالضَّرْب، فصار كضربه للتعليم، وضَرْب مُعَلِّمه بإذن

стр. 1642

وَخُيِّرَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ إِنْ كَانَتْ يَدُ القَاطِعِ نَاقِصَةً، أَو الشَّجَّةُ تَسْتَوْعِبُ مَا بَيْنَ قَرْنِي المَشْجُوجِ، لَا الشَّاجِ. وَيَسْقُطُ القَوَدُ بِمَوْتِ القَاتِلِ، وَبِعَفْوِ وَلِيٍّ وَصُلْحِهِ، وَلِلْبَاقِي حِصَّتُهُ مِنَ الدِّيَةِ. === أبيه لِعَوْد نَفْعِه إلى الصبيّ في آخِر أَمره (١) . (وَخُيِّرَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ) بين الأَرْش (٢) كاملاً وبين القَوَد من غير أرْشٍ (إِنْ كَانَتْ يَدُ القَاطِعِ نَاقِصَةً) بأن كانت شلاّء ينتفع بها، أو ناقصة الأصابع، لأن استيفاء الحقّ كاملاً لمّا تعذّر، كان له أن يأخذ دون حقّه وأَنْ يَعْدِل إلى عوضه. وفي «المُجْتَبَى»: وعلى (هذا) (٣) السنّ والأطراف التي يجب فيها القصاص، إذا كان طرف الجاني أو سِنُّه مَعِيباً، يخيّر المجنيّ عليه بين أَخْذ الدِّية كاملاً وبين استيفاء المعيب. قيّدنا الشلاّء بأن ينتفع بها، لأنها لو كانت لا ينتفع بها لا تكون محلاً للقصاص، فكان له دية كاملة من غير خِيار، وعليه الفتوى. وفي «المحيط»: ولا تقطع اليمين إلاّ باليمين، ولا اليُسْرى إلاّ باليسرى، ولا تُقطع الأصابع إلاّ بِمِثْلها من القاطع، فيؤخذ إبهام اليمنى بإبهام اليمنى، وإبهام اليسرى باليسرى، لا بالعكس. وكذا لا تُؤْخَذُ العين اليمنى باليسرى، ولا العين اليسرى باليمنى، وكذا في الأسنان: الثَّنِيَّة بالثَّنِيَّة، والناب بالناب، والضِّرْس بالضِّرس، ولا يؤخد الأسفل بالأعلى خلافاً لابن شُبْرُمة في ذلك كلّه للتفاوت في المنافع والمرافق. (أَوْ الشَّجَّةُ) أي وخُيِّرَ المجنيّ عليه إن كانت الشَّجَّة (تَسْتَوْعِبُ مَا بَيْنَ قَرْنِي المَشْجُوجِ) أي قرني رأسه وهما ناصيتاه (لَا الشَّاج) أي ولا تستوعب ما بين قرني الشَّاج، فإن شاء اقتصّ بمقدار الشَّجَّة من أي الجانبين شاء، وإن شاء أخذ الأرْش. (وَيَسْقُطُ القَوَدُ بِمَوْتِ القَاتِلِ) لأن محل الاستيفاء فات، فأشبه موت العبد الجاني، وبه قال مالك. وقال الشافعي وأحمد: تجب الدِّية وتُؤخد من تركته بناءً على أن الواجب عندهما القَوَدُ أو الدِّية، فإذا فات أحدهما تعيّن الآخر. (وَ) يسقط القَوَد (بِعَفْوِ وَلِيَ) واحد من الأولياء (وَصُلْحِهِ) من نصيبه على عِوَض (وَلِلْبَاقِي) أي الذي لم يعفُ والذي لم يصالح (حِصَّتُهُ مِنَ الدِّيَةِ) وسقط حقّه من القَوَد، لأنّ كلّ واحدٍ منهم له التَّصرُّف في نصيبه بالاستيفاء وبالعفو وبالصلح، لأنه خالص حقّه، فإذا تصرَّف فيه بعفوٍ أو صلحٍ نفذ تصرُّفه فيه بعفوٍ، وسقط به حَقُّه في

стр. 1643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === القصاص، ومن ضرورة سقوط حقِّه في القصاص سقوطُ حقِّ الباقين فيه، لأنه لا يتجزَّأ ثبوتاً فكذا سقوطاً. وإذا سقط القَوَدُ انقلب نصيبُ مَنْ لم يَعْفُ مالاً، لأن القصاص امتنع لمعنىً في القاتل، وهو ثبوت عصمته بعفو البعض، فيجب المال كما في الخطأ، حيث امتنع فيه القود لمعنىً في القاتل، وهو كونه مخطئاً. ثم العفو في القصاص لِمَنْ له القصاص، وهو عندنا كل وارثٍ، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم. وقال اللَّيث والزُّهْرِي وابن شُبْرُمة والأَوْزَاعيّ والحسن وقَتَادة: ليس للنساء عفو في القصاص، وعند مالك: القصاص للعَصَبات خاصة، وهو قول بعض أصحاب الشّافعيّ. وقال بعض أصحاب الشافعي: للأقارب دون الزوجين، ولقوله ﷺ : «فأهله بين خِيْرَتَيْن» (١) وأهله: ذَوُوا رَحِمِه. ولنا: قوله ﷺ : «من ترك مالاً أو حقّاً فلورثته، ومن ترك كَلاًّ (٢) فعليّ» (٣) ، والقصاص حقٌّ فيكون لجميع الورثة كالمال، وأمّا قوله ﷺ : «فأهله بين خِيْرَتَين» فامرأة الرجل من أهله بدليل قوله ﷺ في حديث الإفك: «وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي» (٤) يريد عائشة رضي الله تعالى عنها. ولو قتل بعضُ الأولياء القاتلَ بغير إذن الباقين لم يجب عليه قصاصٌ عند أبي حنيفة ومحمد والشافعي في الأصحّ، وفي قولٍ عنه: عليه القصاص، لأنه مَمْنُوعٌ من قتله، ولو قتله مع العلم بعفو بعض شريكه سواء حكم به حاكم أو لا، يجب عليه القُوَد، وهو الظاهر من مذهب الشّافعيّ وأَحمد. وقال الشافعي في قول: لا يجب القَوَدُ، لأن فيه شبهةً لوقوع الخلاف. ولنا: أنه قتل معصوماً مكافئاً، مع العلم بأنه لا حقّ له فيه، فيجب عليه القَوَد كما لو قتله قبل الحكم بالقود، والاختلاف لا يُسْقِطُ القود، فإنه لو قتل كافرٌ مسلماً قتلناه مع وجود الاختلاف فيه، ولو قتله قبل العلم بالعفو لا يجب القَوَد وعليه الدِّيَة، وبه قال أحمد والشافعي في قولٍ. (وقال الشافعي في قولٍ) (٥) وزفر: يجب القَوَدُ، لأنه قتله عمداً بغير حقَ.

стр. 1644

وَيُقْتَلُ جَمْعٌ بِفَرْدٍ === ولنا: أنه إذا لم يعلم بالعفو كان القَوَدُ واجباً في حقّه ظاهراً، فيصير شبهةً في درء القود عنه، والدليل على عصمته بعفو أحدهما: ما رُوِيَ أنّ هذه الحادثة وقعت في زمن عمر، فشاور ابن مسعود فقال: أرى أنّ هذا قد أَحيى بعض نفسه، فليس للآخر أن يقتله، فأمضى عمر القضاء على رأيه. وهو المعنى، فإنّ العافي قد أسقط حقّه، وهو من أهل الإِسقاط، فصحّ إسقاطه، وبإسقاطه أَحيى بعض نفس القاتل، فيعجِز الآخر عن استيفاء حقّه لعدم احتمال التجزي ثبوتاً وسقوطاً. وتعذّر الاستيفاء إنما هو لمعنىً في القاتل، وهو مراعاة حرمة بعض نفسه، فكان في معنى الخطأ، فيجب المال للآخَر. ولو قتله العافي بعد العفو يجب القَوَدُ عند الأئمة الأربعة، وهو قول أكثر أهل العلم، لأنه قتل نفساً معصومةً بغير حقّ. ورُوِيَ عن الحسن: أنه يؤخذ منه الدِّية، وعن عمر بن عبد العزيز: أنّ الحُكْم فيه إلى السلطان. (وَيُقْتَلُ جَمْعٌ) باشر كلُّ واحدٍ جُرْحاً قاتلاً (بِفَرْدٍ) قتلوه عمداً، وهو قول مالك والشّافعيّ وأحمد وأكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين. وقال ابن الزُّبَيْر والزُّهْرِيّ وابن سيرين وابن أبي ليلى وعبد الملك، وربيعة وداود وابن المُنْذِر وأحمد في روايةٍ: لا يقتلون به وتجب الدِّية عليهم، لأن مفهوم النفس بالنفس أن لا يقتل بالنفس الواحدة أكثر من واحدةٍ، ولأن في القصاص تجب المساواة، ولا مساواة بين العشرة والواحد. ولنا: ما روى محمد بن الحسن في «موطّئه» والشافعي في «مسنده» كلاهما عن مالك، عن يحيى بن سعيد (١) ، عن سعيد بن المُسَيَّب: أن عمر بن الخطاب قتل نفراً خمسة أو سبعة برجلٍ قتلوه غِيْلَةً (أي خُفْيةً ـ) (٢) وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم. ورواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» مطولاً عن ابن جُرَيْج، عن عمرو بن دِينَار: أن حُيَّي بن يَعْلَى أخبره أنه سمع يَعْلَى يخبر هذا الخبر، وأَنَّ اسم المقتول أصيل قال: كانت أمرأةٌ بصنعاء لها ربيبٌ، فغاب زوجها، وكان لها أخِلاَّء فقالت: إنّ هذا الغلام يفضحنا فانظروا كيف تصنعون به فتمالؤا عليه، وهم سبعة نفرٍ مع المرأة فقتلوه وألقوه في بئر غُمْدَان. فلمّا فقِد الغلام خرجت أمرأة أبيه ـ وهي التي قتلته ـ وهي تقول: اللَّهم لا تُخْفِ عليّ من قتل أصيلاً. قال: وخطب يَعْلَى النَّاس في أمره، قال: فمرّ رجلٌ بعد أيام ببئر غُمْدَان، فإذا هو بذبابٍ أخضرٍ عظيمٍ يطلع من البئر مرّة ويهبط

стр. 1645

وَبِالعَكْسِ. فَإِنْ حَضَرَ وَلِيٌّ وَاحِدٌ قُتِلَ وَسَقَطَ حَقُّ البَاقِينَ، وَلَا تُقْطَعُ يَدَانِ بِيَدٍ === أخرى. قال: فأشرف على البئر فوجد ريحاً منكرة، فأتى يَعْلى فقال: ما أظن إلاّ قدرت لكم على صاحبكم وقصّ عليه القصّة فأتى يَعْلَى حتّى وقف على البئر، والناس معه، فقال أحد أصدقاء المرأة ممّن قتله: دَلُّوني بحبلٍ، فدلوه فأخذ الغلام فغيّبه في سَرَبٍ (١) من البئر، ثم رفعوه فقال: لم أقدر على شيءٍ فقال رجلٌ آخر: دلُّوني، فدلوه فاستخرجه. فاعترفت المرأة واعترفوا كلهم، فكتب يَعْلَى إلى عمر. فكتب إليه عمر: أن أقتلهم، فلو تمالأ عليه أهل صنعاء، لقتلتهم به. وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب قال: خرج رجالٌ سَفْرٌ، فصحبهم رجلٌ، فَقَدِمُوا وليس معهم فاتَّهمهم أهله، فقال شُرَيْح: شُهُودَكم أنهم قتلوا صاحبكم، وإلاّ حلِّفوهم بالله ما قتلوه. فأَتَوا بهم إلى عليّ ـ وأنا عنده ـ ففرَّق بينهم فاعترفوا، فأمر بهم فقُتِلُوا. ولأن زُهُوق الروح لا يتجزّأ، واشتراك الجماعة فيما لا يتجزأ يوجب التكامل لكلّ واحدٍ منهم كولاية الإنكاح. (وَبِالعَكْسِ) أي ويقتل واحدٌ بجماعةٍ، وكان الأولى أن يقول: كالعكس، إذ لا خلاف فيه. (فَإِنْ حَضَرَ وَلِيٌّ وَاحِدٌ) من المقتولين (قُتِلَ وَسَقَطَ حَقُّ البَاقِينَ) لفوات محل الاستيفاء، وصار كموت العبد الجاني وموت القاتل حتف أنفه، وبه قال مالك. وقال الشّافعي: يستوفي الباقون الدِّيَّات من تَرِكَتِه بناء على أن الواجب عنده للأولياء: إمّا القصاص وإمّا الدية، فإذا سقط القصاص من غير إبراء، ثبت المال. وقيّد بولي واحد من المقتولين، لأنه لو حضر أولياء المقتولين قُتِل لجماعتهم، ولا شيء لهم غيرُ ذلك، لأن لكلّ واحد من الأولياء قتله بوصف الكمال. ولهذا لو قَتَل جماعةٌ واحداً يكون كلّ واحدٍ قاتلاً بوصف الكمال، وإلاّ كما وجب القصاص. وإذا كان كذلك، لا تجب الدية لعدم اجتماعهما مع القتل. هذا، ومن قُتِلَ عمداً ولا وليّ له، فللسلطان أن يقتل قاتله وله أن يصالح، والقاضي بمنزلته فيه. (وَلَا تُقْطَعُ يَدَانِ) لرجلين (بِيَدٍ) قطعاها بأن أخذا سكِّيناً وأمرَّاها على يده من جانبٍ واحدٍ حتّى انقطعت. وهو قول الثَّوْرِيّ والزُّهْرِيّ والحسن، وعليهما نصف الدِّيَة، لأنه دية اليد الواحدة، فيضمنان ديتها في مالهما، لأنّا تيقّنّا أن كلّ واحدٍ منهما قاطعٌ للنصف، والفعل عمداً. وقال مالك والشّافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور: تقطع يداهما. وأمّا لو وضع أحدهما سِكِّيناً من جانبٍ، والآخر من جانبٍ آخر، وأمرَّا حتّى

стр. 1646

وَيُقَادُ عَبْدٌ أَقَرَّ بِقَوَدٍ. وَمَنْ رَمَى رَجُلًا عَمْدًاً، فَنَفَذَ، فَمَاتَا يُقْتَصُّ للأَوَّلِ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ لِلثَّانِي. وَمَنْ قُطِعَ فَعَفَا عَنْ قَطْعِهِ، فَمَاتَ مِنْهُ ضَمِنَ قَاطِعُهُ دِيَتَهُ === التقى السِّكينان لا يجب القصاص اتفاقاً. (وَيُقَادُ عَبْدٌ) أي ويُقتصّ من عبدٍ (أَقَرَّ بِقَوَدٍ) أي بقتلٍ عمدٍ، سواء كان مأذوناً له أو محجوراً عليه، وبه قال مالك والشّافعيّ وأحمد. وقال زُفَر: لا يقاد منه، لأن إقراره يؤدي إلى إبطال حقّ مولاه، فلا يصحّ كما لو أقرّ بالخطأ أو بالمال. ولنا: أنه غير متّهم في إقراره، لأنه مضرّ به فيصحّ، فإنّ العبد مُبْقىً على أصل الحرية في حقّ الدَّم، بخلاف إقراره بالقتل خطأ، لأن موجبه على السيد، وهو دفع العبد أو فداؤه، وبخلاف إقراره بالمال، لأنه إقرار على المولى بإبطال حقّه قصداً، لأن موجبه بيع العبد أو اسْتِسْعَاؤُه (١) . (وَمَنْ رَمَى رَجُلاً عَمْداً فَنَفَذَ) السَّهم منه إلى آخر (فَمَاتَا يُقْتَصُّ) منه (للأَوَّلِ) لأنه عمد (وَعَلَى عَاقِلَتِهِ (٢) الدِّيَةُ لِلثَّانِي) لأنه أحد نوعي الخطأ، وهو الخطأ في الفعل، والفعل الواحد يتعدَّد بتعدد أثره. (وَمَنْ قُطِعَ) يده أو رجله أو غيرهما (فَعَفَا عَنْ قَطْعِهِ فَمَاتَ مِنْهُ) أي من القطع (ضَمِنَ قَاطِعُهُ دِيَتَهُ) في ماله كاملةً، لأنها صارت في النفس وسقط القود للشبهة، وهذا عند أبي حنيفة، وهو قول الشّافعيّ وأحمد. وعن مالك: يجب القَوَد، لأن الجناية صارت في النفس، ولم يَعْفُ عنها. وقال أبو يوسف ومحمد: هو عَفْوٌ عن النفس أيضاً حتّى إذا مات بعد العفو بالسِّراية لا يضمن، وعلى هذا الخلاف إذا عفا عن الشَّجَّة ثم سَرَتْ إلى النفس فمات، وهذا نقل الشُّمُنِّي. وقال الطرابلسي: سِرَاية الطرف المستوفَى قصاصاً إلى النفس يوجب الدِّية على عاقلة المستوفي عند أبي حنيفة، وهما أَهْدَرَا الدِّية، كمالك والشافعيّ، كسِرَاية قطع الإمام يد السارق حداً إذا سَرَى إلى النفس ومات، وكالبَزَّاغ (٣) والحَجَّام والفَصَّاد (٤) والخَتَّان، وكما لو قال لآخر: اقطع يدي، فقطعها وسَرَى إلى النفس ومات، وهو

стр. 1647

وَلَوْ عَفَى عِنِ الجِنَايَةِ، فَهُوَ عَفْوٌ عَنِ النَّفْسِ، فَالخَطَأُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَالعَمْدُ مِنْ كُلِّهِ. وَالقَوَدُ يَثْبُتُ بَدْأً لِلوَرَثَةِ لَا إرْثًا، فَلَا يَصِيرُ أَحَدُهُمْ خَصْمًا عَنِ البَقِيَّةِ. فَلَوْ أَقَامَ حُجَّةً بِقَتْلِ أَبِيهِ غَائِبًا أَخُوهُ، فَحَضَرَ، فَفِي العَمْدِ يُعِيدُهَا، وفي الخَطَأِ والدَّيْنِ لَا. === الأظهر، لأن السِّرَاية تبعٌ للجناية، فلم يَجُز أن يكون ابتداؤها مباحاً، وسرايتها مضمونة. ولأبي حنيفة: أن حقّه في القطع، والموجود قتل، حتّى لو وقع ظلماً كان قتلاً، فلم يكن مستوفياً حقّه فيضمن، إلاّ أنه سقط القصاص للشبهة، فوجب الدِّية، بخلاف ما ذكروا من المسائل، لأنه يجب الفعل على الإمام وعلى غيره بالفعل. وإقامة الواجب لا يتقيّد بشرط السلامة كالرميّ إلى الحربيّ، لئلا يكون تكليف ما ليس في الوسع. وفي مسأَلتنا هو مخيّر بين الاستيفاء والعفو، بل العفو مندوبٌ إليه، فيتقيّد بشرط السلامة كالرمي إلى الصيد. (وَلَوْ عَفَى عِنِ الجِنَايَةِ) أو عفى عن القطع وما يحدث منه (فَهُوَ عَفْوٌ عَنِ النَّفْسِ) بلا خلافٍ (فَالخَطَأُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ) أي إن كان القطع خطأ يعتبر من ثلث مال المقطوع لتعلق حقّ الوارث به (١) ، فإن كان في الدِّية فاضل من الثلث (٢) أخذه الوارث من القاطع. (وَالعَمْدُ) يعتبر (مِنْ كُلِّهِ) أي من كلّ ماله، فلا يضمن القاطع شيئاً، كذا في «الهداية» وغيرها، ولا يخفى أن الموجب هنا هو القود، وهو ليس بمالٍ، فلا وجه للقول بأنه من كلّ المال. (وَالقَوَدُ يَثْبُتُ بَدْأً) أي ابتداءً (لِلوَرَثَةِ) عند أبي حنيفة (لَا إرْثاً) أي لا يثبت القود للورثة بطريق الإرث بأن يثبت للمُوَرِّث ابتداءً ثم يثبت للوارث، كما هو مذهب أبي يوسف ومحمد (فَلَا يَصِيرُ أَحَدُهُمْ) أي أحد الورثة عند أبي حنيفة (خَصْماً عَنِ البَقِيَّةِ) بغير وكالة. اعلم أن كلّ ما يملكه الورثة بطريق الإرث، فأحدهم خصم عن الباقين، حتّى لو ادّعى أحد الورثة شيئاً من التركة على أحدٍ وأقام البيِّنة عليه ثبت حقّ الجميع، ولا يحتاج الباقون إلى تجديد الدَّعوى. وكل ما يملكه الورثة لا بطريق الوراثة، لا يصير أحدهم خصماً عن الباقين، ففرَّع على هذا قوله: (فَلَوْ أَقَامَ) شخصٌ (حُجَّةً) أي بيِّنة (بِقَتْلِ أَبِيهِ) حال كونه (غَائِباً أَخُوهُ فَحَضَرَ) الغائب (فَفِي العَمْدِ يُعِيدُهَا) أي يعيد الغائب الحُجَّة عن أبي حنيفة (وفي الخَطَأِ والدَّيْنِ لَا) يعيدها

стр. 1648

وَالعِبْرَةُ بِحَالِ الرَّمْي لا الوُصُولِ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى مَنْ رَمَى مُسْلِمًا فَارْتَدَّ فَوَصَلَ. === باتفاقٍ، لأن الخطأ والدَّيْن موجبهما المال، وطريق ثبوت الميراث. ثمّ اعلم أنّ العلماء أجمعوا على قبول بيّنة الحاضر، وعلى أنه لا يُقْضى بالقَوَد ما لم يحضر الغائب، لأن المقصود بالقضاء الاستيفاء، والحاضر لا يتمكّن منه إجماعاً، وعلى أن القاتل يُحْبَسُ لأنه صار متَّهماً بالقتل، والمتَّهم يُحْبَسُ. واختلفوا في إعادة البيّنة إذا حضر الغائب، فعند أبي حنيفة يكلّف الغائب بالإعادة، وعندهما لا يكلّف، وهو قياس قول مالك والشافعي وأحمد. (وَالعِبْرَةُ بِحَالِ الرَّمي) أي بحال المَرْمِي في العصمة وعدمها، والحلّ وعدمه وقت الرمي عند أبي حنيفة (لا) بحال (الوُصُولِ) كما هو قولهما. (فَتَجِبُ الدِّيَةُ) عند أبي حنيفة (عَلَى مَنْ رَمَى مُسْلِماً فَارْتَدَّ) المَرْمِي إليه والعياذ بالله (فَوَصَلَ) إليه السهم فقتله. وقالا: لا شيء عليه، وهو قول مالك والشافعيّ وأحمد، لأن التلف حصل في محلَ لا عصمة فيه فيكون هَدْراً. ويردّ شهادة اثنين اختلفا في مكان القتل أو زمانه أو فيما حصل به القتل من الآلة، أو قال أحدهما: قتله بِعَصاً، وقال الآخر: لم أدرِ بما إذا قتل، أو قال أحدهما: قتله بسلاحٍ، وقال الآخر: بعصاً. وإن شهدا بِقَتْله، وقالا: لم ندرِ بما إذا قُتِل من الآلة، تجب الدية استحساناً في ماله. يصحّ الصلح عن القتل العمد على أكثر من الدِّية، لأنه افتداء لنفسه، ويكون المال حالاًّ (١) لالتزامه إيّاه بعقد الصلح، إلاّ أن يؤجله الوليّ إلى أجلٍ معلومٍ، لأن الحقّ له، فله تأجيله كسائر الديون المؤجَّلة.

стр. 1649

كِتَابُ الدِّيَاتِ الدِّيَةُ مِنَ الذَّهَبِ: أَلْفُ دِينَارٍ، وَمِنَ الفِضَّةِ: عَشْرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، وَمِنَ الإِبِلِ: مِئَةٌ. === كتاب الدِّيَاتِ (الدِّيَةُ) لغةً: مصدر وَدَى القاتلُ المقتولَ، إذا أعطى وليه المال الذي هو بدل النفس، ثم قيل لذلك المال تسميةً بالمصدر، والتاء في آخره عوض عن الواو في أوله كالعِدَة. وهي ثابتة بالكتاب: وهو قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ﴾ (١) . وبالسنة: وهي أحاديث كثيرة، وبإجماع أهل العلم على وجوبها في الجملة. (مِنَ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ وَمِنَ الفِضَّةِ عَشْرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ وَمِنَ الإِبِلِ مِئَةٌ) وقال الشّافعي: من الوَرِق اثنا عشر ألفاً، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق لِمَا أخرج أصحاب السنن الأربعة عن محمدبن مسلم، عن عمرو بن دِينَار، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس: أنّ رجلاً من بني عَدِيّ قُتِلَ فجعل النبيّ ﷺ ديته اثنا عشر ألفاً. قال الترمذي: لا نعلم أحداً يذكر في هذا الإسناد ابن عباس غير محمد بن مسلم. وصحَّح النَّسائي وغيره إرساله على إسناده. ولنا: وهو قول الثوري وأبي ثور من أصحاب الشّافعيّ، ما روى البَيْهَقِي من طريق الشافعيّ قال: قال محمد بن الحسن: بلغنا عن عمر ﵁ أنه فرض على أهل الذهب في الدِّية ألف دينارٍ، ومن الوَرِق عشرة آلاف درهمٍ: حدّثنا بذلك أبو حنيفة، عن الهيثم، عن الشّعبيّ عن عمر قال: وقال أهل المدينة: فرض عمر على أهل الوَرِق اثني عشر ألف درهمٍ. قال محمد بن الحسن: صدقوا، ولكنّه فرضها اثني عشر ألفاً وزن ستة، فذلك عشرة آلاف. وقال محمد بن الحسن: وأخبرني الثَّوْرِيّ، عن مُغِيرة الضبّيّ، عن إبراهيم قال: كانت الدِّية الإبل، فجعلت الإبل كلّ بعيرٍ بمئةٍ وعشرين درهماً وزن ستة، فذلك عشرة آلاف درهم. وقيل لشَرِيك: إن رجلاً من المسلمين عاين رجلاً من العدو فضربه، فأصاب رجلاً منّا فسَلَتَ وجهه حتى وقع ذلك على حاجبيه وأنفه ولحيته وصدره، فقضى فيه عثمان بالدِّية اثني عشر ألفاً، وكانت الدَّراهم يومئذٍ وزن ستة. وفي «التجريد» للقُدُورِي: لا خلاف أنّ الدِّية ألف دينارٍ، وكل دينارٍ عشرة دراهم، ولهذا جُعِلَ نصاب الذهب عشرين ديناراً، ونصاب الوَرِق مئتي درهمٍ.

стр. 1650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === واعلم أن العلماء اختلفوا في الأصل في الدِّية، فقال الشّافعيّ، وأحمد في روايةٍ، وابن المُنْذِر: الإبل فقط، فتجب قيمتها بالغة ما بلغت لِمَا أخرجه أبو داود والنَّسائي وابن ماجه وصحّحه ابن القطَّان في كتابه، وابن حِبّان في «صحيحه» من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مئة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها. ورواه النَّسائي وابن ماجه من حديث عبد الله ابن عمر، ولأنه ﷺ فرّق بين دية شبه العمد ودية الخطأ، فغلّظ بعضها وخفّف بعضها، ولا يتحقق ذلك في غير الإبل. ولأن الإبل مُجْمَعٌ عليه، وما عداه مُخْتَلَفٌ فيه، فيؤخذ بالمتيقَّن. وقال أبو حنيفة: الإبل والذهب والفضة، وهو قول أحمد، والشافعي في القديم. ومقتضى قول المالكية إن كان القاتل من أهل البوادي والعَمود (١) فمئةٌ من الإبل، وإن كان من أهل الذهب كأهل الشام ومصر والمغرب فألف دينارٍ، وإن كان من أهل الوَرِق، كأهل خُرَاسَان، والعراق، وفارس فاثني عشر ألف درهمٍ. وقال أبو يوسف ومحمد، وأحمد في روايةٍ، وهو رواية عن أبي حنيفة: الإبل والذهب والفضة والبقر مئتا بقرة، قيمة كل بقرة خمسون درهماً، والغنم ألفا شاة، (كلّ شاةٍ خمسة دراهم) (٢) ، والحُلَل مئتا حُلَّة (قيمة كلّ حُلَّةٍ خمسون درهماً)، وهي ثوبان: إزارٌ ورداءٌ، لما روى أبو داود عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه قال: كانت قيمة الدِّية على عهد رسول الله ﷺ ثمان مئة دينارٍ، أو ثمانية آلاف درهمٍ، ودية أهل الكتاب يومئذٍ النصف من دية المسلمين. وقال: فكان ذلك حتى اسْتُخْلِفَ عمر فقام خطيباً فقال: ألا إن الإبل قد غَلَت ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينارٍ، وعلى أهل الوَرِق اثني عشر ألفاً، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشياه ألفي شاة، وعلى أهل الحُلَل مئتي حُلَّة. قال: وترك دية أهل الذِّمة لم يرفعها. ولما في «آثار محمد بن الحسن» قال: أخبرنا أبو حنيفة عن الهيثم (٣) ، عن الشّعبيّ، عن عُبَيْدَة السلماني (٤) : قال وضع عمر الدِّيَات على أهل الذهب ألف دينارٍ،
следующие страницы →