. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قول أنس: «لمَّا غزا رسول الله ﷺ خَيْبَر صلينا عندهما صلاة الغداة بِغَلَس (١) ، وَرَكِبَ النبي ﷺ ورَكِبَ أبو طَلْحَة وأنا رديفه، فأَجْرَى نبي الله ﷺ في زقاق خَيْبَر، ثم انحسر الإزار عن فَخِذَه حتى إنِّي لأَنْظُرُ إلى بياض فَخِذِ النبي ﷺ . والقصةُ في «الصحيحين». ولقول عائشةَ: «كان رسول الله ﷺ مَضْطَجِعاً في بيته كاشِفاً عن فَخِذه أو ساقَيْهِ، فاستأَذَنَ أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك، فَتَحدَّث، ثم استأذن عثمانُ فجلس رسول الله ﷺ وسَوَّى عليه
стр. 212
والأَمَةُ: هَذَا مَعْ ظَهْرِهَا وبَطْنِهَا. والحرَّةُ: بَدَنُهَا
===
ثيابه» الحديثَ (١) .
قلنا يُحْتَمَلُ أنه ﷺ غَطَّى فَخِذَه بسرعة لَمَّا انكشف. وتَرْدِيدُ الراوي في الحديث الثاني بين فَخذِهِ وساقه يمنع تمام الاستدلال به. وعلى التَّنزُّل يُحْمَل الكشف على جانبها دون جانبهما (٢) ، أو على طرف فَخِذِه وهو الرُّكبة والساق، كما يشير إليه شكُّ الراوي. ومما يؤيد الجمهور قولهُ ﵊: «الفَخِذُ عورةٌ». رواه الترمذي عن ابن عباس وغيره. وقوله ﵊: «لا تُبْرِزْ فَخِذَك، ولا تَنْظُرْ إلى فَخِذِ حيّ ولا ميت». رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم في «مستدركه» عن علي كَرَّم الله وجهه.
(والأَمَةُ) أي وعورةُ الأَمَةِ ولو كانت مُدَبَّرة (٣) ، أو أمّ ولدٍ (٤) ، أو مُكَاتَبَة (٥) . (هَذَا) أي ما ذُكِرَ: من تحت (السرة إلى تحت) (٦) الركبة (مَعْ ظَهْرِهَا وبَطْنِهَا) لأنَّ النظر إليهما سبب للفتنة بها، وما عدا ذلك منها فليس بعورة فيها، لِمَا في «آثار محمد بن الحَسَن»: أخبرنا أبو حنيفة: عن حَمَّاد بن سليمان، عن إبْرَاهيم النَّخَعي: «أنَّ عمر بن الخطاب كان يضرب الإماء أنْ يَتَقَنَّعْنَ، ويقول: لا تُشَبَّهْنَ بالحرائر». وفي «مصنف عبد الرَزَّاق»: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قَتَادة، عن أنس: «أنَّ عمر ضرب أمةً لآل أنس رآها مُتَقَنِّعةَ، فقال: اكشفي رأسك لا تتشبهي بالحرائر». وأصله قوله تعالى: ﴿يا أَيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وبَنَاتِكَ ونِسَاءِ المُؤْمِنينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ من جَلَابِيبِهِنَّ ذلك أَدْنَى أنْ يُعْرَفْنَ فلا يُؤْذَيْنَ﴾ (٧) .
(والحرُّةُ) أي وعورة الحرةِ (بَدَنُهَا) أي جميع أعضائها لقوله ﵊: «المرأةُ عورةٌ». رواه الترمذيّ وصحّحه، وفي رواية النَّسائي: «الحُرَّة».
стр. 213
إلّا الوَجْهَ والكفِّ والقَدَمَ.
وكَشْفُ رُبْعِ العُضْوِ يَمْنَعُ الصَّلاةَ. والسَّاقُ عُضْوٌ وَحْدَه، كالفَخِذِ، والذَّكَرِ مُنْفَرِدًا، والأُنْثَيَيْنِ،
===
(إلاّ الوَجْهَ والكفَّ والقَدَمَ) لقوله تعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ (١) أي إلاَّ ما جَرَتْ به العادة على ظهورها للأجانب من الوجه والكف والقدم، إذ من ضرورة إبداء الزينة إبداءُ مواضعها، والكحلُ زينةُ الوجه، والخَاتَم زينة الكف، ولأنَّ المرأة لا تجد بُدّاً من مزاولة الأشياء بيديها. ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصاً: الشهادةُ والمحاكمةُ، وتَضْطَرُّ إلى المَشْي في الطرقات وظهور قَدَمَيْها خصوصاً الفقيرات. وعن أبي حنيفة: أنَّ القَدمَ عورةٌ، وبه قال الشافعيُّ لِمَا رُوِيَ: «أنَّ أُمَّ سلمةَ قالت: سألت النبيّ ﷺ أَتُصَلِّي المرأةُ في دِرْعٍ (٢) وخِمَارٍ وليس لها إزارٌ؟ قال: إذا كان الدِّرْع سَابِغاً (٣) يُغَطِّي ظهور قدميها».
(وكَشْفُ رُبْعِ العُضْوِ) أي أيُّ عضوٍ كان (يَمْنَعُ) أيْ صحة (الصَّلَاةَ) ولا تَفسد الصلاة عندنَا بانكشاف القليل من العورة في زمن كثير، وهو ما يُؤَدَّى فيه رُكْنٌ كعكسه: وهو أنْ يَنْكَشِفَ منها كثيرٌ في زمن يسير، كما لو هَبَّتِ الريح فَكَشَفَتْ عَوْرَتَهُ، فتدارك سترها في الحال. وأفسدها مالك والشافعيّ، لأنَّ السترَ شرطُ صحةِ الصلاة مطلقاً ولم يوجد. ولنا اعتبارها بالوفاقية (٤) ، بجامع الضرورة.
(والسَّاق) أي ساق الحرة (عُضْوٌ) أي كامل (وَحْدَه) وهو من عورتها فيمنع انكشاف رُبْعِه الصحة (كالفَخِذِ) أيْ من الرجل والمرأة، والركبة من الفخذ، وقيل: عضوٌ منفردٌ.
(والذَّكَرِ) عطف على الفَخِذ دون الساقِ لقوله بعد هذا والأُنْثَيَيْن بالجر (مُنْفَرِداً) احترز به عن قول بعضهم: أنَّ الذَّكَرَ مع الأُنْثَيَيْن عضوٌ واحدٌ (والأُنْثَيَيْنِ) أيْ منفردين كما في الدِّيَةِ. وأُذُنُها عورةٌ بانفرادها، وأمَّا ثَدْيُها فإنْ كان مرتفعاً تَبِعَ صَدْرَها، وإنْ كان مُنْكَسِراً صار أصلاً بنفسه. وكلٌّ من الأَلْيَتَيْنِ عضوٌ على حدة، والدُّبُرُ ثالثهما في الصحيح.
стр. 214
وشَعْرٍ نَزَلَ.
===
وبهذا تَبَيَّنَ أنَّه لا فرق بين العورة الغليظة وهي: القُبُلُ والدُبُرُ، وبين العورة الخفيفة وهي: غيرهما من موضع العورة في حقِّ الانكشافِ المانعِ وغيرِ المانعِ في صحة الصلاة وفسادها، وهذا أيضاً على الصحيح.
وذَكَر الكَرْخِيُّ: أنَّهُ يُعْتَبَرُ في الغليظة قَدْرُ الدرهم، وفي الخفيفة الرُبْعُ (١) ، كما في نوعي النجاسة. وهو ليس بقوي، لأنه قَصَدَ به التغليظ في العورة الغليظة، وهو في الحقيقة تخفيفٌ، لأَنَّه اعتُبِر في الدُّبر قَدْرَ الدرهم، والدُّبُرُ لا يكونُ أكْثَرَ من قدرِ الدرهم. فهذا يقتضي جواز الصلاة وإنْ كان كل الدُّبُرِ مكشوفاً، وهو تناقضٌ، فافهم.
ثم الساترُ الرقيقُ الذي لا يَمْنَعُ رُؤْيةَ العورةِ لا يكفي لجوازِ الصلاة لعدم الستر الواجب عليه. وإذا صلّى في ثوبٍ واحدٍ محلول الجيب، اخْتُلِفَ فيهِ: ففي «نوادر ابن شجاع» أشار إلى أَنَّه يجوز، وسَوَّى بين كثيف اللحية وخفيفها، فإنَّه ذكر عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أَنَّه لو نظر إلى عورته لا تَفْسُدُ صلاته وهو الصحيح. وفي «الواقعات»: وذلك لأنَّ العورةَ إنما تُعْتَبَرُ عورةً في حق غيره دون نفسه. انتهى. لكن يُشْكِل بمسألة إذا صلّى في مفازةٍ أو بيت مظلم من غير ستر، فإنَّه لا يجوز اتفاقاً إذا كان على الستر قادراً.
(وشَعْرٍ) بالجر أي وكشعر (نَزَلَ) أي من رأس المرأة في المختار من الروايتين. وفي «المحيط»: الأصح أنه عورة وإلاَّ جاز النظر إلى صُدْغِ (٢) الأجنبية، أو طرف ناصيتها، وهذا يؤدي إلى الفتنة، وإنما لا يجب غسله على النساء في الجَنَابة على الصحيح لأَنَّ في غسله حرجاً. انتهى.
اعْتُرِضَ عليه بأنَّه لا ملازمة بين كون العضو غير عورة وجواز النظر إليه، إذ حِلُّ النظر منوطٌ بعدم خشية الشهوة مع انتفاء العورة، ولذا حُرِّمَ النظر إلى وجهها، ووجه الأَمْرَدِ (٣) ، إذا شك في الشهوة مع انعدام العورة، وهذا وجه الرواية النافية.
ثم العورة تنقسم إلى غليظة وخفيفة، فالغليظة: القُبُل والدُّبُر، والخفيفة: ما عدا ذلك، ويترتب على ما ذُكِرَ مراتب احتساب هنالك (٤) .
стр. 215
وعَادِمُ مُزِيل النَّجِسِ صَلَّى مَعَهُ ولَمْ يُعِدْ. ولَمْ تَجُزْ عَارِيًا ورُبْعُ ثَوْبهِ طَاهِرٌ، وفي أقَلَّ: الأَفْضَلُ مَعَهُ. وعَادِمُ الثُّوْبِ يَجُوزُ صَلَاته قَائِمًا، ويُندَبُ قَاعِدًا مُومِئًا.
===
(وعَادِمُ مُزِيل النَّجِسِ) أيْ الخَبَث عدماً حقيقياً أو حكمياً، كما إذا كان معه ماء، لكن يخاف العطش. (صَلَّى مَعَهُ) للضرورة (ولَمْ يُعِدْ) وإنْ كان الوقت باقياً، لأنه فَعَل ما في وسعه.
(ولَمْ تَجُزْ) أي الصلاة حال كون المصلي (عَارِياً ورُبْعُ ثَوْبِهِ طَاهِرٌ) لأنَّ نجاسةَ ربعِ الثوبِ تقوم مقام نجاسة كله حال عدم الاضطرار، فيقوم طهارة ربعه مقام طهارة كله حال الاضطرار (وفي أقَلَّ) أيْ وفي ثوب أقل من ربعه طاهر، وكذا في نجاسة الكل عند أبي حنيفة وأبي يوسف (الأَفْضَلُ) أنْ يصلي (مَعَهُ) لحصول الركوع والسجود وستر العورة، ولأَنَّ فرض الستر عام لا يختص بالصلاة، وفرض الطهارة مختص بها. ويجوز أن يصلي عُرْياناً قاعداً يُومِاء، ويجوز أن يصلي عُرْيَاناً يركع ويسجد، وهذا دونها في الفضل.
(وعَادِمُ الثَّوْبِ) أيْ ما يستر عورته من حشيش وغيره، كتلطيخ بدنه من طين ونحوه (يَجُوزُ صَلَاتُه قَائِمَاً) يركع ويسجد (ويُنْدَبُ قَاعِداً) مَادّاً رجليه، واضعاً يديه بين فخذيه، لأنه أستر (مومئاً) بالركوع والسجود لأن في القيام ترك الستر من كل وجه، وفي القعود إتْيَان به، وبالركوع والسجود من وجه.
وأوجبَ القيام زُفَر كمالك والشافعي، لأنَّ في القيامِ تركُ الستر، وهو غير مخاطب به، وفي الإيماء ترك فروض وهو مخاطب بها. ولنا ما رُوِيَ عن أنس: «أنَّ بعض أصحاب رسول الله ﷺ رَكِبُوا في سفينة فانْكَسَرت بهم، فخرجوا من البحر عُرَاةً، فصلَّوا قعوداً بإيماء». قال سِبْطُ ابنُ الجوزيّ: رواه الخلاّل. وعن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: «العاري يُصَلِّيَ قاعداً بالإيماء». وعن عَطَاءٍ وعِكْرمَةَ وقَتَادَة: مثله. وقال قَتَادَةُ: إذا خرج ناس من البحر عُرَاةً فَأَمَّهُمْ أَحدُهم، صَلَّوا قاعدين، وكان إمَامُهم مَعَهُم في الصَّفِ يُومِئُونَ إيماءً. وعن عليّ ﵁: «أنَّه سُئِلَ عن صلاة العُرْيَان، فقال: إنْ كان حيث يراه الناس صلَّى جالساً، وإذا كان حيث لا يراه الناس صلّى قائماً». رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفّه». وهو تفصيل حسن من أبي الحسن.
стр. 216
وقِبْلَةُ خَائِفِ الاسْتِقْبَالِ جِهَةُ قُدْرَتِهِ. وإنْ عَدِمَ مَنْ يَعْلَمُ القِبلَةَ تَحَرَّى
===
(وقِبْلَةُ خَائِفِ الاسْتِقْبَالِ) من عَدُوَ، أو سَبُعٍ، أو غَرَقٍ بأنْ كان على خشبة في البحر، فقبلة مبتدأٌ خبره (جِهَةُ قُدْرَتِهِ) لتحقق عجزه عن التوجه إلى قِبلته. وكذا المريض الذي لا قدرة له على الاستقبال، ولا يجد من يُوَجِّهُهُ إلى القِبلة. وكذا العاجز عن النزول عن دابة سائرة لخوفٍ، أو لمرضٍ أو لطين ورَدْغَةٍ (١) ، أو لنفورِها، وعدم وقوفها، أو لعجزه عن ركوبها بعد نزوله عنها.
وقِبْلةُ مَنْ بمكةَ إصابة عين الكعبة للمكي المشاهِدِ لها، لأنَّه الأصل، ولا حرج فيه. وقيل: يجب عليه إصابة عينها وإنْ كان بينه وبينها حائل لإمكان إدراكه. والأصح: أنَّه كالغائب، للزوم الحرج في إلزام حقيقة المُسَامَتَةِ (٢) في كل بقعة يُصَلِّي فيها، لأنَّ أدنى انحراف من القريب يُخْرِجُه عنها، كما هو مُشَاهَدٌ في المَشَاهِد. وأَغْرَب العَيْنِيُّ في قوله: وفَرْضُ عين الكعبةِ للمكيّ بالإجماع، حتى لو صلّى المكيُّ في بيته ينبغي أنْ يُصَلِّي بحيث لو أُزِيلَت الجدْرَان يقع استقباله على شطر الكعبة. انتهى. ولا يَخْفَى بين قوله: فرضٌ، وبين قوله: ينبغي.
هذا، وقد ذكر ابن الهُمَام: أنَّ في النَّظْمِ: الكعبةُ قبلة من بالمسجد، والمسجد قبلة من بمكّة، ومكة قبلة الحرم، والحرم قبلة العالم. قال المصنف ـ يعني صاحب «الهداية» ـ في «التجنيس»: هذا يُشِير إلى أَنَّ مَنْ كان بمعاينتها، فالشرط إصابة عينها. ومن لم يكن يعاينها، فالشرط إصابة جهتها. وهو المختار. انتهى كلام صاحب «الهداية»، والله الهادي في البداية والنهاية.
وأمّا النائي عنها فيكفي إصابة جهتها، ولا يُشْتَرط نية عينها عند عامة المشايخ وهو الصحيح. وقال الجُرْجَانِيّ: عين الكعبة، لأَنَّ النَّص لم يُفَصِّل بين مكة وغيرها في افتراض عينها، وبه قال الشافعي .. وأُجِيبَ بأنَّ التكليف على حسب الوسع: وهو في حق من ليس بمكة الجهة. لما رَوَى ابن ماجه والترمذي، وقال: حسنٌ صحيحٌ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ما بين المشرق والمغرب قبلة».
(وإنْ عَدِمَ) أي لم يجد مريد الصلاة (مَنْ يَعْلَمُ القِبْلَةَ) وهو يجهلها بانطماسِ الأَعلام، وتراكم الظلام، وتَضَامِّ الغمام (٣) (تَحَرَّى) أي صلَّى إلى جهة اجتهاده لأَنَّها
стр. 217
ولَمْ يُعِدْ مُخْطِئٌ تَحَرَّى، بَلْ مُصِيبٌ لم يَتَحَرَّ. وإنْ تَحوَّلَ رَأْيُهُ مُصَلّيًا اسْتَدَارَ.
===
قبلته حيث يسع قدرته، لقوله تعالى ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (١) أيْ قبلته كما ارتضاه. فإنَّ الآية نزلت في الصلاة حال الاشتباه. ولما رُوِيَ من طرق ضعيفة قد يُحَسَّنُ الحديث بتعددها: «أنَّ بعض الصحابة تَحرَّوا القبلة في ليلة مظلمة، وصلَّوا وخَطُّوا خطوطاً، فلما أصبحوا وجدوها لغير القبلة، فلم يأمرهم النبيُّ ﷺ بالإعادة». ولما رَوَى ابن ماجه والترمذيّ من حديث عَامِر بن رَبِيعة، عن أبيه، قال: «كُنَّا مع رسول الله ﷺ في سفر»، زاد الترمذي: «في ليلة مظلمة، فَتغَيَّمَتِ السماء وأشْكَلَت القبلة، فصلّينا، فلما طلعت الشمس إذا نحن صلينا لغير القِبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾».
(ولَمْ يُعِدْ مُخْطِاءٌ تَحَرَّى) القبلة وصلى، ثم تبين خطؤه، لأنه أتى بالواجب في حقه: وهو الصلاة إلى جهة تحريه. وأوجب مالك إعادته في الوقت، والشافعي مطلقاً. (بَلْ) يعيد (مُصِيبٌ لم يَتَحَرَّ) بأنْ شَكَّ في القبلة، وصلّى من غير تحرَ، ثم تبين أنَّه أصاب، وهذا إذا تبين أنه أصاب وهو في الصلاة عند أبي حنيفة ومحمد، خلافاً لأبي يوسف. وأمّا إذا تبين أنه أصاب بعد الفراغ، فصلاته جائزة بالاتفاق لحصول المقصود. وفي «الظهيرية»: الأعْمَى إذا صلى ركعة فأخطأ القبلة، فجاء رجل وسوَّاه يمضي في صلاته ولا يقتدي ذلك الرجل به. قال: وعندي هذا محمول على ما إذا لم يجد من يسأله.
(وإنْ تَحوَّلَ رَأْيُهُ) أي رأي المتحري حال كونه (مُصَلّياً اسْتَدَارَ) لأَنَّ تبدُّلَ الاجتهاد بمنزلة النسخ، لما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، قال: بينما الناس في صلاة الصبح بقُبَاء إذ جاءهم آتٍ فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قد أُنْزِلَ عليه الليلة قرآن، وقد أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ القبلة فاسْتَقْبِلُوها، وكانت وجوههم إلَى الشام، فاستداروا إلى الكعبة». ورواه مسلم من رواية أنس وقال فيه: «فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر، وقد صلَّوا ركعة فنادى: أَلاَّ إنَّ القبلة حُوِّلت، فَمَالوا كما هم نحو الكعبة، واستحسنه النبي ﷺ .
قال ابن الجَوْزِيّ: في السنة الثانية حُوِّلَتِ القبلة ـ يعني من الهجرة ـ قال: وقال محمد بن حَبِيبٍ الهَاشِميّ: «حُوِّلَتْ ـ يعني القبلة ـ الظهر يوم الثلاثاء، النصف من شعبان: زار رسول الله ﷺ أم بِشْر بن البَرَاء بن المَعْرُور في بني سَلَمَةَ، فتغدّى هو وأصحابه، وحانت الظهر، فصلى بأصحابه في مسجد القبلتين ركعتين من الظهر إلى
стр. 218
ولا يَضُرُّ جَهْلُهُ جِهَةَ إِمَامِهِ، بَلْ تَقَدُّمُهُ، أوْ عِلْمُ مُخَالَفَتِهِ. ويَقْصدُ صلاتَهُ واقْتِدَاءَه، إن اقْتَدَى مُتَّصِلًا بالتَّحْرِيمَةِ،
===
الشام، ثم أُمِرَ أنْ يستقبل القبلة وهو راكع في الركعة الثانية، فاستدار إلى الكعبة ودارت الصفوف خلفه، ثم أَتَمَّ الصلاة، فسُمِّيَ مسجد القبلتين لهذا.
(ولا يَضُرُّ جَهْلُهُ) أي المُقْتَدي (جِهَةَ إِمَامِهِ) يعني: أنَّ من صلَّى في ليلة مظلمة مع إمامه، وتوجه كل منهما بالتحري إلى جهة، وكان المأموم جاهلاً جهة إمامه، لا تبطل صلاته، لأنه توجّه إلى ما هو القبلة في حقه، وهو جهة تحريه. وصار كما لو صلّى داخل الكعبة إلى غير جهة إمامه، ولم يَعْلَم مخالفة جهة إمامه، لعدم اعتقاده بأن إمامه على الخطأ في توجّهه (إذا علم أنه ليس خلفه) (١) .
(بَلْ) يضر (تَقَدُّمُهُ) على إمامه لِتَرْك فرض مقامه، كما إذا صلى داخل الكعبة مع إمامه. (أوْ عِلْمُ مخالفته) جهة إمامه لاعتقاده أنَّ إمامه، على الخطأ، «فعلم» مصدر مرفوع بالعطف على تَقدّمه.
(ويَقْصِدُ) أي المصلي بقلبه (صَلَاتَهُ) سواء صلّى منفرداً أو إماماً أو مقتدياً لقوله ﵊: «إنما الأعمال بالنيّات». رواه الشيخان وغيرهما، يُجْمَع على صحته، فقد رواه سبع مئة رجل من أصحاب يحيى بن سعيد، فهو مشهور بالنسبة إلى آخره، غريبٌ بالنسبة إلى أوله، وليس متواتراً لفقد الشرط في بدئه، ولأنَّ بالنية تتميز العبادات عن العادات.
وعن محمد: أنَّ من توضَّأ يريد به صلاة الوقت، وغَرَبَتْ (٢) عنه النيّة عند الشروع جازت صلاته. وفي «الرَّقِّيَّات»: من خرج من منزله يريد الصلاة التي كان القوم فيها، فَلَمَّا انتهى إلى القوم كَبَّر ولم تحضره النية، فهو داخل مع القوم، لأنَّ النية وُجِدَت فتبقى حكماً حتى يأتي المُبْطِل ولم يوجد. انتهى.
ولا يخفى أن هذا كله مبني على أنّ النية من شروط الصلاة، ولا يشترط فيها الاتصال بخلاف الأركان، وفي هذا توسعة ورفق بأهل الإيمان والله المستعان.
(و) يقصد (اقْتِدَاءَه) بالإمام (إن اقْتَدَى) لأَنَّه يلزم الفساد من جهته، فلا بد له من التزامه في نيّته، ولو نوى الاقتداء بزيد فإذا عمرو لا يجوز، لأنه اقتدى بغائب، ولو نوى الاقتداء ظاناً أنه زيد فإذا هو عمرو، يجوز.
(مُتَّصِلاً) ذلك القصد (بالتَّحْرِيمَةِ) أي بتكبيرة الافتتاح من غير فصل بينهما
стр. 219
ومَعَ اللَّفْظِ أفْضَلُ. ويَكْفِي لِغَيرِ الفَرْضِ والوَاجِبِ نِيَّةُ مُطْلَقِ الصَّلاةِ، وشرِطَ لَهُمَا التَّعْيين لا العَدَدُ.
===
بعمل يمنع الاتصال كالكلام، والأكل، والشرب، ونحوها، ولا يجوز الصلاة بنية مُتأخِّرة عن التكبيرة، لئلا يخلو أول جزء من القيام عن النية فلا يكون عبادة، فلا يكون الباقي أيضاً عبادة، لأنه مبني عليه، وهذا هو الصواب وهو ظاهر الرواية. وقال الكرْخِيّ: يصح ما دام في الثناء، وقيل: يصح إذا تقدمت على الركوع، وهذا أيضاً مبني على أنَّ تكبيرة التحريمة شرط، ولا ترتيب بين الشرائط. وإنَّما لا بد (من) (١) وجود كلها قبل أركان الصلاة. فإذا وُجِدَت النية بل الركوع فقد قارنت بعض القيام وحصل المرام.
(ومَعَ اللَّفْظِ) أي والقصد مع التَلَفُّظ بما يدل عليه (أفْضَلُ) منه بلا تَلَفُّظٍ، لأنَّ اللسان ترجمان الجَنان، وهذا بدعة حسنة استحسنها المشايخ للتقوية، أو لدفع الوسوسة، ولا عبرة بالنطق باللسان وحده، حتى لو نَطَقَ بظُهْرٍ ونوى عصراً، يكون عصراً.
وأمَّا التكبير، فلا بد منه للشروع في الصلاة، إلاَّ على قول أبي بَكْرٍ الأَصَمِّ، وإسماعيل بن عُلَيَّة، فإنَّهما يقولان: يَصِيرُ شارعاً بمجرد النية، والأَذْكار عندهما كالتكبير والقراءة زينة الصلاة، وليست من الواجبات. وشَرَطَ الشافعيّ المقارنة بينهما. وفي كيفيتهما لأصحابه وجهان: إمّا النية بالقلب مع ابتداء التكبير باللسان والفراغ منهما معاً، وإمَّا القِران العرْفي بحيث يُعَدُّ مستحضراً للصلاة غير غافل عنها، وهو اختيار إمام الحرمين، والغزالي، وقريب من مذهب أصحابنا.
(ويَكْفِي لِغَيْرِ الفَرْضِ والوَاجِبِ) سواء كان نفلاً، أو سنة مؤكّدة، (نِيَّةُ مُطْلَقِ الصَّلاةِ) لأَنَّ تعيين النوافل والسنن بوقوعها في أوقاتها، فلا يَفْتَقِرُ إلى تعيين (وشُرِطَ لَهُمَا) أي للفرض والواجب (التَّعْيِينُ) لأَنَّ الفروض والواجبات كثيرة، فلا بد من تعيين ما يراد أداؤه في النيّة (لا العَدَدُ) أي لا يُشْتَرَطُ للفرض والواجب نية عدد الركعات، لأَنَّ قصد التعيين مُغْنٍ عنه، ولو نوى الظهر ثلاثاً، أو الفجر أربعاً جاز. وكذا لا يشترط نيّة الكعبة، لا عينها ولا جهتها، لأن القيام لَمَّا تَعَيَّنَ للصلاة بالنية، تَعَيَّنَ الاستقبال للصلاة ضرورة، ولأن الاستقبال شرط، والشرط لا يحتاج إلى نية كما تقدم، والله أعلم.
стр. 220
بَاب صِفَةِ الصَّلاةِ
فَرْضُهَا: التَّحْرِيمَةُ،
===
بابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
الوصف والصفة مصدران كالوعد والعِدَة، والهاء عوض عن الواو، والمتكلمون فَرَّقُوا بينهما فقالوا: الوصف يقوم بالواصف، والصفة تقوم بالموصوف. والمراد بالصفة ههنا: الهيئة الحاصلة للصلاة بأركانها وعوارضها.
(فَرْضُهَا) أيْ ما لا بد منه فيها: (التَّحْرِيمَةُ) أي تكبيرة الافتتاح. وسميت تحريمة: لأن بها تَحْرُمُ أمورٌ كانت مباحة قبلها، بخلاف سائر التكبيرات بعدها، والتحريم: جَعْلُ الشيء مُحَرَّماً، والهاء لتحقيق الاسمية. وهي شَرْط عندنا، ورُكْنٌ عند مالك، والشافعي، وأحمد، واختاره الطَّحاوي لقوله ﵊ في حديث طويل أَخْرَجه مسلم عن مُعَاوِية بن الحَكَم السُّلَمِي: «أنَّ هذه الصلاة لا يَصْلُحُ فيها شيء من كلام الناس، إنما هي: التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن». ولأنه يُشْتَرَط لها، ما يُشْتَرَط للصلاةِ: من استقبال القبلة، والطهارة، وستر العورة.
ولنا قوله تعالى: ﴿وذَكَرَ اسْمَ ربِّهِ فَصَلَّى﴾ (١) والكل لا يُعْطَفُ على جزئه بالفاء، وأُجِيبَ عن الحديث: بأنَّ المراد منه أنَّ الصلاة من جنس التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن، لا بيان فرائض الصلاة، وإلاّ لكان التسبيح فرضاً، وبأنَّا لا نُسَلِّمُ اشتراط الطهارة، واستقبال القبلة، وستر العورة للتحريمة، حتى لو أحرم حاملاً للنجاسة، أو مُنْحَرِفاً عن القبلة، أو مكشوف العورة، وأزال ذلك عند الفراغ من التحريمة جاز. ولو سُلِّم اشتراط ذلك للتحريمة، فليس ذلك لنفسها، وإنما هو لأجل ما يتصل بها من الأركان. ولهذا شُرِط لصحتها القيام عند القدرة.
وثمرة الخلاف تظهر في جواز بناء النفل على تحريمة الفرض، فعندنا يجوز، لأنَّ شرط الفرض يَصْلُحُ شَرْطاً للنفل كسائر الشروط. وعندهم لا يجوز، لأنها ركن الفرض، وركن الفرض وجزؤه لا يقع جزأً من النفل.
ثم مُثْبِت فرضيتها، شرطاً كانت أو ركناً، قولُه تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٢) وقد جاء في التفسير: أنه أُرِيدَ به تكبيرة الافتتاح، ولأنَّ الأَمر للإيجاب، وما ورائها ليس
стр. 221
والقِيَامُ، وقِرَاءَةُ آيةٍ، في كُلٍّ من رَكْعَتَي الفَرْضِ،
===
بفرض، فتعين هذا التكبير، لئلا يؤدي إلى تعطيل النص. وقوله ﵊: «مفتاح الصَّلاة الطُّهُور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن عليّ كرّم الله وجهه، وحَسَّنَه النووي.
(والقِيَامُ) يعني في غير السنن، والنوافل لقوله تعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) أيْ ساكتين، أو داعين، أو خاشعين، أو مخلصين، أو طائعين. والمراد في الصلاة لعدم وجوبه في غيرها، ولِمَا رَوَى البخاري، وأحمد والأربعة من حديث عِمْرَان بن حُصَيْن: أَنَّ النبيّ ﷺ قال له: «صَلِّ قائماً، فإنْ لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك».
(وقِرَاءَةُ آيةٍ) طويلة كانت، أو قصيرة لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ (٢) فإنَّها نَزَلَت في الصلاة بدليل سياق الآية، ولقوله ﵊ للمسيء صلاته: «ثم اقرأ ما تيسّر معك من القرآن» (٣) وما دون الآية غير مراد بالإجماع، فتبقى الآية.
(في كُلَ مِنْ رَكْعَتَيّ الفَرْضِ) أي: أيُّ ركعتين كانتا منه. وقال مالك: في أكثره. وقال زُفَر: في ركعة واحدة، وبه قال الحسن البَصْري.
ولنا أنَّ الأمر لا يقتضي التكرار، والركعة الثانية كالأولى في عدم سقوطها في السفر، فتثبت القراءة فيها بطريق الدلالة. وقال الشافعي: يجب قراءة الفاتحة في كل ركعات الفرض، والنفل بناء على أنَّ كل ركعة صلاة على حدة عنده، لقوله ﵊: «لا صلاة إلاَّ بقراءة فاتحة الكتاب» (٤) . وسيأتي عنه الجواب. إلاَّ أنَّ الأفضل أن يقرأ فيما بعد الأُولَيَيْنِ، لأن النبيّ ﷺ داوم على ذلك. كذا ذكره صاحب «الهداية» وفيه: أنه يَلْزَم من المداومة والمواظبة الوجوب، خصوصاً وفي الصحيحين عن أبي قَتَادَة: «أنَّ النبيّ ﷺ كان يقرأ في الأُخْرَيَيْنِ بأُمِّ الكتاب». لكنْ رَوَى أبو داود: «أنَّ ابن عباس سُئِلَ: أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا». ورَوَى الطَّحَاوِيّ عنه أيضاً: أنه قيل له: «إنَّ ناساً يقرؤون في الظهر والعصر،
стр. 222
وفي كُلٍّ مِنْ رَكَعَاتِ الوِتْرِ والنَّفْلِ.
والمُكْتَفِي بها مُسِيءٌ. وعِنْدَهُمَا آيَةٌ طَوِيلَةٌ، أوْ ثَلاثٌ قِصَارٌ. والرُّكُوعُ، والسُّجُودُ
===
فقال: لو كان لي عليهم سبيل لقلعت (١) ألسنتهم، إنَّ رسول الله ﷺ كانت قراءته لنا قراءة، وسكوته لنا سكوتاً».
قال الطَّحَاوِي: وقد رُوِي عنه خلاف ذلك، كما حدَّثنا صَالِحُ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيّ: حدَّثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُور: حدَّثنا هُشَيْم: أخبرنا حُصَيْن، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: «حَفِظْتُ السُّنَّة، غير أَنِّي لا أَدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر، أم لا»؟ فهذا يدل على أنه ما تحقق عنده قراءة رسول الله ﷺ وعند غيره تحقَّق، كما هو مقرر في محله، ومن حَفِظَ حجةٌ على من لم يَحْفَظ.
مع أنه قد رُوِيَ عن ابن عباس مِنْ رأيه ما يدل على خلاف ذلك، كما رواه الطحاوي بسنده عنه أنَّه قال: «اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب في الظهر والعصر». وفي رواية له عنه: «لا تُصَلِّ صلاة إلاَّ قرأت فيها، ولو بفاتحة الكتاب». كذا حقّقه الطحاوي وتَبِعَه بعض المخرّجين.
والظاهر أنَّ جزمه بناءً على غلبة الظن، وتردده بناء على عدم تحقّقه عنده، إنَّما هو في الركعتين الأُخْرَيَيْن من الظهر والعصر، وهو لا ينافي ما تقدَّم. والله سبحانه أعلم.
(وفي كُلَ مِنْ رَكَعَاتِ الوِتْرِ والنَّفْلِ) أمّا النفل، فلأن كل شَفْعٍ منه صلاةٌ على حدة، فصار كركعتي الصبح، ولهذا لا يُؤَثِّرُ فساد شفع منه فيما قبله (٢) . وأمّا الوِتْر فلإلحاقه بالنفل احتياطاً، لأنَّ دليل وجوبه ليس بقطعي. (والمُكْتَفِي بها) أي بالآية (مُسِيءٌ) أيْ آثم لتركه الواجب: وهو قراءة الفاتحة. (وعِنْدَهُمَا) وهو رواية عن أبي حنيفة: فَرْضُ القراءة (آيَةٌ طَوِيلَةٌ أوْ ثَلَاثٌ قِصَارٌ) لأَنَّه لا يُعَدُّ قارئاً في العُرْفِ بدون ما ذُكِرَ.
(والرُّكُوعُ) عطف على التحريمة (والسُّجُودُ) لقوله تعالى: ﴿يَا أيُّها الذين آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ (٣) فأركان الصلاة شُرِعَت في كتاب الله متفرقة، وعُرِفَ الترتيب
стр. 223
بالجَبْهَةِ والأَنْفِ، وبهِ يُفْتَى
===
بفعل رسول الله ﷺ وقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ للنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ (١) . والظاهر: أن السجود الثاني فرض عملي، لأنه لم يثبت بدليل قطعي، وقيل: تَثْبُت فرضيته بالإجماع، حتى تفسد الصلاة بترك واحدة منهما.
ثم تَكْرَارُ السجود دون الركوع أمر تعبدي. وقيل: الأُولى لامتثال أمر المولى، والثانية لرغم إبليس حيث لم يسجد استكباراً. وقيل: الأُولى للأمر، والثانية للشكر. وقيل: الأُولى للإيمان، والثانية لبقاء الإيمان. وقيل: الأُولى إشارة إلى خلق الإنسان ابتداء، والثانية لبقاء الأمان. وقيل: الأُولى إشارة إلى خلق الإنسان ابتداء، والثانية إيماء إلى حالته انتهاءً. كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿منها خَلَقنَاكُمْ وفِيهَا نُعِيدُكُمْ ومِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (٢) .
وإنَّما يكونُ السجود (بالجَبْهَةِ والأَنْفِ) أيْ مَعاً خلافاً لبعضهم (وبِهِ) أيْ بالجمع بينهما (يُفْتَى) فلو سجد على الجبهة وحدها، أو على الأنف وحده من غير عذر، لا يكون آتياً بالفرض. وهو قول أبي يوسف، ومحمد، ورواية أسد عن أبي حنيفة. والمشهور عنه (٣) : إنْ اقتصر على أحدهما جاز، كما في «الهداية». وقيل: الاقتصار على الجبهة من غير عذر جائز بالاتفاق، كما في شَرْحَي «المجْمَع» و «الكنز».
ولا يُقَامُ السجود على الذقن، والخد مُقَام السجود على الجبهة والأنف. وأما وضع القدم على الأرض في الصلاة حالة السجدة ففرض، كما في «الخلاصة». ولو وضع أحدهما دون الآخر تجوز صلاته، كما لو قام على قدم واحد، كما في «التجريد». وقيل: ووضع القدم بوضع أصابعه، وإنْ وضع أصبعاً واحدة. وقيل: وَضْعُ القدم ليس بفرض، بل هو سنّة. ويُفْتَرض وضع اليدين والركبتين في السجود على الصحيح لقوله ﵊: «أُمِرْتُ أنْ أسْجُدَ على سبعة أَعْظُمٍ: الجبهة، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين». متّفق عليه.
وقوله ﵊: «إذا سَجد، سجد معه سبعة آراب (٤) : وجهه، وكفّاه، وركبتاه، وقدماه» رواه أصحاب «السنن الأربعة»، ورواه البَزَّار في «مسنده»
стр. 224
والقَعْدَةُ الأَخِيرَةُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ،
===
بلفظ: «أُمِرَ العبد أنْ يسجد على سبعة آراب». وكذا الطحاوي بلفظ «السنن» وزاد: «أيُّها لم يضعه فقد انتقص». وقيل: يُسَنُّ وضع اليدين والركبتين لقوله ﵊: «مثَلُ الذي يُصلي وشعره معقوص (١) ، كمثل الذي يصلّي وهو مكتوف» (٢) ، فالتمثيل يدل على نفي الكمال دون نفي الجواز، ولأنَّ ماهية السجدة حاصلة بوضع الوجه والقدمين على الأرض، فكان وضع اليدين والركبتين متمّماً ومكمّلاً، لا داخلاً في الماهية.
فإنْ قيل: روى مسلم من حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: «أُمِرْتُ أنْ أسجد على سبع، ولا أَكْفِتَ (٣) الشعر ولا الثياب ـ أي لا أضمهما ـ: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين»، والمعدود فيه ثمانية أَعْظُم لا سبعة. فالجواب أنَّ الجبهة والأنف عضو واحد، لأن الجبهة هي العظم الذي منه الأنف. وروى الترمذي وقال: حسن صحيح، عن أبي حُمَيْدٍ: «أنَّ النبيّ ﷺ كان إذا سجد مَكَّنَ جبهته وأنفه من الأرض». ولو سجد على كَور عِمامته وطرف ثوبه جاز، خلافاً للشافعيّ.
ولنا حديث أنس قال: «كُنّا نصلّي مع النبيّ ﷺ في شدّة الحر، فإنْ لم يستطع أحدنا أنْ يُمَكِّنَ جبهته من الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه». رواه الشيخان وقال البخاريّ في «صحيحه»: قال الحَسَنُ: كان القوم يسجدون على العِمَامَةَ والقَلَنْسُوَة»، كذا ذكره علماؤنا. وليس نصَّاً في المُدَّعى كما لا يخفى، إذ الشافعيّ يمنع جواز السجدة على ملبوس المصلي لا مطلق الثوب إذا فُرِشَ وصُلِّيَ عليه، مع الاحتياج إلى تقريره ﵊ أيضاً على فرض ثبوته وتقديره.
(والقَعْدَةُ الأَخِيرَةُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ) أيْ مقدار ما يسع فيه قراءته إلى: «عبده ورسوله»، لا بقدر إيقاع لفظ السلام، كما قال مالك، فإنَّ السلام فرض عنده فيقدر محله وهو القعود بقدره. وزعم بعض مشايخنا أنَّ القدر المفروض من القعدة ما يأتي فيه بكلمتي الشهادة.
ثم القعدة الأخيرة فرض لا ركن خلافاً للشافعيّ، وإنّما كانت فرضاً لقوله تعالى:
стр. 225
والخُرُوجُ بِصُنْعِهِ.
===
﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (١) ، وقد التحق فعل النبيّ ﷺ وقوله بها بياناً، وهو لم يفعلها قط بدون القعدة الأخيرة. والمواظبةُ من غير ترك دليلُ الفرضية، وإذا وقع بياناً للفرض على الصلاة المجملة، كان متعلقها فرضاً بالضرورة إلاَّ ما خرج بدليله.
وقد روى أحمد وأبو داود والطَّحَاوِيّ عن ابن مسعود: «أنَّ النبيّ ﷺ أخذ بيده وعَلَّمه التشهد». وفي آخر الحديث: «إذا قلت هذا أو قَضَيْتَ هذا فقد قُضِيَتْ صلاتك، إنْ شِئْتَ أنْ تقوم فقم، وإنْ شئت أن تَقعد فاقعد»، فعلّق ﵊ تمام الصلاة بالقعود مع القراءة، وبالقعود بدونها. لأن معنى قوله: «إذا قلت هذا»: أيْ التشهّد في القعود، لأن قول التشهّد بدون القعود غير معتبر. وقوله: «أو قضيت هذا»: أيْ نفس القعود. فـ «أو» للتنويع، لا لشك الراوي.
فإنْ قيل: لا يلزم من تعليق التمام بالقعود كونه فرضاً، لجواز أنْ يكون واجباً، فإنَّ الواجب أيضاً متمّم. أُجِيبَ بأنَّ قراءة التشهد من الواجبات، ولم يُعَلَّقْ التمام بها. فَعُلِمَ أنَّ المراد تمام الفرائض. هذا، وحديث ابن مسعود من غير هذه الزيادة متّفق عليه. وقال النووي: اتفق الحُفَّاظُ على أنها مدرجة، ليست من كلام النبيّ ﷺ وأنها من كلام ابن مسعود. جاء ذلك صريحاً بإدراجها، وقد أوضح ذلك الدَّارقُطْنِيّ والبيهقيّ وغيرهما. قلت: على الفرض والتسليم، فمثل هذا لا يُعْرَفُ إلاَّ سَمَاعاً، فهو في حكم المرفوع إجماعاً (٢) .
(والخُرُوجُ) أي من الصلاة (بِصُنْعِهِ) أي بفعل المصلي ما ينافيها، وهذا عند أبي حنيفة على تخريج البَرْدَعِي، لأَنَّ للصلاة تحريماً وتحليلاً. فلا يخرج منها إلاَّ بالصنع كالحج. وأما على تخريج الكَرْخِيّ فليس بفرض وهو الصحيح، لأنه ثَبَتَ بدليل ظنِّي: وهو ما رُوِيَ عن عبد الله بن عمر مرفوعاً: «إذا قعد الإمام في آخر صلاته ثم أحدث قبل أن يتشهد (فقد تمت) (٣) صلاته». وفي رواية: «قبل أنْ يُسَلِّم». وفي رواية: «قبل أنْ يتكلَّم» رواه أبو داود والترمذي والبيهقي. وقال الشافعيّ: الخروج من الصلاة بلفظ السلام فرض لقوله ﵊: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (٤) .
стр. 226
[واجِبَاتُ الصَّلاةِ]
وَوَاجِبُهَا: قِرَاءةُ الفَاتِحَةِ، وضَمُّ سُورَةٍ، أو ثَلاثِ آيَاتٍ،
===
قلنا الحديث ظنّي وإنما يفيد الوجوب عندنا، وإنما فُرِضَ التكبير بدليل آخر، فتدبر. بل التحقيق أنَّ لفظ التكبير في التحريمة واجب، والشروع بذكر الله فرض، كما تقدم، والله أعلم.
(وَاجِبَاتُ الصَّلاةِ)
(وَوَاجِبُهَا: قِرَاءةُ الفَاتِحَةِ) وقال مالك، والشافعي، وأحمد: هي رُكْنٌ لما في الكتب الستة عن عُبَادَةَ بن الصَّامتِ قال: قال رسول الله ﷺ «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». ورواه الدَّارَقُطْنِيّ عن زِياد بن أيوب بلفظ: «لا تُجْزِاءُ صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وفي «صحيح مسلم»: «من صلَّى صلاة لم يقرأ فيها بأمِّ القرآن فهي (١) خِدَاج ثلاثاً»، أيْ: ناقصة. وإذا أُطلق النقصان، فالأصل صِدقُهُ على النقصان في الماهية إلاَّ أنْ يقوم الدليل على أنه في الأوصاف.
ولنا ما في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة قال: «دخل رجل المسجد فصلّى والنبيّ ﷺ في المسجد، ثم جاء فسَلَّمَ، فردَّ ﵇، وقال: ارجِع فصلِّ فإنك لم تصلِّ، ففعل ذلك ثلاث مرات فقال: والذي بعثك بالحق ما أُحْسِنُ غير هذا فَعَلِّمْنِي فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اجعل ذلك في صلاتك كلها».
وأُجِيبَ عن حديث عُبَادَة: بأنَّ المراد به نَفْيُ الفضيلة نحو: «لا صلاة لجار المسجد إلاَّ في المسجد». رواه الدَّارَقُطْنيّ بحديث ضعيف عن جابر، عن أبي هريرة، والحاكم في «مستدركه»، وسكت عنه. وقال ابن حَزْم: وهو صحيح عن عليّ. وأمّا الجواب عن رواية زِيَاد بن أيوب: فبأنها شاذة، إذ رواية غيره: «لا صلاة لمن لم يقرأ»، وكأن زياداً زاد في المبنى وروى بالمعنى.
(وضَمُّ سُورَةٍ أو ثَلَاثِ آيَاتٍ) لمواظبته ﵊ عليه، ولِمَا رَوَى أبو داود، وابن حبَّان عن أبي سعيد قال: «أُمِرْنا أنْ نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسّر». ولفظ
стр. 227
وَرِعَايَةُ التَّرْتِيبِ، والقَعْدَةُ الأُولَى، والتَّشَهُّدُ،
===
ابن حبَّان: «أَمرَنا رسول الله ﷺ . ولقوله ﵊: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب فما زاد». رواه جماعةٌ: منهم الحاكم وقال: حديث صحيح، وفي رواية لمسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن فصاعداً». وفي رواية للترمذيّ، وابن ماجه: «لا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها».
ولقوله ﵊: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب وآيتين من القرآن». أي طويلتين، رواه الطبرانيّ. ولقوله ﵊: «لا تُجْزِاء المكتوبة إلاَّ بفاتحة الكتاب وثلاث آياتٍ فصاعداً». رواه ابن عَدِيّ. ولقول أبي سعيد: «أُمِرْنَا أنْ نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسّر». رواه أبو داود. ولقوله ﵊: «لا تُجْزِاءُ صلاة لا يُقْرَأُ فيها بفاتحة الكتاب، وشيء معها من القرآن». رواه أبو نُعَيْم الحافظ. وبهذا اسْتُدِلَّ لأحد قولي مالك على فرضية الضم. وقال مالك في رواية، والشافعيّ: ضم السورة سنة.
(وَرِعَايَةُ التَّرْتِيبِ) بين القيام، والقراءة، والركوع، والسجود، واجبٌ. وقال زُفَر: فرض، لأن الصلاة كانت مُجْمَلة، ولم يقع البيان من النبيّ ﷺ إلاَّ كذلك. وأمَّا الترتيب بين التحريمة، والقعدة الأخيرة ففرض اتفاقاً. وفي «المحيط»: القيام والركوع والقعدة لا يُقْضَى بعد فواته لأنه لم يُشرع قُرْبةً بانفراده. والقراءة والسجدة الصُلْبِيَّة وسجدة التلاوة تُقْضَى ما دام في الصلاة، لأنها شُرِعت قربة بانفرادها. انتهى.
ولا يخفى أنّ قضاء القراءة لم يتصوّر في الصبح (١) وكذا في الوتر والنوافل. وقيل: يجب الترتيب في فعل مكرّر في ركعة، كالسجدة حتّى لو ترك الثانية وقام إلى الركعة الأخرى لا تفسد صلاته. وأمّا تقديم القيام على الركوع، والركوع على السجود، فإنه فرض. لأنَّ الصلاة لا توجد بدون ذلك. كذا في «مواهب الرحمن» وغيره. وفيه نظر لأنهم قالوا: يجب سجود السهو بتقديم ركن، وأوردوا نظيره: الركوع قبل القراءة. وسجدة السهو لا تجب إلاّ بترك الواجب، فعُلِمَ أنَّ الترتيب بين الركوع والقراءة واجب.
(والقَعْدَةُ الأُولَى) واجبة على الصحيح لمواظبته ﷺ عليها، وسجوده للسهو لَمّا تركها وقام ساهياً. وقال الطَّحاوِي والكَرْخِي: هي سنّة. (والتَّشَهُّدُ) أي جنسه الشامل
стр. 228
ولَفْظُ السَّلامِ، وقُنُوتُ الوِتْرِ، وتَكْبِيراتُ العِيدَيْنِ،
===
للأول والثاني، وفي بعض النسخ: والتشهدان بلفظة التثنية، لقوله ﵊ لابن مسعود: «قل: التحيات» (١) من غير تفرقة بين الأول والثاني، وإذا وجب التشهد الأول وجبت قعدته. وقال مالك والشافعيّ: هما سنتان، وقال أحمد: فرضان ويُجْبَران بالسجود. ثم اعلم أنَّ صاحب «الهداية» عد في هذا الباب: قراءة التشهد في القعدة الأخيرة من الواجبات، وسكت عن قراءة الأولى، وذكر في باب السجود أنَّ قراءته في القعدة الأولى واجبة. فقول المصنف في شرح «الوقاية» وفي «الهداية»: إن قراءة التشهد في القعدة الأولى سنّة، غير مستقيم.
(ولَفْظُ السَّلامِ) أيْ الخروج من الصلاة بلفظ السلام واجب، وقال مالك: التسليمة الأولى فرض. وقال الشافعي وأحمد: التسليمتان فريضتان. وقال سفيان الثوريّ والأوزاعي: سنتان.
لنا: أنَّ النبيّ ﷺ لم يُعَلِّمْه الأعرابي حين عَلَّمَه الصلاة، ولو كان فرضاً لعلَّمه. وقوله ﵊: «إذا قضى الإمام الصلاة وقعد، فأحدث قبل أنْ يتكلم فقد تمّت صلاته، ومن كان خلفه ممن أتَمَّ الصلاة». رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث ليس إسناده بالقوي وقد اضْطَرَبُوا فيه. رواه الطَّحَاوِي عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ «إذا قضى الإمام الصلاة وقعد، فأحدث هو، أو أحد ممن أتَمَّ الصلاة معه قبل أنْ يُسَلِّمَ الإمام، فقد تمّت صلاته، فلا يعود فيها». وفي لفظ: «إذا رفع المصلي رأسه من آخر صلاته وقضى تشهّده ثم أحدث فقد تمّت صلاته، فلا يعود لها». وفي لفظ: «من أخَّرَ السجود فقد تمّت صلاته إذا هو أحدث»، ونحوه عن عليّ والحسن وابن المُسَيَّب (وعَطَاء وإبراهيم النَخَعِي.
وأما حديث: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم») (٢) فيفيد الوجوب وقد قلنا به. ولا يُلحق التحليل بالتكبير لثبوته بدليل آخر قطعي، كما تقدم والله تعالى أعلم.
(وقُنُوتُ الوِتْرِ وتَكْبِيراتُ العِيدَيْنِ) ولهذا يجب سجود السهو بتركها، كذا ذكره
стр. 229
وَتَعْيينُ الأُولَيَيْنِ للقِرَاءَةِ، وتَعْدِيلُ الأَرْكَانِ،
===
الشارح ولم يُظْهِر دليل وجوبهما، ولعله المواظبة عليهما من غير تركهما.
(وتَعْيينُ) الركعتين (الأُولَيَيْنِ للقِرَاءَةِ) لأَنه ﵊ واظب على القراءة فيهما دون غيرهما، ولِمَا رُوِيَ: «أنَّ عمر ترك القراءة في ركعة من صلاة المغرب، فقضاها في الركعة الثالثة، وأنَّ عثمان ترك القراءة في الأُولَيَيْنِ مِنْ صلاةِ العِشَاءِ، فقضاها في الأُخْرَيَيْنِ وجهر». كذا ذكره في «المبسوط».
(وتَعْدِيلُ الأَرْكَانِ) أي تسوية الجوارح في الركوع والسجود حتى تطمئن، وهذا على تخريج الكَرْخِيّ، لأنَّ التعديل شُرِع لتكميل الأركان فيجب كقراءة الفاتحة. وعلى تخريج الجُرْجَانِيّ: هو سنةٌ كتعديل القَوْمَةِ والجَلْسَةِ، وبه قال بعض المالكية. ويؤيّد الأول مواظبته ﵊ (فعلاً وقولاً، وقد نَزَّل الله الأحكام في كتابه مجملاً، فَبَيَّنه ﵊ (١) مفصَّلاً، وقد ثبت عنه ﷺ : «صلّوا كما رأيتموني أُصَلِّي» (٢) وقد ركع، واطمأنّ وأتمَّ القومة والقعدة. فيكون إمّا واجباً، وإمّا فرضاً، كالقعدة الأخيرة المحتج بها بالمواظبة بل أوْلَى لِمَا سيأتي من الأحاديث الواردة.
وقال أبو يوسف، وهو قول مالك والشافعيّ وأحمد: تعديل الركوع والسجود والقيام عنهما والجلوس بين السجدتين فرض، لقوله ﷺ للمسيء صلاته: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ». رواه الشيخان، والترمذي، وأبو داود وغيرهم.
ولهما أنَّ الله تعالى أمر بالركوع: وهو الانحناء، وبالسجود: وهو وضع الجبهة على الأرض، فتَتَعَلَّق الفرضية بهما. وقد روى أبو داود والترمذيّ والنَّسائيّ في آخر حديث المسيء صلاته: «فإذا فعلت هذا فقد تمّت صلاتك، وما انتقصت من هذا فإنما انتقصت من صلاتك». فوصفها بالنقصان عند فقد التعديل، ولو كانت باطلة لوصفها بالزوال والذهاب. وأيضاً لو كان التعديل فرضاً، لَمَا أقرّه ﵊ إلى آخر الصلاة، ولأمره بالإعادة على الفور لأنَّ المُضِيَّ على الفاسد عبث، وإنما أمره بالإعادة جبراً للنقصان، وزجراً له عن العادة الذميمة، وبهذا نقول. فعن السَّرَخْسِي: مَنْ تَرَكَ الاعتدال تلزمه الإعادة. ومن المشايخ من قال: يلزمه، ويكون الفرض هو الثاني. ولا
стр. 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إشكال في وجوب الإعادة إذ هو الحكم في كل صلاة أُدِّيَت مع الكراهة التحريمية، ويكون جابراً للأول لأن الفرض لا يتكرر. وجَعْلهُ الثاني يقتضي عدم سقوطه بالأول، وهو لازم من ترك الركن لا الواجب.
وقال بعض المحققين: وينبغي أنْ تكون القَوْمة والجَلْسة واجبتين للمواظبة، ولعله كذلك عندهما ويدل عليه إيجاب سجود السهو فيه كما ذُكِرَ في «فتاوي قَاضِيخَان» في فصل ما يُوجب السهو، قال: المصلي إذا ركع ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خرّ ساجداً ساهياً، تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد وعليه السهو. ويُحْمَل قول أبي يوسف: أنها فرائض، على الفرائض العملية وهي الواجبة، فيرتفع الخلاف. انتهى. إلاَّ أنَّ الحَمْلَ بعيد، لِحُكْمِهِ عند فوتها بعدم الصحة، عمداً كان أو سهواً وحكمهما بصحتها ناقصة في الأول، مجبورة بسجود السهو في الثاني.
ثم اعلم أنَّ المراد من حديث المسيء صلاته ما ورد في «الصحيحين» عن أبي هريرة من قوله ﷺ للأعرابي الذي دخل المسجد، فصلّى ثم جاء فسلّم عليه، فقال: «ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ». حتى فعل ذلك ثلاث مرار فقال الرجل: «والذي بعثك بالحق ما أُحْسِنُ غير هذا فَعَلِّمْنِي، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئنَّ راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اجلس حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، فإذا فعلت هذا فقد تَمَّتْ صلاتك».
زاد أبو داود: «وما انْتَقَصْتَ من هذا، فقد انْتَقَصْتَ من صلاتك»، وفي الترمذي: فقال الرجل في آخر ذلك: «فأرِنِي وعَلِّمْني، فإنما أنا بشر أُصيب وأخطاء، فقال: أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهَّد فأقم أيضاً، فإنْ كان معك قرآن فاقرأ، وإلاّ فاحمد الله وكَبِّره وهَلِّله، ثم اركع فاطمئن راكعاً، ثم اعتدل قائماً، ثم اسجد فاعتدل ساجداً، ثم اجلس فاطمئنَّ جالساً، ثم قم، فإذا فعلت ذلك فقد تَمَّتْ صلاتُك، وإن انتقصتَ منه شيئاً فقد انتقصت من صلاتك».
وفي النّسائي: «فدخل رجل فصلّى ركعتين ثم جاء فسلّم على النبيّ ﷺ وقد كان يَرْمُقُه (١) في صلاته فَرَدَّ ﵇، ثم قال ارجع فصلّ حتى كان عند الثالثة أو
стр. 231
والجَهْرُ والإِخْفَاءُ فيما يَجْهَرُ ويُخْفِي.
===
الرابعة، فقال: والذي أنزل عليك الكتاب لقد جَهِدْتُ، فأرني وعَلِّمْنِي، قال: إذا أردت أن تصلي فتوضأ، فأحسن وضوءك ثم استقبل القبلة، فكبّر ثم اقرأ، ثم اركع»، وساقه بمعنى رواية أبي داود.
هذا، وفي «السنن الأربعة» من قوله ﵊: «لا تُجْزِاء صلاة لا يُقيم الرجل فيها ظهره في الركوع والسجود». قال الترمذي: حديث حسنٌ صحيحٌ. وفي ابن ماجه عن عبد الله بن بَدْر أنَّ عبد الرحمن بن علي حدَّثه: «أنه أتاه عليّ بن شيبان وحدَّثه: أنَّه خرج وافِداً إلى رسول الله ﷺ قال: فَصَلَّيْنَا خلف رسول الله ﷺ فلمح بمؤخر عينه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف قال: يا معشر المسلمين إنه لا صلاة لمن لم يُقِم صلبه في الركوع والسجود».
وفي البخاري عن حُذَيْفَة: «أنه رأى رجلاً لا يتم ركوعاً ولا سجوداً، فلما انصرف عن صلاته دعاه حُذَيْفَة فقال له: منذ كم صليت هذه الصلاة؟ قال: صليتها منذ كذا وكذا، فقال حُذَيْفَة: ما صلّيت بَعْدُ صلاة وأحسبه قال (١) : ـ ولو مُتَّ، مُتَّ على غير سنّة محمّد ﷺ . ومثل هذا إنما يقال سماعاً لا رأياً.
(والجَهْرُ والإِخْفَاءُ) أي يجبان على الإمام (فيما يَجْهَرُ ويُخْفِي) فيجهِر القراءة في صلاة الفجر وأُولَيَي العشائين (٢) ، ولو كانت الصلاة قضاء، لقضية ليلة التَّعْرِيس (٣) في الأصح. وجهر المنفرد أفضل، وكذا يجب الجهر في الجمعة والعيدين لورود النقل المستفيض به. ويجب الإسرار في غيرها من الصلاة في الركعات، لما روى أبو داود في مراسيله عن الحسن، قال: «سَنَّ رسول الله ﷺ أي شرع ـ أن يُجْهَرَ بالقراءة في الفجر بالركعتين كلتيهما ويقرأ في الركعتين الأُولَيَيْنِ في صلاة الظهر بأمّ القرآن وسورة في كل ركعة سراً في نفسه، ويقرأ في الركعتين الأُخْرَيين من صلاة الظهر بأمّ القرآن في كل ركعة سرّاً في نفسه، ويفعل في العصر مثل ما يفعل في الظهر.
ويجهر الإمام بالقراءة في الأُولَيين من صلاة المغرب، ويقرأ في كل ركعة منهما بأم القرآن وسورة، ويقرأ في الركعة الآخرة من صلاة المغرب بأمّ القرآن سراً في نفسه، ثم يجهر بالقراءة في الركعتين الأُولَيين من صلاة العشاء بأمّ القرآن وسورة، ويقرأ في
стр. 232
[سُنَنُ الصَّلاةِ]
وَسُنَّ غَيرُها أو نُدِبَ. فإذَا أرَادَ الشُّرُوعَ كَبَّرَ بِلا مَدِّ الهَمْزَةِ والبَاءِ، مَاسًّا بإبْهَامَيهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ
===
الركعتين الأُخْرَيين في نفسه بأمّ القرآن، وينصت من وراء الإمام ويستمع لِمَا يجهر به الإمام، لا يقرأ معه أحد، ويتشهد سراً في نفسه في الصلاة حين يجلس الإمام والناس خلفه في الركعتين».
وقد ورد في مواقيت الصلاة من حديث أنس ما معناه: «أنه ﷺ أَسَرَّ في الظهر والعصر، والثالثة من المغرب، والأُخْرَيَين من العشاء، وَجَهَرَ في الفجر وأولَيي المغرب والعشاء. وقيل: إنَّ الجهر والإخفاء فيما يُجْهَرُ به ويُسَرُّ سُنَّتَان، لأنهما ليسا بمقصودين، وإنما المقصود القراءة. ويجب الإسرار في نفل النهار لقول مجاهد: «صلاة النهار عَجْمَاء» (١) ، وخُيِّر المنفرد فيما يجهر به كنَفْل الليل، فإن شاء جهر، وهو أفضل من المخافتة تَشبُّهاً بالجماعة، وإن شاء خافت لعدم من يسمعه.
(سُنَنُ الصَّلاةِ)
(وَسُنَّ غَيْرُها) أي غير المذكورات من الفرائض والواجبات، وفي بعض النسخ: غيرهما، أي غير نوع الفرائض والواجبات، (أو نُدِبَ) أي استحب مما سيذكر في صفة الصلاة إجمالاً ونبين تفصيلاً.
(فإذَا أرَادَ الشُّرُوعَ) في الصلاة (كَبَّرَ) تكبيرة الافتتاح قائماً، فلو كَبَّر قاعداً ثم قام لا يكون شارعاً، ولو جاء والإمام راكع فحنى ظهره وكَبَّر: إنْ كان إلى القيام أقرب جاز، وإلاَّ فلا، ولو أدرك الإمام راكعاً فكبَّر قائماً يريد تكبيرة الركوع جاز، لأن إرادته لغت، فَبَقِيَ تكبيره حالة القيام للتحريمة، كذا في «المحيط».
(بِلَا مَدِّ الهَمْزَةِ والبَاءِ) لأنَّ مدّ الهمزة في الجلالة وفي أكبر استفهامٌ مفسِد للصلاة، وعمدُه كفر، وأما مدّ الباء فيصير اللفظ به أكْبَار جمع كَبْر بفتح فسكون وهو الطبل. وقيل: اسم الشيطان فيفسدها، وعمده كفر. وقيل: لا يفسدها، لأنه إشباع، وهو لغة قوم. وأما مد الألف في آخر الجلالة فلا يضر للصلاة، إلاَّ أنه لا يجوز زيادة على قدر ألف في الوصل وعلى ثلاث ألِفَات في الوقف، وجزم الهاء خطأ.
(مَاسَّاً) أي واصلاً (بإبْهَامَيْهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ) ليتيقن محاذاة يديه لأذنيه، فإن محاذاتهما سنة عندنا، وهو رواية عن أحمد، لما رَوَى مسلم من حديث وَائِل بن
стр. 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حُجْر: «أنه رأى النبيّ ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، ووضَعَهما حِيَال أذنيه، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع، أخرج يده من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبّر فركع، فلما قال: سمع الله لِمَنْ حَمِدَه رفع يديه، فلما سجد، سجد بين كفّيه».
وروى الطحاوي والدَّارَقُطْنِيّ وإسحاق بن رَاهُويه من حديث يَزِيد بن أبي زِيَاد، عن عبد الرّحْمَن بن أبي ليلى، عن البَرَاء بن عازب قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى رفع يديه حتى كان إبهاماه حذاء أذنيه». زاد الدَّارَقُطْنِيُّ فيه: «ثم لم يعد». وروى هو في «سننه»، والحاكم في «مستدركه»، عن أنس قال: «رأيت رسول الله ﷺ كبّر فحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم ركع حتى استقر كل مَفْصِل منه، وانحط بالتكبير حتى سبقت يداه ركبتيه». قال الحاكم: إسناده صحيح على شرط الشيخين، ولا أعلم له علّة، ولم يخرجاه. وروى الدَّارَقُطْنِيّ بطريق آخر (عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة كبَّر، ثم رفع يديه حتى) (١) يحاذي إبهاميه أذنيه، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك … » إلخ، وقال: رجال إسناده كلهم ثقات.
وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله ﷺ «لا تُرْفَع الأيدي إلاَّ في سبع مواطن: تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة القنوت، وتكبيرات العيدين، وذَكَرَ الأربع في الحج»، فغير معروفٍ رَفْعُهُ، فإنما ثبت وقفه على النَّخَعِيّ من قوله، كذلك رواه الطحاويّ عن سُلَيْمَان ابن شُعَيْب، عن أبيه، عن أبي يُوسف، عن أبي حنيفة، عن طَلْحَة بن مُصَرِّف، عن إبراهيم النَّخَعِي، قال: «تُرْفَعُ الأَيدي في سبع مواطن: في افتتاح الصلاة، وفي التكبير للقنوت في الوتر، وفي العيدين (٢) ، وعند استلام الحجر، وعلى الصفا والمروة، وبِجَمْعٍ وعرفات، وعند المقامين، ثم عند الجمرتين».
والمرفوع من ذلك ما رواه الشافعي و (الطحاوي) (٣) والبَزَّار في آخرين. وهذا لفظ البَزّار عن المُحَارِبي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس وعن نافع، عن ابن عمر، قالا: قال رسول الله ﷺ «تُرْفَع الأيدي في سبع مواطن: عند افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين والجمرتين». وقال مالك والشافعي، وهو رواية عن أحمد: يرفع يديه حذو منكبيه، لِمَا رَوَى الجماعة
стр. 234
والمَرْأةُ تَرْفَع يَدَيْهَا حِذَاءَ مَنْكِبَيْهَا.
ويَجُوزُ بِكُلِّ مَا دَلَّ عَلَى تَعْظِيمٍ،
===
عن عبد الله بن عمر: «أنَّ النبيّ ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبَّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع».
قلنا: لا معارضة بين المحاذاتين لِمَا في أبي داود عن وائل (بن حُجْر) (١) : «أنه أبصر النبيّ ﷺ حين قام إلى الصلاة رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه». والذي نصَّ على محاذاة الإِبهامين بالشحمتين وَفَّقَ في التحقيق بين الروايتين فتعيّن اعتباره، إذ محاذاة الشحمتين بالإبهامين تُسَوِّغ حكاية محاذاة اليدين بالمَنْكِبين والأذنين، لأن طرف الكف مع الرسغ يحاذي المَنْكِب أو يقاربه، والكف نفسه يحاذي الأذن، واليد تطلق على الكف إلى أعلاها. ولئن سلّمنا، فجاز أنه رفع إلى الأذنين تارةً، وإلى المنكبين أخرى، فيكون إلى الأذنين من سنن الهُدى أو الزوائد، لما روينا في» الشفاء» (٢) من قوله ﷺ «إذا قمتم إلى الصلاة، فارفعوا أيديكم، ولا تخالف آذانكم». ولا دليل على نسخ الأدنى للأعلى.
قال ابن المُنْذِر: لم يختلف أهل العلم أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. انتهى. وقد روى البخاري عن أنس: «أنَّ النبيّ ﷺ كان إذا دخل في الصلاة كبَّر ورفع يديه .. » الحديث. وعن عليّ: «أنّه ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبّر ورفع يديه … » الحديث. رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. وعن مالك بن الحُوَيْرِث: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا كبَّر رفع يديه … » الحديث. رواه مسلم، وأصله في البخاري.
ثم يُسَنُّ نشر الأصابع عند الرفع بلا ضمّ ولا تفريج والأوْلى خروجها عن كُمّيْه، ثم قال أبو يوسف: يرفع يديه مقارناً للتكبير، وهو اختيار بعض المشايخ. وقال أبو حنيفة ومحمد: يرفع يديه ثم يكبر لأن في الرفع نفي الكبرياء عن غيره تعالى بطريق الإشارة، وفي التكبير إثبات الكبرياء له تعالى على سبيل العبادة. والنفي مقدم على الإثبات كما في كلمة الشهادتين. وفي «الهداية»: وهو الأصح.
(والمَرْأةُ تَرْفَع يَدَيْهَا حِذَاءَ مَنْكِبَيْهَا) لأنه أستر لها.
(ويَجُوزُ) الشروع في الصلاة (بِكُلِّ مَا دَلَّ عَلَى تَعْظِيمٍ) وتبجيل من تسبيح
стр. 235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وتهليل، لأن التكبير في اللغة: التعظيم، قال تعالى: ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّر﴾ (١) أي فَعَظِّم، وقال: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ (٢) أي عَظَّمْنَهُ، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وفي «المحيط»: ورُوِيَ عن أبي حنيفة: أنه كرِه الافتتاح إلاَّ بـ: الله أكبر، والأصح أنه لا يُكْرَه، ذكره الشارح. قلت: الأصح أنه بدونه يُكْرَه لأنَّ مواظبة النبيّ ﷺ تفيد الوجوب، مع الخلاف في صحّة الشروع بغيره. ثم رأيت «الذخيرة» صرّح بأنه يُكْرَه بغير التكبير. وعند أبي يوسف: لا يصحّ الشروع في الصلاة لمن يُحْسِن التكبير إلاّ بـ: ـالله أكبر، أو: الله الأكبر، أو: الله الكبير، أو: الله كبير.
وعند الشافعي: لا يجوز إلا بالأوَّلين (٣) . وعند مالك وأحمد: لا يجوز إلاَّ بالأوّل (٤) ، لأنه المنقول عن النبيّ ﷺ وهو مُبَيِّنٌ لِمَا في الكتاب من التكبير المبهم. وللشافعي: أنَّ: الله الأكبر أبلغ من الله أكبر، لأن تعريف الخبر يفيد حصره في المبتدأ. ولأبي يوسف: أن أفعل التفضيل إذا لم يكن في أصله مشاركة كما في صفات الله سبحانه، لا يكون بمعنى التفضيل نحو: ﴿وهُوَ أَهْوَنُ عليه﴾ (٥) فيكون أكبر في حقّه تعالى بمعنى كبير، ولأبي حنيفة: قوله تعالى: ﴿وذَكَرَ اسْمَ ربِّه فَصَلَّى﴾ (٦) فإنه بإطلاقه يدل على جواز الشروع في الصلاة بكل ذِكْرٍ على سبيل التعظيم: كـ: الله أجلّ، والرحمن أكبر، و: الله أعظم، فإنَّ هذه الألفاظ موضوعة لتعظيم الله فكانت تكبيراً وإنْ لم يُتَلَفَّظْ بِه.
فالثابت بالنص ذِكْر الله على سبيل التعظيم، ولفظ التكبير ثبت بالخبر فيجب العمل، حتى يُكْره افتتاح الصلاة بغيره لمَن يحسنه بناءً على تصحيح صاحب «التحفة»، وهو أولى من تصحيح السَّرَخْسي: عَدَمَها بغيره.
ولو قال عند الشروع: الله، كان شارعاً في الصلاة عند أبي حنيفة خلافاً لأبي يوسف ومحمد، حتى يذكر الخبر: إمّا بلفظ التكبير عند أبي يوسف، أو بنحو: أجلَّ، وأعظم، وكريم، ورحيم عند محمد. وعند أبي حنيفة: يُكْتَفَى بالخبر، أو المبتدأ المقدر
стр. 236
لا مَشُوبٍ بِدُعَاءٍ، ولَوْ بالفَارِسِيَّةِ، لا القِرَاءَةُ بِهَا إلّا بِعُذْرٍ، ويهِ يُفْتَى.
===
فقوله: الله، أيْ هو الله، أو أنت الله، أو الله ربنا، أو حسبنا.
وإذا كبَّر المأموم مقارناً لتكبير الإمام، يصير مُدْرِكاً فضيلة تكبيرة الافتتاح، وعندهما إذا أدرك الإمام في الثناء. وقال بعضهم: إذا أدرك الإمام في الركعة الأولى يصير مدركاً فضيلة تكبيرة الافتتاح.
(لا مَشُوبٍ) أي لا مخلوط (بِدُعَاءٍ) فلا يصح الافتتاح باللهم اغفر لي ونحوه، لأنه قصد السؤال به دون التعظيم، ولو قال: اللهم، قيل: يجزيه وهو الأصح، كذا في «المحيط»، لأن معناه: يا الله، والميم المشددة خَلَف عن حرف النداء. وقيل: لا يجزيه، لأن معناه يا الله أمِّنَّا بخير، فيكون مشوباً بالدعاء. (ولَوْ) كان ما دل على التعظيم (بالفَارِسِيَّةِ) وهذا عند أبي حنيفة، لإطلاق قوله تعالى: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّه فَصَلَّى﴾ ولأن مَنْ آمَنَ بلغة غير عربية، أو لبَّى في الحج، أو سَمَّى عند الذبح بها يجزيه، لحصول المقصود فكذا هذا. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكون شارعاً بغير العربية إذا كان يُحْسِنُ العربية، لأن اللغة العربية لها من المزية ما ليس لغيرها، وعلى هذاالخلاف الخُطْبَةُ والقنوت والتشهد، لا الأذان، فإنه يعتبر فيه التعارف.
(لا القِرَاءَةُ بِهَا) أي لا يُجْزاء القراءة في الصلاة بالفارسية (إلاّ بِعُذْرٍ) بأن كان لا يُحْسِنُ العربية، بشرط أنْ لا يُخِلَّ بالمعنى عما يستفاد من المبنى. (وبِهِ يُفْتَى) وهو قولهما وقول أبي حنيفة الذي رجع إليه، كما ذكر أبو بَكْر الرَّازي.
وجه قوله الأول: قوله تعالى: ﴿وإنَّه لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ (٢) ولم يكن فيها هذا النظم بل معناه.
ووجه قولهما: أنّ المأمور به قراءة القرآن وهو اسم لهذا النظم العربي الدال على المعنى المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا نقلاً متواتراً. وقال الله تعالى: ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيَّاً﴾ (٣) ، وقال: ﴿قرآناً عربياً غَيْرَ ذِي عِوَج﴾ (٤) ، ﴿ولوْ جَعَلْنَاه قرآناً أَعجمياً لقالوا لولا فُصِّلت آياتُهُ﴾ (٥) . على أنه يحتمل أنْ يكون الضمير في: «إنَّه» (٦)
стр. 237
ويَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ
===
للنبي ﷺ ويشهد لذلك قوله تعالى عَقِيب ذلك: ﴿أوَلَمْ يكن لَهُمْ آيةً أنْ يَعْلَمَه عُلَمَاءُ بَنِي إسْرَائِيل﴾ (١) الآيةَ.
وفي «الخانية»: الخطأ في الإعراب إنْ لم يغير المعنى لا يُفْسِد، لأنَّ الخطأ في الإعراب مما لم يمكن الاحتراز عنه فيُعذر. وإن غيَّر المعنى تغييراً فاحشاً نحو ﴿وعَصَى آدَمُ رَبَّه﴾ (٢) بنصب آدم ورفع ربه، فإن كان مخطئاً فسدت صلاته في قول المتقدمين. واختلف فيها قول المتأخرين، وما قاله المتقدمون أحوط، وما قال المتأخرون أوسع.
ولو أبدل كلمة مكان كلمة وهما في القرآن ومعناهما متقارب، كما لو أبدل مكان «الظالمين»: الفاسقين، لا تفسد صلاته سواء أعاد وأصلح، أو لا عند أبي حنيفة ومحمد، وعن أبي يوسف: أنها تفسد. ولو أبدل الضاد بالظاء فسدت صلاته عند الكَرْخِيّ، والحاكم الشهيد، وأبي مُطِيع البَلْخِيّ، ومحمد بن مُقَاتِل الرازي. وعن محمد ابن سَلَمَة: لا تفسد، لأن النَّاس قَلَّ منهم من يُفَرِّق بينهما. هذا وجهر الإمام بالتكبير للإعلام بالإحرام.
(ويَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ) لِمَا رَوَى مسلم في رَفْعِ اليدين: «ثم وضع يده اليُمْنَى على اليُسْرَى … » الحديثَ. وفي وضع اليد اليُمْنى على اليسرى في الصلاة أحاديث في الصحيحين وفي غيرهما، وهو حجّة على الإمام مالك في اختيار إرساله. فمنها: ما رواه أبو داود عن ابن مسعود: «أنه كان يصلّي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبيّ ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى». وعن قَبِيصَةَ بن هُلْب، عن أبيه قال: «كان النبيّ ﷺ يَؤُمُّنَا فيأخذ شماله بيمينه». رواه الترمذي وحسَّنه، وقال أبو يوسف: «يقبض باليمنى رسغ اليسرى». وقال محمد: يضع الرسغ وسط الكف. وفي «المفيد»: يأخذ الرسغ بالخنصر والإبهام، ويضع الباقي، وهو المختار.
وقال شمس الأئمة السَّرَخْسِي: استحسن كثير من مشايخنا الجمع بين الوضع والأخذ، وذلك بأن يضع باطن كفِّه اليمنى على ظاهر كفّه اليسرى، ويحلِّق بالخنصر والإبهام على الرسغ.
(تَحْتَ سُرَّتِهِ) وهو رواية عن أحمد لقول عليّ كرَّم الله وجهه: «إنَّ من السُّنة
стр. 238
والمَرْأَةُ تَضَعُ عَلَى صَدْرِهَا في كلِّ قِيَامٍ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ، ويُرْسِلُ في قَوْمَةِ الرُّكُوعِ، وبَيْنَ تَكْبِيرَاتِ العِيدَيْنِ.
===
وضع الأكفّ على الأكفّ تحت السرة». رواه أحمد وأبو داود والدَّارَقُطْنِيّ والبيهقيّ. والصحابي إذا قال: السُّنة، يحمل على سنّة النبي ﷺ وأمَّا قول صاحب «الهداية»: لقوله ﷺ «إنَّ من السُّنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة»، فلا يُعْرَفُ مرفوعاً.
وقال الشافعي: على صدره. وهو رواية أيضاً عن أحمد لِمَا رَوَى ابن خُزَيْمة في «صحيحه»، من حديث وائل بن حُجْر قال: «صليت مع رسول الله ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره». ولقوله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ أي ضع يدك على نَحْرك، وهذا التفسير مأثور عن عليّ كرَّم الله وجهه. وأُجِيبَ بأنَّ مدلول الآية طلب عين النحر، وهو غير طلب الوضع على الصدر على أنَّ وضعهما على الصدر، ليس هو حقيقة وضعهما على النحر، فصار الثابت هو وضع اليمين على اليسرى. وكونه تحت السرة أو على الصدر لم يثبت فيه حديث يوجب العمل به، فيُحَالُ على المعهود من وضعهما حال قصد التعظيم في القيام، والمعهود في الشاهد منه ما قلناه.
(والمَرْأَةُ تَضَعُ عَلَى صَدْرِهَا) اتفاقاً لأنَّ مبنى حالها على الستر. (في كلِّ قِيَامٍ) أيْ حقيقي أو حكمي كما إذا صلّى قاعداً (فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ) أي مشروع في الجملة، وقال محمد: في حالة القراءة فقط. فَيُرْسِل عنده حالة الثناء والقنوت وصلاة الجنازة، ويضع عندهما. وفي «الإحياء»: إذا فَرَغَ من التكبير يرسلهما إرسالاً رقيقاً خفيفاً، ويستأنف وضع اليمنى على الشمال بعد الإرسال. قال: وفي بعض الروايات: كان ﷺ إذا كبَّر أرسل يديه، وإذا أراد أنْ يقرأ وضع اليمنى على اليسرى. قال (١) : فإنْ صَحَّ، فهو أولى مما ذكرناه. قلت: وبذلك يراعى في الجملة مذهب مالك. والحديث رواه الطبراني من حديث مُعَاذ بإسنادٍ ضعيف، قاله العراقي.
(ويُرْسِلُ) (كان الأولى: فيرسل) (٢) (في قَوْمةِ الرُّكُوعِ) إجماعاً، إذ ليس في قومته ذِكْرٌ، وإنما الذكر في حال الانتقال من الركوع إلى القومة، ومنها إلى السجود وذلك لعدم امتدادها في أصل وضعها، ولو ورد في بعض الروايات إطالتها وقراءة الأدعية فيها.
(وبَيْنَ تَكْبِيرَاتِ العِيدَيْنِ) اتفاقاً، خلافاً للشافعيّ، لأنَّ بينها يُسَنُّ الذكر عنده.
стр. 239
ثُم يُثْنِي ولا يُوَجِّهُ،
===
(ثُمَّ يُثْنِي) أي بعد التحريمة يأتي بالثناء إماماً كان أو مقتدياً أو منفرداً لقوله تعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُوم﴾ (١) ، ولقوله ﷺ «إذا قُمْتُم إلى الصلاة فارفعوا أيديكم، ولا تخالف آذانكم، ثم قولوا: الله أكبر، سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك (٢) ، ولا إله غيرك، وإنْ لم تزيدوا على التكبير أجزأكم». رواه الطَبَرانِيّ.
ورواه الدَّارَقُطْني في «سننه» بإسنادٍ رجالهُ ثقاتٌ عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة كبّر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه»، ثم قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك». وتقول عائشة: «كان ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم … » إلخ. ورواه الجماعة. وقال مالك: إذا كبّر شرع في القراءة، ولا يشتغل بالثناء والتعوذ والتسمية، لما ورد: «أنه ﷺ كان يستفتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين».
ومن أدرك الإمام في الركوع: يكبّر للافتتاح، ويترك الثناء ويكبِّر ويركع، لئلا تفوته الركعة. أو في السجود أو القعود: يكبر للافتتاح ويأتي بالثناء. أو بعد ما اشتغل بالقراءة: قيل: لا يأتي به بل يستمع، وقيل: يأتي في حال سكتاته. وينبغي أنْ يأتي به في السرية، ويترك في الجهرية. وفي معنى السرية: إذا لم يسمع صوت الإمام في الجهرية. وأمّا قوله: «وجَلّ ثناؤك» فلم يُذْكَر في المشاهير فلا يأتي به في الفرائض. (ولا يُوَجِّهُ) أي لا يقول: وجّهت وجهي، إلى آخرِهِ وحدَه، كما اختاره الشافعي ولا يَجْمَعُ بينهما كما قال أبو يوسف، واختاره الطحاوِيُّ، إلاَّ أنه قال: المصلّي بالخيار إنْ شاء قال التوجيه بعد الثناء وإن شاء قاله قبل الثناء، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف. والثانية أقوى لحديث ورد به، ولموافقة المذهب ثم مراعاة غيره.
والأظهر أنْ يأتي بالتسبيح تارةً، وبالتوجيه أخرى، لعدم ورود الجمع بينهما ثم الأولى أنْ يخص الأول بالفرائض، والثاني بالنوافل جمعاً بين الأدلة واختيارات الأئمة.
ويؤيده ما رواه النّسائي من أنه ﷺ «كان إذا قام يصلّي تطوّعاً قال: الله أكبر، وجّهت وجهي» فيكون مفسّراً لِمَا في غيره من الأحاديث المطلقة.
هذا وقد روى مسلم من حديث عليّ ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ كان
стр. 240
وَيَتَعَوَّذ لِلقِرَاءَةِ لا لِلثَّنَاءِ،
===
إذا قام إلى الصلاة كبَّر ثم قال: وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونُسُكِي (١) ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين».
وفي رواية: «وأنا أول المسلمين». وفي «الظهيرية» عن أبي يوسف: روايتان، في رواية يقول: «وأنا من المسلمين». وفي رواية يقول: «وأنا أول المسلمين» يعني على الحكاية. لأنه ﷺ أول مسلمي هذه الأمّة، وأوّل المسلمين مطلقٌ، وكون روحه أول ما خلق الله، ولأنه أول من قال: بلى في جواب قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ﴾ (٢) .
وأمّا القول بالتوجيه قبل تكبيرة الافتتاح، فليس له توجيه وجيه، سواء يكون قبل النية أو بعدها.
(وَيَتَعَوَّذُ) أي في أول الصلاة فقط اتفاقاً، بأنْ يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهو ظاهر الرواية ومختار شمس الأئمة، وجمهور أرباب القراءة، ويؤيده ما جاء في الكتاب والسنة بلفظ: أعوذ، دون أستعيذ، كما اختاره صاحب «الهداية».
وهو مستحبٌّ عند عامة السلف وعليه جمهور الخلف وانفرد عطاء والثَّوْرِيّ بوجوبه لقوله تعالى: ﴿فإذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ باللهِ﴾ (٣) . ولقول أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ: «إنَّ النبيّ ﷺ كان إذا قام من الليل كبّر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك … إلخ، ثم يقول: لا إله إلاَّ الله ثلاثاً، ثم يقول: الله أكبر كبيراً ثلاثاً، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من هَمْزِهِ (٤) ونَفْخِهِ ونَفْثِهِ (٥) ، ثم يقرأ». رواه أبو داود والترمذيّ. قال الترمذي: هذا أشهر حديث في هذا الباب، وقد تُكُلِّمَ في إسناده. وقال المُنْذِري: وَثَّقَهُ غير واحد، وتكلم فيه غير واحد.
(لِلْقِرَاءَةِ) أي لأجل القراءة، وهو قول أبي حنيفة ومحمد وعليه الجمهور، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ أي أردت قراءته (لا لِلثَّنَاءِ) كما هو قول أبي يوسف. وَوَجْهُهُ: أنه ذِكرٌ بعد الثناء من جنسه، فيكون تبعاً له. وفي «الخلاصة»: قول أبي
стр. 241
فَيقُولُه المَسْبُوقُ، ويُؤخِّرُهُ عَنْ تَكْبِيراتِ العِيدَيْنِ، ويُسَمِّي
===
يوسف أصح. وفيه: أنه مخالف لظاهر القرآن فلا ينبغي أنْ يكون صحيحاً فكيف بالأصح.
(فَيَقُولُه المسْبُوقُ) عندهما: إذا قام إلى قضاء ما فاته، لأنه يقرأ حينئذٍ. وعند أبي يوسف: لا يقوله لأنه لا يأتي بالثناء حينئذٍ (ويُؤَخِّرُهُ) الإمام عندهما (عَنْ تَكْبِيراتِ العِيدَيْنِ) لتأخير القراءة عنها، وعند أبي يوسف: يقدمه عليها لتقدم الثناء عليها. (ويُسَمِّي) أول الصلاة فقط في رواية عن أبي حنيفة، لأنها شُرِعَت مفتاحاً للقراءة كالتعوذ، ولقول ابن عباس: «كان النبيّ ﷺ يَفْتَتِحُ صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم»، رواه الترمذيّ. وفي رواية أخرى: ـ وهي قولهما ـ «أول كل ركعة». لأنَّ التسمية لافتتاح القراءة وكل ركعة أصل في القراءة، فتبتدأ بالبسملة.
وفي «المحيط»: قيل: التسمية ـ أي في أوائل السورة ـ ليست عندنا من القرآن، لاختلاف العلماء والأخبار فيها، يعني المُستَلْزِمِ عدمَ تواترها. وإنما يُسْتَفْتَح في أوائل السورة تبرّكاً، وقد اختلف الصدر الأول فيها اختلافاً ظاهراً. والقرآن لا يثبت إلاَّ بالإجماع، حتى ادعى أبو بَكْرٍ البَاقِلاني وغيره، خطأ الشافعي في جعله البسملة من القرآن، معتمدين على أنه لا يجوز إثباته إلا بالتواتر، ولا تواتر ههنا، فيجب القطع بنفي كونها منه، وهو وجه رواية النفي، وبه قال مالك وطائفة من الحنفية وبعض أصحاب أحمد مدَّعين أنه مذهبه، أو رواية عنه.
قلت: ينبغي أنّ لا يُقْطَع بكونها من القرآن، ولا بنفيها منه كما لا يخفى، إذ لا دليل (قطعي) (١) على أحد الشقَّين. وأما قول الشافعيّ: مذهب ابن كَثِير وعَاصَمٍ والكِسَائيّ من القرّاء ووافقهم حَمْزَة في أنها من الفاتحة خاصة. ولم يعتقدها الباقون من الفاتحة ولا غيرها، وقالُون منهم ففيه بحث، إذ الموجود في كتب القِرَاءَة أنَّ القرَّاء كلهم يبتدؤن الفاتحة بالبسملة، واختُلِف فيما بين السورتين. وليس في كتبهم تعرض باعتقادهم أنهم يَعُدُّونها من القرآن أم لا، والله أعلم.
وروى الجَصَّاص عن محمد: أنها آية من القرآن أُنْزِلَت للفصل بين السور، وليست من الفاتحة، ولا من كل سورة. وهذا القول أعدَل وأصح، ولهذا كُتِبَت بخط الوحي (٢) ، أي ما ثبت أنه وحي، ليدل على كونها من القرآن، وكُتِبَت بخط على حدة ـ
стр. 242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أي بتطويل سين أو بقلم متين ـ ليدل على كونها ليست من تلك السورة. وقد روى أبو داود عن الصحابة ﵃: «كنّا لا نعرف انقضاء السورة حتى نزل: بسم الله الرحمن الرحيم».
وعند مالك: لا يُسْتَحَب الثناء ولا التعوّذ ولا التسمية في بدء الصلاة. وقال الشافعي: التسمية جزء من الفاتحة، ومن كل سورة، على اختلاف أنها آية أو بعضها، ويؤيد كونها آية قول (أم) (١) سَلَمة: «أنّ النبيّ ﷺ قرأ بسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة في الصلاة وَعَدَّها آية». ذكره النووي في «الخلاصة»، والحاكم في «المستدرك»، وقول نُعَيم المُجْمِر: «صليت خلف أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. ثم قرأ بأم القرآن، فلما سَلَّمَ قال: والذي نفسي بيده إني لأشْبَهُكُم صلاةً برسول الله ﷺ . رواه ابن حِبَّان وابن خُزَيْمة في «صحيحيهما».
وقال مالك: يبتدأ بالحمدلة لقوله ﷺ «قال الله تعالى: قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حَمِدَني عبدي … » الحديث (٢) . رواه مسلم. ولقول عائشة: «كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين». ولقول أنس: «أن النبيّ ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين». رواه الشيخان.
والجواب: أن هذا أول ما كان يُسمع منه، وهو لا ينافي قراءة الثناء والتعوّذ والبسملة سراً كما لا يخفى. نعم، في هذا حجّة على الشافعي في جهره بالبسملة، إلاّ أنه استدل في جهرها بما روى الدَّارَقُطْنِي في «سننه» عن محمد بن المتوكل بن أبي السَّرِيّ (٣) قال: «صلّيت خلف المُعْتَمِر بن سليمان من الصلوات ما لا أُحْصِيها: الصبح والمغرب، فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل الفاتحة وبعدها، (وسمعت المُعْتَمِر) (٤) يقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أَبِي: ما آلو أن أقتدى
стр. 243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بصلاة أَبِي، وقال أَبِي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس: ما آلُو أن أقتدي بصلاة رسول الله ﷺ .
وعن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «صليت خلف النبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر، فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم». وعن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال: «كان ﷺ يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم». وعن علاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: «أنَّ النبيّ ﷺ كان إذا أمَّ الناس، جهر ببسم الله الرحمن الرحيم».
والجواب عمّا رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن محمد بن أبي السَّرِيّ، عن المُعْتَمِر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، عن أنس، أنه مُعَارَض بما رواه ابن خُزَيْمَة في «مختصره»، والطَّبَرَاني في «معجمه»، عن المُعْتَمِر بن سُلَيْمَان، عن أبيه، عن الحسن، عن أنس: «أنّ رسول الله ﷺ كان يُسِرّ ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة». زاد ابن خُزَيْمَةَ: «وأبو بكر وعمر ﵄ في الصلاة».
وعن حديث ابن أبي فُدَيْك (١) ، عن ابن أبي ذئب أنه هو، وكذا الخلاّل ضَعَّفَ شيخَه عمر بن الحسن الشَّيْبَانيّ، وكذا ضعّف جعفر بن محمد بن مروان شيخ عمر، ونسب شيخ جعفر ـ وهو أبو طاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ـ إلى الوضع، وأبوه عيسى كان وضّاعاً أيضاً، ذكره الحافظ أبو محمد الرَّامَهُرْمُزِي.
وعن حديث ابن عباس المُخَرَّج من سبعة طرق أنه ضعيف من جميع طرقه بَيَّنَها الزَّيْلَعِي في تخريجه، ومُعَارِض لِمَا روى الطَّحَاوي، وابن عبد البَرّ، عن ابن عباس: «أن الجهر بالبسملة قراءة الأَعراب». وعنه أيضاً: «لم يجهر النبيّ ﷺ بالبسملة حتى مات». وحُكِيَ عن الدَّارَقُطْنيّ: أنه لمَّا ورد مصر سأله بعض أهلها أن يُصَنِّفَ شيئاً في الجهر بالبسملة، فصَنَّفَ فيه جزأ، فاقسم عليه بعض المالكية أنْ يخبره بالصحيح منها، فقال: لم يصح بالجهر بالبسملة حديث. وقد تجَرَّد أبو بكر الخطيب لجمع أحاديث الجهر فأزرى (٢) على علمه، بتغطية ما ظن أنه لا ينكشف، وقد بيَّنا عللها وخللها قاله
стр. 244
لا بَيْنَ الفَاتِحَةِ والسُّورَةِ، ويُسِرُّهُنَّ
===
صاحب «التنقيح».
وعن حديث أبي هريرة: أنَّ الخطيب أخرجه عن أبي أُوَيْس، واسمه عبد الله بن أُنَيْس قال: أخبرني العَلاء بن عبد الرحمن … وساق الحديث. ورواه الدَّارَقُطنِيّ، وابن عَدِيّ وقالا فيه: «قرأ» عِوَض «جهر»، وكأنه رواه بالمعنى، ولو ثبت هذا عن ابن أُنَيْس فهو غير محتج به لأنه لا يُحْتَجُّ بما انفرد به، فكيف إذا انفرد بما خالفه فيه من هو أوثق منه مع أنه مُتَكَلَّم فيه. فوثقه الدَّارَقُطْنِيّ وأبو زُرْعَة، وروى له مسلم في «صحيحه»، وضَعَّفه أحمد وابن مَعِين وأبو حاتم.
وعن حديث نُعَيم المُجْمِر: أنه معلول، فإنّ ذِكْرَ البسملة فيه مما تَفَرَّد به نُعَيم من بين أصحاب أبي هريرة، وأنه حَدَّث عن أبي هريرة: «أنه ﷺ كان يجهر بالبسملة في الصلاة». وقد أعرض عن ذكرها في حديث أبي هريرة صاحب الصحيح. ولم يذكرها واحد منهما مع شدة حرص البخاري على معارضة الإمام أبي حنيفة بالأحاديث مهما أمكنه، بدليل ما أشحن به صحيحه.
ثم إنَّا بعد ذلك كله نَحْمِل أحاديث الجهر على أحد أمرين: إمّا أن يكون جَهَرَ بها لتعليم الإتيان بها، أو جَهَرَ جهراً يسيراً يسمعه مَنْ قَرُبَ منه.
فإن المأموم إذا قَرُبَ من الإمام، أو حاذاه يسمع ما يخافته، ولا يُسمَّى ذلك جهراً، كما ورد أنه كان يصلي بهم الظهر فيسمعهم الآية والآيتين بعد الفاتحة أحياناً، أو يكون قبل الأمر بترك الجهر كما قدمنا عن سَعيد بن جُبَيْر.
(لا بَيْنَ الفَاتِحَةِ والسُّورَةِ) وقال محمد: يُسمِّي بينهما في السرية لا في الجهرية، لأنه إنْ خافت البسملة بينهما يكون سكتة ظاهرة في وسط القراءة، وإنْ جهر بها يكون جمعاً بين مخافتة البسملة أولاً، والجهر بها ثانياً. أقول: والأظهر أن يقرأها سراً ولو في الجهرية لأنها للفصل بين السورتين، ولا مانع من السكتة في وسط القراءة كما سيأتي في قوله آمين سراً.
(ويُسِرُّهُنَّ) أي الثناء والتعوذ والتسمية، لما روى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِيّ أنه قال: أربع يُخْفِيهنَّ الإمام: التعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وسبحانك اللهم وبحمدك، وآمين. وقال ابن عبد البرِّ: رُوِيَ عن عمر ابن الخطاب ﵁ من وجوه ليست بالقائمة أنه قال: «يُخْفي الإمام أربعاً: التعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وسبحانك اللهم وبحمدك، وآمين».
стр. 245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
انتهى.
وفي رواية أحمد وأبي داود والدَّارَقُطْنيّ عن أبي وَائِل أنَّه ﷺ قال: «آمين وخفض بها صوته». وفي البسملة وآمين خلاف الشافعي. وقال بالإسرار بالتسمية مع الفاتحة الثَّوْرِيُّ وأحمد وأبو عُبيد. ورُوِي ذلك عن عمر وعليّ وابن مسعود وعَمَّار وابن الزُّبَيْر ﵃. وعن سعيد بن جُبَيْر أنه قال: «كان المشركون يحضرون المسجد وإذا قرأ رسول الله ﷺ قالوا: هذا محمد يذكر رحمن اليَمَامة ـ يعنون مُسَيْلَمَة الكذَّاب ـ فَأَمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم، ونزلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (١) رواه أبو داود. وفي رواية: «فخفض النبي ﷺ بسم الله الرحمن الرحيم». فهذا يدل على نسخ الجهر بها. قال الترمذي الحكيم: فَبَقِيَ ذلك إلى يومنا هذا وإن زالت العلة، كما بقي الرَّمَل (٢) في الطواف، والمخافتة في صلاة النهار وإن زالت العلة. انتهى.
فمعنى الآية: ولا تجهر ببعض قراءتك وهي البسملة ولا تخافت بغيرها. وهو معنى غريب في الآية. والمشهور فيها: لا تجهر بقراءتك في النهار، ولا تخافت بها في الليل، أو لا تبالغ في الجهر بها حال التهجد، ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً.
ومن الأدلة على إسرار البسملة: قول أنس «صلّيت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم». وفي لفظ مسلم: «فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها». وفي روايةٍ لمسلم: «فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم». ورواه النّسائي والدَّارَقُطْنِي في «سننهما»، وأحمد في «مسنده»، وابن حِبَّان في «صحيحه». وقالوا: «فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم». وزاد ابن حِبَّان: «ويجهرون بالحمد لله رب العالمين».
وفي مسند أبي يَعْلَى المَوْصِلي: «فكانوا يفتتحون القراءة فيما يجهر به بالحمد لله رب العالمين». وفي «آثار الطَّحَاوِيّ»، «ومعجم الطَبَرَانِيّ»، «وحِلْيَة أبي نُعَيْم»،
و
стр. 246
ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاِتحَةَ وَيُؤَمِّنُ سِرًّا كالمَأْمُومِ،
===
«مختصر ابن خُزَيْمَةَ»: «فكانوا يُسِرُّون ببسم الله الرحمن الرحيم». ورجال هذه الروايات كلهم ثقات مخرَّج لهم في «الصحيحين» (١) .
ومنها قول ابن عبد الله بن مُغَفَّل (٢) : «وسمعني أبي وأنا اقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم ـ أي جهراً ـ فقال: أي بُنَيَّ، إياك والحَدَثَ، قال: ولم أر أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام ـ يعني منه ـ فإني صلّيت مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقولها، فلا تقلها أنت، وإذا صليت فقل: الحمد لله رب العالمين». رواه الطحاوي وابن ماجه والنَّسائي والترمذي، وقال: حديث حسنٌ. والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين ﵃، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، والثَّوْرِيّ، والحسن، والأَوْزَاعِيّ، والشعْبِيّ، والنَّخَعِي.
هذا، وقد قال الشافعيّ: البسملة من الفاتحة قولاً واحداً، وكذا من غيرها على الصحيح. وعندنا: هي آية أنْزِلت للفصل بين السُّور، ليست من الفاتحة، ولا من كل سورة. لِمَا رُوِيَ عن ابن عباس: «أنه ﷺ كان لا يعرف فصل السورة حتى نزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم». رواه أبو داود والحاكم في «مستدركه».
(ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحَةَ) أي وجوباً (وَيُؤَمِّنُ) أي يقول آمين حال كونه منفرداً أو إماماً، استحباباً (سِرّاً كالمَأْمُومِ) أي كما يُؤَمِّن المأموم سرّاً كما سبق. وإنما يُؤَمّن المصلي لما روى الشيخان عن أبي هريرة: أنَّ النبي ﷺ قال: «إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه». ولفظ «أحدكم» يندرج فيه الإمام والمنفرد والمأموم.
ولما روى مالك، والجماعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أمَّنَ الإمام فأَمِّنُوا، فإنه من وافق تأمينُه تأمين الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه». قال النووي في «شرح مسلم»: والصحيح الصواب أن المراد: الموافقة في وقت التأمين، أي لا في الكيفية من خلو الرياء والسمعة، كما قال به ابن حِبّان. ولا يبعد أنْ يُرَاد به الأعمّ والله تعالى أعلم. وقيل الملائكة: هم الحفظة، وقيل غيرهم، لقوله ﷺ في الحديث الآخر:
стр. 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
«فوافق قوله قول أهل السماء». وفي رواية: قالت الملائكة في السماء، ولا منع من الجمع.
وفي آمين لغتان: المد، وهو الأشهر، ومنه قول بعضهم: ويرحم الله عبداً قال آميناً. أو القصر، ومنه قول الشَّاطِبِيّ:
* أَمِينَ وأمناً للأَمينِ بِسِرِّها ** وإن عَثَرَتْ فَهُوَ الأَمُونُ تحمُّلاً
وهو اسم فعل ومعناه: استجب، عند أكثر أهل العلم. وقيل معناه: كذلك فليكن. وقال الترمذي: معناه لا تُخَيِّب رجاءنا. قال الجَوْهَرِيّ: وهو مبني على الفتح كأين، وتشديد الميم خطأ، قيل: تفسد الصلاة، وقيل: لا تفسدها، لأن نظير لفظه موجود في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ﴾ (١) وقد حكى القُشَيْري: التشديد عن الحسن، وجعفر الصادق، فيكون مِنْ أمَّ إذا قصد. فالتقدير: دعوناك قاصدين، فلا تردَّنا خائبين.
واستدل الشافعي في جهر آمين، بما في سنن أبي داود والترمذي عن سفيان، عن سَلَمة بن كُهَيْل، عن حُجْر بن العَنْبَس، عن وائل بن حُجْر، واللفظ لأبي داود قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: ﴿ولا الضَّالَين﴾، قال: آمين ورفع بها صوته». ولفظ الترمذي: «ومدَّ بها صوته»، وقال حديثٌ حسنٌ. قلنا رواه شُعْبَة عن سَلَمة بن كُهَيْل، عن حُجْر بن العنبس، عن عَلْقَمَة بن وَائِلٍ، عن أبيه، وقال فيه: «وخفض بها صوته». إلاَّ أنَّ أبا زُرْعَةَ والبخاري جعلا حديث سفيان أصح من حديث شُعْبَة. والبَيْهَقِيّ روى عنه موافقةً لسفيان: «يرفع الصوت بها».
لكن روى الطَّحاوي في «آثاره» عن أبي وائل قال: «كان عمر وعليّ لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا بالتعوذ، ولا بآمين». وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه»: أخبرنا مَعْمَر، عن حَمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِي قال: «أربع يُخْفِيهن الإمام: التَّعوُّذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، واللهم ربّنا لك الحمد، وآمين». ثم قال: أخبرنا الثَّورِي، عن مَنْصُور، عن إبراهيم قال: «خمس يُخْفِيهن الإمام … فذكرها وزاد: سبحانك اللهم وبحمدك». فهذا يدل على أن الجهر بها في بعض الأحيان كان للتعليم فعلاً كما ورد: وكان يُسْمِعُنا الآية أحياناً، لا ليكون سنةً مستمرة، وإلاَّ لما تركه عمر وعليّ ولما ساغ لإبراهيم النَّخَعِي الحكم بخلافه من عنده.
стр. 248
ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ خَافِضًا، ويَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيهِ، مُفَرِّجًا أصَابِعَهُ، بَاسِطًا ظَهْرَهُ، غَيرَ رَافِعٍ ولا مُنَكِّسٍ رَأْسَهُ.
===
(ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ خَافِضاً) أي حال كونه منحطاً، بأن يكون ابتداء التكبير عند انحطاطه، وهذا موافق لما في «الجامع الصغير» حيث قال: ويكبر مع الانحطاط. وقيل: يكبر قائماً، ثم يركع. وعن محمد: ما يدل عليه، وهو: وإذا أراد أنْ يركع يكبّر. وروى النَّسائي، والترمذي وقال: حسنٌ صحيحٌ، عن عبد الله بن مسعود قال: «كان النبيّ ﷺ يكبّر في كل خفض، ورفع، وقيام، وقعود، وأبو بكر وعمر». وقوله في كل خفض: أي عند إرادة كل خفض إلى آخره. قال الترمذي: حديث ابن مسعود حسنٌ صحيحٌ، والعمل عليه عند أصحاب النبيّ ﷺ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ وغيرهم ﵃، ومن بعدهم من التابعين، وعليه عامة العلماء.
(ويَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ) أي: ناصباً ساقيه. وأما انحناؤهما شبه القوس، كما يفعله بعض الناس فمكروه. وإنما يضع على ركبتيه لما في الصحيحين، عن مُصْعَب بن سعد بن أبي وَقَّاص قال: «صليت إلى جَنْب أبي فطَبَّقْتُ بين كفيَّ، ثم وضعتهما بين فخذي، فنهاني أبي، وقال: كنّا نفعله فَنُهِينَا عنه، وأُمِرْنا أنْ نضع أيدينا على الركب (إلا في السجود)» (١) .
(مُفَرِّجاً أصَابِعَهُ) ليكون أمكن من أخذهما. ولما روى الطبرانيّ في «معجمه» عن أنس: أن النبيّ ﷺ قال له: «يا بني إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك، وفَرِّج بين أصابعك، وارفع يديك عن جنبيك».
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين، ومن بعدهم، ولا اختلاف بينهم في ذلك إلاَّ ما رُوِيَ عن ابن مسعود، وبعض أصحابه: أنهم كانوا يُطَبِّقُون، والتطبيق منسوخ عند أهل العلم. قال سعد بن أبي وقَّاص: «كنا نفعل ذلك، فَنُهِينَا عنه، وأُمِرْنا أنْ نضع الأكف». وحديث سعد هذا متفق عليه.
(بَاسِطاً ظَهْرَهُ) لما روى ابن ماجه في «سننه»، عن راشد قال: سمعت وابِصَة ابن مَعْبَد يقول: «رأيت رسول الله ﷺ يصلّي، وكان إذا ركع سَوَّى ظهره حتى لو صُبَّ عليه الماءُ لاستقرَّ». (غَيْرَ رَافِعٍ ولا مُنَكِّسٍ) بتشديد الكاف المكسورة (رَأْسَهُ) بالنصب على أنه مفعول تنازع فيه الفعلان. وذلك لما روى مسلم عن عائشة، في حديث طويل: «وكان إذا ركع لم يُشْخِصْ رأسه (٢) ، ولم يُصَوِّبْه، ولكن بين ذلك».
стр. 249
ويُسَبِّحُ ثَلاثًا، وهوَ أَدْنَاهُ،
===
وإشخاص الرأس: رفعه. وتصويبه: خفضه.
(ويُسَبِّحُ ثَلاثاً) يقول كل مرة: سبحان ربي العظيم. وفي رواية: وبحمده. ولو رفع الإمام رأسه قبل أن يتم المأموم ثلاثاً، يتم في رواية، ويُتَابع في أخرى، وهو الصحيح. وقيل: إنّ تسبيحه، وتسبيح السجود، وتكبيرهما واجبات.
(وهُوَ) أي التسبيح ثلاثاً (أَدْنَاهُ) أي أدنى الكمال. لِمَا روى أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه ثلاث مرات: سبحان ربّي العظيم وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، وذلك أدناه»، ولما روى الترمذي مُرسلاً أنه ﷺ قال: «إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، فقد تمَّ ركوعه وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، فقد تمَّ سجوده وذلك أدناه».
ولِمَا في «السنن الأربعة» من قول حُذَيْفَة: «صليت مع رسول الله ﷺ وكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى». ولقول عُقْبَة بن عامر الجُهَنِي: «لمَّا نزلت ﴿فَسَبِّحْ باسم رَبِّك العظيم﴾ (١) ، قال لنا رسول الله ﷺ اجعلوها في ركوعكم، ولمَّا نزلت ﴿سَبِّحْ اسمَ رَبِّك الأَعْلَى﴾
قال لنا رسول الله ﷺ اجعلوها في سجودكم». رواه أبو داود، وابن ماجه، والطحاوي، وجعله ناسخاً للأذكار التي كانت تقال فيهما قبل نزولهما. وهي: ما رواه هو وغيره عن عليّ قال: «كان رسول الله ﷺ يقول وهو راكع: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وأنت ربي خشع لك سمعي وبصري، ومُخِّي وعظمي لله رب العالمين». وزاد في رواية: «وما استقلت به قدمي لله رب العالمين ـ ويقول في سجوده: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، أنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه، وصوَّره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين». وفي رواية أخرى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «نُهِيتُ أن أقرأ وأنا راكع أو ساجد، فأمَّا الركوع فعظِّموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فَقَمِنٌ (٢) أن يستجاب لكم».
وعن عائشة قالت: «فَقَدْت النبي ﷺ ذات ليلة، فظننت أنَّه أتى جاريته،
стр. 250
ثُمَّ يُسَمِّعُ رَافِعًا رَأْسَه. ويَكْتَفِي بِهِ الإمَامُ، وبالتَّحْمِيدِ المُؤْتَمُّ، ويَجْمَعُ المُنْفَرِدُ بَيْنَهُمَا
===
فالتمسته بيدي، فوقعت يدي على صدر قدميه وهو ساجد يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثْنَيْتَ على نفسك». وليس النسخ في قول الطحاوي بمعنى أنه لا يجوز غيره، بل المراد أنه أفضل، وإنْ جُمِعَ بينهما فهو أكمل.
(ثُمَّ يُسَمِّعُ) ـ بتشديد الميم المكسورة ـ أي يقول المصلّي: سمع الله لمن حمده، بهاء الكناية أو السكتة والاستراحة. ومعنى سمع: أجاب لأن الإجابة مُسَبَّبة عن السماع، واللام في لمن للمنفعة. وقيل: زائدة أي قَبِلَ حَمْدَ مَنْ حَمِدَه، على أنه خبر مبنىً، ودعاء معنىً. (رَافِعاً رَأْسَهُ) أي لا حالة قيامه، ويقول: ربنا لك الحمد خافضاً (ويَكْتَفِي بِهِ) أي بالتسميع وحده (الإمَامُ و) يَكْتَفِي عند أبي حنيفة (بالتَّحْمِيدِ المُؤْتَمُّ) لاكتفاء القوم بالتحميد اتفاقاً، وبه قال مالك. وقال أبو يوسف ومحمد: يجمع الإمام بين التسميع والتحميد. واختاره الطحاوي، وهو رواية عن أبي حنيفة. وهو الأصح من مذهب الشافعي لما روى البخاري عن أبي هريرة قال: كان النبيّ ﷺ إذا قال: «سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربّنا لك الحمد». وقد يجاب بأنه محمول على حال انفراده، أو لبيان جوازه، ومع الاحتمال لا يصلح للاستدلال.
ولأبي حنيفة ما رواه الجماعة إلاَّ ابن ماجه، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربّنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه». وفي رواية لأبي داود وابن ماجه والنَّسائي والطحاوي أنه قال ﷺ «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم». ووجه الدلالة أنه ﷺ قَسَّمَ بين ما يقول الإمام والمأموم، والقسمة تنافي الشركة. فإن قيل: قد وقعت القسمة في قوله ﷺ «إذا قال الإمام: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضّالين﴾، فقولوا: آمين». مع أن الإمام يشارك المأموم في قوله آمين، فالجواب أنَّ الشركة بين الإمام والمأموم في قول آمين ثبتت بما روى النَّسائي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قال الإمام: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول آمين، وإن الإمام يقول آمين». ويقول: ربنا ولك الحمد، أو: اللهم ربنا لك الحمد وقد ورد الأثرُ بهما.
(ويَجْمَعُ المُنْفَرِدُ بَيْنَهُمَا) أي بين التسميع والتحميد عند أبي يوسف ومحمد، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهو الأصح. كذا في «الهداية»، لأنه إمام نفسه